{"pages":[{"id":1,"text":"{ بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } من الفاتحة ، ومن كل سورة ، وعليه قرّاء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك C تعالى والشافعي . وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها ومالك والأوزاعي ، ولم ينص أبو حنيفة C تعالى فيه بشيء فظن أنها ليست من السورة عنده . وسئل محمد بن الحسن عنها فقال : ما بين الدفتين كلام الله تعالى . ولنا أحاديث كثيرة : منها ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ، أنه E قال : \" فاتحة الكتاب سبع آيات ، أولاهن بسم الله الرحمن الرحيم \" وقول أم سلمة Bها «قرأ رسول الله A الفاتحة وعد «بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين» آية ومن أجلهما اختلف في أنها آية برأسها أم بما بعدها ، والإجماع على أن ما بين الدفتين كلام الله سبحانه وتعالى ، والوفاق على إثباتها في المصاحف مع المبالغة في تجريد القرآن حتى لم تكتب آمين . والباء متعلقة بمحذوف تقديره : بسم الله أقرأ لأن الذي يتلوه مقروء . وكذلك يضمر كل فاعل ما يجعل التسمية مبدأ له ، وذلك أولى من أن يضمر أبدأ لعدم ما يطابقه ويدل عليه . أو ابتدائي لزيادة إضمار فيه ، وتقديم المعمول ههنا أوقع كما في قوله : { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا } وقوله : { إِيَّاكَ نَعْبُدُ } لأنه أهم وأدل على الاختصاص ، وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود فإن اسمه سبحانه وتعالى مقدم على القراءة ، كيف لا وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يتم ولا يعتد به شرعاً ما لم يصدر باسمه تعالى لقوله E \" كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر \" وقيل الباء للمصاحبة ، والمعنى متبركاً باسم الله تعالى اقرأ ، وهذه وما بعده إلى آخر السورة مقول على ألسنة العباد ليعلموا كيف يتبرك باسمه ، ويحمد على نعمه ، ويُسأل من فضله ، وإنما كسرت ومن حق الحروف المفردة أن تفتح ، لاختصاصها باللزوم الحرفية والجر ، كما كسرت لام الأمر ولام الإضافة داخلة على المظهر للفصل بينهما وبين لام الابتداء ، والاسم عند أصحابنا البصريين من الأسماء التي حذفت أعجازها لكثرة الاستعمال ، وبنيت أوائلها على السكون ، وأدخل عليها مبتدأ بها همزة الوصل ، لأن من دأبهم أن يبتدئوا بالمتحرك ويقفوا على الساكن . ويشهد له تصريفه على أسماء وأسامي وسمى وسميت ومجيء سمي كهدى لغة فيه قال :\rوالله أسماك سمىً مُباركاً ... آثرك الله بهِ إيَثَاركا\rوالقلب بعيد غير مطرد ، واشتقاقه من السمو لأنه رفعة للمسمى وشعار له . ومن السمة عند الكوفيين ، وأصله وسم حذفت الواو وعوضت عنها همزة الوصل ليقل إعلاله . ورد بأن الهمزة لم تعهد داخلة على ما حذف صدره في كلامهم ، ومن لغاته سم وسم قال :","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"بِسْمِ الذي في كُلِّ سُورةٍ سِمُهْ ... والاسم إن أريد به اللفظ فغير المسمى ، لأنه يتألف من أصوات متقطعة غير قارة ، ويختلف باختلاف الأمم والأعصار ، ويتعدد تارة ويتحد أخرى . والمسمى لا يكون كذلك ، وإن أريد به ذات الشيء فهو المسمى لكنه لم يشتهر بهذا المعنى وقوله تعالى : { تبارك اسم رَبّكَ } و { سَبِّحِ اسم رَبّكَ } المراد به اللفظ لأنه كما يجب تنزيه ذاته سبحانه وتعالى وصفاته عن النقائص ، يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب . أو الاسم فيه مقحم كما في قول الشاعر :\rإلى الحولِ ثُم اسمُ السلامِ عليكُما ... وإن أريد به الصفة ، كما هو رأي الشيخ أبي الحسن الأشعري ، انقسم انقسام الصفة عنده : إلى ما هو نفس المسمى ، وإلى ما هو غيره ، وإلى ما ليس هو ولا غيره . وإنما قال بسم الله ولم يقل بالله ، لأن التبرك والاستعانة بذكر اسمه . أو للفرق بين اليمين والتيمن . ولم تكتب الألف على ما هو وضع الخط لكثرة الاستعمال وطولت الباء عوضاً عنها . والله أصله إله ، فحذفت الهمزة وعوض عنها الألف واللام ولذلك قيل : يا الله ، بالقطع إلا أنه مختص بالمعبود بالحق . والإله في الأصل لكل معبود ، ثم غلب على المعبود بالحق . واشتقاقه من أله ألهة وألوهة وألوهية بمعنى عبد ، ومنه تأله واستأله ، وقيل من أله إذا تحير لأن العقول تتحير في معرفته . أو من ألهت إلى فلان أي سكنت إليه ، لأن القلوب تطمئن بذكره ، والأرواح تسكن إلى معرفته . أو من أله إذا فزع من أمر نزل عليه ، وآلهة غيره أجاره إذ العائذ يفزع إليه وهو يجيره حقيقة أو بزعمه . أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه ، إذ العباد يولعون بالتضرع إليه في الشدائد . أو من وله إذا تحير وتخبط عقله ، وكان أصله ولاه فقلبت الواو همزة لاستثقال الكسرة عليها استثقال الضمة في وجوه ، فقيل إله كإعاء وإشاح ، ويرده الجمع على آلهة دون أولهة . وقيل أصله لاه مصدر لاه يليه ليها ولاها ، إذا احتجب وارتفع لأنه سبحانه وتعالى محجوب عن إدراك الأبصار ، ومرتفع على كل شيء وعما لا يليق به ويشهد له قول الشاعر :\rكحِلفةٍ من أبي رباحٍ ... يُشهِدْهَا لاهَهْ الكِبَارُ\rوقيل علم لذاته المخصوصة لأنه يوصف ولا يوصف به ، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه ، ولأنه لو كان وصفاً لم يكن قول : لا إله إلا الله ، توحيداً مثل : لا إله إلا الرحمن ، فإنه لا يمنع الشركة ، والأظهر أنه وصف في أصله لكنه لما غلب عليه بحيث لا يستعمل في غيره وصار له كالعلم مثل : الثريا والصعق أجرى مجراه في إجراء الأوصاف عليه ، وامتناع الوصف به ، وعدم تطرق احتمال الشركة إليه ، لأن ذاته من حيث هو بلا اعتبار أمر آخر حقيقي أو غيره غير معقول للبشر ، فلا يمكن أن يدل عليه بلفظ ، ولأنه لو دل على مجرد ذاته المخصوصة لما أفاد ظاهر قوله سبحانه وتعالى :","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"{ وَهُوَ الله فِى السموات } معنى صحيحاً ، ولأن معنى الاشتقاق هو كون أحد اللفظين مشاركاً للآخر في المعنى والتركيب ، وهو حاصل بينه وبين الأصول المذكورة ، وقيل أصله لاها بالسريانية فعرب بحذف الألف الأخيرة ، وإدخال اللام عليه ، وتفخيم لامه إذا انفتح ما قبله أو انضم سنة ، وقيل مطلقاً ، وحذف ألفه لحن تفسد به الصلاة ، ولا ينعقد به صريح اليمين ، وقد جاء لضرورة الشعر :\rألاَ لا باركَ الله في سُهيلٍ ... إذا ما الله باركَ في الرِّجالِ\rو { الرحمن الرحيم } اسمان بنيا للمبالغة من رحم ، كالغضبان من غضب ، والعليم من علم ، والرحمة في اللغة : رقة القلب ، وانعطاف يقتضي التفضل والإحسان ، ومنه الرَّحِم لانعطافها على ما فيها . وأسماء الله تعالى إنما تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادي التي تكون انفعالات . و { الرحمن } أبلغ من { الرحيم } ، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى كما في قَطَّعَ وقَطَعَ وكَبَّار وكِبَار ، وذلك إنما يؤخذ تارة باعتبار الكمية ، وأخرى باعتبار الكيفية ، فعلى الأول قيل : يا رحمن الدنيا لأنه يعم المؤمن والكافر ، ورحيم الآخرة لأنه يخص المؤمن ، وعلى الثاني قيل : يا رحمن الدنيا والآخرة ، ورحيم الدنيا ، لأن النعم الأخروية كلها جسام ، وأما النعم الدنيوية فجليلة وحقيرة ، وإنما قدم والقياس يقتضي الترقي من الأدنى إلى الأعلى ، لتقدم رحمة الدنيا ، ولأنه صار كالعلم من حيث إنه لا يوصف به غيره لأن معناه المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها ، وذلك لا يصدق على غيره لأن من عداه فهو مستعيض بلطفه وإنعامه يريد به جزيل ثواب أو جميل ثناء أو مزيج رقة الجنسية أو حب المال عن القلب ، ثم إنه كالواسطة في ذلك لأن ذات النعم ووجودها ، والقدرة على إيصالها ، والداعية الباعثة عليه ، والتمكن من الانتفاع بها ، والقوى التي بها يحصل الانتفاع ، إلى غير ذلك من خلقه لا يقدر عليها أحد غيره . أو لأن الرحمن لما دل على جلائل النعم وأوصلها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها ، فيكون كالتتمة والرديف له . أو للمحافظة على رؤوس الآي .\rوالأظهر أنه غير مصروف وإن حظر اختصاصه بالله تعالى أن يكون له مؤنث على فعلى أو فعلانة إلحاقاً له بما هو الغالب في بابه . وإنما خص التسمية بهذه الأسماء ليعلم العارف أن المستحق لأن يستعان به في مجامع الأمور ، هو المعبود الحقيقي الذي هو مولى النعم كلها عاجلها وآجلها ، جليلها وحقيرها ، فيتوجه بشَرَاشِرِِهِ إلى جناب القدس ، ويتمسك بحبل التوفيق ، ويشغل سره بذكره والاستعداد به عن غيره .","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"{ الحمد للَّهِ } الحمد : هو الثناء على الجميل الاختياري من نعمة أو غيرها ، والمدح : هو الثناء على الجميل مطلقاً . تقول حمدت زيداً على علمه وكرمه ، ولا تقول حمدته على حسنه ، بل مدحته . وقيل هما أخوان . والشكر : مقابلة النعمة قولاً وعملاً واعتقاداً قال :\rأفادَتْكُمُ النُعْمَاءُ مني ثلاثَةً ... يَدي ولساني والضَّميرَ المُحجَّبا\rفهو أعم منهما من وجه ، وأخص من آخر ولما كان الحمد من شعب الشكر أشيع للنعمة ، وأدل على مكانها لخفاء الاعتقاد ، وما في آداب الجوارح من الاحتمال جعل رأس الشكر والعمدة فيه فقال E : « الحمد رأس الشكر ، وما شكر الله من لم يحمده » والذم نقيض الحمد والكفران نقيض الشكر . ورفعه بالابتداء وخبره لله وأصله النصب وقد قرىء به ، وإنما عدل عنه إلى الرفع ليدل على عموم الحمد وثباته له دون تجدده وحدوثه . وهو من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة لا تكاد تستعمل معها ، والتعريف فيه للجنس ومعناه : الإشارة إلى ما يعرف كل أحد أن الحمد ما هو؟ أو للاستغراق ، إذ الحمد في الحقيقة كله له ، إذ ما من خير إلا وهو موليه بوسط أو بغير وسط كما قال تعالى : { وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } وفيه إشعار بأنه تعالى حي قادر مريد عالم . إذ الحمد لا يستحقه إلا من كان هذا شأنه . وقرىء الحمد لله بإتباع الدال اللام وبالعكس تنزيلاً لهما من حيث إنهما يستعملان معاً منزلة كلمة واحدة .\r{ رَبّ العالمين } الرب في الأصل مصدر بمعنى التربية : وهي تبليغ الشيء إلى كماله شيئاً فشيئاً ، ثم وصف به للمبالغة كالصوم والعدل . وقيل : هو نعت من رَبِّه يربه فهو رب ، كقولك نم ينم فهو نم ، ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه . ولا يطلق على غيره تعالى إلا مقيداً كقوله : { ارجع إلى رَبّكَ } والعالم اسم لما يعلم به ، كالخاتم والقالب ، غلب فيما يعلم به الصانع تعالى ، وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض ، فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده ، وإنما جمعه ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة ، وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم . وقيل : اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين ، وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع . وقيل : عني به الناس ههنا فإن كل واحد منهم عالم من حيث إنه يشتمل على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يُعْلَمُ بها الصانع كما يعلم بما أبدعه في العالم الكبير ، ولذلك سوى بين النظر فيهما ، وقال تعالى : { وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } وقرىء { رَبّ العالمين } بالنصب على المدح . أو النداء . أو بالفعل الذي دل عليه الحمد ، وفيه دليل على أن الممكنات كما هي مفتقرة إلى المحدث حال حدوثها فهي مفتقرة إلى المبقي حال بقائها .","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"{ الرحمن الرحيم } كرره للتعليل على ما سنذكره .","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"{ مالك يَوْمِ الدين } قراءة عاصم والكسائي ويعقوب ويعضده قوله تعالى : { يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وقرأ الباقون : { مَلِكِ } . وهو المختار لأنه قراءة أهل الحرمين ولقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم } ولما فيه من التعظيم . والمالك هو المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء من الملك . والملك هو المتصرف بالأمر والنهي في المأمورين من الملك . وقرىء ملك بالتخفيف وملك بلفظ العمل . ومالكا بالنصب على المدح أو الحال ، ومالك بالرفع منوناً ومضافاً على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وملك مضافاً بالرفع والنصب . ويوم الدين يوم الجزاء ومنه «كما تدين تدان» وبيت الحماسة :\rولم يَبْقَ سِوَى العدوا ... نِ دِناهُمْ كما دَانُوا\rأضاف اسم الفاعل إلى الظرف إجراء له مجرى المفعول به على الاتساع كقولهم : يا سارق الليلة أهل الدار ، ومعناه ، ملك الأمور يوم الدين على طريقة { وَنَادَى أصحاب الجنة } أوله الملك في هذا اليوم ، على وجه الاستمرار لتكون الإضافة حقيقية معدة لوقوعه صفة للمعرفة ، وقيل : { الدين } الشريعة ، وقيل : الطاعة . والمعنى يوم جزاء الدين ، وتخصيص اليوم بالإضافة : إما لتعظيمه ، أو لتفرده تعالى بنفوذ الأمر فيه ، وإجراء هذه الأوصاف على الله تعالى من كونه موجداً للعالمين رباً لهم منعماً عليهم بالنعم كلها ظاهرها وباطنها عاجلها وآجلها ، مالكاً لأمورهم يوم الثواب والعقاب ، للدلالة على أنه الحقيق بالحمد لا أحد أحق به منه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه ، فإن ترتب الحكم على الوصف يشعر بعليته له ، وللإشعار من طريق المفهوم على أن من لم يتصف بتلك الصفات لا يستأهل لأن يحمد فضلاً عن أن يعبد ، فيكون دليلاً على ما بعده ، فالوصف الأول لبيان ما هو الموجب للحمد ، وهو الإيجاد والتربية . والثاني والثالث للدلالة على أنه متفضل بذلك مختار فيه ، ليس يصدر منه لإيجاب بالذات أو وجوب عليه قضية لسوابق الأعمال حتى يستحق به الحمد . والرابع لتحقيق الاختصاص فإنه مما لا يقبل الشركة فيه بوجه ما ، وتضمين الوعد للحامدين والوعيد للمعرضين .","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"{ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ثم إنه لما ذكر الحقيق بالحمد ، ووصف بصفات عظام تميز بها عن سائر الذوات وتعلق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك ، أي : يا من هذا شأنه نخصك بالعبادة والاستعانة ، ليكون أدل على الاختصاص ، وللترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود ، فكأن المعلوم صار عياناً والمعقول مشاهداً والغيبة حضوراً ، بنى أول الكلام على ما هو مبادي حال العارف من الذكر والفكر والتأمل في أسمائه والنظر في آلائه والاستدلال بصنائعه على عظيم شأنه وباهر سلطانه ، ثم قفى بما هو منتهى أمره وهو أن يخوض لجة الوصول ويصير من أهل المشاهدة فيراه عياناً ويناجيه شفاهاً .\rاللهم اجعلنا من الواصلين للعين دون السامعين للأثر . ومن عادة العرب التفنن في الكلام والعدول من أسلوب إلى آخر تطرية له وتنشيطاً للسامع ، فيعدل من الخطاب إلى الغيبة ، ومن الغيبة إلى التكلم وبالعكس ، كقوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } وقوله : { والله الذى أَرْسَلَ الرياح فَتُثِيرُ سحابا فَسُقْنَاهُ } وقول امرىء القيس :\rتطاوَلَ ليلُكَ بالإِثمدِ ... ونامَ الخليُّ ولم تَرْقُدِ\rوباتَ وباتَتْ له ليلة ... كَلَيْلَةِ ذي العائرِ الأرْمَدِ\rوَذَلِكَ منْ نَبَأ جاءني ... وَخبرْتهُ عَن أَبي الأَسْودِ ... وإيا ضمير منصوب من فصل ، وما يلحقه من الياء والكاف والهاء حروف زيدت لبيان التكلم والخطاب والغيبة لا محل لها من الإعراب ، كالتاء في أنتَ والكاف في أرأيتك . وقال الخليل : إيا مضاف إليها ، واحتج بما حكاه عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب ، وهو شاذ لا يعتمد عليه . وقيل : هي الضمائر ، وإيا عمدة فإنها لما فصلت عن العوامل تعذر النطق بها مفردة فضم إليها إيا لتستقل به ، وقيل : الضمير هو المجموع . وقرىء { إِيَّاكَ } بفتح الهمزة و «هياك» بقلبها هاء .\rوالعبادة : أقصى غاية الخضوع والتذلل ومنه طريق معبَّد أي مذلل ، وثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة ، ولذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى .\rوالاستعانة : طلب المعونة وهي : إما ضرورية ، أو غير ضرورية والضرورية ما لا يتأتى الفعل دونه كاقتدار الفاعل وتصوره وحصول آلة ومادة يفعل بها فيها وعند استجماعها يوصف الرجل بالاستطاعة ويصح أن يكلف بالفعل . وغير الضرورية تحصيل ما يتيسر به الفعل ويسهل كالراحلة في السفر للقادر على المشي ، أو يقرب الفاعل إلى الفعل ويحثه عليه ، وهذا القسم لا يتوقف عليه صحة التكليف والمراد طلب المعونة في المهمات كلها ، أو في أداء العبادات ، والضمير المستكن في الفعلين للقارىء ومن معه من الحفظة ، وحاضري صلاة الجماعة . أو له ولسائر الموحدين . أدرج عبادته في تضاعيف عبادتهم وخلط حاجته بحاجتهم لعلها تقبل ببركتها ويجاب إليها ولهذا شرعت الجماعة وقدم المفعول للتعظيم والاهتمام به والدلالة على الحصر ولذلك قال ابن عباس Bهما ( معناه نعبدك ولا نعبد غيرك ) وتقديم ما هو مقدم في الوجود والتنبيه على أن العابد ينبغي أن يكون نظره إلى المعبود أولاً وبالذات ، ومنه إلى العبادة لا من حيث إنها عبادة صدرت عنه بل من حيث إنها نسبة شريفة إليه ووصلة سنية بينه وبين الحق ، فإن العارف إنما يحق وصوله إذا استغرق في ملاحظة جناب القدس وغاب عما عداه ، حتى إنه لا يلاحظ نفسه ولا حالا من أحوالها إلا من حيث إنها ملاحظة له ومنتسبة إليه ، ولذلك فضل ما حكى الله عن حبيبه حين قال :","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"{ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } على ما حكاه عن كليمه حين قال : { إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } وكرر الضمير للتنصيص على أنه المستعان به لا غير ، وقدمت العبادة على الاستعانة ليتوافق رؤوس الآي ، ويعلم منه أن تقديم الوسيلة على طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة\rوأقول : لما نسب المتكلم العبادة إلى نفسه أوهم ذلك تبجحاً واعتداداً منه بما يصدر عنه ، فعقبه بقوله : { وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } ليدل على أن العبادة أيضاً مما لا يتم ولا يستتب له إلا بمعونة منه وتوفيق ، وقيل : الواو للحال والمعنى نعبدك مستعينين بك . وقرىء بكسر النون فيهما وهي لغة بني تميم فإنهم يكسرون حروف المضارعة سوى الياء إذا لم ينضم ما بعدها .","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"{ اهدنا الصراط المستقيم } بيان للمعونة المطلوبة فكأنه قال : كيف أعينكم فقالوا { اهدنا } . أو إفراد لما هو المقصود الأعظم . والهداية دلالة بلطف ولذلك تستعمل في الخير وقوله تعالى : { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } وارد على التهكم . ومنه الهداية وهوادي الوحش لمقدماتها ، والفعل منه هدى ، وأصله أن يعدى باللام ، أو إلى ، فعومل معاملة اختار في قوله تعالى : { واختار موسى قَوْمَهُ } وهداية الله تعالى تتنوع أنواعاً لا يحصيها عد كما قال تعالى : { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } ولكنها تنحصر في أجناس مترتبة :\rالأول : إفاضة القوى التي بها يتمكن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواس الباطنة والمشاعر الظاهرة .\rالثاني : نصب الدلائل الفارقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد وإليه أشار حيث قال : { وهديناه النجدين } وقال : { وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } الثالث : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإياها عنى بقوله : { وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا } وقوله : { إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمِ } الرابع : أن يكشف على قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء كما هي بالوحي ، أو الإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا قسم يختص بنيله الأنبياء والأولياء وإياه عنى بقوله : { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } وقوله : { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } فالمطلوب إما زيادة ما منحوه من الهدى ، أو الثبات عليه ، أو حصول المراتب المرتبة عليه . فإذا قاله العارف بالله الواصل عنى به أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنا ظلمات أحوالنا ، وتميط غواشي أبداننا ، لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك . والأمر والدعاء يتشاركان لفظاً ومعنى ويتفاوتان بالاستعلاء والتسفل ، وقيل : بالرتبة .\rوالسراط : من سرط الطعام إذا ابتلعه فكأنه يسرط السابلة ، ولذلك سمي لقماً لأنه يلتقمهم . و { الصراط } من قلب السين صاداً ليطابق الطاء في الإطباق ، وقد يشم الصاد صوت الزاي ليكون أقرب إلى المبدل منه . وقرأ ابن كثير برواية قنبل عنه ، ورويس عن يعقوب بالأصل ، وحمزة بالإشمام ، والباقون بالصاد وهو لغة قريش ، والثابت في الإمام وجمعه سُرُطْ ككتب وهو كالطريق في التذكير والتأنيث .\rو { المستقيم } المستوي والمراد به طريق الحق ، وقيل : هو ملة الإسلام .\r{ صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الأول بدل الكل ، وهو في حكم تكرير العامل من حيث إنه المقصود بالنسبة ، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن طريق المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة على آكد وجه وأبلغه لأنه جعل كالتفسير والبيان له فكأنه من البين الذي لا خفاء فيه أن الطريق المستقيم ما يكون طريق المؤمنين . وقيل : { الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } الأنبياء ، وقيل : النبي A وأصحابه وقيل : أصحاب موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام قبل التحريف والنسخ . وقرىء : { صراط مِنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } والإنعام : إيصال النعمة ، وهي في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان فأطلقت لما يستلذه من النعمة وهي اللين ، ونعم الله وإن كانت لا تحصى كما قال :","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } تنحصر في جنسين : دنيوي وأخروي .\rوالأول قسمان : وهبي وكسبي والوهبي قسمان : روحاني كنفخ الروح فيه وإشراقه بالعقل وما يتبعه من القوى كالفهم والفكر والنطق ، وجسماني كتخليق البدن والقوى الحالة فيه والهيئات العارضة له من الصحة وكمال الأعضاء والكسبي تزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة ، وتزيين البدن بالهيئات المطبوعة والحلى المستحسنة وحصول الجاه والمال .\rوالثاني : أن يغفر له ما فرط منه ويرضى عنه ويبوئه في أعلى عليين مع الملائكة المقربين أبد الآبدين . والمراد هو القسم الأخير وما يكون وصلة إلى نيله من الآخرة فإن ما عدا ذلك يشترك فيه المؤمن والكافر .","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"{ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ وَلاَ الضالين } بدل من { الذين } على معنى أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال . أو صفة له مبينة أو مقيدة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة ، وهي نعمة الإيمان ، وبين السلامة من الغضب والضلال وذلك إنما يصح بأحد تأويلين ، إجراء الموصول مجرى النكرة إذا لم يقصد به معهود كالمحلى في قوله :\rولَقَد أَمرُّ على اللئيمِ يَسُبُّني ... وقولهم : إني لأمر على الرجل مثلك فيكرمني . أو جعل غير معرفة بالإضافة لأنه أضيف إلى ماله ضد واحد وهو المنعم عليهم ، فيتعين تعين الحركة من غير السكون .\rوعن ابن كثير نصبه على الحال من الضمير المجرور والعامل أنعمت . أو بإضمار أعني . أو بالاستثناء إن فسر النعم بما يعم القبيلين ، والغضب : ثوران النفس إرادة الانتقام ، فإذا أسند إلى الله تعالى أريد به المنتهى والغاية على ما مر ، وعليهم في محل الرفع لأنه نائب مناب الفاعل بخلاف الأول ، ولا مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي ، فكأنه قال : لا المغضوب عليهم ولا الضالين ، ولذلك جاز أنا زيداً غير ضارب ، كما جاز أنا زيداً لا ضارب ، وإن امتنع أنا زيداً مثل ضارب ، وقرىء { وَغَيْرُ الضالين } والضلال : العدول عن الطريق السوي عمداً أو خطأ ، وله عرض عريض والتفاوت ما بين أدناه وأقصاه كثير .\rقيل : { المغضوب عَلَيْهِمْ } اليهود لقوله تعالى فيهم : { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } و { الضالين } النصارى لقوله تعالى : { قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } وقد روي مرفوعاً ، ويتجه أن يقال : المغضوب عليهم العصاة والضالين الجاهلون بالله ، لأن المنعم عليه من وفق للجمع بين معرفة الحق لذاته والخير للعمل به ، وكان المقابل له من اختل إحدى قوتيه العاقلة والعاملة . والمخل بالعمل فاسق مغضوب عليه لقوله تعالى في القاتل عمداً { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ } والمخل بالعقل جاهل ضال لقوله : { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } . وقرىء : ولا «الضألين» بالهمزة على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين .\rآمين اسم الفعل الذي هو استجب . وعن ابن عباس قال سألت رسول الله A عن معناه فقال : \" افعل بني على الفتح كأين لالتقاء الساكنين \" وجاء مد ألفه وقصرها قال :\rويرحَمُ الله عبداً قالَ آمِينا ... وقال :\rأمينَ فزادَ الله ما بيننا بُعدا ... وليس من القرآن وفاقا ، لكن يسن ختم السورة به لقوله E \" علمني جبريل آمين عند فراغي من قراءة الفاتحة وقال إنه كالختم على الكتاب \" . وفي معناه قول علي Bه : آمين خاتم رب العالمين ، ختم به دعاء عبده . يقوله الإمام ويجهر به في الجهرية لما روي عن وائل بن حجر","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"« أنه E كان إذا قرأ ولا الضالين قال آمين ورفع بها صوته » .\rوعن أبي حنيفة Bه أنه لا يقوله ، والمشهور عنه أنه يخفيه كما رواه عبد الله بن مغفل وأنس ، والمأموم يؤمن معه لقوله E : « إذا قال الإمام { وَلاَ الضالين } فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه » . وعن أبي هريرة Bه أن رسول الله A قال لأبيّ « ألا أخبرك بسورة لم يُنَزَّل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها » . قال : قلت بلى يا رسول الله . قال : « فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته » .\rوعن ابن عباس Bهما قال : « بينما رسول الله A جالس إذ أتاه ملك فقال : أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك : فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ حرفاً منهما إلا أعطيته » . وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله A قال : « إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبي من صبيانهم في الكتاب : { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة » .","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم } وسائر الألفاظ التي يتهجى بها ، أسماء مسمياتها الحروف التي ركبت منها الكلم لدخولها في حد الاسم ، واعتوار ما يخص به من التعريف والتنكير والجمع والتصغير ونحو ذلك عليها ، وبه صرح الخليل وأبو علي . وما روي ابن مسعود Bه أنه E قال : \" من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول الم حرف بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف \" فالمراد به غير المعنى الذي اصطلح عليه ، فإن تخصيصه به عرف مجدَّد بل المعنى اللغوي ، ولعله سماه باسم مدلوله .\rولما كانت مسمياتها حروفاً وحداناً وهي مركبة ، صدرت بها لتكون تأديتها بالمسمى أول ما يقرع السمع ، واستعيرت الهمزة مكان الألف لتعذر الابتداء بها وهي ما لم تلها العوامل موقوفة خالية عن الإعراب لفقد موجبه ومقتضيه ، لكنها قابلة إياه ومعرضة له إذا لم تناسب مبنى الأصل ولذلك قيل : { ص } و { ق } مجموعاً فيهما بين الساكنين ولم تعامل معاملة أين وهؤلاء . ثم إن مسمياتها لما كانت عنصر الكلام وبسائطه التي يتركب منها . افتتحت السورة بطائفة منها إيقاظاً لمن تحدى بالقرآن وتنبيهاً على أن أصل المتلو عليهم كلام منظوم مما ينظمون منه كلامهم ، فلو كان من عند غير الله لما عجزوا عن آخرهم مع تظاهرهم وقوة فصاحتهم عن الإتيان بما يدانيه ، وليكون أول ما يقرع الأسماع مستقلاً بنوع من الإعجاز ، فإن النطق بأسماء الحروف مختص بمن خط ودرس ، فأما من الأمي الذي لم يخالط الكتاب فمستبعد مستغرب خارق للعادة كالكتابة والتلاوة سيما وقد راعى في ذلك ما يعجز عنه الأديب الأريب الفائق في فنه ، وهو أنه أورد في هذه الفواتح أربعة عشر اسماً هي نصف أسامي حروف المعجم ، إن لم يعد فيها الألف حرفاً برأسها في تسع وعشرين سورة بعددها إذا عد فيها الألف الأصلية مشتملة على أنصاف أنواعها ، فذكر من المهموسة وهي ما يضعف الاعتماد على مخرجه ويجمعها ( ستشحثك خصفه ) نصفها الحاء والكاف والهاء والصاد والسين والكاف ، ومن البواقي المجهورة نصفها يجمعه «لن يقطع أمر» . ومن الشديدة الثمانية المجموعة في ( أجدت طبقك ) أربعة يجمعها ( أقطك ) . ومن البواقي الرخوة عشرة يجمعها «خمس» على نصره ، ومن المطبقة التي هي الصاد والضاد والطاء والظاء نصفها ، ومن البواقي المنفتحة نصفها ، ومن القلقلة وهي : حروف تضطرب عند خروجها ويجمعها ( قد طبج ) نصفها الأقل لقلتها ، ومن اللينتين الياء لأنها أقل ثقلاً ، ومن المستعلية وهي : التي يتصعد الصوت بها في الحنك الأعلى ، وهي سبعة القاف والصاد والطاء والخاء والغين والضاد والظاء نصفها الأقل ، ومن البواقي المنخفضة نصفها ، ومن حروف البدل وهي أحد عشر على ما ذكره سيبويه ، واختاره ابن جني ويجمعها ( أحد طويت ) منها الستة الشائعة المشهورة التي يجمعها «أهطمين» وقد زاد بعضهم سبعة أخرى وهي اللام في ( أصيلال ) والصاد والزاي في ( صراط وزراط ) والفاء في ( أجداف ) والعين في ( أعن ) والثاء في ( ثروغ الدلو ) والباء في «باسمك» حتى صارت ثمانية عشر وقد ذكر منها تسعة الستة المذكورة واللام والصاد والعين .","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"ومما يدغم في مثله ولا يدغم في المقارب وهي خمسة عشر : الهمزة والهاء والعين والصاد والطاء والميم والياء والخاء والغين والضاد والفاء والظاء والشين والزاي والواو نصفها الأقل . ومما يدغم فيهما وهي الثلاثة عشر الباقية نصفها الأكثر : الحاء والقاف والراء والسين واللام والنون لما في الإدغام من الخفة والفصاحة ، ومن الأربعة التي لا تدغم فيما يقاربها ويدغم فيها مقاربها وهي : الميم والزاي والسين والفاء نصفها .\rولما كانت الحروف الذلقية التي يعتمد عليها بذلق اللسان وهي ستة يجمعها ( رب منفل ) والحلقية التي هي الحاء والخاء والعين والغين والهاء والهمزة ، كثيرة الوقوع في الكلام ذكر ثلثيهما . ولما كانت أبنية المزيد لا تتجاوز عن السباعية ذكر من الزوائد العشرة التي يجمعها ( اليوم تنساه ) سبعة أحرف منها تنبيهاً على ذلك ، ولو استقريت الكلم وتراكيبها وجدت الحروف المتروكة من كل جنس مكثورة بالمذكورة ثم إنه ذكرها مفردة وثنائية وثلاثية ورباعية وخماسية ، إيذاناً بأن المتحدى به مركب من كلماتهم التي أصولها كلمات مفردة ، ومركبة من حرفين فصاعداً إلى الخمسة ، وذكر ثلاث مفردات في ثلاث سور لأنها توجد في الأقسام الثلاثة : الاسم والفعل والحرف وأربع ثنائيات لأنها تكون في الحرف بلا حذف ( كبل ) ، وفي الفعل بحذف ثقل كقل . وفي الاسم بغير حذف كمن ، وبه كدم في تسع سور لوقوعها في كل واحد من الأقسام الثلاثة على ثلاثة أوجه : ففي الأسماء من وإذ وذو . وفي الأفعال قل وبع وخف . وفي الحروف من وإن ومذ على لغة من جربها . وثلاث ثلاثيات لمجيئها في الأقسام الثلاثة في ثلاث عشرة سورة تنبيهاً على أن أصول الأبنية المستعملة ثلاثة عشر ، عشرة منها للأسماء ، وثلاثة للأفعال ، ورباعيتين وخماسيتين تنبيهاً على أن لكل منهما أصلاً : كجعفر وسفرجل ، وملحقاً : كقردد وجحنفل ، ولعلها فرقت على السور ولم تعد بأجمعها في أول القرآن لهذه الفائدة مع ما فيه من إعادة التحدي وتكرير التنبيه والمبالغة فيه .\rوالمعنى أن هذا المتحدى به مؤلف من جنس هذه الحروف . أو المؤلف منها ، كذا وقيل : هي أسماء للسور ، وعليه إطباق الأكثر . سميت بها إشعاراً بأنها كلمات معروفة التركيب فلو لم تكن وحياً من الله تعالى لم تتساقط مقدرتهم دون معارضتها ، واستدل عليه بأنها لو لم تكن مفهمة كان الخطاب بها كالخطاب بالمهمل والتكلم بالزنجي مع العربي ، ولم يكن القرآن بأسره بياناً وهدى .","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"ولما أمكن التحدي به وإن كانت مفهمة ، فإما أن يراد بها السور التي هي مستهلها على أنها ألقابها ، أو غير ذلك . والثاني باطل لأنه؛ إما أن يكون المراد ما وضعت له في لغة العرب فظاهر أنه ليس كذلك ، أو غيره وهو باطل لأن القرآن نزل على لغتهم لقوله تعالى : { بِلِسَانٍ عَرَبِىّ مُّبِينٍ } فلا يحمل على ما ليس في لغتهم .\rلا يقال : لم لا يجوز أن تكون مزيدة للتنبيه؟ والدلالة على انقطاع كلام واستئناف آخر؟ كما قاله قطرب ، أو إشارة إلى كلمات هي منها اقتصرت عليها اقتصار الشاعر في قوله :\rقلتُ لها قفي فقالتْ قَافْ ... كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : الألف آلاء الله ، واللام لفظه ، والميم ملكه . وعنه أن الر و حم و ن مجموعها الرحمن . وعنه أن الم معناه : أنا الله أعلم ونحو ذلك في سائر الفواتح . وعنه أن الألف من الله ، واللام من جبريل ، والميم من محمد أي : القرآن منزل من الله بلسان جبريل على محمد عليهما الصلاة والسلام ، أو إلى مدد أقوام وآجال بحساب الجمل كما قال أبو العالية متمسكاً بما روي : « أنه E لما أتاه اليهود تلا عليهم الم البقرة . فحسبوه وقالوا : كيف ندخل في دين مدته إحدى وسبعون سنة ، فتبسم رسول الله A فقالوا : فهل غيره ، فقال : المص والر والمر ، فقالوا : خلطت علينا فلا ندري بأيها نأخذ » . فإن تلاوته إياها بهذا الترتيب عليهم وتقريرهم على استنباطهم دليل على ذلك ، وهذه الدلالة وإن لم تكن عربية لكنها لاشتهارها فيما بين الناس حتى العرب تلحقها بالمعربات كالمشكاة والسجيل والقسطاس ، أو دلالة على الحروف المبسوطة مقسماً بها لشرفها من حيث إنها بسائط أسماء الله تعالى ومادة خطابه .\rهذا وإن القول بأنها أسماء السور يخرجها ما ليس في لغة العرب ، لأن التسمية بثلاثة أسماء فصاعداً مستكره عندهم ويؤدي إلى اتحاد الاسم والمسمى ، ويستدعي تأخر الجزء عن الكل من حيث إن الاسم متأخر عن المسمى بالرتبة ، لأنا نقول : إن هذه الألفاظ لم تعهد مزيدة للتنبيه والدلالة على الانقطاع والاستئناف يلزمها وغيرها من حيث إنها فواتح السور ، ولا يقتضي ذلك أن لا يكون لها معنى في حيزها ولم تستعمل للاختصار من كلمات معينة في لغتهم ، أما الشعر فشاذ ، وأما قول ابن عباس ، فتنبيه على أن هذه الحروف منبع الأسماء ومبادىء الخطاب وتمثيل بأمثلة حسنة ، ألا ترى أنه عد كل حرف من كلمات متباينة لا تفسير ، وتخصيص بهذه المعاني دون غيرها إذ لا مخصص لفظاً ومعنى ولا بحساب الجمل فتلحق بالمعربات ، والحديث لا دليل فيه ، لجواز أنه E تبسم تعجباً من جهلهم ، وجعلها مقسماً بها وإن كان غير ممتنع لكنه يحوج إلى إضمار أشياء لا دليل عليها ، والتسمية بثلاثة أسماء إنما تمتنع إذا ركبت وجعلت اسماً واحداً على طريقة بعلبك ، فأما إذا نثرت نثر أسماء العدد فلا ، وناهيك بتسوية سيبويه بين التسمية بالجملة والبيت من الشعر وطائفة من أسماء حروف المعجم ، والمسمى هو مجموع السورة والاسم جزؤها فلا اتحاد ، وهو مقدم من حيث ذاته مؤخر باعتبار كونه اسماً ، فلا دور لاختلاف الجهتين .","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"والوجه الأول أقرب إلى التحقيق وأوفق للطائف التنزيل وأسلم من لزوم النقل ووقوع الاشتراك في الأعلام من واضع واحد فإنه يعود بالنقض على ما هو مقصود بالعلمية ، وقيل : إنها أسماء القرآن ولذلك أخبر عنها بالكتاب والقرآن .\rوقيل : إنها أسماء لله تعالى ويدل عليه أن علياً كرم الله وجهه كان يقول : يا كهيعص ، ويا حمعسق ، ولعله أراد يا منزلهما .\rوقيل الألف : من أقصى الحلق وهو مبدأ المخارج ، واللام : من طرف اللسان وهو أوسطها ، والميم : من الشفة وهو آخرها جمع بينها إيماء إلى أن العبد ينبغي أن يكون أول كلامه وأوسطه وآخره ذكر الله تعالى .\rوقيل : إنه سر استأثره الله بعلمه وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة ما يقرب منه ، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين الله تعالى ورسوله ورموز لم يقصد بها إفهام غيره إذ يبعد الخطاب بما لا يفيد . فإن جعلتها أسماء الله تعالى ، أو القرآن ، أو السور كان لها حظ من الإعراب إما الرفع على الابتداء ، أو الخبر ، أو النصب بتقدير فعل القسم على طريقة الله لأفعلن بالنصب أو غيره كما ذكر ، أو الجر على إضمار حرف القسَم ، ويتأتى الإعراب لفظاً والحكاية فيما كانت مفردة أو موازنة لمفرد كحم فإنها كهابيل ، والحكاية ليست إلا فيما عدا ذلك ، وسيعود إليك ذكره مفصلاً إن شاء الله تعالى ، وإن أبقيتها على معانيها فإن قدرت بالمؤلف من هذه الحروف كان في حيز الرفع بالابتداء أو الخبر على ما مر ، وإن جعلتها مقسماً بها يكون كل كلمة منها منصوباً أو مجروراً على اللغتين في الله لأفعلن ، وتكون جملة قسمية بالفعل المقدر له ، وإن جعلتها أبعاض كلمات أو أصواتاً منزلة منزلة حروف التنبيه لم يكن لها محل من الإعراب كالجمل المبتدأة والمفردات المعدودة ويوقف عليها وقف التمام إذا قدرت بحيث لا تحتاج إلى ما بعدها ، وليس شيء منها آية عند غير الكوفيين . وأما عندهم ف { الم } في مواضعها ، و { المص } و { كهيعص } و { طه } و { طسم } و { طس } و { يس } و { حم } آية ، و { حم } { عَسَق } آيتان ، والبواقي ليست بآيات وهذا توقيف لا مجال للقياس فيه .","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"{ ذلك الكتاب } ذلك إشارة إلى { الم } إن أول بالمؤلف من هذه الحروف أو فسر بالسورة أو القرآن فإنه لما تكلم به وتقضى ، أو وصل من المرسل إلى المرسل إليه صار متباعداً أشير إليه بما يشار به إلى البعيد وتذكيره ، متى أريد ب { الم } السورة لتذكير الكتاب فإنه خبره أو صفته الذي هو هو ، أو إلى الكتاب فيكون صفته والمراد به الكتاب الموعود إنزاله بنحو قوله تعالى : { إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } أو في الكتب المتقدمة . وهو مصدر سمي به المفعول للمبالغة .\rوقيل فعال بمعنى المفعول كاللباس ، ثم أطلق على المنظوم عبارة قبل أن يكتب لأنه مما يكتب . وأصل الكتب الجمع ومنه الكتيبة .\r{ لاَ رَيْبَ فِيهِ } معناه أنه لوضوحه وسطوع برهانه بحيث لا يرتاب العاقل بعد النظر الصحيح في كونه وحياً بالغاً حد الإعجاز ، لا أن أحداً لا يرتاب فيه ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا } الآية فإنه ما أبعد عنهم الريب بل عرفهم الطريق المُريح له ، وهو أن يجتهدوا في معارضة نجم من نجومه ويبذلوا فيها غاية جهدهم حتى إذا عجزوا عنها تحقق لهم أن ليس فيه مجال للشبهة ولا مدخل للريبة .\rوقيل : معناه لا ريب فيه للمتقين . وهدى حال من الضمير المجرور ، والعامل فيه الظرف الواقع صفة للمنفي . والريب في الأصل مصدر رابني الشيء إذا حصل فيك الريبة ، وهي قلق النفس واضطرابها ، سمي به الشك لأنه يقلق النفس ويزيل الطمأنينة . وفي الحديث « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » فإن الشك ريبة والصدق طمأنينة ، ومنه ريب الزمان لنوائبه .\r{ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } يهديهم إلى الحق ، والهدى في الأصل كالسرى والتقى ومعناه الدلالة .\rوقيل : الدلالة الموصلة إلى البغية لأنه جعل مقابل الضلالة في قوله تعالى : { لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } ولأنه لا يقال مهدي إلا لمن اهتدى إلى المطلوب . واختصاصه بالمتقين لأنهم المهتدون به والمنتفعون بنصه ، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر من مسلم أو كافر وبهذا الاعتبار قال تعالى : { هُدًى لّلنَّاسِ } أو لأنه لا ينتفع بالتأمل فيه إلا من صقل العقل واستعمله في تدبر الآيات والنظر في المعجزات ، وتعرف النبوات ، لأنه كالغذاء الصالح لحفظ الصحة فإنه لا يجلب نفعاً ما لم تكن الصحة حاصلة ، وإليه أشار بقوله تعالى : { وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا } ولا يقدح ما فيه من المجمل والمتشابه في كونه هدى لما لم ينفك عن بيان يعين المراد منه .\rوالمتقي اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى . والوقاية : فرط الصيانة . وهو في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه مما يضره في الآخرة ، وله ثلاث مراتب :\rالأولى : التوقي من العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه قوله تعالى :","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"{ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } الثانية : التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع ، وهو المعنى بقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا } الثالثة : أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشراشره وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } وقد فسر قوله : { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } ههنا على الأوجه الثلاثة .\rواعلم أن الآية تحتمل أوجهاً من الإعراب : أن يكون { الم } مبتدأ على أنه اسم للقرآن . أو السورة . أو مقدر بالمؤلف منها ، وذلك خبره وإن كان أخص من المؤلف مطلقاً ، والأصل أن الأخص لا يحمل على الأعم لأن المراد به المؤلف الكامل في تأليفه البالغ أقصى درجات الفصاحة ومراتب البلاغة والكتاب صفة ذلك .\rوأن يكون { الم } خبر مبتدأ محذوف وذلك خبراً ثانياً . أو بدلاً والكتاب صفته ، و { لاَ رَيْب } في المشهورة مبني لتضمنه معنى من منصوب المحل على أنه اسم لا النافية للجنس العاملة عمل إنَّ ، لأنها تقتضيها ولازمة للأسماء لزومها . وفي قراءة أبي الشعثاء مرفوع بلا التي بمعنى ليس وفيه خبره ولم يقدم كما قدم في قوله تعالى : { لا فِيهَا غَوْلٌ } لأنه لم يقصد تخصيص نفي الريب به من بين سائر الكتب كما قصد ثمة ، أو صفته وللمتقين خبره . وهدى نصب على الحال ، أو الخبر محذوف كما في { لا } ، ضمير . فلذلك وقف على { لاَ رَيْبَ } ، على أن فيه خبر هدى قدم عليه لتنكيره والتقدير : لا ريب فيه ، فيه هدى ، وأن يكون ذلك مبتدأ و { الكتاب } خبره على معنى : أنه الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتاباً ، أو صفته وما بعده خبره والجملة خبر { الم }\rوالأولى أن يقال إنها جمل متناسقة تقرر اللاحقة منها السابقة ولذلك لم يدخل العاطف بينهما . ف { الم } ، جملة دلت على أن المتحدى به هو المؤلف من جنس ما يركبون منه كلامهم ، وذلك الكتاب جملة ثانية مقررة لجهة التحدي ، و { لاَ رَيْبَ فِيهِ } ، جملة ثالثة تشهد على كماله بأن الكتاب المنعوت بغاية الكمال إذ لا كمال أعلى مما للحق واليقين . و { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } ، بما يقدر له مبتدأ جملة رابعة تؤكد كونه حقاً لا يحوم الشك حوله بأنه { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } ، أو تستتبع السابقة منها اللاحقة استتباع الدليل للمدلول ، وبيانه أنه لما نبه أولاً على إعجاز المتحدى به من حيث إنه من جنس كلامهم وقد عجزوا عن معارضته ، استنتج منه أنه الكتاب البالغ حد الكمال واستلزم ذلك أن لا يتشبث الريب بأطرافه إذ لا أنقص مما يعتريه الشك والشبهة ، وما كان كذلك كان لا محالة { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } ، وفي كل واحدة منها نكتة ذات جزالة ففي الأولى الحذف والرمز إلى المقصود مع التعليل ، وفي الثانية فخامة التعريف ، وفي الثالثة تأخير الظرف حذراً عن إيهام الباطل ، وفي الرابعة الحذف والتوصيف بالمصدر للمبالغة وإيراده منكراً للتعظيم وتخصيص الهُدى بالمتقين باعتبار الغاية تسمية المشارف للتقوى متقياً إيجازاً وتفخيماً لشأنه .","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"{ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } إما موصول بالمتقين على أنه صفة مجرورة مقيدة له إن فسر التقوى بترك ما لا ينبغي مترتبة عليه ترتيب التحلية على التخلية ، والتصوير على التصقيل . أو موضحة إن فسر بما يعم فعل الحسنات وترك السيئات لاشتماله على ما هو أصل الأعمال وأساس الحسنات من الإيمان والصلاة والصدقة ، فإنها أمهات الأعمال النفسانية والعبادات البدنية والمالية المستتبعة لسائر الطاعات والتجنب عن المعاصي غالباً ، ألا ترى إلى قوله تعالى : { إنَّ الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمُنكر } وقوله E : « الصلاة عماد الدين ، والزكاة قنطرة الإسلام » أو مسوقة للمدح بما تضمنه المتقين . وتخصيص الإيمان بالغيب وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالذكر إظهار لفضلها على سائر ما يدخل تحت اسم التقوى . أو على أنه مدح منصوب ، أو مرفوع بتقدير أعني أو هم الذين . وإما مفصول عنه مرفوع بالابتداء وخبره أولئك على هدى ، فيكون الوقف على المتقين تاماً .\rوالإيمان في اللغة عبارة عن التصديق مأخوذ من الأمن ، كأن المصدِّق أمن من المصدَّق التكذيب والمخالفة ، وتعديته بالباء لتضمنه معنى الاعتراف وقد يطلق بمعنى الوثوق من حيث إن الواثق بالشيء صار ذا أمن منه ، ومنه ما أمنت أن أجد صحابة وكلا الوجهين حسن في يؤمنون بالغيب .\rوأما في الشرع : فالتصديق بما علم بالضرورة أنه من دين محمد A كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء ، ومجموع ثلاثة أمور : اعتقاد الحق ، والإقرار به ، والعمل بمقتضاه عند جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج . فمن أخل بالاعتقاد وحده فهو منافق ، ومن أخل بالإقرار فكافر ، ومن أخل بالعمل ففاسق وفاقاً ، وكافر عند الخوارج ، وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة ، والذي يدل على أنه التصديق وحده أنه سبحانه وتعالى أضاف الإيمان إلى القلب فقال : { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } { وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } وعطف عليه العمل الصالح في مواضع لا تحصى وقرنه بالمعاصي فقال تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } { ا يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ } مع ما فيه من قلة التغيير فإنه أقرب إلى الأصل وهو متعين الإرادة في الآية ، إذ المعدى بالباء هو التصديق وفاقاً . ثم اختلف في أن مجرد التصديق بالقلب هل هو كاف لأنه المقصود أم لا بد من انضمام الإقرار به للمتمكن منه ، ولعل الحق هو الثاني لأنه تعالى ذم المعاند أكثر من ذم الجاهل المقصر ، وللمانع أن يجعل الذم للإنكار لا لعدم الإقرار للمتمكن منه .\rوالغيب مصدر ، وصف به للمبالغة كالشهادة في قوله تعالى : { عالم الغيب والشهادة } والعرب تسمي المطمئن من الأرض والخمصة التي تلي الكلية غيباً ، أو فيعل خفف كقيل ، والمراد به الخفي الذي لا يدركه الحس ولا تقتضيه بديهة العقل ، وهو قسمان : قسم لا دليل عليه وهو المعني بقوله تعالى :","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } وقسم نصب موقع عليه دليل : كالصانع وصفاته واليوم الآخر وأحواله وهو المراد به في هذه الآية ، هذا إذا جعلته صلة للإيمان وأوقعته موقع المفعول به . وإن جعلته حالاً على تقدير ملتبسين بالغيب كان بمعنى الغيبة والخفاء . والمعنى أنهم يؤمنون غائبين عنكم لا كالمنافقين الذين إذا { لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } أو عن المؤمن به لما روي أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ، ثم قرأ هذه الآية . وقيل المراد بالغيب : القلب لأنه مستور ، والمعنى يؤمنون بقلوبهم لا كمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم . فالباء على الأول للتعدية . وعلى الثاني للمصاحبة . وعلى الثالث للآلة .\r{ وَيُقِيمُونَ الصلاة } أي يعدلون أركانها ويحفظونها من أن يقع زيغ في أفعالها ، من أقام العود إذا قومه أو يواظبون عليها ، من قامت السوق إذا نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة قال :\rأقَامتْ غزالةً سُوقَ الضُراب ... لأهْلِ العِرَاقينِ حَولاً قَمِيطا\rفإنه إذا حوفظ عليها كانت كالنافق الذي يرغب فيه ، وإذا ضيعت كانت كالكاسد المرغوب عنه ، أو يتشمرون لأدائها من غير فتور ولا توان ، من قولهم قام بالأمر وأقامه إذا جد فيه وتجلد ، وضده قعد عن الأمر ، وتقاعد . أو يؤدونها .\rعبر عن الأداء بالإقامة لاشتمالها على القيام ، كما عبر عنها بالقنوت والركوع والسجود والتسبيح . والأول أظهر لأنه أشهر وإلى الحقيقة أقرب ، وأفيد لتضمنه التنبيه على أن الحقيق بالمدح من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن ، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال بقلبه على الله تعالى ، لا { لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ } ، ولذلك ذكر في سياق المدح والمقيمين الصلاة ، وفي معرض الذم فويل للمصلين ، والصلاة فعلة من صلى إذا دعا كالزكاة من زكى ، كتبتا بالواو على لفظ المفخم ، وإنما سمي الفعل المخصوص بها لاشتماله على الدعاء .\rوقيل : أصل صلى حرك الصلوين لأن المصلي يفعله في ركوعه وسجوده ، واشتهار هذا اللفظ في المعنى الثاني مع عدم اشتهاره في الأول لا يقدح في نقله عنه ، وإنما سمي الداعي مصلياً تشبيهاً له في تخشعه بالراكع الساجد .\r{ وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } الرزق في اللغة : الحظ قال تعالى : { وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } والعرف خصصه بتخصيص الشيء بالحيوان للانتفاع به وتمكينه منه .\rوأما المعتزلة لما استحالوا على الله تعالى أن يمكن من الحرام لأنه منع من الانتفاع به وأمر بالزجر عنه ، قالوا : الحرام ليس برزق ، ألا ترى أنه تعالى أسند الرزق ههنا إلى نفسه إيذاناً بأنهم ينفقون الحلال المطلق .","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"فإن إنفاق الحرام لا يوجب المدح ، وذم المشركين على تحريم بعض ما رزقهم الله تعالى بقوله : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } وأصحابنا جعلوا الإسناد للتعظيم والتحريض على الإنفاق ، والذم لتحريم ما لم يحرم . واختصاص ما رزقناهم بالحلال للقرينة . وتمسكوا لشمول الرزق له بقوله A في حديث عمرو بن قرة : « لقد رزقك الله طيباً فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله » . وبأنه لو لم يكن رزقاً لم يكن المتغذي به طول عمره مرزوقاً ، وليس كذلك لقوله تعالى : { وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } وأنفق الشيء وأنفده أخوان ، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالاً على معنى الذهاب والخروج ، والظاهر من هذا الإنفاق صرف المال في سبيل الخير من الفرض والنفل . ومن فسره بالزكاة ذكر أفضل أنواعه والأصل فيه ، أو خصصه بها لاقترانه بما هو شقيقها . وتقديم المفعول للاهتمام به وللمحافظة على رؤوس الآي ، وإدخال من التبعيضية عليه لمنع المكلف عن الإسراف المنهي عنه . ويحتمل أن يراد به الإنفاق من جميع المعاون التي أتاهم الله من النعم الظاهرة والباطنة ، ويؤيده قوله E : « إن عِلماً لا يُقال به ، ككنزٌ لا يُنفق منه » وإليه ذهب من قال : ومما خصصناهم به من أنوار المعرفة يفيضون .","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"{ والذين يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وأضرابه ، معطوفون على { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } داخلون معهم في جملة المتقين دخول أخصين تحت أعم ، إذ المراد بأولئك الذين آمنوا عن شرك وإنكار ، وبهؤلاء مقابلوهم فكانت الآيتان تفصيلاً { لّلْمُتَّقِينَ } وهو قول ابن عباس Bهما . أو على المتقين وكأنه قال { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك ، والذين آمنوا من أهل الملل . ويحتمل أن يراد بهم الأولون بأعيانهم ، وَوُسِّط العاطف كما وسط في قوله :\rإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليْثِ الكتيبةِ في المزْدَحمْ\rوقوله :\rيا لهفَ ذؤابةَ للحارثِ الصَ ... ائحِ فالغَانمِ فالآيِبِ\rعلى معنى أنهم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية وبين الإيمان بما لا طريق إليه عبر السمع . وكرر الموصول تنبيهاً على تغاير القبيلين وتباين السبيلين . أو طائفة منهم وهم مؤمنو أهل الكتاب ، ذكرهم مخصصين عن الجملة كذكر جبريل وميكائيل بعد الملائكة تعظيماً لشأنهم وترغيباً لأمثالهم .\rوالإنزال نقل الشيء من الأعلى إلى الأسفل وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها ، ولعل نزول الكتب الإلهية على الرسل بأن يلتقفه الملك من الله تعالى تلقفاً روحانياً ، أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به فيبلغه إلى الرسول . والمراد { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } القرآن بأسره والشريعة عن آخرها ، وإنما عبر عنه بلفظ الماضي وإن كان بعضه مترقباً تغليباً للموجود على ما لم يوجد . أو تنزيلاً للمنتظر منزلة الواقع ، ونظيره قوله تعالى : { إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى } فإن الجنَّ لم يسمعوا جميعه ولم يكن الكتاب كله مُنَزَّلاً حينئذ . وبما { أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } التوراة والإنجيل وسائر الكتب السابقة ، والإيمان بها جملةً فرض عين ، وبالأول دون الثاني تفصيلاً من حيث إنا متعبدون بتفاصيله فرض ، ولكن على الكفاية . لأن وجوبه على كل أحد يوجب الحرج وفساد المعاش .\r{ وبالأخرة هُمْ يُوقِنُونَ } أي يوقنون إيقاناً زال معه ما كانوا عليه من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً أو نصارى ، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة ، واختلافهم في نعيم الجنة : أهو من جنس نعيم الدنيا أو غيره؟ وفي دوامه وانقطاعه ، وفي تقديم الصلة وبناء يوقنون على هم تعريض لمن عداهم من أهل الكتاب ، وبأن اعتقادهم في أمر الآخرة غير مطابق ولا صادر عن إيقان . واليقين : إتقان العلم بنفي الشك والشبهة عنه نظراً واستدلالاً ، ولذلك لا يوصف به علم البارىء ، ولا العلوم الضرورية . والآخرة تأنيث الآخر ، صفة الدار بدليل قوله تعالى : { تِلْكَ الدار الآخرة } فغلبت كالدنيا ، وعن نافع أنه خففها بحذف الهمزة إلقاء حركتها على اللام ، وقرىء يوقنون بقلب الواو همزة لضم ما قبلها إجراء لها مجرى المضمومة في وجوه ووقتت ونظيره :\rلحبِّ المؤقدان إلى مؤسَى ... وجعدةَ إذ أضاءهما الوقودُ","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"{ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ } الجملة في محل الرفع إن جعل أحد الموصولين مفصولاً عن المتقين خبر له ، فكأنه لما قيل { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } قيل ما بالهم خصوا بذلك؟ فأجيب بقوله : { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب } إلى آخر الآيات . وإلا فاستئناف لا محل لها ، فكأنه نتيجة الأحكام والصفات المتقدمة . أو جواب سائل قال : ما للموصوفين بهذه الصفات اختصوا بالهدى؟ ونظيره أحسنت إلى زيد صديقك القديم حقيق بالإحسان ، فإن اسم الإشارة ههنا كإعادة الموصوف بصفاته المذكورة ، وهو أبلغ من أن يستأنف بإعادة الاسم وحده لما فيه من بيان المقتضى وتلخيصه ، فإن ترتب الحكم على الوصف إيذان بأنه الموجب له . ومعنى الاستعلاء في { على هُدًى } تمثيل تمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه بحال من اعتلى الشيء وركبه ، وقد صرحوا به في قولهم : امتطى الجهل وغوى واقتعد غارب الهوى ، وذلك إنما يحصل باستفراغ الفكر وإدامة النظر فيما نصب من الحجج والمواظبة على محاسبة النفس في العمل . ونُكِّرَ هدىً للتعظيم . فكأنه أريد به ضرب لا يبالغ كنهه ولا يقادر قدره ، ونظيره قول الهذلي :\rفلا وأبي الطيرُ المربَّةَ بالضُّحَى ... على خالدٍ لقدْ وقَعْتَ على لحم\rوأُكِد تعظيمه بأن الله تعالى مَانِحُهُ والموفق له ، وقد أدغمت النون في الراء بغنة وبغير غنة .\r{ وأولئك هُمُ المفلحون } كرر فيه اسم الإشارة تنبيهاً على أن اتصافهم بتلك الصفات يقتضي كل واحدة من الأثرتين وإن كلاً منهما كاف في تمييزهم بها عن غيرهم ، ووسط العاطف لاختلاف مفهوم الجملتين ههنا بخلاف قوله { أُوْلَئِكَ كالانعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } فإن التسجيل بالغفلة والتشبيه بالبهائم شيء واحد فكانت الجملة الثانية مقررة للأولى فلا تناسب العطف . وهم : فصل يفصل الخبر عن الصفة ويؤكد النسبة ، ويفيد اختصاص المسند إليه ، أو مبتدأ والمفلحون خبره والجملة خبر أولئك . والمفلح بالحاء والجيم : الفائز بالمطلوب ، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر ، وهذا التركيب وما يشاركه في الفاء والعين نحو فلق وفلذ وفلي يدل على الشق . والفتح وتعريف المفلحين للدلالة على أن المتقين هم الناس الذين بلغك أنهم المفلحون في الآخرة . أو الإشارة إلى ما يعرفه كل أحد من حقيقة المفلحين وخصوصياتهم .\rتنبيه : تأمل كيف نبه سبحانه وتعالى على اختصاص المتقين بنيل ما لا يناله كل أحد من وجوه شتى ، وبناء الكلام على اسم الإشارة للتعليل مع الإيجاز وتكريره وتعريف الخبر وتوسيط الفصل ، لإظهار قدرهم والترغيب في اقتفاء أثرهم ، وقد تشبث به الوعيدية في خلود الفساق من أهل القبلة في العذاب ، ورد بأن المراد بالمفلحين الكاملون في الفلاح ، ويلزمه عدم كمال الفلاح لمن ليس على صفتهم ، لا عدم الفلاح له رأساً .","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } لما ذكر خاصة عباده ، وخلاصة أوليائه بصفاتهم التي أهلتهم للهدى والفلاح ، عقبهم بأضدادهم العتاة المردة ، الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر ، ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله تعالى : { إِنَّ الابرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } لتباينهما في الغرض ، فإن الأولى سيقت لذكر الكتاب وبيان شأنه والأخرى مسوقة لشرح تمردهم ، وانهماكهم في الضلال ، و ( إن ) من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ولزوم الأسماء وإعطاء معانيه ، والمتعدي خاصة في دخولها على اسمين . ولذلك أعملت عمله الفرعي وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني إيذاناً بأنه فرع في العمل دخيل فيه .\rوقال الكوفيون : الخبر قبل دخولها كان مرفوعاً بالخبرية ، وهي بعد باقية مقتضية للرفع قضية للاستصحاب فلا يرفعه الحرف . وأجيب بأن اقتضاء الخبرية الرفع مشروط بالتجرد لتخلفه عنها في خبر كان ، وقد زال بدخولها فتعين إعمال الحرف . وفائدتها تأكيد النسبة وتحقيقها ، ولذلك يُتَلَقَّى بها القَسَم ويصدر بها الأجوبة ، وتذكر في معرض الشك مثل قوله تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } ، { وَقَالَ موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } قال المبرد : « قولك : عبد الله قائم ، إخبار عن قيامه ، وإن عبد الله قائم ، جواب سائل عن قيامه ، وإن عبد الله لقائم ، جواب منكر لقيامه » . وتعريف الموصول : إما للعهد ، والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب ، وأبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، وأحبار اليهود . أو للجنس ، متناولاً من صمم على الكفر ، وغيرهم . فخص منهم غير المصرين بما أسند إليه . والكفر لغة : ستر النعمة ، وأصله الكَفْر بالفتح وهو الستر ، ومنه قيل للزارع ولليل كافر ، ولكمام الثمرة كافور . وفي الشرع : إنكار ما علم بالضرورة مجيء الرسول A به ، وإنما عُدَّ لبس الغيار وشد الزنار ونحوهما كفراً لأنها تدل على التكذيب ، فإن من صدق الرسول A لا يجترىء عليها ظاهراً لا أنها كفر في أنفسها .\rواحتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي على حدوثه لاستدعائه سابقة المخبر عنه ، وأجيب بأنه مقتضى التعلق وحدوثه لا يستلزم حدوث الكلام كما في العلم .\r{ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } خبر إن وسواء اسم بمعنى الاستواء ، نعت به كما نعت بالمصادر قال الله تعالى : { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } رفع بأنه خبر إن وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل : إن الذين كفروا مستوٍ عليهم إنذارك وعدمه ، أو بأنه خبر لما بعده بمعنى : إنذارك وعدمه سيان عليهم ، والفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له ، أما لو أطلق وأريد به اللفظ ، أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمناً على الاتساع فهو كالاسم في الإضافة ، والإسناد إليه كقوله تعالى :","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ } وقوله : { يَوْمَ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } وقولهم : تَسْمَعُ بِالْمِعيديِّ خَيرٌ مِنْ أَنْ تَراَه .\rوإنما عدل ههنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة ، وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده ، فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء ، كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة .\rوالإنذار : التخويف أريد به التخويف من عذاب الله ، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيراً في النفس ، من حيث إن دفع الضر أهم من جلب النفع ، فإذا لم ينفع فيهم كانت البشارة بعدم النفع أولى ، وقرىء { ءَأَنذَرْتَهُمْ } بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية بين بين ، وقلبها ألفاً وهو لحن لأن المتحركة لا تقلب ، ولأنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده ، وبتوسيط ألف بينهما محققتين ، وبتوسيطها والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية ، وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها .\r{ لاَ يُؤْمِنُونَ } جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء فلا محل لها أو حال مؤكدة . أو بدل عنه . أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض بما هو علة الحكم .\rوالآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق ، فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان ، فلو آمنوا انقلب خبره كذباً . وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون فيجتمع الضدان ، والحق أن التكليف بالممتنع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضاً سيما الامتثال ، لكنه غير واقع للاستقراء ، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره ، وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجح إلزام الحجة ، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ ، ولذلك قال { سَوَاء عَلَيْهِمْ } ولم يقل سواء عليك . كما قال لعبدة الأصنام { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } . وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به إن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات .","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"{ خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أبصارهم غشاوة } تعليل للحكمِ السابق وبيان لما يقتضيه . والختم الكتم ، سمي به الاستيثاق من الشيء بضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظراً إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه . والغشاوة : فعالة من غشاه إذا غطاه ، بنيت لما يشتمل على الشيء ، كالعصابة والعمامة ولا ختم ولا تغشية على الحقيقة ، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي ، واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم ، وانهماكهم في التقليد ، وإعراضهم عن النظر الصحيح ، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها الحق ، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم ، وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين ، فتصير كأنها غُطي عليها . وحيل بينها وبين الإبصار ، وسماه على الاستعارة ختماً وتغشية . أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختماً وتغطية ، وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم } وبالاغفال في قوله تعالى : { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا } وبالاقساء في قوله تعالى : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندة إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } وقوله تعالى : { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءامَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم . واضطربت المعتزلة فيه فذكروا وجوهاً من التأويل :\rالأول : أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم ، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه .\rالثاني : أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن . أو قلوب مقدر ختم الله عليها ، ونظيره : سال به الوادي إذا هلك . وطارت به العنقاء إذا طالت غيبته .\rالثالث : أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر ، لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب .\rالرابع : أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الإلجاء والقسر ، ثم لم يقسرهم إبقاء على غرض التكليف ، عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإيمانهم . وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي .\rالخامس : أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولون مثل : { قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } تهكماً واستهزاءً بهم [ و ] كقوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } الآية .\rالسادس : أن ذلك في الآخرة ، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى :","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"{ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } السابع : أن المراد بالختم وَسْمُ قُلوبهم بسمة تعرفها الملائكة ، فيبغضونهم وينفرون عنهم ، وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال ونحوهما .\rو { على سَمْعُهُمْ } معطوف على قلوبهم لقوله تعالى : { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } وللوفاق على الوقف عليه ، ولأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات ، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة ، وكرر الجار ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين واستقلال كل منهما بالحكم . ووحد السمع للأمن من اللبس واعتبار الأصل ، فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع . أو على تقدير مضاف مثل وعلى حواس سمعهم .\rوالأبصار جمع بصر وهو : إدراك العين ، وقد يطلق مجازاً على القوة الباصرة ، وعلى العضو وكذا السمع ، ولعل المراد بهما في الآية العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية ، وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة كما قال تعالى : { إِنَّ فِى ذلك لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير . وغشاوة رفع بالابتداء عند سيبويه ، وبالجار والمجرور عند الأخفش ، ويؤيده العطف على الجملة الفعلية . وقرىء بالنصب على تقدير ، وجعل على أبصارهم غشاوة ، أو على حذف الجار وإيصال الختم بنفسه إليه والمعنى : وختم على أبصارهم بغشاوة ، وقرىء بالضم والرفع ، وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها . وغشوة بالكسر مرفوعة ، وبالفتح مرفوعة ومنصوبة وعشاوة بالعين الغير المعجمة .\r{ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } وعيد وبيان لما يستحقونه . والعذاب كالنكال بناءً ، ومعنى تقول : عذب عن الشيء ونكل عنه إذا أمسك ، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويردعه ولذلك سمي نقاخاً وفراتاً ، ثم اتسع فأطلق على كل ألم قادح وإن لم يكن نكالاً ، أي : عقاباً يردع الجاني عن المعاودة فهو أعم منهما . وقيل اشتقاقه من التعذيب الذي هو إزالة العذب كالتقذية والتمريض . والعظيم نقيض الحقير ، والكبير نقيض الصغير ، فكما أن الحقير دون الصغير ، فالعظيم فوق الكبير ، ومعنى التوصيف به أنه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه وحقر بالإضافة إليه ومعنى التنكير في الآية أن على أبصارهم نوع غشاوة ليس مما يتعارفه الناس ، وهو التعامي عن الآيات ، ولهم من الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله .","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بالله وباليوم الأخر } لما افتتح سبحانه وتعالى بشرح حال الكتاب وساق لبيانه ، ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله تعالى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ، وثنى بأضدادهم الذين محضوا الكفر ظاهراً وباطناً ولم يلتفتوا لفتة رأساً ، ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين ، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للقسم ، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاءً ، ولذلك طول في بيان خبثهم وجهلهم واستهزأ بهم ، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم ، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المُصِّرِّينَ .\rوالناس أصله أناس لقولهم : إنسان وأنس وأناسي فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يُجْمَع بينهما . وقوله :\rإنَّ المنايا يَطَّلِعْنَ على الإِناس الآمنِينَا ... شاذ . وهو اسم جمع كرجال ، إذ لم يثبت فعال في أبنية الجمع . مأخوذ من أنس لأنهم يستأنسون بأمثالهم . أو آنس لأنهم ظاهرون مبصرون ، ولذلك سموا بشراً كما سمي الجن جناً لاجتنانهم . واللام فيه للجنس ، ومن موصوفة إذ لا عهد فكأنه قال : ومن الناس ناسٌ يقولون . أو للعهد والمعهود : هم الذين كفروا ، ومن موصولة مراد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه ، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم ، واختصاصهم بزيادات زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس ، فإن الأجناس إنما تتنوع بزيادات يختلف فيها أبعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيماً للقسم الثاني .\rواختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر ، تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم احتازوا الإيمان من جانبيه وأحاطوا بقطريه ، وإيذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه ، فكيف بما يقصدون به النفاق ، لأن القوم كانوا يهوداً وكانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيماناً كلا إيمان ، لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد ، وإن الجنة لا يدخلها غيرهم ، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة وغيرها ، ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم . وبيان لتضاعف خبثهم وإفراطهم في كفرهم ، لأن ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم عقيدتهم لم يكن إيماناً ، فكيف وقد قالوه تمويهاً على المسلمين وتهكماً بهم . وفي تكرار الباء ادعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام .\rوالقول هو التلفظ بما يفيد ، ويقال بمعنى المقول ، وللمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ وللرأي والمذهب مجازاً . والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي . أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة .\r{ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } إنكار ما ادعوه ونفي ما انتحلوا إثباته ، وكان أصله وما آمنوا ليطابق قولهم في التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لكنه عكس تأكيداً . أو مبالغة في التكذيب ، لأن إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان ، ولذلك أكد النفي بالباء وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شيء ، ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به لأنه جوابه .\rوالآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً ، لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمناً . والخلاف مع الكرامية في الثاني فلا ينهض حجة عليهم .","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"{ يخادعون الله والذين ءامَنُوا } الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو فيه ، وعما هو بصدده من قولهم : خدع الضب . إذ توارى في جحره ، وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه ، ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ومنه المخدع للخزانة ، والأخدعان لعرقين خفيين في العنق ، والمخادعة تكون بين اثنين . وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا تُخْفَى عليه خافية ، ولأنهم لم يقصدوا خديعته . بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف ، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } وإما أن صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر ، وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم ، وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار ، استدراجاً وامتثال الرسول A والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم ، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المتخادعين . ويحتمل أن يراد ب { يخادعون } يخدعون لأنه بيان ليقول ، أو مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المخادعين . ويحتمل أن يراد ب { يخادعون } يخدعون لأنه بيان ليقول ، أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه ، إلا أنه أخرج في زنة فَاعَلَ للمبالغة ، فإن الزنة لما كانت للمبالغة والفعل متى غولب فيه ، كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ومبار استصحبت ذلك ، ويعضده قراءة من قرأ { يَخَدِعُونَ } . وكان غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم ما يطرق به من سواهم من الكفرة ، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام والإعطاء ، وأن يختلطوا بالمسلمين فيطلعوا على أسرارهم ويذيعوها إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد .\r{ وَمَا يُخَادَِعُونَ إلاَّ أَنفُسَهُمْ } قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو . والمعنى : أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم . أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك . وخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية .\rوقرأ الباقون { وَمَا } ، لأن المخادعة لا تتصور إلا بين اثنين وقرىء و { يَخَدِعُونَ } من خدع و { يَخَدِعُونَ } بمعنى يختدعون و { يَخَدِعُونَ } و { يخادعون } على البناء للمفعول ، ونصب أنفسهم بنزع الخافض ، والنفس ذات الشيء وحقيقته ، ثم قيل للروح لأن نفس الحي به ، وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه ، وللدم لأن قوامها به ، وللماء لفرط حاجتها إليه ، وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه لأنه ينبعث عنها أو يشبه ذاتاً تأمره وتشير عليه . والمراد بالأنفس ههنا ذواتهم ويحتمل حملها على أرواحهم وآرائهم .\r{ وَمَا يَشْعُرُونَ } لا يحسون لذلك لتمادي غفلتهم . جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس . والشعور : الإحساس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، وأصله الشعر ومنه الشعار .","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"{ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضًا } المرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله . ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي ، لأنها مانعة من نيل الفضائل ، أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية . والآية الكريمة تحتلهما فإن قلوبهم كانت متألمة تحرقاً على ما فات عنهم من الرياسة ، وحسداً على ما يرون من ثبات أمر الرسول A واستعلاء شأنه يوماً فيوماً ، وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمره وإشادة ذكره ، ونفوسهم كانت موصوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي A ونحوها ، فزاد الله سبحانه وتعالى ذلك بالطبع . أو بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر ، وكان إسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث إنه مسبب من فعله وإسنادها إلى السورة في قوله تعالى { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا } لكونها سبباً .\rويحتمل أن يراد بالمرض ما تداخل قلوبهم من الجبن والخور حين شاهدوا شوكة المسلمين وإمداد الله تعالى لهم بالملائكة ، وقذف الرعب في قلوبهم وبزيادته تضعيفه بما زاد لرسول الله A نصرة على الأعداء وتبسطاً في البلاد .\r{ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي : مؤلم يقال : ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع ، وصف به العذاب للمبالغة كقوله :\rتحيةُ بينِهمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ... على طريقة قولهم : جد جده .\r{ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } قرأها عاصم وحمزة والكسائي ، والمعنى بسبب كذبهم ، أو ببدله جزاء لهم وهو قولهم آمنا . وقرأ الباقون { يُكَذِّبُونَ } ، من كذبه لأنهم كانوا يكذبون الرسول E بقلوبهم ، وإذا خلوا إلى شياطينهم . أو من كذَّب الذي هو للمبالغة أو للتكثير مثل بين الشيء وموتت البهائم . أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطاً وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متحير متردد . والكذب : هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به . وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه . وما روي أن إبراهيم E كذب ثلاث كذبات ، فالمراد التعريض . ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به .","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } عطف على { يَكْذِبُونَ } أو { يِقُولُ } . وما روي عن سلمان Bه أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد فلعله أراد به أن أهلها ليس الذين كانوا فقط ، بل وسيكون من بعد من حاله حالهم لأن الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها . والفساد : خروج الشيء عن الاعتدال . والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع .\rوكان من فسادهم في الأرض هَيْجُ الحُروب والفتن بمخادعة المسلمين ، وممالأة الكفار عليهم بإفشاء الأسرار إليهم ، فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما في الأرض من الناس والدواب والحرث .\rومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل بنظام العالم . والقائل هو الله تعالى ، أو الرسول A ، أو بعض المؤمنين . وقرأ الكسائي وهشام ( قُيْل ) بإشمام الضم الأول .\r{ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } جواب ل { إِذَا } رد للناصح على سبيل المبالغة ، والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك ، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح ، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد ، لأن إنما تفيد قصر ما دخلت عليه على ما بعده . مثل : إنما زيد منطلق ، وإنما ينطلق زيد ، وإنما قالوا ذلك : لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى : { أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً . }","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"{ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ } رد لما ادعوه أبلغَ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد : ( ألا ) المنبهة على تحقيق ما بعدها ، فإن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقاً ، ونظيره { أليس ذلك بقادر } ، ولذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يلتقي به القسم ، وأختها أما التي هي من طلائع القسم : وإن المقررة للنسبة ، وتعريف الخبر وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم ( إنما نحن مصلحون ) من التعريض للمؤمنين ، والاستدراك ب { لاَّ يَشْعُرُونَ } .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ } من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين : الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله : { لاَ تُفْسِدُواْ } ، والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله : { ءامَنُواْ } { كَمَا ءامَنَ الناس } في حيز النصب على المصدر ، وما مصدرية أو كافة مثلها في ربما ، واللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل ، فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقاً يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه ، ولذلك يسلب عن غيره فيقال : زيد ليس بإنسان ، ومن هذا الباب قوله تعالى : { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } ونحوه وقد جمعهما الشاعر في قوله :\rإذ الناسُ ناسٌ والزمانُ زمان ... أو للعهد ، والمراد به الرسول A ومن معه . أو من آمن من أهل جلدتهم كابن سلام وأصحابه ، والمعنى آمنوا إيماناً مقروناً بالإخلاص متمحضاً عن شوائب النفاق مماثلاً لإيمانهم ، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان وإن لم يفد التقييد . { قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء } الهمزة فيه للإنكار ، واللام مشار بها إلى الناس ، أو الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم ، وإنما سَفَّهُوهُم لاعتقادهم فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي : كصهيب وبلال ، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه . والسفه : خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل ، والحلم يقابله .","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"{ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السفهاء } الهمزة فيه للإنكار ، واللام مشار بها إلى الناس ، أو الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم ، وإنما سَفَّهُوهُم لاعتقادهم فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي : كصهيب وبلال ، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه . والسفه : خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل ، والحلم يقابله .\r{ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السفهاء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ } رد ومبالغة في تجهيلهم ، فإن الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله ، فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر ، وإنما فصلت الآية ب { لاَّ يَعْلَمُونَ } والتي قبلها ب { لاَّ يَشْعُرُونَ } لأنه أكثر طباقاً لذكر السفه ، ولأن الوقوف على أمر الدين والتمييز بين الحق والباطل مما يفتقر إلى نظر وفكر . وأما النفاق وما فيه من الفتن والفساد فإنما يدرك بأدنى تفطن وتأمل فيما يُشَاهد من أقوالهم وأفعالهم .","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءامَنُواْ قَالُوا ءامَنَّا } بيان لمعاملتهم المؤمنين والكفار ، وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير . روي أن ابن أبيّ وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة ، فقال لقومه : انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فأخذ بيد أبي بكر Bه فقال : مرحباً بالصديق سيد بني تيم ، وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله A ، ثم أخذ بيد عمر Bه فقال : مرحباً بسيد بني عدي الفاروق القوي في دينه ، الباذل نفسه وماله لرسول الله A ، ثم أخذ بيد علي Bه فقال : مرحباً بابن عم رسول الله A وختنه سيد بني هاشم ، ما خلا رسول الله A . فنزلت . واللقاء المصادفة يقال؛ لقيته ولاقيته ، إذا صادفته واستقبلته ، ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقى .\r{ وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شياطينهم } من خلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه . أو من خلاك ذَمٌّ أي عداك ومضى عنك ، ومنه القرون الخالية . أو من خلوت به إذا سخرت منه ، وعدي بإلى لتضمن معنى الإنهاء ، والمراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشيطان في تمردهم ، وهم المظهرون كفرهم ، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر . أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم . وجعل سيبويه نونه تارة أصلية على أنه من شطن إذا بعد فإنه بعيد عن الصلاح ، ويشهد له قولهم : تشيطن . وأخرى زائدة على أنه من شاط إذا بطل ، ومن أسمائه الباطل .\r{ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ } أي في الدين والاعتقاد ، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ، والشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة بإن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان ، وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه ، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين ، ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الإيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار .\r{ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } تأكيد لما قبله ، لأن المستهزىء بالشيء المستخف به مُصِرٌّ على خلافه . أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر . أو استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما ( قالوا إنا معكم ) إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين وتدعون الإيمان فأجابوا بذلك . والاستهزاء السخرية والاستخفاف يقال : هزئت واستهزأت بمعنى كأجبت واستجبت ، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع يقال : هزأ فلان إذا مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف .","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"{ الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } يجازيهم على استهزائهم ، سمي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة ، إما لمقابلة اللفظ باللفظ ، أو لكونه مماثلاً له في القدر ، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزىء بهم ، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ، أو الغرض منه ، أو يعاملهم معاملة المستهزىء : أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم ، واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأما في الآخرة : فبأن يفتح لهم وهم في النار باباً إلى الجنة فيسرعون نحوه ، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : { فاليوم الذين ءامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على أن الله تعالى تولى مجازاتهم ، ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم ، وأنَّ استهزاءهم لا يؤبه به في مقابلة ما يفعل الله تعالى بهم ولعله لم يقل : الله مستهزىء بهم ليطابق قولهم ، إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالاً فحالاً ويتجدد حيناً بعد حين ، وهكذا كانت نكايات الله فيهم كما قال تعالى : { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } من مد الجيش وأمده إذا زاده وقواه ، ومنه مددت السراج والأرض إذا استصلحتهما بالزيت والسماد ، لا من المد في العمر فإنه يعدى باللام كأملى له . ويدل عليه قراءة ابن كثير ( ويمدهم ) . والمعتزلة لما تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره قالوا : لما منعهم الله تعالى ألطافة التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم ، وسدهم طرق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم ريناً وظلمة ، تزايد قلوب المؤمنين انشراحاً ونوراً ، وأمكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغياناً ، أُسْنِدَ ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازاً ، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة ، ومصداق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي وقال { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِى الغى } أو أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم ويمد في أعمارهم كي يتنبهوا ويطيعوا ، فما زادوا إلا طغياناً وعمهاً ، فحذفت اللام وعدى الفعل بنفسه كما في قوله تعالى : { واختار موسى قَوْمَهُ } أو التقدير يمدهم استصلاحاً ، وهم مع ذلك يعمهون في طغيانهم . والطغيان بالضم والكسر كلقيان ، والطغيان : تجاوز الحد في العتو ، والغلو في الكفر ، وأصله تجاوز الشيء عن مكانه قال تعالى : { إِنَّا لَمَّا طغى الماء حملناكم } والعمه في البصيرة كالعمى في البصر ، وهو : التحير في الأمر يقال رجل عامه وعمه ، وأرض عمهاء لا منار بها ، قال :\rأَعْمَى الهُدَى بالجاهِلين العمهْ ...","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } اختاروها عليه واستبدلوها به ، وأصله بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان ، فإن كان أحد العوضين ناضاً تعين من حيث إنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمناً وبذله اشتراء ، وإلا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن فباذله مشترٍ وآخذه بائع ، ولذلك عدت الكلمتان من الأضداد ، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلاً به غيره ، سواء كان من المعاني أو الأعيان ، ومنه قول الشاعر :\rأخذْتُ بالجُمْلةِ رأساً أَزْعَرا ... وبالثَّنايَا الواضِحَاتِ الدّرَرا\rوبالطَّويل العُمرِ عمراً جيذرا ... كما اشْتَرَى المُسْلمُ إذ تَنَصَّرا\rثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشيء طمعاً في غيره ، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التي فُطِرَ الناسُ عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها . أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى .\r{ فَمَا رَبِحَت تجارتهم } . ترشيح للمجاز ، لَمَّا استعمل الاشتراء في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلاً لخسارتهم ، ونحوه :\rوَلَّما رأيتُ النسرَ عزَّ بنَ دأية ... وعَشَّشَ في وَكْرَيْهِ جَاشَ لَهُ صَدْري\rوالتجارة : طلب الربح بالبيع والشراء . والربح : الفضل على رأس المال ، ولذلك سمي شفا ، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على الاتساع لتلبسها بالفاعل ، أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران .\r{ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لطرق التجارة ، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوا الطلبتين لأن رأس مَالِهم كان الفطرة السليمة ، والعقل الصرف ، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم ، واختل عقلهم ولم يبقَ لهم رأس مال يتوسلون به إلى درك الحق ، ونيل الكمال ، فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل .","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"{ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذى استوقد نَاراً } لما جاء بحقيقة حالهم عقبها بضرب المثل زيادة في التوضيح والتقرير ، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد ، لأنه يريك المتخيل محققاً والمعقول محسوساً ، ولأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال ، وفشت في كلام الأنبياء والحكماء . والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال : مَثَل ومِثْل ومَثِيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده ، ولا يضرب إلا ما فيه غرابة ، ولذلك حوفظ عليه من التغيير ، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى : { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } وقوله تعالى : { وَلِلَّهِ المثل الأعلى } والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً ، والذي : بمعنى الذين كما في قوله تعالى : { وَخُضْتُمْ كالذي خَاضُواْ } إن جعل مرجع الضمير في بنورهم ، وإنما جاز ذلك ولم يجز وضع القائم موضع القائمين لأنه غير مقصود بالوصف ، بل الجملة التي هي صلته وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه ، فحقه أنه لا يجمع كما لا نجمع أخواتها ، ويستوي فيه الواحد والجمع وليس الذين جمعه المصحح ، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل ، ولكونه مستطالاً بصلته استحق التخفيف ، ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ، أو قصد به جنس المستوقدين ، أو الفوج الذي استوقد . والاستيقاد : طلب الوقود والسعي في تحصيله ، وهو سطوع النار وارتفاع لهبها . واشتقاق النار من : نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً .\r{ فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ } أي : النار ، ما حول المستوقد إن جعلتها متعدية ، وإلا أمكن أن تكون مسندة إلى ما ، والتأنيث لأن ما حوله أشياء وأماكن أو إلى ضمير النار ، وما : موصولة في معنى الأمكنة ، نصب على الظرف ، أو مزيدة ، وحوله ظرف وتأليف الحول للدوران . وقيل للعام حول لأنه يدور .\r{ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ } جواب لما ، والضمير للذي ، وجمعه للحمل على المعنى ، وعلى هذا إنما قال : { بِنُورِهِمْ } ولم يقل : بنارهم لأنه المراد من أيقادها . أو استئناف أجيب به اعتراض سائل يقول : ما بالهم شبهت حالهم بحال مستوقد انطفأت ناره؟ أو بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان . والضمير على الوجهين للمنافقين ، والجواب محذوف كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ } للإيجاز وأمن الالتباس . وإسناد الذهاب إلى الله تعالى إما لأن الكل بفعله ، أو لأن الإطفاء حصل بسبب خفي ، أو أمر سماوي كريح أو مطر ، أو للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك ، يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه ، وما أخذه الله وأمسكه فلا مرسل له ، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور ، فإنه لو قيل : ذهب الله بضوئهم احتمل ذهابه بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ، والغرض إزالة النور عنهم رأساً ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات لاَّ يُبْصِرُونَ } فذكر الظلمة التي هي عدم النور ، وانطماسه بالكلية ، وجمعها ونكرها ووصفها بأنها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبحان .","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى ، وله مفعول واحد فضمن معنى صير ، فجرى مجرى أفعال القلوب كقوله تعالى : { وَتَرَكَهُمْ فِي ظلمات } .\rوقول الشاعر :\rفتركْتُه جَزْرَ السِّباع يَنُشْنَهُ ... يَقضُمْنَ حُسنَ بنانِهِ والمِعْصَمِ\rوالظلمة مأخوذة من قولهم : ما ظلمك أن تفعل كذا ، أي ما منعك ، لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية . وظلماتهم : ظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظلمة يوم القيامة { يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } أو ظلمة الضلال وظلمة سخط الله ، وظلمة العقاب السرمدي ، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمة متراكمة ، ومفعول { لاَّ يُبْصِرُونَ } من قبيل المطروح المتروك فكأن الفعل غير متعد .\rوالآية مَثَلٌ ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهدى فأضاعه ، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيراً متحسراً ، تقريراً وتوضيحاً لما تضمنته الآية الأولى ، ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق باستبطان الكفر ، وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم ، ومن آثر الضلالة على الهدى المجعول له بالفطرة ، أو ارتد عن دينه بعدما آمن ، ومن صح له أحوال الإرادة فادعى أحوال المحبة فأذهب الله عنه ما أشرق عليه من أنوار الإرادة ، أو مَثَّل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم يحقن الدماء ، وسلامة الأموال والأولاد ، ومشاركة المسلمين في المغانم . والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة ، ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها .","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ } لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا الآيات بأبصارهم ، جُعِلُوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله :\rصُمُّ إذا سَمِعُوا خَيْراً ذُكِرْتُ بهِ ... وإنْ ذُكِرْتُ بسوءِ عندَهُمْ أذنوا\rوكقوله :\rأَصَمُّ عن الشيء الَّذي لا أُريدُهُ ... وأسمَعُ خَلْقِ الله حينَ أُريدُ\rوإطلاقها عليهم على طريقة التمثيل ، لا الاستعارة إذ من شرطها أن يطوي ذكر المستعار له ، بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة كقول زهير :\rلَدَى أسدٍ شاكي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ... لَهُ لِبَدٌ أَظفَارُه لم تُقَلْمِ\rومن ثم ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحاً كما قال أبو تمام الطائي :\rوَيصعَدُ حتى يَظُنَّ الجَهولُ ... بأنَّ لَهُ حَاجةً في السَّماء\rوههنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوق به ، ونظيره :\rأُسَدٌ عليَّ وفي الحُرُوبِ نَعَامة ... فَتْخاءُ تنفر منْ صَفِير الصَّافرِ\rهذا إذا جَعَلْتَ الضمير للمنافقين على أن الآية فذلكة التمثيل ونتيجته ، وإن جعلته للمستوقدين ، فهي على حقيقتها . والمعنى : أنهم لما أوقدوا ناراً فذهب الله بنورهم ، وتركهم في ظلماتٍ هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم وانتقصت قواهم . وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من مفعول تركهم . والصمم : أصله صلابة من اكتناز الأجزاء ، ومنه قيل حجر أصم وقناة صماء ، وصمام القارورة ، سمي به فقدان حاسة السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزاً لا تجويف فيه ، فيشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه . والبكم الخرس . والعمى : عدم البصر عما من شأنه أن يبصر وقد يقال لعدم البصيرة .\r{ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه . أو عن الضلالة التي اشتروها ، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون ، وإلى حيث ابتدؤوا منه كيف يرجعون . والفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم .","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"{ أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ السماء } عطف على الذي استوقد أي : كمثل ذوي صيب لقوله : { يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } و { أَوْ } في الأصل للتساوي في الشك ، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوي من غير شك مثل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وقوله تعالى : { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءَاثِماً أَوْ كَفُوراً } فإنها تفيد التساوي في حسن المجالسة ووجوب العصيان ومن ذلك قوله : { أَوْ كَصَيّبٍ } ومعناه أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين ، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما ، وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيهما شئت . والصيب : فيعل من الصوب ، وهو النزول ، يقال للمطر وللسحاب . قال الشماخ :\rوأسْحَمَ دانٍ صادقِ الرعْدِ صَيَّبٍ ... وفي الآية يحتملهما ، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد . وتعريف السماء للدلالة على أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل أفق منها يسمى سماء كما أن كل طبقة منها سماء ، وقال :\rوَمِنْ بَعْدِ أرضٍ بينَنَا وسماءِ ... أمد به ما في الصيب من المبالغة من جهة الأصل والبناء والتنكير ، وقيل المراد بالسماء السحاب فاللام لتعريف الماهية .\r{ فِيهِ ظلمات وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ } إن أريد بالصيب المطر ، فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر ، وظلمة غمامه مع ظلمة الليل وجعله مكاناً للرعد والبرق لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به . وإن أريد به السحاب ، فظلماته سحمته وتطبيقه مع ظلمة الليل . وارتفاعها بالظرف وفاقاً لأنه معتمد على موصوف . والرعد : صوت يسمع من السحاب . والمشهور أن سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا حدتها الريح من الارتعاد . والبرق ما يلمع من السحاب ، من برق الشيء بريقاً ، وكلاهما مصدر في الأصل ولذلك لم يجمعا .\r{ يَجْعَلُونَ أصابعهم فِى ءاذَانِهِم } الضمير لأصحاب الصيب وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه لكن معناه باق ، فيجوز أن يعول عليه كما عول حسان في قوله :\rيَسْقُون مَنْ وَرَدَ البَريصَ عَليهم ... بَرَدَى يصفِّقُ بالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ\rحيث ذكر الضمير لأن المعنى ماء بردى ، والجملة استئناف فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول قيل : فكيف حالهم مع مثل ذلك؟ فأجيب بها ، وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة .\r{ مّنَ الصواعق } متعلق بيجعلون أي من أجلها يجعلون ، كقولهم سقاه من الغيمة . والصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر بشيء إلا أتت عليه ، من الصعق وهو شدة الصوت ، وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد ، يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت ، وقرىء من «الصواقع» وهو ليس بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصرف يقال صقع الديك ، وخطيب مصقع ، وصقعته الصاقعة ، وهي في الأصل إما صفة لقصفة الرعد ، أو للرعد . والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدر كالعافية والكاذبة . { حَذَرَ الموت } نصب على العلة كقوله :\rوأغْفرُ عَوراءَ الكَريم ادِّخَارَه ... وأَصْفَحُ عنْ شتمِ اللئيمِ تَكَرُّمَا\rوالموت : زوال الحياة ، وقيل عرض يضادها لقوله : { خَلَقَ الموت والحياة } وَرُدَّ بأن الخلق بمعنى التقدير ، والاعدام مقدرة .\r{ والله مُحِيطٌ بالكافرين } لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط ، لا يخلصهم الخداع والحيل ، والجملة اعتراضية لا محل لها .","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"{ يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أبصارهم } استئناف ثان كأنه جواب لمن يقول : ما حالهم مع تلك الصواعق؟ وكاد من أفعال المقاربة ، وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد ، إما لفقد شرط ، أو لوجود مانع وعسى موضوعة لرجائه ، فهي خبر محض ولذلك جاءت متصرفة بخلاف عسى ، وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً تنبيهاً على أنه المقصود بالقرب من غير أن ، لتوكيد القرب بالدلالة على الحال ، وقد تدخل عليه حملاً لها على عسى ، كما تحمل عليها بالحذف من خبرها لمشاركتهما في أصل معنى المقاربة . والخطف الأخذ بسرعة وقرىء ( يَخْطِف ) بكسر الطاء ويخطف على أنه يختطف ، فنقلت فتحة التاء إلى الخاء ثم ادغمت في الطاء ، ويخطف بكسر الخاء لالتقاء الساكنين وإتباع الياء لها ، ويخطف ويتخطف .\r{ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ } استئناف ثالث كأنه قيل : ما يفعلون في تارتي خفوق البرق ، وخفيته؟ فأجيب بذلك . وأضاء إما متعد والمفعول محذوف بمعنى كلما نور لهم ممشى أخذوه ، أو لازم بمعنى ، كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره ، وكذلك أظلم فإنه جاء متعدياً منقولاً من ظلم الليل ، ويشهد له قراءة أظلم على البناء للمفعول ، وقول أبي تمام :\rهُمَا أظلَما حالي ثَمَّةَ أجْلَيا ... ظلامَيْهِما عن وَجْهِ أَمْرَدَ أشيبِ\rفإنه وإن كان من المحدَثين لكنه من علماء العربية ، فلا يبعد أن يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه . وإنما قال مع الإضاءة { كُلَّمَا } ومع الإظلام { إِذَا } لأنهم حراص على المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف . ومعنى ( قاموا ) وقفوا ، ومنه قامت السوق إذا ركدت ، وقام الماء إذا جمد . { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب بهما فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه ، ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد حتى لا يكاد يذكر إلا في الشيء المستغرب كقوله :\rفَلَوْ شِئتُ أن أَبكي دَمَاً لَبَكَيْتُه ... ( ولو ) من حروف الشرط ، وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني ، ضرورة انتفاء الملزوم عند انتفاء لازمه ، وقرىء : لأذهب بأسماعهم ، بزيادة الباء كقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } وفائدة هذه الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه ، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى ، وأن وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته وقوله\r{ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } كالتصريح به والتقرير له . والشيء يختص بالموجود ، لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة ، وحينئذ يتناول البارىء تعالى كما قال : { قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ } وبمعنى مشيء أخرى ، أي مشيء وجوده وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة وعليه قوله تعالى : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } .","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"{ الله خالق كُلّ شَىْء } فهما على عمومهما بلا مثنوية . والمعتزلة لما قالوا الشيء ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن ، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضاً ، لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل .\rوالقدرة : هو التمكن من إيجاد الشيء . وقيل صفة تقتضي التمكن ، وقيل قدرة الإنسان ، هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى : عبارة عن نفي العجز عنه ، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، والقدير الفعال لما يشاء على ما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى ، واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل على مقدار قوته ، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته . وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران وأن مقدور العبد مقدور لله تعالى ، لأنه شيء وكل شيء مقدور لله تعالى . والظاهر أن التمثيلين من جملة التمثيلات المؤلفة ، وهو أن يشبه كيفية منتزعة من مجموع تضامت أجزاؤه وتلاصقت حتى صارت شيئاً واحداً بأخرى مثلها ، كقوله تعالى : { مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } الآية ، فإنه تشبيه حال اليهود في جهلهم بما معهم من التوراة ، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة . والغرض منهما تمثيل حال المنافقين من الحيرة والشدة ، بما يكابد من انطفأت ناره بعد إيقادها في ظلمة ، أو بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق . ويمكن جعلهما من قبيل التمثيل المفرد ، وهو أن تأخذ أشياء فرادى فتشبهها بأمثالها كقوله تعالى : { وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير وَلاَ الظلمات وَلاَ النور وَلاَ الظل وَلاَ الحرور } وقول امرىء القيس :\rكأنَّ قلوبَ الطير رَطْباً ويابِسا ... لَدَى وكرِها العنَّابُ والحشفُ البالي\rبأن يشبه في الأول : ذوات المنافقين بالمستوقدين ، وإظهارهم الإيمان باستيقاد النار وما انتفعوا به من حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك بإضاءة النار ما حول المستوقدين ، وزوال ذلك عنهم على القرب بإهلاكهم وبإفشاء حالهم وإبقائهم في الخسار الدائم ، والعذاب السرمد بإطفاء نارهم والذهاب بنورها . وفي الثاني : أنفسهم بأصحاب الصيب وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيب فيه ظلمات ورعد وبرق ، من حيث إنه وإن كان نافعاً في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة عاد نفعه ضراً ونفاقهم حذراً عن نكايات المؤمنين ، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت ، من حيث إنه لا يرد من قدر الله تعالى شيئاً ، ولا يخلص مما يريد بهم من المضار وتحيرهم لشدة الأمر وجهلهم بما يأتون ، ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة انتهزوها فرصة مع خوف أن تخطف أبصارهم فخطوا خطاً يسيرة ، ثم إذا خفي وفتر لَمَعانُهُ بقوا متقيدين لا حراك بهم .","part":1,"page":42},{"id":43,"text":"وقيل : شبه الإيمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالصَيِّب الذي به حياة الأرض . وما ارتكبت بها من الشبه المبطلة ، واعترضت دونها من الاعتراضات المشككة بالظلمات . وشبه ما فيها من الوعد والوعيد بالرعد ، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق ، وتصامهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنيه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهو معنى قوله تعالى : { والله مُحِيطٌ بالكافرين } واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه ، أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم ، وتحيرهم وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة ، أو تعن لهم مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم .\rونبه سبحانه بقوله : { وَلَوْ شَاء الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبصارهم } على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصار ليتوسلوا بها إلى الهدى والفلاح ، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة ، وسدوها عن الفوائد الآجلة ، ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي يجعلونها لأنفسهم ، فإنه على ما يشاء قدير .","part":1,"page":43},{"id":44,"text":"{ ياأيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ } لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم ، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هَزّاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمر العبادة ، وتفخيماً لشأنها ، وجبراً لكلفة العبادة بلذة المخاطبة . و ( يا ) حرف وضع لنداء البعيد ، وقد ينادي به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد . إما لعظمته كقول الداعي : يا رب ، ويا الله ، هو أقرب إليه من حبل الوريد . أو لغفلته وسوء فهمه . أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه . وهو مع المنادى جملة مفيدة ، لأنه نائب مناب فعل . وأي : جعل وصلة إلى نداء المعرف باللام ، فإن إدخال «يا» عليه متعذر لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وأعطي حكم المنادى وأجري عليه المقصود بالنداء وصفاً موضحاً له ، والتزام رفعه إشعاراً بأنه المقصود ، وأقحمت بينهما هاء التنبيه تأكيداً وتعويضاً عما يستحقه ، أي من المضاف إليه ، وإنما كثر النداء على هذه الطريقة في القرآن لاستقلاله بأوجه من التأكيد ، وكل ما نادى الله له عباده من حيث إنها أمور عظام ، من حقها أن يتفطنوا إليها ، ويقبلوا بقلوبهم عليها ، وأكثرهم عنها غافلون ، حقيق بأن ينادي له بالآكد الأبلغ والجموع وأسماؤها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد ، ويدل عليه صحة الاستثناء منها . أو التأكيد بما يفيد العموم كقوله تعالى : { فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } واستدلال الصحابة بعمومها شائعاً وذائعاً ، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد ، لما تواتر من دينه E أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل ، وما روي عن علقمة والحسن أن كل شيء نزل فيه { يَا أَيُّهَا الناس } فمكي { وَيَا أَيُّهَا الذين آمنوا } فمدني ، إن صح رفعه فلا يوجب تخصيصه بالكفار ، ولا أمرهم بالعبادة ، فإن المأمور به هو القدر المشترك بين بدء العبادة ، والزيادة فيها ، والمواظبة عليها ، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع ، فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به ، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة ، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة ، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه . ومن المؤمنين ازديادهم وثباتهم عليها وإنما قال : { رَبُّكُمْ } تنبيهاً على أن الموجب للعبادة هي الربوبية .\r{ الذي خَلَقَكُمْ } صفة جَرَتْ عليه تعالى للتعظيم والتعليل ، ويحتمل التقييد والتوضيح إن خص الخطاب بالمشركين ، وأريد بالرَّب أعم من الرب الحقيقي ، والآلهة التي يسمونها أرباباً . والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء ، وأصله التقدير يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس .\r{ والذين مِن قَبْلِكُمْ } متناول كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو بالزمان . منصوب معطوف على الضمير المنصوب في { خَلَقَكُمْ } .","part":1,"page":44},{"id":45,"text":"والجملة أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المقرر عندهم ، إما لاعترافهم به كما قال الله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله } أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر! وقرىء { مِن قَبْلِكُمْ } على إقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً ، كما أقحم جرير في قوله :\rيا تيم تيمَ عُدَيٍّ لا أبا لَكمُو ... تيماً ، الثاني بين الأول وما أضيف إليه .\r{ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } حال من الضمير في { اعبدوا } كأنه قال : اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح ، المستوجبين جوار الله تعالى . نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله ، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته ، ويكون ذا خوف ورجاء قال تعالى : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } { يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ } أو من مفعول { خَلَقَكُمْ } والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه ، وكثرة الدواعي إليه . وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمعنى على إرادتهم جميعاً . وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } وهو ضعيف إذ لم يثبت في اللغة مثله .\rوالآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة ، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله ، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثواباً ، فإنها لما وجبت عليه شكراً لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل .","part":1,"page":45},{"id":46,"text":"{ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } صفة ثانية ، أو مدح منصوب ، أو مرفوع ، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا وجعل من الأفعال العامة يجيء على ثلاثة أوجه : بمعنى صار ، وطفق فلا يتعدى كقوله :\rفَقَدْ جعلتُ قلوصَ بني سُهَيل ... مِنْ الأَكْوارِ مرتعُها قَريبُ\rوبمعنى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى : { وَجَعَلَ الظلمات والنور } وبمعنى صير ، ويتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى : { جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً } والتصيير يكون بالفعل تارة ، وبالقول أو العقد أخرى . ومعنى جعلها فراشاً أن جعل بعض جوانبها بارزاً ظاهراً عن الماء ، مع ما في طبعه من الإحاطة بها ، وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط ، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة ، لأن كروية شكلها مع عظم حجمها . واتساع جرمها لا تأبى الافتراش عليها .\r{ والسماء بِنَاءً } قبة مضروبة عليكم . والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد كالدينار والدرهم ، وقيل : جمع سماءة . والبناء مصدر ، سمي به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء ، ومنه بني على امرأته ، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباءً جديداً .\r{ وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ } عطف على ( جعل ) ، وخروج الثمار بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان ، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما ، أو أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار ، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في إنشائها مدرجاً من حال إلى حال ، صنائع وحكم يجدد فيها لأُولي الأبصار عبراً ، وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة ، و { مِنْ } الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء ، أو الفلك فإن المطر يبتدىء من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر . أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحاباً ماطراً . و { مِنْ } الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } واكتناف المنكرين له أعني ماء ورزقاً كأنه قال : وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم ، وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله ، ولا أخرج بالمطر كل الثمرات ، ولا جعل كل المرزوق ثماراً . أو للتبيين ، ورزقاً مفعول بمعنى المرزوق كقولك أنفقت من الدراهم ألفاً . وإنما ساغ الثمرات والموضع موضع الكثرة ، لأنه أراد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك أدركت ثمرة بستانه ، ويؤيده قراءة من قرأ : «من الثمرة» على التوحيد .","part":1,"page":46},{"id":47,"text":"أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى : { كَمْ تَرَكُواْ مِن جنات وَعُيُونٍ } وقوله : { ثلاثة قُرُوء } أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة . و { لَكُمْ } صفة رزقاً إن أريد به المرزوق ومفعوله إن أريد به المصدر كأنه قال : رزقاً إياكم .\r{ فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } متعلق باعبدوا على أنه نهي معطوف عليه . أو نفي منصوب بإضمار أن جواب له . أو بلعل على أن نصب تجعلوا نصب فاطلع في قوله تعالى : { لَّعَلّى أَبْلُغُ الاسباب أسباب السموات فَأَطَّلِعَ } إلحاقاً لها بالأشياء الستة لاشتراكها في أنها غير موجبة ، والمعنى : إن تتقوا لا تجعلوا لله أنداداً ، أو بالذي جعل ، إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبراً على تأويل مقول فيه : لا تجعلوا ، والفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى : أن من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يُشْرَكَ به . والند : المثل المناوىء ، قال جرير :\rأَتيماً تَجْعلونَ إليَّ ندَّا ... وما تيمٌ لِذي حَسَبٍ نَدِيدُ\rمن ند يند ندوداً : إذا نفر ، وناددت الرَجُلَ خالفته ، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي بالمماثل في القدر ، وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله ( أنداداً ) ، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها ، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات ، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله ، وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير ، فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً لمن يمتنع أن يكون له ند . ولهذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل :\rأَرَبّاً واحِداً أَمْ أَلفُ رَب ... أَدِينُ إِذا تقسَّمتِ الأمورُ\rتركْت اللاتَ والعزَّى جميعاً ... كذلكَ يَفْعَلُ الرجُلُ البصِيرُ\r{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } حال من ضمير فلا تجعلوا ، ومفعول تعلمون مطروح ، أي : وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي ، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للمكنات منفرد بوجوب الذات ، متعال عن مشابهة المخلوقات . أو منوي وهو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله سبحانه وتعالى : { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ والتثريب ، لا تقييد الحكم وقصره عليه ، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف .\rواعلم إن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى ، والنهي عن الإشراك به تعالى ، والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى . وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعاراً بأنها العلة لوجوبها ، ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من المقلة والمظلة والمطاعم والملابس ، فإن الثمرة أعم من المطعوم ، والرزق أعم من المأكول والمشروب . ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته تعالى ، رتب تعالى عليها النهي عن الإشراك به ، ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق فيه الكلام ، الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل ، فمثل البدن بالأرض ، والنفس بالسماء ، والعقل بالماء ، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس ، وازدواج القوى النفسانية والبدنية ، بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار ، فإن لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حد مطلعاً .","part":1,"page":47},{"id":48,"text":"{ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ } لما قرر وحدانيته تعالى وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ، ذكر عقيبه ما هو الحجة على نبوة محمد A ، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كل منطق وإفحامه ، من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة والمضارة ، وتهالكهم على المعازة والمعارة ، وعرف ما يتعرف به إعجازه ويتيقن أنه من عند الله كما يدعيه . وإنما قال : { مّمَّا نَزَّلْنَا } لأن نزوله نجماً منجماً بحسب الوقائع على ما ترى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم ، كما حكى الله عنهم فقال { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة وإلزاماً للحجة ، وأضاف العبد إلى نفسه تعالى تنويهاً بذكره ، وتنبيهاً على أنه مختص به منقاد لحكمه تعالى ، وقرىء «عبادنا» يريد محمداً A وأمته . والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات ، وهي إن جعلت واوها أصلية منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها ، أو محتوية على أنواع من العلم احتواء سور المدينة على ما فيها ، أو من السورة التي هي الرتبة ، قال النابغة :\rوَلرهْطِ حرابٍ وَقدٍّ سُورةٌ ... في المجْدِ ليسَ غرابُها بمطَارِ\rلأن السُورَ كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارىء ، أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة . وإن جعلت مبدلة من الهمزة فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشيء . والحكمة في تقطيع القرآن سوراً : إفراد الأنواع ، وتلاحق الأشكال ، وتجاوب النظم ، وتنشيط القارىء ، وتسهيل الحفظ ، والترغيب فيه . فإنه إذا ختم سورة نَفَّسَ ذلك عنه ، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى بريداً ، والحافظ متى حذفها اعتقد أنه أخذ من القرآن حظاً تاماً ، وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها ، فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غير ذلك من الفوائد .\r{ مّن مّثْلِهِ } صفة سورة أي : بسورة كائنة من مثله ، والضمير لما نزلنا ، و ( من ) للتبعيض أو للتبيين . وزائدة عند الأخفش أي بسورةِ مماثلة للقرآن العظيم في البلاغة وحسن النظم . أو لعبدنا ، و ( من ) للابتداء أي : بسورة كائنة ممن هو على حاله E من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم . أو صلة { فأتوا } ، والضمير للعبد A ، والرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لقوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ولسائر آيات التحدي ، ولأن الكلام فيه لا في المنزل عليه فَحَقه أن لا ينفكَ عنه ليتسق الترتيب والنظم ، ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم : ليأت بنحو ما أوتي به هذا آخر مثله ، ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى :","part":1,"page":48},{"id":49,"text":"{ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } ولأن رده إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته ، ولا يلائمه قوله تعالى .\r{ وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } فإنه أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم . والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر ، أو القائم بالشهادة ، أو الناصر ، أو الإمام . وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور ، إذ التركيب للحضور ، إما بالذات أو بالتصور ، ومنه قيل : للمقتول في سبيل الله شهيد لأنه حضر ما كان يرجوه ، أو الملائكة حضروه . ومعنى { دُونِ } أدنى مكان من الشيء ومنه تدوين الكتب ، لأنه إدناء البعض من البعض ، ودونك هذا أي : خذه من أدنى مكان منك ، ثم استعير للرُتَب فقيل : زيد دون عمرو أي : في الشرف ، ومنه الشيء الدون ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى آخر ، قال تعالى : { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين . قال أمية :\rيا نفسُ مَا لَكِ دونَ اللَّهِ منْ واق ... أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره ، و { مِنْ } متعلقة ب { ادعوا } . والمعنى { وادعوا } للمعارضة من حضركم ، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى ، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله . أو : { وادعوا } من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله ، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة . أو ب { شهدائكم } أي الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء وآلهة ، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة . أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله تعالى على زعمكم من قول الأعشى :\rتُرِيكَ القَذَى مِنْ دونِها وهي دُونَهُ ... ليعينوكم وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد في معارضة القرآن العزيز غاية التبكيت والتهكم بهم . وقيل : { مِن دُونِ الله } أي من دون أوليائه ، يعني فصحاء العرب ووجوه المشاهد ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله ، فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله .\r{ إِن كُنتُمْ صادقين } أنه من كلام البشر ، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله . والصدق : الإخبار المطابق ، وقيل : مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة ، لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم : { إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } لما لم يعتقدوا مطابقته ، ورد بصرف التكذيب إلى قولهم { نَشْهَدُ } ، لأن الشهادة إخبار عما علمه وهم ما كانوا عالمين به .","part":1,"page":49},{"id":50,"text":"{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فاتقوا النار التى وَقُودُهَا الناس والحجارة } لما بين لهم ما يتعرفون به أمر الرسول A وما جاء به ، وميز لهم الحق عن الباطل ، رتب عليه ما هو كالفذلكة له ، وهو أنكم إذا اجتهدتم في معارضته وعجزتم جميعاً عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه ، ظهر أنه معجز والتصديق به واجب ، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب ، فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره إيجازاً ، ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكناية تقريراً للمكنى عنه ، وتهويلاً لشأن العناد ، وتصريحاً بالوعيد مع الإيجاز ، وصدر الشرطية بإن التي للشك والحال يقتضي إذا الذي للوجوب ، فإن القائل سبحانه وتعالى لم يكن شاكاً في عجزهم ، ولذلك نفى إتيانهم معترضاً بين الشرط والجزاء تهكماً بهم وخطاباً معهم على حسب ظنهم ، فإن العجز قبل التأمل لم يكن محققاً عندهم . و { تَفْعَلُواْ } جزم ب { لَمْ } لأنها واجبة الإعمال مختصة بالمضارع متصلة بالمعمول ، ولأنها لما صيرته ماضياً صارت كالجزء منه ، وحرف الشرط كالداخل على المجموع فكأنه قال : فإن تركتم الفعل ، ولذلك ساغ اجتماعهما . { وَلَنْ } كلا في نفي المستقبل غير أنه أبلغ وهو حرف مقتضب عند سيبويه والخليل في إحدى الروايتين عنه ، وفي الرواية الأخرى أصله لا أن ، وعند الفراء لا فأبدلت ألفها نوناً . والوَقود بالفتح ما توقد به النار ، وبالضم المصدر وقد جاء المصدر بالفتح قال سيبويه : وسمعنا من يقول وقدت النار وَقوداً عالياً ، واسم بالضم ولعله مصدر سمي به كما قيل : فلان فخر قومه وزين بلده ، وقد قرىء به والظاهر أن المراد به الاسم ، وإن أريد به المصدر فعلى حذف مضاف أي : وقودها احتراق الناس ، والحجارة : وهي جمع حجر . كجمالة جمع جمل وهو قليل غير منقاس ، والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعاً في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضار لمكانتهم ، ويدل عليه قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكافرون بما كنزوه . أو بنقيض ما كانوا يتوقعون زيادة في تحسرهم . وقيل : الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها ويغترون بها ، وعلى هذا لم يكن لتخصيص إعداد هذا النوع من العذاب بالكفار وجه ، وقيل : حجارة الكبريت وهو تخصيص بغير دليل وإبطال للمقصود ، إذ الغرض تهويل شأنها وتفاقم لهبها بحيث تتقد بما لا يتقد به غيرها ، والكبريت تتقد به كل نار وإن ضعفت ، فإن صح هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلعله عني به أن الأحجار كلها لتلك النار كحجارة الكبريت لسائر النيران . ولما كانت الآية مدنية نزلت بعد ما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم","part":1,"page":50},{"id":51,"text":"{ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } وسمعوه صح تعريف النار . ووقوع الجملة صلة «بإزائها» فإنها يجب أن تكون قصة معلومة .\r{ أُعِدَّتْ للكافرين } هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم . وقرىء : «أعتدت» من العتاد بمعنى العدة ، والجملة استئناف ، أو حال بإضمار قد من النار لا الضمير الذي في وقودها ، وإن جعلته مصدراً للفصل بينهما بالخبر . وفي الآيتين ما يدل على النبوة من وجوه :\rالأول : ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد ، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن ، ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا لمعارضته ، التجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج .\rالثاني : أنهما يتضمنان الإخبار عن الغيب على ما هو به ، فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر .\rالثالث : أنه A لو شك في أمره لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة ، مخافة أن يعارض فتدحض حجته . وقوله تعالى : { أُعِدَّتْ للكافرين } دل على أن النار مخلوقة معدة الآن لهم .","part":1,"page":51},{"id":52,"text":"{ وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أَنَّ لَهُمْ جنات } عطف على الجملة السابقة ، والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه ، على حال من كفر به ، وكيفية عقابه على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب ، تنشيطاً لاكتساب ما ينجي ، وتثبيطاً عن اقتراف ما يردي ، لا عطف الفعل نفسه حتى يجب أن يطلب له ما يشاكله من أمر أو نهي فيعطف عليه أو على فاتقوا ، لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه ، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب ، ومن آمن به استحق الثواب ، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء ، وإنما أمر الرسول A ، أو عالم كل عصر ، أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم . ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة ، تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنأوا بما أعد لهم .\rوقرىء { وَبَشّرِ } على البناء للمفعول عطفاً على أعدت فيكون استئنافاً . والبشارة : الخبر السار فإنه يظهر أثر السرور في البَشْرة ، ولذلك قال الفقهاء البشارة : هي الخبر الأول ، حتى لو قال الرجل لعبيده : من بشرني بقدوم ولدي فهو حر ، فأخبروه فرادى عتق أَوَلُهُم ، ولو قال : من أخبرني ، عتقوا جميعاً ، وأما قوله تعالى : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فعلى التهكم أو على طريقة قوله : تحِيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجيْعُ .\rو { الصالحات } جمع صالحة وهي من الصفات الغالبة التي تجري مجرى الأسماء كالحسنة ، قال الحطيئة :\rكَيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صالحة ... من آل لامٍ بظُهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني\rوهي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه ، وتأنيثها على تأويل الخصلة ، أو الخلة ، واللام فيها للجنس ، وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين ، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ ، والعمل الصالح كالبناء عليه ، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه ، ولذلك قلما ذكرا منفردين . وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان ، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه .\r{ أَنَّ لَهُمْ } منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه ، أو مجرور بإضماره مثل : الله لأفعلن . والجنة : المرة من الجن وهو مصدر جنة إذا ستره ، ومدار التركيب على الستر ، سمي بها الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة كأنه يستر ما تحته سترة واحدة قال زهير :\rكأنَّ عَيني في غَربي مقتلَة ... من النواضِحِ تَسْقي جَنَّةً سُحُقا\rأي نخلاً طوالاً ، ثم البستان ، لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة ، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان ، وقيل : سميت بذلك لأنه ستر في الدنيا ما أعد فيها للبشر من أفنان النعم كما قال سبحانه وتعالى :","part":1,"page":52},{"id":53,"text":"{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } وجمعها وتنكيرها لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس Bهما سبع : جنة الفردوس ، وجنة عدن ، وجنة النعيم ، ودار الخلد ، وجنة المأوى ، ودار السلام ، وعِلِّيُون ، وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال . واللام في { لَهُمْ } تدل على استحقاقهم إياها ، لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح ، لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة ، فضلاً عن أن يقتضي ثواباً وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع ، ومقتضى وعده تعالى لا على الإطلاق ، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى : { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } وقوله تعالى لنبيه A { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } وأشباه ذلك ، ولعله سبحانه وتعالى لم يقيد ههنا استغناء بها .\r{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } أي من تحت أشجارها ، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها . وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود : واللام في { الأنهار } للجنس ، كما في قولك لفلان : بستان في الماء الجاري ، أو للعهد ، والمعهود : هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى : { فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءَاسِنٍ } الآية . والنهر بالفتح والسكون : المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر ، كالنيل والفرات ، والتركيب للسعة ، والمراد بها ماؤها على الإضمار ، أو المجاز ، أو المجاري أنفسها . وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى : { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } الآية .\r{ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا } صفة ثانية لجنات ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو جملة مستأنفة . كأنه لما قيل : إن لهم جنات ، وقع في خلد السامع أثمارها مثل ثمار الدنيا ، أو أجناس أخر فأزيح بذلك ، و { كُلَّمَا } نصب على الظرف ، و { رِزْقاً } مفعول به ، ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال ، وأصل الكلام ومعناه : كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة ، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات ، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فصاحب الحال الأولى رزقاً وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال ، ويحتمل أن يكون من ثمره ، بياناً تقدم كما في قولك : رأيت منك أسداً ، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا كقولك مشيراً إلى نهر جار : هذا الماء لا ينقطع ، فإنك لا تعني به العين المشاهدة منه ، بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه ، فالمعنى هذا مثل رزقنا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته كقولك : أبو يوسف أبو حنيفة .\r{ مِن قَبْلُ } أي : من قبل هذا في الدنيا ، جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه أول ما يرى ، فإنه الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غيره ، ويتبين لها مزيته وكنه النعمة فيه ، إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك ، أو في الجنة لأن طعامها متشابه في الصورة ، كما حكى ابن كثير عن الحسن Bهما : ( أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها ، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك ، فيقول الملك : كل فاللون واحد والطعم مختلف ) .","part":1,"page":53},{"id":54,"text":"أو كما روي أنه E قال : \" والذي نفس محمد بيده ، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه ، حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها \" فلعلهم إذ رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك ، والأول أظهر لمحافظته على عموم { كُلَّمَا } فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا ، والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة .\r{ وَأُتُواْ بِهِ متشابها } اعتراض يقرر ذلك ، والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدارين فإنه مدلول عليه بقوله عز من قائل { هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } ونظيره قوله D : { إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فالله أولى بِهِمَا } أي بجنسي الغني والفقير ، وعلى الثاني إلى الرزق . فإن قيل : التشابه هو التماثل في الصفة ، وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس في الجنة من أطعمة إلا الأسماء . قلت : التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم ، وهو كاف في إطلاق التشابه . هذا : وإن للآية الكريمة محملاً آخر ، وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات ، متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها ، فيحتمل أن يكون المراد من { هذا الذى رُزِقْنَا } أنه ثوابه ، ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة ، فيكون هذا في الوعد نظير قوله : { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } في الوعيد .\r{ وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ } مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن ، كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق ، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال . وقرىء : «مطهرات» وهما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلت وفعلن ، وهن فاعلة وفواعل ، قال :\rوإذَا العَذَارى بالدّخَانِ تَقَنَّعَت ... واسْتَعَجلتْ نَصْبَ القُدورِ فملَّت\rفالجمع على اللفظ ، والإِفراد على تأويل الجماعة ، ومطهرة بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ، ومطهرة أبلغ من طاهرة ومطهرة للإشعار بأن مطهراً طهرهن وليس هو إلا الله D . والزوج يقال للذكر والأنثى ، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف ، فإن قيل : فائدة المطعوم هو التغذي ودفع ضرر الجوع ، وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع ، وهي مستغنى عنها في الجنة . قلت : مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات ، وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل ، ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدها .","part":1,"page":54},{"id":55,"text":"{ وَهُمْ فِيهَا خالدون } دائمون . والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أم لم يدم ، ولذلك قيل للأثافي والأحجار خوالد ، وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حياً خلد ، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى : { خالدين فِيهَا أَبَداً } لغوا واستعماله حيث لا دوام ، كقولهم وقف مخلد ، يوجب اشتراكاً ، أو مجازاً . والأصل ينفيهما بخلاف ما لو وضع للأعم منه فاستعمل فيه بذلك الاعتبار ، كإطلاق الجسم على الإنسان مثل قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ الخلد } لكن المراد به ههنا الدوام عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن .\rفإن قيل : الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية ، معرضة للاستحلالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان . قلت : إنه تعالى يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلاً متقاومة في الكيفية ، متساوية في القوة لا يقوي شيء منها على إحالة الآخر ، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن .\rهذا وإن قياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده من نقص العقل وضعف البصيرة . واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصوراً على : المساكن والمطاعم ، والمناكح ، على ما دل عليه الاستقراء كان ملاك ذلك كله الدوام والثبات ، فإن كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم ، بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها ، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور .","part":1,"page":55},{"id":56,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل ، عقب ذلك ببيان حسنه ، وما هو الحق له والشرط فيه ، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر والخسة والشرف دون الممثل ، فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم ، لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة ، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء ، وإشارات الحكماء ، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم ، وإن كان المثل أعظم من كل عظيم ، كما مثل في الإنجيل غل الصدور ، بالنخالة . والقلوب القاسية ، بالحصاة . ومخاطبة السفهاء ، بإثارة الزنابير . وجاء في كلام العرب : أسمع من قراد وأطيش من فراشه ، وأعز من مخ البعوض . لا ما قالت الجهلة من الكفار : لِمَا مثل الله حال المنافقين بحال المستوقدين؟ وأصحاب الصيب وعبادة الأصنام في الوهن والضعف ببيت العنكبوت؟ وجعلها أقل من الذباب وأخس قدراً منه؟ الله سبحانه وتعالى أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت . وأيضاً ، لِمَا أرشدهم إلى ما يدل على أن المتحدي به وحي منزل؟ ورتب عليه وعيد من كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمره؟ شَرَعَ في جواب ما طعنوا به فيه فقال تعالى : { إِنَّ الله لاَ * يَسْتَحْىِ } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها . والحياء : انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم ، وهو الوسط بين الوقاحة : التي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها ، والخجل : الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً . واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها فقيل : حيي الرجل كما يقال نسي وحشي ، إذا اعتلت نساه وحشاه . وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث « إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه » . « إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً » فالمراد به الترك اللازم للانقباض ، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما ، ونظيره قول من يصف إيلاً :\rإذا ما اسْتَحينَ الماءَ يعْرضُ نَفْسَه ... كَرَعْنَ بسَبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ\rوإنما عدل به عن الترك ، لما فيه من التمثيل والمبالغة ، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة . وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم ، وأصله وقع شيء على آخر ، وأَنْ بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من ، منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها عند سيبويه .","part":1,"page":56},{"id":57,"text":"وما إبهامية تزيد النكرة إبهاماً وشياعاً وتسد عنها طرق التقييد ، كقولك أعطني كتاباً ما ، أي : أي كتاب كان . أو مزيدة للتأكيد كالتي في قوله تعالى : { فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله } ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع ، فإن القرآن كله هدى وبيان ، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه ، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقةً وقوةً وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه . وبعوضة عطف بيان لمثلاً . أو مفعول ليضرب ، ومثلاً حال تقدمت عليه لأنه نكرة . أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل . وقرئت بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وعلى هذا يحتمل { مَا } وجوهاً أخر : أن تكون موصولة حذف صدر صلتها ، كما حذف في قوله : { تَمَامًا عَلَى الذى أَحْسَنَ } وموصوفة بصفة كذلك ، ومحلها النصب بالبدلية على الوجهين . واستفهامية هي المبتدأ ، كأنه لما رد استبعادهم ضرب الله الأمثال ، قال بعده : ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب به المثل ، بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك . ونظيره فلان لا يبالي مما يهب ما دينار وديناران . والبعوض : فعول من البعض ، وهو القطع كالبضع والعضب ، غلب على هذا النوع كالخموش .\r{ فَمَا فَوْقَهَا } عطف على بعوضة ، أو ما إن جعل اسماً ، ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت ، كأنه قصد به رد ما استنكروه . والمعنى : أنه لا يستحيي ضرب المثل بالبعوض فضلاً عما هو أكبر منه ، أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلاً ، وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه E ضربه مثلاً للدنيا ، ونظيره في الاحتمالين ما روي أن رجلاً بمنى خَرَّ على طنب فسطاط فقالت عائشة Bها سمعت رسول الله A قال : « ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها ، إلا كتبت له بها درجة ، ومحيت عنه بها خطيئة » فإنه يحتمل ما تجاوز الشوكة في الألم كالخرور وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة ، لقوله E « ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة » { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق نظشتظء رَبِّهِم } أما حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط ، ولذلك يجاب بالفاء . قال سيبويه : أما زيد فذاهب معناه ، مهما يكن من شيء فزيد ذاهب ، أي هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة ، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة لأنها الجزاء ، لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوها على الخبر ، وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً ، وفي تصديره الجملتين به إخماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم ، وذم بليغ للكافرين على قولهم ، والضمير في { أَنَّهُ } للمثل ، أو لأن يضرب .","part":1,"page":57},{"id":58,"text":"و { الحق } الثابت الذي لا يسوغ إنكاره ، يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة ، من قولهم حق الأمر ، إذا ثبت ومنه : ثوب محقق أي : محكم النسج .\r{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ } كان من حقه : وأما الذين كفروا فلا يعلمون ، ليطابق قرينه ويقابل قسيمه ، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه .\r{ مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } يحتمل وجهين : أن تكون «ما» استفهامية و «ذا» بمعنى الذي وما بعده صلته ، والمجموع خبر ما . وأن تكون «ما» مع «ذا» اسماً واحداً بمعنى : أي شيء ، منصوب المحل على المفعولية مثل ما أراد الله ، والأحسن في جوابه الرفع على الأول ، والنصب على الثاني ، ليطَابق الجواب السؤال . والإرادة : نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه ، وتقال للقوة التي هي مبدأ النزوع ، والأول مع الفعل والثاني قبله ، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به ، ولذلك اختلف في معنى إرادته فقيل : إرادته لأفعاله أنه غير ساه ولا مكره ، ولأفعال غيره أمره بها . فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته ، وقيل : علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل ، والوجه الأصلح فإنه يدعو القادر إلى تحصيله ، والحق : أنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه ، أو معنى يوجب هذا الترجيح ، وهي أعم من الاختيار فإنه ميل مع تفضيل وفي هذا استحقار واسترذال . و { مَثَلاً } نصب على التمييز ، أو الحال كقوله تعالى : { هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جواب ماذا ، أي : إضلال كثير وإهداء كثير ، وضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث والتجدد ، أو بيان للجملتين المصدرتين بإما ، وتسجيل بأن العلم بكونه حقاً هدى وبيان ، وأن الجهل بوجه إيراده والإنكار لحسن مورده ضلال وفسوق ، وكثرة كل واحد من القبيلتين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابليهم ، فإن المهديين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى : { وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } { وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ الشكور } ويحتمل أن يكون كثرة الضالين من حيث العدد ، وكثرة المهديين باعتبار الفضل والشرف كما قال :\rقَليلُ إذا عُدُّوا كَثيرٌ إِذا شَدُّوا ... وقال :\rإنَّ الكِرامَ كثيرٌ في البلادِ وإِن ... قَلُّوا كما غيرَهُم قلٌّ وإنْ كَثُرُوا\r{ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } أي الخارجين عن حد الإيمان ، كقوله تعالى : { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } من قولهم : فسقت الرُطَبة عن قشرها إذا خرجت . وأصل الفسق : الخروج عن القصد قال رؤبة :\rفواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائراً ... والفاسق في الشرع : الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة ، وله درجات ثلاث :\rالأولى : التغابي وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها .\rالثانية : الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها .","part":1,"page":58},{"id":59,"text":"الثالثة : الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً إياها ، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه ، ولابس الكفر . وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان ، ولقوله تعالى : { وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } والمعتزلة لما قالوا : الإيمان : عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل ، والكفر تكذيب الحق وجحوده . جعلوه قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض الأحكام ، وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال ، وأدى بهم إلى الضلال . وذلك لأن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به ، حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه واستهزؤوا به . وقرىء ( يضل ) بالبناء للمفعول و «الفاسقون» بالرفع .","part":1,"page":59},{"id":60,"text":"{ الذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق . والنقض : فسخ التركيب ، وأصله في طاقات الحبل ، واستعماله في إبطال العهد من حيث إن العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر ، فإن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحاً للمجاز ، وإن ذكر مع العهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وهو أن العهد حبل في شجاعته بحر بالنظر إلى إفادته . والعهد : الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعي ويتعهد كالوصية واليمين ، ويقال للدار ، من حيث إنها تراعي بالرجوع إليها . والتاريخ لأنه يحفظ ، وهذا العهد : إما العهد المأخوذ بالعقل ، وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله ، وعليه أُوِّلَ قوله تعالى : { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } أو : المأخوذ بالرسل على الأمم ، بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ، ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه ، وإليه أشار بقوله : { وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } ونظائره . وقيل : عهود الله تعالى ثلاثة : عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته ، وعهد أخذه على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه ، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه .\r{ مِن بَعْدِ ميثاقه } الضمير للعهد والميثاق : اسم لما يقع به الوثاقة وهي الاستحكام ، والمراد به ما وَثَقَ الله به عهده من الآيات والكتب ، أو ما وثقوه به من الالتزام والقبول ، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر . و { مِنْ } للابتداء فإن ابتداء النقض بعد الميثاق .\r{ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى ، كقطع الرحم ، والإعراض عن موالاة المؤمنين ، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام ، والكتب في التصديق ، وترك الجماعات المفروضة ، وسائر ما فيه رفض خير . أو تعاطي شر فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل ، والأمر هو للقول الطالب للفعل ، وقيل : مع العلو ، وقيل : مع الاستعلاء ، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر ، فإنه مما يؤمر به كما قيل : له شأن وهو الطلب . والقصد يقال : شأنت شأنه ، إذا قصدت قصده . و { أَن يُوصَلَ } يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من ما ، أو ضميره . والثاني أحسن لفظاً ومعنى .\r{ وَيُفْسِدُونَ فِى الارض } بالمنع عن الإيمان والاستهزاء بالحق ، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه .\r{ أولئك هُمُ الخاسرون } الذين خسروا بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية ، واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها ، والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها ، واشتراء النقض بالوفاء ، والفساد بالصلاح ، والعقاب بالثواب .","part":1,"page":60},{"id":61,"text":"{ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله } استخبار فيه إنكار ، وتَعجيب لكفرهم بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني ، فإن صدوره لا ينفك عن حال وصفة فإذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها استلزم ذلك إنكار وجوده ، فهو أبلغ وأقوى في إنكار الكفر ، من ( أتكفرون ) وأوفق لما بعده من الحال ، والخطاب مع الذين كفروا لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال ، خاطبهم على طريقة الالتفات ، ووبخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك ، والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون .\r{ وَكُنتُمْ أمواتا } أي أجساماً لا حياة لها ، عناصر وأغذية ، وأخلاطاً ونطفاً ، ومضغاً مخلفة وغير مخلفة .\r{ فأحياكم } بخلق الأرواح ونفخها فيكم ، وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف البواقي .\r{ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عندما تقضي آجالكم . { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بالنشور يوم ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم . أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب ، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه . فإن قيل : إن علموا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم ، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون . قلت : تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر ، . سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما وهو : أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولاً قدر على أن يحييهم ثانياً ، فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته . أو الخطاب مع القبيلين فإنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد والنبوة ، ووعدهم على الإيمان ، وأوعدهم على الكفر ، أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة والخاصة ، واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة ، فإن عظم النعم يوجب عظم معصية النعم ، فإن قيل : كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ قلت : لما كانت وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية كما قال الله تعالى : { وَإِنَّ الدار الاخرة لَهِىَ الحيوان } كانت من النعم العظيمة مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها ، كما أن الواقع حالا هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل ، فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح أن يقع حالا . أو مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم ، وتبعيد الكفر عنهم على معنى ، كيف يتصور منكم الكفر وكنتم أمواتاً جهالاً ، فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان ، ثم يميتكم الموت المعروف ، ثم يحييكم الحياة الحقيقية ، ثم إليه ترجعون ، فيثيبكم بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . والحياة حقيقة في القوة الحساسة ، أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيواناً مجازاً في القوة النامية ، لأنها من طلائعها ومقدماتها ، وفيما يخص الإنسان من الفضائل ، كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها ، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة قال تعالى : { قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } وقال : { اعلموا أَنَّ الله يُحْيِيِ الارض بَعْدَ مَوْتِهَا } وقال : { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس } وإذا وصف به الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا ، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة . وقرأ يعقوب تَرْجعون بفتح التاء في جميع القرآن .","part":1,"page":61},{"id":62,"text":"{ هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى ، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى ، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم . ومعنى { لَكُمْ } لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط ، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها ، لا على وجه الغرض ، فإن الفاعل لغرض مستكمل به ، بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤداه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة ، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة ، فإنه يدل على أن الكل للكل لا أن كل واحد لكل واحد . وما يعم كل ما في الأرض ، إلا إذا أريد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو . وجميعاً : حال من الموصول الثاني .\r{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء } قصد إليها بإرادته ، من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل ، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء . وأصل الاستواء طلب السواء ، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء ، ولا يمكن حمله عليه لأنه من خواص الأجسام وقيل استوى أي : استولى ومَلَكَ ، قال :\rقَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاق ... مِنْ غَير سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ\rوالأول أوفق للأصل والصلة المعدى بها والتسوية المترتبة عليه بالفاء ، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية ، أو جهات العلو ، و { ثُمَّ } لعله لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى : { ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } لا للتراخي في الوقت ، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها ، إلا أن تستأنف بدحاها مقدراً لنصب الأرض فعلاً آخر دل عليه { أَاَنتم أَشَدُّ خَلْقاً } مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر .\r{ فَسَوَّاهُنَّ } عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور . و { هُنَّ } ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنه جمع . أو هو في معنى الجمع ، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم : ربه رجلاً .\r{ سَبْعَ سموات } بدل أو تفسير . فإن قيل : أليس إن أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك؟ قلت : فيما ذكروه شكوك ، وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضم إليها العرش والكرسي لم يبق خلاف .\r{ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فيه تعليل كأنه قال : ولكونه عالماً بكنه الأشياء كلها ، خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع ، واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب ، والترتيب الأنيق كان عليماً ، فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع ، لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم ، وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أن الأبدان بعدما تبددت ، وتفتتت أجزاؤها ، واتصلت بما يشاكلها ، كيف تجمع أجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شيء منها ، ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان ، ونظيره قوله تعالى :","part":1,"page":62},{"id":63,"text":"{ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } وعلم أن صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدمات ، وقد برهن عليها في هاتين الآيتين : أما الأولى فهي : أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله : { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بذاتها ، وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير . وأما الثانية والثالثة : فإنه D عالم بها وبمواقعها ، قادر على جمعها وإحيائها ، وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه تعالى قادر على إبدائها وإبداء ما هو أعظم خلقاً وأعجب صنعاً فكان أقدر على إعادتهم وإحيائهم ، وأنه تعالى خلق ما خلق خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت واختلال مراعٍ فيه مصالحهم وسد حاجاتهم . وذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جلت قدرته ودقت حكمته . وقد سَكَّنَ نافع وأبو عمرو والكسائي : الهاء من نحو فهو وهو تشبيهاً له بعضد .","part":1,"page":63},{"id":64,"text":"{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس كلهم ، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له ، إنعام يعم ذريته . وإذا : ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى ، كما وضع إذ الزمان نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى ، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان ، وبنيتا تشبيهاً لهما بالموصولات ، واستعملتا للتعليل والمجازاة ، ومحلهما النصب أبداً بالظرفية فإنهما من الظروف الغير المتصرفة لما ذكرناه ، وأما قوله تعالى : { واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف } ونحوه ، فعلى تأويل : اذكر الحادث إذا كان كذا ، فحذف الحادث وأقيم الظرف مقامه ، وعامله في الآية قالوا ، أو أذكر على التأويل المذكور لأنه جاء معمولاً له صريحاً في القرآن كثيراً ، أو مضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة ، مثل وبدأ خلقكم إذ قال ، وعلى هذا فالجملة معطوفة على خلق لكم داخلة في حكم الصلة . وعن معمر أنه مزيد . والملائكة جمع ملأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل ، والتاء لتأنيث الجمع ، وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي : الرسالة ، لأنهم وسائط بين الله تعالى ، وبين الناس ، فهم رسل الله . أو كالرسل إليهم . واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها . فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك . وقالت طائفة من النصارى : هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان . وزعم الحكماء أنهم جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة ، منقسمة إلى قسمين : قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق جل جلاله والتنزه عن الاشتغال بغيره ، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تعالى : { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } وهم العليون والملائكة المقربون . وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي { لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } وهم المدبرات أمراً ، فمنهم سماوية ، ومنهم أرضية ، على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع .\rوالمقول لهم : الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، وقيل ملائكة الأرض ، وقيل إبليس ومن كان معه في محاربة الجن ، فإنه تعالى أسكنهم في الأرض أولاً فأفسدوا فيها ، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم وفرقهم في الجزائر والجبال . وجاعل : من جعل الذي له مفعولان وهما في { الأرض خَلِيفَةً } أعمل فيهما ، لأنه بمعنى المستقبل ومعتمد على مسند إليه . ويجوز أن يكون بمعنى خالق . والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه ، والهاء فيه للمبالغة ، والمراد به آدم E لأنه كان خليفة الله في أرضه ، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم ، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه ، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه ، وتلقي أمره بغير وسط ، ولذلك لم يستنبىء ملكاً كما قال الله تعالى :","part":1,"page":64},{"id":65,"text":"{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً } ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم ، واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، أرسل إليهم الملائكة ومن كان منهم أعلى رتبة كلمه بلا واسطة ، كما كلم موسى عليه السلام في الميقات ، ومحمداً A ليلة المعراج ، ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد ، جعل الباري تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك . أو خليفة من سكن الأرض قبله ، أو هو وذريته لأنهم يخلفون من قبلهم ، أو يخلف بعضهم بعضاً . وإفراد اللفظ : إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغني بذكر أبي القبيلة في قولهم : مضر وهاشم . أو على تأويل من يخلفكم ، أو خلفاً يخلفكم . وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة ، تعليم المشاورة ، وتعظيم شأن المجعول ، بأن بَشَّرَ D بوجود سكان ملكوته ، ولقبه بالخليفة قبل خلقه ، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم ، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره ، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك .\r{ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } تَعَجُبٌ من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها ، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره ، وليس باعتراض على الله تعالى جلت قدرته ، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة ، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى : { بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى ، أو تلق من اللوح ، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم ، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر . والسُفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أنواع من الصب ، فالسفك يقال في الدم والدمع ، والسبك في الجواهر المذابة ، والسفح في الصب من أعلى ، والشن في الصب من فم القربة ونحوها ، وكذلك السن ، وقرىء { يُسْفِكُ } على البناء للمفعول ، فيكون الراجع إلى { مَنْ } ، سواء جعل موصولاً أو موصوفًا محذوفاً ، أي : يسفك الدماء فيهم .\r{ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } حال مقررة لجهة الإشكال كقولك : أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج القديم . والمعنى : أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك ، والمقصود منه ، الاستفسار عما رجحهم مع ما هو متوقع منهم على الملائكة المعصومين في الاستخلاف ، لا العجب والتفاخر . وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره : شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء ، وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة .","part":1,"page":65},{"id":66,"text":"ونظروا إليها مفردة وقالوا : ما الحكمة في استخلافه ، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلاً عن استخلافه ، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد . وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل ، متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف . ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد ، كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف ، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله\r{ قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء وكذلك التقديس ، من سَبَح في الأرض والماء ، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، ويقال قَدُسَ إذا طهر لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار . و { بِحَمْدِكَ } في موضع الحال ، أي : متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك ، تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم ، ونقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك ، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح ، وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهير النفوس عن الآثام وقيل : نقدسك واللام مزيدة .","part":1,"page":66},{"id":67,"text":"{ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا } إما بخلق علم ضروري بها فيه ، أو إلقاء في روعه ، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل . والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالباً ، ولذلك يقال علمته فلم يتعلم . و { ءادَمَ } اسم أعجمي كآزر وشالخ ، واشتقاقه من الأُدْمة أو الأَدْمة بالفتح بمعنى الأسوة ، أو من أديم الأرض لما روي عنه E « أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها فخلق منها آدم » فلذلك يأتي بنوه أخيافاً ، أو من الأدم أو الأدمة بمعنى الألفة ، تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس ، ويعقوب من العقب ، وإبليس من الإبلاس . والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن مع الألفاظ والصفات والأفعال ، واستعماله عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركباً أو مفرداً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما . واصطلاحاً : في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة . والمراد في الآية إما الأول أو الثاني وهو يستلزم الأول ، لأن العلم بألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني ، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة ، مستعداً لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات ، والمتخيلات والموهومات . وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها .\r{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة } الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمناً إذ التقدير أسماء المسميات ، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام كقوله تعالى : { واشتعل الرأس شَيْباً } لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأشياء سيما إن أريد به الألفاظ ، والمراد به ذوات الأشياء ، أو مدلولات الألفاظ ، وتذكيره ليغلب ما اشتمل عليه من العقلاء ، وقرىء عرضهن وعرضها على معنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها .\r{ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة ، فإن التصرف والتدبير إقامة المعدلة قبل تحقق المعرفة ، والوقوف على مراتب الاستعدادات وقدر الحقوق محال ، وليس بتكليف ليكون من باب التكليف بالمحال ، والإنباء : إخبار فيه إعلام ، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما .\r{ إِن كُنتُمْ صادقين } في زعمكم أَنكُم أَحقاء بالخلافة لعصمتكم ، أو أن خلقهم واستخلافهم وهذه صفتهم لا يليق بالحكيم ، وهو وإن لم يصرحوا به لكنه لازم مقالهم . والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه بفرض ما يلزم مدلوله من الأخبار ، وبهذا الاعتبار يعتري الإنشاءات .","part":1,"page":67},{"id":68,"text":"{ قَالُواْ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } اعتراف بالعجز والقصور ، وإشعار بأن سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً ، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه ، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما اعتقل عليهم ، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه . وسبحان : مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بإضمار فعله ، كمعاذ الله . وقد أُجْرِيَ علماً للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قوله : سبحان من علقمة الفاخر . وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال ، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه السلام : { سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ } وقال يونس : { سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } { إِنَّكَ أَنتَ العليم } الذي لا يخفي عليه خافية . { الحكيم } المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة . وأنت فصل ، وقيل : تأكيد للكاف كما في قولك : مررت بك أنت ، وإن لم يجز : مررت بأنت ، إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع ، ولذلك جاز : يا هذا الرجل ، ولم يجز : يا الرجل ، وقيل : مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن .\r{ قَالَ يَاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } أي : أعلمهم ، وقرىء بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما .\r{ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } استحضار لقوله تعالى : { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه ، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض ، وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون ، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم ، وقيل : { مَا تُبْدُونَ } قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها . وما { تَكْتُمُونَ } استبطانهم أنهم أحقاء بالخلافة ، وأنه تعالى لا يخلق خلقاً أفضل منهم . وقيل : ما أظهروا من الطاعة ، وأسر إبليس منهم من المعصية ، والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير .\rواعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ، ومزية العلم وفضله على العبادة ، وأنه شرط في الخلافة بل العمدة فيها ، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى ، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به ، وأن اللغات توقيفية ، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم ، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها ، وذلك يستدعي سابقة وضع ، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم فيكون من الله سبحانه وتعالى ، وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم وإلا لتكرر قوله : { إِنَّكَ أَنتَ العليم الحكيم } وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة ، والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم ، وحملوا عليه قوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم ، والأعلم أفضل لقوله تعالى : { هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها .","part":1,"page":68},{"id":69,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ } لما أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له ، اعترافاً بفضله ، وأداء لحقه واعتذاراً عما قالوا فيه ، وقيل : أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى : { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } امتحاناً لهم وإظهاراً لفضله . والعاطف عطف الظرف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر ، وإلا عطفه بما يقدر عاملاً فيه على الجملة المتقدمة ، بل القصة بأسرها على القصة الأخرى ، وهي نعمة رابعة عدها عليهم . والسجود في الأصل تذلل مع تطامن قال الشاعر :\rتَرَى الأَكمَ فيها سُجَّداً للحَوافِر ... وقال آخر :\rوَقُلْنَ لَه اسْجُدْ لِلَيلى فَاسْجَدَا ... يعني البعير إذا طأطأ رأسه . وفي الشرع : وضع الجبهة على قصد العبادة ، والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى ، وجعل آدم قبلة لسجودهم تفخيماً لشأنه ، أو سبباً لوجوبه فكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون نموذجاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ، ونسخة لما في العالم الروحاني والجسماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات ، ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات ، أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته ، وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته ، فاللام فيه كاللام في قول حسان رضي الله تعالى عنه :\rأَليْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لقبلتِكُمْ ... وأَعْرَفَ الناسِ بالقرآنِ والسُّنَنِ\rأو في قوله تعالى : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيماً له ، كسجود إخوة يوسف له ، أو التذلل والإنقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم . والكلام في أن المأمورين بالسجود ، الملائكة كلهم ، أو طائفة منهم ما سبق .\r{ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر } امتنع عما أمر به ، استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه ، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية ، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه . والإباء : امتناع باختيار . والتكبر : أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره . والاستكبار طلب ذلك بالتشبع .\r{ وَكَانَ مِنَ الكافرين } أي في علم الله تعالى ، أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه ، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله : { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } جواباً لقوله : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } لا بترك الواجب وحده . والآية تدل على أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ، ولو من وجه ، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولا يصح استثناؤه منهم ، ولا يرد على ذلك قوله سبحانه وتعالى : { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن } لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعاً ، ولأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روي : أن من الملائكة ضرباً يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس .","part":1,"page":69},{"id":70,"text":"ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول : إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة ، وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه ، أو الجن أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم ، فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به ، علم أن الأصاغر أيضاً مأمورون به . والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين كأنه ، قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس ، وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة ، كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة ، ولعل ضرباً من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات ، وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن يشملهما . وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلذلك صح عليه التغير عن حاله والهبوط من محله ، كما أشار إليه بقوله عز وعلا : { إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } لا يقال : كيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور والجن من نار؟ لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه E قال : « خلقت الملائكة من النور ، وخلق الجن من مارج من نار » لأنه كالتمثيل لما ذكرنا فإن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك ، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق ، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور ، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفىء نورها ويبقى الدخان الصرف ، وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص ، والعلم عند الله سبحانه وتعالى .\rومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر ، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره ، وأن الأمر للوجوب ، وأن الذي علم الله تعالى من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة ، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمناً وهو الموافاة المنسوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري C تعالى .","part":1,"page":70},{"id":71,"text":"{ وَقُلْنَا يَاءادَمُ اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } السكنى من السكون لأنها استقرار ولبث ، و { أَنتَ } تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه ، وإنما لم يخاطبهما أولاً تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له . والجنة دار الثواب ، لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها . ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال إنه بستان كان بأرض فلسطين ، أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحاناً لآدم ، وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى : { اهبطوا مِصْرًا } { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } واسعاً رافهاً ، صفة مصدر محذوف .\r{ حَيْثُ شِئْتُمَا } أي مكان من الجنة شئتما ، وسع الأمر عليهما إزاحة للعملة ، والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر .\r{ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } فيه مبالغات ، تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ، ووجوب الاجتناب عنه ، وتنبيهاً على أن القرب من الشيء يورث داعية ، وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع ، كما روي «حبك الشيء يعمي ويصم» فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه ، وجعله سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم ، فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلت للعطف على النهي أو الجواب له . والشجرة هي الحنطة ، أو الكرمة ، أو التينة ، أو شجرة من أكل منها أحدث ، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه . وقرىء بكسر الشين ، وتقرباً بكسر التاء وهذي بالياء .","part":1,"page":71},{"id":72,"text":"{ فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا } أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها ، ونظير «عن» هذه في قوله تعالى { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما ، ويعضده قراءة حمزة فأزلهما وهما متقاربان في المعنى ، غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال ، وإزلاله قوله : { هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } وقوله : { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } ومقاسمته إياها بقوله : { إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما بذلك ، أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة ، وأنه كيف توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له : { أَخْرَجَ مِنْهَا * فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } فقيل : إنه منع من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء . وقيل : قام عند الباب فناداهما . وقيل : تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة . وقيل : دخل في فم الحية حتى دخلت به . وقيل : أرسل بعض أتباعه فأزلهما ، والعلم عند الله سبحانه وتعالى .\r{ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي من الكرامة والنعيم .\r{ وَقُلْنَا اهبطوا } خطاب لآدم E وحواء لقوله سبحانه وتعالى : { قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } وجمع الضمير لأنهما أصلا الجنس فكأنهما الإنس كلهم . أو هما وإبليس أخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة ، أو دخلها مسارقة أو من السماء .\r{ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } حال استغني فيها عن الواو بالضمير ، والمعنى متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله .\r{ وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ } موضع استقرار ، أو استقرارٍ .\r{ ومتاع } تمتع . { إلى حِينٍ } يريد به وقت الموت أو القيامة .","part":1,"page":72},{"id":73,"text":"{ فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها . وقرأ ابن كثير بنصب { ءادَمَ } ورفع الكلمات على أنها استقبلته وبلغته وهي قوله تعالى : { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } الآية ، وقيل : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يا رب ألم تخلقني بيدك ، قال : بلى ، قال : يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك ، قال : بلى ، قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ، قال : بلى ، قال : ألم تسكني جنتك ، قال : بلى ، قال : يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال : نعم . وأصل الكلمة : الكلم ، وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر كالكلام والجراحة والحركة .\r{ فَتَابَ عَلَيْهِ } رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة ، وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة : وهو الإعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه . وأكتفي بذكر آدم لأن حواء كانت تبعاً له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن .\r{ إِنَّهُ هُوَ التواب } الرجاع على عباده بالمغفرة ، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة ، وأصل التوبة : الرجوع ، فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية ، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة .\r{ الرحيم } المبالغ في الرحمة ، وفي الجمع بين الوصفين ، وعد للتائب بالإحسان مع العفو .","part":1,"page":73},{"id":74,"text":"{ قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا جَمِيعًا } كرر للتأكيد ، أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون ، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف ، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك ، والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى ، فكيف بالمقترن بهما ، ولكنه نسي ولم نجد له عزماً ، وأن كل واحد منهما كفى به نكالاً لمن أراد أن يذكر . وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى . و { جَمِيعاً } حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل : اهبطوا أنتم أجمعون ، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك : جاؤوا جميعاً { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } الشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول ، وما مزيدة أكدت به إن ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب ، والمعنى : إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال ، فمن تبعه منكم نجا وفاز ، وإنما جيء بحرف الشك ، وإتيان الهدى كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً ، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ، وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل ، أي : فمن تبع ما أتاه مراعياً فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلاً عن أن يحل بهم مكروه ، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه ، فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه . وقرىء هدى على لغة هذيل ولا خوف بالفتح .","part":1,"page":74},{"id":75,"text":"{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } عطف على { فَمَن تَبِعَ } إلى آخره قسيم له كأنه قال : ومن لم يتبع بل كفروا بالله ، وكذبوا بآياته ، أو كفروا بالآيات جناناً ، وكذبوا بها لساناً فيكون الفعلان متوجهين إلى الجار والمجرور . والآية في الاصل العلامة الظاهرة ، ويقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل ، واشتقاقها من آي لأنها تبين آياً من أي أو من أوى إليه ، وأصلها أأية أو أوية كتمرة ، فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس . أو أيية . أو أوية كرمكة فأعلت . أو آئية كقائلة فحذفت الهمزة تخفيفاً . والمراد { بئاياتنا } الآيات المنزلة ، أو ما يعمها والمعقولة . وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وجوه :\rالأول : أن آدم صلوات الله عليه كان نبياً ، وارتكب المنهي عنه والمرتكب له عاص .\rوالثاني : أنه جعل بارتكابه من الظالمين والظالم ملعون لقوله تعالى : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } والثالث : أنه تعالى أسند إليه العصيان ، فقال { وعصى ءادَمَ رَبَّهُ فغوى } والرابع : أنه تعالى لقنه التوبة ، وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه .\rوالخامس : اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله تعالى إياه بقوله : { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } والخاسر من يكون ذا كبيرة .\rوالسادس : أنه لو لم يذنب لم يجر عليه ما جرى . والجواب من وجوه .\rالأول : أنه لم يكن نبياً حينئذ ، والمدعي مطالب بالبيان .\rوالثاني : أن النهي للتنزيه ، وإنما سمي ظالماً وخاسراً لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى له . وأما إسناد الغي والعصيان إليه ، فسيأتي الجواب عنه في موضعه إن شاء الله تعالى . وإنما أمر بالتوبة تلافياً لما فات عنه ، وجرى عليه ما جرى معاتبة له على ترك الأولى ، ووفاء بما قاله للملائكة قبل خلقه .\rوالثالث : أنه فعله ناسياً لقوله سبحانه وتعالى : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } ولكنه عوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان ، ولعله وإن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم كما قال E «أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل» . أو أدى فعله إلى ما جرى عليه على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة على تناوله ، كتناول السم على الجاهل بشأنه . لا يقال إنه باطل لقوله تعالى : { مَا نهاكما رَبُّكُمَا } و { قاسمهما } الآيتين ، لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حين ما قال له إبليس ، فلعل مقاله أورث فيه ميلاً طبيعياً ، ثم إنه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله تعالى إلى أن نسي ذلك ، وزال المانع فحمله الطبع عليه .\rوالرابع : أنه عليه السلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، فإنه ظن أن النهي للتنزيه ، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتتناول من غيرها من نوعها وكان المراد بها الإشارة إلى النوع ، كما روي أنه E «أخذ حريراً وذهباً بيده وقال :","part":1,"page":75},{"id":76,"text":"« هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها » وإنما جرى عليه ما جرى تعظيماً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده . وفيها دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية ، وأن التوبة مقبولة ، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة ، وأن عذاب النار دائم ، وأن الكافر فيه مخلد ، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى : { هُمْ فِيهَا خالدون } .\rواعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، وعقبها تعداد النعم العامة تقريراً لها وتأكيداً ، فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له ، ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها ، ولم يمارس شيئاً منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها ، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك ، تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادراً على الإبداء ، خاطب أهل العلم والكتاب منهم ، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم ، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد A وما أنزل عليه فقال :","part":1,"page":76},{"id":77,"text":"{ يَا بَنِى إسراءيل } أي أولاد يعقوب ، والابن من البناء لأنه مبني أبيه ، ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال : أبو الحرب ، وبنت الفكر . وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية : صفوة الله ، وقيل : عبد الله ، وقرىء { إسرائل } بحذف الياء وإسرال بحذفهما و { إسراييل } بقلب الهمزة ياء .\r{ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها ، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع ، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ، وإن نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر . وقيل أراد بها ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون والغرق ، ومن العفو عن اتخاذ العجل ، وعليهم من إدراك زمن محمد A وقرىء { اذكروا } والأصل إذتكروا . ونعمتي بإسكان الياء وقفاً وإسقاطها درجاً هو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها .\r{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي } بالإيمان والطاعة .\r{ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد ، ولعل الأول مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول ، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب ، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم ، وللوفاء بهما عرض عريض فأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ، ومن الله تعالى حقن الدم والمال ، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره ، ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم . وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أوفوا بعهدي في اتباع محمد A ، أوف بعهدكم في رفع الآصار والإغلال . وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب . أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم ، أوف بالكرامة والنعيم المقيم ، فبالنظر إلى الوسائط . وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول والمعنى : أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة ، أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة . وتفصيل العهدين في سورة المائدة في قوله تعالى : { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } إلى قوله : { وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } وقرىء أوفِّ بالتشديد للمبالغة .\r{ وإياي فارهبون } فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد ، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول ، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل : إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون . والرهبة : خوف مع تحرز . والآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد ، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى .","part":1,"page":77},{"id":78,"text":"{ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } إفراد للإيمان بالأمر به والحث عليه لأنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود ، وتقييد المنزل بأنه مصدق لما معهم من الكتب الإلهية من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها ، أو مطابق لها في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش ، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها ، مراعى فيها صلاح من خوطب بها ، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه ، ولذلك قال E «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي» ، تنبيه على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به ، بل يوجبه ولذلك عرض بقوله :\r{ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به ، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه . و { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير : أول فريق أو فوج ، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به ، كقولك : كسانا حلة فإن قيل كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب؟ قلت المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر ، كقولك : أما أنا فلست بجاهل ، أو لا تكونوا أول كافر به . من أهل الكتاب ، أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه ، أو مثل من كفر من مشركي مكة . و { أَوَّلُ } : أفعل لا فعل له ، وقيل : أصله أو أل من وأل ، فأبدلت همزته واواً تخفيفاً غير قياسي أو أأول من آل فقُلِبت همزته واواً وأدغمت .\r{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً } ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا ، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان . قيل : كان لهم رياسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم ، فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله A فاختاروها عليه . وقيل : كانوا يأخذون الرشى فيحرفون الحق ويكتمونه .\r{ وإياى فاتقون } بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الدنيا . ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادي لما في الآية الثانية ، فصلت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى ، ولأن الخطاب بها عم العالم والمقلد . أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك ، والخطاب بالثانية لما خص أهل العلم ، أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه .","part":1,"page":78},{"id":79,"text":"{ وَلاَ تَلْبِسُواْ الحق بالباطل } عطف على ما قبله . واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبهاً بغيره ، والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما ، أو ولا تجعلوا الحق ملتبساً بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله ، أو تذكرونه في تأويله .\r{ وَتَكْتُمُواْ الحق } جزم داخل تحت حكم النهي كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال ، ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء على من لم يسمعه ، أو نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع بمعنى مع ، أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه ، ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود «وتكتمون» أي وأنتم تكتمون بمعنى كاتمين ، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق .\r{ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } عالمين بأنكم لابسون كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل قد يعذر .","part":1,"page":79},{"id":80,"text":"{ وَأَقِيمُوا الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكَاة } يعني صلاة المسلمين وزكاتهم فإن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة . أمرهم بفروع الإسلام بعد ما أمرهم بأصوله ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها . و { الزكواة } من زكا الزرع ، إذا نما ، فإن إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم . أو من الزكاة بمعنى : الطهارة ، فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل .\r{ واركعوا مَعَ الراكعين } أي في جماعتهم ، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس ، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود . وقيل الركوع : الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع ، قال الأضبط السعدي :\rلا تذلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْماً والدهْرُ قَدْ رَفَعهْ","part":1,"page":80},{"id":81,"text":"{ أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر } تقرير مع توبيخ وتعجيب . والبر : التوسع في الخير ، من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ، ولذلك قيل ثلاثة : بر في عبادة الله تعالى ، وبر في مراعاة الأقارب . وبر في معاملة الأجانب .\r{ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات ، وعن ابن عباس Bهما أنها نزلت في أحبار المدينة ، كانوا يأمرون سراً من نصحوه باتباع محمد A ولا يتبعونه . وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون { وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب } تبكيت كقوله : { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي تتلون التوراة ، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل .\r{ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قبح صنيعكم فيصدكم عنه ، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته . والعقل في الأصل الحبس ، سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح ، ويعقله على ما يحسن ، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك . والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه ، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل ، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته ، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم غيره ، لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر .","part":1,"page":81},{"id":82,"text":"{ واستعينوا بالصبر والصلاة } متصل بما قبله ، كأنهم لما أمروا بما يشق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك ، والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلاً على الله ، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة ، وتصفية النفس . والتوسل بالصلاة والالتجاء إليها ، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية ، من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الحق ، وقراءة القرآن ، والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب ، روي أنه E كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة . ويجوز أن يراد بها الدعاء :\r{ وَإِنَّهَا } : أي وإن الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها ، لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر . أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها .\r{ لَكَبِيرَةٌ } لثقيلة شاقة كقوله تعالى : { كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } { إِلاَّ عَلَى الخاشعين } أي المخبتين ، والخشوع الإخبات ومنه الخشعة للرملة المتطامنة . والخضوع اللين والانقياد ، ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب .","part":1,"page":82},{"id":83,"text":"{ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجعون } أي يتوقعون لقاء الله تعالى ونيل ما عنده ، أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى الله فيجازيهم ، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود «يعلمون» وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه لتضمن معنى التوقع ، قال أوس بن حجر :\rفأرْسَلتُهُ مُستَيْقِنَ الظلِّ أنَّه ... مُخالِطُ ما بينَ الشَّراسِيفِ جائِفُ\rوإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها ، متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها ، ومن ثمة قال E \" وجعلت قرة عيني في الصلاة \" .","part":1,"page":83},{"id":84,"text":"{ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } كرره للتأكيد وتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم خصوصاً ، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخل بحقوقها .\r{ وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ } عطف على نعمتي .\r{ عَلَى العالمين } أي عالمي زمانهم ، يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى E وبعده ، قبل ان يضروا بما منحهم الله تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح ، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين . واستدل به على تفضيل البشر على المَلَك وهو ضعيف .","part":1,"page":84},{"id":85,"text":"{ واتقوا يَوْمًا } أي ما فيه من الحساب والعذاب .\r{ لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق ، أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبه على المصدر ، وقرىء لا { تجزىء } من أجزأ عنه إذا أغنى وعلى هذا تعين أن يكون مصدراً ، وإيراده منكراً مع تنكير النفسين للتعميم والإقناط الكلي والجملة صفة ليوماً ، والعائد فيها محذوف تقديره لا تجزي فيه ، ومن لم يجوز حذف العائد المجرور قال اتسع : فيه فحذف عنه الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف كما حذف من قوله : أم مال أصابوا .\r{ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي من النفس الثانية العاصية ، أو من الأولى ، وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل ، فإنه إما أن يكون قهراً أو غيره ، والأول النصرة ، والثاني إما أن يكون مجاناً أو غيره . والأول أن يشفع له والثاني إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه ، أو بغيره وهو أن يعطى عنه عدلاً . والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه ، والعدل الفدية . وقيل : البدل وأصله التسوية سمي به الفدية لأنها سميت بالمفدى ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء .\r{ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله ، والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفس من النفوس الكثيرة ، وتذكيره بمعنى العباد . أو الأناسي والنصر أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضر . وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر ، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ، ويؤيده أن الخطاب معهم ، والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم .","part":1,"page":85},{"id":86,"text":"{ وَإِذْ نجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } تفصيل لما أجمله في قوله : { اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } وعطف على { نِعْمَتِيَ } عطف { جبريل } و { ميكائيل } على { الملائكة } ، وقرىء «أنجيتكم» . وأصل { ءالَ } أهل لأن تصغيره أهيل ، وخص بالإضافة إلى أولي الخطر كالأنبياء والملوك . و { فِرْعَوْنُ } لقب لمن ملك العمالقة ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم . ولعتوهم اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتجبر ، وكان فرعون موسى ، مصعب بن ريان ، وقيل ابنه وليد من بقايا عاد . وفرعون يوسف عليه السلام ، ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة .\r{ يَسُومُونَكُمْ } يبغونكم ، من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء .\r{ سُوء العذاب } أفظعه فإنه قبيح بالإضافة إلى سائره ، والسوء مصدر ساء يسوء ونصبه على المفعول ليسومونكم ، والجملة حال من الضمير في نجيناكم ، أو من { آل فِرْعَوْنَ } ، أو منهما جميعاً لأن فيها ضمير كل واحد منهما .\r{ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف ، وقرىء { يَذْبَحُونَ } بالتخفيف . وإنما فعلوا بهم ذلك لأن فرعون رأى في المنام ، أو قال له الكهنة : سيولد منهم من يذهب بملكه ، فلم يرد اجتهادهم من قدر الله شيئاً .\r{ وَفِي ذلكم بَلاء } محنة ، إن أشير بذلكم إلى صنيعهم ، ونعمة إن أشير به إلى الإنجاء ، وأصله الاختبار لكن لما كان اختبار الله تعالى عباده تارة بالمحنة وتارة بالمنحة أطلق عليهما ، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة ويراد به الامتحان الشائع بينهما .\r{ مّن رَّبّكُمْ } بتسليطهم عليكم ، أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم ، أو بهما . { عظِيمٌ } صفة بلاء . وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى ، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين .","part":1,"page":86},{"id":87,"text":"{ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر } فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك بسلوككم فيه . أو بسبب إنجائكم ، أو ملتبساً بكم كقوله :\rتَدُوسُ بِنَا الجَماجِم والتَّرِيبا ... وقرىء { فَرَقْنَا } على بناء التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط .\r{ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } أراد به فرعون وقومه ، واقتصر على ذكرهم للعلم بأنه كان أولى به ، وقيل شخصه كما روي أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يقول : اللهم صل على آل محمد : أي شخصه واستغني بذكره عن ذكر أتباعه .\r{ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ذلك ، أي غرقهم وإطباق البحر عليهم ، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة ، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل ، أو ينظر بعضكم بعضاً . روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل ، فخرج بهم فصبحهم فرعون وجنوده ، وصادفوهم على شاطىء البحر ، فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر ، فضربه فظهر فيه اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا : يا موسى نخاف أن يغرق بعضنا ولا نعلم ، ففتح الله فيها كوى فتراؤوا وتسامعوا حتى عبروا البحر ، ثم لما وصل إليه فرعون ورآه منفلقاً اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين .\rواعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى E ، ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } ونحو ذلك ، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد A ، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل : القرآن والتحدي به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد A دقيقة تدركها الأذكياء ، وإخباره E عنها من جملة معجزاته على ما مر تقريره .","part":1,"page":87},{"id":88,"text":"{ وَإِذْ واعدنا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى أن يعطيه التوراة ، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور . وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي { واعدنا } لأنه تعالى وعده الوحي . ووعده موسى عليه السلام المجيء للميقات إلى الطور .\r{ ثُمَّ اتخذتم العجل } إلها أو معبوداً .\r{ مِن بَعْدِهِ } من بعد موسى عليه السلام ، أو مُضِيِّهِ .\r{ وَأَنتُمْ ظالمون } بإشراككم .","part":1,"page":88},{"id":89,"text":"{ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } حين تبتم ، والعفو محو الجريمة ، من عفا إذا درس . { مِن بَعْدِ ذلك } أي الاتخاذ { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي لكي تشكروا عفوه .","part":1,"page":89},{"id":90,"text":"{ وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان } يعني التوراة الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وحجة تفرق بين الحق والباطل . وقيل أراد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى ، أو بين الكفر والإِيمان . وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى : { يَوْمَ الفرقان } يريد به يوم بدر .\r{ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات .","part":1,"page":90},{"id":91,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ باتخاذكم العجل فَتُوبُواْ إلى بَارِئِكُمْ } فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت ، ومميزاً بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة ، وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره ، إما على سبيل التقصي كقولهم بريء المريض من مرضه والمديون من دينه ، أو الإنشاء كقولهم برأ الله آدم من الطين أو فتوبوا .\r{ فاقتلوا أَنفُسَكُمْ } إتماماً لتوبتكم بالبخع ، أو قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها . وقيل أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً . وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة . روي أن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر على المضي لأمر الله ، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون ، فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشفت السحابة ونزلت التوبة ، وكانت القتلى سبعين ألفاً . والفاء الأولى للتسبب ، والثانية للتعقيب .\r{ ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } من حيث إنه طهرة من الشرك ، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية .\r{ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى عليه السلام لهم تقديره : إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ، أو عطف على محذوف إن جعلته خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم . وذكر البارىء وترتيب الأمر عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة ، حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة ، وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن لا يسترد منه ، ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب .\r{ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم } للذي يكثر توفيق التوبة ، أو قبولها من المذنبين ، ويبالغ في الإنعام عليهم .","part":1,"page":91},{"id":92,"text":"{ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } أي لأجل قولك ، أو لن نقر لك .\r{ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } عياناً وهي في الأصل مصدر قولك : جهرت بالقراءة ، استعيرت للمعاينة ، ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، أو الحال من الفاعل ، أو المفعول . وقرىء جهرة بالفتح على أنها مصدر كالغلبة ، أو جمع جاهر كالكتبة فيكون حالاً من الفاعِل قطعاً ، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام للميقات . وقيل عشرة آلاف من قومه . والمؤمن به : إن الله الذي أعطاك التوراة وكلمك ، أو إنك نبي .\r{ فَأَخَذَتْكُمُ الصاعقة } لفرط العناد والنعت وطلب المستحيل ، فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي ، وهي محال ، بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية ، وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا . قيل جاءت نار من السماء فأحرقتهم . وقيل صيحة . وقيل جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة .\r{ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ما أصابكم بنفسه أو أثره .","part":1,"page":92},{"id":93,"text":"{ ثُمَّ بعثناكم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } بسبب الصاعقة ، وقيد للبعث لأنه قد يكون عن إغماء ، أو نوم كقوله تعالى : { ثُمَّ بعثناهم } { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة البعث ، أو ما كفرتموه لما رأيتم بأس الله بالصاعقة .","part":1,"page":93},{"id":94,"text":"{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } سخر الله لهم السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه .\r{ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } الترنجبين والسماني . قيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع ، وتبعث الجنوب عليهم السماني ، وينزل بالليل عمود نار يسيرون في ضوئه ، وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلى .\r{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } على إرادة القول .\r{ وَمَا ظَلَمُونَا } فيه اختصار ، وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا .\r{ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفران لأنه لا يتخطاهم ضرره .","part":1,"page":94},{"id":95,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا ادخلوا هذه القرية } يعني بيتَ المقدس ، وقيل أريحا أمروا به بعد التيه .\r{ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً ، ونصبه على المصدر ، أو الحال من الواو .\r{ وادخلوا الباب } أي باب القرية ، أو القبة التي كانوا يصلون إليها ، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى E .\r{ سُجَّدًا } متطامنين مخبتين ، أو ساجدين لله شكراً على إخراجهم من التيه .\r{ وَقُولُواْ حِطَّةٌ } أي مسألتنا ، أو أمرك حطة وهي فعلة من الحط كالجلسة ، وقرىء بالنصب على الأصل بمعنى : حط عنا ذنوبنا حطة ، أو على أنه مفعول { قُولُواْ } أي قولوا هذه الكلمة . وقيل معناه أمرنا حطة أي : أن نحط في هذه القرية ونقيم بها .\r{ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم } بسجودكم ودعائكم . وقرأ نافع بالياء وابن عامر بالتاء على البناء للمفعول . وخطايا أصله خطايىء كخطايع ، فعند سيبويه أنه أبدلت الياء الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف ، واجتمعت همزتان فأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفاً ، وكانت الهمزة بين الألفين فأبدلت ياء . وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بهما ما ذكر .\r{ وَسَنَزِيدُ المحسنين } ثواباً ، جعل الامتثال توبة للمسيء وسبب زيادة الثواب للمحسن ، وأخرجه عن صورة الجواب إلى الوعد إيهاماً بأن المحسن بصدد ذلك وإن لم يفعله ، فكيف إذا فعله ، وأنه تعالى يفعل لا محالة .","part":1,"page":95},{"id":96,"text":"{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ } بدلوا بما أمروا به من التوبة والاستغفار بطلب ما يشتهون من أعراض الدنيا .\r{ فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ } كرره مبالغة في تقبيح أمرهم وإشعارًا بأن الإنزال عليهم لظلمهم بوضع غير المأمور به موضعه ، أو على أنفسهم بأن تركوا ما يوجب نجاتها إلى ما يوجب هلاكها .\r{ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } عذاباً مقدراً من السماء بسبب فسقهم ، والرجز في الأصل : ما يعاف عنه ، وكذلك الرجس . وقرىء بالضم وهو لغة فيه والمراد به الطاعون . روي أنه مات في ساعة أربعة وعشرون ألفاً .","part":1,"page":96},{"id":97,"text":"{ وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } لما عطشوا في التيه .\r{ فَقُلْنَا اضرب بّعَصَاكَ الحجر } اللام فيه للعهد على ما روي أنه كان حجراً طورياً حمله معه ، وكانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين ، تسيل كل عين في جدول إلى سبط ، وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلاً ، أو حجراً أهبطه آدم من الجنة ، ووقع إلى شعيب عليه السلام فأعطاه لموسى مع العصا ، أو الحجر الذي فر بثوبه لما وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله به عما رموه به من الأدرة ، فأشار إليه جبريل عليه السلام بحمله ، أو للجنس وهذا أظهر في الحجة . قيل لم يأمره بأن يضرب حجراً بعينه ، ولكن لما قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض لا حجارة بها؟ حمل حجراً في مخلاته ، وكان يضربه بعصاه إذا نزل فينفجر ، ويضربه بها إذا ارتحل فييبس ، فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشاً ، فأوحى الله إليه لا تقرع الحجر وكلمه يطعك لعلهم يعتبرون . وقيل كان الحجر من رخام وكان ذراعاً في ذراع ، والعصا عشرة أذرع على طول موسى عليه السلام من آس الجنة ولها شعبتان تتقدان في الظلمة .\r{ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } متعلق بمحذوف تقديره : فإن ضربت فقد انفجرت ، أو فضرب فانفجرت ، كما مر في قوله تعالى : { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } وقرىء عَشَرة بكسر الشين وفتحها وهما لغتان فيه .\r{ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط . { مَّشْرَبَهُمْ } عينهم التي يشربون منها . { كُلُواْ واشربوا } على تقدير القول :\r{ مِن رّزْقِ الله } يريد به ما رزقهم الله من المن والسلوى وماء العيون . وقيل الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت به . { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } لا تعتدوا حال إفسادكم ، وإنما قيده لأنه وإن غلب في الفساد قد يكون منه ما ليس بفساد ، كمقابلة الظالم المعتدي بفعله ، ومنه ما يتضمن صلاحاً راجحاً كقتل الخضر عليه السلام الغلام وخرقه السفينة ، ويقرب منه العيث غير أنه يغلب فيما يدرك حساً ، ومن أنكر أمثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره في عجائب صنعه ، فإنه لما أمكن أن يكون من الأحجار ما يحلق الشعر وينفر عن الخل ويجذب الحديد ، لم يمتنع أن يخلق الله حجراً يسخره لجذب الماء من تحت الأرض ، أو لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك .","part":1,"page":97},{"id":98,"text":"{ وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد } يريدون به ما رزقوا في التيه من المن والسلوى . وبوحدته أنه لا يختلف ولا يتبدل ، كقولهم طعام مائدة الأمير واحد يريدون أنه لا تتغير ألوانه وبذلك أجمعوا أو ضرب واحد ، لأنهما طعام أهل التلذذ وهم كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم واشتهوا ما ألفوه . { فادع لَنَا رَبَّكَ } سله لنا بدعائك إياه { يُخْرِجْ لَنَا } يظهر ويوجد ، وجزمه بأنه جواب فادع فإن دعوته سبب الإجابة . { مِمَّا تُنبِتُ الأرض } من الإِسناد المجازي ، وإقامة القابل مقام الفاعل ، ومن للتبعيض . { مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا } تفسير وبيان وقع موقع الحال ، وقيل بدل بإعادة الجار . والبقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطايبه التي تؤكل ، والفوم الحنطة ويقال للخبز ومنه فوموا لنا ، وقيل الثوم وقرىء قُثَّائها بالضم ، وهو لغة فيه . { قَالَ } أي الله ، أو موسى عليه السلام . { أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى } أقرب منزلة وأدون قدراً . وأصل الدنو القرب في المكان فاستعير للخسة كما استعير البعد للشرف والرفعة ، فقيل بعيد المحل بعيد الهمة ، وقرىء «أدنأ» من الدناءة . { بالذي هُوَ خَيْرٌ } يريد به المن والسلوى فإنه خير في اللذة والنفع وعدم الحاجة إلى السعي . { اهبطوا مِصْرًا } انحدروا إليه من التيه ، يقال هبط الوادي إذا نزل به ، وهبط منه إذا خرج منه ، وقرىء بالضم والمصر البلد العظيم وأصله الحد بين الشيئين ، وقيل أراد به العلم ، وإنما صرفه لسكون وسطه أو على تأويل البلد ، ويؤيده أنه غير منون في مصحف ابن مسعود . وقيل أصله مصراتم فعرب . { فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه ، أو ألصقت بهم ، من ضرب الطين على الحائط ، مجازاة لهم على كفران النعمة . واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين ، إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم . { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } رجعوا به ، أو صاروا أحقاء بغضبه ، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقاً بأن يقتل به ، وأصل البوء المساواة . { ذلك } إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب . { بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيرِ الحق } بسبب كفرهم بالمعجزات ، التي من جملتها ما عد عليهم من فلق البحر ، وإظلال الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، وانفجار العيون من الحجر . أو بالكتب المنزلة : كالإنجيل ، والفرقان ، وآية الرجم والتي فيها نعت محمد A من التوراة ، وقتلهم الأنبياء فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم ، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم ، وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه بقوله : { ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي : جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات ، وقتل النبيين .","part":1,"page":98},{"id":99,"text":"فإن صغار الذنوب سبب يؤدي إلى ارتكاب كبارها ، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها . وقيل كرر الإشارة للدلالة على أن ما لحقهم كما هو بسبب الكفر ، والقتل فهو بسبب ارتكابهم المعاصي واعتدائهم حدود الله تعالى . وقيل الإشارة إلى الكفر والقتل ، والباء بمعنى مع وإنما جوزت الإشارة بالمفرد إلى شيئين فصاعداً على تأويل ما ذكر ، أو تقدم للإختصار ، ونظيره في الضمير قول رؤبة يصف بقرة :\rفِيها خُطُوطٌ مِنْ سَوادٍ وَبَلَق ... كأنهُ في الْجِلِد تَوْلِيعُ البَهقْ\rوالذي حسن ذلك أن تثنية المضمرات والمبهمات وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة ، ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع .","part":1,"page":99},{"id":100,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بألسنتهم ، يريد به المتدينين بدين محمد A المخلصين منهم والمنافقين ، وقيل المنافقين لانخراطهم في سلك الكفرة { والذين هَادُواْ } تهودوا ، يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية ، ويهود : إما عربي من هاد إذا تاب ، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل ، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب عليه السلام { والنصارى } جمع نصران كندامى وندمان ، والياء في نصراني للمبالغة كما في أحمري ، سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح عليه السلام ، أو لأنهم كانوا معه في قرية يقال لها نصران أو ناصرة فسموا باسمها ، أو من اسمها . { والصابئين } قوم بين النصارى والمجوس . وقيل أصل دينهم دين نوح عليه السلام . وقيل هم عبدة الملائكة . وقيل عبدة الكواكب ، وهو إن كان عربياً فمن صبأ إذا خرج . وقرأ نافع وحده بالياء إما لأنه خفف الهمزة وأبدلها ياء ، أو لأنه من صبأ إذا مال لأنهم مالوا عن سائر الأديان إلى دينهم ، أو من الحق إلى الباطل .\r{ مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صالحا } من كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقاً بقلبه بالمبدأ والمعاد ، عاملاً بمقتضى شرعه . وقيل من آمن من هؤلاء الكفرة إيماناً خالصاً ، ودخل في الإسلام دخولاً صادقاً : { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } الذي وعد لهم على إيمانهم وعملهم . { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } حين يخاف الكفار من العقاب ، ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب . و { مِنْ } مبتدأ خبره { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } والجملة خبر إن ، أو بدل من اسم إن وخبرها { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ } والفاء لتضمن المسند إليه معنى الشرط ، وقد منع سيبويه دخولها في خبر إن من حيث إنها لا تدخل الشرطية ، ورد بقوله تعالى : { إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ . }","part":1,"page":100},{"id":101,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم } باتباع موسى والعمل بالتوراة . { وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور } حتى أعطيتم الميثاق ، روي أن موسى E لما جاءهم بالتوراة فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر جبريل عليه السلام فقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا . { خُذُواْ } على إرادة القول : { مَا ءاتيناكم } من الكتاب { بِقُوَّةٍ } بجد وعزيمة . { واذكروا مَا فِيهِ } ادرسوه ولا تنسوه ، أو تفكروا فيه فإنه ذكر بالقلب ، أو اعملوا به . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } لكي تتقوا المعاصي ، أو رجاء منكم أن تكونوا متقين . ويجوز عند المعتزلة أن يتعلق بالقول المحذوف ، أي : قلنا خذوا واذكروا إرادة أن تتقوا .","part":1,"page":101},{"id":102,"text":"{ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مّن بَعْدِ ذلك } أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه . { فَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتوفيقكم للتوبة ، أو بمحمد A يدعوكم إلى الحق ويهديكم إليه . { لَكُنتُم مّنَ الخاسرين } المغبونين بالانهماك في المعاصي ، أو بالخبط والضلال في فترة من الرسل . ولو في الأصل لامتناع الشيء لامتناع غيره ، فإذا دخل على لا أفاد إثباتاً وهو امتناع الشيء لثبوت غيره ، والاسم الواقع بعده عند سيبويه مبتدأ خبره واجب الحذف لدلالة الكلام عليه وسد الجواب مسده ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف .","part":1,"page":102},{"id":103,"text":"{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِي السبت } اللام موطئة لقسم ، والسبت مصدر قولك سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت ، وأصله القطع أمروا بأن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام ، واشتغلوا بالصيد ، وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على ساحل يقال لها أيلة ، وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك وأخرج خرطومه ، فإذا مضى تفرقت فحفروا حياضاً وشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد . { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } جامعين بين صورة القردة والخسوء : وهو الصغار والطرد ، وقال مجاهد ما مسخت صورهم ولكن قلوبهم ، فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى : { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } وقوله : { كُونُواْ } ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه ، وإنما المراد به سرعة التكوين ، وأنهم صاروا كذلك كما أراد بهم ، وقرىء قردة بفتح القاف وكسر الراء ، وخاسين بغير همزة .","part":1,"page":103},{"id":104,"text":"{ فَجَعَلْنَاهَا } أي المسخة ، أو العقوبة . { نكالا } عبرة تنكل المعتبر بها ، أي تمنعه . ومنه النكل للقيد . { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا } لما قبلها وما بعدها من الأمم إذ ذكرت حالهم في زبر الأولين ، واشتهرت قصتهم في الآخرين ، أو لمعاصريهم ومن بعدهم ، أو لما بحضرتها من القرى وما تباعد عنها ، أو لأهل تلك القرية وما حواليها ، أو لأجل ما تقدم عليها من ذنوبهم وما تأخر منها . { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } من قومهم ، أو لكل متق سمعها .","part":1,"page":104},{"id":105,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } أول هذه القصة قوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا } وإنما فكت عنه وقدمت عليه لاستقلالها بنوع آخر من مساويهم ، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال وترك المسارعة إلى الامتثال . وقصته : أنه كان فيهم شيخ موسر فقتل ابنه بنو أخيه طمعاً في ميراثه ، وطرحوه على باب المدينة ، ثم جاؤوا يطالبون بدمه ، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبر بقاتله . { قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا } أي مكان هزؤ ، أو أهله ومهزوءاً بنا ، أو الهزؤ نفسه لفرط الاستهزاء استبعاداً لما قاله واستخفافاً به ، وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع بالسكون ، وحفص عن عاصم بالضم وقلب الهمزة واواً . { قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين } لأن الهزؤ في مثل ذلك جهل وسفه ، نفى عن نفسه ما رمي به على طريقة البرهان ، وأخرج ذلك في صورة الاستعاذه استفظاعاً له .","part":1,"page":105},{"id":106,"text":"{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ } أي ما حالها وصفتها ، وكان حقهم أن يقولوا : أي بقرة هي؟ أو كيف هي؟ لأن { مَا } يسأل به عن الجنس غالباً ، لكنهم لما رأوا ما أمروا به على حال لم يوجد بها شيء من جنسه ، أجروه مجرى ما لم يعرفوا حقيقته ولم يروا مثله . { قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ } لا مسنة ولا فتية ، يقال فرضت البقرة فروضاً من الفرض وهو القطع ، كأنها فرضت سنها ، وتركيب البكر للأولية ومن البكرة والباكورة .\r{ عَوَانٌ } نصف . قال : نواعِمُ بينَ أبْكارٍ وَعُونُ .\r{ بَيْنَ ذلك } أي بين ما ذكر من الفارض والبكر ولذلك أضيف إليه بين ، فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد ، وعود هذه الكنايات وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة ، ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب ، ومن أنكر ذلك زعم أن المراد بها بقرة من شق البقر غير مخصوصة ثم انقلبت مخصوصة بسؤالهم ، ويلزمه النسخ قبل الفعل ، فإن التخصيص إبطال للتخيير الثابت بالنص والحق جوازهما ، ويؤيد الرأي الثاني ظاهر اللفظ والمروي عنه E «لو ذبحوا أيّ بقرة أرادوا لأجزأتهم ، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم» . وتقريعهم بالتمادي وزجرهم على المراجعة بقوله : { فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ } أي ما تؤمرونه ، بمعنى تؤمرون به من قولهم : أمرتك الخير فافعل ما أمرت به ، أو أمركم بمعنى مأموركم .","part":1,"page":106},{"id":107,"text":"{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا } الفقوع نصوع الصفرة ولذلك تؤكد به ، فيقال : أصفر فاقع كما يقال أسود حالك ، وفي إسناده إلى اللون وهو صفة صفراء لملابسته بها فضل تأكيد كأنه قيل : صفراء شديدة الصفرة صفرتها ، وعن الحسن سوداء شديدة السواد ، وبه فسر قوله تعالى : { جمالة صُفْرٌ } . قال الأعشى :\rتِلْكَ خَيلي مِنْهُ وتلكَ رِكَابي ... هُنْ صُفُرٌ أَولادُها كالزَّبيبِ\rولعله عبر بالصفرة عن السواد لأنها من مقدماته ، أو لأن سواد الإبل تعلوه صفرة وفيه نظر ، لأن الصفرة بهذا المعنى لا تؤكد بالفقوع { تَسُرُّ الناظرين } أي تعجبهم ، والسرور أصله لذة في القلب عند حصول نفع ، أو توقعه من السر .","part":1,"page":107},{"id":108,"text":"{ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِيَ } تكرير للسؤال الأول واستكشاف زائد . وقوله : { إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا } اعتذار عنه ، أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا ، وقرىء «إن الباقر» وهو اسم لجماعة البقر والأباقر والبواقر ، ويتشابه وتتشابه بالياء والتاء ، وتشابه ويشابه ويتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين على التذكير والتأنيث ، وتشابهت وتشابهت مخففاً ومشدداً ، وتشبه بمعنى تتشبه وتشبه بالتذكير ومتشابه ومتشابهة ومتشبه ومتشبهة . { وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ } إلى المراد ذبحها ، أو إلى القاتل ، وفي الحديث \" لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد \" . واحتج به أصحابنا على أن الحوادث بإرادة الله سبحانه وتعالى ، وأن الأمر قد ينفك عن الإرادة وإلا لم يكن للشرط بعد الأمر معنى . والمعتزلة والكرامية على حدوث الإرادة ، وأجيب بأن التعليق باعتبار التعلق .","part":1,"page":108},{"id":109,"text":"{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض وَلاَ تَسْقِي الحرث } أي لم تذلل لكراب الأرض وسقي الحرث ، و { لاَّ ذَلُولٌ } صفة لبقرة بمعنى غير ذلول ، ولا الثانية مزيدة لتأكيد الأولى والفعلان صفتا ذلول كأنه قيل : لا ذلول مثيرة وساقية ، وقرىء لا ذلول بالفتح أي حيث هي ، كقولك مررت برجل لا بخيل ولا جبان ، أي حيث هو ، وتسقي من أسقى . { مُّسَلَّمَةٌ } سلمها الله تعالى من العيوب ، أو أهلها من العمل ، أو أخلص لونها ، من سلم له كذا إذا خلص له { وَأَنزَلْنَا فِيهَا } لا لون فيها يخالف لون جلدها ، وهي في الأصل مصدر ، وشاه وشيا وشية إذا خلط بلونه لوناً آخر . { قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق } أي بحقيقة وصف البقرة وحققتها لنا ، وقرىء { الآن } بالمد على الاستفهام ، ولان بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على السلام . { فَذَبَحُوهَا } فيه اختصار ، والتقدير : فحصلوا البقرة المنعوتة فذبحوها . { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } لتطويلهم وكثرة مراجعاتهم ، أو لخوف الفضيحة في ظهور القاتل ، أو لغلاء ثمنها . إذ روي : أن شيخاً صالحاً منهم كان له عِجلة ، فأتى بها الغيضة وقال : اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر ، فشبت وكانت وحيدة بتلك الصفات ، فساوموها من اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً ، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير . وكاد من أفعال المقاربة وضع لدنو الخبر حصولاً ، فإذا دخل عليه النفي قيل معناه الإثبات مطلقاً . وقيل ماضياً ، والصحيح أنه كسائر الأفعال ولا ينافي قوله : { وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } قوله { فَذَبَحُوهَا } لاختلاف وقتيهما ، إذ المعنى أنهم ما قاربوا أن يفعلوا حتى انتهت سؤالاتهم ، وانقطعت تعللاتهم ، ففعلوا كالمضطر الملجأ إلى الفعل .","part":1,"page":109},{"id":110,"text":"{ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } خطاباً للجميع لوجود القتل فيهم { فادرأتم فِيهَا } اختصمتم في شأنها ، إذ المتخاصمان يدفع بعضهما بعضاً ، أو تدافعتم بأن طرح كل قتلها عن نفسه إلى صاحبه ، وأصله تدارأتم فأدغمت التاء في الدال واجتلبت لها همزة الوصل { والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } مظهره لا محالة ، وأعمل مخرج لأنه حكاية مستقبل كما أعمل { باسط ذِرَاعَيْهِ } لأنه حكاية حال ماضية .","part":1,"page":110},{"id":111,"text":"{ فَقُلْنَا اضربوه } عطف على ادارأتم وما بينها اعتراض ، والضمير للنفس والتذكير على تأويل الشخص أو القتيل { بِبَعْضِهَا } أي بعض كان وقيل : بأصغريها . وقيل بلسانها . وقيل بفخذها اليمنى وقيل بالأذن . وقيل بالعُجب { كذلك يُحْيِي الله الموتى } يدل على ما حذف وهو فضربوه فحيي ، والخطاب مع من حضر حياة القتيل ، أو نزول الآية { وَيُرِيكُمْ ءاياته } دلائله على كمال قدرته . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي يكمل عقلكم وتعلموا أن من قدر على إحياء نفس قدر على إحياء الأنفس كلها ، أو تعملوا على قضيته . ولعله تعالى إنما لم يحيه ابتداء وشرط فيه ما شرط لما فيه من التقرب وأداء الواجب ، ونفع اليتيم والتنبيه على بركة التوكل والشفقة على الأولاد ، وأن من حق الطالب أن يقدم قربة ، والمتقرب أن يتحرى الأحسن ويغالي بثمنه ، كما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه : أنه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار . وأن المؤثر في الحقيقة هو الله تعالى ، والأسباب أمارات لا إثر لها ، وأن من أراد أن يعرف أعدى عدوه الساعي في إماتته الموت الحقيقي ، فطريقُه أن يذبح بقرة نفسه التي هي القوة الشهوية حين زال عنها شره الصبا ، ولم يلحقها ضعف الكبر ، وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة في طلب الدنيا ، مسلمة عن دنسها لا سمة بها من مقابحها بحيث يصل أثره إلى نفسه ، فتحيا حياة طيبة ، وتعرب عما به ينكشف الحال ، ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارؤ والنزاع .","part":1,"page":111},{"id":112,"text":"{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة ، كما في الحجر . وقساوة القلب مثل في نبوه عن الاعتبار ، وثم الاستبعاد القسوة { مِن بَعْدِ ذلك } يعني إحياء القتيل ، أو جميع ما عدد من الآيات فإنها مما توجب لين القلب . { فَهِىَ كالحجارة } في قسوتها { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } منها ، والمعنى أنها في القساوة مثل الحجارة أو أزيد عليها ، أو أنها مثلها ، أو مثل ما هو أشد منها قسوة كالحديد ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، ويعضده قراءة الحسن بالجر عطفاً على الحجارة ، وإنما لم يقل أقسى لما في أشد من المبالغة ، والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المفضل على زيادة و { أَوْ } للتخيير ، أو للترديد بمعنى : أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بما هو أقسى منها .\r{ وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ } تعليل للتفضيل ، والمعنى : أن الحجارة تتأثر وتنفعل فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء ، وتنفجر منه الأنهار ، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقياداً لما أراد الله تعالى به . وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى . والتفجر التفتح بسعة وكثرة ، والخشية مجاز عن الانقياد ، وقرىء { إِنَّ } على أنها المخففة من الثقيلة وتلزمها اللام الفارقة بينها وبين إن النافية ، ويهبط بالضم .\r{ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد على ذلك ، وقرأ ابن كثير ونافع ويعقوب وخلف وأبو بكر بالياء ضما إلى ما بعده ، والباقون بالتاء .","part":1,"page":112},{"id":113,"text":"{ أَفَتَطْمَعُونَ } الخطاب لرسول الله A والمؤمنين { أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ } أن يصدقوكم ، أو يؤمنوا لأجل دعوتكم . يعني اليهود . { وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } طائفة من أسلافهم { يَسْمَعُونَ كلام الله } يعني التوراة . { ثُمَّ يُحَرّفُونَهُ } كنعت محمد A ، وآية الرجم . أو تأويله فيفسرونه بما يشتهون . وقيل هؤلاء من السبعين المختارين سمعوا كلام الله تعالى حين كلم موسى عليه السلام بالطور ، ثم قالوا سمعنا الله تعالى يقول في آخره : إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا وإن شئتم فلا تفعلوا . { مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ } أي فهموه بعقولهم ولم يبق لهم فيه ريبة . { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم مفترون مبطلون ، ومعنى الآية : أن أحبار هؤلاء ومقدميهم كانوا على هذه الحالة ، فما ظنك بسفلتهم وجهالهم ، وأنهم إن كفروا وحرفوا فلهم سابقة في ذلك .","part":1,"page":113},{"id":114,"text":"{ وَإِذَا لَقُواْ الذين ءَامَنُواْ } يعني منافقيهم . { قَالُواْ ءَامَنَّا } بأنكم على الحق ، وإن رسولكم هو المبشر به في التوراة { وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قَالُواْ } أي الذين لم ينافقوا منهم عاتبين على من نافق . { أَتُحَدّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ } بما بين لكم في التوراة من نعت محمد A ، أو الذين نافقوا لأعقابهم إظهاراً للتصلب في اليهودية ، ومنعاً لهم عن إبداء ما وجدوا في كتابهم ، فينافقون الفريقين . فالاستفهام على الأول تقريع وعلى الثاني إنكار ونهي { لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبّكُمْ } ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه ، جعلوا محاجتهم بكتاب الله وحكمه محاجة عنده كما يقال عند الله كذا ، ويراد به أنه جاء في كتابه وحكمه ، وقيل عند ذكر ربكم ، أو بين يدي رسول ربكم . وقيل عند ربكم في القيامة وفيه نظر إذ الإخفاء لا يدفعه . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } إما من تمام كلام اللائمين وتقديره : أفلا تعقلون أنهم يحاجونكم به فيحجونكم ، أو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله : { أفتطعمون } ، والمعنى : أفلا تعقلون حالهم وأن لا مطمع لكم في إيمانهم .","part":1,"page":114},{"id":115,"text":"{ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ } يعني هؤلاء المنافقين ، أو اللائمين ، أو كليهما ، أو إياهم والمحرفين . { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } ومن جملتهما إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان ، وإخفاء ما فتح الله عليهم ، وإظهار غيره ، وتحريف الكلم عن مواضعه ومعانيه .","part":1,"page":115},{"id":116,"text":"{ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب } جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة ، ويتحققوا ما فيها . أو التوراة { إِلاَّ أَمَانِيَّ } استثناء منقطع . والأماني : جمع أمنية وهي في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر ، ولذلك تطلق ، على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ والمعنى لكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة . سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً ، وأن النار لن تمسهم إلا أياماً معدودة . وقيل إلا ما يقرأون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره من قوله :\rتَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلِه ... تَمني دَاودَ الزبُورَ على رِسْلِ\rوهو لا يناسب وصفهم بأنهم أميون . { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } ما هم إلا قوم يظنون لا علم لهم ، وقد يطلق الظن بإزاء العلم على كل رأي واعتقاد من غير قاطع ، وإن جزم به صاحبه : كاعتقاد المقلد والزائغ عن الحق لشبهة .","part":1,"page":116},{"id":117,"text":"{ فَوَيْلٌ } أي تحسر وهلك . ومن قال إنه واد أو جبل في جهنم فمعناه : أن فيها موضعاً يتبوأ فيه من جعل له الويل ، ولعله سماه بذلك مجازاً . وهو في الأصل مصدر لا فعل له وإنما ساغ الابتداء به نكرة لأنه دعاء . { لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب } يعني المحرفين ، ولعله أراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة . { بِأَيْدِيهِمْ } تأكيد كقولك : كتبته بيميني { ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً } كي يحصلوا به عرضاً من أعراض الدنيا ، فإنه وإن جعل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العقاب الدائم . { فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ } يعني المحرف . { وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ } يريد به الرشى .","part":1,"page":117},{"id":118,"text":"{ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار } المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر الحاسة به ، واللمس كالطلب له ولذلك يقال ألمسه فلا أجده . { إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } محصورة قليلة ، روي أن بعضهم قالوا نعذب بعدد أيام عبادة العجل أربعين يوماً ، وبعضهم قالوا مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوماً { قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْدًا } خبراً أو وعد بما تزعمون . وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار الذال . والباقون بإدغامه { فَلَن يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ } جواب شرط مقدر أي : إن اتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده ، وفيه دليل على أن الخلف في خبره محال .\r{ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أم معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى أي الأمرين كائن ، على سبيل التقرير للعلم بوقوع أحدهما ، أو منقطعة بمعنى : بل أتقولون ، على التقرير والتقريع .","part":1,"page":118},{"id":119,"text":"{ بلى } إثبات لما نفوه من مساس النار لهم زماناً مديداً ودهراً طويلاً على وجه أعم ، ليكون كالبرهان على بطلان قولهم ، وتختص بجواب النفي { مَن كَسَبَ سَيّئَةً } قبيحة ، والفرق بينها وبين الخطيئة أنها قد تقال فيما يقصد بالذات ، والخطيئة تغلب فيما يقصد بالعرض لأنه من الخطأ ، والكسب : استجلاب النفع . وتعليقه بالسيئة على طريق قوله : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } { وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ } أي استولت عليه ، وشملت جملة أحواله حتى صار كالمحاط بها لا يخلو عنها شيء من جوانبه ، وهذا إنما يصح في شأن الكافر لأن غيره وإن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط الخطيئة به ، ولذلك فسرها السلف بالكفر . وتحقيق ذلك : أن من أذنب ذنباً ولم يقلع عنه استجره إلى معاودة مثله والانهماك فيه وارتكاب ما هو أكبر منه ، حتى تستولي عليه الذنوب وتأخذ بمجامع قلبه فيصير بطبعه مائلاً إلى المعاصي ، مستحسناً إياها معتقداً أن لا لذة سواها ، مبغضاً لمن يمنعه عنها مكذباً لمن ينصحه فيها ، كما قال الله تعالى : { ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين أساؤوا السوء أن كذبوا بآيات الله } وقرأ نافع { خطيئاته } . وقرىء «خطيته» و «خطياته» على القلب والإدغام فيهما . { فأولئك أصحاب النار } ملازموها في الآخرة كما أنهم ملازمون أسبابها في الدنيا { هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون ، أو لابثون لبثاً طويلاً . والآية كما ترى لا حجة فيها على خلود صاحب الكبيرة وكذا التي قبلها .","part":1,"page":119},{"id":120,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } جرت عادته سبحانه وتعالى على أن يشفع وعده بوعيده ، لترجى رحمته ويخشى عذابه ، وعطف العمل على ايمان يدل على خروجه عن مسماه .","part":1,"page":120},{"id":121,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاق بَنِي إِسْراءيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله } إخبار في معنى النهي كقوله تعالى : { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي سارع إلى الانتهاء فهو يخبر عنه ويعضده قراءة : «لا تعبدوا» . وعطف { قُولُواْ } عليه فيكون على إرادة القول . وقيل : تقديره أن لا يعبدوا فلما حذف أن رفع كقوله :\r&gt; ... أَلا أَيّهذا الزاجري أَحضُرَ الوَغَى\rوأَنْ أشَهدَ اللذاتِ هَلْ أنتَ مُخلِدي ... ويدل عليه قراءة : «ألا تعبدوا» ، فيكون بدلاً عن الميثاق ، أو معمولاً له بحذف الجار . وقيل إنه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قال : وحلفناهم لا يعبدون . وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء حكاية لما خوطبوا به ، والباقون بالياء لأنهم غيب { وبالوالدين إحسانا } تعلق بمضمر تقديره : وتحسنون ، أو أحسنوا { وَذِي القربى واليتامى والمساكين } عطف على الوالدين . { واليتامى } جمع يتيم كنديم وندامى وهو قليل . ومسكين مفعيل من السكون ، كأن الفقر أسكنه { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا } أي قولاً حسناً ، وسماه { حَسَنًا } للمبالغة . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب حسناً بفتحتين . وقرىء { حَسَنًا } بضمتين وهو لغة أهل الحجاز ، وحسنى على المصدر كبشرى والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } يريد بهما ما فرض عليهم في ملتهم { ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ } على طريقة الالتفات ، ولعل الخطاب مع الموجودين منهم في عهد رسول الله A ومن قبلهم على التغليب ، أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه { إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ } يريد به من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ، ومن أسلم منهم { وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ } قوم عادتكم الإعراض عن الوفاء والطاعة . وأصل الإعراض الذهاب عن المواجهة إلى جهة العرض .","part":1,"page":121},{"id":122,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مّن دياركم } على نحو ما سبق والمراد به أن لا يتعرض بعضهم بعضاً بالقتل والإجلاء عن الوطن . وإنما جعل قتل الرجل غيره قتل نفسه ، لاتصاله به نسباً أو ديناً ، أو لأنه يوجبه قصاصاً . وقيل معناه : لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم ، أو لا تفعلوا ما يرديكم ويصرفكم عن الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ، ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم ، فإنه الجلاء الحقيقي { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بالميثاق واعترفتم بلزومه { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } توكيد كقولك . أقر فلان شاهداً على نفسه . وقيل وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم ، فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازاً .","part":1,"page":122},{"id":123,"text":"{ ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء } استبعاد لما ارتكبوه بعد الميثاق والإقرار به والشهادة عليه . وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره على معنى أنتم بعد ذلك هؤلاء الناقصون ، كقولك أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا ، نزل تغير الصفة منزلة تغير الذات ، وعدهم باعتبار ما أسند إليهم حضوراً وباعتبار ما سيحكي عنهم غيباً . وقوله تعالى : { تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم } إما حال والعامل فيها معنى الإشارة ، أو بيان لهذه الجملة . وقيل : هؤلاء تأكيد ، والخبر هو الجملة . وقيل بمعنى الذين والجملة صلته والمجموع هو الخبر ، وقرىء { تَقْتُلُونَ } على التكثير . { تظاهرون علَيْهِم بالإثم والعدوان } حال من فاعل تخرجون ، أو من مفعوله ، أو كليهما . والتظاهر التعاون من الظهر . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بحذف إحدى التاءين . وقرىء بإظهارها ، وتظهرون بمعنى تتظهرون { وَإِن يَأْتُوكُمْ أسارى تفادوهم } روي أن قريظة كانوا حلفاء الأوس ، والنضير حلفاء الخزرج ، فإذا اقتتلا عاون كل فريق حلفاءه في القتل وتخريب الديار وإجلاء أهلها ، وإذا أسر أحد من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه . وقيل معناه : إن يأتوكم أسارى في أيدي الشياطين تتصدوا لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم كقوله تعالى : { أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } . وقرأ حمزة { أسرى } وهو جمع أسير كجريح وجرحى ، وأسارى جمعه كسكرى وسكارى . وقيل هو أيضاً جمع أسير ، وكأنه شبه بالكسلان وجمع جمعه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر «تفدوهم» { وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ } متعلق بقوله { وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مّنكُم مّن ديارهم } ، وما بينهما اعتراض ، والضمير للشأن ، أو مبهم ويفسره إخراجهم ، أو راجع إلى ما دل عليه تخرجون من المصدر . وإخراجهم بدل أو بيان { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب } يعني الفداء .\r{ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ } يعني حرمة المقاتلة والإجلاء . { فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا } كقتل قريظة وسبيهم . وإجلاء بني النضير ، وضرب الجزية على غيرهم . وأصل الخزي ذل يستحيا منه ، ولذلك يستعمل في كل منهما . { وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدّ العذاب } لأن عصيانهم أشد . { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } تأكيد للوعيد ، أي الله سبحانه وتعالى بالمرصاد لا يغفل عن أفعالهم . وقرأ عاصم في رواية المفضل ، «تردون» على الخطاب لقوله { مّنكُمْ } . وابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر ، وخلف ويعقوب «يعملون» على أن الضمير لمن .","part":1,"page":123},{"id":124,"text":"{ أُولَئِكَ الذين اشتروا الحياة الدنيا بالأخرة } آثروا الحياة الدنيا على الآخرة . { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب } بنقض الجزية في الدنيا ، والتعذيب في الآخرة . { وَلاَهُمْ يُنصَرُونَ } بدفعهما عنهم .","part":1,"page":124},{"id":125,"text":"{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } أي التوراة { وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل } أي : أرسلنا على أثره الرسل ، كقوله سبحانه وتعالى : { ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى } . يقال قفاه إذا تبعه ، وقفاه به إذا أتبعه إياه من القفا ، نحو ذنبه من الذنب { وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ } المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص ، والإِخبار بالمغيبات . أو الإنجيل ، وعيسى بالعبرية أبشوع . ومريم بمعنى الخادم ، وهو بالعربية من النساء كالزير من الرجال ، قال رؤبة : قُلْتُ لِزِيْرٍ لَمْ تَصُلْهُ مَرْيمه . ووزنه مفعل إذ لم يثبت فعيل { وأيدناه } وقويناه ، وقرىء «آيدناه» بالمد { بِرُوحِ القدس } بالروح المقدسة كقولك : حاتم الجود ، ورجل صدق ، وأراد به جبريل . وقيل : روح عيسى E ، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان ، أو لكرامته على الله سبحانه وتعالى ولذلك أضافه إلى نفسه تعالى ، أو لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث ، أو الإنجيل ، أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى ، وقرأ ابن كثير { القدس } بالإسكان في جميع القرآن { أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم } بما لا تحبه . يقال هَوِيَ بالكسر هَوىً إذا أحب هُوياً بالفتح هَوىً بالضم إذا سقط . ووسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به توبيخاً لهم على تعقيبهم ذاك بهذا وتعجيباً من شأنهم ، ويحتمل أن يكون استئنافاً والفاء للعطف على مقدر ، { استكبرتم } عن الإيمان واتباع الرسل . { فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ } كموسى وعيسى عليهما السلام ، والفاء للسببية أو للتفصيل { وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } كزكريا ويحيى عليهما السلام ، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها في النفوس ، فإن الأمر فظيع . أو مراعاة للفواصل ، أو للدلالة على أنكم بعد فيه فإنكم تحومون حول قتل محمد A ، لولا أني أعصمه منكم ، ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة .","part":1,"page":125},{"id":126,"text":"{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } مغشاة بأغطية خلقية لا يصل إليها ما جئت به ولا تفقهه ، مستعار من الأغلف الذي لم يختن وقيل : أصله غلف جمع غلاف فخفف ، والمعنى أنها أوعية للعلم لا تسمع علماً إلا وعته ، ولا تعي ما تقول . أو نحن مستغنون بما فيها عن غيره . { بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } رد لما قالوه ، والمعنى أنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق ، ولكن الله خذلهم بكفرهم فأبطل استعدادهم ، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لخلل فيه ، بل لأن الله تعالى خذلهم بكفرهم كما قال تعالى : { فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أبصارهم } ، أو هم كفرة ملعونون ، فمن أين لهم دعوى العلم والاستغناء عنك؟ { فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ } فإيماناً قليلاً يؤمنون ، وما مزيده للمبالغة في التقليل ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب . وقيل : أراد بالقلة العدم .","part":1,"page":126},{"id":127,"text":"{ وَلَمَّا جَاءهُمْ كتاب مّنْ عِندِ الله } يعنى القرآن { مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } من كتابهم ، وقرىء بالنصب على الحال من كتاب لتخصصه بالوصف ، وجواب لما ، محذوف دل عليه جواب لما الثانية . { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ } أي يستنصرون على المشركين ويقولون : اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت ، في التوراة . أو يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم ، وقد قرب زمانه ، والسين للمبالغة والإشعار أن الفاعل يسأل ذلك عن نفسه { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ } من الحق . { كَفَرُواْ بِهِ } حسداً وخوفاً على الرياسة . { فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين } أي عليهم ، وأتى بالمظهر للدلالة على أنهم لعنوا لكفرهم ، فتكون اللام للعهد ، ويجوز أن تكون للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً لأن الكلام فيهم .","part":1,"page":127},{"id":128,"text":"{ بِئْسَ ماشتروا بِهِ أَنفُسَهُمْ } ما نكرة بمعنى شيء مميزة لفاعل بئس المستكن ، واشتروا صفته ومعناه باعوا ، أو اشتروا بحسب ظنهم ، فإنهم ظنوا أنهم خلصوا أنفسهم من العقاب بما فعلوا . { أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنزَلَ الله } هو المخصوص بالذم { بَغِيّاً } طلباً لما ليس لهم وحسداً ، وهو علة { أَن يَكْفُرُواْ } دون { اشتروا } للفصل . { أَن يُنَزّلُ الله } لأن ينزل ، أي حسدوه على أن ينزل الله . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب بالتخفيف . { مِن فَضْلِهِ } يعني الوحي . { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } على من اختاره للرسالة { فَبَاؤوا بِغَضَبٍ على غَضَبٍ } للكفر والحسد على من هو أفضل الخلق . وقيل : لكفرهم بمحمد A بعد عيسى عليه السلام ، أو بعد قولهم عزير ابنُ الله { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } يراد به إذلالهم ، بخلاف عذاب العاصي فإنه طهرة لذنوبه .","part":1,"page":128},{"id":129,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءامِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ } يعم الكتب المنزلة بأسرها . { قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } أي بالتوراة { وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءهُ } حال من الضمير في قالوا ، ووراء في الأصل جعل ظرفاً ، ويضاف إلى الفاعل فيراد به ما يتوارى به وهو خلفه ، وإلى المفعول فيراد به ما يواريه وهو قدامه ، ولذلك عد من الأضداد . { وَهُوَ الحق } الضمير لما وراءه ، والمراد به القرآن { مُصَدّقًا لّمَا مَعَهُمْ } حال مؤكدة تتضمن رد مقالهم ، فإنهم لما كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها { قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاء الله مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } اعتراض عليهم بقتل الأنبياء مع إدعاء الإيمان بالتوراة والتوراة لا تسوغه ، وإنما أسنده إليهم لأنه فعل آبائهم ، وأنهم راضون به عازمون عليه . وقرأ نافع وحده أن «أنباء الله» مهموزاً في جميع القرآن .","part":1,"page":129},{"id":130,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءكُم موسى بالبينات } يعني الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ } { ثُمَّ اتخذتم العجل } أي إلَهاً { مِن بَعْدِهِ } من بعد مجيء موسى ، أو ذهابه إلى الطور { وَأَنتُمْ ظالمون } حال ، بمعنى اتخذتم العجل ظالمين بعبادته ، أو بالإخلال بآيات الله تعالى ، أو اعتراض بمعنى وأنتم قوم عادتكم الظلم . ومساق الآية أيضاً لإبطال قولهم { نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا } والتنبيه على أن طريقتهم مع الرسول طريقة أسلافهم مع موسى عليهما الصلاة والسلام ، لا لتكرير القصة وكذا ما بعده .","part":1,"page":130},{"id":131,"text":"{ وَإِذْ أَخَذْنَا ميثاقكم وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطور خُذُواْ مَا ءاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ واسمعوا } أي قلنا لهم : خذوا ما أمرتم به في التوراة بجد واسمعوا سماع طاعة . { قَالُواْ سَمِعْنَا } قولك { وَعَصَيْنَا } أمرك { وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل } تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته ، لفرط شغفهم به ، كما يتداخل الصبغ الثوب ، والشراب أعماق البدن . وفي قلوبهم : بيان لمكان الإشراب كقوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً } { بِكُفْرِهِمْ } بسبب كفرهم وذلك لأنهم كانوا مجسمة ، أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه ، فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري { قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إيمانكم } أي بالتوراة ، والمخصوص بالذم محذوف نحو هذا الأمر ، أو ما يعمه وغيره من قبائحهم المعدودة في الآيات الثلاث إلزاماً عليهم { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } تقرير للقدح . في دعواهم الإيمان بالتوراة ، وتقديره إن كنتم مؤمنين بها لم يأمركم بهذه القبائح ولا يرخص لكم فيها إيمانكم بها ، أو إن كنتم مؤمنين بها فبئسما يأمركم به إيمانكم بها ، لأن المؤمن ينبغي أن لا يتعاطى إلا ما يقتضيه إيمانه ، لكن الإيمان بها لا يأمر به ، فإذاً لستم بمؤمنين .","part":1,"page":131},{"id":132,"text":"{ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً } خاصة بكم كما قلتم : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا } ونصبها على الحال من الدار . { مّن دُونِ الناس } سائرهم ، واللام للجنس ، أو المسلمين واللام للعهد { فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صادقين } لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها ، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب ، كما قال عليّ رضي الله تعالى عنه : ( لا أبالي سقطت على الموت ، أو سقط الموت علي ) . وقال عمار رضي الله تعالى عنه بصفين : ( الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه ) . وقال حذيفة Bه حين اختصر : ( جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم ) أي : على التمني ، سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره .","part":1,"page":132},{"id":133,"text":"{ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من موجبات النار ، كالكفر بمحمد A ، والقرآن ، وتحريف التوراة . ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان ، آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه ، عبر بها عن النفس تارة والقدرة أخرى ، وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر ، لأنهم لو تمنوا لنقل واشتهر ، فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى ، بل هو أن يقول : ليت لي كذا ، ولو كان بالقلب لقالوا : تمنينا . وعن النبي A « لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهودي » { والله عَلِيمٌ بالظالمين } تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ، ونفيه عمن هو لهم .","part":1,"page":133},{"id":134,"text":"{ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة } من وجد بعقله الجاري مجرى علم ، ومفعولاه هم وأحرص الناس ، وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي : الحياة المتطاولة ، وقرىء باللام . { وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ } محمول على المعنى وكأنه قال : أحرص من الناس على الحياة ومن الذين أشركوا . وإفراده بالذكر للمبالغة ، فإن حرصهم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة ، والزيادة في التوبيخ والتقريع ، فإنهم لما زاد حرصهم وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار ، ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا ، فحذف أحرص لدلالة الأول عليه ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته { يَوَدُّ أَحَدُهُمْ } على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا : { عُزَيْرٌ ابن الله } أي : ومنهم ناس يود أحدهم ، وهو على الأولين بيان لزيادة حرصهم على طريق الاستئناف . { لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } حكاية لودادتهم ، ولو بمعنى ليت وكان أصله : لو أعمر ، فأجرى على الغيبة لقوله : يود ، كقولك حلف بالله ليفعلن { وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ } الضمير لأحدهم ، وأن يعمر فاعل مزحزحه ، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره ، أو لما دل عليه يعمر . وأن يعمر بدل منه . أو منهم ، وأن يعمر موضحه وأصل سنة سنوة لقولهم سنوات . وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون ، والزحزحة التبعيد { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم .","part":1,"page":134},{"id":135,"text":"{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } نزل في عبد الله بن صوريا ، سأل رسول الله A عمن ينزل عليه بالوحي؟ فقال : جبريل ، فقال : ذاك عدونا عادانا مراراً ، وأشدَّها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر ، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل . وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه؟ . وقيل : دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوماً ، فسألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب ، وميكائيل صاحب الخصب والسلام ، فقال : وما منزلتهما من الله؟ قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة ، فقال؛ لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله . ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال E \" لقد وافقك ربك يا عمر \" وفي جبريل ثمان لغات قرىء بهن أربع في : المشهور «جبرئل» كسلسبيل قراءة حمزة والكسائي ، و { جبريل } بكسر الراء وحذف الهمزة قراءة ابن كثير ، و «جبرئل» كجحمرش قراءة عاصم برواية أبي بكر ، و { جبريل } كقنديل قراءة الباقين . وأربع في الشواذ : «جبرائيل» كجبراعيل ، و «جبريل» و«جبرين» ومنع صرفه للعجمة ، والتعريف ، ومعناه عبد الله . { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } البارز الأول لجبريل ، والثاني للقرآن ، وإضماره غير مذكور يدل على فخامة شأنه كأنه لتعينه وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره . { على قَلْبِكَ } فإنه القابل الأول للوحي ، ومحل الفهم والحفظ ، وكان حقه على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال : قل ما تكلمت به . { بِإِذُنِ الله } بأمره ، أو تيسيره حال من فاعله نزله . { مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } أحوال من مفعوله ، والظاهر أن جواب الشرط { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ } ، والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقة الإنصاف ، أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي ، لأنه نزل كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة ، فحذف الجواب وأقيم علته مقامه ، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزله عليك . وقيل محذوف مثل : فليمت غيظاً ، أو فهو عدو لي وأنا عدو له .\rكما قال :","part":1,"page":135},{"id":136,"text":"{ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين } أراد بعداوة الله مخالفته عناداً ، أو معاداة المقربين من عباده ، وصدر الكلام بذكره تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } وأفرد الملكين بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر ، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى ، وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع ، إذ الموجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد ، ولأن المحاجة كانت فيهما . ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر . وقرأ نافع «ميكائل» كميكاعل ، وأبو عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص { ميكال } كميعاد ، والباقون «ميكائيل» بالهمزة والياء بعدها . وقرىء «ميكئل» كميكعل ، و «ميكئيل» كميكعيل ، وميكايل .","part":1,"page":136},{"id":137,"text":"{ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ ءايات بينات وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الفاسقون } أي المتمردون من الكفرة ، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حده . نزل في ابن صوريا حين قال لرسول الله A ما جئتنا بشيء نعرفه ، وما أنزل عليك من آية فنتبعك .","part":1,"page":137},{"id":138,"text":"{ أَوَكُلَّمَا عاهدوا عَهْدًا } الهمزة للإنكار ، والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات كلما عاهدوا ، وقرىء بسكون الواو على أن التقدير إلا الذين فسقوا ، { أَوَكُلَّمَا عاهدوا } ، وقرىء «عوهدوا» و «عهدوا» . { نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } نقضه ، وأصل النبذ الطرح ، لكنه يغلب فيما ينسى ، وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون ، أو أن من لم ينبذ جهاراً فهم مؤمنون به خفاء .","part":1,"page":138},{"id":139,"text":"{ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْ عِندِ الله مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ } كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . { نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كتاب الله } يعني التوراة ، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات . وقيل ما مع الرسول A هو القرآن .\r{ وَرَاء ظُهُورِهِمْ } مثل لإِعراضهم عنه رأساً ، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه . { كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه كتاب الله ، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عناداً . واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمرادً وفسوقاً ، وهم المعنيون بقوله : { نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مّنْهُم } وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون . وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خفية عالمين بالحال ، بغياً وعناداً وهم المتجاهلون .","part":1,"page":139},{"id":140,"text":"{ واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين } عطف على نبذ ، أي نبذوا كتاب الله واتبعوا كتب السحر التي تقرؤها ، أو تتبعها الشياطين من الجن ، أو الإنس ، أو منهما . { على مُلْكِ سليمان } أي عهده ، وتتلو حكاية حال ماضية ، قيل : كانوا يسترقون السمع ويضمون إلى ما سمعوا أكاذيب ، ويلقونها إلى الكهنة وهم يدونونها ويعلمون الناس ، وفشا ذلك في عهد سليمان عليه السلام حتى قيل : إن الجن يعلمون الغيب ، وأن مُلْكَ سليمان تَمَّ بهذا العلم ، وأنه تُسَخَّرُ به الجن والإِنس والريح له . { وَمَا كَفَرَ سليمان } تكذيب لمن زعم ذلك ، وعبر عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفر ، وأن من كان نبياً كان معصوماً منه . { ولكن الشياطين كَفَرُواْ } باستعماله ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي و { لَكِنِ } بالتخفيف ، ورفع { الشياطين } . { يُعَلّمُونَ الناس السحر } إغواءً وإضلالاً ، والجملة حال من الضمير ، والمراد بالسحر ما يستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان مما لا يستقل به الإنسان ، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس . فإن التناسب شرط في التضام والتعاون ، وبهذا تميز الساحر عن النبي والولي ، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعونة الآلات والأدوية أو يريه صاحب خفة اليد فغير مذموم ، وتسميته سحراً عمل التجوز ، أو لما فيه من الدقة لأنه في الأصل لما خفي سببه . { وَمَا أُنزِلَ عَلَى الملكين } عطف على السحر والمراد بهما واحد ، والعطف لتغاير الاعتبار ، أو المراد به نوع أقوى منه ، أو على ما تتلو . وهما ملكان أنزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس ، وتمييزاً بينه وبين المعجزة . وما روي أنهما مثلاً بشرين ، وركب فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها : زهرة ، فحملتهما على المعاصي والشرك ، ثم صعدت إلى السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود ولعله من رموز الأوائل وحله لا يخفى على ذوي البصائر . وقيل : رجلان سميا ملكين باعتبار صلاحهما ، ويؤيده قراءة الملكين بالكسر . وقيل : ما أنزل نفي معطوف على ما كفر سليمان تكذيب لليهود في هذه القصة . { بِبَابِلَ } ظرف ، أو حال من الملكين ، أو الضمير في أنزل والمشهور أنه بلد من سواد الكوفة . { هاروت وماروت } عطف بيان للملكين ، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة ، ولو كانا من الهرت والمرت بمعنى الكسر لانصرفا . ومن جعل ما نافية أبدلهما من الشياطين بدل البعض ، وما بينهما اعتراض . وقرىء بالرفع على هما { هاروت وماروت } . { وَمَا يُعَلّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } فمعناه على الأول ما يعلمان أحداً حتى ينصحاه ويقولا له إنما نحن ابتلاء من الله ، فمن تعلم منا وعمل به كفر ، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان ، فلا تكفر باعتقاد جوازه والعمل به .","part":1,"page":140},{"id":141,"text":"وفيه دليل على أن تعلم السحر وما لا يجوز اتباعه غير محظور ، وإنما المنع من اتباعه والعمل به . وعلى الثاني ما يعلمانه حتى يقولا إنما نحن مفتونان فلا تكن مثلنا . { فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا } الضمير لما دل عليه من أحد . { مَا يُفَرّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ } أي من السحر ما يكون سبب تفريقهما . { وَمَا هُم بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } لأنه وغيره من الأسباب غير مؤثرة بالذات ، بل بأمره تعالى وجعله . قرىء { بضاري } على الإضافة إلى أحد ، وجعل الجار جزء منه والفصل بالظرف . { وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ } لأنهم يقصدون به العمل ، أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً { وَلاَ يَنفَعُهُمْ } إذ مجرد العلم به غير مقصود ولا نافع في الدارين . وفيه أن التحرز عنه أولى { وَلَقَدْ عَلِمُواْ } أي اليهود . { لَمَنِ اشتراه } أي استبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله تعالى ، والأظهر أن اللام لام الإبتداء علقت علموا عن العمل { مَا لَهُ فِى الآخرة مِنْ خلاق } نصيب { وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ } يحتمل المعنيين على ما مر . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يتفكرون فيه ، أو يعلمون قبحه على التعيين ، أو حقية ما يتبعه من العذاب ، والمثبت لهم أولاً على التوكيد القسمي العقل الغريزي أو العلم الإجمالي يقبح الفعل ، أو ترتب العقاب من غير تحقيق وقيل : معناه لو كانوا يعملون بعلمهم ، فإن من لم يعمل بما علم فهو كمن لم يعلم .","part":1,"page":141},{"id":142,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ ءامَنُواْ } بالرسول والكتاب . { واتقوا } بترك المعاصي ، كنبذ كتاب الله واتباع السحر { لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ } جواب لو ، وأصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خيراً مما شروا به أنفسهم ، فحذف الفعل وركب الباقي جملة اسمية لتدل على ثبات المثوبة والجزم بخيريتها ، وحذف المفضل عليه إجلالاً للمفضل من أن ينسب إليه ، وتنكير المثوبة لأن المعنى لشيء من الثواب خير ، وقيل : لو للتمني ، و { لَمَثُوبَةٌ } كلام مبتدأ . وقرىء { لَمَثُوبَةٌ } كمشورة ، وإنما سمي الجزاء ثواباً ومثوبة لأن المحسن يثوب إليه { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أن ثواب الله خير مما هم فيه ، وقد علموا لكنه جَهَّلَهُم لترك التدبر ، أو العمل بالعلم .","part":1,"page":142},{"id":143,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقُولُواْ راعنا وَقُولُواْ انظرنا } الرعي حفظ الغير لمصلحته ، وكان المسلمون يقولون للرسول E راعنا أي راقبنا وتأن بنا فيما تلقننا حتى نفهمه ، وسمع اليهود فافترصوه وخاطبوه به مريدين نسبته إلى الرعن ، أو سبه بالكلمة العبرانية التي كانوا يتسابون بها وهي راعينا ، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما يفيد تلك الفائدة ولا يقبل التلبيس ، وهو انظرنا بمعنى انظر إلينا . أو انتظرنا من نظره إذا انتظره . وقرىء أنظرنا من الإنظار أي أمهلنا لنحفظ . وقرىء راعونا على لفظ الجمع للتوقير ، وراعنا بالتنوين أي قولاً ذا رعن نسبة إلى الرعن وهو الهوج ، لما شابه قولهم راعينا وتسبب للسب . { واسمعوا } وأحسنوا الاستماع حتى لا تفتقروا إلى طلب المراعاة ، أو واسمعوا سماع قبول لا كسماع اليهود ، أو واسمعوا ما أمرتم به بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتم عنه . { وللكافرين عَذَابٌ أَلِيمٌ } يعني الذين تهاونوا بالرسول E وسبوه .","part":1,"page":143},{"id":144,"text":"{ مَّا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب وَلاَ المشركين } نزلت تكذيباً لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين ، ويزعمون أنهم يودون لهم الخير . والود : محبة الشيء مع تمنيه ، ولذلك يستعمل في كل منهما ، ومن للتبيين كما في قوله تعالى : { لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين } { أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مّنْ خَيْرٍ مّن رَّبّكُمْ } مفعول يود ، ومن الأولى مزيدة للاستغراق ، والثانية للابتداء ، وفسر الخير بالوحي . والمعنى أنهم يحسدونكم به وما يحبون أن ينزل عليكم شيء منه وبالعلم وبالنصرة ، ولعل المراد به ما يعم ذلك { والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء } يستنبئه ويعلمه الحكمة وينصره لا يجب عليه شيء ، وليس لأحد عليه حق { والله ذُو الفضل العظيم } إشعار بأن النبوة من الفضل ، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله ، بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته .","part":1,"page":144},{"id":145,"text":"{ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا } نزلت لما قال المشركون أو اليهود : ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمر بخلافه . والنسخ في اللغة : إزالة الصورة عن الشيء وإثباتها في غيره ، كنسخ الظل للشمس والنقل ، ومنه التناسخ . ثم استعمل لكل واحد منهما كقولك : نسخت الريح الأثر ، ونسخت الكتاب . ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها ، أو الحكم المستفاد منها ، أو بهما جميعاً . وإنساؤها إذهابها عن القلوب ، وما شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية . وقرأ ابن عامر ما ننسخ من أنسخ أي نأمرك أو جبريل بنسخها ، أو نجدها منسوخة . وابن كثير وأبو عمرو «ننسأها» أي نؤخرها من النسء . وقرىء «ننسها» أي ننس أحداً إياها ، و «ننسها» أي أنت ، و «تنسها» على البناء للمفعول ، و «ننسكها» بإضمار المفعولين { نَأْتِ بِخَيْرٍ مّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } أي بما هو خير للعباد في النفع والثواب ، أو مثلها في الثواب . وقرأ أبو عمرو بقلب الهمزة ألفاً . { أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على النسخ والإتيان بمثل المنسوخ ، أو بما هو خير منه . والآية دلت على جواز النسخ وتأخير الإِنزال إذ الأصل اختصاص أن وما يتضمنها بالأمور المحتملة ، وذلك لأن الأحكام شرعت ، والآيات نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلاً من الله ورحمة ، وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص ، كأسباب المعاش فإن النافع في عصر قد يضر في عصر غيره . واحتج بها من منع النسخ بلا بدل ، أو ببدل أثقل . ونسخ الكتاب بالسنة ، فإن الناسخ هو المأتي به بدلاً والسنة ليست كذلك والكل ضعيف ، إذ قد يكون عدم الحكم ، أو الأثقل أصلح . والنسخ قد يعرف بغيره ، والسنة مما أتى به الله تعالى ، وليس المراد بالخير والمثل ما يكون كذلك في اللفظ . والمعتزلة على حدوث القرآن فإن التغير والتفاوت من لوازمه . وأجيب : بأنهما من عوارض الأمور المتعلقة بالمعنى القائم بالذات القديم .","part":1,"page":145},{"id":146,"text":"{ أَلَمْ تَعْلَمْ } الخطاب للنبي A والمراد هو وأمته ، لقوله : { وَمَا لَكُمْ } وإنما أفرده لأنه أعلمهم ، ومبدأ علمهم . { أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وهو كالدليل على قوله : { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } أو على جواز النسخ ولذلك ترك العاطف . { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } وإنما هو الذي يملك أموركم ويجريها على ما يصلحكم ، والفرق بين الولي والنصير . أن الولي قد يضعف عن النصرة ، والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور فيكون بينهما عموم من وجه .","part":1,"page":146},{"id":147,"text":"{ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأََلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ } أم معادلة للهمزة في { أَلَمْ تَعْلَمْ } أي : ألم تعلموا أنه مالك الأمور قادر على الأشياء كلها يأمر وينهى كما أراد ، أم تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام . أو منقطعة والمراد أن يوصيهم بالثقة به وترك الاقتراح عليه . قيل : نزلت في أهل الكتاب حين سألوا أن ينزل الله عليهم كتاباً من السماء . وقيل : في المشركين لما قالوا { لَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتَّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤهُ } { وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } ومن ترك الثقة بالآيات البينات وشك فيها واقترح غيرها ، فقد ضل الطريق المستقيم حتى وقع في الكفر بعد الإيمان . ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ، ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان . وقرىء «يبدل» من أبدل .","part":1,"page":147},{"id":148,"text":"{ وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب } يعني أحبارهم . { لَوْ يَرُدُّونَكُم } أن يردوكم ، فإن لو تنوب عن إن في المعنى دون اللفظ : { مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا } مرتدين ، وهو حال من ضمير المخاطبين { حَسَدًا } علة ود . { مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ } يجوز أن يتعلق بود ، أي تمنوا ذلك من عند أنفسهم وتشهيهم ، لا من قبل التدين والميل مع الحق . أو بحسداً أي حسداً بالغاً منبعثاً من أصل نفوسهم { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق } بالمعجزات والنعوت المذكورة في التوراة . { فاعفوا واصفحوا } العفو ترك عقوبة المذنب ، والصفح ترك تثريبه . { حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } الذي هو الإذن في قتالهم وضرب الجزية عليهم ، أو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير . وعن ابن عباس Bهما أنه منسوخ بآية السيف ، وفيه نظر إذ الأمر غير مطلق { إنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ } فيقدر على الانتقام منهم .","part":1,"page":148},{"id":149,"text":"{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة } عطف على فاعفوا كأنه أمرهم بالصبر والمخالفة والملجأ إلى الله تعالى بالعبادة والبر { وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ } كصلاة وصدقة . وقرىء { تُقَدّمُواْ } من أقدم { تَجِدُوهُ عِندَ الله } أي ثوابه .\r{ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يضيع عنده عمل . وقرىء بالياء فيكون وعيداً .","part":1,"page":149},{"id":150,"text":"{ وَقَالُواْ } عطف على { وَدَّ } ، والضمير لأهل الكتاب من اليهود والنصارى . { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } لف بين قولي الفريقين كما في قوله تعالى : { وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نصارى } ثقة بفهم السامع ، وهود جمع هائد كعوذ وعائذ ، وتوحيد الاسم المضمر في كان ، وجمع الخبر لاعتبار اللفظ والمعنى . { تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ } إشارة إلى الأماني المذكورة ، وهي أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم ، وأن يردوهم كفاراً ، وأن لا يدخل الجنة غيرهم ، أو إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، والجملة اعتراض والأمنية أفعولة من التمني كالأضحوكة والأعجوبة . { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } على اختصاصكم بدخول الجنة . { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم فإن كل قول لا دليل عليه غير ثابت .","part":1,"page":150},{"id":151,"text":"{ بلى } إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة { مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ } أخلص له نفسه ، أو قصده ، وأصله العضو { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله { فَلَهُ أَجْرُهُ } الذي وعد له على عمله { عِندَ رَبّهِ } ثابتاً عن ربه لا يضيع ولا ينقص ، والجملة جواب من إن كانت شرطية وخبرها إن كانت موصولة . والفاء فيها لتضمنها معنى الشرط فيكون الرد بقوله : بلى وحده ، ويحسن الوقف عليه . ويجوز أن يكون من أسلم فاعل فعل مقدر مثل بلى يدخلها من أسلم { وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة .","part":1,"page":151},{"id":152,"text":"{ وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَىْء وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَىْءٍ } أي على أمر يصح ويعتد به . نزلت لما قدم وفد نجران على رسول الله A ، وأتاهم أحبار اليهود فتناظروا وتقاولوا بذلك . { وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب } الواو للحال ، والكتاب للجنس أي : قالوا ذلك وهم من أهل العلم والكتاب . { كذلك } مثل ذلك { قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ } كعبدة الأصنام ، والمعطلة . وبخهم على المكابرة والتشبه بالجهال . فإن قيل : لم وبخهم وقد صدقوا ، فإن كلا الدينين بعد النسخ ليس بشيء؟ . قلت : لم يقصدوا ذلك ، وإنما قصد به كل فريق إبطال دين الآخر من أصله ، والكفر بنبيه وكتابه مع أن ما لم ينسخ منهما حق واجب القبول والعمل به { فالله يَحْكُمُ } يفصل { بَيْنَهُمْ } بين الفريقين { يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بما يقسم لكل فريق ما يليق به من العقاب . وقيل حكمه بينهم أن يكذبهم ويدخلهم النار .","part":1,"page":152},{"id":153,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مساجد الله } عام لكل من خرب مسجداً ، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة . وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله . أو في المشركين لما منعوا رسول الله A أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية { أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه } ثاني مفعولي منع { وسعى فِى خَرَابِهَا } بالهدم ، أو التعطيل { أولئك } أي المانعون { مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ } ما كان ينبغي لهم أن يدخلوها إلا بخشية وخشوع فضلاً عن أن يجترئوا على تخريبها ، أو ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم ، فضلاً عن أن يمنعوهم منها ، أو ما كان لهم في علم الله وقضائه ، فيكون وعداً للمؤمنين بالنصرة واستخلاص المساجد منهم وقد نجز وعده . وقيل : معناه النهي عن تمكينهم من الدخول في المسجد ، واختلف الأئمة فيه فجوز أبو حنيفة ومنع مالك ، وفرق الشافعي بين المسجد الحرام وغيره { لَهُمْ فِى الدنيا خِزْىٌ } قتل وسبي ، أو ذلك بضرب الجزية { وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } بكفرهم وظلمهم .","part":1,"page":153},{"id":154,"text":"{ وَلِلَّهِ المشرق والمغرب } يريد بهما ناحيتي الأرض ، أي له الأرض كلها لا يختص به مكان ، دون مكان ، فإن منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام ، أو الأقصى فقد جعلت لكم الأرض مسجداً . { فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ } ففي أي مكان فعلتم التولية شطر القبلة { فَثَمَّ وَجْهُ الله } أي جهته التي أمر بها ، فإن إمكان التولية لا يختص بمسجد أو مكان . أو { فَثَمَّ } ذاته : أي هو عالم مطلع بما يفعل فيه { إِنَّ الله واسع } بإحاطته بالأشياء . أو برحمته يريد التوسعة على عباده { عَلِيمٌ } بمصالحهم وأعمالهم في الأماكن كلها وعن ابن عمر Bهما وأنها نزلت في صلاة المسافر على الراحلة . وقيل : في قوم عميت عليهم القبلة فصلوا إلى أنحاء مختلفة ، فلما أصبحوا تبينوا خطأهم ، وعلى هذا لو أخطأ المجتهد ثم تبين له الخطأ لم يلزمه التدارك . وقيل؛ هي توطئة لنسخ القبلة وتنزيه للمعبود أن يكون في حيز وجهة .","part":1,"page":154},{"id":155,"text":"{ وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } نزلت لما قال اليهود : { عُزَيْرٌ ابن الله } والنصارى : { المسيح ابن الله } ومشركوا العرب : الملائكة بنات الله ، وعطفه على قالت اليهود ، أو منع ، أو مفهوم قوله تعالى ومن أظلم . وقرأ ابن عامر بغير واو { سبحانه } تنزيه له عن ذلك ، فإنه يقتضي التشبيه والحاجة وسرعة الفناء ، ألا ترى أن الأجرام الفلكية مع إمكانها وفنائها لما كانت باقية ما دام العالم ، لم تتخذ ما يكون لها كالولد اتخاذ الحيوان والنبات ، اختياراً أو طبعاً . { بَل لَّهُ مَا فِي السموات والأرض } رد لما قالوه ، واستدلال على فساده ، والمعنى أنه تعالى خالق ما في السموات والأرض ، الذي من جملته الملائكة وعزير والمسيح { كُلٌّ لَّهُ قانتون } منقادون لا يمتنعون عن مشيئته وتكوينه ، وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته : فلا يكون له ولد ، لأن من حق الولد أن يجانس والده ، وإنما جاء بما الذي لغير أولي العلم ، وقال قانتون على تغليب أولي العلم تحقيراً لشأنهم ، وتنوين كل عوض عن المضاف إليه ، أي كل ما فيهما . ويجوز أن يراد كل من جعلوه ولداً له مطيعاً مقرون بالعبودية ، فيكون إلزاماً بعد إقامة الحجة ، والآية مشعرة على فساد ما قالوه من ثلاثة أوجه ، واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه ، لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك ، وذلك يقتضي تنافيهما .","part":1,"page":155},{"id":156,"text":"{ بَدِيعُ السموات والأرض } مبدعهما ، ونظيره السميع في قوله :\rأمِنْ ريحانة الداعي السَّميع ... يُؤرِّقُني وأصْحابي هُجُوعُ\rأو بديع سمواته وأرضه ، من بدع فهو بديع ، وهو حجة رابعة . وتقريرها أن الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه ، والله سبحانه وتعالى مبدع الأشياء كلها ، فاعل على الإطلاق ، منزه عن الانفعال ، فلا يكون والداً . والإبداع : اختراع الشيء لا عن الشيء دفعة ، وهو أليق بهذا الموضوع من الصنع الذي هو : تركيب الصور لا بالعنصر ، والتكوين الذي يكون بتغيير وفي زمان غالباً . وقرىء بديع مجروراً على البدل من الضمير في له . وبديع منصوباً على المدح .\r{ وَإِذَا قضى أَمْرًا } أي أراد شيئاً ، وأصل القضاء إتمام الشيء قوة كقوله تعالى : { وقضى رَبُّكَ } أو فعلاً كقوله تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } وأطلق على تعلق الإِرادة الإِلهية بوجود الشيء من حيث إنه يوجبه . { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } من كان التامة بمعنى أحدث فيحدث ، وليس المراد به حقيقة أمر وامتثال ، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف . وفيه تقرير لمعنى الإِبداع ، وإيماء إلى حجة خامسة وهي : أن اتخاذ الولد مما يكون بأطوار ومهلة ، وفعله تعالى مستغن عن ذلك . وقرأ ابن عامر { فَيَكُونَ } بفتح النون . واعلم أن السبب في هذه الضلالة ، أن أرباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون الأب على الله تعالى باعتبار أنه السبب الأول ، حتى قالوا إن الأب هو الرب الأصغر ، والله سبحانه وتعالى هو الرب الأكبر ، ثم ظنت الجهلة منهم أن المراد به معنى الولادة ، فاعتقدوا ذلك تقليداً ، ولذلك كُفِّرَ قائله ومنع منه مطلقاً حسماً لمادة الفساد .","part":1,"page":156},{"id":157,"text":"{ وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي جهلة المشركين ، أو المتجاهلون من أهل الكتاب . { لَوْلاَ يُكَلّمُنَا الله } هلا يكلمنا الله كما يكلم الملائكة ، أو يوحي إلينا بأنك رسوله . { أَوْ تَأْتِينَا آيةٌ } حجة على صدقك ، والأول استكبار والثاني جحود ، لأن ما أتاهم آيات الله استهانة به وعناداً ، { كذلك قَالَ الذين مِن قَبْلِهِم } من الأمم الماضية { مِّثْلَ قَوْلِهِمْ } فقالوا : { أَرِنَا الله جَهْرَةً } { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء } { تشابهت قُلُوبُهُمْ } قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد . وقرىء بتشديد الشين . { قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي يطلبون اليقين ، أو يوقنون الحقائق لا يعتريهم شبهة ولا عناد . وفيه إشارة إلى أنهم ما قالوا ذلك لخفاء في الآيات أو لطلب مزيد اليقين ، وإنما قالوه عتواً وعناداً .","part":1,"page":157},{"id":158,"text":"{ إِنَّا أرسلناك بالحق } متلبساً مؤيداً به . { بَشِيراً وَنَذِيراً } فلا عليك إن أصروا وكابروا . { وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أصحاب الجحيم } ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بلغت . وقرأ نافع ويعقوب : لا تَسْأَل ، على أنه نهي للرسول A عن السؤال عن حال أبويه . أو تعظيم لعقوبة الكفار كأنها لفظاعتها لا يقدر أن يخبر عنها ، أو السامع لا يصبر على استماع خبرها فنهاه عن السؤال . والجحيم : المتأجج من النار .","part":1,"page":158},{"id":159,"text":"{ وَلَن ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ } مبالغة في إقناط الرسول A من إسلامهم ، فإنهم إذا لم يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، فكيف يتبعون ملته . ولعلهم قالوا مثل ذلك فحكى الله عنهم ولذلك قال : { قُلْ } تعليماً للجواب . { إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى } أي هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى إلى الحق ، لا ما تدعون إليه . { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } آراءهم الزائفة . والملة ما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ، من أمللت الكتاب إذا أمليته ، والهوى : رأي يتبع الشهوة { بَعْدَ الذي جَاءَكَ مِنَ العلم } أي الوحي ، أو الدين المعلوم صحته . { مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يدفع عنك عقابه وهو جواب لئن .","part":1,"page":159},{"id":160,"text":"{ الذين ءاتيناهم الكتاب } يريد به مؤمني أهل الكتاب { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } بمراعاة اللفظ عن التحريف والتدبر في معناه والعمل بمقتضاه ، وهو حال مقدرة والخبر ما بعده ، أو خبر على أن المراد بالموصول مؤمنوا أهل الكتاب { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } بكتابهم دون المحرفين . { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } بالتحريف والكفر بما يصدقه { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } حيث اشتروا الكفر بالإيمان .","part":1,"page":160},{"id":161,"text":"{ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين } { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } لما صدر قصتهم بالأمر بذكر النعم ، والقيام بحقوقها ، والحذر من إضاعتها ، والخوف من الساعة وأهوالها ، كرر ذلك وختم به الكلام معهم مبالغة في النصح ، وإيذاناً بأنه فذلكة القضية والمقصود من القصة .","part":1,"page":161},{"id":162,"text":"{ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات } كلفه بأوامر ونواه ، والابتلاء في الأصل التكليف بالأمر الشاق من البلاء ، لكنه لما استلزم الاختبار بالنسبة إلى من يجهل العواقب ظن ترادفهما ، والضمير لإبراهيم ، وحسن لتقدمه لفظاً وإن تأخر رتبة ، لأن الشرط أحد التقدمين ، والكلمات قد تطلق على المعاني فلذلك فسرت بالخصال الثلاثين المحمودة المذكورة في قوله تعالى : { التائبون العابدون } الآية وقوله تعالى : { إِنَّ المسلمين والمسلمات } إلى آخر الآية ، وقوله : { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } إلى قوله : { أُوْلَئِكَ هُمُ الوارثون } كما فسرت بها في قوله : { فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } وبالعشر التي هي من سننه ، وبمناسك الحج؛ وبالكواكب ، والقمرين ، والختان ، وذبح الولد ، والنار ، والهجرة . على أنه تعالى عامله بها معاملة المختبر بهن وبما تضمنته الآيات التي بعدها . وقرىء إبراهيم ربه على أنه دعا ربه بكلمات مثل { أَرني كيف تُحيي المَوتَى } { واجعل هذا البلد امِنًا } ليرى هل يجيبه . وقرأ ابن عامر إبراهام بالألف جميع ما في هذه السورة . { فَأَتَمَّهُنَّ } فأداهن كملاً وقام بهن حق القيام ، لقوله تعالى : { وإبراهيم الذى وفى } وفي القراءة الأخيرة الضمير لربه ، أي أعطاه جميع ما دعاه . { قَالَ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } استئناف إن أضمرت ناصب إذ كأنه قيل : فماذا قال ربه حين أتمهن ، فأجيب بذلك . أو بيان لقوله ابتلى فتكون الكلمات ما ذكره من الإمامة ، وتطهير البيت ، ورفع قواعده ، والإسلام . وإن نصبته يقال فالمجموع جملة معطوفة على ما قبلها ، أو جاعل من جعل الذي له مفعولان ، والإمام اسم لمن يؤتم به وإمامته عامة مؤبدة ، إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه . { قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِي } عطف على الكاف أي وبعض ذريتي ، كما تقول : وزيداً ، في جواب : سأكرمك ، والذرية نسل الرجل ، فعلية أو فعولة قلبت راؤها الثانية ياء كما في تقضيت . من الذر بمعنى التفريق ، أو فعولة أو فعيلة قلبت همزتها من الذرة بمعنى الخلق . وقرىء ذريتي بالكسر وهي لغة . { قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } إجابة إلى ملتمسه ، وتنبيه على أنه قد يكون من ذريته ظلمة ، وأنهم لا ينالون الإمامة لأنها أمانة من الله تعالى وعهد ، والظالم لا يصلح لها ، وإنما ينالها البررة الأتقياء منهم . وفيه دليل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة ، وأن الفاسق لا يصلح للإمامة . وقرىء «الظالمون» والمعنى واحد إذ كل ما نالك فقد نلته .","part":1,"page":162},{"id":163,"text":"{ وَإِذْ جَعَلْنَا البيت } أي الكعبة ، غلب عليها كالنجم على الثريا . { مَثَابَةً لّلنَّاسِ } مرجعاً يثوب إليه أعيان الزوار أو أمثالهم ، أو موضع ثواب يثابون بحجه واعتماره . وقرىء : «مثابات» أي لأنه مثابة كل أحد . { وَأَمْناً } وموضع أمن لا يتعرض لأهله كقوله تعالى : { حَرَماً ءامِناً } ويتخطف الناس من حولهم ، أو يأمن حاجَّهُ من عذاب الآخرة من حيث إن الحج يجب ما قبله ، أولاً يؤاخذ الجاني الملتجىء إليه حتى يخرج ، وهو مذهب أبي حنيفة Bه . { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } على إرادة القول ، أو عطف على المقدر عاملاً لإذ ، أو اعتراض معطوف على مضمر تقديره توبوا إليه واتخذوا ، على أن الخطاب لأمة محمد A ، وهو أمر استحباب ، ومقام إبراهيم هو الحجر الذي فيه أثر قدمه ، أو الموضع الذي كان فيه الحجر حين قام عليه ودعا الناس إلى الحج ، أو رفع بناء البيت وهو موضعه اليوم . روي أنه E أخذ بيد عمر رضي الله تعالى عنه وقال : \" هذا مقام إبراهيم ، فقال عمر : أفلا نتخذه مصلى ، فقال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس حتى نزلت \" وقيل : المراد به الأمر بركعتي الطواف ، لما روى جابر أنه E : لما فرغ من طوافه عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين وقرأ : { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } وللشافعي C تعالى في وجوبهما قولان . وقيل : مقام إبراهيم الحرم كله . وقيل : مواقف الحج واتخاذها مصلى أن يدعى فيها ، ويتقرب إلى الله تعالى . وقرأ نافع وابن عامر { واتخذوا } بلفظ الماضي عطفاً على { جَعَلْنَا } ، أي : واتخذوا الناس مقامه الموسوم به ، يعني الكعبة قبلة يصلون إليها . { وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل } أمرناهما . { أَن طَهّرَا بَيْتِيَ } ويجوز أن تكون أن مفسرة لتضمن العهد معنى القول ، يريد طهراه من الأوثان والأنجاس وما لا يليق به ، أو أخلصاه . { لِلطَّائِفِينَ } حوله . { والعاكفين } المقيمين عنده ، أو المعتكفين فيه { والركع السجود } . أي المصلين ، جمع راكع وساجد .","part":1,"page":163},{"id":164,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا } يريد به البلد ، أو المكان . { بَلَدًا آمِنًا } ذا أمن كقوله تعالى : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } أو آمناً أهله كقولك : ليل نائم { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الآخر } أبدل من { مَنْ ءامَنَ } { أَهْلِهِ } بدل البعض للتخصيص { قَالَ وَمَن كَفَرَ } عطف على من { آمن } والمعنى وارزق من كفر ، قاس إبراهيم E الرزق على الإِمامة ، فنبه سبحانه على أن الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر ، بخلاف الإمامة والتقدم في الدين . أو مبتدأ متضمن معنى الشرط { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً } خبره ، والكفر وإن لم يكن سبباً للتمتيع لكنه سبب لتقليله ، بأن يجعله مقصوراً بحظوظ الدنيا غير متوسل به إلى نيل الثواب ، ولذلك عطف عليه { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } أي ألزه إليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم ، وقليلاً نصب على المصدر ، أو الظرف . وقرىء بلفظ الأمر فيهما على أنه من دعاء إبراهيم وفي قال ضميره . وقرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } من أمتع . وقرىء «فنمتعه» ثم نضطره ، و «إضطره» بكسر الهمزة على لغة من يكسر حروف المضارعة ، و «أضطره» بإدغام الضاد وهو ضعيف لأن حروف ( ضم شفر ) يدغم فيها ما يجاورها دون العكس .\r{ وَبِئْسَ المصير } المخصوص بالذم محذوف ، وهو العذاب .","part":1,"page":164},{"id":165,"text":"{ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } حكاية حال ماضية ، و { القواعد } جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود ، بمعنى الثبات ، ولعله مجاز من المقابل للقيام ، ومنه قعدك الله ، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع ، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع فوقه ويرفعها بناؤها . وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه ، ودعاء الناس إلى حجه . وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها . { وإسماعيل } كان يناوله الحجارة ، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه . وقيل : كانا يبنيان في طرفين ، أو على التناوب . { رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا } أي يقولان ربنا تقبل منا ، وقد قرىء به والجملة حال منهما . { إِنَّكَ أَنتَ السميع } لدعائنا { العليم } بنياتنا .","part":1,"page":165},{"id":166,"text":"{ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ } مخلصين لك ، من أسلم وجهه ، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد ، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان ، أو الثبات عليه . وقرىء { مُسْلِمِينَ } على أن المراد أنفسهما وهاجر . أو أن التثنية من مراتب الجمع . { وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } أي واجعل بعض ذريتنا ، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة ، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى ، فإنه مما يشوش المعاش ، ولذلك قيل : لولا الحمقى لخربت الدنيا ، وقيل : أراد بالأمة أمة محمد A ، ويجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ } قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى : { خَلَقَ سَبْعَ سموات وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } . { وَأَرِنَا } من رأى بمعنى أبصر ، أو عرف ، ولذلك لم يتجاوز مفعولين { مَنَاسِكَنَا } متعبداتنا في الحج ، أو مذابحنا . والنسك في الأصل غاية العبادة ، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة . وقرأ ابن كثير والسوسي عن أبي عمرو ويعقوب { أَرِنَا } . ، قياساً على فخذ في فخذ ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها . وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس { وَتُبْ عَلَيْنَا } استتابة لذريتهما ، أو عما فرط منهما سهواً . ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما { إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم } لمن تاب . { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ } في الأمة المسلمة { رَسُولاًمِّنْهُمْ } ولم يبعث من ذريتهما غير محمد A ، فهو المجاب به دعوتهما كما قال E : « أنا دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورؤيا أمي » { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة . { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب } القرآن . { والحكمة } ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام . { وَيُزَكّيهِمْ } عن الشرك والمعاصي { إِنَّكَ أَنتَ العزيز } الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد { الحكيم } المحكم له .","part":1,"page":166},{"id":167,"text":"{ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم } استبعاد وإِنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء ، أي لا يرغب أحد من ملته . { إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ } إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها . قال المبرد وثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم ، ويشهد له ما جاء في الحديث « الكبر أن تسفه الحق ، وتغمص الناس » . وقيل : أصله سفه نفسه على الرفع ، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه ، وقول النابغة الذبياني :\rوَنأْخُذُ بَعْدَهُ بِذنَابِ عَيْش ... أَجَب الظَّهْرِ ليسَ لَهُ سِنَامُ\rأو سفه في نفسه ، فنصب بنزع الخافض . والمستثنى في محل الرفع على المختار بدلاً من الضمير في يرغب لأنه في معنى النفي . { وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين } حجة وبيان لذلك ، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة ، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه ، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر .","part":1,"page":167},{"id":168,"text":"{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } ظرف ل { اصطفيناه } ، أو تعليل له ، أو منصوب بإضمار اذكر . كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم ، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين ، دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام . روي أنها نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ابني أخيه : سلمة ومهاجراً إلى الإسلام ، فأسلم سلمة وأبى مهاجر .","part":1,"page":168},{"id":169,"text":"{ ووصى بِهَا إبراهيم بَنِيهِ } التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة ، وأصلها الوصل يقال : وصاه إذا وصله ، وفصاه : إذا فصله ، كأن الموصي يصل فعله بفعل الموصى ، والضمير في بها للملة ، أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة ، أو الجملة وقرأ نافع وابن عامر وأوصى والأول أبلغ { وَيَعْقُوبَ } عطف على إبراهيم ، أي ووصى هو أيضاً بها بنيه . وقرىء بالنصب على أنه ممن وصاه إبراهيم { يَا بَنِيَّ } . على إضمار القول عند البصريين ، متعلق بوصى عند الكوفيين لأنه نوع منه ونظيره :\rرَجُلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانا ... أَنَّا رأَيْنَا رَجُلاً عريَانا\rبالكسر ، وبنو إبراهيم كانوا أربعة : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان . وقيل : ثمانية . وقيل : أربعة عشر : وبنو يعقوب إثنا عشر : روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وبولون وتفتوني ودون وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف { إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين } دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى : { فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإِسلام ، والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا ، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك : لا تصلِّ إلا وأنت خاشع ، وتغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه ، وأن من حقه أن لا يحل بهم ، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد . وروي أن اليهود قالوا لرسول الله A : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت .","part":1,"page":169},{"id":170,"text":"{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار ، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه ، أو متصلة بمحذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين . وقيل : الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي وقرىء { حَضِرَ } بالكسر .\r{ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ } بدل من { إِذْ حَضَرَ } . { مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي } أي : شيء تعبدونه ، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام ، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما ، وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف ، فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن تعيينه ، وإن سئل عن وصفه قيل : ما زيد أفقيه أم طبيب؟ . { قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته ، وعد إسماعيل من آبائه تغليباً للأب والجد ، أو لأنه كالأب لقوله E : \" عمُّ الرجل صِنْوُ أبيه \" كما قال E في العباس Bه \" هذا بقية آبائي \" وقرىء «إله أبيك» ، على أنه جمع بالواو والنون كما قال :\rوَلَما تَبَيَّنَّ أَصوَاتَنا ... بَكَيْنَ وَفَدينَنا بالأَبينا\rأو مفرد وإبراهيم وحده عطف بيان .\r{ إلها واحدا } بدل من إله آبائك كقوله تعالى : { بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة } وفائدته التصريح بالتوحيد ، ونفي التوهم الناشىء من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور والتأكيد ، أو نصب على الاختصاص { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } حال من فاعل نعبد ، أو مفعوله ، أو منهما ، ويحتمل أن يكون اعتراضاً .","part":1,"page":170},{"id":171,"text":"{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ } يعني إِبراهيم ويعقوب وبنيهما ، والأمة في الأصل المقصود وسمي بها الجماعة ، لأن الفرق تؤمها . { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم } لكل أجر عمله ، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم ، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم ، كما قال E : « لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم » { وَلاَ تُسْأََلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } أي لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم .","part":1,"page":171},{"id":172,"text":"{ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَو نصارى } الضمير الغائب لأهل الكتاب وأو للتنويع ، والمعنى مقالتهم أحد هذين القولين . قالت اليهود : كونوا هوداً . وقال النصارى كونوا نصارى { تَهْتَدُواْ } جواب الأمر . { قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبراهيم } أي بل تكون ملة إبراهيم ، أي أهل ملته ، أو بل نتبع ملة إبراهيم . وقرىء بالرفع أي ملته ملتنا ، أو عكسه ، أو نحن ملته بمعنى نحن أهل ملته . { حَنِيفاً } مائلاً عن الباطل إلى الحق . حال من المضاف ، أو المضاف إليه كقوله تعالى : { وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ إِخْوَانًا } { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريض بأهل الكتاب وغيرهم ، فإنهم يدعون اتباعه وهم مشركون .","part":1,"page":172},{"id":173,"text":"{ قُولُواْ ءامَنَّا بالله } الخطاب للمؤمنين لقوله تعالى : { فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ } { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } القرآن ، قدم ذكره لأنه أول بالإضافة إلينا ، أو سبب للإيمان بغيره { وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط } الصحف ، وهي وإن نزلت إلى إبراهيم لكنهم لما كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت أحكامها فهي أيضاً منزلة إليهم ، كما أن القرآن منزل إلينا ، والأسباط جمع سبط وهو الحافد ، يريد به حفدة يعقوب ، أو أبناءه وذراريهم فإنهم حفدة إبراهيم وإسحاق { وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى } التوراة والإِنجيل ، أفردهما بالذكر بحكم أبلغ لأن أمرهما بالإِضافة إلى موسى وعيسى مغاير لما سبق ، والنزاع وقع فيهما { وَمَا أُوتِيَ النبيون } جملة المذكورين منهم وغير المذكورين . { مّن رَّبّهِمُ } منزلاً عليهم من ربهم . { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } كاليهود ، فنؤمن ببعض ونكفر ببعض ، وأحد لوقوعه في سياق النفي عام فساغ أن يضاف إليه بين . { وَنَحْنُ لَهُ } أي لله . { مُّسْلِمُونَ } مذعنون مخلصون .","part":1,"page":173},{"id":174,"text":"{ فَإِنْ ءامَنُواْ بِمِثْلِ مَا ءامَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا } من باب التعجيز والتبكيت ، كقوله تعالى : { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } إذ لا مثل لما آمن به المسلمون ، ولا دين كدين الإسلام . وقيل : الباء للآلة دون التعدية ، والمعنى إن تحروا الإيمان بطريق يهدي إلى الحق مثل طريقكم ، فإن وحدة المقصد لا تأبى تعدد الطرق ، أو مزيدة للتأكيد كقوله تعالى : { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } والمعنى فإن آمنوا بالله إيماناً مثل إيمانكم به ، أو المثل مقحم كما في قوله : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ } أي عليه ، ويشهد له قراءة من قرأ بما آمنتم به أو بالذي آمنتم به { وَّإِنْ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ } أي إن أعرضوا عن الإيمان ، أو عما تقولون لهم فما هم إلا في شقاق الحق ، وهو المناوأة والمخالفة ، فإن كل واحد من المتخالفين في شق غير شق الآخر { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } تسلية وتسكين للمؤمنين ، ووعد لهم بالحفظ والنصرة على من ناوأهم { وَهُوَ السميع العليم } إما من تمام الوعد ، بمعنى أنه يسمع أقوالكم ويعلم إخلاصكم وهو مجازيكم لا محالة ، أو وعيد للمعرضين ، بمعنى أنه يسمع ما يبدون ويعلم ما يخفون وهو معاقبهم عليه .","part":1,"page":174},{"id":175,"text":"{ صِبْغَةَ الله } أي صبغنا الله صبغته ، وهي فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها ، فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ ، أو هدانا الله هدايته وأرشدنا حجته ، أو طهر قلوبنا بالإِيمان تطهيره ، وسماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ ، وتداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب ، أو للمشاكلة ، فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم وبه تتحقق نصرانيتهم ، ونصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله { آمنا } ، وقيل : على الإغراء ، وقيل : على البدل من ملة إبراهيم عليه السلام .\r{ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً } لا صبغة أحسن من صبغته { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } تعريض بهم ، أي لا نشرك به كشرككم . وهو عطف على آمنا ، وذلك يقتضي دخول قوله { صِبْغَةَ الله } في مفعول { قُولُواْ } ولمن ينصبها على الإغراء ، أو البدل أن يضمر قولوا معطوفاً على الزموا ، أو اتبعوا ملة إبراهيم و { قُولُواْ ءامَنَّا } بدل اتبعوا ، حتى لا يلزم فك النظم وسوء الترتيب .","part":1,"page":175},{"id":176,"text":"{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } أتجادلوننا . { فِى الله } في شأنه واصطفائه نبياً من العرب دونكم ، روي أن أهل الكتاب قالوا : الأنبياء كلهم منا ، لو كنت نبياً لكنت منا . فنزلت : { وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } لا اختصاص له بقوم دون قوم ، يصيب برحمته من يشاء من عباده . { وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا ، كأنه ألزمهم على كل مذهب ينتحلونه إفحاماً وتبكيتاً ، فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله على من يشاء والكل فيه سواء ، وإما إفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص . وكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله في إعطائها ، فلنا أيضاً أعمال . { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } موحدون نخصه بالإيمان والطاعة دونكم .","part":1,"page":176},{"id":177,"text":"{ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نصارى } أم منقطعة والهمزة للإنكار . وعلى قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالتاء يحتمل أن تكون معادلة للهمزة في { أَتُحَاجُّونَنَا } بمعنى أي الأمرين تأتون المحاجة ، أو ادعاء اليهودية ، أو النصرانية على الأنبياء . { قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله } وقد نفي الأمرين عن إبراهيم بقوله : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } واحتج عليه بقوله : { وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } وهؤلاء المعطوفون عليه أتباعه في الدين وفاقاً . { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة عِندَهُ مِنَ الله } يعني شهادة الله لإِبراهيم بالحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية ، والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب ، لأنهم كتموا هذه الشهادة . أو منا لو كتمنا هذه الشهادة ، وفيه تعريض بكتمانهم شهادة الله لمحمد E بالنبوة في كتبهم وغيرها ، ومن للابتداء كما في قوله تعالى : { بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد لهم ، وقرىء بالياء .","part":1,"page":177},{"id":178,"text":"{ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم وَلاَ تُسْأََلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } تكرير للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم . قيل : الخطاب فيما سبق لهم ، وفي هذه الآية لنا تحذيراً عن الاقتداء بهم . وقيل : المراد بالأمة في الأول الأنبياء ، وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى .","part":1,"page":178},{"id":179,"text":"{ سَيَقُولُ السفهاء مِنَ الناس } الذين خفت أحلامهم ، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر . يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين . وفائدة تقديم الإِخبار به توطين النفس وإعداد الجواب وإظهار المعجزة . { مَا ولاهم } ما صرفهم . { عَن قِبْلَتِهِمُ التى كَانُواْ عَلَيْهَا } يعني بيت المقدس ، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإِنسان من الاستقبال ، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة { قُل لّلَّهِ المشرق والمغرب } لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه ، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان { يَهْدِى مَن يَشَآءُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو ما ترتضيه الحكمة ، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة ، والكعبة أخرى .","part":1,"page":179},{"id":180,"text":"{ وكذلك } إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة ، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم ، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل . { جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } أي خياراً ، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل . وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب ، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، ثم أطلق على المتصف بها ، مستوياً فيه الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها ، واستدل به على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم { لّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } علة للجعل ، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج ، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم ، بل أوضح السبل وأرسل الرسل ، فبلغوا ونصحوا . ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات ، والإِعراض عن الآيات ، فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم ، أو بعدكم . روي « أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالبهم الله ببينة التبليغ وهو أعلم بهم إقامة للحجة على المنكرين ، فيؤتى بأمة محمد A فيشهدون ، فتقول الأمم من أين عرفتم؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد A فيسأل عن حال أمته ، فيشهد بعدالتهم » وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السلام كالرقيب المهيمن على أمته عدى بعلى ، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيداً عليهم . { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } أي الجهة التي كنت عليها ، وهي الكعبة فإنه E كان يصلي إليها بمكة ، ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود . أو الصخرة لقول ابن عباس Bهما : « كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها » فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ ، وعلى الثاني المنسوخ . والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس .\r{ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } إلا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها ، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه . أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه ، وما كان لعارض يزول بزواله . وعلى الأول معناه : ما رددناك إلى التي كنت عليها ، إلا لنعلم الثابت على الإِسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه . فإن قيل : كيف يكون علمه تعالى غاية الجعل وهو لم يزل عالماً . قلت : هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء ، والمعنى ليتعلق علمنا به موجوداً .","part":1,"page":180},{"id":181,"text":"وقيل : ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه ، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى : { لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه ، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول ، والعلم إما بمعنى المعرفة ، أو معلق لما في مَنْ من معنى الاستفهام ، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب ، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب . { وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً } إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفاصلة . وقال الكوفيون هي النافية واللام بمعنى إلا . والضمير لما دل عليه قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا القبلة التى كُنتَ عَلَيْهَا } من الجعلة ، أو الردة ، أو التولية ، أو التحويلة ، أو القبلة . وقرىء لكبيرةٌ بالرفع فتكون كان زائدة { إِلاَّ على الَّذِينَ هُدَى الله } إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع { وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إيمانكم } أي ثباتكم على الإيمان . وقيل : إيمانكم بالقبلة المنسوخة ، أو صلاتكم إليها لما روي : أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا فنزلت { إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم ، ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان وابن عامر وحفص لرؤوف بالمد ، والباقون بالقصر .","part":1,"page":181},{"id":182,"text":"{ قَدْ نرى } ربما نرى { تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء } تردد وجهك في جهة السماء تطلعاً للوحي ، وكان رسول الله A يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإِيمان ، ولمخالفة اليهود ، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل { فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً } فلنمكننك من استقبالها من قولك : وليته كذا ، إذا صيرته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي جهتها { تَرْضَاهَا } تحبها وتتشوق إليها ، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته . { فَوَلّ وَجْهَكَ } اصرف وجهك . { شَطْرَ المسجد الحرام } نحوه . وقيل : الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل ، ودار شطور : أي منفصلة عن الدور ، ثم استعمل لجانبه ، وإن لم ينفصل كالقطر ، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال ، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه ، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأنه E كان في المدينة ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة ، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلاف القريب . روي : أنه E قدم المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين . وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر ، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ، فسمي المسجد مسجد القبلتين . { وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } خص الرسول بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته ، ثم عمم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة وتحضيضاً للأمة على المتابعة . { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } جملة لعلمهم بأن عادته تعالى تخصيص كل شريعة بقبلة ، وتفصيلاً لتضمن كتبهم أنه A يصلي إلى القبلتين ، والضمير للتحويل أو التوجه { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعد ووعيد للفريقين . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالياء .","part":1,"page":182},{"id":183,"text":"{ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلّ ءايَةٍ } برهان وحجة على أن الكعبة قبلة ، واللام موطئة للقسم { مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ } جواب للقسم المضمر ، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط ، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة ، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً . { وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ } قطع لأطماعهم ، فإنهم قالوا : لو ثبتَ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره ، تغريراً له وطَمعاً في رجوعه ، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق . { وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ } فإن اليهود تستقبل الصخرة ، والنصارى مطلع الشمس . لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك ، لتصلب كل حزب فيما هو فيه { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } على سبيل الفرض والتقدير ، أي : ولئن اتبعتهم مثلاً بعدما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي { إِنَّكَ إِذَا لَّمِنَ الظالمين } وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه : أحدها : الإِتيان باللام الموطئة للقسم . ثانيها : القسم المضمر . ثالثها : حرف التحقيق وهو أن . رابعها : تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية . وخامسها : الإِتيان باللام في الخبر . وسادسها : جعله من { الظالمين } ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم . وسابعها : التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم ، وتحريضاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى ، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء .","part":1,"page":183},{"id":184,"text":"{ الذين ءاتيناهم الكتاب } يعني علماءهم { يَعْرِفُونَهُ } الضمير لرسول الله A ، وإن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه . وقيل للعلم ، أو القرآن ، أو التحويل { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ } يشهد للأول : أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم لا يلتبسون عليهم بغيرهم . عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه سأل عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله A فقال : أنا أعلم به مني بابني قال : ولم ، قال : لأني لست أشك في محمد أنه نبي فأما ولدي فلعل والدته قد خانت . { وَإِنَّ فَرِيقًا مّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تخصيص لمن عاند واستثناء لمن آمن .","part":1,"page":184},{"id":185,"text":"{ الحق مِن رَّبّكَ } كلام مستأنف ، والحق إما مبتدأ خبره من ربك واللام للعهد ، والإشارة إلى ما عليه الرسول A ، أو الحق الذي يكتمونه ، أو للجنس . والمعنى أن { الحق } ما ثبت أنه من الله تعالى كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب ، وإما خبر مبتدأ محذوف أي هو { الحق } . ومن ربك حال ، أو خبر بعد خبر . وقرىء بالنصب على أنه بدل من الأول ، أو مفعول { يَعْلَمُونَ } { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } الشاكين في أنه من ربك ، أو في كتمانهم الحق عالمين به ، وليس المراد به نهي الرسول A عن الشك فيه ، لأنه غير متوقع منه وليس بقصد واختيار ، بل إما تحقيق الأمر وإنه بحيث لا يشك فيه ناظر ، أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ .","part":1,"page":185},{"id":186,"text":"{ وَلِكُلّ وِجْهَةٌ } ولكل أمة قبلة ، أو لكل قوم من المسلمين جهة وجانب من الكعبة ، والتنوين بدل الإضافة { هُوَ مُوَلّيهَا } أحد المفعولين محذوف ، أي هو موليها وجهه ، أو الله تعالى موليها إياه . وقرىء : { وَلِكُلّ وِجْهَةٍ } بالإِضافة ، والمعنى وكل وجهة الله موليها أهلها ، واللام مزيدة للتأكيد جبراً لضعف العامل . وقرأ ابن عامر : «مولاها» أي هو مولى تلك الجهة أي قد وليها { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } من أمر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين ، أو الفاضلات من الجهات وهي المسامتة للكعبة { أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا } أي : في أي موضع تكونوا من موافق ومخالف مجتمع الأجزاء ومفترقها ، يحشركم الله إلى المحشر للجزاء ، أو أينما تكونوا من أعماق الأرض وقلل الجبال ، يقبض أرواحكم ، أو أينما تكونوا من الجهات المتقابلة ، يأت بكم الله جميعاً ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة . { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } فيقدر على الإماتة والإِحياء والجمع .","part":1,"page":186},{"id":187,"text":"{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ } ومن أي مكان خرجت للسفر { فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام } إذا صليت { وإَِنَّهُ } وإن هذا الأمر { لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وقرأ أبو عمرو بالياء والباقون بالتاء .","part":1,"page":187},{"id":188,"text":"{ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيثُمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ } كرر هذا الحكم لتعدد علله ، فإنه تعالى ذكر للتحويل ثلاث علل . تعظيم الرسول A بابتغاء مرضاته ، وجري العادة الإِلهية على أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة وجهة يستقبلها ويتميز بها . ودفع حجج المخالفين على ما نبينه . وقرن بكل علة معلولها كما يقرن المدلول بكل واحد من دلائله تقريباً وتقريراً ، مع أن القبلة لها شأن . والنسخ من مظان الفتنة والشبهة فبالحري أن يؤكد أمرها ويعاد ذكرها مرة بعد أخرى . { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ } علة لقوله { فَوَلُّواْ } ، والمعنى أن التولية عن الصخرة إلى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بأن المنعوت في التوراة قبلته الكعبة ، وأن محمداً يجحد ديننا ويتبعنا في قبلتنا . والمشركين بأنه يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } استثناء من الناس ، أي لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا المعاندين منهم بأَنهم يقولون ، ما تحول إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه وحباً لبلده ، أو بدا له فرجع إلى قبلة آبائه ويوشك أن يرجع إلى دينهم . وسمى هذه حجة كقوله تعالى : { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ } لأنهم يسوقونها مساقها . وقيل الحجة بمعنى الاحتجاج . وقيل الاستثناء للمبالغة في نفي الحجة رأساً كقوله :\rوَلاَ عَيْبَ فِيهمْ غَيْرَ أَنَّ سُيوفَهُم ... بِهِنَّ فُلولٌ مِنْ قِراعِ الكَتَائِبِ\rللعلم بأن الظالم لا حجة له ، وقرىء : { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ . على أنه استئناف بحرف التنبيه . { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } فلا تخافوهم ، فإن مَطَاعِنِهم لا تضركم . { واخشونى } فلا تخالفوا ما أمرتكم به . { وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } علة محذوف أي وأمرتكم لإِتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتدائكم ، أو عطف على علة مقدرة مثل : واخشوني لأحفظكم منهم ولأُتم نعمتي عليكم ، أو لئلا يكون وفي الحديث «تمام النعمة دخول الجنة» . وعن علي رضي الله تعالى عنه : «تمام النعمة الموت على الإِسلام» .","part":1,"page":188},{"id":189,"text":"{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ } متصل بما قبله ، أي ولأتم نعمتي عليكم في أمر القبلة ، أو في الآخرة كما أتممتها بإرسال رسول منكم ، أو بما بعده أي كما ذكرتكم بالإِرسال فاذكروني . { يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتنا وَيُزَكِيكُمْ } يحملكم على ما تصيرون به أزكياء ، قدمه باعتبار القصد وأخره في دعوة إبراهيم عليه السلام باعتبار الفعل { وَيُعَلّمُكُمُ الكتاب والحكمة وَيُعَلّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } بالفكر والنظر ، إذ لا طريق إلى معرفته سوى الوحي ، وكرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر .","part":1,"page":189},{"id":190,"text":"{ فاذكرونى } بالطاعة . { أَذْكُرْكُمْ } بالثواب . { واشكروا لِي } ما أنعمت به عليكم . { وَلاَ تَكْفُرُونِ } بجحد النعم وعصيان الأمر .","part":1,"page":190},{"id":191,"text":"{ يَا أيهالذين ءامَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة } عن المعاصي وحظوظ النفس ، { والصلاة } التي هي أم العبادات ومعراج المؤمنين ، ومناجاة رب العالمين . { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بالنصر وإجابة الدعوة { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ } أي هم أموات { بَلْ أَحْيَاءٌ } أي بل هم أحياء . { وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ } ما حالهم ، وهو تنبيه على أن حياتهم ليست بالجسد ولا من جنس ما يحس به من الحيوانات ، وإنما هي أمر لا يدرك بالعقل بل وبالوحي ، وعن الحسن : ( إن الشهداء أحياء عند ربهم تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح ، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشياً فيصل إليهم الألم والوجع ) . والآية نزلت في شهداء بدر ، وكانوا أربعة عشر ، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت داركة ، وعليه جمهور الصحابة والتابعين ، وبه نطقت الآيات والسنن ، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ، ومزيدة البهجة والكرامة .","part":1,"page":191},{"id":192,"text":"{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } ولنصيبنكم إصابة من يختبر لأحوالكم ، هلى تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء؟ { بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع } أي بقليل من ذلك ، وإنما قلله بالإضافة إلى ما وقاهم منه ليخفف عليهم ، ويريهم أن رحمته لا تفارقهم ، أو بالنسبة إلى ما يصيب به معانديهم في الآخرة ، وإنما أخبرهم به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم { وَنَقْصٍ مّنَ الأموال والأنفس والثمرات } عطف شيء ، أو الخوف ، وعن الشافعي Bه الخوف : خوف الله ، والجوع : صوم رمضان ، والنقص : من الأموال الصدقات والزكوات ، ومن الأنفس : الأمراض ، ومن : الثمرات موت الأولاد . وعن النبي A « إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة : أقبضتم روح ولد عبدي؟ فيقولون نعم ، فيقول الله : أقبضتم ثمرة فؤاده ، فيقولون نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي؟ فيقولون حمدك واسترجع ، فيقول الله : ابنو لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد » { وَبَشّرِ الصابرين } .","part":1,"page":192},{"id":193,"text":"{ الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } الخطاب للرسول A ، أو لمن تتأتى منه البشارة . والمصيبة تعم ما يصيب الإِنسان من مكروه ، لقوله E : «كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» . وليس الصبر بالاسترجاع باللسان ، بل به وبالقلب بأن يتصور ما خلق لأجله ، وأنه راجع إلى ربه ، ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما بقي عليه أضعاف ما استرده منه فيهون على نفسه ، ويستسلم له . والمبشر به محذوف دل عليه .","part":1,"page":193},{"id":194,"text":"{ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ } الصلاة في الأصل الدعاء ، ومن الله تعالى التزكية والمغفرة . وجمعها للتنبيه على كثرتها وتنوعها . والمراد بالرحمة اللطف والإِحسان . وعن النبي A « من استرجع عند المصيبة ، جبر الله مصيبته ، وأحسن عقباه ، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه » { وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون } للحق والصواب حيث استرجعوا وسلموا لقضاء الله تعالى .","part":1,"page":194},{"id":195,"text":"{ إِنَّ الصفا والمروة } هما علما جبلين بمكة . { مِن شَعَائِرِ الله } من أعلام مناسكه ، جمع شعيرة وهي العلامة { فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر } الحج لغة القصد ، والاعتمار الزيارة . فغلبا شرعاً على قصد البيت وزيارته على الوجهين المخصوصين . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } كان إساف على الصفا ونائلة على المروة ، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما . فلما جاء الإِسلام وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك فنزلت . والإِجماع على أنه مشروع في الحج والعمرة ، وإنما الخلاف في وجوبه . فعن أحمد أنه سنة ، وبه قال أنس وابن عباس Bهم لقوله : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ } فإنه يفهم منه التخيير وهو ضعيف ، لأن نفي الجناح يدل على الجواز الداخل في معنى الوجوب ، فلا يدفعه . وعن أبي حنيفة C تعالى أنه واجب ، يجبر بالدم . وعن مالك والشافعي رحمهما الله أنه ركن لقوله E : «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» . { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } أي فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً ، أو زاد على ما فرض الله عليه من حج أو عمرة ، أو طواف أو تطوع بالسعي إن قلنا إنه سنة . و { خَيْرًا } نصب على أنه صفة مصدر محذوف ، أو بحذف الجار وإيصال الفعل إليه ، أو بتعدية الفعل لتضمنه معنى أتى أو فعل . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب ، وأصله يتطوع فأدغم مثل يطوف { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ } مثيب على الطاعة لا تخفى عليه .\r{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } كأحبار اليهود . { مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات } كالآيات الشاهدة على أمر محمد A . { والهدى } وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإِيمان به . { مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ } لخصناه . { فِى الكتاب } في التوراة . { أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون } أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة والثقلين .","part":1,"page":195},{"id":196,"text":"{ إِلاَّ الذين تَابُواْ } عن الكتمان وسائر ما يجب أن يتاب عنه { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا بالتدارك . { وَبَيَّنُواْ } ما بينه الله في كتابهم لتتم توبتهم . وقيل ما أحدثوه من التوبة ليمحوا به سمة الكفر عن أنفسهم ويقتدي بهم أضرابهم { فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ } بالقبول والمغفرة . { وَأَنَا التواب الرحيم } المبالغ في قبول التوبة وإفاضة الرحمة .","part":1,"page":196},{"id":197,"text":"{ إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ } أي ومن لم يتب من الكاتمين حتى مات { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ } استقر عليهم اللعن من الله ، ومن يعتد بلعنه من خلقه . وقيل؛ الأول لعنهم أحياء ، وهذا لعنهم أمواتاً . وقرىء و «الملائكةُ والناسُ أجمعون» عطفاً على محل اسم الله لأنه فاعل في المعنى ، كقولك أعجبني ضرب زيدٍ وعمرو ، أو فاعلاً لفعل مقدر نحو وتلعنهم الملائكة .","part":1,"page":197},{"id":198,"text":"{ خالدين فِيهَا } أي في اللعنة ، أو النار . وإضمارها قبل الذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً ، أو اكتفاء بدلالة اللعن عليه . { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي لا يمهلون ، أو لا ينتظرون ليعتذروا ، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة .","part":1,"page":198},{"id":199,"text":"{ وإلهكم إله واحد } خطاب عام ، أي المستحق منكم العبادة واحد لا شريك له يصح أن يعبد أو يسمى إلهاً . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } تقرير للوحدانية ، وإزاحة لأن يتوهم أن في الوجود إلهاً ولكن لا يستحق منهم العبادة . { الرحمن الرحيم } كالحجة عليها ، فإنه لما كان مولى النعم كلها أصولها وفروعها وما سواه إما نعمة أو منعم عليه لم يستحق العبادة أحد غيره ، وهما خبران آخران لقوله إلهكم ، أو لمبتدأ محذوف . قيل لما سمعه المشركون تعجبوا وقالوا : إن كنت صادقاً فائت بآية نعرف بها صدقكك فنزلت .","part":1,"page":199},{"id":200,"text":"{ إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض } إنما جمع السموات وأفرد الأرض ، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين . { واختلاف اليل والنهار } تعاقبهما كقوله تعالى : { جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } { والفلك التى تَجْرِى فِى البحر بِمَا يَنفَعُ الناس } أي ينفعهم ، أو بالذي ينفعهم ، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله ، وتخصيص { الفلك } بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب ، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ، وتأنيث { الفلك } لأنه بمعنى السفينة . وقرىء بضمتين على الأصل ، أو الجمع وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين . { وَمَا أَنزَلَ الله مِنَ السماء مِن مَّاءٍ } من الأولى للإِبتداء ، والثانية للبيان . والسماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو . { فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } بالنبات { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } عطف على أنزل ، كأنه استدل بنزول المطر وتكوين النبات به وبث الحيوانات في الأرض ، أو على أحيا فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة . والبث النشر والتفريق . { وَتَصْرِيفِ الرياح } في مهابها وأحوالها ، وقرأ حمزة والكسائي على الإِفراد . { والسحاب المسخر بَيْنَ السماء والأرض } لا ينزل ولا ينقشع ، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله تعالى . وقيل : مسخر الرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى ، واشتقاقه من السحب لأن بعضه يجر بعضاً . { لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم ، وعنه A « ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها » أي لم يتفكر فيها .\rواعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله ووحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلاً ، والكلام المجمل أنها : أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة ، وأنحاء مختلفة ، إذ كان من الجائز مثلاً أن لا تتحرك السموات ، أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها ، وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين ، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلاً ، وعلى هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها ، فلا بد لها من موجد قادر حكيم ، يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته ، متعالياً عن معارضة غيره . إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه الآخر . فإن توافقت إرادتهما : فالفعل إن كان لهما ، لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، وإن كان لأحدهما ، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وجز الآخر المنافي لآلهيته . وإن اختلفت : لزم التمانع والتطارد ، كما أشار إليه بقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله ، وحث على البحث والنظر فيه .","part":1,"page":200},{"id":201,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادًا } من الأصنام . وقيل من الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم لقوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله { يُحِبُّونَهُمْ } يعظمونهم ويطيعونهم { كَحُبّ الله } كتعظيمه والميل إلى طاعته ، أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة ، والمحبة : ميل القلب من الحب ، استعير لحبة القلب ، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها ، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته والإِعتناء بتحصيل مراضيه ، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة ، وصونه عن المعاصي . { والذين ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ } لأنه لا تنقطع محبتهم لله تعالى ، بخلاف محبة الأنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ، ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد ، ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره .\r{ وَلَوْ يَرَى الذين ظَلَمُواْ } ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد { إِذْ يَرَوْنَ العذاب } إِذ عاينوه يوم القيامة . وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى : { وَنَادَى أصحاب الجنة } { أَنَّ القوة لِلَّهِ جَمِيعًا } ساد مسد مفعولي { يرى } ، وجواب { لَوْ } محذوف . أي لو يعلمون أن القوة لله جميعاً إِذا عاينوا العذاب لندموا أشد الندم . وقيل هو متعلق الجواب والمفعولان محذوفان ، والتقدير : ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع ، لعلموا أن القوة لله كلها لا ينفع ولا يضر غيره . وقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب : و «لو ترى» على أنه خطاب للنبي A ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً ، وابن عامر : { إِذْ يَرَوْنَ } على البناء للمفعول ، ويعقوب { إنٍ } بالكسر وكذا { وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب } على الاستئناف ، أو إضمار القول .","part":1,"page":201},{"id":202,"text":"{ إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } بدل من { إِذْ يَرَوْنَ } ، أي إِذ تبرأ المتبوعون من الأتباع . وقرىء بالعكس ، أي تبرأ الأتباع من الرؤساء { وَرَأَوُاْ العذاب } أي رائين له ، والواو للحال ، وقد مضمرة . وقيل؛ عطف على تبرأ { وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب } يحتمل العطف على تبرأ ، أو رأوا والواو للحال ، والأول أظهر . و { الأسباب } : الوصل التي كانت بينهم من الاتَّباع والاتفاق على الدين ، والأغراض الداعية إلى ذلك . وأصل السبب : الحبل الذي يرتقي به الشجر . وقرىء و { تقطعت } على البناء للمفعول .","part":1,"page":202},{"id":203,"text":"{ وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤوا مِنَّا } { لَوْ } للتمني ولذلك أجيب بالفاء ، أي ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم { كذلك } مثل ذلك الآراء الفظيع . { يُرِيهِمُ الله أعمالهم حسرات عَلَيْهِمْ } نَدامات ، وهي ثالث مفاعيل يرى أن كان من رؤية القلب وإِلاَّ فحال { وَمَا هُم بخارجين مِنَ النار } أصله وما يخرجون ، فعدل به إلى هذه العبارة ، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا .","part":1,"page":203},{"id":204,"text":"{ يأَيُّهَا الناس كُلُواْ مِمَّا فِى الأرض حلالا } نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ، وحلالاً مفعول كلوا ، أو صفة مصدر محذوف ، أو حال مما في الأرض ومن للتبعيض إِذ لا يؤكل كلٍ ما في الأرض { طَيّباً } يستطيبه الشرع ، أو الشهوة المستقيمة . إذ الحلال دل على الأول . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } لا تقتدوا به في اتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والبزي وأبو بكر حيث وقع بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة ، وهي ما بين قدمي الخاطي . وقرىء بضمتين وهمزة جعلت ضمة الطاء كأنها عليها ، وبفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه ، ولذلك سماه ولياً في قوله تعالى : { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت . }","part":1,"page":204},{"id":205,"text":"{ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بالسوء والفحشاء } بيان لعداوته ، ووجوب التحرز عن متابعته . واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم ، والسوء والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع ، والعطف لاختلاف الوصفين فإنه سوء لاغتمام العاقل به ، وفحشاء باستقباحه إياه . وقيل : السوء يعم القبائح ، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر . وقيل : الأول ما لا حد فيه ، والثاني ما شرع فيه الحد { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات ، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً . وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرِك شرعي فوجوبه قطعي ، والظن في طريقه كما بيناه في الكتب الأصولية .","part":1,"page":205},{"id":206,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله } الضمير للناس ، وعدل بالخطاب عنهم للنداء على ضلالهم ، كأنه التفت إلى العقلاء وقال لهم : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون . { قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } ما وجدناهم عليه نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل الله من الحجج والآيات ، فجنحوا إلى التقليد . وقيل في طائفة من اليهود دعاهم رسول الله A إلى الإِسلام ، فقالوا : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا لأنهم كانوا خير منا وأعلم . وعلى هذا فيعم ما أنزل الله التوراة لأنها أيضاً تدعو إلى الإسلام . { أَوَ لَّوْ كَانَ آباؤهُم لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } الواو للحال ، أو العطف . والهمزة للرد والتعجيب . وجواب { لَوْ } محذوف أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين ، ولا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم . وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد . وأما اتباع الغير في الدين إذا علم بدليل ما أنه محق كالأنبياء والمجتهدين في الأحكام ، فهو في الحقيقة ليس بتقليده بل اتباع لما أنزل الله .","part":1,"page":206},{"id":207,"text":"{ وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذى يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء } على حذف مضاف تقديره : ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق ، أو مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق . والمعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم ، ولا يتأملون فيما يقرر معهم ، فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه ، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه . وقيل هو تمثيلهم في اتباع آبائهم على ظاهر حالهم جاهلين بحقيقتها ، بالبهائم التي تسمع الصوت ولا تفهم ما تحته . أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام ، بالناعق في نعقه وهو التصويت على البهائم ، وهذا يغني الإضمار ولكن لا يساعده قوله إلا دعاء ونداء ، لأن الأصنام لا تسمع إلا أن يجعل ذلك من باب التمثيل المركب .\r{ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ } رفع على الذم . { فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أي بالفعل للإخلال بالنظر .","part":1,"page":207},{"id":208,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } لما وسع الأمر على الناس كافة وأباح لهم ما في الأرض سوء ما حرم عليهم ، أمر المؤمنين منهم أن يتحروا طيبات ما رزقوا ويقوموا بحقوقها فقال : { واشكروا للَّهِ } على ما رزقكم وأحل لكم . { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } إن صح أنكم تخصونه بالعبادة ، وتقرون أنه مولى النعم ، فإن عبادته تعالى لا تتم إلا بالشكر . فالمعلق بفعل العبادة هو الأمر بالشكر لإِتمامه ، وهو عدم عند عدمه . وعن النبي A « يقول الله تعالى إني والإِنس والجن في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر غيري » .","part":1,"page":208},{"id":209,"text":"{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة } أكلها ، أو الانتفاع بها . وهي التي ماتت من غير ذكاة . والحديث ألحق بها ما أبِيْنَ من حي . والسمك والجراد أخرجهما العرف عنها ، أو استثناه الشرع . والحرمة المضافة إلى العين تفيد عرفاً حرمة التصرف فيها مطلقاً إلا ما خصه الدليل ، كالتصرف في المدبوغ . { والدم وَلَحْمَ الخنزير } إِنما خص اللحم بالذكر ، لأنه معظم ما يؤكل من الحيوان وسائر أجزائه كالتابع له . { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } أي رفع به الصوت عند ذبحه للصنم . والإِهلال أصله رؤية الهلال ، يقال : أهل الهلال وأهللته . لكن لما جَرت العادة أن يرفع الصوت بالتكبير إذا رُئي سمي ذلك إهلالاً ، ثم قيل لرفع الصوت وإن كان لغيره . { فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ } بالاستيثار على مضطر آخر . وقرأ عاصم وأبو عمرو حمزة بكسر النون . { وَلاَ عَادٍ } سد الرمق ، أو الجوعة . وقيل : غير باغ على الوالي ، ولا عاد بقطع الطريق . فعلى هذا لا يباح للعاصي بالسفر وهو ظاهر مذهب الشافعي وقول أحمد رحمهما الله تعالى . { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في تناوله . { إِنَّ الله غَفُورٌ } لما فعل { رَّحِيمٌ } بالرخصة فيه . فإن قيل : إنما تفيد قصر الحكم على ما ذكر وكم من حرام لم يذكر . قلت : المراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقاً ، أو قصر حرمته على حال الاختيار كأنه قيل إنما حرم عليكم هذه الأشياء ما لم تضطروا إليها .","part":1,"page":209},{"id":210,"text":"{ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } عوضاً حقيراً . { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار } إما في الحال ، لأنهم أكلوا ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقوله :\rأَكَلْتُ دَماً إِنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضرة ... بَعِيدة مَهوى القِرطِ طيبة النَّشر\rيعني الدية . أو في المآل أي لا يأكلون يوم القيامة إلا النار . ومعنى في بطونهم : ملء بطونهم . يقال أكل في بطنه وأكل في بعض بطنه كقوله :\rكُلوا في بَعضِ بَطنِكَمو تُعفُوا ... { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة } عبارة عن غضبه عليهم ، وتعريض بحرمانهم حال مقابليهم في الكرامة والزلفى من الله . { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } لا يثني عليهم . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مؤلم .","part":1,"page":210},{"id":211,"text":"{ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } في الدنيا . { والعذاب بالمغفرة } في الآخرة ، بكتمان الحق للمطامع والأغراض الدنيوية . { فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار } تعجب من حالهم في الالتباس بموجبات النار من غيره مبالاة . وما تامة مرفوعة بالابتداء ، وتخصيصها كتخصيص قولهم .\rشَرٌّ أَهَر ... ذَا نَابٍ\rأو استفهامية وما بعدها الخبر ، أو موصولة وما بعدها صلة والخبر محذوف .","part":1,"page":211},{"id":212,"text":"{ ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق } أي ذلك العذاب بسبب أن الله نزل الكتاب بالحق فرفضوه بالتكذيب أو الكتمان . { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب } اللام فيه إما للجنس ، واختلافهم إيمانهم ببعض كتب الله تعالى وكفرهم ببعض . أو للعهد ، والإِشارة إما إلى التوراة ، واختلفوا بمعنى تخلفوا عن المنهج المستقيم في تأويلها ، أو خلفوا خلال ما أنزل الله تعالى مكانه ، أي حرفوا ما فيها . وإما إلى القرآن واختلافهم فيه قولهم سحر ، وَتَقوَّلَ ، وكلام علمه بشر ، وأساطير الأولين . { لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } لفي خلاف بعيد عن الحق .\r{ لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب } { البر } : كل فعل مرضٍ ، والخطاب لأهل الكتاب فإنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حولت ، وادعى كل طائفة أن البر هو التوجه إلى قبلته ، فرد الله تعالى عليهم وقال : ليس البر ما أنتم عليه فإنه منسوخ ، ولكن البر ما بينه الله واتبعه المؤمنون . وقيل عام لهم وللمسلمين ، أي ليس البر مقصوراً بأمر القبلة ، أو ليس البر العظيم الذي يحسن أن تذهلوا بشأنه عن غيره أمرها ، وقرأ حمزة وحفص { البر } بالنصب { ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر والملئكة والكتاب والنبيين } أي ولكن البر الذي ينبغي أن يهتم به بر من آمن بالله ، أو لكن ذا البر من آمن ، ويؤيده قراءة من قرأ ولكن «البار» . والأول أوفق وأحسن . والمراد بالكتاب الجنس ، أو القرآن . وقرأ نافع وابن عامر { ولكن } بالتخفيف ورفع { البر } . { وَآتَى المَالَ عَلى حُبِّهِ } أي على حب المال ، قال E لما سئل أي الصدقة أفضل قال : \" أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش ، وتخشى الفقر \" وقيل الضمير لله ، أو للمصدر . والجار والمجرور في موضع الحال . { ذَوِي القربى واليتامى } يريد المحاويج منهم ، ولم يقيد لعدم الالتباس . وقدم ذوي القربى لأن إيتاءهم أفضل كما قال E : \" صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذوي رحمك اثنتان ، صدقة وصلة \" { والمساكين } جمع المسكين وهو الذي أسكنته الخلة ، وأصله دائم السكون كالمسكير للدائم السكر . { وابن السبيل } المسافر ، سمي به لملازمته السبيل كما سمي القاطع ابن الطريق . وقيل الضيف لأن السبيل يرعف به . { والسائلين } الذين ألجأتهم الحاجة إلى السؤال ، وقال عليه السلام : \" للسائل حق وإن جاء على فرسه \" { وَفِي الرقاب } وفي تخليصها بمعاونة المكاتبين ، أو فك الأساري ، أو ابتياع الرقاب لعتقها . { وأَقامَ الصَّلاةَ } المفروضة . { وَآتَى الزَّكَاةَ } يحتمل أن يكون المقصود منه ومن قوله : { وَآتَى المَالَ } الزكاة المفروضة ، ولكن الغرض من الأول ببيان مصارفها ، ومن الثاني أداؤها والحث عليها . ويحتمل أن يكون المراد بالأول نوافل الصدقات أو حقوقاً كانت في المال سوى الزكاة .","part":1,"page":212},{"id":213,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء ، وكان لأحدهما طَول على الآخر ، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالأنثى . فلما جاء الإِسلام تحاكموا إلى رسول الله A فنزلت ، وأمرهم أن يتباوؤا . ولا تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد والذكر بالأنثى ، كما لا تدل على عكسه ، فإن المفهوم حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم وقد بيّنا ما كان الغرض وإنما منع مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما قتل الحر بالعبد سواء كان عبده أو عبد غيره ، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه « أن رجلاً قتل عبده فجلده الرسول A ونفاه سنة ولم يقده به . » وروي عنه أنه قال : من السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد ولا حر بعبد ولأن أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما ، كانا لا يقتلان الحر بالعبد بين أظهر الصحابة من غير نكير . وللقياس على الأطراف ، ومن سلم دلالته فليس له دعوى نسخه بقوله تعالى : { النفس بالنفس } لأنه حكاية ما في التوراة فلا ينسخ ما في القرآن . واحتجت الحنفية به على أن مقتضى العمد القود وحده ، وهو ضعيف إذ الواجب على التخيير يصدق عليه أنه وجب وكتب ، ولذلك قيل التخيير بين الواجب وغيره ليس نسخاً لوجوبه . وقرىء { كَتَبَ } على البناء للفاعل والقِصَاصَ بالنصب ، وكذلك كل فعل جاء في القرآن . { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْء } أي شيء من العفو ، لأن عفا لازم . وفائدته الإِشعار بأن بعض العفو كالعفو التام في إِسقاط القصاص . وقيل عفا بمعنى ترك ، وشيء مفعول به وهو ضعيف ، إذ لم يثبت عفا الشيء بمعنى تركه بل أعفاه . وعفا يعدى بعن إلى الجاني وإلى الذنب ، قال الله تعالى { عَفَا الله عَنكَ } وقال { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } فإذا عدي به إلى الذنب عدي إلى الجاني باللام وعليه ما في الآية كأنه قيل : فمن عفي له عن جنايته من جهة ، أخيه ، يعني ولي الدم . وذكره بلفظ الإِخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإِسلام ليرق له ويعطف عليه . { فاتباع بالمعروف وَأَدَاء إِلَيْهِ بإحسان } أي فليكن اتباع ، أو فالأمر اتباع . والمراد به وصية العافي بأن يطلب الدية بالمعروف فلا يعنف ، والمعفو عنه بأن يؤديها بالإِحسان : وهو أن لا يمطل ولا يبخس . وفيه دليل على أن الدية أحد مقتضى العمد ، وإلا لما رتب الأمر بأدائها على مطلق العفو . وللشافعي رضي الله تعالى عنه في المسألة قولان . { ذلك } أي الحكم المذكور في العفو والدية . { تَخْفِيفٌ مّن رَّبّكُمْ وَرَحْمَةٌ } لما فيه من التسهيل والنفع ، قيل كتب على اليهود القصاص وحده ، وعلى النصارى العفو مطلقاً . وخيرت هذه الأمة بينهما وبين الدية تيسيراً عليهم وتقديراً للحكم على حسب مراتبهم . { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } أي قتل بعد العفو وأخذ الدية . { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة . وقيل في الدنيا بأن يقتل لا محالة لقوله عليه السلام « لا أعافي أحداً قتل بعد أخذه الدية » .","part":1,"page":213},{"id":214,"text":"{ وَلَكُمْ فِي القصاص حياة } كلام في غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشيء محل ضده ، وعرف القصاص ونكر الحياة ، ليدل على أن في هذا الجنس من الحكم نوعاً من الحياة عظيماً ، وذلك لأن العلم به يردع القاتل عن القتل ، فيكون سبب حياة نفسين . ولأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، والجماعة بالواحد ، فتثور الفتنة بينهم . فإذا اقتص من القاتل سلم الباقون فيكون ذلك سبباً لحياتهم . وعلى الأول فيه إضمار وعلى الثاني تخصيص . وقيل : المراد بها الحياة الأخروية ، فإن القاتل إذا اقتص منه في الدنيا لم يؤاخذ به في الآخرة . { وَلَكُمْ فِي القصاص } يحتمل أن يكونا خبرين لحياة وأن يكون أحدهما خبراً والآخر صلة له ، أو حالاً من الضمير المستكن فيه . وقرىء في «القصص» أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة ، أو في القرآن حياة للقلوب . { يأُوْلِي الألباب } ذوي العقول الكاملة . ناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } في المحافظة على القصاص والحكم به والإِذعان له ، أو عن القصاص فتكفوا عن القتل .","part":1,"page":214},{"id":215,"text":"{ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } أي حضرت أسبابه وظهرت أماراته . { إِن تَرَكَ خَيْرًا } أي مالاً . وقيل مالاً كثيراً ، لما روي عن علي رضي الله تعالى عنه : أن مولى له أراد أن يوصي وله سبعمائة درهم ، فمنعه وقال : قال الله تعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } والخير هو المال الكثير . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : أن رجلاً أراد أن يوصي فسألته كم مالك ، فقال : ثلاثة آلاف فقالت : كم عيالك قال : أربعة قالت : إنما قال الله تعالى { إِن تَرَكَ خَيْرًا } وأن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك . { الوصية للوالدين والأقربين } مرفوع بكتب ، وتذكير فعلها للفصل ، أو على تأويل أن يوصي ، أو الإِيصاء ولذلك ذكر الراجع في قوله : { فَمَن بَدَّلَهُ } . والعامل في إذا مدلول كتب لا الوصية لتقدمه عليها . وقيل مبتدأ خبره { للوالدين } ، والجملة جواب الشرط بإضمار الفاء كقوله :\rمَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ الله يشكُرَها ... وَالشَّرُّ بِالشَّرِ عِنْدَ الله مِثْلانِ\rوَرُّدَّ بأنه إن صح فمن ضرورات الشعر . وكان هذا الحكم في بدء الإسلام فنسخ بآية المواريث وبقوله E « إن الله أعطى كل ذي حق حقه ، ألا لا وصية لوارث » . وفيه نظر : لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية مطلقاً ، والحديث من الآحاد ، وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر . ولعله احترز عنه من فسر الوصية بما أوصى به الله من توريث الوالدين والأقربين بقوله { يُوصِيكُمُ الله } . أو بإيصاء المحتضر لهم بتوفير ما أوصى به الله عليهم { بالمعروف } بالعدل فلا يفضل الغنى ، ولا يتجاوز الثلث . { حَقّا عَلَى المتقين } مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً .","part":1,"page":215},{"id":216,"text":"{ فَمَن بَدَّلَهُ } غيره من الأوصياء والشهود . { بَعْدمَا سَمِعَهُ } أي وصل إليه وتحقق عنده ، { فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدّلُونَهُ } فما إثم الإِيصاء المغير أو التبديل ، إلا على مبدليه لأنهم الذين حافوا وخالفوا الشرع . { إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعيد للمبدل بغير حق .","part":1,"page":216},{"id":217,"text":"{ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ } أي توقع وعلم ، من قولهم أخاف أن ترسل السماء . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر { مُّوصٍ } مشدداً . { جَنَفًا } ميلاً بالخطأ في الوصية . { أَوْ إِثْماً } تعمداً للحيف . { فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ } بين الموصى لهم بإجرائهم على نهج الشرع . { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } في هذا التبديل ، لأنه تبديل باطل إلى حق بخلاف الأول . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعد للمصلح ، وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الإِثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم .","part":1,"page":217},{"id":218,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ } يعني الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام ، وفيه توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب على النفس . والصوم في اللغة : الإِمساك عما تنازع إليه النفس ، وفي الشرع : الإِمساك عن المفطرات بياض النهار ، فإنها معظم ما تشتهيه النفس . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } المعاصي فإن الصوم يكسر الشهوة التي هي مبدؤها كما قال E « فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء » أو الإِخلال بأدائه لأصالته وقدمه .","part":1,"page":218},{"id":219,"text":"{ أَيَّامًا معدودات } مؤقتات بعدد معلوم ، أو قلائل . فإن القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلاً ، ونصبها ليس بالصيام لوقوع الفصل بينهما بل بإضمار صوموا لدلالة الصيام عليه ، والمراد به رمضان أو ما وجب صومه قبل وجوبه ونسخ به ، وهو عاشوراء أو ثلاثة أيام من كل شهر ، أو بكما كتب على الظرفية ، أو على أنه مفعول ثان ل { كُتِبَ عَلَيْكُمْ } على السعة . وقيل معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام ، لما روي : أن رمضان كتب على النصارى ، فوقع في برد أو حر شديد فحولوه إلى الربيع وزادوا عليه عشرين كفارة لتحويله . وقيل زادوا ذلك لموتان أصابهم . { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرضاً يضره الصوم أو يعسر معه . { أَوْ على سَفَرٍ } أو راكب سفر ، وفيه إيماء إلى أن من سافر أثناء اليوم لم يفطر . { فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } أي فعليه صوم عدد أيام المرض ، أو السفر من أيام أخر إن أفطر ، فحذف الشرط والمضاف والمضاف إليه للعلم بها . وقرىء بالنصب أي فليصم عدة ، وهذا على سبيل الرخصة . وقيل على الوجوب وإليه ذهب الظاهرية وبه قال أبو هريرة Bه { وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ } وعلى المطيقين للصيام إن أفطروا . { فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ } نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند فقهاء العراق ، ومد عند فقهاء الحجاز . رخص لهم في ذلك أول الأمر لما أمروا بالصوم فاشتد عليهم لأنهم لم يتعودوه ، ثم نسخ . وقرأ نافع وابن عامر برواية ابن ذكوان بإضافة الفدية إلى الطعام وجمع «المساكين» . وقرأ ابن عامر برواية هشام «مساكين» بغير إضافة الفدية إلى الطعام ، والباقون بغير إضافة وتوحيد مسكين ، وقرىء «يطوقونه» أي يكلفونه ويقلدونه في الطوق بمعنى الطاقة أو القلادة ويتطوقونه أي يتكلفونه ، أو يتقلدونه ويطوقونه بالإِدغام ، و «يطيقونه» و «يتطيقونه» على أن أصلهما يطوقونه من فيعل وتفيعل بمعنى يطوقونه ويتطوقونه ، وعلى هذه القراءات يحتمل معنى ثانياً وهو الرخصة لمن يتعبه الصوم ويجهده وهم الشيوخ والعجائز في الإِفطار والفدية ، فيكون ثابتاً وقد أول به القراءة المشهورة ، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم . { فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } فزاد في الفدية . { فَهُوَ } فالتطوع أو الخير . { خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ } أيها المطيقون ، أو المطوقون وجهدتم طاقتكم . أو المرخصون في الإِفطار ليندرج تحته المريض والمسافر . { خَيْرٌ لَّكُمْ } من الفدية أو تطوع الخير أو منهما ومن التأخير للقضاء . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما في الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة ، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله أي اخترتموه . وقيل معناه إن كنتم من أهل العلم والتدبر علمتم أن الصوم خير لكم من ذلك .","part":1,"page":219},{"id":220,"text":"{ شَهْرُ رَمَضَانَ } مبتدأ خبره ما بعده ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلكم شهر رمضان ، أو بدل من الصيام على حذف المضاف أي كتب عليكم الصيام صيام شهر رمضان . وقرىء بالنصب على إضمار صوموا ، أو على أنه مفعول ، { وَأَن تَصُومُواْ } وفيه ضعف ، أو بدل من أيام معدودوات . والشهر : من الشهرة ، ورمضان : مصدر رمض إذا احترق؛ فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون ، كما منع دأية في ابن دأية علماً للغراب للعلمية والتأنيث ، وقوله E : « من صام رمضان » فعلى حذف المضاف لأمن الالتباس ، وإنما سموه بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع والعطش ، أو لارتماض الذنوب فيه ، أو لوقوعه أيام رمض الحر حين ما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة . { الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن } أي ابتدىء فيه إنزاله ، وكان ذلك ليلة القدر ، أو أنزل فيه جملة إلى سماء الدنيا ثم نزل منجماً إلى الأرض ، أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } . وعن النبي A « نزلت صحف إبراهيم عليه السلام أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين ، والإِنجيل لثلاث عشرة ، والقرآن لأربع وعشرين » والموصول بصلته خبر المبتدأ أو صفته والخبر فمن شهد ، والفاء لوصف المبتدأ بما تضمن معنى الشرط . وفيه إشعار بأن الإنزال فيه سبب اختصاصه بوجوب الصوم . { هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } حالان من القرآن ، أن أنزل وهو هداية للناس بإعجازه وآيات واضحات مما يهدي إلى الحق ، ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والأحكام . { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } فمن حضر في الشهر ولم يكن مسافراً فليصم فيه ، والأصل فمن شهد فيه فليصم فيه ، لكن وضع المظهر موضع المضمر الأول للتعظيم ، ونصب على الظرف وحذف الجار ونصب الضمير الثاني على الاتساع . وقيل : { فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ } هلال الشهر فليصمه ، على أنه مفعول به كقولك : شهدت الجمعة أي صلاتها فيكون { وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } مخصصاً له ، لأن المسافر والمريض ممن شهد الشهر ولعل تكريره لذلك ، أو لئلا يتوهم نسخه كما نسخ قرينه . { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } أي يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر ، فلذلك أباح الفطر في السفر والمرض . { وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علل لفعل محذوف دل عليه ما سبق ، أي وشرع جملة ما ذكر من أمر الشاهد يصوم الشهر والمرخص بالقضاء ومراعاة عدة ما أفطر فيه ، والترخيص { لتكملوا العدة } إلى آخرها على سبيل اللف ، فإن قوله { وَلِتُكْمِلُواْ العدة } علة الأمر بمراعاة العدة ، { وَلِتُكَبّرُواْ الله } علة الأمر بالقضاء وبيان كيفيته ، { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } علة الترخيص والتيسير . أو الأفعال كل لفعله ، أو معطوفة على علة مقدرة مثل ليسهل عليكم ، أو لتعلموا ما تعلمون ولتكملوا العدة ، ويجوز أن يعطف على اليسر أي ويريد بكم لتكملوا كقوله تعالى : { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله } والمعنى بالتكبير تعظيم الله بالحمد والثناء عليه ، ولذلك عدى بعلى . وقيل تكبير يوم الفطر ، وقيل التكبير عند الإهلال وما يحتمل المصدر ، والخبر أي الذي هداكم إليه وعن عاصم برواية أبي بكر { وَلِتُكْمِّلُواْ } بالتشديد .","part":1,"page":220},{"id":221,"text":"{ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ } أي فقل لهم إني قريب ، وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم واطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم ، روي : أن أعرابياً قال لرسول الله A أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت { أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ } تقرير للقرب . ووعد للداعي بالإجابة . { فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي } إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أجيبهم إذا دعوني لمهماتهم { وَلْيُؤْمِنُواْ بِي } أمر بالثبات والمداومة عليه . { لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } راجين إصابة الرشد وهو إصابة الحق . وقرىء بفتح الشين وكسرها . واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة ، وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر ، عقبه بهذه الآية الدالة على أنه تعالى خبير بأحوالهم ، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم ، مجازيهم على أعمالهم تأكيداً له وحثاً عليه ، ثم بين أحكام الصوم فقال : { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ } روي أن المسلمين كانوا إذا أمسوا حل لهم الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلوا العشاء الآخرة أو يرقدوا ، ثم : إن عمر Bه باشر بعد العشاء فندم وأتى النبي A واعتذر إليه ، فقام رجال واعترفوا بما صنعوا بعد العشاء فنزلت وليلة الصيام : الليلة التي تصبح منها صائماً ، والرفث : كناية عن الجماع ، لأنه لا يكاد يخلو من رفث وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه ، وعدي بإلى لتضمنه معنى الإفضاء ، وإيثاره ههنا لتقبيح ما ارتكبوه ولذلك سماه خيانة . وقرىء الرفوث { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } استئناف يبين سبب الإِحلال وهو قلة الصبر عنهن ، وصعوبة اجتنابهن لكثرة المخالطة وشدة الملابسة ، ولما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل منهما على صاحبه شبه باللباس قال الجعدي :\rإِذَا مَا الضجِيعُ ثَنَّى عِطْفَهَا ... تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا\rأو لأن كل واحد منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور . { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ } تظلمونها بتعريضها للعقاب ، وتنقيص حظها من الثواب ، والاختيان أبلغ من الخيانة كالاكتساب من الكسب . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } لما تبتم مما اقترفتموه . { وَعَفَا عَنكُمْ } ومحا عنكم أثره . { فالن باشروهن } لما نسخ عنكم التحريم وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالقرآن ، والمباشرة : إلزاق البشرة بالبشرة كني به عن الجماع . { وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ } واطلبوا ما قدره لكم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد ، والمعنى أن المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد فإنه الحكمة من خلق الشهوة . وشرع النكاح لاقضاء الوطر ، وقيل النهي عن العزل ، وقيل عن غير المأتي . والتقدير وابتغوا المحل الذي كتب الله لكم . { وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر } شبه أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل ، بخيطين أبيض وأسود ، واكتفى ببيان الخيط الأبيض بقوله { مِنَ الفجر } عن بيان { الخيط الأسود } ، لدلالته عليه .","part":1,"page":221},{"id":222,"text":"وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل . ويجوز أن تكون من للتبعيض ، فإن ما يبدو بعض الفجر . وما روي أنها نزلت ولم ينزل من الفجر ، فعمد رجال إلى خيطين أسود وأبيض ولا يزالون يأكلون ويشربون حتى يتبينا لهم فنزلت ، إن صح فلعله كان قبل دخول رمضان وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائزة ، أو أكتفي أولاً باشتهارهما في ذلك ثم صرح بالبيان لما التبس على بعضهم وفي تجويز المباشرة إلى الصبح الدلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة صوم المصبح جنباً { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل } بيان لآخر وقته ، الليل عنه فينبفي صوم الوصال { وَلاَ تباشروهن وَأَنتُمْ عاكفون فِي المساجد } معتكفون فيها والاعتكاف هي : اللبث في المسجد بقصد القربة . والمراد بالمباشرة : الوطء . وعن قتادة كان الرجل يعتكف فيخرج إلى امرأته فيباشرها ثم يرجع فنهوا عن ذلك . وفي دليل على أن الاعتكاف يكون في المسجد ولا يختص بمسجد دون مسجد . وأن الوطء يحرم فيه ويفسده لأن النهي في العبادات يوجب الفساد . { تِلْكَ حُدُودُ الله } أي الأحكام التي ذكرت . { فَلاَ تَقْرَبُوهَا } نهى أن يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يداني الباطل ، فضلاً عن أن يتخطى عنه . كما قال E «إن لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» . وهو أبلغ من قوله { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } ويجوز أن يريد ب { حُدُودَ الله } محارمه ومناهيه . { كذلك } مثل ذلك التبيين { يُبَيّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مخالفة الأوامر والنواهي .","part":1,"page":222},{"id":223,"text":"{ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل } أي ولا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذي لم يبحه الله تعالى . وبين نصب على الظرف ، أو الحال من الأموال . { وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الحكام } عطف على المنهي ، أو نصب بإضمار أن والإدلاء الإلقاء ، أي ولا تلقوا حكومتها إلى الحكام . { لِتَأْكُلُواْ } بالتحاكم . { فَرِيقاً } طائفة . { مّنْ أَمْوَالِ الناس بالإثم } بما يوجب إثماً ، كشهادة الزور واليمين الكاذبة ، أو ملتبسين بالإثم . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم مبطلون ، فإن ارتكاب المعصية مع العلم بها أقبح . روي أن عبدان الحضرمي ادعى على امرىء القيس الكندي قطعة من أرض ولم يكن له بينة ، فحكم رسول الله A بأن يحلف امرؤ القيس ، فهم به فقرأ رسول الله A : { إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا } الآية . فارتدع عن اليمين ، وسلم الأرض إلى عبدان ، فنزلت . وفيه دليل على أن حكم القاضي لا ينفذ باطناً ، ويؤيده قوله E « إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي . ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو ما أسمع منه ، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقضي له قطعة من نار » .","part":1,"page":223},{"id":224,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأهلة } سأله معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم فقالا : ( ما بال الهلال يبدو دقيقاً كالخيط ، ثم يزيد حتى يستوي ، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا ) { قُلْ هِىَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والحج } فإنهم سألوا عن الحكمة في اختلاف حال القمر وتبدل أمره ، فأمره الله أن يجيب بأن الحكمة الظاهرة في ذلك أن تكون معالم للناس يؤقتون بها أمورهم ، ومعالم للعبادات المؤقتة يعرف بها أوقاتها . وخصوصاً الحج فإن الوقت مراعي فيه أداء وقضاء . والمواقيت : جمع ميقات ، من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان : أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها . والزمان : مدة مقسومة ، والوقت : الزمان المفروض لأمر . { وَلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } وقرأ أبو عمرو وورش وحفص بضم الباء ، والباقون بالكسر . { ولكن البر مَنِ اتقى } وقرأ نافع وابن عامر بتخفيف { ولكن } ، ورفع { البر } . كانت الأنصار إذا أحرموا لم يدخلوا داراً ولا فسطاطاً من بابه ، وإنما يدخلون من نقب أو فرجة وراءه ، ويعدون ذلك براً ، فبين لهم أنه ليس ببر وإنما البر من اتقى المحارم والشهوات ، ووجه اتصاله بما قبله أنهم سألوا عن الأمرين . أو أنه لما ذكر أنها مواقيت الحج وهذا أيضاً من أفعالهم في الحج ذكره للاستطراد ، أو أنهم لما سألوا عمّا لا يعنيهم ولا يتعلق بعلم النبوة وتركوا السؤال عما يعنيهم ويختص بعلم النبوة ، عقب بذكره جواب ما سألوه تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يسألوا أمثال ذلك ويهتموا بالعلم بها ، أو أن المراد به التنبيه على تعكيسهم في السؤال بتمثيل حالهم بحال من ترك باب البيت ودخل من ورائه . والمعنى : وليس البر بأن تعكسوا مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك ولم يجسر على مثله . { وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها } إذ ليس في العدول بر فباشروا الأمور من وجوهها . { واتقوا الله } في تغيير أحكامه والاعتراض على أفعاله . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تظفروا بالهدى والبر .","part":1,"page":224},{"id":225,"text":"{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } جاهدوا لإعلاء كلمته وإعزاز دينه . { الذين يقاتلونكم } قيل : كان ذلك قبل أن أمروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين . وقيل معناه الذين يناصبونكم القتال ويتوقع منهم ذلك دون غيرهم من المشايخ والصبيان والرهبان والنساء ، أو الكفرة كلهم فإنهم بصدد قتال المسلمين وعلى قصده . ويؤيد الأول ما روى : أن المشركين صدوا رسول الله A عام الحديبية ، وصالحوه على أن يرجع من قابل فيخلوا له مكة شرفها الله ثلاثة أيام ، فرجع لعمرة القضاء وخاف المسلمون أن لا يوفوا لهم ويقاتلوهم في الحرم . أو الشهر الحرام وكرهوا ذلك فنزلت { وَلاَ تَعْتَدُواْ } بابتداء القتال ، أو بقتال المعاهد ، أو المفاجأة به من غير دعوة ، أو المثلة ، أو قتل من نهيتم عن قتله . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } لا يريد بهم الخير .","part":1,"page":225},{"id":226,"text":"{ واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } حيث وجدتموهم في حل أو حرم . وأصل الثقف : الحذق في إدراك الشيء علماً كان أو عملاً . فهو يتضمن معنى الغلبة ولذلك استعمل فيها قال :\rفأمَّا تَثْقِفُوني فَاقتُلُوني ... فَمَنْ أُثْقُفْ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ\r{ وَأَخْرِجُوهُمْ مّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ } أي من مكة ، وقد فعل ذلك بمن لم يسلم يوم الفتح . { والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل } أي المحنة التي يفتتن بها الإنسان ، كالإخراج من الوطن أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها . وقيل : معناه شركهم في الحرم وصدهم إياكم عنه أشد من قتلكم إياهم فيه . { وَلاَ تقاتلوهم عِندَ المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فِيهِ } أي لا تفاتحوهم بالقتال وهتك حرمة المسجد الحرام . { فَإِن قاتلوكم فاقتلوهم } فلا تبالوا بقتالهم ثم فإنهم الذين هتكوا حرمته . وقرأ حمزة والكسائي { وَلاَ تقاتلوهم حتى يقاتلوكم فِيهِ فَإِن قاتلوكم } . والمعنى حتى يقتلوا بعضكم كقولهم قتلنا بنو أسد . { كذلك جَزَاء الكافرين } مثل ذلك جزاؤهم يفعل بهم مثل ما فعلوا .","part":1,"page":226},{"id":227,"text":"{ فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن القتال والكفر { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهم ما قد سلف { وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } شرك { وَيَكُونَ الدين للَّهِ } خالصاً له ليس للشيطان فيه نصيب . { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الشرك . { فَلاَ عدوان إِلاَّ عَلَى الظالمين } أي فلا تعتدوا على المنتهين إذ لا يحسن أن يظلم إلا من ظلم ، فوضع العلة موضع الحكم . وسمي جزاء الظلم باسمه للمشاكلة كقوله : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } أو أنكم إن تعرضتم للمنتهين صرتم ظالمين وينعكس الأمر عليكم ، والفاء الأولى للتعقيب والثانية للجزاء .","part":1,"page":227},{"id":228,"text":"{ الشهر الحرام بالشهر الحرام } قاتلهم المشركون عام الحديبية في ذي القعدة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه ، وكرهوا أن يقاتلوهم فيه لحرمته فقيل لهم هذا الشهر بذاك وهتكه بهتكه فلا تبالوا به . { والحرمات قِصَاصٌ } احتجاج عليه ، أي كل حرمة وهو ما يجب أن يحافظ عليها يجري فيها القصاص . فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد فافعلوا بهم مثله ، وادخلوا عليهم عنوة واقتلوهم إن قاتلوكم . كما قال : { فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ } وهو فذلكة التقرير . { واتقوا الله } في الأنصار ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم . { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } فيحرسهم ويصلح شأنهم .","part":1,"page":228},{"id":229,"text":"{ وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } ولا تمسكوا كل الإِمساك . { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } بالإسراف وتضييع وجه المعاش ، أو بالكف عن الغزو والإِنفاق فيه ، فإن ذلك يقوي العدو ويسلطهم على إهلاكهم . ويؤيده ما روي عن أبي أيوب الأنصاري Bه أنه قال : لما أعز الله الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا نقيم فيها ونصلحها فنزلت ، أو بالإمساك وحب المال فإنه يؤدي إلى الهلاك المؤبد ، ولذلك سمي البخل هلاكاً وهو في الأصل انتهاء الشيء في الفساد ، والإِلقاء : طرح الشيء ، وعدى بإلى لتضمن معنى الانتهاء ، والباء مزيدة والمراد بالأيدي الأنفس ، والتهلكة والهلاك والهلك واحد فهي مصدر كالتضرة والتسرة ، أي لا توقعوا أنفسكم في الهلاك وقيل : معناه لا تجعلوها آخذة بأيديكم ، أو لا تلقوا بأيديكم أنفسكم إليها فحذف المفعول . { وَأَحْسِنُواْ } أعمالكم وأخلاقكم ، أو تفضلوا على المحاويج . { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } { وَأَتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله } أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى ، وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ { وَأَقِيمُواْ الحج والعمرة لِلَّهِ } ، وما روى جابر رضي الله تعالى عنه «أنه قيل يا رسول الله العمرة واجبة مثل الحج ، فقال : \" لا ولكن إن تعتمر خير لك \" فمعارض بما روي «أن رجلاً قال لعمر رضي الله تعالى عنه ، إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليَّ أهللت بهما جميعاً ، فقال : هديت لسنة نبيك» ولا يقال إنه فسر وجد أنهما مكتوبين بقوله أهللت بهما فجاز أن يكون الوجوب بسبب إهلاله بهما ، لأنه رتب الإِهلال على الوجدان وذلك يدل على أنه سبب الإِهلال دون العكس . وقيل إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك ، أو أن تفرد لكل منهما سفراً ، أو أن تجرده لهما لا تشوبهما بغرض دنيوي ، أو أن تكون النفقة حلالاً . { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ } منعتم ، يقال حصره العدو وأحصره إذا حبسه ومنعه عن المضي ، مثل صده وأصده ، والمراد حصر العدو عند مالك والشافعي رحمهما الله تعالى لقوله تعالى : { فَإِذَا أَمِنتُمْ } ولنزوله في الحديبية ، ولقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا حصر إلا حصر العدو وكل منع من عدو أو مرض أو غيرهما عند أبي حنيفة C تعالى ، لما روي عنه E \" من كسر أو عرج فقد حل فعليه الحج من قابل \" وهو ضعيف مؤول بما إذا شرط الإِحلال به لقوله E لضباعة بنت الزبير \" حجي واشترطي وقولي : اللهم محلي حيث حبستني \" { فَمَا استيسر مِنَ الهدي } فعليكم ما استيسر ، أو فالواجب ما استيسر . أو فاهدوا ما استيسر . والمعنى إن أحصر المحرم وأراد أن يتحلل تحلل بذبح هدي تيسر عليه ، من بدنة أو بقرة أو شاة حيث أحصر عند الأكثر .","part":1,"page":229},{"id":230,"text":"لأنه E ذبح عام الحديبية بها وهي من الحل ، وعند أبي حنيفة C تعالى يبعث به ، ويجعل للمبعوث على يده يوم أمار فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل لقوله تعالى : { وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءوسَكُمْ حتى يَبْلُغَ الهدي مَحِلَّهُ } أي لا تحلوا حتى تعلموا أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ محله أي مكانه الذي يجب أن ينحر فيه ، وحمل الأولون بلوغ الهدي محله على ذبحه حيث يحل الذبح فيه حلاً كان أو حرماً ، واقتصاره على الهدي دليل على عدم القضاء . وقال أبو حنيفة C تعالى يجب القضاء ، والمحل بالكسر يطلق على المكان والزمان . والهدي : جمع هدية كجدي وجدية ، وقرىء { مِنَ الهدىي } جمع هدية كمطى في مطية { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا } مرضاً يحوجه إلى الحلق . { أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ } كجراحة وقمل . { فَفِدْيَةٌ } فعلية فدية إن حلق . { مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } بيان لجنس الفدية ، وأما قدرها فقد روي أنه E قال لكعب بن عجرة « لعلك آذاك هَوَامُكَ ، قال : نعم يا رسول الله قال : احلق وصم ثلاثة أيام أو تصدق بفرق على ستة مساكين أو انسك شاة » والفرق ثلاثة آصع { فَإِذَا أَمِنتُمْ } الإِحصار . أو كنتم في حال سعة وأمن . { فَمَن تَمَتَّعَ بالعمرة إِلَى الحج } فَمن استمتع وانتفع بالتقرب إلى الله بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره . وقيل : فمن استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإِحرام إلى أن يحرم بالحج . { فَمَا استيسر مِنَ الهدي } فعليه دم استيسره بسبب التمتع ، فهو دم جبر أن يذبحه إذا أحرم بالحج ولا يأكل منه . وقال أبو حنيفة C تعالى ، إنه دم نسك فهو كالأضحية { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي الهَدي . { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ فِي الحج } في أيام الاشتغال به بعد الإِحرام وقبل التحلل . قال أبو حنيفة C في أشهره بين الإحرامين ، والأَحب أن يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه . ولا يجوز صوم يوم النحر وأيام التشريق عند الأكثرين . { وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ } إلى أهليكم وهو أحد قولي الشافعي رضي الله تعالى عنه ، أو نفرتم وفرغتم من أعماله وهو قوله الثاني ومذهب أبي حنيفة C تعالى . وقرىء { سَبْعَة } بالنصب عطفاً على محل { ثلاثة أَيَّامٍ } . { تِلْكَ عَشَرَةً } فذلكة الحساب ، وفائدتها أن لا يتوهم متوهم أن الواو بمعنى أو ، كقولك جالس الحسن وابن سيرين . وأن يعلم العدد جملة كما علم تفصيلاً فإن أكثر العرب لم يحسنوا الحساب ، وأن المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فإنه يطلق لهما { كَامِلَةٌ } صفة مؤكدة تفيد المبالغة في محافظة العدد ، أو مبينة كمال العشرة فإنه أول عدد كامل إذ به تنتهي الآحاد وتتم مراتبها ، أو مقيدة تقيد كمال بدليتها من الهدي .","part":1,"page":230},{"id":231,"text":"{ ذلك } إشارة إلى الحكم المذكور عندنا . والتمتع عند أبي حنيفة C تعالى لأنه لا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام عنده ، فمن فعل ذلك أي التمتع منهم فعليه دم جناية . { لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المسجد الحرام } وهو من كان من الحرم على مسافة القصر عندنا ، فإن من كان على أقل فهو مقيم في الحرم ، أو في حكمه . ومن مسكنه وراء الميقات عنده وأهل الحل عند طاوس وغير المكي عند مالك . { واتقوا الله } في المحافظة على أوامره ونواهيه وخصوصاً في الحج { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن لم يتقه كي يصدكم للعلم به عن العصيان . { الحج أَشْهُرٌ } أي وقته . كقولك البرد شهران . { معلومات } معروفات وهي : شوال وذو القعدة وتسعة من ذي الحجة بليلة النحر عندنا ، والعشر عند أبي حنيفة C تعالى . وذي الحجة كله عند مالك . وبناء على الخلاف على أن المراد بوقته وقت إحرامه ، أو وقت أعماله ومناسكه ، أو ما لا يحسن فيه غيره من المناسك مطلقاً ، فإن مالكاً كره العمرة في بقية ذي الحجة . وأبو حنيفة C وإن صح الإِحرام به قبل شوال فقد استكرهه . وإنما سمي شهران وبعض شهر أشهراً إقامة للبعض مقام الكل ، أو إطلاقاً للجمع على ما فوق الواحد . { فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحج } فمن أوجبه على نفسه بالإحرام فيهن عندنا ، أو بالتلبية أو سوق الهدي عند أبي حنيفة C تعالى وهو دليل على ما ذهب إليه الشافعي C تعالى وأن من أحرم بالحج لزمه الإِتمام . { فَلاَ رَفَثَ } فلا جماع ، أو فلا فحش من الكلام . { وَلاَ فُسُوقَ } ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات . { وَلاَ جِدَالَ } ولا مراء مع الخدم والرفقة . { فِي الحج } في أيامه ، نفي الثلاثة على قصد النهي للمبالغة وللدلالة على أنها حقيقة بأن لا تكون ، وما كانت منها مستقبحة في أنفسها ففي الحج أقبح كلبسة الحرير في الصلاة . والتطريب بقراءة القرآن لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأولين بالرفع على معنى : لا يكونن رفث ولا فسوق . والثالث بالفتح على معنى إلا خبار بانتفاء الخلاف في الحج ، وذلك أن قريشاً كانت تحالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام ، فارتفع الخلاف بأن أمروا أن يقعوا أيضاً بعرفة . { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ الله } حث على الخير عقب به النهي عن الشر ليستدل به ويستعمل مكانه . { وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى } وتزودوا لمعادكم التقوى فإنه خير زاد ، وقيل : نزلت في أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن متوكلون فيكونون كلا على الناس ، فأمروا أن يتزودوا ويتقوا الإِبرام في السؤال والتثقيل على الناس .","part":1,"page":231},{"id":232,"text":"{ واتقون يأُوْلِي الألباب } فإن قضية اللب خشية الله وتقواه ، حثهم على التقوى ثم أمرهم بأن يكون المقصود بها هو الله تعالى فيتبرأ من كل شيء سواه ، وهو مقتضى العقل المعري عن شوائب الهوى فلذلك خص أولي الألباب بهذا الخطاب .\r{ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ } أي في أن تبتغوا أي تطلبوا . { فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } عطاء ورزقاً منه ، يريد الربح بالتجارة ، وقيل : كان عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يقيمونها مواسم الحج ، وكانت معايشهم منها ، فلما جاء الإسلام تأثموا منه فنزلت . { فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات } دفعتم منها بكثرة ، من أفضت الماء إذا صببته بكثرة . وأصله أفضتم أنفسكم فحذف المفعول كما حذف في دفعت من البصرة . و { عرفات } جمع سمي به كأذرعات ، وإنما نون وكسر وفيه العلمية والتأنيث لأن تنوين الجمع تنوين المقابلة لا تنوين التمكين ولذلك يجمع مع اللام ، وذهاب الكسرة تبع ذهاب التنوين من غير عوض لعدم الصرف ، وهنا ليس كذلك . أو لأن التأنيث إما أن يكون بالتاء المذكورة وهي ليست تاء تأنيث . وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ، أو بتاء مقدرة كما في سعاد ولا يصح تقديرها لأن المذكورة تمنعه من حيث إنها كالبدل لها لاختصاصها بالمأنث كتاء بنت ، وإنما سمي الموقف عرفة لأنه نعت لإِبراهيم E ، فلما أبصره عرفه أو لأن جبريل عليه السلام كان يدور به في المشاعر فلما أراه إياه قال قد عرفت ، أو لأن آدم وحواء التقيا فيه فتعارفا . أو لأن الناس يتعارفون فيه . وعرفات للمبالغة في ذلك وهي من الأسماء المرتجلة إلا أن يجعل جمع عارف ، وفيه دليل على وجوب الوقوف بها لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده وهي مأمور بها بقوله تعالى : { ثُمَّ أَفِيضُواْ } أو مقدمة للذكر المأمور به وفيه نظر إذ الذكر غير واجب بل مستحب . وعلى تقدير أنه واجب فهو واجب مقيد لا واجب مطلق حتى تجب مقدمته والأمر به غير مطلق . { فاذكروا الله } بالتلبية والتهليل والدعاء . وقيل : بصلاة العشاءين . { عِندَ المشعر الحرام } جبل يقف عليه الإمام ويسمى «قزح» . وقيل : ما بين مأزمي عرفة ووادي محسر ، ويؤيد الأول ما روي جابر : أنه E لما صلى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس ، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ، ولم يزل واقفاً حتى أسفر وإنما سمي مشعراً لأنه معلم العبادة ، ووصف بالحرام لحرمته : ومعنى عند المشعر الحرام : مما يليه ويقرب منه فإنه أفضل ، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر . { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } كما علمكم ، أو اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة إلى المناسك وغيرها . وما مصدرية أو كافة . { وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ } أي الهُدى .","part":1,"page":232},{"id":233,"text":"{ لَمِنَ الضالين } أي الجاهلين بالإيمان والطاعة ، وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة . وقيل؛ إن نافية واللام بمعنى إلا ، كقوله تعالى : { وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين } { ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس } أي من عرفة لا من المزدلفة ، والخطاب مع قريش كانوا يقفون بجمع وسائر الناس بعرفة ويرون ذلك ترفعاً عليهم ، فأمروا بأن يساووهم . وثم لتفاوت ما بين الإِفاضتين كما في قولك أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم . وقيل : من المزدلفة إلى منى بعد الإِفاضة من عرفة إليها والخطاب عام . وقرىء { الناس } بالكسر أي الناسي يريد آدم من قوله سبحانه وتعالى : { فَنَسِيَ } والمعنى أن الإِفاضة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه . { واستغفروا الله } من جاهليتكم في تغيير المناسك ونحوه . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه .","part":1,"page":233},{"id":234,"text":"{ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم } فإذا قضيتم العبادات الحجية وفرغتم منها . { فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ } فاكثروا ذكره وبالغوا فيه كما تفعلون بذكر آبائكم في المفاخرة . وكانت العرب إذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل فيذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن أيامهم . { أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } إما مجرور معطوف على الذكر يجعل الذكر ذاكراً على المجاز والمعنى : فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو كذكر أشد منه وأبلغ . أو على ما أضيف إليه على ضعف بمعنى أو كذكر قوم أشد منكم ذكراً . وإما منصوب بالعطف على آباءكم وذكراً من فعل المذكور بمعنى أو كذكركم أشد مذكورية من آبائكم . أم بمضمر دل عليه المعنى تقديره : أو كونوا أشد ذكراً لله منكم آبائكم . { فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ } تفصيل للذاكرين إلى مقل لا يطلب بذكر الله تعالى إلا الدنيا ومكثر يطلب به خير الدارين ، والمراد الحث على الإكثار والإِرشاد إليه . { رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا } اجعل إيتاءنا ومنحتنا في الدنيا { وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خلاق } أي نصيب وحظ لأن همه مقصور بالدنيا ، أو من طلب خلاق .","part":1,"page":234},{"id":235,"text":"{ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً } يعني الصحة والكفاف وتوفيق الخير . { وَفِي الآخرة حَسَنَةً } يعني الثواب والرحمة . { وَقِنَا عَذَابَ النار } بالعفو والمغفرة ، وقول علي رضي الله تعالى عنه : الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة ، وفي الآخرة الحوراء . وعذاب النار المرأة السوء وقول الحسن : الحسنة في الدنيا العلم والعبادة ، وفي الآخرة الجنة . وقنا عذاب النار معناه احفظنا من الشهوات والذنوب والمؤدية إلى النار أمثلة للمراد بها .","part":1,"page":235},{"id":236,"text":"{ أولئك } إشارة إلى الفريق الثاني . وقيل إليهما . { لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ } أي من جنسه وهو جزاؤه ، أو من أجله كقوله تعالى : { مّمَّا خطيئاتهم أُغْرِقُواْ } أو مما دعوا به نعطيهم منه ما قدرناه فسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال . { والله سَرِيعُ الحساب } يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة أعمالهم في مقدار لمحة ، أو يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب الناس فبادروا إلى الطاعات واكتسبوا الحسنات .","part":1,"page":236},{"id":237,"text":"{ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات } كبروه في أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في أيام التشريق . { فَمَن تَعَجَّلَ } فمن استعجل النفر . { فِي يَوْمَيْنِ } يوم القر والذي بعده ، أي فمن نفر في ثاني أيام التشريق بعد رمي الجمار عندنا ، وقبل طلوع الفجر عند أبي حنيفة . { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } باستعجاله . { وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ومن تأخر في النفر حتى رمى في اليوم الثالث بعد الزوال ، وقال أبو حنيفة : يجوز تقديم رميه على الزوال . ومعنى نفي الإِثم بالتعجيل والتأخير التخيير بينهما والرد على أهل الجاهلية فإن منهم من أثم المتعجل ومنهم من أثم المتأخر . { لِمَنِ اتقى } أي الذي ذكر من التخيير ، أو من الأحكام لمن اتقى لأنه الحاج على الحقيقة والمنتفع به ، أو لأجله حتى لا يتضرر بترك ما يهمه منهما . { واتقوا الله } في مجامع أموركم ليعبأ بكم . { واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للجزاء بعد الإِحياء . وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق .","part":1,"page":237},{"id":238,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ } يروقك ويعظم في نفسك ، والتعجب : حيرة تعرض للإِنسان لجهله بسبب المتعجب منه . { في الحيَاةِ الدُّنْيَا } متعلق بالقول ، أي ما يقوله في أمور الدنيا وأسباب المعاش ، أو في معنى الدنيا فإنها مراد من إدعاء المحبة وإظهار الإيمان ، أو يعجبك أي يعجبك قوله في الدنيا حلاوة وفصاحة ولا يعجبك في الآخرة لما يعتريه من الدهشة والحبسة ، أو لأنه لا يؤذن له في الكلام . { وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ } يحلف ويستشهد الله على أن ما في قلبه موافق لكلامه . { وَهُوَ أَلَدُّ الخصام } شديد العداوة والجدال للمسلمين ، والخصام المخاصمة ويجوز أن يكون جمع خصم كصعب وصعاب بمعنى أشد الخصوم خصومة . قيل نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالي رسول الله A ويدعي الإِسلام . وقيل في المنافقين كلهم .","part":1,"page":238},{"id":239,"text":"{ وَإِذَا تولى } أدبر وانصرف عنك . وقيل : إذا غلب وصار والياً . { سعى فِى الأرض لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل } كما فعله الأخنس بثقيف إذ بيتهم وأحرق زروعهم وأهلك مواشيهم ، أو كما يفعله ولاة السوء بالقتل والإِتلاف ، أو بالظلم حتى يمنع الله بشؤمه القطر فيهلك الحرث والنسل . { والله لاَ يُحِبُّ الفساد } لا يرتضيه فاحذروا غضبه عليه .","part":1,"page":239},{"id":240,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم } حملته الأنفة وحمية الجاهلية على الإِثم الذي يؤمر باتقانه لجاجاً ، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه . { فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ } كفته جزاءً وعذاباً ، و { جَهَنَّمَ } علم لدار العقاب وهو في الأصل مرادف للنار . وقيل معرب . { وَلَبِئْسَ المهاد } جواب قسم مقدر والمخصوص بالذم محذوف للعلم به ، والمهاد الفراش . وقيل ما يوطأ للجنب .","part":1,"page":240},{"id":241,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يَشْرِى نَفْسَهُ } يبيعها أي يبذلها في الجهاد ، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر حتى يُقتل { ابتغاء مَرْضَاتَ الله } طلباً لرضاه . قيل : إنها نزلت في صهيب بن سنان الرومي ، أخذه المشركون وعذبوه ليرتد فقال : إني شيخ كبير لا ينفعكم إن كنتُ معكم ولا يضركم إن كنت عليكم فخلوني وما أنا عليه وخذوا مالي فقبلوه منه وأتى المدينة . { والله رَءوفٌ بالعباد } حيث أرشدهم إلى مثل هذا الشراء وكلفهم بالجهاد فعرضهم لثواب الغزاة والشهداء . { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ ادخلوا فِي السلم كَافَّةً } { السلم } بالكسر والفتح الاستسلام والطاعة ، ولذلك يطلق في الصلح والإِسلام . فتحه ابن كثير ونافع والكسائي وكسره الباقون . وكافة اسم للجملة لأنها تكف الأجزاء من التفرق حال من الضمير أو السلم لأنها تؤنث كالحرب قال :\rالسِّلْمُ تَأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِه ... وَالحَرْبُ يَكْفِيْكَ مِنْ أَنَفَاسِهَا جُرَعُ\rوالمعنى استسلموا لله وأطيعوه جملة ظاهراً وباطناً ، والخطاب للمنافقين ، أو ادخلوا في الإسلام بكليتكم ولا تخلطوا به غيره . والخطاب لمؤمني أهل الكتاب ، فإنهم بعد إسلامهم عظموا السبت وحرموا الإِبل وألبانها ، أو في شرائع الله كلها بالإيمان بالأنبياء والكتب جميعاً والخطاب لأهل الكتاب ، أو في شعب الإِسلام وأحكامه كلها فلا تخلوا بشيء والخطاب للمسلمين . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } بالتفرق والتفريق . { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة .","part":1,"page":241},{"id":242,"text":"{ فَإِن زَلَلْتُمْ } عن الدخول في السلم . { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات } الآيات والحجج الشاهدة على أنه الحق . { فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجزه الانتقام . { حَكِيمٌ } لا ينتقم إلا بحق .","part":1,"page":242},{"id":243,"text":"{ هَلْ يَنظُرُونَ } استفهام في معنى النفي ولذلك جاء بعده . { إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله } أي يأتيهم أمره أو بأسه كقوله تعالى : { أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبّكَ } { فَجَاءهَا بَأْسُنَا } أو يأتيهم الله ببأسه فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله تعالى : { أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } { فِي ظُلَلٍ } جمع ظلة كقلة وقلل وهي ما أظلك ، وقرىء «ظلال» كقلال . { مّنَ الغمام } السحاب الأبيض وإنما يأتيهم العذاب فيه لأنه مظنة الرحمة ، فإذا جاء منه العذاب كان أفظع لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أصعب فكيف إذا جاء من حيث يحتسب الخير . { والملئكة } فإنهم الواسطة في إتيان أمره ، أو الآتون على الحقيقة ببأسه . وقرىء بالجر عطفاً على { ظُلَلٌ } أو { الغمام } . { وَقُضِيَ الأمر } أتم أمر إهلاكهم وفرغ منه ، وضع الماضي موضع المستقبل لدنوه وتيقن وقوعه . وقرىء و «قضاء الأمر» عطفاً على الملائكة . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم على البناء للمفعول على أنه من الراجع ، وقرأ الباقون على البناء للفاعل بالتأنيث غير يعقوب على أنه من الرجوع ، وقرىء أيضاً بالتذكير وبناء المفعول .","part":1,"page":243},{"id":244,"text":"{ سَلْ بَنِي إسراءيل } أمر للرسول A ، أو لكل أحد والمراد بهذا السؤال تقريعهم . { كَمْ آتيناهم مّنْ آيَةٍ بَيّنَةٍ } معجزة ظاهرة ، أو آية في الكتب شاهدة على الحق والصواب على أيدي الأنبياء ، و { كَمْ } خبرية أو استفهامية مقررة ومحلها النصب على المفعولية أو الرفع بالابتداء على حذف العائد من الخبر إلى المبتدأ . وآية مميزها . ومن للفصل . { وَمَن يُبَدّلْ نِعْمَةَ الله } أي آيات الله فإنها سبب الهدى الذي هو أجل النعم ، يجعلها سبب الضلالة وازدياد الرجس ، أو بالتحريف والتأويل الزائغ . { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ } من بعد ما وصلت إليه وتمكن من معرفتها ، وفيه تعريض بأنهم بدلوها بعد ما عقلوها ولذلك قيل تقديره فبدلوها { وَمَن يُبَدّلْ } . { فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } فيعاقبه أشد عقوبة لأنه ارتكب أشد جريمة .","part":1,"page":244},{"id":245,"text":"{ زُيّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الحياة الدنيا } حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها ، والمزين في الحقيقة هو الله تعالى إذ ما من شيء إلا وهو فاعله ، ويدل عليه قراءة { زُيّنَ } على البناء للفاعل ، وكل من الشيطان والقوة الحيوانية وما خلقه الله فيها من الأمور البهية والأشياء الشهية مزين بالعرض .\r{ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } يريد فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب ، أي يسترذلونهم ويستهزئون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ، ومن للابتداء كأنهم جعلوا السخرية مبتدأة منهم { والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة } لأنهم في عليين وهم في أسفل السافلين ، أو لأنهم في كرامة وهم في مذلة ، أو لأنهم يتطاولون عليهم فيسخرون منهم كما سخروا منهم في الدنيا ، وإنما قال والذين اتقوا بعد قوله من الذين آمنوا ، ليدل على أنهم متقون وأن استعلاءهم للتقوى . { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء } في الدارين . { بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير فيوسع في الدنيا استدراجاً تارة وابتلاء أخرى .","part":1,"page":245},{"id":246,"text":"{ كَانَ الناس أُمَّةً واحدة } متفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس أو نوح أو بعد الطوفان ، أو متفقين على الجهالة والكفر في فترة ادريس أو نوح . { فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } أي فاختلفوا فبعث الله ، وإنما حذف لدلالة قوله فيما اختلفوا فيه . وعن كعب ( الذي علمته من عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألفاً والمرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون ) . { وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكتاب } يريد به الجنس ولا يريد به أنه أنزل مع كل واحد كتاباً يخصه ، فإن أكثرهم لم يكن لهم كتاب يخصهم ، وإنما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم . { بالحق } حال من الكتاب ، أي ملتبساً بالحق شاهداً به . { لِيَحْكُمَ بَيْنَ الناس } أي الله ، أو النبي المبعوث ، أو كتابه . { فِيمَا اختلفوا فِيهِ } في الحق الذي اختلفوا فيه ، أو فيما التبس عليهم . { وَمَا اختلف فِيهِ } في الحق ، أو الكتاب . { إِلاَّ الذين أُوتُوهُ } أي الكتاب المنزل لإزالة الخلاف أي عكسوا الأمر فجعلوا ما أنزل مزيحاً للاختلاف سبباً لاستحكامه . { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ } حسداً بينهم وظلماً لحرصهم على الدنيا . { فَهَدَى الله الذين ءامَنُواْ لِمَا اختلفوا فِيهِ } أي للحق الذي اختلف فيه من اختلف . { مِنَ الحق } بيان لما اختلفوا فيه . { بِإِذْنِهِ } بأمره أو بإرادته ولطفه . { والله يَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } لا يضل سالكه .","part":1,"page":246},{"id":247,"text":"{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } خاطب به النبي A والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الأمم على الأنبياء بعد مجيء الآيات ، تشجيعاً لهم على الثبات مع مخالفتهم . و { أَمْ } منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار { وَلَمَّا يَأْتِكُم } ولم يأتكم ، وأصل { لمّا } لم زيدت عليها ما وفيها توقع ولذلك جعلت مقابل قد . { مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } حالهم التي هي مثل في الشدة . { مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء } بيان له على الاستئناف . { وَزُلْزِلُواْ } وأزعجوا إزعاجاً شديداً بما أصابهم من الشدائد . { حتى يَقُولَ الرسول والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ } لتناهي الشدة واستطالة المدة بحيث تقطعت حبال الصبر . وقرأ نافع يقولُ بالرفع على أنه حكاية حال ماضية كقولك مرض حتى لا يرجونه . { متى نَصْرُ الله } استبطاء له لتأخره . { أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ } استئناف على إرادة القول أي فقيل لهم ذلك اسعافاً لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر ، وفيه إشارة إلى أن الوصول إلى الله تعالى والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ، ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال E « حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات »","part":1,"page":247},{"id":248,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أن عمرو بن الجموح الأنصاري كان شيخاً ذا مال عظيم ، فقال يا رسول الله ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها فنزلت ) { قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل } سئل عن المنفق فأجيب ببيان المصرف لأنه أهم فإن اعتداد النّفقة باعتباره ، ولأنه كان في سؤال عمرو وإن لم يكن مذكوراً في الآية ، واقتصر في بيان المنفق على ما تضمنه قوله ما أنفقتم من خير . { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ } في معنى الشرط . { فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } جوابه أي إن تفعلوا خيراً فإن الله يعلم كنهه ويوفي ثوابه ، وليس في الآية ما ينافيه فرض الزكاة لينسخ به .\r{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } شاق عليكم مكروه طبعاً ، وهو مصدر نعت به للمبالغة ، أو فعل بمعنى مفعول كالخبز . وقرىء بالفتح على أنه لغة فيه كالضعف والضعف ، أو بمعنى الإِكراه على المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته كقوله تعالى : { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } وهو جميع ما كلفوا به ، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم . { وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } وهو جميع ما نهوا عنه ، فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى ، وإنما ذكر { عَسَى } لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها . { والله يَعْلَمُ } ما هو خير لكم . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك ، وفيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها { يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام } روي ( أنه E بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة قبل بدر بشهرين ليترصّد عيراً لقريش فيها عمرو بن عبد الله الخضرمي وثلاثة معه ، فقتلوه وأسروا اثنين واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف ، وكان ذلك غرة رجب وهم يظنونه من جمادى الآخرة ، فقالت قريش : استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ، وينذعر فيه الناس إلى معايشهم . وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا ، ورد رسول الله A العير والأسارى ) . وعن ابن عباس Bهما ( لما نزلت أخذ رسول الله A الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام ) والسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعاً وتعييراً وقيل أصحاب السرية . { قِتَال فِيهِ } بدل اشتمال من الشهر الحرام . وقرىء «عن قتال» بتكرير العامل . { قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } أي ذنب كبير ، والأكثر أنه منسوخ بقوله تعالى : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } خلافاً لعطاء وهو نسخ الخاص بالعام وفيه خلاف ، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقاً فإن قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا يعم .","part":1,"page":248},{"id":249,"text":"{ وَصَدٌّ } صرف ومنع . { عَن سَبِيلِ الله } أي الإسلام ، أو ما يوصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى من الطاعات . { وَكُفْرٌ بِهِ } أي بالله . { والمسجد الحرام } على إرادة المضاف أي وصد المسجد الحرام كقول أبي دؤاد :\rأَكْلَّ امرِىءِ تَحْسَبِينَ امرأ ... وَنَار توقدُ بِاللَّيْلِ نَارا\rولا يحسن عطفه على { سَبِيلِ الله } لأن عطف قوله : { وَكُفْرٌ بِهِ } على { وَصَدٌّ } مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ولا على الهاء في { بِهِ } ، فإن العطف على الضمير المجرور إنما يكون بإعادة الجار . { وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ } أهل المسجد الحرام وهم النبي A والمؤمنون . { أَكْبَرُ عِندَ الله } مما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن ، وهو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة من كبائر قريش . وأفعل مما يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . { والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل } أي ما ترتكبونه من الإخراج والشرك أفظع مما ارتكبوه من قتلى الحضرمي . { وَلاَ يَزَالُونَ يقاتلونكم حتى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ } إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم ، وحتى للتعليل كقولك أعبد الله حتى أدخل الجنة . { إِنِ اسْتَطَاعُواْ } وهو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوته : على قرنه إن ظفرت بي فلا تبق علي ، وإيذان بأنهم لا يردونهم . { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي C تعالى ، والمراد بها الأعمال النافعة . وقرىء { حَبَطَتْ } بالفتح وهي لغة فيه . { فِى الدنيا } لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية . { والاخرة } بسقوط الثواب . { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } كسائر الكفرة .","part":1,"page":249},{"id":250,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } نزلت أيضاً في أصحاب السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإِثم فليس لهم أجر . { والذين هَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله } كرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء { أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ الله } ثوابه ، أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم . { والله غَفُورٌ } لما فعلوا خطأ وقلة احتياط . { رَّحِيمٌ } بإِجزال الأجر والثواب .","part":1,"page":250},{"id":251,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر } روي أنه نزل بمكة قوله تعالى : { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } فأخذ المسلمون يشربونها ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا : أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت هذه الآية فشربها قوم وتركها آخرون . ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا ، فأم أحدهم فقرأ : { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فنزلت { لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى } فقل من يشربها ، ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في نفر فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ، فأنشد سعد شعراً فيه هجاء الأنصار ، فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه ، فشكا إلى رسول الله A فقال عمر Bه : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت { إِنَّمَا الخمر والميسر } إلى قوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } فقال عمر Bه : انتهينا يا رب . والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره ، سمي بها عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل ، كما سمي سكراً لأنه يسكره أي يحجزه ، وهي حرام مطلقاً وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء . وقال أبو حنيفة C تعالى : نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر . { والميسر } أيضاً مصدر كالموعد ، سمي به القمار لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره ، والمعنى يسألونك عن تعاطيهما لقوله تعالى : { قُلْ فِيهِمَا } أي في تعاطيهما . { إِثْمٌ كَبِيرٌ } من حيث إنه يؤدي إلى الانتكاب عن المأمور ، وارتكاب المحظور . وقرأ حمزة والكسائي كثير بالثاء . { ومنافع لِلنَّاسِ } من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان ، وفي الخمر خصوصاً تشجيع الجبان وتوفير المروءة وتقوية الطبيعة . { وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } أي المفاسد التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما . ولهذا قيل إنها المحرمة للخمر لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل ، والأظهر أنه ليس كذلك لما مر من إبطال مذهب المعتزلة . { وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ } قيل سائله أيضاً عمرو بن الجموح سأل أولاً عن المنفق والمصرف ، ثم سأل عن كيفية الإِنفاق . { قُلِ العفو } العفو نقيض الجهد ومنه يقال للأرض السهلة ، وهو أن ينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد . قال :\rخُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... وَلاَ تَنْطقِي فِي سَوْرَتي حِيْنَ اغْضَبُ\rوروي أن رجلاً أتى النبي A ببيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال : خذها مني صدقة ، فأعرض E عنه حتى كرر عليه مراراً فقال : هاتها مغضباً فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال : « يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ، إنما الصدقة عن ظهر غنى » وقرأ أبو عمرو برفع { العفو } . { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد ، أو ما ذكر من الأحكام ، والكاف في موضع النصب صفة لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين ، وإنما وحد العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع ، { لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } في الدلائل والأحكام .","part":1,"page":251},{"id":252,"text":"{ فِي الدنيا والاخرة } في أمور الدارين فتأخذوا بالأصلح والأنفع فيهما ، وتجتنبون عما يضركم ولا ينفعكم ، أو يضركم أكثر مما ينفعكم . { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى } لما نزلت { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } الآية اعتزلوا اليتامى ومخالطتهم والاهتمام بأمرهم فشق ذلك عليهم ، فذكر ذلك لرسول الله A فنزلت { قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ } أي مداخلتهم لإِصلاحهم ، أو إصلاح أموالهم خير من مجانبتهم . { وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فإخوانكم } حث على المخالطة ، أي أنهم إخوانكم في الدين ومن حق الأخ أن يخالط الأخ . وقيل المراد بالمخالطة المصاهرة . { والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح } وعيد ووعد لمن خالطهم لإِفساد وإصلاح ، أي يعلم أمره فيجازيه عليه . { وَلَوْ شَاء الله لأَعْنَتَكُمْ } أي ولو شاء الله إعناتكم لأعنتكم ، أي كلفكم ما يشق عليكم ، من العنت وهي المشقة ولم يجوز لكم مداخلتكم . { أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالب يقدر على الاعنات . { حَكِيمٌ } يحكم ما تقتضيه الحكمة وتتسع له الطاقة .","part":1,"page":252},{"id":253,"text":"{ وَلاَ تَنْكِحُواْ المشركات حتى يُؤْمِنَّ } أي ولا تتزوجوهن . وقرىء بالضم أي ولا تزوجوهن من المسلمين ، والمشركات تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون لقوله تعالى : { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } إلى قوله : { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } ولكنها خصت عنها بقوله : { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } روي ( أنه E بعث مرثداً الغنوي إلى مكة ليخرج منها أناساً من المسلمين ، فأتته عناق وكان يهواها في الجاهلية فقالت : ألا تخلو . فقال : إن الإسلام حال بيننا فقالت : هل لك أن تتزوج بي فقال نعم ولكن استأمر رسول الله A فاستأمره ) فنزلت { وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكَةٍ } أي وَلامْرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة ، فإن الناس كلهم عبيد الله وإماؤه . { وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ } بحسنها وشمائلها ، والواو للحال ولو بمعنى إن وهو كثير . { وَلاَ تُنكِحُواْ المشركين حتى يُؤْمِنُواْ } ولا تزوجوا منهم المؤمنات حتى يؤمنوا ، وهو على عمومه . { وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ } تعليل للنهي عن مواصلتهم ، وترغيب في مواصلة المؤمنين . { أولئك } إشارة إلى المذكورين من المشركين والمشركات . { يَدْعُونَ إِلَى النار } أي الكفر المؤدي إلى النار فلا يليق موالاتهم ومصاهرتهم . { والله } أي وأولياؤه ، يعني المؤمنين حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه تفخيماً لشأنهم . { يَدْعُو إلى الجنة والمغفرة } أي إلى الاعتقاد والعمل الموصلين إليهما فهم الأحقاء بالمواصلة . { بِإِذْنِهِ } أي بتوفيق الله تعالى وتيسيره ، أو بقضائه وإرادته . { وَيُبَيِنُ آياته لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لكي يتذكروا ، أو ليكونوا بحيث يرجى منهم التذكر لما ركز في العقول من ميل الخير ومخالفة الهوى .","part":1,"page":253},{"id":254,"text":"{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض } روي ( أن أهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحَيِّضَ ولا يؤاكلونها ، كفعل اليهود والمجوس ، واستمر ذلك إلى أن سأل أبو الدحداح في نفر من الصحابة عن ذلك فنزلت ) . والمحيض مصدر كالمجيء والمبيت ، ولعله سبحانه وتعالى إنما ذكر يسألونك بغير واو ثلاثاً ثم بها ثلاثاً ، لأن السؤالات الأول كانت في أوقات متفرقة والثلاثة الأخيرة كانت في وقت واحد فلذلك ذكرها بحرف الجمع . { قُلْ هُوَ أَذًى } أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه . { فاعتزلوا النساء فِي المحيض } فاجتنبوا مجامعتهن لقوله E « إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم » . وهو الاقتصاد بين إفراط اليهود ، وتفريط النصارى فإنهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض . وإنما وصفه بأنه أذى ورتب الحكم عليه بالفاء إشعاراً بأنه العلة . { وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ } تأكيد للحكم وبيان لغايته ، وهو أن يغتسلن بعد الانقطاع ويدل عليه صريحاً قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية ابن عباس { يَطْهُرْنَ } أي يتطهرن بمعنى يغتسلن والتزاماً لقوله : { فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ } فإنه يقتضي تأخير جواز الإتيان عن الغسل . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا طهرت لأكثر الحيض جاز قربانها قبل الغسل . { مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } أي المأتي الذي أمركم الله به وحلله لكم . { إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين } من الذنوب . { وَيُحِبُّ المتطهرين } أي المتنزهين عن الفواحش والأقذار ، كمجامعة الحائض والإِتيان في غير المآتي .","part":1,"page":254},{"id":255,"text":"{ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ } مواضع حرث لكم . شبههن بها تشبيهاً لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذور { فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ } أي فائتوهن كما تأتون المحارث ، وهو كالبيان لقوله تعالى : { فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله } { أنى شِئْتُمْ } من أي جهة شئتم ، روي ( أن اليهود كانوا يقولون : من جامع امرأته من دبرها في قبلها كان ولدها أحول ، فذكر ذلك لرسول الله A فنزلت ) . { وَقَدّمُواْ لأَنفُسِكُمْ } ما يدخر لكم من الثواب . وقيل هو طلب الولد . وقيل التسمية عند الوطء . { واتقوا الله } بالاجتناب عن معاصيه . { واعلموا أَنَّكُم ملاقوه } فتزودوا ما لا تفتضحون به . { وَبَشّرِ المؤمنين } الكاملين في الإِيمان بالكرامة والنعيم الدائم . أمر الرسول A أن ينصحهم ويبشر من صدقه وامتثل أمره منهم .","part":1,"page":255},{"id":256,"text":"{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأيمانكم أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ الناس } نزلت في الصديق رضي الله تعالى عنه لما حلف أن لا ينفق على مسطح لافترائه على عائشة رضي الله تعالى عنها ، أو في عبد الله بن رواحة حلف أن لا يكلم ختنه بشير بن النعمان ولا يصلح بينه وبين أخته . والعرضة فعلة بمعنى المفعول كالقبضة تطلق لما يعرض دون الشيء وللمعرض للأمر ، ومعنى الآية على الأول ولا تجعلوا الله حاجزاً لما حلفتم عليه من أنواع الخير ، فيكون المراد بالإِيمان الأمور المحلوف عليها ، كقوله E لابن سمرة « إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها ، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك » . وأن مع صلتها عطف بيان لها ، واللام صلة عرضة لما فيها من معنى الاعتراض ، ويجوز أن تكون للتعليل ويتعلق أن بالفعل أو بعرضة أي ولا تجعلوا الله عرضة لأن تبروا لأجل أيمانكم به ، وعلى الثاني ولا تجعلوه معرضاً لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به ، ولذلك ذم الحلاف بقوله : { وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ } و { أَن تَبَرُّواْ } علة للنهي أي أنهاكم عنه إرادة بركم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس ، فإن الحلاَّفَ مجترىء على الله تعالى ، والمجترىء عليه لا يكون براً متقياً ولا موثوقاً به إصلاح ذات البين { والله سَمِيعٌ } لأيمانكم . { عَلِيمٌ } بنياتكم .","part":1,"page":256},{"id":257,"text":"{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم } اللغو الساقط الذي لا يعتد به من كلام غيره ، ولغو اليمين مالا عقد معه كما سبق به اللسان ، أو تكلم به جاهلاً لمعناه كقول العرب : لا والله وبلى والله ، لمجرد التأكيد لقوله : { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } والمعنى لا يؤاخذكم الله بعقوبة ولا كفارة بما لا قصد معه ، ولكن يؤاخذكم بهما أو بأحدهما بما قصدتم من الأيمان وواطأت فيها قلوبكم ألسنتكم . وقال أبو حنيفة : اللغو أن يحلف الرجل بناء على ظنه الكاذب ، والمعنى لا يعاقبكم بما أخطأتم فيه من الأيمان ، ولكن يعاقبكم بما تعمدتم الكذب فيه . { والله غَفُورٌ } حيث لم يؤاخذ باللغو { حَلِيمٌ } حيث لم يعجل بالمؤاخذة على يمين الجد تربصاً للتوبة .","part":1,"page":257},{"id":258,"text":"{ لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } أي يحلفون على أن لا يجامعوهن . والإِيلاء : الحلف ، وتعديته بعلى ولكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدي بمن . { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } مبتدأ وما قبله خبره ، أو فاعل الظرف على خلاف سبق ، والتربص الانتظار والتوقف أضيف إلى الظرف على الاتساع ، أي للمولى حق التلبث في هذه المدة فلا يطالب بفيء ، ولا طلاق ، ولذلك قال الشافعي : لا إيلاء إلا في أكثر من أربعة أشهر ويؤيده { فَإِنْ فَاؤُوا } رجعوا في اليمين بالحنث ، { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } للمولى إثم حنثه إذا كفر ، أو ما توخى بالإِيلاء من ضرار المرأة ونحوه ، بالفيئة التي هي كالتوبة .","part":1,"page":258},{"id":259,"text":"{ وَإِنْ عَزَمُواْ الطلاق } وإن صمموا قصده { فَإِنَّ الله سَمِيعٌ } لطلاقهم . { عَلِيمٌ } بغرضهم فيه ، وقال أبو حنيفة : الإِيلاء في أربعة أشهر فما فوقها ، وحكمه أن المولى إن فاء في المدة بالوطء إن قدر ، وبالوعد إن عجز ، صح الفيء ولزم الواطىء أن يكفر وإلا بانت بعدها بطلقة . وعندنا يطالب بعد المدة بأحد الأمرين فإن أبى عنهما طلق عليه الحاكم .","part":1,"page":259},{"id":260,"text":"{ والمطلقات } يريد بها المدخول بهن من ذوات الإِقراء لما دلت عليه الآيات والأخبار أن حكم غيرهن خلاف ما ذكر . { يَتَرَبَّصْنَ } خبر بمعنى الأمر ، وتغيير العبارة للتأكيد والإِشعار بأنه مما يجب أن يسار إلى امتثاله ، وكأن المخاطب قصد أن يمتثل الأمر فيخبر عنه كقولك في الدعاء : رحمك الله ، وبناؤه على المبتدأ يزيده فضل تأكيد . { بِأَنفُسِهِنَّ } تهييج وبعث لهن على التربص ، فإن نفوس النساء طوامح إلى الرجال ، فأمرن بأن يقمعنها ويحملنها على التربص . { ثلاثة قُرُوء } نصب على الظرف ، أو المفعول به . أي يتربصن مضيها . و { قُرُوء } جمع قرء وهو يطلق للحيض ، كقوله E « دعي الصلاة أيام أقرائك » وللطهر الفاصل بين الحيضتين كقول الأعشى :\rمُوَرِّثَةٌ مَالاً وَفِي الحَيِّ رفْعَةٌ ... لِمَا ضَاعَ فِيهَا مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا\rوأصله الانتقال من الطهر إلى الحيض ، وهو المراد به في الآية لأنه الدال على براءة الرحم لا الحيض ، كما قاله الحنفية لقوله تعالى؛ { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي وقت عدتهن . والطلاق المشروع لا يكون في الحيض ، وأما قوله E : « طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان » فلا يقاوم ما رواه الشيخان في قصة ابن عمر « مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن تطلق لها النساء » . وكان القياس أن يذكر بصيغة القلة التي هي الأقراء ، ولكنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من البناءين مكان الآخر ، ولعل الحكم لما عم المطلقات ذوات الأقراء تضمن معنى الكثرة فحسن بناؤها . { وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ } من الولد ، أو الحيض استعجالاً في العدة وإبطالاً لحق الرجعة ، بل التنبيه على أنه ينافي الإِيمان ، وأن المؤمن لا يجترىء عليه ولا ينبغي له أن يفعل . { وَبُعُولَتُهُنَّ } أي أزواج المطلقات . { أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } إلى النكاح والرجعة إليهن ، ولكن إذا كان الطلاق رجعياً للآية التي تتلوها فالضمير أخص من المرجوع إليه ولا امتناع فيه ، كما لو كرر الظاهر وخصصه . والبعولة جمع بعل والتاء لتأنيث الجمع كالعمومة والخؤلة ، أو مصدر من قولك بعل حسن البعولة نعت به ، أو أقيم مقام المضاف المحذوف أي وأهل بعولتهن ، وأفعل ههنا بمعنى الفاعل . { فِي ذلك } أي في زمان التربص . { إِنْ أَرَادُواْ إصلاحا } بالرجعة لا لإضرار المرأة ، وليس المراد منه شرطية قصد الإِصلاح للرجعة بل التحريض عليه والمنع من قصد الضرار . { وَلَهُنَّ مِثْلُ الذي عَلَيْهِنَّ بالمعروف } أي ولهن حقوق على الرجال مثل حقوقهم عليهن في الوجوب واستحقاق المطالبة عليها ، لا في الجنس . { وَلِلرّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ } زيادة في الحق وفضل فيه ، لأن حقوقهم في أنفسهم وحقوقهن المهر والكفاف وترك الضرار ونحوها ، أو شرف وفضيلة لأنهم قوام عليهن وحراص لهن يشاركوهن في غرض الزواج ويخصون بفضيلة الرعاية والإِنفاق { والله عَزِيزٌ } يقدر على الانتقام ممن خالف الأحكام . { حَكِيمٌ } يشرعها لحكم ومصالح .","part":1,"page":260},{"id":261,"text":"{ الطلاق مَرَّتَانِ } أي التطليق الرجعي اثنان لما روي ( أنه A سُئِلَ أين الثالثة؟ فقال E : { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } ) . وقيل؛ معناه التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق ، ولذلك قالت الحنفية الجمع بين الطلقتين والثلاث بدعة . { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } بالمراجعة وحسن المعاشرة ، وهو يؤيد المعنى الأول . { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } بالطلقة الثالثة ، أو بأن لا يراجعها حتى تبين ، وعلى المعنى الأخير حكم مبتدأ وتخيير مطلق عقب به تعليمهم كيفية التطليق . { وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا } أي من الصدقات . روي ( أن جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول ، كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس ، فأتت رسول الله A فقالت : لا أنا ولا ثابت لا يجمع رأسي ورأسه شيء ، والله ما أعيبه في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإِسلام ، وما أطيقه بغضاً إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في جماعة من الرجال ، فإذا هو أشدهم سوادا وأقصرهم قامة وأقبحهم وجهاً . فنزلت فاختلعت منه بحديقة كان أصدقها إياها . والخطاب مع الحكام وإسناد الأخذ والإِيتاء إليهم لأنهم الآمرون بهما عند الترافع . وقيل إنه خطاب للأزواج وما بعده خطاب للحكام وهو يشوش النظم على القراءة المشهورة . { إِلاَّ أَن يَخَافَا } أي الزوجان . وقرىء { يظنا } وهو يؤيد تفسير الخوف بالظن . { أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ الله } بترك إقامة أحكامه من مواجب الزوجية . وقرأ حمزة ويعقوب { يَخَافَا } على البناء للمفعول وإبدال أن بصلته من الضمير بدل الاشتمال . وقرىء «تخافا» و «تقيما» بتاء الخطاب . { فَإِنْ خِفْتُمْ } أيها الحكام . { أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ } على الرجل في أخذ ما افتدت به نفسها واختلعت ، وعلى المرأة في إعطائه . { تِلْكَ حُدُودُ الله } إشارة إلى ما حد من الأحكام . { فَلاَ تَعْتَدُوهَا } فلا تتعدوها بالمخالفة . { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } تعقيب للنهي بالوعيد مبالغة في التهديد ، واعلم أن ظاهر الآية يدل على أن الخلع لا يجوز من غير كراهة وشقاق ، ولا بجميع ما ساق الزوج إليها فضلاً عن الزائد ، ويؤيد ذلك قوله A \" أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً من غير بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة \" وما روي أنه E قال لجميلة : \" أتردين عليه حديقته؟ فقالت : أردها وأزيد عليها ، فقال E أما الزائد فلا \" والجمهور استكرهوه ولكن نفذوه فإن المنع عن العقد لا يدل على فساده ، وأنه يصح بلفظ المفاداة ، فإنه تعالى سماه افتداء . واختلف في أنه إذا جرى بغير لفظ الطلاق هل هو فسخ أو طلاق ، ومن جعله فسخاً احتج بقوله : { فَإِن طَلَّقَهَا } .","part":1,"page":261},{"id":262,"text":"{ فَإِن طَلَّقَهَا } فإن تعقيبه للخلع بعد ذكر الطلقتين يقتضي أن يكون طلقة رابعة لو كان الخلع طلاقاً . والأظهر أنه طلاق لأنه فرقة باختيار الزوج فهو كالطلاق بالعوض ، وقوله فإن طلقها متعلق بقوله : { الطلاق مَرَّتَانِ } أو تفسير لقوله : { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } اعترض بينهما ذكر الخلع دلالة على أن الطلاق يقع مجاناً تارة وبعوض أخرى ، والمعنى فإن طلقها بعد الثنتين . { فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ } من بعد ذلك الطلاق . { حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } حتى تتزوج غيره ، والنكاح يستند إلى كل منهما كالتزوج ، وتعلق بظاهره من اقتصر على العقد كابن المسيب واتفق الجمهور على أنه لا بد من الإصابة لما روي : أن امرأة رفاعة قالت لرسول الله A : إن رفاعة طلقني فبت طلاقي ، وإن عبد الرحمن بن الزبير تزوجني وإن ما معه مثل هدبة الثوب . فقال رسول الله A : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت : نعم ، قال : لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك » فالآية مطلقة قيدتها السنة ، ويحتمل أن يفسر النكاح بالإصابة ، ويكون العقد مستفاداً من لفظ الزوج . والحكمة في هذا الحكم الردع عن التسرع إلى الطلاق والعود إلى المطلقة ثلاثاً والرغبة فيها ، والنكاح بشرط التحليل فاسد عند الأكثر . وجوزه أبو حنيفة مع الكراهة ، وقد لعن رسول الله A المحلل والمحلل له . { فَإِن طَلَّقَهَا } الزوج الثاني { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } أن يرجع كل من المرأة والزوج الأول إلى الآخر بالزواج ، { إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله } إن كان في ظنهما أنهما يقيمان ما حدده الله وشرعه من حقوق الزوجية ، وتفسير الظن بالعلم ههنا غير سديد لأن عواقب الأمور غيب تظن ولا تعلم ، ولأنه لا يقال علمت أن يقوم زيد لأن أن الناصبة للتوقع وهو ينافي العلم . { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } أي الأحكام المذكورة . { يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } يفهمون ويعلمون بمقتضى العلم .","part":1,"page":262},{"id":263,"text":"{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي آخر عدتهن ، والأجل يطلق للمدة ولمنتهاها فيقال لعمر الإِنسان وللموت الذي به ينتهي قال :\rكُلّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُمُرِ وَمَوت ... إِذَا اْنَتَهَى أَجَلُه\rوالبلوغ هو الوصول إلى الشيء ، وقد يقال للدنو منه على الاتساع ، وهو المراد في الآية ليصح أو يرتب عليه . { فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } إذ لا إمساك بعد انقضاء الأجل ، والمعنى فراجعوهن من غير ضرار ، أو خلوهن حتى تنقضي عدتهن من غير تطويل ، وهو إعادة للحكم في بعض صوره للاهتمام به . { وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا } ولا تراجعوهن إرادة الإضرار بهن ، كأن المطلق يترك المعتدة حتى تشارف الأجل ثم يراجعها لتطول العدة عليها ، فنهي عنه بعد الأمر بضده مبالغة . ونصب ضراراً على العلة أو الحال بمعنى مضارين . { لّتَعْتَدُواْ } لتظلموهن بالتطويل أو الإِلجاء إلى الإِفتداء ، واللام متعلقة بضرارًا إذ المراد تقييده . { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بتعريضها للعقاب . { وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيات الله هُزُوًا } بالإِعراض عنها والتهاون في العمل بما فيها من قولهم لمن لم يجد في الأمر إنما أنت هازىء ، كأنه نهي عن الهزؤ وأراد به الأمر بضده . وقيل؛ ( كان الرجل يتزوج ويطلق ويعتق ويقول : كنت ألعب ) فنزلت . وعنه E : « ثلاث جدهن جد وهزلهن جد ، الطلاق والنكاح والعتاق » { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } التي من جملتها الهداية ، وبعثة محمد A بالشكر والقيام بحقوقها . { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة } القرآن والسنة أفردهما بالذكر إظهاراً لشرفهما . { يَعِظُكُمْ بِهِ } بما أنزل عليكم . { واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } تأكيد وتهديد .","part":1,"page":263},{"id":264,"text":"{ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن ، وعن الشافعي C تعالى دل سياق الكلامين على افتراق البلوغين . { فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أزواجهن } المخاطب به الأولياء لما روي ( أنها نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جميلاء أن ترجع إلى زوجها الأول بالاستئناف ) فيكون دليلاً على أن المرأة لا تزوج نفسها ، إذ لو تمكنت منه لم يكن لعضل الولي معنى ، ولا يعارض بإسناد النكاح إليهن لأنه بسبب توقفه على إذنهن . وقيل الأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد مضي العدة ولا يتركونهن يتزوجن عدواناً وقسراً ، لأنه جواب قوله { وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } . وقيل الأولياء والأزواج . وقيل الناس كلهم ، والمعنى : لا يوجد فيما بينكم هذا الأمر فإنه إذا وجد بينهم وهم راضون به كانوا الفاعلين له . والعضل الحبس والتضييق منه عضلت الدجاجة إذا نشب بيضها فلم يخرج . { إِذَا تراضوا بَيْنَهُم } أي الخطاب والنساء وهو ظرف لأنه ينكحن أو لا تعضلوهن . { بالمعروف } بما يعرفه الشرع وتستحسنه المروءة ، حال من الضمير المرفوع ، أو صفة لمصدر محذوف ، أو تراضياً كائناً بالمعروف . وفيه دلالة على أن العضل عن التزوج من غير كفؤ غير منهي عنه . { ذلك } إشارة إلى ما مضى ذكره ، والخطاب للجميع على تأويل القبيل ، أو كل واحد ، أو أن الكاف لمجرد الخطاب . والفرق بين الحاضر والمنقضي دون تعيين المخاطبين ، أو للرسول A على طريقة قوله : { يأيُّهَا النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } للدلالة على أن حقيقة المشار إليه أمر لا يكاد يتصوره كل أحد . { يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } لأنه المتعظ به والمنتفع . { ذلكم } أي العمل بمقتضى ما ذكر . { أزكى لَكُمْ } أنفع . { وَأَطْهَرُ } من دنس الآثام . { والله يَعْلَمُ } ما فيه النفع والصلاح . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } لقصور علمكم .","part":1,"page":264},{"id":265,"text":"{ والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن } أمر عبر عنه بالخبر للمبالغة ومعناه الندب ، أو الوجوب فيخص بما إذا لم يرتضع الصبي إلا من أمه أو لم يوجد له ظئر ، أو عجز الوالد عن الاستئجار . والوالدات يعم المطلقات وغيرهن . وقيل يختص بهن إذ الكلام فيهن . { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } أكده بصفة الكمال لأنه مما يتسامح فيه . { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بيان للمتوجه إليه الحكم أي ذلك لمن أراد إتمام الرضاعة ، أو متعلق بيرضعن فإن الأب يجب عليه الإرضاع كالنفقة ، والأم ترضع له . وهو دليل على أن أقصى مدة الإرضاع حولان ولا عبرة به بعدهما وأنه يجوز أن ينقص عنه . { وَعلَى المولود لَهُ } أي الذي يولد له يعني الوالد ، فإن الولد يولد له وينسب إليه . وتغيير العبارة للإِشارة إلى المعنى المقتضى لوجوب الإِرضاع ومؤن المرضعة عليه . { رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ } أجرة لهن ، واختلف في استئجار الأم ، فجوزه الشافعي ، ومنعه أبو حنيفة C تعالى ما دامت زوجة أو معتدة نكاح . { بالمعروف } حسب ما يراه الحاكم ويفي به وسعه . { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } تعليل لإِيجاب المؤن والتقييد بالمعروف ، ودليل على أنه سبحانه وتعالى لا يكلف العبد بما لا يطيقه وذلك لا يمنع إمكانه . { لاَ تُضَارَّ والدة بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } تفصيل له وتقرير ، أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما ليس في وسعه ، ولا يضاره بسبب الولد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { لاَ تُضَار } بالرفع بدلاً من قوله { لاَ تُكَلَّفُ } ، وأصله على القراءتين تضارر بالكسر على البناء للفاعل أو الفتح على البناء للمفعول ، وعلى الوجه الأول يجوز أن يكون بمعنى تضر والباء من صلته أي لا يضر الوالدان بالولد فيفرط في تعهده ويقصر فيما ينبغي له . وقرىء { لاَ تُضَار } بالسكون مع التشديد على نية الوقف وبه مع التخفيف على أنه من ضاره يضيره ، وإضافة الولد إليها تارة وإليه أخرى استعطاف لهما عليه ، وتنبيه على أنه حقيق بأن يتفقا على استصلاحه والإِشفاق فلا ينبغي أن يضرا به ، أو أن يتضارا بسببه . { وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك } عطف على قوله وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ، وما بينهما تعليل معترض . والمراد بالوارث وارث الأب وهو الصبي أي مؤن المرضعة من ماله إذا مات الأب . وقيل الباقي من الأبوين من قوله E « واجعله الوارث منا » وكلا القولين يوافق مذهب الشافعي C تعالى إذ لا نفقة عنده فيما عدا الولادة . وقيل وارث الطفل وإليه ذهب ابن أبي ليلى . وقيل وارثه المحرم منه ، وهو مذهب أبي حنيفة . وقيل عصابته وبه قال أبو زيد وذلك إشارة إلى ما وجب على الأب من الرزق والكسوة .","part":1,"page":265},{"id":266,"text":"{ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ } أي فصالاً صادراً عن التراضي منهما والتشاور بينهما قبل الحولين ، والتشاور والمشاورة والمشورة والمشورة استخراج الرأي ، من شُرْتْ العسل إذا استخرجته . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا } في ذلك وإنما اعتبر تراضيهما مراعاة لصلاح الطفل ، وحذراً أن يقدم أحدهما على ما يَضُرُّ بِهِ لغرض أو غيره . { وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أولادكم } أي تسترضعوا المراضع لأولادكم ، يقال أرضعت المرأة الطفل واسترضعتها إياه ، كقولك أنجح الله حاجتي واستنجحته إياها ، فحذف المفعول الأول للاستغناء عنه . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } فيه وإطلاقه يدل على أن للزوج أن يسترضع الولد ويمنع الزوجة من الإرضاع . { إِذَا سَلَّمْتُم } إلى المراضع . { مَّاءاتيتم } ما أردتم إيتاءه كقوله تعالى : { إِذَا قُمتُم إِلى الصّّلاةِ } وقراءة ابن كثير { مَّا ءاتَيْتُم } ، من أتى إحساناً إذا فعله . وقرىء «أوتيتم» أي ما آتاكم الله وأقدركم عليه من الأجرة . { بالمعروف } صلة سلمتم ، أي بالوجه المتعارف المستحسن شرعاً . وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله ، وليس اشتراط التسليم لجواز الاسترضاع بل لسلوك ما هو الأولى والأصلح للطفل . { واتقوا الله } مبالغة في المحافظة على ما شرع في أمر الأطفال والمراضع . { واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } حث وتهديد .","part":1,"page":266},{"id":267,"text":"{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } أي أزواج الذين ، أو والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم ، كقولهم السمن منوان بدرهم . وقرىء { يتَوَفَّوْنَ } بفتح الياء أي يستوفون آجالهم ، وتأنيث العشر باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام ، ولذلك لا يستعملون التذكير في مثله قط ذهاباً إلى الأيام حتى إنهم يقولون صمت عشراً ويشهد له قوله تعالى : { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } ثم { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } ولعل المقتضى لهذا التقدير أن الجنين في غالب الأمر يتحرك لثلاثة أشهر إن كان ذكراً ، ولأربعة إن كان أنثى فاعتبر أقصى الأجلين ، وزيد عليه العشر استظهاراً إذ ربما تضعف حركته في المبادي فلا يحس بها ، وعموم اللفظ يقتضي تساوي المسلمة والكتابية فيه ، كما قاله الشافعي والحرة والأمة كما قاله الأصم ، والحامل وغيرها ، لكن القياس اقتضى تنصيف المدة للأمة ، والإِجماع خص الحامل منه لقوله تعالى : { وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وعن علي وابن عباس رضي الله تعالى عنهما إنها تعتد بأقصى الأجلين احتياطاً . { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } أي انقضت عدتهن . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة أو المسلمون جميعاً . { فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ } من التعرض للخطاب وسائر ما حرم عليهن للعدة . { بالمعروف } بالوجه الذي لا ينكره الشرع ، ومفهومه أنهن لو فعلن ما ينكره فعليهم أن يكفوهن ، فإن قصروا فعليهم الجناح . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فيجازيكم عليه .\r{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النساء } التعريض والتلويح إيهام المقصود بما لم يوضع له حقيقة ولا مجازاً ، كقول السائل جئتك لأسلم عليك ، والكناية هي الدلالة على الشيء بذكر لوازمه وروادفه ، كقولك الطويل النجاد للطويل ، وكثير الرماد للمضياف . والخطبة بالضم والكسر اسم الحالة ، غير أن المضمومة خصت بالموعظة والمكسورة بطلب المرأة ، والمراد بالنساء المعتدات للوفاة ، وتعريض خطبتها أن يقول لها إنك جميلة أو نافقة ومن غرضي أن أتزوج ونحو ذلك . { أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ } أو أضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه تصريحاً ولا تعريضاً . { عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ } ولا تصبرون على السكوت عنهن وعن الرغبة فيهن وفيه نوع توبيخ . { ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً } استدراك على محذوف دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن نكاحاً أو جماعاً ، عبر بالسر عن الوطء لأنه مما يسر ثم عن العقد لأنه سبب فيه . وقيل معناه لا تواعدوهن في السر على أن المعنى بالمواعدة في السر المواعدة بما يستهجن . { إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا والمستثنى منه محذوف أي : لا تواعدوهن مواعدة إلا مواعدة معروفة ، أو إلا مواعدة بقول معروف . وقيل إنه استثناء منقطع من سراً وهو ضعيف لأدائه إلى قولك لا تواعدوهن إلا التعريض ، وهو غير موعود .","part":1,"page":267},{"id":268,"text":"وفيه دليل حرمة تصريح خطبة المعتدة وجواز تعريضها إن كانت معتدة وفاة . واختلف في معتدة الفراق البائن والأظهر جوازه . { وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح } ذكر العزم مبالغة في النهي عن العقد ، أي ولا تعزموا عقد عقدة النكاح . وقيل معناه ولا تقطعوا عقدة النكاح فإن أصل العزم القطع . { حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ } حتى ينتهي ما كتب من العدة . { واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ } من العزم على ما لا يجوز . { فاحذروه } ولا تعزموا . { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ } لمن عزم ولم يفعل خشية من الله سبحانه وتعالى . { حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بالعقوبة .","part":1,"page":268},{"id":269,"text":"{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } لا تبعة من مهر . وقيل من وزر لأنه لا بدعة في الطلاق قبل المسيس . وقيل : كان النبي A يكثر النهي عن الطلاق فظن أن فيه حرجاً فنفى { إِن طَلَّقْتُمُ النساء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ } أي تجامعوهن . وقرأ حمزة والكسائي «تماسوهن» بضم التاء ومد الميم في جميع القرآن . { أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } إلا أن تفرضوا ، أو حتى تفرضوا أو وتفرضوا . والفرض تسمية المهر ، وفريضة نصب على المفعول به بمعنى فعيلة بمعنى مفعول . والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الإِسمية ، ويحتمل المصدر . والمعنى أنه لا تبعة على المطلق من مطالبة المهر إذا كانت المطلقة غير ممسوسة ولم يسم لها مهراً ، إذ لو كانت ممسوسة فعلية المسمى ، أو مهر المثل . ولو كانت غير ممسوسة ولكن سمي لها فلها نصف المسمى ، فمنطوق الآية ينفي الوجوب في الصورة الأولى ، ومفهومها يقتضي الوجوب على الجملة في الأخيرتين . { وَمَتّعُوهُنَّ } عطف على مقدر أي فطلقوهن ومتعوهن ، والحكمة في إيجاب المتعة جبر إيحاش الطلاق ، وتقديرها مفوض إلى رأي الحاكم ويؤيده قوله : { عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدْرُهُ } أي على كل من الذي له سعة ، والمقتر الضيق الحال ما يطيقه ويليق به ، ويدل عليه قوله عليه السلام لأنصاري طلق امرأته المفوضة قبل أن يمسها \" متعها بقلنسوتك \" وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : هي درع وملحفة وخمار على حسب الحال إلا أن يقل مهر مثلها عن ذلك فلها نصف مهر المثل ، ومفهوم الآية يقتضي تخصيص إيجاب المتعة للمفوضة التي لم يمسها الزوج ، وألحق بها الشافعي C تعالى في أحد قوليه الممسوسة المفوضة وغيرها قياساً ، وهو مقدم على المفهوم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص وابن ذكوان بفتح الدال { متاعا } تمتيعاً . { بالمعروف } بالوجه الذي يستحسنه الشرع والمروءة . { حَقّاً } صفة لمتاعاً ، أو مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً . { عَلَى المحسنين } الذي يحسنون إلى أنفسهم بالمسارعة إلى الامتثال ، أو إلى المطلقات بالتمتيع وسماهم محسنين قبل الفعل للمشارفة ترغيباً وتحريضاً .","part":1,"page":269},{"id":270,"text":"{ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً } لما ذكر حكم المفوضة أتبعه حكم قسيمها . { فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } أي فلهن ، أو فالواجب نصف ما فرضتم لهن ، وهو دليل على أن الجناح المنفي ثم تبعه المهر وأن لا متعة مع التشطير لأنه قسيمها { إَّلا أَن يَعْفُونَ } أي المطلقات فلا يأخذن شيئاً ، والصيغة تحتمل التذكير والتأنيث ، والفرق في الأول أن الواو ضمير والنون علامة الرفع والثاني لام الفعل والنون ضمير والفعل مبني ولذلك لم يؤثر فيه أن ههنا ونصب المعطوف عليه . { أَوْ يَعْفُوَاْ الذى بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح } أي الزوج المالك لعقده وحله عما يعود إليه بالتشطير فيسوق المهر إليها كاملاً ، وهو مشعر بأن الطلاق قبل المسيس مخير للزوج غير مشطر بنفسه ، وإليه ذهب بعض أصحابنا والحنفية . وقيل الولي الذي يلي عقد نكاحهن وذلك إذا كانت المرأة صغيرة ، وهو قول قديم للشافعي C تعالى . { وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى } يؤيد الوجه الأول وعفو الزوج على وجه التخيير ظاهر وعلى الوجه الآخر عبارة عن الزيادة على الحق ، وتسميتها عفواً إما على المشالكة وإما لأنهم يسوقون المهر إلى النساء عند التزوج ، فمن طلق قبل المسيس استحق استرداد النصف فإذا لم يسترده فقد عفا عنه . وعن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول فأكمل لها الصداق وقال أنا أحق بالعفو . { وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ } أي ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض . { إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يضيع تفضلكم وإحسانكم .","part":1,"page":270},{"id":271,"text":"{ حافظوا عَلَى الصلوات } بالأداء لوقتها والمداومة عليها ، ولعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها . { وَالصَّلاةِ الوُسْطَى } أي الوسطى بينها ، أو الفضلى منها خصوصاً وهي صلاة العصر لقوله E يوم الأحزاب « شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم ناراً » وفضلها لكثرة اشتغال الناس في وقتها ، واجتماع الملائكة . وقيل صلاة الظهر لأنها في وسط النهار وكانت أشق الصلوات عليهم فكانت أفضل لقوله E « أفضل العبادات أحمزها » وقيل صلاة الفجر لأنها بين صلاتي النهار والليل والواقعة في الحد المشترك بينهما ولأنها مشهودة . وقيل المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار . وقيل العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنه E كان يقرأ : « والصلاة الوسطى صلاة العصر » فتكون صلاة من الأربع خصت بالذكر مع العصر لانفرادهما بالفضل . وقرىء بالنصب على الاختصاص والمدح . { وَقُومُواْ لِلَّهِ } في الصلاة . { قانتين } ذاكرين له في القيام ، والقنوت الذكر فيه . وقيل خاشعين ، وقال ابن المسيب المراد به القنوت في الصبح .","part":1,"page":271},{"id":272,"text":"{ فَإِنْ خِفْتُمْ } من عدو أو غيره . { فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا } فصلوا راجلين أو راكبين ورجالاً جمع راجل أو رجل بمعناه كقائم وقيام ، وفيه دليل على وجوب الصلاة حال المسايفة وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وقال أبو حنيفة C تعالى لا يصلى حال المشي والمسايفة ما لم يكن الوقوف . { فَإِذَا أَمِنتُمْ } وزال خوفكم . { فاذكروا الله } صلوا صلاة الأمن أو اشكروه على الأمن { كَمَا عَلَّمَكُم } ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع وكيفية الصلاة حالتي الخوف والأمن . أو شكراً يوازيه وما مصدرية أو موصولة . { مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ } مفعول علمكم .","part":1,"page":272},{"id":273,"text":"{ والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم } قرأها بالنصب أبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم على تقدير والذين يتوفون منكم يوصون وصية ، أو ليوصوا وصية ، أو كتب الله عليهم وصية ، أو ألزم الذين يتوفون وصية . ويؤيد ذلك قراءة كتب عليكم الوصية لأزواجكم متاعاً إلى الحول مكانه . وقرأ الباقون بالرفع على تقدير ووصية الذين يتوفون ، أو وحكمهم وصية ، أو والذين يتوفون أهل وصية ، أو كتب عليهم وصية ، أو عليهم وصية وقرىء «متاع» بدلها . { متاعا إِلَى الحول } نصب بيوصون إن أضمرت وإلا فبالوصية وبمتاع على قراءة من قرأ لأنه بمعنى التمتيع . { غَيْرَ إِخْرَاجٍ } بدل منه ، أو مصدر مؤكد كقولك هذا القول غير ما تقول ، أو حال من أزواجهم أي غير مخرجات ، والمعنى : أنه يجب على الذين يتوفون أن يوصوا قبل أن يحتضروا لأزواجهم بأن يمتعن بعدهم حولاً بالسكنى والنفقة ، وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة بقوله : { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وهو وإن كان متقدماً في التلاوة فهو متأخر في النزول ، وسقطت النفقة بتوريثها الربع أو الثمن ، والسكنى لها بعد ثابتة عندنا خلافاً لأبي حنيفة C . { فَإِنْ خَرَجْنَ } عن منزل الأزواج . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } أيها الأئمة . { فِيمَا فَعَلْنَ فِى أَنفُسِهِنَّ } كالتطيب وترك الإِحداد . { مِن مَّعْرُوفٍ } مما لم ينكره الشرع ، وهذا يدل على أنه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وإنما كانت مخيرة بين الملازمة وأخذ النفقة وبين الخروج وتركها . { والله عَزِيزٌ } ينتقم ممن خالفه منهم . { حَكِيمٌ } يراعي مصالحهم .","part":1,"page":273},{"id":274,"text":"{ وللمطلقات متاع بالمعروف حَقّا عَلَى المتقين } أثبت المتعة للمطلقات جميعاً بعدما أوجبها لواحدة منهن ، وإفراد بعض العام بالحكم لا يخصصه إلا إذا جوزنا تخصيص المنطوق بالمفهوم ولذلك أوجبها ابن جبير لكل مطلقة ، وأول غيره بما يعم التمتيع الواجب والمستحب . وقال قوم المراد بالمتاع نفقة العدة ، ويجوز أن تكون اللام للعهد والتكرير للتأكيد أو لتكرر القضية { كذلك } إشارة إلى ما سبق من أحكام الطلاق والعدة . { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } وعد بأنه سيبين لعباده من الدلائل والأحكام ما يحتاجون إليه معاشاً ومعاداً . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لعلكم تفهمونها فتستعملون العقل فيها .","part":1,"page":274},{"id":275,"text":"{ أَلَمْ تَرَ } تعجيب وتقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وأرباب التواريخ ، وقد يخاطب به من لم ير ومن لم يسمع فإنه صار مثلاً في التعجب . { إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } يريد أهل داوردان قرية قبل واسط وقع فيها طاعون فخرجوا هاربين ، فأماتهم الله ثم أحياهم ليعتبروا ويتيقنوا أن لا مفر من قضاء الله تعالى وقدره . أو قوماً من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد ففروا حذر الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم . { وَهُمْ أُلُوفٌ } أي ألوف كثيرة . قيل عشرة . وقيل ثلاثون . وقيل سبعون وقيل متألفون جمع إلف أو آلف كقاعد وقعود والواو للحال . { حَذَرَ الموت } مفعول له . { فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ } أي قال لهم موتوا فماتوا كقوله : { كُنْ فَيَكُونُ } والمعنى أنهم ماتوا ميتة رجل واحد من غير علة ، بأمر الله تعالى ومشيئته . وقيل ناداهم به ملك وإنما أسند إلى الله تعالى تخويفاً وتهويلاً . { ثُمَّ أحياهم } قيل مر حزقيل عليه السلام على أهل داوردان وقد عريت عظامهم وتفرقت أوصالهم ، فتعجب من ذلك فأوحى الله تعالى إليه ناد فيهم أن قوموا بإذن الله تعالى ، فنادى فقاموا يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إِلا أنت . وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض للشهادة ، وحثهم على التوكل والاستسلام للقضاء . { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليهم حالهم ليستبصروا { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } أي لا يشكرونه كما ينبغي ، ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار .","part":1,"page":275},{"id":276,"text":"{ وقاتلوا فِي سَبِيلِ الله } لما بين أن الفرار من الموت غير مخلص منه وأن المقدر لا محالة واقع ، أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلهم في سبيل الله وإِلا فالنصر والثواب . { واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ } لما يقوله المتخلف والسابق . { عَلِيمٌ } بما يضمرانه وهو من وراء الجزاء .","part":1,"page":276},{"id":277,"text":"{ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله } { مِنْ } استفهامية مرفوعة الموضع بالابتداء ، و { ذَا } خبره ، و { الذي } صفة ذا أو بدله ، وإقراض الله سبحانه وتعالى مثل لتقديم العمل الذي به يطلب ثوابه . { قَرْضًا حَسَنًا } إقراضاً حسناً مقروناً بالإخلاص وطيب النفس أو مقرضاً حلالاً طيباً . وقيل : القرض الحسن بالمجاهدة والإِنفاق في سبيل الله { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } فيضاعف جزاءه ، أخرجه على صورة المغالبة للمبالغة ، وقرأ عاصم بالنصب على جواب الاستفهام حملاً على المعنى ، فإن { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله } في معنى أيقرض الله أحد . وقرأ ابن كثير «فيضعفه» بالرفع والتشديد وابن عامر ويعقوب بالنصب . { أَضْعَافًا كَثِيرَةً } كثرة لا يقدرها إلا الله سبحانه وتعالى . وقيل الواحد بسبعمائة ، و «أضعافاً» جمع ضعف ونصبه على الحال من الضمير المنصوب ، أو المفعول الثاني لتضمن المضاعفة معنى التصيير أو المصدر على أن الضعف اسم مصدر وجمعه للتنويع . { والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } يقتر على بعض ويوسع على بعض حسب ما اقتضت حكمته ، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم كيلا يبدل حالكم . وقرأ نافع والكسائي والبزي وأبو بكر بالصاد ومثله في الأعراف في قوله تعالى : { وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَسْطَةً } { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على حسب ما قدمتم .","part":1,"page":277},{"id":278,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بَنِى إِسْرءيلَ } { الملا } جماعة يجتمعون للتشاور ، ولا واحد له كالقوم ومن للتبعيض . { مِن بَعْدِ موسى } أي من بعد وفاته ومن للابتداء . { إِذْ قَالُواْ لِنَبِىّ لَّهُمُ } هو يوشع ، أو شمعون ، أو شمويل عليهم السلام . { ابعث لَنَا مَلِكًا نقاتل فِي سَبِيلِ الله } أقم لنا أميراً ننهض معه للقتال يدبر أمره ونصدر فيه عن رأيه ، وجزم نقاتل على الجواب . وقرىء بالرفع على أنه حال أي أبعثه لنا مقدرين القتال ، ويقاتل بالياء مجزوماً ومرفوعاً على الجواب والوصف لملكا . { قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تقاتلوا } فصل بين عسى وخبره بالشرط ، والمعنى أتوقع جبنكم عن القتال إن كتب عليكم ، فأدخل هل على فعل التوقع مستفهماً عما هو المتوقع عنده تقريراً وتثبيتاً . وقرأ نافع { عَسَيْتُمْ } بكسر السين . { قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نقاتل فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن ديارنا وَأَبْنَائِنَا } أيْ أيُّ غرض لنا في ترك القتال وقد عرض لنا ما يوجبه ويحث عليه من الإخراج عن الأوطان والإفراد عن الأولاد ، وذلك أن جالوت ومن معه من العمالقة كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين ، فظهروا على بني إسرائيل فأخذوا ديارهم وسبوا أولادهم وأسروا من أبناء الملوك أربعمائة وأربعين . { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد أهل بدر { والله عَلِيمٌ بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد .","part":1,"page":278},{"id":279,"text":"{ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا } طالوت علم عبري كداود وجعله فعلوتاً من الطول تعسف يدفعه منع صرفه ، روي أن نبيهم A لما دعا الله أن يملكهم أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت { قَالُواْ أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا } من أين يكون له ذلك ويستأهل . { وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مّنَ المال } والحال أنا أحق بالملك منه وراثة ومكنة وإنه فقير لا مال له يعتضد به ، وإنما قالوا ذلك لأن طالوت كان فقيراً رَاعياً أو سقاء أو دباغاً من أولاد بنيامين ولم تكن فيهم النبوة والملك ، وإنما كانت النبوة في أولاد لاوى بن يعقوب والملك في أولاد يهوذا وكان فيهم من السبطين خلق . { قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ } لما استبعدوا تملكه لفقره وسقوط نسبه رد عليهم ذلك . أولاً بأن العمدة فيه اصطفاه الله سبحانه وتعالى وقد اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم ، وثانياً بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية ، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب ، وأقوى على مقاومة العدو ومكابدة الحروب ، لا ما ذكرتم . وقد زاده الله فيهما وكان الرجل القائم يمد يده فينال رأسه ، وثالثاً بأن الله تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء ، ورابعاً أنه واسع الفضل يوسع على الفقير ويغنيه عليم بمن يليق بالملك من النسيب وغيره . { وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } لما طلبوا منه حجة على أنه سبحانه وتعالى اصطفى طالوت وملكه عليهم . { إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ } الصندوق فعلوت من التوب ، وهو الرجوع فإنه لا يزال يرجع إلى ما يخرج منه ، وليس بفاعول لقلة نحو سلس وقلق ، ومن قرأه بالهاء فلعله أبدله منه كما أبدل من تاء التأنيث لاشتراكهما في الهمس والزيادة ، ويريد به صندوق التوراة وكان من خشب الشمشاد مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين . { فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } الضمير للإِتيان أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة ، أو للتابوت أي مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة . وكان موسى E إِذا قاتل قدمه فتسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون . وقيل صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يتبعونه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر . وقيل صورة الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام . وقيل التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والإخلاص وإتيانه مصير قلبه مقراً للعلم والوقار بعد أن لم يكن .","part":1,"page":279},{"id":280,"text":"{ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءَالُ موسى وَءَالُ هارون } رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هرون ، وآلْهما أبناؤهما أو أنفسهما . والآل مقحم لتفخيم شأنهما ، أو أنبياء بني إسرائيل لأنهم أبناء عمهما . { تَحْمِلُهُ الملائكة } قيل رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة وهم ينظرون إليه وقيل كان بعده مع أنبيائهم يستفتحون به حتى أفسدوا فغلبهم الكفار عليه ، وكان في أرض جالوت إلى أن ملك الله طالوت فأصابهم بلاء حتى هلكت خمس مدائن فتشاءموا بالتابوت فوضعوه على ثورين فساقتهما الملائكة إلى طالوت . { إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } يحتمل أن يكون من تمام كلام النبي E وأن يكون ابتداء خطاب من الله سبحانه وتعالى .","part":1,"page":280},{"id":281,"text":"{ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتٌ بالجنود } انفصل بهم عن بلده لقتال العمالقة ، وأصله فصل نفسه عنه ولكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم . روي : أنه قال لهم لا يخرج معي إلا الشاب النشيط الفارغ ، فاجتمع إليه ممن إختاره ثمانون ألفاً ، وكان الوقت قيظاً فسلكوا مفازه وسألوه أن يجري الله لهم نهراً . { قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ } معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه . { فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنّي } فليس من أشياعي ، أو ليس بمتحد معي . { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنّى } أي من لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه مأكولاً أو مشروباً قال الشاعر : وَإِن شِئْتُ لَمْ أَطْعِم نقاخاً وَلاَ بَرَدْا . وإنما علم ذلك بالوحي إن كان نبياً كما قيل ، أو بإخبار النبي E . { إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ } استثناء من قوله فمن شرب منه ، وإنما قدمت عليه الجملة الثانية للعناية بها كما قدم والصائبون على الخبر في قوله : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ والذين هَادُواْ } والمعنى الرخصة في القليل دون الكثير ، وقرأ ابن عامر والكوفيون { غُرْفَةً } بضم الغين . { فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمْ } أي فكرعوا فيه إذ الأصل في الشرب منه أن لا يكون بوسط ، وتعميم الأول ليتصل الاستثناء ، أو أفرطوا في الشرب منه إلا قليلاً منهم . وقرىء بالرفع حملاً على المعنى فإن قوله { فَشَرِبُواْ مِنْهُ } في معنى فلم يطيعوه والقليل كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً . وقيل ثلاثة آلاف . وقيل : ألفاً روي أن من اقتصر على الغرفة كفته لشربه وإداوته ، ومن لم يقتصر غلب عليه واسودت شفته ولم يقدر أن يمضي وهكذا الدنيا لقاصد الآخرة . { فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } أي القليل الذين لم يخالفوه . { قَالُواْ } أي بعضهم لبعض . { لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ } لكثرتهم وقوتهم . { قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله } أي قال الخلص منهم الذين تيقنوا لقاء الله وتوقعوا ثوابه ، أو علموا أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله تعالى . وقيل : هم القليل الذين ثبتوا معه ، والضمير في { قَالُواْ } للكثير المنخذلين عنه اعتذاراً في التخلف وتخذيلاً للقليل ، وكأنهم تقاولوا به والنهر بينهما . { كَم مّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله } بحكمه وتيسيره ، و { كَمْ } تحتمل الخبر والاستفهام ، و { مِنْ } مبينة أو مزيدة . والفئة الفرقة من الناس من فأوت رأسه إذا شققته ، أو من فاء رجع فوزنها فعة أو فلة . { والله مَعَ الصابرين } . بالنصر والإِثابة .\r{ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ } أي ظهروا لهم ودنوا منهم . { قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } التجؤوا إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء ، وفيه ترتيب بليغ إذ سألوا أولاً إفراغ الصبر في قلوبهم الذي هو ملاك الأمر ، ثم ثبات القدم في مداحض الحرب المسبب عنه ، ثم النصر على العدو المترتب عليهما غالباً .","part":1,"page":281},{"id":282,"text":"{ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ الله } فكسروهم بنصره ، أو مصاحبين لنصره إياهم إجابة لدعائهم . { وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ } قيل : كان إيشا في عسكر طالوت معه ستة من بنيه ، وكان داود سابعهم وكان صغيراً يرعى الغنم ، فأوحى الله إلى نبيهم أنه الذي يقتل جالوت فطلبه من أبيه فجاء وقد كلمه في الطريق ثلاثة أحجار وقالت له : إنك بنا تقتل جالوت ، فحملها في مخلاته ورماه بها فقتله ثم زوجه طالوت بنته . { وآتاه الله الملك } أي ملك بني إسرائيل ولم يجتمعوا قبل داود على ملك . { والحكمة } أي النبوة . { وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء } كالسرد وكلام الدواب والطير . { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين } ولولا أنه سبحانه وتعالى يدفع بعض الناس ببعض وينصر المسلمين على الكفار ويكف بهم فسادهم ، لغلبوا وأفسدوا في الأرض ، أو لفسدت الأرض بشؤمهم . وقرأ نافع هنا وفي الحج «دفاع الله» .","part":1,"page":282},{"id":283,"text":"{ تِلْكَ آيات الله } إشارة إلى ما قص من حديث الألوف وتمليك طالوت وإتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داودُ جالوت { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق } بالوجه المطابق الذي لا يشك فيه أهل الكتاب وأرباب التواريخ . { وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } لما اختبرت بها من غير تعرف واستماع .","part":1,"page":283},{"id":284,"text":"{ تِلْكَ الرسل } إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة ، أو المعلومة للرسول A ، أو جماعة الرسل واللام للاستغراق . { فَضَّلْنَا بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره . { مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله } تفضيل له ، وهو موسى E . وقيل : موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، كلم الله موسى ليلة الحيرة وفي الطور ، ومحمداً E ليلة المعراج حين كان قاب قوسين أو أدنى وبينهما بون بعيد ، وقرىء { كَلمَ الله } و «كالم الله» بالنصب ، فإنه كلم الله كما أن الله كلمه ولذلك قيل كليم الله بمعنى مكالمه . { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات } بأن فضله على غيره من وجوه متعددة ، أو بمراتب متباعدة . وهو محمد A فإنه خصه بالدعوة العامة والحجج المتكاثرة والمعجزات المستمرة ، والآيات المتعاقبة بتعاقب الدهر ، والفضائل العلمية والعملية الفائتة للحصر . والإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين . وقيل : إبراهيم عليه السلام خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب . وقيل : إدريس عليه السلام لقوله تعالى : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } وقيل : أولو العزم من الرسل . { وَآتَيْنَا عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ } خصه بالتعيين لإفراط اليهود والنصارى في تحقيره وتعظيمه ، وجعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره . { وَلَوْ شَاء الله } أي هدى الناس جميعاً . { مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم } من بعد الرسل . { مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أي المعجزات الواضحة لاختلافهم في الدين ، وتضليل بعضهم بعضاً . { ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ } بتوفيقه التزام دين الأنبياء تفضلاً . { وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ } لإِعراضه عنه بخذلانه . { وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا } كرره للتأكيد . { ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } فيوفق من يشاء فضلاً ، ويُخذل من يشاء عدلاً . والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام متفاوتة الأقدام ، وأنه يجوز تفضيل بعضهم على بعض ، ولكن بقاطع لأن اعتبار الظن فيما يتعلق بالعمل وأن الحوادث بيد الله سبحانه وتعالى تابعة لمشيئته خيراً كان أو شراً إيماناً أو كفراً .","part":1,"page":284},{"id":285,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } ما أوجبت عليكم إنفاقه . { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فرطتم ، والخلاص من عذابه إذ لا بيع فيه فتحصلون ما تنفقونه ، أو تفتدون به من العذاب ولا خلة حتى يعينكم عليه أخلاؤكم أو يسامحوكم به ولا شفاعة { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً } حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم في حط ما في ذممكم ، وإنما رفعت ثلاثتها مع قصد التعميم لأنها في التقدير جواب : هل فيه بيع؟ أو خلة؟ أو شفاعة؟ وقد فتحها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب على الأصل . { والكافرون هُمُ الظالمون } يريد والتاركون للزكاة هم الظالمون الذين ظلموا أنفسهم ، أو وضعوا المال في غيره موضعه وصرفوه على غير وجهه ، فوضع الكافرون موضعه تغليظاً لهم وتهديداً كقوله : { وَمَن كَفَرَ } مكان ومن لم يحج وإيذاناً بأن ترك الزكاة من صفات الكفار لقوله تعالى : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة . }","part":1,"page":285},{"id":286,"text":"{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر والمعنى أنه المستحق للعبادة لا غيره . وللنحاة خلاف في أنه هل يضمر للأخير مثل في الوجود أو يصح أن يوجد . { الحي } الذي يصح أن يعلم ويقدر وكل ما يصح له فهو واجب لا يزول لامتناعه عن القوة والإِمكان . { القيوم } الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه فيعول من قام بالأمر إذا حفظه ، وقرىء «القيام» و «القيم» . { لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } السنة فتور يتقدم النوم قال ابن الرقاع :\rوَسَنانٌ أَقْصَدَهُ النَّعَاسُ فَرَنَّقَت ... في عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيسَ بِنَائِمٍ\rوالنوم حال تعرض للحيوان من استرخاء أعصاب الدماغ من رطوبات الأبخرة المتصاعدة ، بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس رأساً ، وتقديم السنة عليه وقياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود ، والجملة نفي للتشبيه وتأكيد لكونه حياً قيوماً ، فإن من أخذه نعاس أو نوم كان موؤف الحياة قاصراً في الحفظ والتدبير ، ولذلك ترك العاطف فيه وفي الجمل التي بعده . { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } تقرير لقيوميتَّه واحتجاج به على تفرده في الألوهية ، والمراد بما فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فهو أبلغ من قوله : { لَهُ السموات والأرض وَمَا فِيهِنَّ } ، { مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } بيان لكبرياء شأنه سبحانه وتعالى ، وأنه لا أحد يساويه أو يدانيه يستقل بأن يدفع ما يريده شفاعة واستكانة فضلاً عن أن يعاوقه عناداً أو مناصبة أي مخاصمة . { يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما قبلهم وما بعدهم ، أو بالعكس لأنك مستقبل المستقبل ومستدبر الماضي ، أو أمور الدنيا وأمور الآخرة ، أو عكسه ، أو ما يحسونه وما يعقلونه ، أو ما يدركونه وما لا يدركونه ، والضمير لما في السموات والأرض ، لأن فيهما العقلاء ، أو لما دل عليه من ذا من الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مّنْ عِلْمِهِ } من معلوماته . { إِلاَّ بِمَا شَاء } أن يعلموه ، وعطفه على ما قبله لأن مجموعهما يدل على تفرده بالعلم الذاتي التام الدال على وحدانيته سبحانه وتعالى . { وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السموات والأرض } تصوير لعظمته وتمثيل مجرد كقوله تعالى : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } ولا كرسي في الحقيقة ، ولا قاعد . وقيل كرسيه مجاز عن علمه أو ملكه ، مأخوذ من كرسي العالم والملك . وقيل جسم بين يدي العرش ولذلك سمي كرسياً محيط بالسموات السبع ، لقوله E \" ما السموات السبع والأرضون السبع من الكرسي ، إلا كحلقة في فلاة ، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة \" ولعله الفلك المشهور بفلك البروج ، وهو في الأصل اسم لما يقعد عليه ولا يفضل عن مقعد القاعد ، وكأنه منسوب إلى الكرسي وهو الملبد .","part":1,"page":286},{"id":287,"text":"{ لا إِكْرَاهَ فِى الدين } إذ الإِكراه في الحقيقة إلزام الغير فعلاً لا يرى فيه خيراً يحمله عليه ، ولكن { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } تميز الإِيمان من الكفر بالآيات الواضحة ، ودلت الدلائل على أن الإِيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية والكفر غي يؤدي إلى الشقاوة السرمدية ، والعاقل متى تبين له ذلك بادرت نفسه إلى الإِيمان طلباً للفوز بالسعادة والنجاة ، ولم يحتج إلى الإِكراه والإِلجاء . وقبل إخبار في معنى النهي ، أي لا تكرهوا في الدين ، وهو إما عام منسوخ بقوله؛ { جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ } أو خاص بأهل الكتاب لما روي ( أن أنصارياً كان له ابنان تنصرا قبل المبعث ، ثم قدما المدينة فلزمهما أبوهما وقال : والله لا أدعكما حتى تسلما فأبيا ، فاختصموا إلى رسول الله A فقال : الأنصاري يا رسول الله أيدخل بِعَقْبَيَّ النار وأنا أنظر إليه فنزلت فخلاهما ) . { فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت } بالشيطان ، أو الأصنام ، أو كل ما عبد من دون الله ، أو صد عن عبادة الله تعالى . فعلوت من الطغيان قلبت عينه ولامه . { وَيُؤْمِن بالله } بالتوحيد وتصديق الرسل . { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } طلب الإِمساك عن نفسه بالعروة الوثقى من الحبل الوثيق ، وهي مستعارة لمتمسك الحق من النظر الصحيح والرأي القويم . { لاَ انفصام لَهَا } لا انقطاع لها يقال فصمته فانفصم إذا كسرته . { والله سَمِيعٌ } بالأقوال { عَلِيمٌ } بالنيات ، ولعله تهديد على النفاق .","part":1,"page":287},{"id":288,"text":"{ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ } محبهم ، أو متولي أمورهم ، والمراد بهم من أراد إيمانه وثبت في علمه أنه يؤمن . { يُخْرِجُهُم } بهدايته وتوفيقه . { مِنَ الظلمات } ظلمات الجهل واتباع الهوى وقبول الوساوس والشبه المؤدية إلى الكفر . { إِلَى النور } إلى الهدى الموصل إلى الإِيمان ، والجملة خبر بعد خبر ، أو حال من المستكن في الخبر ، أو من الموصول ، أو منهما ، أو استئناف مبين ، أو مقرر للولاية . { والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } أي الشياطين ، أو المضلات من الهوى والشيطان وغيرهما . { يُخْرِجُونَهُم مّنَ النور إِلَى الظلمات } من النور الذي منحوه بالفطرة ، إلى الكفر وفساد الاستعداد والانهماك في الشهوات ، أو من نور البينات إلى ظلمات الشكوك والشبهات . وقيل : نزلت في قوم ارتدوا عن الإِسلام ، وإسناد الإِخراج إلى الطاغوت باعتبار التسبب لا يأبى تعلق قدرته تعالى وإرادته بها . { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } وعيد وتحذير ، ولعل عدم مقابلته بوعد المؤمنين تعظيم لشأنهم .","part":1,"page":288},{"id":289,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَاجَّ إبراهيم فِي رِبّهِ } تعجيب من محاجة نمرود وحماقته . { أَنْ آتاه الله الملك } لأن آتاه أي أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة ، أو حاج لأجله شكراً له على طريقة العكس كقولك عاديتني لأني أحسنت إليك ، أو وقت أن آتاه الله الملك وهو حجة على من منع إيتاء الله الملك الكافر من المعتزلة . { إِذْ قَالَ إبراهيم } ظرف ل { حَاجَّ } ، أو بدل من { أَنْ آتاه الله الملك } على الوجه الثاني . { رَبّيَ الذي يُحْييِ وَيُمِيتُ } بخلق الحياة والموت في الأجساد . وقرأ حمزة «رب» بِحذف الياء . { قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ } بالعفو عن القتل وبالقتل . وقرأ نافع «أنا» بلا ألف . { قَالَ إبراهيم فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } أعرض إبراهيم E عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعاً للمشاغبة ، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإِتيان بها غيره ، لا عن حجة إلى أخرى . ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك ، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته ، أو اعتقاد الحلول . وقيل لما كسر إبراهيم E الأصنام سجنه أياماً ثم أخرجه ليحرقه ، فقال له من ربك الذي تدعو إليه وحاجة فيه . { فَبُهِتَ الذى كَفَرَ } فصار مبهوتاً . وقرىء { فَبُهِتَ } أي فغلب إبراهيمُ الكافرَ . { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية . وقيل لا يهديهم محجة الاحتجاج أو سبيل النجاة ، أو طريق الجنة يوم القيامة .","part":1,"page":289},{"id":290,"text":"{ أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ } تقديره أو أرأيت مثل الذي فحذف لدلالة ألم تر عليه ، وتخصيصه بحرف التشبيه لأن المنكر للإِحياء كثير والجاهل بكيفيته أكثر من أن يحصى ، بخلاف مدعي الربوبية ، وقيل الكاف مزيدة وتقدير الكلام ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر . وقيل إنه عطف محمول على المعنى كأنه قيل : ألم تر كالذي حاج ، أو كالذي مر . وقيل : إنه من كلام إبراهيم ذكره جواباً لمعارضته وتقديره أو إن كنت تحيي فأحيي كإحياء الله تعالى الذي مر على قرية . وهو عزير بن شرحيا . أو الخضر ، أو كافر بالبعث . ويؤيده نظمه مع نمروذ . والقرية بيت المقدس حين خربه بختنصر . وقيل القرية التي خرج منها الألوف . وقيل غيرهما واشتقاقها من القرى وهو الجمع . { وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } خالية ساقطة حيطانها على سقوفها . { قَالَ أنى يُحْييِ هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا } اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإِحياء ، واستعظاماً لقدرة المحيي إن كان القائل مؤمناً ، واستبعاداً إن كان كافراً . و { أَنَّى } في موضع نصب على الظرف بمعنى متى أو على الحال بمعنى كيف . { فَأَمَاتَهُ الله مِاْئَةَ عَامٍ } فألبثه ميتاً مائة عام ، أو أماته الله فلبث ميتاً مائة عام . { ثُمَّ بَعَثَهُ } بالإِحياء . { قَالَ كَمْ لَبِثْتَ } القائل هو الله وساغ أن يكلمه وإن كان كافراً لأنه آمن بعد البعث أو شارف الإِيمان . وقيل ملك أو نبي . { قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } كقول الظان . وقيل : إنه مات ضحى وبعث بعد المائة قبيل الغروب فقال قبل النظر إلى الشمس يوماً ثم التفت فرأى بقية منها فقال أو بعض يوم على الإِضراب . { قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ } لم يتغير بمرور الزمان ، واشتقاقه من السنة . والهاء أصلية إن قدرت لام السنة هاء وهاء سكت إن قدرت واواً . وقيل أصله لم يتسنن من الحمأ المسنون فأبدلت النون الثالثة حرف علة كتقضي البازي ، وإنما أفرد الضمير لأن الطعام والشراب كالجنس الواحد . وقيل كان طعامه تيناً وعنباً وشرابه عصيراً أو لبناً وكان الكل على حاله . وقرأ حمزة والكسائي «لم يتسن» بغير الهاء في الوصل . { وانظر إلى حِمَارِكَ } كيف تفرقت عظامه ، أو انظر إليه سالماً في مكانه كما ربطته حفظناه بلا ماء وعلف كما حفظناه الطعام والشراب من التغير ، والأول أدل على الحال وأوفق لما بعده . { وَلِنَجْعَلَكَ ءايَةً لِلنَّاسِ } أي وفعلنا ذلك لنجعلك آية . روي أنه أتى قومه على حماره وقال أنا عزير فكذبوه ، فقرأ التوراة من الحفظ ولم يحفظها أحد قبله فعرفوه بذلك ، وقالوا هو ابن الله . وقيل لما رجع إلى منزله كان شاباً وأولاده شيوخاً فإذا حدثهم بحديث قالوا حديث مائة سنة .","part":1,"page":290},{"id":291,"text":"{ وانظر إِلَى العظام } يعني عظام الحمار ، أو الأموات الذين تعجب من إحيائهم . { كَيْفَ نُنشِزُهَا } كيف نحييها ، أو نرفع بعضها على بعض ونركبه عليه ، وكيف منصوب بنشزها والجملة حال من العظام أي : انظر إليها محياة . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «ننشرها» من أنشر الله الموتى ، وقرىء «ننشرها» من نشر بمعنى أنشر . { ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } فاعل تبين مضمر يفسره ما بعده تقديره : فلما تبين له أن الله على كل شيء قدير . { قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ، أو يفسره ما قبله أي فلما تبين له ما أشكل عليه . وقرأ حمزة والكسائي { قَالَ أَعْلَمُ } على الأمر والأمر مخاطبه ، أو هو نفسه خاطبها به على طريق التبكيت .","part":1,"page":291},{"id":292,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى } إنما سأل ذلك ليصير علمه عياناً ، وقيل لما قال نمروذ أنا أحيي وأميت قال له : إن إحياء الله تعالى برد الروح إلى بدنها ، فقال نمروذ : هل عاينته فلم يقدر أن يقول نعم . وانتقل إلى تقرير آخر ، ثم سأل ربه أن يريه ليطمئن قلبه على الجواب إن سئل عنه مرة أخرى . { قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ } بأني قادر على الإِحياء بإعادة التركيب والحياة ، قال له ذلك وقد علم أنه أغرق الناس في الإِيمان ليجيب بما أجاب به فيعلم السامعون غرضه . { قَالَ بلى ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } أي بلى آمنت ولكن سألت ذلك لأزيد بصيرة وسكون قلب بمضامة العيان إلى الوحي أو الاستدلال . { قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مّنَ الطير } قيل طاوساً وديكاً وغراباً وحمامة ، ومنهم من ذكر النسر بدل الحمامة وفيه إيماء إلى أن إحياء النفس بالحياة الأبدية إنما يتأتى بإماتة حب الشهوات والزخارف الذي هو صفة الطاوس ، والصولة المشهور بها الديك وخسة النفس وبعد الأمل المتصف بهما الغراب ، والترفع والمسارعة إلى الهوى الموسوم بهما الحمام . وإنما خص الطير لأنه أقرب إلى الإِنسان وأجمع لخواص الحيوان والطير مصدر سمي به أو جمع كصحب . { فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ } فأملهن واضممهن إليك لتتأملها وتعرف شياتها لئلا تلتبس عليك بعد الإِحياء . وقرأ حمزة ويعقوب { فَصِرْهُنَّ } بالكسر وهما لغتان قال :\rوَمَا صَيَدُ الأَعْنَاقِ فِيهم حِيلَة ... ولَكِنْ أَطْرَافَ الرِّماحِ تَصُورُهَا\rوقال :\rوَفَرْعٌ يصِيرُ الجِيدَ وَحْفٌ كَأنه ... عَلى اللَّيثِ قِنْوانُ الكُرُومِ الدَّوالِح\rوقرىء { فَصُرْهُنَّ } بضم الصاد وكسرها وهما لغتان ، مشددة الراء من صره يصره ويصره إذا جمعه وفصرهن من التصرية وهي الجمع أيضاً . { ثُمَّ اجعل على كُلّ جَبَلٍ مّنْهُنَّ جُزْءاً } أي ثم جزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك . قيل كانت أربعة . وقيل سبعة . وقرأ أبو بكر «جزؤا» و «جزؤ» بضم الزاي حيث وقع . { ثُمَّ ادعهن } قل لهن تعالين بإذن الله تعالى . { يَأْتِينَكَ سَعْيًا } ساعيات مسرعات طيراناً أو مشياً . روي أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها فيمسك رؤوسها ، ويخلط سائر أجزائها ويوزعها على الجبال ، ثم يناديهن . ففعل ذلك فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثاً ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن . وفيه إشارة إلى أن من أراد إحياء نفسه بالحياة الأبدية ، فعليه أن يقبل على القوى البدنية فيقتلها ويمزج بعضها ببعض حتى تنكسر سورتها ، فيطاوعنه مسرعات متى دعاهن بدعاية العقل أو الشرع . وكفى لك شاهداً على فضل إبراهيم E وَيُمْنُ الضراعة في الدعاء وحسن الأدب في السؤال ، إنه تعالى أراه ما أراد أن يريه في الحال على أيسر الوجوه ، وأراه عُزّيراً بعد أن أماته مائة عام . { واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجز عما يريده . { حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة في كل ما يفعله ويذره .","part":1,"page":292},{"id":293,"text":"{ مَّثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ } أي مثل نفقتهم كمثل حبة ، أو مثلهم كمثل باذر حبة على حذف المضاف . { أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } أسند الإِنبات إلى الحبة لما كانت من الأسباب ، كما يسند إلى الأرض والماء ، والمنبت على الحقيقة هو الله تعالى والمعنى : أنه يخرج منها ساق يتشعب لكل منه سبع شعب ، لكل منها سنبلة فيها مائة حبة . وهو تمثيل لا يقتضي وقوعه وقد يكون في الذرة والدخن في البر في الأراضي المغلة . { والله يضاعف } تلك المضاعفة . { لِمَن يَشَاء } بفضله وعلى حسب حال المنفق من إخلاصه وتعبه ، ومن أجل ذلك تفاوتت الأعمال في مقادير الثواب . { والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة . { عَلِيمٌ } بنية المنفق وقدر إنفاقه .","part":1,"page":293},{"id":294,"text":"{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُواْ مَنّاً وَلا أَذًى } نزلت في عثمان رضي الله تعالى عنه فإنه جهز جيش العسرة بألف بعير بأقتابها وأحلاسها . وعبد الرحمن بن عوف فإنه أتى النبي A بأربعة آلاف درهم صدقة . والمن أن يعتد بإحسانه على من أحسن إليه . والأذى أن يتطاول عليه بسبب ما أنعم إليه ، وثم للتفاوت بين الإِنفاق وترك المن والأذى . { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لعله لم يدخل الفاء فيه وقد تضمن ما أسند إليه معنى الشرط إيهاماً بأنهم أهل لذلك وإن لم يفعلوا فكيف بهم إذا فعلوا .\r{ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } رد جميل . { وَمَغْفِرَةٌ } وتجاوز عن السائل والحاجة ، أو نيل المغفرة من الله بالرد الجميل ، أو عفو من السائل بأن يعذر ويغتفر رده . { خَيْرٌ مّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى } خبر عنهما ، وإنما صح الابتداء بالنكرة لاختصاصها بالصفة . { والله غَنِيٌّ } عن إنفاق بمن وإيذاء . { حَلِيمٌ } عن معاجلة من يمن ويؤذي بالعقوبة .","part":1,"page":294},{"id":295,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى } لا تحبطوا أجرها بكل واحد منهما . { كالذي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } كإبطال المنافق الذي يرائي بإنفاقه ولا يريد به رضا الله تعالى ولا ثواب الآخرة ، أو مماثلين الذي ينفق رئاء الناس ، والكاف في محل النصب على المصدر أو الحال ، و { رِئَاء } نصب على المفعول له أو الحال بمعنى مرائياً أو المصدر أي إنفاق { رِئَاء } . { فَمَثَلُهُ } أي فمثل المرائي في إنفاقه . { كَمَثَلِ صَفْوَانٍ } كمثل حجر أملس . { عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ } مطر عظيم القطر . { فَتَرَكَهُ صَلْدًا } أملس نقياً من التراب . { لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْء مّمَّا كَسَبُواْ } لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثواباً ، والضمير للذي ينفق باعتبار المعنى لأن المراد به الجنس ، أو الجمع كما في قوله :\rإِنَّ الَّذِي حَانَتْ بِفَلجٍ دِمَاؤُهُم ... هُمُ القَومُ كُلَّ القَومِ يَا أُمَّ خَالدٍ\r{ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } إلى الخير والرشاد ، وفيه تعريض بأن الرئاء والمن والأذى على الإنفاق من صفات الكفار ولا بد للمؤمن أن يتجنب عنها .","part":1,"page":295},{"id":296,"text":"{ وَمَثَلُ الذين يُنفِقُونَ أموالهم ابتغاء مَرْضَاتَ الله وَتَثْبِيتًا مّنْ أَنفُسِهِمْ } وتثبيتاً بعض أنفسهم على الإِيمان ، فإِن المال شقيق الروح ، فمن بذل ماله لوجه الله ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه ثبتها كلها ، أو تصديقاً للإِسلام وتحقيقاً للجزاء مبتدأ من أصل أنفسهم ، وفيه تنبيه على أن حكمة الإِنفاق للمنفق تزكية النفس عن البخل وحب المال . { كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ } أي ومثل نفقة هؤلاء في الزكاة ، كمثل بستان بموضع مرتفع ، فإن شجره يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً . وقرأ ابن عامر وعاصم { بِرَبْوَةٍ } بالفتح وقرىء بالكسر وثلاثتها لغات فيها . { أَصَابَهَا وَابِلٌ } مطر عظيم القطر . { فَأَتَتْ أُكُلَهَا } ثمرتها . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بالسكون للتخفيف . { ضِعْفَيْنِ } مثلي ما كنت تثمر بسبب الوابل . والمراد بالضعف المثل كما أريد بالزوج الواحد في قوله تعالى : { مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } وقيل : أربعة أمثاله ونصبه على الحال أي مضاعفاً . { فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } أي فيصيبها ، أو فالذي يصيبها طل ، أو فطل يكفيها لكرم منبتها وبرودة هوائها لارتفاع مكانها . وهو المطر الصغير القطر ، والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت تتفاوت باعتبار ما ينضم إليها من أحواله ، ويجوز أن يكون التمثيل لحالهم عند الله تعالى بالجنة على الربوة ونفقاتهم الكثيرة والقليلة الزائدتين في زلفاهم بالوابل والطل . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تحذير عن الرئاء وترغيب في الإِخلاص .","part":1,"page":296},{"id":297,"text":"{ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ } الهمزة فيه للإِنكار . { أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } جعل الجنة منهما مع ما فيها من سائر الأشجار تغلباً لهما لشرفهما وكثرة منافعهما ، ثم ذكر أن فيها من كل الثمرات ليدل على احتوائها على سائر أنواع الأشجار ، ويجوز أن يكون المراد بالثمرات المنافع . { وَأَصَابَهُ الكبر } أي كبر السن ، فإن الفاقة والعالة في الشيخوخة أصعب ، والواو للحال أو للعطف حملاً على المعنى ، فكأنه قيل : أيود أحدكم لو كانت له جنة وأصابه الكبر . { وَلَهُ ذُرّيَّةٌ ضُعَفَاء } صغار لا قدرة لهم على الكسب . { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت } عطف على أصابه ، أو تكون باعتبار المعنى . والإِعصار ريح عاصفة تنعكس من الأرض إلى السماء مستديرة كعمود ، والمعنى تمثيل حال من يفعل الأفعال الحسنة ويضم إليها ما يحبطها كرياء وإيذاء في الحسرة والأسف ، فإذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته إليها وجدها محبطة بحال من هذا شأنه ، وأشبههم به من جال بسره في عالم الملكوت ، وترقى بفكره إلى جناب الجبروت ، ثم نكص على عقبيه إلى عالم الزور والتفت إلى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثوراً . { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ } أي تتفكرون فيها فتعتبرون بها .","part":1,"page":297},{"id":298,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طيبات مَا كَسَبْتُمْ } من حلاله أو جياده . { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مّنَ الأرض } أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمرات والمعادن ، فحذف المضاف لتقدم ذكره . { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ } أي ولا تقصدوا الرديء منه أي من المال ، أو مما أخرجنا لكم . وتخصيصه بذلك لأن التفاوت فيه أكثر ، وقرىء ولا تؤمموا ولا تيمموا بضم التاء . { تُنفِقُونَ } حال مقدرة من فاعل تيمموا ، ويجوز أن يتعلق به منه ويكون الضمير للخبيث والجملة حالاً منه . { وَلَسْتُم بِأَخِذِيهِ } أي وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم لردائته . { إِلا أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } إلا أن تتسامحوا فيه ، مجاز من أغمض بصره إذا غضه . وقرىء { تُغْمِضُواْ } أي تحملوا على الإِغماض ، أو توجدوا مغمضين . وعن ابن عباس Bه : كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه . { واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ } عن إنفاقكم ، وإنما يأمركم به لانتفاعكم . { حَمِيدٌ } بقبوله وإثابته .","part":1,"page":298},{"id":299,"text":"{ الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر } في الإِنفاق ، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر . وقرىء { الفقر } بالضم والسكون وبضمتين وفتحتين . { وَيَأْمُرُكُم بالفحشاء } ويغريكم على البخل ، والعرب تسمي البخيل فاحشاً . وقيل المعاصي { والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مّنْهُ } أي يعدكم في الإِنفاق مغفرة لذنوبكم . { وَفَضْلاً } خلفاً أفضل مما أنفقتم في الدنيا ، أو في الآخرة . { والله واسع } أي واسع الفضل لمن أنفق . { عَلِيمٌ } بإنفاقه .","part":1,"page":299},{"id":300,"text":"{ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ } تحقيق العلم وإتقان العلم . { مَن يَشَآء } مفعول أول أخر للإِهتمام بالمفعول الثاني { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ } بناؤه للمفعول لأنه المقصود . وقرأ يعقوب بالكسر أي ومن يؤته الله الحِكمة . { فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا } أي : أيُّ خير كثير؟ إذ حيز له خير الدارين . { وَمَا يَذَّكَّرُ } وما يتعظ بما قص من الآيات ، أو ما يتفكر ، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة . { إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } ذوو العقول الخالصة عن شوائب الوهم والركون إلى متابعة الهوى .","part":1,"page":300},{"id":301,"text":"{ وَمَا أَنفَقْتُم مّن نَّفَقَةٍ } قليلة أو كثيرة ، سراً أو علانية ، في حق أو باطل . { أَوْ نَذَرْتُم مّن نَّذْرٍ } بشرط أو بغير شرط ، في طاعة أو معصية . { فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ } فيجازيكم عليه . { وَمَا للظالمين } الذين ينفقون في المعاصي وينذرون فيها ، أو يمنعون الصدقات ولا يوفون بالنذر . { مِنْ أَنصَارٍ } من ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه .","part":1,"page":301},{"id":302,"text":"{ إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ } فنعم شيئاً إبداؤها . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بفتح النون وكسر العين على الأصل . وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وقالون بكسر النون وسكون العين ، وروي عنهم بكسر النون وإخفاء حركة العين وهو أقيس . { وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء } أي تعطوها مع الإِخفاء . { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } فالإِخفاء خير لكم ، وهذا في التطوع ولمن لم يعرف بالمال فإن إبداء الغرض لغيره أفضل لنفي التهمة عنه . عن ابن عباس Bهما ( صدقة السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً ، وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً ) . { وَيُكَفّرُ عَنكُم مّن سَيّئَاتِكُمْ } قرأ ابن عامر وعاصم في رواية حفص بالياء أي والله يكفر أو الإِخفاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش ويعقوب بالنون مرفوعاً على أنه جملة فعلية مبتدأة أو إسمية معطوفة على ما بعد الفاء أي : ونحن نكفر . وقرأ نافع وحمزة والكسائي به مجزوماً على محل الفاء وما بعده . وقرىء بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والفعل للصدقات . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ترغيب في الإِسرار . { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ } لا يجب عليك أن تجعل الناس مهديين ، وإنما عليك الإِرشاد والحث على المحاسن ، والنهي عن المقابح كالمن والأذى وإنفاق الخبيث . { ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَاء } صريح بأن الهداية من الله تعالى وبمشيئته ، وإنها تخص بقوم دون قوم . { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ } من نفقة معروفة . { فَلأَنفُسِكُمْ } فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا عليه ولا تنفقوا الخبيث . { وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ الله } حال ، وكأنه قال وما تنفقون من خير فلأنفسكم غير منفقين إلا لابتغاء وجه الله وطلب ثوابه . أو عطف على ما قبله أي وليست نفقتكم إلا لابتغاء وجهه فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث . وقيل : نفي في معنى النهي . { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } ثوابه أضعافاً مضاعفة ، فهو تأكيد للشرطية السابقة ، أو ما يخلف للمنفق استجابة لقوله E « اللهم اجعل لمنفق خلفاً ، ولممسك تلفاً » روي : أن ناساً من المسلمين كانت لهم أصهار ورضاع في اليهود ، وكانوا ينفقون عليهم ، فكرهوا لما أسلموا أن ينفعوهم فنزلت . وهذا في غير الواجب أما الواجب فلا يجوز صرفه إلى الكفار . { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } أي لا تنقصون ثواب نفقاتكم .","part":1,"page":302},{"id":303,"text":"{ لِلْفُقَرَاء } متعلق بمحذوف أي اعمدوا للفقراء ، أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء ، أو صدقاتكم للفقراء . { الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله } أحصرهم الجهاد . { لاَ يَسْتَطِيعُونَ } لاشتغالهم به . { ضَرْبًا فِى الأرض } ذهاباً فيها للكسب . وقيل هم أهل الصفة كانوا نحواً من أربعمائة من فقراء المهاجرين يسكنون صفة المسجد يستغرقون أوقاتهم بالتعلم والعبادة ، وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله A . { يَحْسَبُهُمُ الجاهل } بحالهم ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بفتح السين . { أَغْنِيَاء مِنَ التعفف } من أجل تعففهم عن السؤال ، { تَعْرِفُهُم بسيماهم } من الضعف ورثاثة الحال ، والخطاب للرسول A ، أو لكل أحد . { يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً } إلحاحاً ، وهو أن يلازم المسؤول حتى يعطيه ، من قولهم لحفي من فضل لحافه ، أي أعطاني من فضل ما عنده ، والمعنى أنهم لا يسألون وإن سألوا عن ضرورة لم يلحوا . وقيل : هو نفي للأمرين كقوله :\rعلى لا حب يهتدي بمناره ... فنصبه على المصدر فإنه كنوع من السؤال ، أو على الحال . { وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ } ترغيب في الإِنفاق وخصوصاً على هؤلاء .","part":1,"page":303},{"id":304,"text":"{ الذين يُنفِقُونَ أموالهم بالليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً } أي يعمون الأوقات والأحوال بالخير . نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار ، وعشرة بالسر وعشرة بالعلانية . وقيل في أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه : لم يملك إلا أربعة دراهم فتصدّق بدرهم ليلاً ودرهم نهاراً ، ودرهم سراً ودرهم علانية . وقيل : في ربط الخيل في سبيل الله والإِنفاق عليها . { فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } خبر الذين ينفقون ، والفاء للسببية . وقيل للعطف والخبر محذوف أي ومنهم الذين ولذلك جوز الوقف على وعلانية .","part":1,"page":304},{"id":305,"text":"{ الذين يَأْكُلُونَ الربا } أي الآخذون له ، وإنما ذكر الأكل لأنه أعظم منافع المال ، ولأن الربا شائع في المطعومات وهو زيادة في الأجل ، بأن يباع مطعوم بمطعوم ، أو نقد بنقد إلى أجل ، أو في العوض بأن يباع أحدهما بأكثر منه من جنسه ، وإنما كتب بالواو كالصلاة للتفخيم على لغة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع . { لاَ يَقُومُونَ } إذا بعثوا من قبورهم . { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان } إلا قياماً كقيام المصروع ، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء . { مِنَ المس } أي الجنون ، وهذا أيضاً من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل : جَنَّ الرجلُ . وهو متعلق ب { لاَ يَقُومُونَ } أي لا يقومون من المس الذي بهم بسبب أكل الربا ، أو بيقوم أو بيتخبط فيكون نهوضهم وسقوطهم كالمصروعين لا لاختلال عقولهم ولكن لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوه من الربا فأثقلهم . { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا } أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله . وكان الأصل إنما الربا مثل البيع ولكن عكس للمبالغة ، كأنهم جعلوا الربا أصلاً وقاسوا به البيع ، والفرق بينَّ فإن من أعطى درهمين بدرهم ضيع درهماً ، ومن اشترى سلعة تساوي درهماً بدرهمين فلعل مساس الحاجَةُ إليها ، أو توقع رواجها يجبر هذا الغبن . { وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا } إنكار لتسويتهم ، وإبطال القياس بمعارضة النص . { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } فمن بلغه وعظ من الله تعالى وزجر كالنهي عن الربا . { فانتهى } فاتعظ وتبع النهي . { فَلَهُ مَا سَلَفَ } تقدم أخذه التحريم ولا يسترد منه ، وما في موضع الرفع بالظرف إن جعلت من موصولة ، وبالابتداء إن جعلت شرطية على رأي سيبويه إذ الظرف غير معتمد على ما قبله . { وَأَمْرُهُ إِلَى الله } يجازيه على انتهائه إن كان من قبول الموعظة وصدق النية . وقيل يحكم في شأنه ولا اعتراض لكم عليه . { وَمَنْ عَادَ } إلى تحليل الربا ، إذ الكلام فيه . { فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } لأنهم كفروا به .","part":1,"page":305},{"id":306,"text":"{ يَمْحَقُ الله الربا } يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه . { وَيُرْبِي الصدقات } يضاعف ثوابها ويبارك فيما أخرجت منه ، وعنه E « إن الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربي أحدكم مهره » وعنه E « ما نقصت زكاة من مال قط » { والله لاَ يُحِبُّ } لا يرضى ولا يحب محبته للتوابين . { كُلَّ كَفَّارٍ } مصر على تحليل المحرمات . { أَثِيمٍ } منهمك في ارتكابه .","part":1,"page":306},{"id":307,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } بالله ورسوله وبما جاءهم منه . { وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة } عطفهما على ما يعمهما لإِنافتهما على سائر الأعمال الصالحة . { لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من آت . { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على فائت .","part":1,"page":307},{"id":308,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا } واتركوا بقايا ما شرطتم على الناس من الربا . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم به . روي : أنه كان لثقيف مال على بعض قريش ، فطالبوهم عند المحل بالمال والربا . فنزلت .","part":1,"page":308},{"id":309,"text":"{ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي فاعلموا بها ، من أذن بالشيء إذا علم به ، وقرأ حمزة وعاصم في رواية ابن عياش «فآذنوا» أي فاعلموا بها غيركم ، من الأذن وهو الاستماع فإنه من طرق العلم ، وتنكير حرب للتعظيم وذلك يقتضي أن يقاتل المربي بعد الاستتابة حتى يفيء إلى أمر الله ، كالباغي ولا يقتضي كفره . روي : أنها لما نزلت قالت ثقيف لا يدي لنا بحرب الله ورسوله . { وَإِن تُبتُمْ } من الارتباء واعتقاد حله . { فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ } بأخذ الزيادة . { وَلاَ تُظْلَمُونَ } بالمطل والنقصان ، ويفهم منه أنها إن لم يتوبوا فليس لهم رأس مالهم وهو سديد على ما قلناه ، إذ المصر على التحليل مرتد وماله فيء :\r{ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ } وإن وقع غريم ذو عسرة . وقرىء «ذا عسرة» أي وإن كان الغريم ذا عسرة . { فَنَظِرَةٌ } فالحكم نظرة ، أو فعليكم نظرة ، أو فليكن نظرة وهي الإنظار . وقرىء «فناظره» على الخبر أي فالمستحق ناظره بمعنى منتظره ، أو صاحب نظرته على طريق النسب وفناظره على الأمر أي فسامحه بالنظرة . { إلى مَيْسَرَةٍ } يسار ، وقرأ نافع وحمزة بضم السين ، وهما لغتان كمشرقة ومشرقة . وقرىء بهما مضافين بحذف التاء عند الإِضافة كقوله : { أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ } { وَأَن تَصَدَّقُواْ } بالإبراء . وقرأ عاصم بتخفيف الصاد . { خَيْراً لَّكُمْ } أكثر ثواباً من الإِنظار ، أو خير مما تأخذون لمضاعفة ثوابه ودوامه . وقيل : المراد بالتصدق الإِنظار لقوله E ، \" لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة \" { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما فيه من الذكر الجميل الجزيل .","part":1,"page":309},{"id":310,"text":"{ واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } يوم القيامة ، أو يوم الموت فتأهبوا لمصيركم إليه . وقرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم . { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } جزاء ما عملت من خير أو شر { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب وتضعيف عقاب . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ( أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام وقال ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة ) وعاش رسول الله A بعدها أحداً وعشرين يوماً وقيل أحداً وثمانين يوماً . وقيل سبعة أيام وقيل ثلاثة ساعات .","part":1,"page":310},{"id":311,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } أي إذا داين بعضكم بعضاً ، تقول : داينته إذا عاملته نسيئة معطياً أو آخذاً . وفائدة ذكر الدين أن لا يتوهم من التداين المجازاة ويعلم تنوعه إلى المؤجل والحال ، وأنه الباعث على الكتبة ويكون مرجع ضمير فاكتبوه { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } معلوم الأيام والأشهر لا بالحصاد وقدوم الحاج . { فاكتبوه } لأنه أوثق وادفع للنزاع ، والجمهور على أنه استحباب . وعن ابن عباس Bهما ( أن المراد به السلم وقال لما حرم الله الربا أباح السلم ) . { وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُم كَاتِبٌ بالعدل } من يكتب السوية لا يزيد ولا ينقص ، وهو في الحقيقة أمر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين حتى يجيء مكتوبه موثوقاً به معدلاً بالشرع . { وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ } ولا يمتنع أحد من الكتاب . { أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله } مثل ما علمه الله من كتبة الوثائق ، أو لا يأب أن ينفع الناس بكتابته كما نفعه الله بتعليمها كقوله : { وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } { فَلْيَكْتُبْ } تلك الكتابة المعلمة . أمر بها بعد النهي عن الإِباء عنها تأكيداً ، ويجوز أن تتعلق الكاف بالأمر فيكون النهي عن الامتناع منها مطلقة ثم الأمر بها مقيدة . { وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق } وليكن المملي من عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه ، والإِملال والإِملاء واحد . { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } أي المملي . أو الكاتب . { وَلاَ يَبْخَسْ } ولا ينقص . { مِنْهُ شَيْئاً } أي من الحق ، أو مما أملى عليه . { فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهًا } ناقص العقل مبذراً . { أَوْ ضَعِيفًا } صبياً أو شيخاً مختلاً . { أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ } أو غير مستطيع للإِملال بنفسه لخرس أو جهل باللغة . { فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل } أي الذي يلي أمره ويقوم مقامه من قيم إن كان صبياً أو مختل العقل ، أو وكيل أو مترجم إن كان غير مستطيع . وهو دليل جريان النيابة في الإِقرار ولعله مخصوص بما تعاطاه القيم أو الوكيل . { واستشهدوا شَهِيدَيْنِ } واطلبوا أن يشهد على الدين شاهدان . { مّن رّجَالِكُمْ } من رجال المسلمين ، وهو دليل اشتراط إسلام الشهود وإليه ذهب عامة العلماء وقال أبو حنيفة : تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض . { فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ } فإن لم يكن الشاهدان رجلين . { فَرَجُلٌ وامرأتان } فليشهد أو فليستشهد رجل وامرأتان ، وهذا مخصوص بالأموال عندنا وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة . { مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهداء } لعلمكم بعدالتهم . { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى } علة اعتبار العدد أي لأجل أن إحداهما إن ضلت الشهادة بأن نسيتها ذكرتها الأخرى ، والعلة في الحقيقة التذكير ولكن لما كان الضلال سبباً له نزل منزلته كقولهم : أعددت السلاح أن يجيء عدو فأدفعه ، وكأنه قيل : إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت ، وفيه إشعار بنقصان عقلهن وقلة ضبطهن .","part":1,"page":311},{"id":312,"text":"وقرأ حمزة { أَن تَضِلَّ } على الشرط فتذكر بالرفع . وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب { فَتُذَكّرَ } من الإِذكار . { وَلاَ يَأْبَ الشهداء إِذَا مَا دُعُواْ } لأداء الشهادة أو التحمل . وسموا شهداء قبل التحمل تنزيلاً لما يشارف منزلة الواقع و { مَا } مزيدة . { وَلاَتَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوه } ولا تملوا من كثرة مدايناتكم أن تكتبوا الدين أو الحق أو الكتاب . وقيل كنى بالسأم عن الكسل لأنه صفة المنافق ، ولذلك قال E « لا يقول المؤمن كسلت » { صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا } صغيراً كان الحق أو كبيراً ، أو مختصراً كان الكتاب أو مشبعاً . { إِلَى أَجَلِهِ } إلى وقت حلوله الذي أقر به المديون . { ذلكم } إشارة إلى أن تَكتبوه . { أَقْسَطُ عِندَ الله } أكثر قسطاً . { وَأَقْوَمُ للشهادة } وأثبت لها وأعون على إقامتها ، وهما مبنيان من أقسط وأقام على غير قياس ، أو من قاسط بمعنى ذي قسط وقويم ، وإنما صحت الواو في { أَقْوَمُ } كما صحت في التعجب لجموده . { وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ } وأقرب في أن لا تشكوا في جنس الدين وقدره وأجله والشهود ونحو ذلك . { إِلا أَن تَكُونَ تجارة حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا } استثناء من الأمر بالكتابة والتجارة الحاضرة تعم المبايعة بدين أو عين ، وإدارتها بينهم تعاطيهم إياها يداً بيد أي : إلا أن تتبايعوا يداً بيد فلا بأس أن لا تكتبوا ، لبعده عن التنازع والنسيان . ونصب عاصم { تجارة } على أنه الخبر والاسم مضمر تقديره إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة كقوله :\rبَني أَسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاَءَنَا ... إذَا كَانَ يَوْماً ذَا كَوَاكِبَ أَشْنَعا\rورفعها الباقون على أنها الاسم والخبر تديرونها أو على كان التامة . { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } هذا التبايع ، أو مطلقاً لأنه أحوط . والأوامر التي في هذه الآية للاستحباب عند أكثر الأئمة . وقيل : إنها للوجوب ثم اختلف في إحكامها ونسخها . { وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ } يحتمل البناءين ، ويدل عليه أنه قرىء { وَلاَ يُضَارَّ } بالكسر والفتح . وهو نهيهما عن ترك الإِجابة والتحريف والتغيير في الكتب والشهادة ، أو النهي عن الضرار بهما مثل أن يعجلا عن مهم ويكلفا الخروج عما حد لهما ، ولا يعطى الكاتب جعله ، والشهيد مؤنة مجيئه حيث كان . { وَإِن تَفْعَلُواْ } الضرار أو ما نهيتم عنه . { فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ } خروج عن الطاعة لا حق بكم . { واتقوا الله } في مخالفة أمره ونهيه . { وَيُعَلّمُكُمُ الله } أحكامه المتضمنة لمصالحكم . { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } كرر لفظه الله في الجمل الثلاث لاستقلالها ، فإن الأولى حث على التقوى ، والثانية وعد بإنعامه ، والثالثة تعظيم لشأنه . ولأنه أدخل في التعظيم من الكناية .","part":1,"page":312},{"id":313,"text":"{ وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ } أي مسافرين . { وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فرهان مَّقْبُوضَةٌ } فالذي يستوثق به رهان ، أو فعليكم رهان ، أو فليؤخذ رهان . وليس هذا التعليق لاشتراط السفر في الإِرتهان كما ظنه مجاهد والضحاك رحمهما الله تعالى لأنه عليه السلام رهن درعه في المدينة من يهودي على عشرين صاعاً من شعير أخذه لأهله ، بل لإِقامة التوثق للإِرتهان مقام التوثق بالكتابة في السفر الذي هو مظنة إعوازها . والجمهور على اعتبار القبض فيه غير مالك . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «فرهن» كسقف وكلاهما جمع رهن بمعنى مرهون : وقرىء بإسكان الهاء على التخفيف . { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا } أي بعض الدائنين بعض المديونين واستغنى بأمانته عن الارتهان . { فَلْيُؤَدّ الذي اؤتمن أمانته } أي دينه سماه أمانة لائتمانه عليه بترك الارتهان به . وقرىء «الذي ايتمن» بقلب الهمزة ياء ، و «الذي أتمن» بإدغام الياء في التاء وهو خطأ لأن المنقلبة عن الهمزة في حكمها فلا تدغم . { وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ } في الخيانة وإنكار الحق وفيه مبالغات . { وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة } أيها الشهود ، أو المدينون والشهادة شهادتهم على أنفسهم . { وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءاثِمٌ قَلْبُهُ } أي يأثم قلبه أو قلبه يأثم . والجملة خبر إن وإسناد الإِثم إلى القلب لأن الكتمان مقترفه ونظيره : العين زانية والأذن زانية . أو للمبالغة فإنه رئيس الأعضاء وأفعاله أعظم الأفعال ، وكأنه قيل : تمكن الإِثم في نفسه وأخذ أشرف أجزائه ، وفاق سائر ذنوبه . وقرىء { قَلْبَهُ } بالنصب كحسن وجهه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } تهديد .","part":1,"page":313},{"id":314,"text":"{ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً . { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ } يعني ما فيها من السوء والعزم عليه لترتب المغفرة والعذاب عليه . { يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } يوم القيامة . وهو حجة على من أنكر الحساب كالمعتزلة والروافض . { فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } مغفرته . { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } تعذيبه ، وهو صريح في نفي وجوب التعذيب . وقد رفعهما ابن عامر وعاصم ويعقوب على الاستئناف ، وجزمهما الباقون عطفاً على جواب الشرط ، ومن جزم بغير فاء جعلهما بدلاً منه بدل البعض من الكل أو الاشتمال كقوله :\rمَتَى تَأتِنَا تُلْمِمْ بنَا فِي دِيَارِنَا ... تجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا\rوإدغام الراء في اللام لحن إذ الراء لا تدغم إلا في مثلها . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على الإِحياء والمحاسبة .","part":1,"page":314},{"id":315,"text":"{ آمَنَ الرسول بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبّهِ } شهادة وتنصيص من الله تعالى على صحة إيمانه والإِعتداد به ، وإنه جازم في أمره غير شاك فيه . { والمؤمنون كُلٌّ ءَامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } لا يخلو من أن يعطف { المؤمنون } على { الرسول } ، فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعاً إلى { الرسول } { والمؤمنين } ، أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين . وباعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدأ ، ويكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة وعيان ، وإيمانهم عن نظر واستدلال . وقرأ حمزة والكسائي : «وكتابه» يعني القرآن ، أو الجنس . والفرق بينه وبين الجمع أنه شائع في وحدان الجنس والجمع في جموعه ولذلك قيل : الكتاب أكثر من الكتب . { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ } أي يقولون لا تفرق . وقرأ يعقوب لا يفرق بالياء على أن الفعل ل { كُلٌّ } . وقرىء «لا يفرقون» حملاً على معناه كقوله تعالى : { وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين } واحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي كقوله تعالى : { فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين } ولذلك دخل عليه بين ، والمراد نفي الفرق بالتصديق والتكذيب { وَقَالُواْ سَمِعْنَا } أجبنا . { وَأَطَعْنَا } أمرك . { غُفْرَانَكَ رَبَّنَا } اغفر لنا غفرانك ، أو نطلب غفرانك . { وَإِلَيْكَ المصير } المرجع بعد الموت وهو إقرار منهم بالبعث .","part":1,"page":315},{"id":316,"text":"{ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما تسعه قدرتها فضلاً ورحمةً ، أو ما دون مدى طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها كقوله تعالى : { يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر } وهو يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال ولا يدل على امتناعه . { لَهَا مَا كَسَبَتْ } من خير . { وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت } من شر لا ينتفع بطاعتها ولا يتضرر بمعاصيها غيرها ، وتخصيص الكسب بالخير والاكتساب بالشر لأن الاكتساب فيه احتمال والشر تشتهيه النفس وتنجذب إليه فكانت أجد في تحصيله وأعمل بخلاف الخير . { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } أي لا تؤاخذنا بما أدى بنا إلى نسيان أو خطأ من تفريط وقلة مبالاة ، أو بأنفسهما إذ لا تمتنع المؤاخذة بهما عقلاً فإن الذنوب كالسموم فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك وإن كان خطأ فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب وإن لم تكن عزيمة ، لكنه تعالى وعد التجاوز عنه رحمةً وفضلاً فيجوز أن يدعو الإنسان به استدامة واعتداداً بالنعمة فيه . ويؤيد ذلك مفهوم قوله E « رفع عن أمتي الخطأ والنسيان » { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا } عبأً ثقيلاً يأصر صاحبه ، أي يحبسه في مكانه . يريد به التكاليف الشاقة . وقرىء { وَلاَ تَحْمِلْ } بالتشديد للمبالغة . { كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا } حملاً مثل حملك إياه على { مِن قَبْلِنَا } ، أو مثل الذي حملته إياهم فيكون صفة لإِصراً ، والمراد به ما كلف به بنو إسرائيل من قتل الأنفس ، وقطع موضع النجاسة ، وخمسين صلاة في اليوم والليلة ، وصرف ربع المال للزكاة . أو ما أصابهم من الشدائد والمحن . { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } من البلاء والعقوبة ، أو من التكاليف التي لا تفي بها الطاقة البشرية وهو يدل على جواز التكليف بما لا يطاق وإلا لما سئل التخلص منه ، والتشديد ههنا لتعدية الفعل إلى المفعول الثاني . { واعف عَنَّا } وامح ذنوبنا . { واغفر لَنَا } واستر عيوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة . { وارحمنا } وتعطف بنا وتفضل علينا . { أَنتَ مولانا } سيدنا . { فانصرنا عَلَى القوم الكافرين } فإن من حق المولى أن ينصر مواليه على الأعداء ، أو المراد به عامة الكفرة .\rروي أنه E لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل كلمة فعلت . وعنه عليه السلام « أنزل الله تعالى آيتين من كنوز الجنة . كتبها الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة ، من قرأهما بعد العشاء الأخيرة أجزأتاه عن قيام الليل » وعنه E « من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه » وهو يرد قول من استكره أن يقال سورة البقرة ، وقال : ينبغي أن يقال السورة التي تذكر فيها البقرة ، كما قال E « السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها ، فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ، ولن يستطيعها البطلة قيل : يا رسول الله وما البطلة؟ قال : السحرة » .","part":1,"page":316},{"id":317,"text":"{ الم } .\r{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إنما فتح الميم في المشهور وكان حقها أن يوقف عليها لإِلقاء حركة الهمزة عليها ليدل على أنها في حكم الثابت ، لأنها أسقطت للتخفيف لا للدرج ، فإن الميم في حكم الوقف كقولهم واحد اثنان بإلقاء حركة الهمزة على الدال لا لالتقاء الساكنين ، فإنه غير محذور في باب الوقف ، ولذلك لم تحرك الميم في لام . وقرىء بكسرها على توهم التحريك لالتقاء الساكنين . وقرأ أبو بكر بسكونها والابتداء بما بعدها على الأصل . { الحي القيوم } روي أنه E قال : « إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور في البقرة الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، وفي آل عمران الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، وفي طه وعنت الوجوه للحي القيوم » { نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب } القرآن نجوماً . { بالحق } بالعدل ، أو بالصدق في أخباره ، أو بالحجج المحققة أنه من عند الله وهو في موضع الحال . { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب . { وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل } جملة على موسى وعيسى . واشتقاقهما من الورى والنجل ، ووزنهما بتفعلة وافعيل تعسف لأنهما أعجميان ، ويؤيد ذلك أنه قرىء { الأنجيل } بفتح الهمزة وهو ليس من أبنية العربية ، وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان والكسائي التوراة بالإِمالة في جميع القرآن ، ونافع وحمزة بين اللفظين إِلاَّ قَالُون فإنه قرأ بالفتح كقراءة الباقين .","part":1,"page":317},{"id":318,"text":"{ مِن قَبْلُ } من قبل تنزيل القرآن . { هُدًى لّلنَّاسِ } على العموم إن قلنا إنا متعبدون بشرع من قبلنا ، وإلا فالمراد به قومهما . { وَأَنزَلَ الفرقان } يريد به جنس الكتب الإِلهية ، فإنّها فارقة بين الحق والباطل . ذكر ذلك بعد ذكر الكتب الثلاثة ليعم ما عداها ، كأنه قال : وأنزل سائر ما يفرق به بين الحق والباطل ، أو الزبور أو القرآن . وكرر ذكره بما هو نعت له مدحا وتعظيماً ، وإظهاراً لفضله من حيث إنه يشاركهما في كونه وحياً منزلاً ويتميز بأنه معجز يفرق بين المحق والمبطل ، أو المعجزات { إِنَّ الذين كَفَرُواْ بأيات الله } من كتبه المنزلة وغيرها . { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } بسبب كفرهم . { والله عَزِيزٌ } غالب لا يمنع من التعذيب . { ذُو انتقام } لا يقدر على مثله منتقم ، والنقمة عقوبة المجرم والفعل منه نقم بالفتح والكسر ، وهو وعيد جيء به بعد تقرير التوحيد والإِشارة إلى ما هو العمدة في إثبات النبوة تعظيماً للأمر ، وزجراً عن الإِعراض عنه .","part":1,"page":318},{"id":319,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يخفى عَلَيْهِ شَيْء فِي الأرض وَلاَ فِي السماء } أي شيء كائن في العالم كلياً كان أو جزئياً ، إيماناً أو كفراً . فعبَّر عنه بالسماء والأرض إِذ الحس لا يتجاوزهما ، وإنما قدم الأرض ترقياً من الأدنى إلى الأعلى ، ولأن المقصود بالذكر ما اقترف فيها . وهو كالدليل على كونه حياً وقوله : { هُوَ الذي يُصَوّرُكُمْ فِي الأرحام كَيْفَ يَشَاء } أي من الصور المختلفة ، كالدليل على القيومية ، والاستدلال على أنه عالم بإتقان فعله في خلق الجنين وتصويره . وقرىء «تصوركم» أي صوركم لنفسه وعبادته . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا يعلم غيره جملة ما يعلمه ولا يقدر على مثل ما يفعله . { العزيز الحكيم } إشارة إلى كمال قدرته وتناهي حكمته . قيل : هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان رباً ، فإِن وفد نجران لما حاجوا فيه رسول الله A نزلت السورة ، من أولها إلى نيف وثمانين آية تقريراً لما احتج به عليهم وأجاب عن شبههم .\r{ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب مِنْهُ آيات محكمات } أحكمت عبارتها بأن حفظت من الإِجمال والاحتمال . { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أصله يرد إليها غيرها والقياس أمهات فأفرد على تأويل كل واحدة ، أو على أن الكل بمنزلة آية واحدة . { وَأُخَرُ متشابهات } محتملات لا يتضح مقصودها لإِجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر ليظهر فيها فضل العلماء ، ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها ، فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ، والتوفيق بينها وبين المحكمات معالي الدرجات . وأما قوله تعالى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته } فمعناه أنها حفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ ، وقوله : { كتابا متشابها } فمعناه أنه يشبه بعضه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ ، و { أُخَرُ } جمع أخرى وإنما لم ينصرف لأنه وصف معدول عن الآخر ولا يلزم منه معرفته ، لأن معناه أن القياس أن يعرف ولم يعرف لا أنه في معنى المعرف أو عن { أخر } من { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } عدول عن الحق كالمبتدعة . { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ } فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل { ابتغاء الفتنة } طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه . { وابتغاء تَأْوِيلِهِ } وطلب أن يؤولوه على ما يشتهونه ، ويحتمل أن يكون الداعي إلى الاتباع مجموع الطلبتين ، أو كل واحدة منهما على التعاقب . والأول يناسب المعاند والثاني يلائم الجاهل . { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } الذي يجب أن يحمل عليه . { إِلاَّ الله والرسخون فِي العلم } أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ، ومن وقف على { إِلاَّ الله } فسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه : كمدة بقاء الدنيا ، ووقت قيام الساعة ، وخواص الأعداد كعدد الزبانية ، أو بمبادل القاطع على أن ظاهره غير مراد ولم يدل على ما هو المراد .","part":1,"page":319},{"id":320,"text":"{ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ } استئناف موضح لحال { الراسخين } ، أو حال منهم أو خبر أن جعلته مبتدأ . { بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } أي كل من المتشابه والمحكم من عنده ، { وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب } مدح للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر ، وإشارة إلى ما استعدوا به للاهتداء إلى تأويله ، وهو تجرد العقل عن غواشي الحس ، واتصال الآية بما قبلها من حيث إنها في تصوير الروح بالعلم وتربيته ، وما قبلها في تصوير الجسد وتسويته ، أو أنها جواب عن تشبث النصارى بنحو قوله تعالى : { وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ } كما أنه جواب عن قوله لا أب له غير الله ، فتعين أن يكون هو أباه بأنه تعالى مصور الأجنة كيف يشاء فيصور من نطفة أب ومن غيرها ، وبأنه صوره في الرحم والمصور لا يكون أب المصور .","part":1,"page":320},{"id":321,"text":"{ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا } من مقال الراسخين . وقيل : استئناف والمعنى لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه بتأويل لا ترتضيه ، قال E « قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أقامه على الحق وإن شاء أزاغه عنه » وقيل : لا تبلنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا . { بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } إلى الحق والإِيمان بالقسمين . من المحكم والمتشابه ، وبعد نصب على الظرف ، وإذ في موضع الجر بإضافته إليه . وقيل إنه بمعنى إن . { وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } تزلفنا إليك ونفوز بها عندك ، أو توفيقاً للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب . { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } لكل سؤال ، وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله وأنه متفضل بما ينعم على عباده لا يجب عليه شيء .","part":1,"page":321},{"id":322,"text":"{ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ } لحساب يوم أو لجزائه . { لاَ رَيْبَ فِيهِ } في وقوع اليوم وما فيه من الحشر والجزاء ، نبهوا به على أن معظم غرضهم من الطلبتين ما يتعلق بالآخرة فإنها المقصد والمال . { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } فإن الإِلهية تنافيه وللإِشعار به وتعظيم الموعود لون الخطاب ، واستدل به الوعيدية . وأجيب بأن وعيد الفساق مشروط بعدم العفو لدلائل منفصلة كما هو مشروط بعدم التوبة وفاقاً .","part":1,"page":322},{"id":323,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ } عام في الكفرة . وقيل : المراد به وفد نجران ، أو اليهود ، أو مشركوا العرب . { لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا } أي من رحمته ، أو طاعته على معنى البدلية ، أو من عذابه { وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النار } حطبها . وقرىء بالضم بمعنى أهل وقودها .","part":1,"page":323},{"id":324,"text":"{ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } متصل بما قبله أي لن تغن عن أولئك ، أو توقد بهم كما توقد بأولئك ، أو استئناف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء كدأبهم في الكفر والعذاب ، وهو مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه فنقل إلى معنى الشأن . { والذين مِن قَبْلِهِمْ } عطف على { آل فِرْعَوْنَ } . وقيل استئناف . { كَذَّبُواْ بأياتنا فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } حال بإضمار قد ، أو استئناف بتفسير حالهم ، أو خبر إن ابتدأت بالذين من قبلهم . { والله شَدِيدُ العقاب } تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف الكفرة .","part":1,"page":324},{"id":325,"text":"{ قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ } أي قل لمشركي مكة ستغلبون يعني يوم بدر ، وقيل لليهود فإنه E جمعهم بعد بدر في سوق بني قينقاع فحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش ، فقالوا لا يغرنك أنك أصبت أغماراً لا علم لهم بالحرب لئن قاتلتنا لعلمت أنا نحن الناس ، فنزلت . وقد صدق الله وعده لهم بقتل قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر ، وضرب الجزية على من عداهم وهو من دلائل النبوة . وقرأ حمزة والكسائي بالياء فيهما على أن الأمر بأن يحكي لهم ما أخبره به من وعيدهم بلفظه . { وَبِئْسَ المهاد } تمام ما يقال لهم ، أو استئناف وتقدير بئس المهاد جهنم أو ما مهدوه لأنفسهم .","part":1,"page":325},{"id":326,"text":"{ قَدْ كَانَ لَكُمْ ءايَةٌ } الخطاب لقريش أو لليهود ، وقيل للمؤمنين . { فِي فِئَتَيْنِ التقتا } يوم بدر . { فِئَةٌ تقاتل فِي سَبِيلِ الله وأخرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } يرى المشركون المؤمنين مثلي عدد المشركين ، وكان قريباً من ألف ، أو مثلي عدد المسلمين وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، وذلك كان بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم وتوجهوا إليهم ، قلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا مدداً من الله تعالى للمؤمنين ، أو يرى المؤمنون المشركين مثلي المؤمنين وكانوا ثلاثة أمثالهم ليثبتوا لهم ويتيقنوا بالنصر الذي وعدهم الله به في قوله : { فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ } ويؤيده قراءة نافع ويعقوب بالتاء وقرىء بهما على البناء للمفعول أي يريهم الله ، أو يريكم ذلك بقدرته ، وفئة بالجر على البدل من فئتين والنصب على الاختصاص ، أو الحال من فاعل التفتا . { رَأْيَ العين } رؤية ظاهرة معاينة . { والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء } نصره كما أيد أهل بدر . { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي التقليل والتكثير ، أو غلبة القليل عديم العدة في الكثير شاكي السلاح ، وكون الواقعة آية أيضاً يحتملها ويحتمل وقوع الأمر على ما أخبر به الرسول A . { لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } أي لعظة لذوي البصائر . وقيل لمن أبصرهم .","part":1,"page":326},{"id":327,"text":"{ زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات } أي المشتهيات سماها شهوات مبالغة وإيماء على أنهم انهمكوا في محبتها حتى أحبوا شهوتها كقوله تعالى : { أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير } والمزين هو الله تعالى لأنه الخالق للأفعال والدواعي ، ولعله زينه إبتلاء ، أو لأنه يكون وسيلة إلى السعادة الأخروية إذا كان على وجه يرتضيه الله تعالى ، أو لأنه من أسباب التعيش وبقاء النوع . وقيل الشيطان فإن الآية في معرض الذم . وفرق الجبائي بين المباح والمحرم . { مِنَ النساء والبنين والقناطير المقنطرة مِنَ الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث } بيان للشهوات ، والقنطار المال الكثير . وقيل مائة ألف دينار . وقيل ملء مسك ثور . واختلف في أنه فعلال أو فنعال ، والمقنطرة مأخوذة منه للتأكيد كقولهم بدرة مبدرة . والمسومة المعلمة من السومة وهي العلامة ، أو المرعية من أسام الدابة وسومها ، أو المطهمة . والأنعام الإِبل والبقر والغنم { ذلك متاع الحياة الدنيا } إشارة إلى ما ذكر . { والله عِندَهُ حُسْنُ المآب } أي المرجع ، وهو تحريض على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية بالشهوات المخدجة الفانية .","part":1,"page":327},{"id":328,"text":"{ قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم } يريد به تقرير أن ثواب الله تعالى خير من مستلذات الدنيا . { لِلَّذِينَ اتقوا عِندَ رَبّهِمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } استئناف لبيان ما هو خير ، ويجوز أن يتعلق اللام بخير ويرتفع جنات على ما هو جنات ، ويؤيده قراءة من جرها بدلاً من { خَيْرٌ } . { وأزواج مُّطَهَّرَةٌ } مما يستقذر من النساء . { ورضوان مّنَ الله } قرأ عاصم في رواية أبي بكر في جميع القرآن بضم الراء ما خلا الحرف الثاني في المائدة وهو قوله تعالى : { رِضْوَانَهُ سُبُلَ السلام } بكسر الراء وهما لغتان . { والله بَصِيرٌ بالعباد } أي بأعمالهم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء ، أو بأحوال الذين اتقوا فلذلك أعد لهم جنات ، وقد نبه بهذه الآية على نعمه فأدناها متاع الحياة الدنيا وأعلاها رضوان الله تعالى لقوله تعالى : { ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } وأوسطها الجنة ونعيمها .","part":1,"page":328},{"id":329,"text":"{ الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا ءَامَنَّا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النار } صفة للمتقين ، أو للعباد ، أو مدح منصوب أو مرفوع . وفي ترتيب السؤال على مجرد الإِيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة أو الاستعداد لها .","part":1,"page":329},{"id":330,"text":"{ الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } حصر لمقامات السالك على أحسن ترتيب ، فإن معاملته مع الله تعالى إما توسل وإما طلب ، والتوسل إما بالنفس وهو منعها عن الرذائل وحبسها على الفضائل والصبر يشملهما ، وإما بالبدن ، وهو إما قولي وهو الصدق وإما فعلي وهو القنوت الذي هو ملازمة الطاعة ، وإما بالمال وهو الإِنفاق في سبل الخير ، وإما الطلب فبالاستغفار لأن المغفرة أعظم المطالب بل الجامع لها وتوسيط الواو بينهما للدلالة على استقلال كل واحد منها وكمالهم فيها أو لتغاير الموصوفين بها ، وتخصيص الأسحار لأن الدعاء فيها أقرب إلى الإِجابة ، لأن العبادة حينئذ أشق والنفس أصفى والروع أجمع للمجتهدين . قيل إنهم كانوا يصلون إلى السحر ثم يستغفرون ويدعون .","part":1,"page":330},{"id":331,"text":"{ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ } بين وحدانيته بنصب الدلائل الدالة عليها وإنزال الآيات الناطقة بها . { والملئكة } بالإِقرار . { وَأُوْلُواْ العلم } بالإِيمان بها والاحتجاج عليها ، شبه ذلك في البيان والكشف بشهادة الشاهد . { قَائِمَاً بالقسط } مقيماً للعدل في قسمه وحكمه وانتصابه على الحال من الله ، وإنما جاز إفراده بها ولم يجز جاء زيد وعمرو راكباً لعدم اللبس كقوله تعالى : { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } أو من هو والعامل فيها معنى الجملة أي تفرد قائماً ، أو أحقه لأنها حال مؤكدة ، أو على المدح ، أو الصفة للمنفي وفيه ضعف للفصل وهو مندرج في المشهود به إذا جعلته صفة ، أو حالاً من الضمير . وقرىء القائم بالقسط على البدل عن هو أو الخبر لمحذوف . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } كرره للتأكيد ومزيد الاعتناء بمعرفة أدلة التوحيد والحكم به بعد إقامة الحجة وليبني عليه قوله : { العزيز الحكيم } فيعلم أنه الموصوف بهما ، وقدم العزيز لتقديم العلم بقدرته على العلم بحكمته ، ورفعهما على البدل من الضمير أو الصفة لفاعل شهد .\rوقد روي في فضلهما أنه E قال \" يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى : «إن لعبدي هذا عندي عهداً وأنا أحق من وفى بالعهد ، ادخلوا عبدي الجنة» \" وهي دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله .\r{ إِنَّ الدّينَ عِندَ الله الإسلام } جملة مستأنفة مؤكدة للأولى أي لا دين مرضي عند الله سوى الإسلام ، وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد A ، وقرأ الكسائي بالفتح على أنه بدل من أنه بدل الكل أن فسر الإِسلام بالإِيمان ، أو بما يتضمنه وبدل اشتمال إن فسر بالشريعة . وقرىء أنه بالكسر وأن بالفتح على وقوع الفعل على الثاني ، واعتراض ما بينهما أو إجراء شهد مجرى قال تارة وعلم أخرى لتضمنه معناهما . { وَمَا اختلف الذين أُوتُواْ الكتاب } من اليهود والنصارى ، أو من أرباب الكتب المتقدمة في دين الإِسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب ونفاه آخرون مطلقاً ، أو في التوحيد فثلثت النصارى { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله } وقيل هم قوم موسى اختلفوا بعده . وقيل هم النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه السلام . { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } أي بعد ما علموا حقيقة الأمر وتمكنوا من العلم بها بالآيات والحجج . { بَغْياً بَيْنَهُمْ } حسداً بينهم وطلباً للرئاسة ، لا لشبهة وخفاء في الأمر . { وَمَن يَكْفُرْ بآيات الله فَإِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } وعيد لمن كفر منهم .\r{ فَإنْ حَاجُّوكَ } في الدين ، أو جادلوك فيه بعد ما أقمت الحجج . { فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ } أخلصت نفسي وجملتي له لا أشرك فيها غيره ، وهو الدين القويم الذي قامت به الحجج ودعت إليه الآيات والرسل ، وإنما عبر بالوجه عن النفس لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والحواس { وَمَنِ اتبعن } عطف على التاء في أسلمت وحسن للفصل ، أو مفعول معه .","part":1,"page":331},{"id":332,"text":"{ وَقُلْ لّلَّذِينَ أُوتُواْ الكتاب والأميين } الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب . { ءَأَسْلَمْتُمْ } كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة ، أم أنتم بعد على كفركم ونظيره وقوله : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } وفيه تعيير لهم بالبلادة أو المعاندة . { فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهتدوا } فقد نفعوا أنفسهم بأن أخرجوها من الضلال . { وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } أي فلم يضروك إذ ما عليك إلا أن تبلغ وقد بلغت . { والله بَصِيرٌ بالعباد } وعد ووعيد .\r{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هم أهل الكتاب الذين في عصره عليه السلام . قتل أولهم الأنبياء ومتابعيهم وهم رضوا به وقصدوا قتل النبي A والمؤمنين ولكن الله عصمهم ، وقد سبق مثله في سورة البقرة . وقرأ حمزة «ويقاتلون الذين» . وقد منع سيبويه إدخال الفاء في خبر إن كليت ولعل ولذلك قيل الخبر .\r{ أُولَئِكَ الذين حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة } كقولك زيد فافهم رجل صالح ، والفرق أنه لا يغير معنى الابتداء بخلافهما . { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يدفع عنهم العذاب .","part":1,"page":332},{"id":333,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } أي التوراة أو جنس الكتب السماوية ، ومن للتبعيض أو للبيان . وتنكير النصيب يحتمل التعظيم والتحقير . { يُدْعَوْنَ إلى كتاب الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } الداعي محمد E وكتاب الله القرآن ، أو التوراة لما روي ( أنه E دخل مدراسهم فقال له نعيم بن عمرو والحارث بن زيد على أي دين أنت . فقال : على دين إبراهيم . فقالا إن إبراهيم كان يهودياً فقال : هلموا إلى التوراة فإنها بيننا وبينكم . فأبيا فنزلت ) . وقيل نزلت في الرجم . وقرىء ليحكم على البناء للمفعول فيكون الاختلاف فيما بينهم ، وفيه دليل على أن الأدلة السمعية حجة في الأصول . { ثُمَّ يتولى فَرِيقٌ مّنْهُمْ } استبعاد لتوليهم مع علمهم بأن الرجوع إليه واجب . { وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم عادتهم الإِعراض ، والجملة حال من فريق وإنما ساغ لتخصصه بالصفة .\r{ ذلك } إشارة إلى التولي والإِعراض . { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلا أَيَّامًا معدودات } بسبب تسهيلهم أمر العقاب على أنفسهم لهذا الاعتقاد الزائغ والطمع الفارغ . { وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن النار لن تمسهم إلا أياماً قلائل ، أو أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم ، أو أنه تعالى وعد يعقوب عليه السلام أن لا يعذب أولاده إلا تحلة القسم .\r{ فَكَيْفَ إِذَا جمعناهم لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ } استعظام لما يحيق بهم في الآخرة وتكذيب لقولهم لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات . روي : أن أول راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفار راية اليهود فيفضحهم الله تعالى على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى النار . { وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } جزاء ما كسبت . وفيه دليل على أن العبادة لا تحبط وأن المؤمن لا يخلد في النار ، لأن توفية إيمانه وعمله لا تكون في النار ولا قبل دخولها ، فإذن هي بعد الخلاص منها { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } الضمير لكل نفس على المعنى لأنه في معنى كل إنسان .\r{ قُلِ اللهم } الميم عوض عن يا ولذلك لا يجتمعان ، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول يا عليه مع لام التعريف وقطع همزته وتاء القسم . وقيل : أصله يا الله أمنا بخير ، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته . { مالك الملك } يتصرف فيما يمكن التصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكون ، وهو نداء ثان عند سيبويه فإن الميم عنده تمنع الوصفية . { تُؤْتِي الملك مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء } تعطي منه ما تشاء من تشاء وتسترد ، فالملك الأول عام والآخران بعضان منه . وقيل : المراد بالملك النبوة ونزعها نقلها من قوم إلى قوم { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } في الدنيا أو في الآخرة ، أو فيهما بالنصر والإِدبار والتوفيق والخذلان .","part":1,"page":333},{"id":334,"text":"{ بِيَدِكَ الخير إِنَّكَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } ذكر الخير وحده لأنه المقضي بالذات ، والشر مقضي بالعرض ، إذ لا يوجد شر جزئي ما لم يتضمن خيرًا كلياً ، أو لمراعاة الأدب في الخطاب ، أو لأن الكلام وقع فيه إذ روي ( أنه عليه السلام لما خط الخندق وقطع لكل عشرة أربعين ذراعاً ، وأخذوا يحفرون ، فظهر فيه صخرة عظيمة لم يعمل فيها المعاول ، فوجهوا سلمان إلى رسول الله A يخبره ، فجاء E فأخذ المعول منه فضربها ضربة صدعتها . وبرق منها برق أضاء منه ما بين لابتيها لكأن بها مصباحاً في جوف بيت مظلم ، فكبر وكبر معه المسلمون وقال « أضاءت لي منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب ، ثم ضرب الثانية فقال : أضاءت لي منها القصور الحمر من أرض الروم ، ثم ضرب الثالثة فقال : أضاءت لي منها قصور صنعاء » وأخبرني جبريل عليه السلام « أن أمتي ظاهرة على كلها فابشروا » . فقال المنافقون : ألا تعجبون يمنيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنها تفتح لكم وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق ) فنزلت . فنبه على أن الشر أيضاً بيده بقوله { إِنَّكَ على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .\r{ تُولِجُ اليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي اليل وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بغيْرِ حِسَابٍ } عقب ذلك ببيان قدرته على معاقبة الليل والنهار والموت والحياة وسعة فضله ، دلالة على أن من قدر على ذلك قدر على معاقبة الذل والعز وإيتاء الملك ونزعه . والولوج : الدخول في مضيق . وإيلاج الليل والنهار : إدخال أحدهما في الآخر بالتعقيب أو الزيادة والنقص . وإخراج الحي من الميت وبالعكس . إنشاء الحيوانات من موادها وإماتتها ، أو إنشاء الحيوان من النطفة والنطفة منه . وقيل : إخراج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر { الميت } بالتخفيف .","part":1,"page":334},{"id":335,"text":"{ لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء } نهوا عن موالاتهم لقرابة وصداقة جاهلية ونحوهما ، حتى لا يكون حبهم وبغضهم إلا في الله ، أو عن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية . { مِن دُونِ المؤمنين } إشارة إلى أنهم الأحقاء بالموالاة ، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة . { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي اتخاذهم أولياء . { فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْء } أي من ولايته في شيء يصح أن يسمى ولاية ، فإن موالاة المتعاديين لا يجتمعان قال :\rتَوَدُّ عَدُوي ثُمَّ تَزْعُمُ أَنَّني ... صَدِيْقُكَ لَيْسَ النوك عَنْكَ بِعَازِبِ\r{ إِلا أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تقاة } إلا أن تخافوا من جهتهم ما يجب اتقاؤه ، أو اتقاء . والفعل معدى بمن لأنه في معنى تحذروا وتخافوا . وقرأ يعقوب «تقية» . منع عن موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة ، فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز كما قال عيسى عليه السلام : كن وسطاً وامش جانباً . { وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وإلى الله المصير } فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفة أحكامه وموالاة أعدائه ، وهو تهديد عظيم مشعر بتناهي النهي في القبح وذكر النفس ، ليعلم أن المحذر منه عقاب يصدر منه تعالى فلا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة .","part":1,"page":335},{"id":336,"text":"{ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } أي أنه يعلم ضمائركم من ولاية الكفار وغيرها إن تخفوها أو تبدوها . { وَيَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } فيعلم سركم وعلنكم . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على عقوبتكم إن لم تنتهوا عما نهيتم عنه . والآية بيان لقوله تعالى : { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } وكأنه قال ويحذركم نفسه لأنها متصفة بعلم ذاتي محيط بالمعلومات كلها ، وقدرة ذاتية تعم المقدورات بأسرها ، فلا تجسروا على عصيانه إذ ما من معصية إلا وهو مطلع عليها قادر على العقاب بها .","part":1,"page":336},{"id":337,"text":"{ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوء تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدَا } { يَوْمٍ } منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها ، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم ، وهو له أمداً بعيداً ، أو بمضمر نحو اذكر ، و { تَوَدُّ } حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على { مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ } ، ولا تكون { مَا } شرطية لارتفاع { تَوَدُّ } . وقرىء «ودت» وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن وأوفق للقراءة المشهورة . { وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ } كرره للتأكيد والتذكير . { والله رَءوفٌ بالعباد } إشارة إلى أنه تعالى إنما نهاهم وحذرهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم ، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه .\r{ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني } المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه ، بحيث يحملها على ما يقربها إليه ، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله ، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلا لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه ، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول في عبادته والحرص على مطاوعته . { يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب للأمر أي يرضَ عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه ، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الاستعارة أو المقابلة . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تحبب إليه بطاعته واتباع نبيه A . روي : أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه . وقيل : نزلت في وفد نجران لما قالوا : إنما نعبد المسيح حباً لله . وقيل : في أقوام زعموا على عهده A أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقاً من العمل .\r{ قُلْ أَطِيعُواْ الله والرسول فإِن تَوَلَّوْاْ } يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا . { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم ، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر ، وإنه من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة بالمؤمنين .\r{ إِنَّ الله اصطفى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إبراهيم وَءالَ عمران عَلَى العالمين } بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية ، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم . لما أوجب طاعة الرسول وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها ، وبه استدل على فضلهم على الملائكة ، { وآل إبراهيم } ، إسماعيل وإسحق وأولادهما .","part":1,"page":337},{"id":338,"text":"وقد دخل فيهم الرسول A ، { وآل عمران } موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب ، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن بن زربابل بن ساليان بن يوحنا بن أوشيا بن أمون بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن سافط بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون بن عمياد بن رام بن حصروم بن فارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام ، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة .\r{ ذُرّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ } حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض . وقيل بعضها من بعض في الدين . والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت . { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل ، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها .\r{ إِذْ قَالَتِ امرأت عمران رَبّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي } فينتصب به إذ على التنازع . وقيل نصبه بإضمار اذكر ، وهذه حنة بنت فاقوذ جدة عيسى ، وكانت لعمران بن يصهر بنت اسمها مريم أكبر من موسى وهرون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع ، وكان يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً ، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت : اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه ، فحملت بمريم وهلك عمران . وكان هذا النذر مشروعاً في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً { مُحَرَّرًا } معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء ، أو مخلصاً للعبادة ونصبه على الحال . { فَتَقَبَّلْ مِنّي } ما نذرته . { إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم } لقولي ونيتي .\r{ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى } الضمير لما في بطنها وتأنيثه لأنه كان أنثى ، وجاز انتصاب أنثى حالاً عنه لأن تأنيثها علم منه فإن الحال وصاحبها بالذات واحداً . أو على تأويل مؤنث كالنفس والحبلة . وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره . { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } أي بالشيء الذي وضعت . هو استئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها . وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب { وَضَعَتْ } على أنه من كلامها تسلية لنفسها أي ولعل الله سبحانه وتعالى فيه سراً ، أو الأنثى كانت خيراً .","part":1,"page":338},{"id":339,"text":"وقريء { وَضَعَتْ } على أنه خطاب الله تعالى لها . { وَلَيْسَ الذكر كالأنثى } بيان لقوله { والله أَعْلَمُ } أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت ، واللام فيهما للعهد ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والأنثى سيان فيما نذرت فتكون اللام للجنس . { وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ } عطف على ما قبلها من مقالها وما بينهما اعتراض ، وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً إليه وطلباً لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى : العابدة . وفيه دليل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور متغايرة . { وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ } أجيرها بحفظك . { وَذُرّيَّتَهَا مِنَ الشيطان الرجيم } المطرود ، وأصل الرجم الرمي بالحجارة . وعن النبي A \" ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد ، فيستهل من مسه إلا مريم وابنها \" ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة .\r{ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا } فرضي بها في النذر مكان الذكر . { بِقَبُولٍ حَسَنٍ } أي بوجه حسن يقبل به النذائر ، وهو إقامتها مقام الذكر ، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة . روي أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت : دونكم هذه النذيرة ، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم ، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا : أنا أحق بها ، عندي خالتها فأبوا إلا القرعة ، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا فيه أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا . ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن ، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كتقضي وتعجل أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن . { وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا } مجاز عن تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها { وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا } شدد الفاء حمزة والكسائي وعاصم ، وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عياش على أن الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها ، وخفف الباقون . ومدوا «زكرياء» مرفوعاً . { كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب } أي الغرفة التي بنيت لها ، أو المسجد ، أو أشرف مواضعه ومقدمها ، سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس . { وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا } جواب { كُلَّمَا } وناصبه . روي : أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب ، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس . { قَالَ يَا مَرْيَمَ أنى لَكِ هذا } من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك ، وهو دليل جواز الكرامة للأولياء . جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه . { قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله } فلا تستبعده .","part":1,"page":339},{"id":340,"text":"قيل تكلمت صغيرة كعيسى عليه السلام ولم ترضع ثدياً قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة . { إنَّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير لكثرته ، أو بغير استحقاق تفضلاً به . وهو يحتمل أن يكون من كلامهما وأن يكون من كلام الله تعالى . روي ( أن فاطمة رضي الله تعالى عنها أهدت لرسول الله A رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها وقال : « هلمي يا بنية » ، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً فقال لها : « أنَّى لك هذا! » فقالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب ، فقال « الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل » ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها ) .\r{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ } في ذلك المكان ، أو الوقت إذ يستعار هنا وثم وحيث للزمان ، لما رأى كرامة مريم ومنزلتها من الله تعالى . { قَالَ رَبّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرّيَّةً طَيّبَةً } كما وهبتها لحنة العجوز العاقر . وقيل لما رأى الفواكه في غير أَوَانِهَا انتبه على جواز ولادة العاقر من الشيخ ، فسأل وقال هب لي من لدنك ذرية ، لأنه لم يكن على الوجوه المعتادة وبالأسباب المعهودة . { إِنَّكَ سَمِيعُ الدعاء } مجيبه .","part":1,"page":340},{"id":341,"text":"{ فَنَادَتْهُ الملئكة } أي من جنسهم كقولهم زيد يركب الخيل . فإن المنادي كان جبريل وحده . وقرأ حمزة والكسائي «فناداه» بالإِمالة والتذكير . { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي المحراب } أي قائماً في الصلاة ، و ( يصلي ) صفة قائم أو خبر أو حال آخر أو حال من الضمير في قائم . { أَنَّ الله يُبَشّرُكَ بيحيى } أي بأن الله . وقرأ نافع وابن عامر بالكسر على إرادة القول ، أو لأن النداء نوع منه . وقرأ حمزة والكسائي ( يبشرك ) ، و ( يحيى ) اسم أعجمي وإن جعل عربياً فمنع صرفه للتعريف ووزن الفعل . { مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مّنَ الله } أي بعيسى عليه السلام ، سمي بذلك لأنه وجد بأمره تعالى دون أب فشابه البدعيات التي هي عالم الأمر ، أو بكتاب الله ، سمي كلمة كما قيل كلمة الحويدرة لقصيدته . { وَسَيّدًا } يسود قومه ويفوقهم وكان فائقاً للناس كلهم في أنه مَا هَمَّ بمعصية قط . { وَحَصُورًا } مبالغاً في حبس النفس عن الشهوات والملاهي . روي أنه مر في صباه بصبيان فدعوه إلى اللعب فقال ما للعب خلقت . { وَنَبِيّاً مّنَ الصالحين } ناشئاً منهم أو كائناً من عداد من لم يأت كبيرة ولا صغيرة .","part":1,"page":341},{"id":342,"text":"{ قَالَ رَبّ أنى يَكُونُ لِي غلام } استبعاداً من حيث العادة ، أو استعظاماً أو تعجيباً أو استفهاماً عن كيفية حدوثه . { وَقَدْ بَلَغَنِي الكبر } أدركني كبر السن وأثر في . وكان له تسع وتسعون ولامرأته ثمان وتسعون سنة . { وامرأتي عَاقِرٌ } لا تلد ، من العقر وهو القطع لأنها ذات عقر من الأولاد . { قَالَ كذلك الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } أي يفعل ما يشاء من العجائب مثل ذلك الفعل ، وهو إنشاء الولد من شيخ فان وعجوز عاقر ، أو كما أنت عليه وزوجك من الكبر والعقر يفعل ما يشاء من خلق الولد أو كذلك الله مبتدأ وخبر أي الله على مثل هذه الصفة ، ويفعل ما يشاء بيان له أو كذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كذلك ، والله يفعل ما يشاء بيان له .","part":1,"page":342},{"id":343,"text":"{ قَالَ رَبِّ اجعل لِّي ءايَةً } علامة أعرف بها الحبل لاستقبله بالبشاشة والشكر وتزيح مشقة الانتظار . { قَالَ آيَتُكَ * أَن لا تُكَلِّمَ الناس ثلاثة أَيَّامٍ } أي لا تقدر على تكليم الناس ثلاثاً ، وإنما حبس لسانه عن مكالمتهم خاصة ليخلص المدة لذكر الله تعالى وشكره ، قضاء لحق النعمة وكأنه قال آيتك أن يحبس لسانك إلا عن الشكر وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال . { إِلاَّ رَمْزًا } إشارة بنحو يد أو رأس ، وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر والاستثناء منقطع وقيل متصل والمراد بالكلام ما دل على الضمير . وقرىء { رَمْزًا } بفتحتين كخدم جمع رامز ورمزاً كرسل جمع رموز على أنه حال منه ومن الناس بمعنى مترامزين كقوله :\rمَتَى مَا تَلْقَني فَرْدَيْنِ تَرْجِف ... رَوَانِفُ أَليتَيْكَ وَتُسْتَطَارَا\r{ واذكر رَّبَّكَ كَثِيرًا } في أيام الحبسة ، وهو مؤكد لما قبله مبين للغرض منه ، وتقييد الأمر بالكثرة يدل على أنه لا يفيد التكرار . { وَسَبّحْ بالعشي } من الزوال إلى الغروب . وقيل من العصر أو الغروب إلى ذهاب صدر الليل . { والإبكار } من طلوع الفجر إلى الضحى . وقرىء بفتح الهمزة جمع بكر كسحر وأسحار .","part":1,"page":343},{"id":344,"text":"{ وَإِذْ قَالَتِ الملئكة يامريم إِنَّ الله اصطفاك وَطَهَّرَكِ واصطفاك على نِسَاء العالمين } كلموها شفاهاً كرامة لها ، ومن أنكر الكرامة زعم أن ذلك كانت معجزة لزكريا أو إرهاصاً لنبوة عيسى E ، فإن الإِجماع على أنه سبحانه وتعالى لم يستنبىء امرأة لقوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } وقيل ألهموها ، والاصطفاء الأول تقبلها من أمها ولم يقبل قبلها أنثى وتفريغها للعبادة وإغناؤها برزق الجنة عن الكسب وتطهيرها عما يستقذر من النساء . والثاني هدايتها وإرسال الملائكة إليها ، وتخصيصها بالكرامات السنية كالولد من غير أب وتبرئتها مما قذفتها به اليهود بإنطاق الطفل وجعلها وابنها آية للعالمين .","part":1,"page":344},{"id":345,"text":"{ يامريم اقنتى لِرَبّكِ واسجدى واركعى مَعَ الركعين } أمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها ، وقدم السجود على الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب ، أو ليقترن اركعي بالراكعين للإِيذان بأن من ليس في صلاتهم ركوع ليسوا مصلين . وقيل المراد بالقنوت إدامة الطاعة كقوله تعالى : { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً } وبالسجود الصلاة كقوله تعالى : { وأدبار السجود } وبالركوع الخشوع والإِخبات .","part":1,"page":345},{"id":346,"text":"{ ذلك مِنْ أَنبَاء الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ } أي ما ذكرنا من القصص من الغيوب التي لم تعرفها إلا بالوحي . { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم } أقداحهم للاقتراع . وقيل اقترعوا بأقلامهم التى كانوا يكتبون بها التوراة تبركاً ، والمراد تقرير كونه وحياً على سبيل التهكم بمنكريه ، فإن طريق معرفة الوقائع المشاهدة والسماع وعدم السماع معلوم لا شبهة فيه عندهم فبقي أن يكون الإتهام باحتمال العيان ولا يظن به عاقل . { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } متعلق بمحذوف دل عليه { يُلْقُون أقلامهم } أي يلقونها ليعلموا ، أو يقولوا { أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } . { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ } تنافساً في كفالتها .","part":1,"page":346},{"id":347,"text":"{ إِذْ قَالَتِ الملئكة } بدل من { إِذْ قَالَتِ } الأولى وما بينهما اعتراض ، أو من { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } على أن وقوع الاختصام والبشارة في زمان متسع كقولك لقيته سنة كذا . { يامريم إِنَّ الله يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مّنْهُ اسمه المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ } المسيح لقبه وهو من الألقاب المشرفة كالصديق وأصله بالعبرية مشيحا معناه : المبارك ، وعيسى معرب ايشوع واشتقاقهما من المسح لأنهما مسح بالبركة أو بما طهره من الذنوب ، أو مسح الأرض ولم يقم في موضع ، أو مسحه جبريل ، ومن العيس وهو بياض يعلوه حمرة ، تكلف لا طائل تحته ، وابن مريم لما كان صفة تميز تمييز الأسماء نظمت في سلكها ، ولا ينافي تعدد الخبر وإفراد المبتدأ فإنه اسم جنس مضاف ويحتمل أن يراد به أن الذي يعرف به ويتميز عن غيره هذه الثلاثة ، فإن الإِسم علامة المسمى والمميز له ممن سواه ويجوز أن يكون عيسى خبر مبتدأ محذوف وابن مريم صفته ، وإنما قيل ابن مريم والخطاب لها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب إذ الأولاد تنسب إلى الآباء ولا تنسب إلى الأم إلا إذا فقد الأب . { وَجِيهًا فِي الدنيا والأخرة } حال مقدرة من كلمة وهي وإن كانت نكرة لكنها موصوفة وتذكيره للمعنى ، والوجاهة في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة { وَمِنَ المقربين } من الله ، وقيل إشارة إلى علو درجته في الجنة أو رفعه إلى السماء وصحبة الملائكة .\r{ وَيُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } أي يكلمهم حال كونه طفلاً وكهلاً ، كلام الأنبياء من غير تفاوت . والمهد مصدر سمي به ما يمهد للصبي في مضجعه . وقيل إنه رفع شاباً والمراد وكهلاً بعد نزوله ، وذكر أحواله المختلفة المتنافية إرشاداً إلى أنه بمعزل عن الألوهية { وَمِنَ الصالحين } حال ثالث من كلمة أو ضميرها الذي في يكلم .\r{ قَالَتْ رَبّ أنى يَكُونُ لِى وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } تعجب ، أو استبعاد عادي ، أو استفهام عن أنه يكون بتزوج أو غيره . { قَالَ كذلك الله يَخْلُقُ مَا يَشَاء } القائل جبريل ، أو الله تعالى وجبريل حكى لها قول الله تعالى . { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } إشارة إلى أنه تعالى كما يقدر أن يخلق الأشياء مدرجاً بأسباب ومواد يقدر أن يخلقها دفعة من غير ذلك .\r{ وَيُعَلّمُهُ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل } كلام مبتدأ ذكر تطييباً لقلبها وإزاحة لما همها من خوف اللوم لما علمت أنها تلد من غير زوج ، أو عطف على يبشرك ، أو وجيهاً و { الكتاب } الكتبة أو جنس الكتب المنزلة . وخص الكتابان لفضلهما . وقرأ نافع وعاصم { وَيُعَلّمُهُ } بالياء .\r{ وَرَسُولاً إلى بَنِى إسراءيل أَنّى قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } منصوب بمضمر على إرادة القول تقديره : ويقول أرسلت رسولاً بأني قد جئتكم ، أو بالعطف على الأحوال المتقدمة مضمناً معنى النطق فكأنه قال : وناطقاً بأني قد جئتكم ، وتخصيص بني إسرائيل لخصوص بعثته إليهم أو للرد على من زعم أنه مبعوث إلى غيرهم .","part":1,"page":347},{"id":348,"text":"{ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير } نصب بدل من أني قد جئتكم ، أو جر بدل من آية ، أو رفع على هي أني أخلق لكم والمعنى : أقدر لكم وأصور شيئاً مثل صورة الطير ، وقرأ نافع { إِنّى } بالكسر { فَأَنفُخُ فِيهِ } الضمير للكاف أي في ذلك الشيء المماثل . { فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ الله } فيصير حياً طياراً بأمر الله ، نبه به على أن إحياءه من الله تعالى لا منه . وقرأ نافع هنا وفي المائدة «طائراً» بالألف والهمزة . { وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص } الأكمه الذي ولد أعمى أو الممسوح العين . روي : أنه ربما كان يجتمع عليه ألوف من المرضى من أطاق منهم أتاه ومن لم يطق أتاه عيسى E وما يداوي إلا بالدعاء . { وَأُحيِي المَوْتَى بِإِذْنِ الله } كرر بإذن الله دفعاً لتوهم الألوهية ، فإن الإِحياء ليس من جنس الأفعال البشرية . { وَأُنَبّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ } بالمغيبات من أحوالكم التي لا تشكون فيها . { إِنَّ فِي ذلك لأَيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } موفقين للإِيمان فإن غيرهم لا ينتفع بالمعجزات ، أو مصدقين للحق غير معاندين .\r{ وَمُصَدّقًا لّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة } عطف على { رَسُولاً } على الوجهين ، أو منصوب بإضمار فعل دل عليه { قَدْ جِئْتُكُم } أي وجئتكم مصدقاً . { وَلأُحِلَّ لَكُم } مقدر بإضماره ، أو مردود على قوله : { أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ } ، أو معطوف على معنى { مُصَدّقاً } كقولهم جئتك معتذراً ولأطيب قلبك . { بَعْضَ الذي حُرّمَ عَلَيْكُم } أي في شريعة موسى E كالشحوم والثروب والسمك ولحوم الإِبل والعمل في السبت ، وهو يدل على أن شرعه كان ناسخاً لشرع موسى E ولا يخل ذلك بكونه مصدقاً للتوراة ، كما لا يعود نسخ القرآن بعضه ببعض عليه بتناقض وتكاذب ، فإن النسخ في الحقيقة بيان وتخصيص في الأزمان { وَجِئْتُكُمْ بِأَيَةٍ مّن رَّبّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } .\r{ إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } أي جئتكم بآية أخرى ألهمنيها ربكم وهو قوله : { إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ } فإنه دعوة الحق المجمع عليها فيما بين الرسل الفارقة بين النبي والساحر ، أو جئتكم بآية على أن الله ربي وربكم وقوله : { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } اعتراض والظاهر أنه تكرير لقوله : { قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ } أي جئتكم بآية بعد أخرى مما ذكرت لكم ، والأول لتمهيد الحجة والثاني لتقريبها إلى الحكم ولذلك رتب عليه بالفاء قوله تعالى : { فاتقوا الله } أي لما جئتكم بالمعجزات الظاهرة والآيات الباهرة فاتقوا الله في المخالفة وأطيعون فيما أدعوكم إليه ، ثم شرع في الدعوة وأشار إليها بالقول المجمل فقال : { إِنَّ الله رَبّي وَرَبُّكُمْ } إشارة إلى استكمال القوة النظرية بالاعتقاد الحق الذي غايته التوحيد ، وقال : { فاعبدوه } إشارة إلى استكمال القوة العلمية فإنه بملازمة الطاعة التي هي الإِتيان بالأوامر والانتهاء عن المناهي ، ثم قرر ذلك بأن بين أن الجمع بين الأمرين هو الطريق المشهود له بالاستقامة ، ونظيره قوله E","part":1,"page":348},{"id":349,"text":"« قل آمنت بالله ثم استقم » . { فَلَمَّا أَحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الكفر } تحقق كفرهم عنده تحقق ما يدرك بالحواس . { قَالَ مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } ملتجئاً إلى الله تعالى أو ذاهباً أو ضاماً إليه ، ويجوز أن يتعلق الجار ب { أَنصَارِي } مضمناً معنى الإِضافة ، أي من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله تعالى في نصري . وقيل إلى ها هنا بمعنى ( مع ) أو ( في ) أو ( اللام ) . { قَالَ الحواريون } حواري الرجل خاصته من الحور وهو البياض الخالص ، ومه الحواريات للحضريات لخلوص ألوانهن . سمي به أصحاب عيسى E لخلوص نيتهم ونقاء سريرتهم . وقيل كانوا ملوكاً يلبسون البيض استنصر بهم عيسى E من اليهود . وقيل قصارين يحورون الثياب أي يبيضونها . { نَحْنُ أَنْصَارُ الله } أي أنصار دين الله . { آمنَّا بالله واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } لتشهد لنا يوم القيامة حين تشهد الرسل لقومهم وعليهم .\r{ رَبَّنَا ءامَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ واتبعنا الرسول فاكتبنا مَعَ الشاهدين } أي مع الشاهدين بوحدانيتك ، أو مع الأنبياء الذين يشهودن لأتباعهم ، أو مع أمة محمد A فإنهم شهداء على الناس .\r{ وَمَكَرُواْ } أي الذين أحس منهم الكفر من اليهود بأن وكلوا عليه من يقتله غيلة . { وَمَكَرَ الله } حين رفع عيسى E وألقى شبهه على من قصد اغتياله حتى قتل . والمكر من حيث إنه في الأصل حيلة يجلب بها غيره إلى مضرة لا يسند إلى الله تعالى إلا على سبيل المقابلة والإِزدواج . { والله خَيْرُ الماكرين } أقواههم مكراً وأقدرهم على إيصال الضرر من حيث لا يحتسب .","part":1,"page":349},{"id":350,"text":"{ إِذْ قَالَ الله } ظرف لمكر الله أو خير الماكرين ، أو المضمر مثل وقع ذلك . { ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ } أي مستوفي أجلك ومؤخرك إلى أجلك المسمى ، عاصماً إياك من قتلهم ، أو قابضك من الأرض من توفيت مالي ، أو متوفيك نائماً إذ روي أنه رفع نائماً ، أو مميتك عن الشهوات العائقة عن العروج إلى عالم الملكوت . وقيل أماته الله سبع ساعات ثم رفعه إلى السماء وإليه ذهبت النصارى . { وَرَافِعُكَ إِلَيَّ } إلى محل كرامتي ومقر ملائكتي . { وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } من سوء جوارهم أو قصدهم { وَجَاعِلُ الذين اتبعوك فَوْقَ الذين كَفَرُواْ إلى يَوْمِ القيامة } يعاونهم بالحجة أو السيف في غالب الأمر ، ومتبعوه من آمن بنبوته من المسلمين والنصارى وإلى الآن لم تسمع غلبة لليهود عليهم ولم يتفق لهم ملك ودولة . { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } الضمير لعيسى E ومن تبعه ومن كفر به ، وغلب المخاطبين على الغائبين . { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين .","part":1,"page":350},{"id":351,"text":"{ فَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدنيا والآخرة وَمَا لَهُمْ مّن ناصرين } . { وَأَمَّا الذين ءامَنُوا وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ } تفسير للحكم وتفصيل له . وقرأ حفص { فَيُوَفّيهِمْ } بالياء . { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } تقرير لذلك .","part":1,"page":351},{"id":352,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى وغيره ، وهو مبتدأ خبره . { نَتْلُوهُ عَلَيْكَ } وقوله : { مِنَ الآيات } حال من الهاء ويجوز أن يكون الخبر ونتلوه حالاً على أن العامل معنى الإِشارة وأن يكونا خبرين وأن ينتصب بمضمر يفسره نتلوه . { والذكر الحكيم } المشتمل على الحكم ، أو المحكم الممنوع عن تطرق الخلل إليه يريد به القرآن . وقيل اللوح .","part":1,"page":352},{"id":353,"text":"{ إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ } إن شأنه الغريب كشأن آدم E . { خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ } جملة مفسرة للتمثيل مبينة لما به الشبه ، وهو أنه خلق بلا أب كما خلق آدم من التراب بلا أب وأم ، شبه حاله بما هو أغرب منه إفحاماً للخصم وقطعاً لمواد الشبهة والمعنى خلق قالبه من التراب . { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن } أي أنشأه بشراً كقوله تعالى : { ثُمَّ أَنشَأْنَا خَلْقًا آخَرَ } أو قدر تكوينه من التراب ثم كونه ، ويجوز أن يكون ثم لتراخي الخبر لا المخبر . { فَيَكُونُ } حكاية حال ماضية .","part":1,"page":353},{"id":354,"text":"{ الحق مِن رَّبّكَ } خبر محذوف أي هو الحق ، وقيل { الحق } مبتدأ و { مِن رَبّكَ } خبره أي الحق المذكور من الله تعالى . { فَلاَ تَكُنْ مّن الممترين } خطاب للنبي A على طريقة التهييج لزيادة الثبات أو لكل سامع .","part":1,"page":354},{"id":355,"text":"{ فَمَنْ حَاجَّكَ } من النصاري . { فِيهِ } في عيسى . { مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم } أي من البينات الموجبة للعلم . { فَقُلْ تَعَالَوْاْ } هلموا بالرأي والعزم . { نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ } أي يدع كل منا ومنكم نفسه وأعزة أهله وألصقهم بقلبه إلى المباهلة ويحمل عليها ، وإنما قدمهم على الأنفس لأن الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحارب دونهم . { ثُمَّ نَبْتَهِلْ } أي نتباهل بأن نلعن الكاذب منا . والبهلة بالضم والفتح اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركتها بلا صرار . { فَنَجْعَل لَّعْنَتُ الله عَلَى الكاذبين } عطف فيه بيان روي ( أنهم لما دعوا إلى المباهلة قالوا حتى ننظر فلما تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم ما ترى فقال : والله لقد عرفتم نبوته ، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم والله ما باهل قوم نبياً إلا هلكوا ، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا ، فأتوا رسول الله A وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي Bه خلفها وهو يقول : « إذا أنا دعوت فأمنوا ، فقال أسقفهم يا معشر النصارى إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله تعالى أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله فلا تباهلوا فتهلكوا ، فأذعنوا لرسول الله A وبذلوا له الجزية ألفي حلة حمراء وثلاثين درعاً من حديد ، فقال E : والذي نفسي بيده لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر » وهو دليل على نبوته وفضل من أتى بهم من أهل بيته .\r{ إِنَّ هَذَا } أي ما قص من نبأ عيسى ومريم . { لَهُوَ القصص الحق } بجملتها خبر إن ، أو هو فصل يفيد أن ما ذكره في شأن عيسى ومريم حق دون ما ذكروه ، وما بعده خبر واللام دخلت فيه لأنه أقرب إلى المبتدأ من الخبر ، وأصلها أن تدخل على المبتدأ { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله } صرح فيه ب { مِنْ } المزيدة للاستغراق تأكيداً للرد على النصارى في تثليثهم { وَإِنَّ الله لَهُوَ العزيز الحكيم } لا أحد سواه يساويه في القدرة التامة والحكمة البالغة ليشاركه في الألوهية .\r{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ الله عَلِيمٌ بالمفسدين } وعيد لهم ووضع المظهر موضع المضمر ليدل على أن التولي عن الحجج والإِعراض عن التوحيد ، إفساد للدين والاعتقاد المؤدي إلى فساد النفس بل وإلى فساد العالم .\r{ قُلْ ياأهل الكتاب } يعم أهل الكتابين . وقيل يريد به وفد نجران ، أو يهود المدينة . { تَعَالَوْاْ إلى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } لا يختلف فيها الرسل والكتب ويفسرها ما بعدها . { أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله } أن نوحده بالعبادة ونخلص فيها .","part":1,"page":355},{"id":356,"text":"{ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً } ولا نجعل غيره شريكاً له في استحقاق العبادة ولا نراه أهلاً لأن يعبد . { وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ الله } ولا نقول عزير ابن الله ، ولا المسيح ابن الله ، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل لأن كلا منهم بعضنا بشر مثلنا روي أنه لما نزلت { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } قال عدي بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول الله قال « أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم قال نعم قال : هو ذاك » { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد . { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } أي لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم ، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب وتطابقت عليه الرسل .\r( تنبيه ) أنظر إلى ما راعى في هذه القصة من المبالغة في الإِرشاد وحسن التدرج في الحجاج بين : أولاً ، أحوال عيسى E وما تعاور عليه من الأطوار المنافية للألوهية ، ثم ذكر ما يحل عقدتهم ويزيح شبهتهم ، فلما رأى عنادهم ولجاجهم دعاهم إلى المباهلة بنوع من الإِعجاز ، ثم لما أعرضوا عنها وانقادوا بعض الانقياد عاد عليهم بالإِرشاد وسلك طريقاً أسهل ، وألزم بأن دعاهم إلى ما وافق عليه عيسى والإِنجيل وسائر الأنبياء والكتب ، ثم لما لم يجد ذلك أيضاً عليهم وعلم أن الآيات والنذر لا تغني عنهم أعرض عن ذلك وقال { فَقُولُواْ اشهدوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } .","part":1,"page":356},{"id":357,"text":"{ ياأهل الكتاب لِمَ تُحَاجُّونَ فِى إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التوراة والإنجيل إِلاَّ مِن بَعْدِهِ } تنازعت اليهود والنصارى في إبراهيم E ، وزعم كل فريق أنه منهم وترافعوا إلى رسول الله A فنزلت . والمعنى أن اليهودية والنصرانية حدثتا بنزول التوراة والإِنجيل على موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، وكان إبراهيم قبل موسى بألف سنة وعيسى بألفين فكيف يكون عليهما . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتدعون المحال .\r{ هَا أَنتُمْ هؤلاء حاججتم فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } ها حرف تنبيه نبهوا بها على حالهم التي غفلوا عنها ، وأنتم مبتدأ و { هَؤُلاء } خبره و { حاججتم } جملة أخرى مبينة للأولى . أي أنتم هؤلاء الحمقى وبيان حماقتكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم مما وجدتموه في التوراة والإِنجيل عناداً ، أو تدعون وروده فيه فلم تجادلون فيما لا علم لكم به ولا ذكر له في كتابكم من دين إبراهيم . وقيل { هَؤُلاء } بمعنى الذين و { حاججتم } صلته . وقيل ها أنتم أصله أأنتم على الاستفهام للتعجب من حماقتهم فقلبت الهمزة هاء . وقرأ نافع وأبو عمرو { هَا أَنتُمْ } حيث وقع بالمد من غير همز ، وورش أقل مداً ، وقنبل بالهمز من غير ألف بعد الهاء والباقون بالمد والهمز ، والبزي بقصر المد على أصله . { والله يَعْلَمُ } ما حاججتم فيه . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } وأنتم جاهلون به .\r{ مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا } تصريح بمقتضى ما قرره من البرهان . { وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا } مائلاً عن العقائد الزائغة . { مُسْلِمًا } منقاداً لله وليس المراد أنه كان على ملة الإِسلام وإلا لاشترك الإِلزام . { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تعريض بأنهم مشركون لإِشراكهم به عزيراً والمسيح ورد لادعاء المشركين أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام .\r{ إِنَّ أَوْلَى الناس بإبراهيم } إن أخصهم به وأقربهم منه . من الولي وهو القرب . { لَلَّذِينَ اتبعوه } من أمته . { وهذا النبى والذين ءامَنُواْ } لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة . وقرىء والنبي بالنصب عطفاً على الهاء في اتبعوه ، وبالجر عطفاً على إبراهيم . { والله وَلِىُّ المؤمنين } ينصرهم ويجازيهم الحسنى لإِيمانهم .\r{ وَدَّت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ } نزلت في اليهود لما دعوا حذيفة وعماراً ومعاذاً إلى اليهودية و { لَوْ } بمعنى أن . { وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ } وما يتخطاهم الإِضلال ولا يعود وباله إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم ، أو ما يضلون إلا أمثالهم . { وَمَا يَشْعُرُونَ } وزره واختصاص ضرره بهم .\r{ يَشْعُرُونَ يأَهْلَ الكتاب لِمَ تَكْفُرُونَ بأيات الله } بما نطقت به التوراة والإنجيل ودلت على نبوة محمد A { وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ } أنها آيات الله أو بالقرآن وأنتم تشهدون نعته في الكتابين أو تعلمون بالمعجزات أنه حق .","part":1,"page":357},{"id":358,"text":"{ ياأهل الكتاب لِمَ تَلْبِسُونَ الحق بالباطل } بالتحريف وإبراز الباطل في صورته ، أو بالتقصير في التمييز بينهما . وقرىء تلبسون بالتشديد وتلبسون بفتح الباء أي تلبسون الحق مع الباطل كقوله عليه السلام « كلابس ثوبي زور » { وَتَكْتُمُونَ الحق } نبوة محمد عليه السلام ونعته . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } عالمين بما تكتمونه .\r{ وَقَالَت طَّائِفَةٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب ءامِنُواْ بالذي أُنزِلَ عَلَى الذين ءامَنُواْ وَجْهَ النهار } أي أظهروا الإِيمان بالقرآن أول النهار . { واكفروا ءاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } واكفروا به آخره لعلهم يشكون في دينهم ظناً بأنكم رجعتم لخلل ظهر لكم ، والمراد بالطائفة كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف قالا لأصحابهما لما حولت القبلة : آمنوا بما أنزل عليهم من الصلاة إلى الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم وصلوا إلى الصخرة آخره لعلهم يقولون هم أعلم منا وقد رجعوا فيرجعون . وقيل اثنا عشر من أحبار خيبر تقاولوا بأن يدخلوا في الإِسلام أول النهار ويقولوا آخره نظرنا في كتابنا وشاورنا علماءنا فلم نجد محمداً E بالنعت الذي ورد في التوراة لعل أصحابه يشكون فيه .\r{ وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ } ولا تقروا عن تصديق قلب إلا لأهل دينكم ، أو لا تظهروا إيمانكم وجه النهار لمن كان على دينكم فإن رجوعهم أرجي وأهم . { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } هو يهدي من يشاء إلى الإِيمان ويثبته عليه . { أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ } متعلق بمحذوف أي دَبَّرْتُمْ ذلك وقلتم لأن يؤتى أحد ، المعنى أن الحسد حملكم على ذلك أو بلا تؤمنوا أي ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لأشياعكم ، ولا تفشوه إلى المسلمين لئلا يزيد ثباتهم ولا إلى المشركين لئلا يدعوهم إلى الإسلام وقوله : { قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله } اعتراض يدل على أن كيدهم لا يجدي بطائل ، أو خبر إن على أن هدى الله بدل من الهدى . وقراءة ابن كثير { أَن يؤتى } على الاستفهام للتقريع ، تؤيد الوجه الأول أي إلا أن يؤتى أحد دبرتم . وقرىء { إِن } على أنها نافية فيكون من كلام الطائفة أي ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم وقولوا لهم ما يؤتى أحد مثل ما أوتيتم . { أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ } عطف على { أَن يؤتى } على الوجهين الأولين وعلى الثالث معناه : حتى يحاجوكم عند ربكم فيدحضوا حجتكم عند ربكم ، والواو ضمير أحد لأنه في معنى الجمع إذ المراد به غير أتباعهم . { قُلْ إِنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله واسع عَلِيمٌ } .\r{ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم } رد وإبطال لما زعموه بالحجة الواضحة .\r{ وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } كعبد الله بن سلام استودعه قرشي ألفاً ومائتي أوقية ذهباً فأداه إليه { وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } كفنحاص بن عازوراء استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده .","part":1,"page":358},{"id":359,"text":"وقيل المأمونون على الكثير النصارى إذ الغالب فيهم الأمانة ، والخائنون في القليل اليهود إذ الغالب عليهم الخيانة . وقرأ حمزة وأبو بكر وأبو عمرو { يُؤَدّهِ إِلَيْكَ } و { لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ } بإسكان الهاء وقالون باختلاس كسرة الهاء وكذا روي عن حفص والباقون بإشباع الكسرة . { إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } إلا مدة دوامك قائماً على رأسه مبالغاً في مطالبته بالتقاضي والترافع وإقامة البينة . { ذلك } إشارة إلى ترك الأداء المدلول عليه بقوله { لاَّ يُؤَدِّهِ } . { بِأَنَّهُمْ قَالُواْ } بسبب قولهم . { لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأميين سَبِيلٌ } أي ليس علينا في شأن من ليسوا من أهل الكتاب ولم يكونوا على ديننا عتاب وذم . { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب } بادعائهم ذلك { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أنهم كاذبون ، وذلك لأنهم استحلوا ظلم من خالفهم وقالوا : لم يجعل لهم في التوراة حرمة . وقيل عامل اليهود رجالاً من قريش فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا سقط حقكم حيث تركتم دينكم وزعموا أنه كذلك في كتابهم . وعن النبي A أنه قال عند نزولها « كذب أعداء الله ما من شيء في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » . { بلى } إثبات لما نفوه أي بلى عليهم فيهم سبيل . { مَنْ أوفى بِعَهْدِهِ واتقى فَإِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } استئناف مقرر للجملة التي سدت { بلى } مسدها ، والضمير المجرور لمن أو لله وعموم المتقين ناب عن الراجع من الجزاء إلى { مِنْ } ، وأشعر بأن التقوى ملاك الأمر وهو يعم الوفاء وغيره من أداء الواجبات والاجتناب عن المناهي .\r{ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ } يستبدلون . { بِعَهْدِ الله } بما عاهدوا الله عليه من الإِيمان بالرسول والوفاء بالأمانات . { وأيمانهم } وبما حلفوا به من قولهم والله لنؤمنن به ولننصرنه ، { ثَمَناً قَلِيلاً } متاع الدنيا . { أُوْلَئِكَ لاَ خلاق لَهُمْ فِى الاخرة وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله } بما يسرهم أو بشيء أصلاً ، وأن الملائكة يسألونهم يوم القيامة ، أو لا ينتفعون بكلمات الله وآياته ، والظاهر أنه كناية عن غضبه عليهم لقوله : { وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القيامة } فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه ، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه . { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } ولا يثني عليهم { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } على ما فعلوه . قيل : إنها نزلت في أحبار حرفوا التوراة وبدلوا نعت محمد A وحكم الأمانات وغيرهما وأخذوا على ذلك رشوة . وقيل : نزلت في رجل أقام سلعة في السوق فحلف لقد اشتراها بما لم يشترها به . وقيل : نزلت في ترافع كان بين الأشعث بن قيس ويهودي في بئر أو أرض وتوجهه الحلف على اليهودي .","part":1,"page":359},{"id":360,"text":"{ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا } يعني المحرفين ككعب ومالك وحيي بن أخطب . { يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بالكتاب } يفتلونها بقراءته فيميلونها عن المنزل إلى المحرف ، أو يعطفونها بشبه الكتاب . وقرىء «يلون» على قلب الواو المضمومة همزة ثم تخفيفها بحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها . { لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكتاب وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } الضمير للمحرف المدلول عليه بقوله { يَلْوُونَ } . وقرىء «ليحسبوه» بالياء والضمير أيضاً للمسلمين . { وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ الله } تأكيد لقوله : { وَمَا هُوَ مِنَ الكتاب } وتشنيع عليهم وبيان لأنهم يزعمون ذلك تصريحاً لا تعريضاً ، أي ليس هو نازلاً من عنده . وهذا لا يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعل الله تعالى . { وَيَقُولُونَ عَلَى الله الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ } تأكيد وتسجيل عليهم بالكذب على الله والتعمد فيه .\r{ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لّي مِن دُونِ الله } تكذيب ورد على عبده عيسى عليه السلام . وقيل ( أن أبا رافع القرظي والسيد النجراني قالا : يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً ، فقال : \" معاذ الله أن نعبد غير الله وأن نأمر بعبادة غير الله ، فما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني \" فنزلت . وقيل ( قال رجل يا رسول الله نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض أفلا نسجد لك . قال : \" لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله ولكن أكرموا نبيكم واعرفوا الحق لأهله \" { ولكن كُونُواْ ربانيين } ولكن يقول كونوا ربانيين ، والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل . { بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ } بسبب كونكم معلمين الكتاب وبسبب كونكم دارسين له ، فإن فائدة التعليم والتعلم معرفة الحق والخير للاعتقاد والعمل ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب تعلمون بمعنى عالمين . وقرىء { تَدْرُسُونَ } من التدريس وتدرسون من أدرس بمعنى درس كأكرم وكرم ، ويجوز أن تكون القراءة المشهورة أيضاً بهذا المعنى على تقدير وبما كنتم تدرسونه على الناس .\r{ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } نصبه ابن عامر وحمزة وعاصم ويعقوب عطفاً على ثم يقول ، وتكون لا مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله { مَا كَانَ } ، أي ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادة نفسه ويأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً ، أو غير مزيدة على معنى أنه ليس له أن يأمر بعبادته ولا يأمر باتخاذ أكفائه أرباباً ، بل ينهى عنه وهو أدنى من العبادة . ورفعه الباقون على الاستئناف ، ويحتمل الحال وقرأ أبو عمرو على أصله برواية الدوري باختلاس الضم . { أَيَأْمُرُكُم بالكفر } إنكار ، والضمير فيه للبشر وقيل لله . { بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ } دليل على أن الخطاب للمسلمين وهم المستأذنون لأن يسجدوا له .","part":1,"page":360},{"id":361,"text":"{ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءَاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ لّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ } قيل إنه على ظاهره ، وإذا كان هذا حكم الأنبياء كان الأمم به أولى . وقيل معناه أنه تعالى أخذ الميثاق من النبيين وأممهم واستغنى بذكرهم عن ذكر الأمم . وقيل إضافة الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الفاعل ، والمعنى وإذ أخذ الله الميثاق الذي وثقه الأنبياء على أممهم . وقيل المراد أولاد النبيين على حذف المضاف ، وهم بنو إسرائيل ، أو سماهم نبيين تهكماً لأنهم كانوا يقولون نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب والنبيون كانوا منا ، واللام في { لما } موطئه للقسم لأن أخذ الميثاق بمعنى الاستحلاف ، وما تحتمل الشرطية ولتؤمنن ساد مسد جواب القسم والشرط وتحتمل الخبرية . وقرأ حمزة { لما } بالكسر على أن ما مصدرية أي لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب ، ثم مجيء رسول مصدق له أخذ الله الميثاق لتؤمنن به ولتنصرنه ، أو موصولة والمعنى أخذه للذي آتيتكموه وجاءكم رسول مصدق له . وقرىء { لما } بمعنى حين آتيتكم ، أو لمن أجل ما آتيتكم على أن أصله لمن ما بالإِدغام فحذف إحدى الميمات الثلاث استثقالاً . وقرأ نافع «آتيناكم» بالنون والألف جميعاً . { قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي } أي عهدي ، سمي به لأنه يؤصر أي يشد . وقرىء بالضم وهو إما لغة فيه كعبر وعبر أو جمع إصار وهو ما يشد به . { قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا } أي فليشهد بعضكم على بعض بالإِقرار . وقيل الخطاب فيه للملائكة . { وَأَنَاْ مَعَكُمْ مّنَ الشاهدين } وأنا أيضاً على إقراركم وتشاهدكم شاهد ، وهو توكيد وتحذير عظيم .","part":1,"page":361},{"id":362,"text":"{ فَمَنْ تولى بَعْدَ ذلك } بعد الميثاق والتوكيد بالإِقرار والشهادة . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفاسقون } المتمردون من الكفرة .","part":1,"page":362},{"id":363,"text":"{ أَفَغَيْرَ دِينِ الله يَبْغُونَ } عطف على الجملة المتقدمة والهمزة متوسطة بينهما للإِنكار ، أو محذوف تقديره أتتولون فغير دين الله تبغون ، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإِنكار والفعل بلفظ الغيبة عند أبي عمرو وعاصم في رواية حفص ويعقوب ، وبالتاء عند الباقين على تقدير وقل له . { وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا } أي طائعين بالنظر واتباع الحجة ، وكارهين بالسيف ومعاينة ما يلجىء إلى الإِسلام كنتق الجبل وإدراك الغرق ، والإِشراف على الموت . أو مختارين كالملائكة والمؤمنين ومسخرين كالكفرة فإنهم لا يقدرون أن يمتنعوا عما قضى عليهم { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } وقرىء بالياء على أن الضمير لمن .","part":1,"page":363},{"id":364,"text":"{ قُلْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وَمَا أُوتِيَ موسى وعيسى والنبيون مِن رَّبّهِمْ } أمر للرسول A بأن يخبر عن نفسه ومتابعيه بالإِيمان ، والقرآن كما هو منزل عليه بتوسط تبليغه إليهم وأيضاً المنسوب إلى واحد من الجمع قد ينسب إليهم ، أو بأن يتكلم عن نفسه على طريقة الملوك إجلالاً له ، والنزول كما يعدى بإلى لأنه ينتهي إلى الرسل يعدى بعلى لأنه من فوق ، وإنما قدم المنزل عليه السلام على المنزل على سائر الرسل لأنه المعرف له والعيار عليه { لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } بالتصديق والتكذيب . { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } منقادون أو مخلصون في عبادته .","part":1,"page":364},{"id":365,"text":"{ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا } أي غير التوحيد والإِنقياد لحكم الله . { فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الأخرة مِنَ الخاسرين } الواقعين في الخسران ، والمعنى أن المعرض عن الإِسلام والطالب لغيره فاقد للنفع واقع في الخسران بإبطال الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها ، واستدل به على أن الإِيمان هُو الإِسلام إذ لو كان غيره لم يقبل . والجواب إنه ينفي قبول كل دين يغايره لا قبول كل ما يغايره ، ولعل الدين أيضاً للأعمال .","part":1,"page":365},{"id":366,"text":"{ كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم وَشَهِدُواْ أَنَّ الرسول حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البينات } استبعاد لأن يهديهم الله فإن الحائد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد . وقيل نفي وإنكار له وذلك يقتضي أن لا تقبل توبة المرتد ، { وَشَهِدُواْ } عطف على ما في { أيمانهم } من معنى الفعل ونظيره فأصدق وأكن ، أو حال بإضمار قد من كفروا وهو على الوجهين دليل على أن الإِقرار باللسان خارج عن حقيقة الإِيمان . { والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالإِخلال بالنظر ووضع الكفر موضع الإِيمان فكيف من جاءه الحق وعرفه ثم أعرض عنه .","part":1,"page":366},{"id":367,"text":"{ أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ الله والملئكة والناس أَجْمَعِينَ } يدل بمنطوقه على جواز لعنهم ، وبمفهومه على نفي جواز لعن غيرهم . ولعل الفرق أنهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مؤيسون عن الرحمة رأساً بخلاف غيرهم ، والمراد بالناس المؤمنون أو العموم فإن الكافر أيضاً يلعن منكر الحق والمرتد عنه ولكن لا يعرف الحق بعينه .\r{ خالدين فِيهَا } في اللعنة ، أو العقوبة ، أو النار وإن لم يجز ذكرهما لدلالة الكلام عليهما . { لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } .\r{ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد الارتداد . { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا ، ويجوز أن لا يقدر له مفعول بمعنى ودخلوا في الصلاح . { فَإِنَّ الله غَفُورٌ } يقبل توبته . { رَّحِيمٌ } يتفضل عليه . قيل : إنها نزلت في الحارث بن سويد حين ندم على ردته فأرسل إلى قومه أن سلوا هل لي من توبة ، فأرسل إليه أخوه الجلاس بالآية فرجع إلى المدينة فتاب .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بَعْدَ إيمانهم ثُمَّ ازدادوا كُفْرًا } كاليهود كفروا بعيسى والإِنجيل بعد الإِيمان بموسى والتوراة ، ثم ازدادوا كفراً بمحمد والقرآن ، أو كفروا بمحمد بعدما آمنوا به قبل مبعثه ثم ازدادوا كفراً بالإصرار والعناد والطعن فيه والصد عن الإيمان ونقض الميثاق ، أو كقوم ارتدوا ولحقوا بمكة ثم ازدادوا كفراً بقولهم نتربص بمحمد ريب المنون أو نرجع إليه وننافقه بإظهاره . { لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ } لأنهم لا يتوبون ، أو لا يتوبون إلا إذا أشرفوا على الهلاك فكني عن عدم توبتهم بعدم قبولها تغليظاً في شأنهم وإبرازاً لحالهم في صورة حال الآيسين من الرحمة ، أو لأن توبتهم لا تكون إلا نفاقاً لارتدادهم وزيادة كفرهم ، ولذلك لم تدخل الفاء فيه . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضالون } الثابتون على الضلال .\r{ إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْءُ الأرض ذَهَبًا } لما كان الموت على الكفر سبباً لامتناع قبول الفدية أدخل الفاء ها هنا للإِشعار به ، وملء الشيء ما يملؤه . و { ذَهَبًا } نصب على التمييز . وقرىء بالرفع على البدل من { مّلْء } أو الخبر لمحذوف . { وَلَوِ افتدى بِهِ } محمول على المعنى كأنه قيل : فلن يقبل من أحدهم فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهباً ، أو معطوف على مضمر تقديره فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً لو تقرب به في الدنيا ولو افتدى به من العذاب في الآخرة ، أو المراد ولو افتدى بمثله كقوله تعالى : { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ } والمثل يحذف ويراد كثيراً لأن المثلين في حكم شيء واحد { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } مبالغة في التحذير وإقناط لأن من لا يقبل منه الفداء ربما يعفى عنه تكرماً { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } في دفع العذاب ومن مزيدة للاستغراق .","part":1,"page":367},{"id":368,"text":"{ لَن تَنَالُواْ البر } أي لن تبلغوا حقيقة البر الذي هو كمال الخير ، أو لن تنالوا بر الله الذي هو الرحمة والرضى والجنة . { حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } أي من المال ، أو ما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس ، والبدن في طاعة الله والمهجة في سبيله . روي ( أنها لما نزلت جاء أبو طلحة فقال : يا رسول الله إن أحب أموالي إلي بيرحاء فضعها حيث أراك الله ، فقال : \" بخ بخ ذاك مال رابح أو رائح ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين \" . وجاء زيد بن حارثة بفرس كان يحبها فقال : هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله A أسامة بن زيد فقال : زيد إنما أردت أن أتصدق بها فقال عليه السلام : \" إن الله قد قبلها منك \" وذلك يدل على أن إنفاق أحب الأموال على أقرب الأقارب أفضل ، وأن الآية تعم الإِنفاق الواجب والمستحب . وقرىء «بعض ما تحبون» وهو يدل على أن من للتبعيض ويحتمل التبيين . { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ } أي من أي شيء محبوب أو غيره ومن لبيان ما . { فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ } فيجازيكم بحسبه .\r{ كُلُّ الطعام } أي المطعومات والمراد أكلها . { كَانَ حِلاًّ لّبَنِي إسراءيل } حلالاً لهم ، وهو مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث قال تعالى : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ } { إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل } يعقوب . { على نَفْسِهِ } كلحوم الإِبل وألبانها . وقيل كان به عرق النسا فنذر إن شفي لم يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه . وقيل : فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء . واحتج به من جوز للنبي أن يجتهد ، وللمانع أن يقول ذلك بإذن من الله فيه فهو كتحريمه ابتداء . { مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة } أي من قبل إنزالها مشتملة على تحريم ما حرم عليهم لظلمهم وبغيهم عقوبة وتشديداً ، وذلك رد على اليهود في دعوى البراءة مما نعى عليهم في قوله تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات } وقوله : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } الآيتين ، بأن قالوا لسنا أول من حرمت عليه وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده حتى انتهى الأمر إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا ، وفي منع النسخ والطعن في دعوى الرسول عليه السلام موافقة إبراهيم عليه السلام بتحليله لحوم الإِبل وألبانها . { قُلْ فَأْتُواْ بالتوراة فاتلوها إِن كُنتُمْ صادقين } أمر بمحاجتهم بكتابهم وتبكيتهم بما فيه من أنه قد حرم عليهم بسبب ظلمهم ما لم يكن محرماً . روي : أنه عليه السلام لما قاله لهم بهتوا ولم يجسروا أن يخرجوا التوراة . وفيه دليل على نبوته .","part":1,"page":368},{"id":369,"text":"{ فَمَنِ افترى عَلَى الله الكذب } ابتدعه على الله بزعمه أنه حرم ذلك قبل نزول التوراة على بني إسرائيل ومن قبلهم . { مِن بَعْدِ ذلك } من بعد ما لزمتهم الحجة . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } الذين لا ينصفون من أنفسهم ويَكابرون الحق بعدما وضح لهم .","part":1,"page":369},{"id":370,"text":"{ قُلْ صَدَقَ الله } تعريض بكذبهم ، أي ثبت أن الله صادق فيما أنزل وأنتم الكاذبون . { فاتبعوا مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً } أي ملة الإِسلام التي هي في الأصل ملة إبراهيم ، أو مثل ملته حتى تتخلصوا من اليهودية التي اضطرتكم إلى التحريف والمكابرة لتسوية الأغراض الدنيوية ، وألزمتكم تحريم طيبات أحلها الله لإِبراهيم ومن تبعه . { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } فيه إشارة إلى أن اتباعه واجب في التوحيد الصرف والاستقامة في الدين والتجنب عن الإِفراط والتفريط ، وتعريض بشرك اليهود .\r{ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ } أي وضع للعبادة وجعل متعبداً لهم ، والواضع هو الله تعالى . ويدل عليه أنه قرىء على البناء للفاعل . { لَلَّذِى بِبَكَّةَ } للبيت الذي { بِبَكَّةَ } ، وهي لغة في مكة كالنبيط والنميط ، وأمر راتب وراتم ولازب ولازم ، وقيل هي موضع المسجد . ومكة البلد من بكة إذا زحمه ، أو من بكه إذا دقه فإنها تبك أعناق الجبابرة روي ( أنه عليه السلام سئل عن أول بيت وضع للناس فقال : « المسجد الحرام ، ثم بيت المقدس . وسئل كم بينهما فقال أربعون سنة » وقيل أول من بناه إبراهيم ثم هدم فبناه قوم من جرهم ، ثم العمالقة ، ثم قريش . وقيل هو أول بيت بناه آدم فانطمس في الطوفان ، ثم بناه إبراهيم . وقيل : كان في موضعه قبل آدم بيت يقال له الضراح يطوف به الملائكة ، فلما أهبط آدم أمر بأن يحجه ويطوف حوله ورفع في الطوفان إلى السماء الرابعة تطوف به ملائكة السموات وهو لا يلائم ظاهر الآية . وقيل المراد إنه أول بيت بالشرف لا بالزمان . { مُبَارَكاً } كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره واعتكف دونه وطاف حوله ، حال من المستكن في الظرف { وَهُدًى للعالمين } لأنه قبلتهم ومتعبدهم ، ولأن فيه آيات عجيبة كما قال :","part":1,"page":370},{"id":371,"text":"{ فِيهِ ءايات بينات } كانحراف الطيور عن موازاة البيت على مدى الأعصار ، وأن ضواري السباع تخالط الصيود في الحرم ولا تتعرض لها ، وإن كل جبار قصده بسوء قهره الله كأصحاب الفيل . والجملة مفسرة للهدى ، أو حال أخرى . { مَّقَامِ إبراهيم } مبتدأ محذوف خبره أي منها مقام إبراهيم ، أو بدل من آيات بدل البعض من الكل . وقيل عطف بيان على أن المراد بالآيات أثر القدم في الصخرة الصماء وغوصها فيها إلى الكعبين ، وتخصيصها بهذه الإلانة من بين الصخار وإبقاؤه دون سائر آثار الأنبياء وحفظه مع كثرة أعدائه ألوف السنين . ويؤيده أنه قرىء «آية» بينة على التوحيد . وسبب هذا الأثر أنه لما ارتفع بنيان الكعبة قام على هذا الحجر ليتمكن من رفع الحجارة فغاصت فيه قدماه . { وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءامِناً } جملة ابتدائية ، أو شرطية معطوفة من حيث المعنى على مقام لأنه في معنى أمن من دخله أي ومنها أمن من دخله ، أو فيه آيات بينات مقام إبراهيم وأمن من دخله . اقتصر بذكرهما من الآيات الكثيرة وطوى ذكر غيرهما كقوله عليه السلام \" حبب إليَّ من دنياكم ثلاث : الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة \" لأن فيهما غنية عن غيرها في الدارين بقاء الأثر مدى الدهر والأمن من العذاب يوم القيامة ، قال عليه السلام : \" من مات في أحد الحرمين ، بعث يوم القيامة آمناً \" وعند أبي حنيفة من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما والتجأ إلى الحرم لم يتعرض له ولكن ألجىء إلى الخروج . { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } قصده للزيارة على الوجه المخصوص . وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص { حَجَّ } بالكسر وهو لغة نجد . { مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً } بدل من الناس بدل البعض من الكل مخصص له ، وقد فسر رسول الله A الاستطاعة \" بالزاد والراحلة \" وهو يؤيد قول الشافعي رضي الله تعالى عنه إنها بالمال ، ولذلك أوجب الاستنابة على الزمن إذا وجد أجرة من ينوب عنه . وقال مالك C تعالى إنها بالبدن فيجب على من قدر على المشي والكسب في الطريق . وقال أبو حنيفة C تعالى إنها بمجموع الأمرين . والضمير في إليه للبيت ، أو الحج وكل ما أتى إلى الشيء فهو سبيله . { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين } وضع كفر موضع من لم يحج تأكيداً لوجوبه وتغليظاً على تاركه ، ولذلك قال عليه السلام \" من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهودياً أو نصرانياً \" وقد أكد أمر الحج في هذه الآية من وجوبه الدلالة على وجوه بصيغة الخبر ، وإبرازه في الصورة الإِسمية وإيراده على وجه يفيد أنه حق واجب لله تعالى في رقاب الناس ، وتعميم الحكم أولاً ثم تخصيصه ثانياً فإنه كإيضاح بعد إيهام وتثنية وتكرير للمراد ، وتسمية ترك الحج كفراً من حيث إنه فعل الكفرة ، وذكر الاستغناء فإنه في هذا الموضع مما يدل على المقت والخذلان وقوله : { عَنِ العالمين } يدل عليه لما فيه من مبالغة التعميم والدلالة على الاستغناء عنه بالبرهان والإِشعار بعظم السخط ، لأنه تكليف شاق جامع بين كسر النفس وإتعاب البدن وصرف المال والتجرد عن الشهوات والإِقبال على الله .","part":1,"page":371},{"id":372,"text":"روي ( أنه لما نزل صدر الآية جمع رسول A أرباب الملل فخطبهم وقال « إن الله تعالى : كتب عليكم الحج فحجوا فآمنت به ملة واحدة وكفرت به خمس ملل فنزل ومن كفر » { قُلْ ياأهل الكتاب لَمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ الله } أي بآياته السمعية والعقلية الدالة على صدق محمد A فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره ، وتخصيص أهل الكتاب بالخطاب دليل على أن كفرهم أقبح ، لأن معرفتهم بالآيات أقوى وأنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإِنجيل فهم كافرون بهما . { والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } والحال أنه شهيد مطلع على أعمالكم فيجازيكم عليها لا ينفعكم التحريف والاستسرار .\r{ قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ } كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم ، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب ، وسبيل الله في دينه الحق المأمور بسلوكه وهو الإسلام . قيل كانوا يفتنون المؤمنين ويحرشون بينهم حتى أتوا الأوس والخزرج فذكروهم ما بينهم في الجاهلية من التعادي والتحارب ليعودوا لمثله ويحتالون لصدهم عنه . { تَبْغُونَهَا عِوَجاً } حال من الواو أي باغين طالبين لها اعوجاجاً بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه عوجاً عن الحق ، بمنع النسخ وتغيير صفة رسول الله A ونحوهما ، أو بأن تحرشوا بين المؤمنين لتختلف كلمتهم ويختل أمر دينهم . { وَأَنْتُمْ شُهَدَاء } إنها سبيل الله والصد عنها ضلال وإضلال ، أو أنتم عدول عند أهل ملتكم يثقون بأقوالكم ويستشهدونكم في القضايا . { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } وعيد لهم ، ولما كان المنكر في الآية الأولى كفرهم وهم يجهرون به ختمها بقوله : { والله شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ } . ولما كان في هذه الآية صدهم للمؤمنين عن الإسلام وكانوا يخفونه ويحتالون فيه قال { وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب يَرُدُّوكُم بَعْدَ إيمانكم كافرين } نزلت في نفر من الأوس والخزرج كانوا جلوساً يتحدثون ، فمر بهم شاس بن قيس اليهودي فغاظه تألفهم واجتماعهم فأمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكرهم يوم بعاث وينشدهم بعض ما قيل فيه ، وكان الظفر في ذلك اليوم للأوس ، ففعل فتنازع القوم وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا السلاح السلاح ، واجتمع مع القبيلتين خلق عظيم ، فتوجه إليهم رسول الله A وأصحابه وقال","part":1,"page":372},{"id":373,"text":"« أتدعون الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألف بين قلوبكم » فعلموا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم ، فألقوا السلاح واستغفروا وعانق بعضهم بعضاً وانصرفوا مع رسول الله A . وإنما خاطبهم الله بنفسه بعدما أمر الرسول بأن يخاطب أهل الكتاب إظهاراً لجلالة قدرهم ، وإشعاراً بأنهم هم الأحقاء بأن يخاطبهم الله ويكلمهم .\r{ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تتلى عَلَيْكُمْ ءايات الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ } إنكار وتعجيب لكفرهم في حال اجتمع لهم الأسباب الداعية إلى الإيمان الصارفة عن الكفر . { وَمَن يَعْتَصِم بالله } ومن يتمسك بدينه أو يلتجىء إليه في مجامع أموره . { فَقَدْ هُدِيَ إلى صراط مّسْتَقِيمٍ } فقد اهتدى لا محالة .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } حق تقواه وما يجب منها ، وهو استفراغ الوسع في القيام بالواجب والاجتناب عن المحارم كقوله : { فاتقوا الله مَا استطعتم } وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : هو أن يطيع فلا يعصي ، ويشكر فلا يكفر ، ويذكر فلا ينسى . وقيل هو : أن تنزه الطاعة عن الالتفات إليها وعن توقع المجازاة عليها . وفي هذا الأمر تأكيد للنهي عن طاعة أهل الكتاب ، وأصل تقاة وقية فقلبت واوها المضمومة تاء كما في تؤده وتخمه والياء ألفاً . { وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ } أي ولا تكونن على حال سوى حال الإِسلام إذا أدرككم الموت ، فإن النهي عن المقيد بحال أو غيرها قد يتوجه بالذات نحو الفعل تارة والقيد أخرى وقد يتوجه نحو المجموع دونهما وكذلك النفي .\r{ واعتصموا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً } بدين الإِسلام ، أو بكتابه لقوله عليه السلام : « القرآن حبل الله المتين » . استعار له الحبل من حيث إن التمسك به سبب للنجاة من الردي ، كما أن التمسك بالحبل سبب للسلامة من التردى والوثوق به والاعتماد عليه الاعتصام ترشيحاً للمجاز . { جَمِيعاً } مجتمعين عليه { وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أي ولا تتفرقوا عن الحق بوقوع الاختلاف بينكم كأهل الكتاب ، أو لا تتفرقوا تفرقكم في الجاهلية يحارب بعضكم بعضاً ، أو لا تذكروا ما يوجب التفرق ويزيل الألفة . { واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } التي من جملتها الهداية والتوفيق للإِسلام المؤدي إلى التآلف وزوال الغل . { إِذْ كُنتُم أَعْدَاءً } في الجاهلية متقاتلين . { فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ } بالإِسلام . { فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً } متحابين مجتمعين على الأخوة في الله . وقيل كان الأوس والخزرج أخوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب مائة وعشرين سنة حتى أطفأها الله بالإِسلام وألف بينهم برسوله A . { وَكُنتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مّنَ النار } مشرفين على الوقوع في نار جهنم لكفركم ، إذ لو أدرككم الموت على تلك الحالة لوقعتم في النار .","part":1,"page":373},{"id":374,"text":"{ فَأَنقَذَكُمْ مّنْهَا } بالإِسلام ، والضمير للحفرة ، أو للنار ، أو للشفا . وتأنيثه لتأنيث ما أضيف إليه أو لأنه بمعنى الشفة فإن شفا البئر وشفتها طرفها كالجانب والجانبة ، وأصله شفو فقلبت الواو ألفاً في المذكر وحذفت في المؤنث . { كذلك } مثل ذلك التبيين . { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } دلائله . { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } إرادة ثباتكم على الهدى وازديادكم فيه .\r{ وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخير وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } من للتبعيض ، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية ، ولأنه لا يصلح له كل أحد إذ للمتصدي له شروط لا يشترك فيها جميع الأمة كالعلم بالأحكام ومراتب الاحتساب وكيفية إقامتها والتمكن من القيام بها . خاطب الجميع وطلب فعل بعضهم ليدل على أنه واجب على الكل حتى لو تركوه رأساً أثموا جميعاً ولكن يسقط بفعل بعضهم ، وهكذا كل ما هو فرض كفاية . أو للتبيين بمعنى وكونوا أمة يدعون كقوله تعالى : { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف } والدعاء إلى الخير يعم الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي ، وعطف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عطف الخاص على العام للإيذان بفضله . { وأولئك هُمُ المفلحون } المخصوصون بكمال الفلاح روي : أنه عليه السلام سئل من خير الناس فقال : « آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر وأتقاهم لله وأوصلهم للرحم » والأمر بالمعروف يكون واجباً ومندوباً على حسب ما يؤمر به . والنهي عن المنكر واجب كله لأن جميع ما أنكره الشرع حرام . والأظهر أن العاصي يجب عليه أن ينهى عما يرتكبه لأنه يجب عليه تركه وإنكاره فلا يسقط بترك أحدهما وجوب الآخر .\r{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين تَفَرَّقُواْ واختلفوا } كاليهود والنصارى اختلفوا في التوحيد والتنزيه وأحوال الآخرة على ما عرفت . { مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ البينات } الآيات والحجج المبينة للحق الموجبة للاتفاق عليه . والأظهر أن النهي فيه مخصوص بالتفرق في الأصول دون الفروع لقوله عليه السلام « اختلاف أمتي رحمة » ولقوله E « من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر واحد » { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } وعيد للذين تفرقوا وتهديد على التشبه بهم .","part":1,"page":374},{"id":375,"text":"{ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ } نصب بما في لهم من معنى الفعل ، أو بإضمار اذكر . وبياض الوجه وسواده كنايتان عن ظهور بهجة السرور وكآبة الخوف فيه . وقيل يوسم أهل الحق ببياض الوجه والصحيفة وإشراق البشرة وسعي النور بين يديه وبيمينه ، وأهل الباطل بأضداد ذلك . { فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم } على إرادة القول أي فيقال لهم أكفرتم ، والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم ، وهم المرتدون أو أهل الكتاب كفروا برسول الله A بعد إيمانهم به قبل مبعثه ، أو جميع الكفار كفروا بعدما أقروا به حين أشهدهم على أنفسهم أو تمكنوا من الإِيمان بالنظر في الدلائل والآيات . { فَذُوقُواْ العذاب } أمر إهانة . { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } بسبب كفركم أو جزاء لكفركم .","part":1,"page":375},{"id":376,"text":"{ وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ الله } يعني الجنة والثواب المخلد ، عبر عن ذلك بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمن وإن استغرق عمره في طاعة الله تعالى لا يدخل الجنة إلا برحمته وفضله ، وكان حق الترتيب أن يقدم ذكرهم لكن قصد أن يكون مطلع الكلام ومقطعه حلية المؤمنين وثوابهم . { هُمْ فِيهَا خالدون } أخرجه مخرج الاستئناف للتأكيد كأنه قيل : كيف يكونون فيها؟ فقال هم فيها خالدون .","part":1,"page":376},{"id":377,"text":"{ تِلْكَ آيات الله } الواردة في وعده ووعيده { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق } ملتبسة بالحق لا شبهة فيها . { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً للعالمين } إذ يستحيل الظلم منه لأنه لا يحق عليه شيء فيظلم بنقصه ، ولا يمنع عن شيء فيظلم بفعله ، لأنه المالك على الإِطلاق كما قال .","part":1,"page":377},{"id":378,"text":"{ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } فيجازي كلا بما وعد له وأوعد .","part":1,"page":378},{"id":379,"text":"{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ } دل على خيريتهم فيما مضى ولم يدل على انقطاع طرأ كقوله تعالى : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } وقيل كنتم في علم الله أو في اللوح المحفوظ ، أو فيما بين الأمم المتقدمين . { أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } أي أظهرت لهم . { تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } استئناف بين به كونهم { خَيْرَ أُمَّةٍ } ، أو خبر ثان لكنتم . { وَتُؤْمِنُونَ بالله } يتضمن الإِيمان بكل ما يجب أن يؤمن به ، لأن الإِيمان به إنما يحق ويعتد به إذا حصل الإِيمان بكل ما أمر أن يؤمن به ، وإنما أخره وحقه أن يقدم لأنه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر إيماناً بالله وتصديقاً به وإظهاراً لدينه ، واستدل بهذه الآية على إن الاجماع حجة لأنها تقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر ، إذ اللام فيهما للاستغراق فلو أجمعوا على باطل كان أمرهم على خلاف ذلك . { وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الكتاب } إيماناً كما ينبغي { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الإِيمان خيراً لهم مما هم عليه . { مّنْهُمُ المؤمنون } كعبد الله بن سلام وأصحابه . { وَأَكْثَرُهُمُ الفاسقون } المتمردون في الكفر ، وهذه الجملة والتي بعدها واردتان على سبيل الاستطراد .","part":1,"page":379},{"id":380,"text":"{ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } ضرراً يسيراً كطعن وتهديد . { وَإِن يقاتلوكم يُوَلُّوكُمُ الأدبار } ينهزموا ولا يضروكم بقتل وأسر . { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } ثم لا يكون أحد ينصرهم عليكم أو يدفع بأسكم عنهم ، نفي إضرارهم سوى ما يكون بقول وقرر ذلك بأنهم لو قاموا إلى القتال كانت الدبرة عليهم ، ثم أخبر بأنه تكون عاقبتهم العجز والخذلان . وقرىء «لا ينصروا» عطفاً على يولوا على أن ثم للتراخي في الرتبة فيكون عدم النصر مقيداً بقتالهم ، وهذه الآية من المغيبات التي وافقها الواقع إذ كان ذلك حال قريظة والنضير وبني قينقاع ويهود خيبر .\r{ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة } هدر النفس والمال والأهل ، أو ذل التمسك بالباطل والجزية . { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } وجدوا { إِلاَّ بِحَبْلٍ مّنْ الله وَحَبْلٍ مّنَ الناس } استثناء من أعم عام الأحوال أي ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا معتصمين ، أو ملتبسين بذمة الله أو كتابة الذي آتاهم وذمة المسلمين ، أو بدين الإِسلام واتباع سبيل المؤمنين . { وَبَاءوا بِغَضَبٍ مّنَ الله } رجعوا به مستوجبين له { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المسكنة } فهي محيطة بهم إحاطة البيت المضروب على أهله ، واليهود في غالب الأمر فقراء ومساكين . { ذلك } إشارة إلى ما ذكر ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب . { بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } بسبب كفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء . والتقييد بغير حق مع أنه كذلك في نفس الأمر للدلالة على أنه لم يكن حقاً بحسب اعتقادهم أيضاً . { ذلك } أي الكفر والقتل . { بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله ، فإن الإِصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر والاستمرار عليها يؤدي إلى الكفر . وقيل معناه أن ضرب الذلة في الدنيا واستيجاب الغضب في الآخرة كما هو معلل بكفرهم وقتلهم فهو مسبب عن عصيانهم واعتدائهم من حيث إنهم مخاطبون بالفروع أيضاً .\r{ لَيْسُواْ سَوَاء } في المساوي والضمير لأهل الكتاب . { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئناف لبيان نفي الاستواء ، والقائمة المستقيمة العادلة من أقمت العود فقام وهم الذين أسلموا منهم . { يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } يتلون القرآن في تهجدهم . عَبَّر عنه بالتلاوة في ساعات الليل مع السجود ليكون أبين وأبلغ في المدح . وقيل المراد صلاة العشاء لأن أهل الكتاب لا يصلونها لما روي ( أنه E أخرها ثم خرج فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : \" أما أنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم \" . { يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر وَيَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ويسارعون فِي الخيرات } صفات أخر لأمة وصفهم بخصائص ما كانت في اليهود ، فإنهم منحرفون عن الحق غير متعبدين في الليل مشركون بالله ملحدون في صفاته ، واصفون اليوم الآخر بخلاف صفته ، مداهنون في الاحتساب متباطئون عن الخيرات .","part":1,"page":380},{"id":381,"text":"{ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } أي الموصوفون بتلك الصفات ممن صلحت أحوالهم عند الله واستحقوا رضاه وثناءه .\r{ وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } فلن يضيع ولا ينقص ثوابه ألبتة ، سمي ذلك كفراناً كما سمي توفية الثواب شكراً ، وتعديته إلى مفعولين لتضمنه معنى الحرمان ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي { وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَروهُ } بالياء والباقون بالتاء . { والله عَلِيمٌ بالمتقين } بشارة لهم وإشعار بأن التقوى مبدأ الخير وحسن العمل ، وأن الفائز عند الله هو أهل التقوى .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا } من العذاب ، أو من الغناء فيكون مصدراً . { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار } ملازموها . { هُمْ فِيهَا خالدون } .\r{ مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } ما ينفق الكفرة قربة ، أو مفاخرة وسمعة ، أو المنافقون رياء أو خوفاً . { فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ } برد شديد والشائع إطلاقة للريح الباردة كالصرر ، فهو في الأصل مصدر نعت به أو نعت وصف به البرد للمبالغة كقولك برد بارد . { أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي { فَأَهْلَكَتْهُ } عقوبة لهم لأن الإِهلاك عن سخط أشد ، والمراد تشبيه ما انفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صر فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة ، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه للريح دون الحرث ، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث . { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله ولكن أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أي ما ظلم المنفقين بضياع نفقاتهم ، ولكنهم ظلموا أنفسهم لما لم ينفقوها بحيث يعتد بها ، أو ما ظلم أصحاب الحرث بإهلاكه ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب ما استحقوا به العقوبة . وقرىء { ولكن } أي ولكن أنفسهم يظلمونها ، ولا يجوز أن يقدر ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في ضرورة الشعر كقوله :\rوَمَا كُنْتُ مِمَّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قَلْبَه ... وَلَكِنَّ مَنْ يُبْصِرْ جُفُونَكِ يَعْشَقِ\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً } وليجة ، وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به ، شبه ببطانة الثوب كما شبه بالشعار قال E : « الأنصار شعار والناس دثار » . { مّن دُونِكُمْ } من دون المسلمين ، وهو متعلق بلا تتخذوا ، أو بمحذوف هو صفة بطانة أي بطانة كائنة من دونكم . { لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } أي لا يقصرون لكم في الفساد ، والألو التقصير وأصله أن يعدى بالحرف وعدي إلى مفعولين كقولهم : لا آلوك نصحاً على تضمين معنى المنع أو النقص . { وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ } تمنوا عنتكم ، وهو شدة الضرر والمشقة وما مصدرية . { قَدْ بَدَتِ البغضاء مِنْ أفواههم } أي في كلامهم لأنهم لا يتمالكون أنفسهم لفرط بغضهم . { وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ } مما بدا لأن بدوه ليس عن روية واختيار . { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات } الدالة على وجوب الإِخلاص وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين . { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } ما بين لكم ، والجمل الأربع جاءت مستأنفات على التعليل ، ويجوز أن تكون الثلاث الأول صفات لبطانة .","part":1,"page":381},{"id":382,"text":"{ هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ } أي أنتم أولاء الخاطئون في موالاة الكفار وتحبونهم ولا يحبونكم ، بيان لخطئهم في موالاتهم ، وهو خبر ثان أو خبر لأولاء والجملة خبر لأنتم كقولك : أنت زيد تحبه ، أو صلته أو حال والعامل فيها معنى الإِشارة ، ويجوز أن ينصب أولاء بفعل مضمر يفسره ما بعده وتكون الجملة خبراً . { وَتُؤْمِنُونَ بالكتاب كُلّهِ } بجنس الكتاب كله ، وهو حال من لا يحبونكم والمعنى : إنهم لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم أيضاً فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم ، وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم . { وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا } نفاقاً وتغريراً { وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } من أجله تأسفاً وتحسراً حيث لم يجدوا إلى التشفي سبيلاً . { قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ } دعاء عليهم بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإِسلام وأهله حتى يهلكوا به . { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فيعلم ما في صدورهم من البغضاء والحنق ، وهو يحتمل أن يكون من المقول أي وقل لهم إن الله عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل غيظاً ، وأن يكون خارجاً عنه بمعنى قل لهم ذلك ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم .","part":1,"page":382},{"id":383,"text":"{ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا } بيان لتناهي عداوتهم إلى حد حسدوا ما نالهم من خير ومنفعة ، وشمتوا بما أصابهم من ضر وشدة ، والمس مستعار للإِصابة { وَأَن تَصْبِرُواْ } على عداوتهم ، أو على مشاق التكاليف . { وَتَتَّقُواْ } موالاتهم ، أو ما حرم الله جل جلاله عليكم . { لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } بفضل الله D وحفظه الموعود للصابرين والمتقين ولأن المجد في الأمر ، المتدرب بالاتقاء والصبر يكون قليل الانفعال جرياً على الخصم ، وضمه الراء للاتباع كضمة مد . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب { لاَ يَضُرُّكُمْ } من ضاره يضيره . { إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ } من الصبر والتقوى وغيرهما . { مُحِيطٌ } أي محيط علمه فيجازيكم مما أنتم أهله . وقرىء بالياء أي { بِمَا يَعْمَلُونَ } ، في عداوتكم عليم فيعاقبهم عليه .","part":1,"page":383},{"id":384,"text":"{ وَإِذْ غَدَوْتَ } أي واذكر إذ غدوت . { مِنْ أَهْلِكَ } أي من حجرة عائشة Bها . { تُبَوّىء المؤمنين } تنزلهم . أو تسوي وتهيىء لهم ويؤيده القراءة باللام . { مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } مواقف وأماكن له ، وقد يستعمل المقعد والمقام بمعنى المكان على الاتساع كقوله تعالى : { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ } وقوله تعالى : { قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } { والله سَمِيعٌ } لأقوالكم . { عَلِيمٌ } بنياتكم روي ( أن المشركين نزلوا بأحد يوم الأربعاء ثاني عشر شوال سنة ثلاث من الهجرة فاستشار الرسول E أصحابه ، وقد دعا عبد الله بن أبي بن سلول ولم يدعه قبل فقال هو وأكثر الأنصار : أقم يا رسول الله بالمدينة ولا تخرج إليهم ، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه فكيف وأنت فينا؟ فدعهم فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال ورماهم النساء والصبيان بالحجارة ، وإن رجعوا رجعوا خائبين . وأشار بعضهم إلى الخروج فقال E : « رأيت في منامي بقرة مذبوحة حولي فأولتها خيراً ، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً فأولته هزيمة ، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة ، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم » فقال رجال فاتتهم بدر وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد اخرج بنا إلى أعدائنا . وبالغوا حتى دخل ولبس لامته ، فلما رأوا ذلك ندموا على مبالغتهم وقالوا : اصنع يا رسول الله ما رأيت فقال « لا ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل » فخرج بعد صلاة الجمعة وأصبح بشعب أُحُد يوم السبت ، ونزل في عدوة الوادي وجعل ظهره وعسكره إلى أحد وسوى صفهم ، وَأَمَّر عبد الله بن جبير على الرماة وقال : انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا ) .","part":1,"page":384},{"id":385,"text":"{ إِذْ هَمَّتْ } متعلق بقوله : { سَمِيعٌ عَلِيمٌ } أو بدل من إذ غدوت . { طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ } بنو سلمة من الخزرج ، وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي العسكر . { أَن تَفْشَلاَ } أن تجبنا وتضعفا . روي « أنه E خرج في زهاء ألف رجل ووعد لهم النصر إن صبروا ، فلما بلغوا الشوط انخذل ابن أبي في ثلاثمائة رجل وقال : علام نقتل أنفسنا وأولادنا ، فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري وقال : أنشدكم الله والإِسلام في نبيكم وأنفسكم . فقال : ابن أبي لو نعلم قتالاً لاتبعناكم ، فهم الحيان باتباعه فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله A » والظاهر أنها ما كانت عزيمة لقوله تعالى : { والله وَلِيُّهُمَا } أي عاصمهما من اتباع تلك الخطرة ، ويجوز أن يراد والله ناصرهما فما لهما يفشلان ولا يتوكلان على الله . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } أي فليتوكلوا عليه ولا يتوكلوا على غيره لينصرهم كما نصرهم ببدر .","part":1,"page":385},{"id":386,"text":"{ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ } تذكير ببعض ما أفادهم التوكل . وبدر ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدراً فسمي به . { وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ } حال من الضمير ، وإنما قال أذلة ولم يقل ذلائل تنبيهاً على قلتهم مع ذلتهم لضعف الحال وقلة المراكب والسلاح . { فاتقوا الله } في الثبات . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } بتقواكم ما أنعم به عليكم من نصره ، أو لعلكم بنعم الله عليكم فتشكرون ، فوضع الشكر موضع الأنعام لأنه سببه .\r{ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ظرف لنصركم . وقيل بدل ثان من إذ غدوت على أن قوله لهم يوم أحد وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة ، فلما لم يصبروا عن الغنائم وخالفوا أمر الرسول A لم تنزل الملائكة . { أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ ءَالاَفٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ } إنكار أن لا يكفيهم ، ذلك وإنما جيء بلن إشعاراً بأنهم كانوا كالآيسين من النصر لضعفهم وقلتهم وقوة العدو وكثرتهم . قيل أمدهم الله يوم بدر أولاً بألف من الملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف . وقرأ ابن عامر { مُنزَلِينَ } بالتشديد للتكثير أو للتدريج .\r{ بلى } إيجاب لما بعد لن ، أي بلى يكفيكم . ثم وعد لهم الزيادة على الصبر والتقوى حثاً عليهما وتقوية لقلوبهم فقال : { إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ } أي المشركون . { مّن فَوْرِهِمْ هذا } من ساعتهم هذه ، وهو في الأصل مصدر من فارت القدر إذ غلت ، فاستعير للسرعة ثم أطلق للحال التي لا ريث فيها ولا تراخي ، والمعنى إن يأتوكم في الحال . { يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَالافٍ مّنَ الملئكة } في حال إتيانهم بلا تراخ ولا تأخير . { مُسَوّمِينَ } معلمين من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء لقوله E لأصحابه . « تسوموا فإن الملائكة قد تسومت » أو مرسلين من التسويم بمعنى الأسامة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب بكسر الواو .\r{ وَمَا جَعَلَهُ الله } وما جعل إمدادكم بالملائكة . { إِلاَّ بشرى لَكُمْ } إلا بشارة لكم بالنصر . { وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ } ولتسكن إليه من الخوف . { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله } لا من العدة والعدد ، وهو تنبيه على أنه لا حاجة في نصرهم إلى مدد وإنما أمدهم ووعد لهم به إشارة لهم وربطاً على قلوبهم ، من حيث إن نظر العامة إلى الأسباب أكثر وحثاً على أن لا يبالوا بمن تأخر عنهم . { العزيز } الذي لا يغالب في أقضيته . { الحكيم } الذي ينصر ويخذل بوسط وبغير وسط على مقتضى الحكمة والمصلحة .\r{ لِيَقْطَعَ طَرَفاً مّنَ الذين كَفَرُواْ } متعلق بنصركم ، أو { وَمَا النصر } إن كان اللام فيه للعهد ، والمعنى لينقص منهم بقتل بعض وأسر آخرين ، وهو ما كان يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من صناديدهم .","part":1,"page":386},{"id":387,"text":"{ أَوْ يَكْبِتَهُمْ } أو يخزيهم ، والكبت شدة الغيظ ، أو وهن يقع في القلب ، وأو للتنويع دون الترديد { فَيَنقَلِبُواْ خَائِبِينَ } فينهزموا منقطعي الأمال .\r{ لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْء } اعتراض . { أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ } عطف على قوله أو يكبتهم ، والمعنى أن الله مالك أمرهم فإما أن يهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا وليس لك من أمرهم شيء ، وإنما أنت عبد مأمور لإِنذارهم وجهادهم . ويحتمل أن يكون معطوفاً على الأمر أو شيء بإضمار أن ، أي ليس لك من أمرهم أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء . أو ليس لك من أمرهم شيء ، أو التوبة عليهم أو تعذيبهم . وأن تكون أو بمعنى إلا أن . أي ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله عليهم فتسر به أو يعذبهم فتشفي منهم . روي ( أن عتبة بن أبي وقاص شجهُ يوم أحد وكسر رباعيته ، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول \" كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم \" فنزلت . وقيل هم أن يدعوا عليهم فنهاه الله لعلمه بأن فيهم من يؤمن . { فَإِنَّهُمْ ظالمون } قد استحقوا التعذيب بظلمهم .\r{ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً فله الأمر كله لا لك . { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } صريح في نفي وجوب التعذيب ، والتقييد بالتوبة وعدمها كالمنافي له . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لعباده فلا تبادر إلى الدعاء عليهم .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الربا أضعافا مضاعفة } لا تزيدوا زيادات مكررة ، ولعل التخصيص بحسب الواقع . إذ كان الرجل منهم يربي إلى أجل ثم يزيد فيه زيادة أخرى حتى يستغرق بالشيء الطفيف مال المديون . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «مضعفة» . { واتقوا الله } فيما نهيتم عنه . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين الفلاح .\r{ واتقوا النار التي أُعِدَّتْ للكافرين } بالتحرز عن متابعتهم وتعاطي أفعالهم ، وفيه تنبيه على أن النار بالذات معدة للكافرين وبالعرض للعصاة . { وَأَطِيعُواْ الله والرسول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أتبع الوعيد بالوعد ترهيباً عن المخالفة وترغيباً في الطاعة ، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل عزة التوصل إلى ما جعل خبراً له .","part":1,"page":387},{"id":388,"text":"{ وَسَارِعُواْ } بادروا وأقبلوا . { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } إلى ما يستحق به المغفرة ، كالإِسلام والتوبة والإِخلاص . وقرأ نافع وابن عامر سارعوا بلا واو . { وَجَنَّةٍ عرضهالسموات والأرض } أي عرضها كعرضهما ، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة على طريقة التمثيل ، لأنه دون الطول . وعن ابن عباس كسبع سموات وسبع أرضين لو وصل بعضها ببعض ، { أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } هيئت لهم ، وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة وإنها خارجة عن هذا العالم .","part":1,"page":388},{"id":389,"text":"{ الذين يُنفِقُونَ } صفة مادحة للمتقين ، أو مدح منصوب أو مرفوع . { فِي السَّرَّاء والضراء } في حالتي الرخاء والشدة ، أو الأحوال كلها إذ الإِنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة ، أي لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من قليل أو كثير ، { والكاظمين الغيظ } الممسكين عليه الكافين عن إمضائه مع القدرة ، من كظمت القربة إذا ملأتها وشددت رأسها . وعن النبي A « من كظم غيظاً وهو يقدر على إنقاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً » { والعافين عَنِ الناس } التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته ، وعن النبي E « إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله » وقد كانوا كثيراً في الأمم التي مضت . { والله يُحِبُّ المحسنين } يحتمل الجنس ويدخل تحته هؤلاء ، والعهد فتكون الإِشارة إليهم .","part":1,"page":389},{"id":390,"text":"{ والذين إِذَا فَعَلُواْ فاحشة } فعلة بالغة في القبح كالزنى . { أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } بأن أذنبوا أي ذنب كان وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة ، ولعل الفاحشة ما يتعدى وظلم النفس ما ليس كذلك . { ذَكَرُواْ الله } تذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم . { فاستغفروا لِذُنُوبِهِمْ } بالندم والتوبة . { وَمَن يَغْفِرُ الذنوب إِلاَّ الله } استفهام بمعنى النفي معترض بين المعطوفين ، والمراد به وصفه تعالى بسعة الرحمة وعموم المغفرة والحث على الاستغفار والوعد بقبول التوبة { وَلَمْ يُصِرُّواْ على مَا فَعَلُواْ } ولم يقيموا على ذنوبهم غير مستغفرين لقوله A « ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة » { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } حال من يصروا أي ولم يصروا على قبيح فعلهم عالمين به .","part":1,"page":390},{"id":391,"text":"{ أولئك جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وجنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } خبر للذين إن ابتدأت به ، وجملة مستأنفة مبينة لما قبلها إن عطفته على المتقين ، أو على الذين ينفقون . ولا يلزم من إعداد الجنة للمتقين والتائبين جزاء لهم إن لا يدخلها المصرون ، كما لا يلزم من إعداد النار للكافرين جزاء لهم أن لا يدخلها غيرهم ، وتنكير جنات على الأول يدل على أن ما هم أدون مما للمتقين الموصوفين بتلك الصفات المذكورة في الآية المتقدمة ، وكفاك فارقاً بين القبيلين أنه فصل آيتهم بأن بين أنهم محسنون مستوجبون لمحبة الله ، وذلك لأنهم حافظوا على حدود الشرع وتخطوا إلى التخصص بمكارمه ، وفصل آية هؤلاء بقوله : { وَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } لأن المتدارك لتقصيره كالعامل لتحصيل بعض ما فوت على نفسه ، وكم بين المحسن والمتدارك والمحبوب والأجير ، ولعل تبديل لفظ الجزاء بالأجر لهذه النكتة ، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره ونعم أجر العاملين ذلك يعني المغفرة والجنات .","part":1,"page":391},{"id":392,"text":"{ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ } وقائع سنها الله في الأمم المكذبة كقوله تعالى؛ { وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } وقيل أمم قال :\rمَا عَايَنَ النَّاسُ مِنْ فَضْلٍ كَفَضْلِكُمُو ... وَلاَ رَأَوْا مِثْلَهُ في سَالِفِ السُّنَنِ\r{ فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } لتعتبروا بما ترون من آثار هلاكهم .\r{ هذا بَيَانٌ لّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } إشارة إلى قولهِ { قَدْ خَلَتْ } ، أو مفهوم قوله { فانظروا } أي أنه مع كونه بياناً للمكذبين فهو زيادة بصيرة وموعظة للمتقين ، أو إلى ما لخص من أمر المتقين والتائبين ، وقوله قد خلت جملة معترضة للحث على الإِيمان والتوبة وقيل إلى القرآن .\r{ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَتَحْزَنُوا } تسلية لهم عما أصابهم يوم أحد ، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد بما أصابكم ولا تحزنوا على من قتل منكم . { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } وحالكم إنكم أعلى منهم شأناً ، فإنكم على الحق وقتالكم لله وقتلاكم في الجنة ، وإنهم على الباطل وقتالهم للشيطان وقتلاهم في النار ، أو لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم اليوم ، أو وأنتم الأعلون في العاقبة فيكون بشارة لهم بالنصر والغلبة . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } متعلق بالنهي أي لا تهنوا إن صح إيمانكم ، فإنه يقتضي قوة القلب بالوثوق على الله أو بالأعلون .\r{ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القوم قَرْحٌ مّثْلُهُ } قرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم بضم القاف ، والباقون بالفتح وهما لغتان كالضعف والضعف . وقيل هو بالفتح الجراح وبالضم ألمها ، والمعنى إن أصابوا منكم يوم أحد فقد أصبتم منهم يوم بدر مثله ، ثم إنهم لم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى بأن لا تضعفوا ، فإنكم ترجون من الله ما لا يرجون . وقيل كلا المِسينَّ كان يوم أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر الرسول A . { وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ الناس } نصرفها بينهم تدليل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقوله :\rفَيَوْماً عَلَيْنَا وَيَوماً لَنَا ... وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرُّ\rوالمداولة كالمعاودة يقال داولت الشيء بينهم فتداولوه ، والأيام تحتمل الوصف والخبر و { نُدَاوِلُهَا } يحتمل الخبر والحال والمراد بها : أوقات النصر والغلبة . { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءَامَنُواْ } عطف على علة محذوفة أي نداولها ليكون كيت وكيت وليعلم الله إيذاناً بأن العلة فيه غير واحدة ، وإن ما يصيب المؤمن فيه من المصالح ما لا يعلم ، أو الفعل المعلل به محذوف تقديره وليتميز الثابتون على الإِيمان من الذين على حرف فعلنا ذلك ، والقصد في أمثاله ونقائضه ليس إلى إثبات علمه تعالى ونفيه بل إلى إثبات المعلوم ونفيه على طريق البرهان . وقيل معناه ليعلمهم علماً يتعلق به الجزاء وهو العلم بالشيء موجوداً .","part":1,"page":392},{"id":393,"text":"{ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } ويكرم ناساً منكم بالشهادة يريد شهداء أحد ، أو يتخذ منكم شهوداً معدلين بما صودف منهم من الثبات والصبر على الشدائد . { والله لاَ يُحِبُّ الظالمين } الذين يضمرون خلاف ما يظهرون ، أو الكافرين وهو اعتراض ، وفيه تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافرين على الحقيقة وإنما يغلبهم أحياناً استدراجاً لهم وابتلاء للمؤمنين .\r{ وَلِيُمَحّصَ الله الذين ءَامَنُواْ } ليطهرهم ويصفيهم من الذنوب إن كانت الدولة عليهم . { وَيَمْحَقَ الكافرين } ويهلكهم إن كانت عليهم ، والمحق نقص الشيء قليلاً قليلاً .\r{ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة } بل أحسبتم ومعناه الإِنكار . { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } ولما تجاهدوا ، وفيه دليل على أن الجهاد فرض كفاية والفرق بين { لَّمّاً } ولم إن فيه توقع الفعل فيما يستقبل . وقرىء { يَعْلَمْ } بفتح الميم على أن أصله يعلمن فحذفت النون { وَيَعْلَمَ الصابرين } نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع . وقرىء بالرفع على أن الواو للحال كأنه قال : ولما تجاهدوا وأنتم صابرون { وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الموت } أي الحرب فإنها من أسباب الموت ، أو الموت بالشهادة . والخطاب للذين لم يشهدوا بدراً وتمنوا أن يشهدوا مع رسول الله A مشهداً لينالوا ما نال شهداء بدر من الكرامة فألحوا يوم أحد على الخروج . { مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ } من قبل أن تشاهدوه وتعرفوا شدته . { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } أي فقد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل من إخوانكم ، وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها ، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار .\r{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } فسيخلوا كما خلوا بالموت أو القتل . { أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } إِنكاراً لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدين لخلوه بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكاً به . وقيل الفاء للسببية والهمزة لإِنكار أن يجعلوا خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته . روي « أنه لما رمى عبدُ الله بن قميئة الحارثي رسول الله A بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه ، فذب عنه مصعب بن عمير Bه وكان صاحب الراية حتى قتله ابن قميئة وهو يرى أنه قتل النبي E فقال : قد قتلت محمداً وصرخ صارخ ألا إن محمداً قد قتل ، فانكفأ الناس وجعل الرسول E يدعو إليَّ عباد الله فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرق الباقون ، وقال بعضهم : ليت ابن أبي يأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وقال ناس من المنافقين لو كان نبياً لما قتل ارجعوا إلى إخوانكم ودينكم فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك Bهما : يا قوم إن كان قتل محمد فإن رب محمد حي لا يموت وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه ، ثم قال اللهم إني أعتذر إليك مما يقولون وأبرأ إليك منه وشد بسيفه فقاتل حتى قتل »","part":1,"page":393},{"id":394,"text":"فنزلت . { وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئاً } بارتداده بل يضر نفسه . { وَسَيَجْزِي الله الشاكرين } على نعمة الإِسلام بالثبات عليه كأنس وأضرابه .\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } إلا بمشيئة الله تعالى أو بإذنه لملك الموت E في قبض روحه ، والمعنى أن لكل نفس أجلاً مسمى في علمه تعالى وقضائه { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } بالإِحجام عن القتال والإِقدام عليه . وفيه تحريض وتشجيع على القتال ، ووعد للرسول A بالحفظ وتأخير الأجل . { كتابا } مصدر مؤكد إذ المعنى كتب الموت كتاباً . { مُّؤَجَّلاً } صفة له أي مؤقتاً لا يتقدم ولا يتأخر . { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } تعريض لمن شغلتهم الغنائم يوم أحد ، فإن المسلمين حملوا على المشركين وهزموهم وأخذوا ينهبون ، فلما رأى الرماة ذلك أقبلوا على النهب وخلوا مكانهم فانتهز المشركون وحملوا عليهم من ورائهم فهزموهم . { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا } أي من ثوابها . { وَسَنَجْزي الشَّاكرِينَ الذين شكروا نعمة الله فلم يشغلهم شيء عن الجهاد .\r{ وَكَأَيِّن } أصله أي دخلت الكاف عليها وصارت بمعنى كم والنون تنوين أثبت في الخط على غير قياس . وقرأ ابن كثير «وكائن» ككاعن ووجهه أنه قلب قلب الكلمة الواحدة كقولهم وعملي في لعمري ، فصار كأين ثم حذفت الياء الثانية للتخفيف ثم أبدلت الياء الأخرى ألفاً كما أبدلت من طائي { مّن نَّبِيٍّ } بيان له . { قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ } ربانيون علماء أتقياء ، أو عابدون لربهم . وقيل جماعات والربى منسوب إلى الربة وهي الجماعة للمبالغة . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب «قتل» ، وإسناده إلى { رِبّيُّونَ } أو ضمير النبي ومعه ربيون حال منه ويؤيد الأول أنه قرىء بالتشديد وقرىء { رِبّيُّونَ } بالفتح على الأصل وبالضم وهو من تغييرات النسب كالكسر . { فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ الله } فما فتروا ولم ينكسر جدهم لما أصابهم من قتل النبي أو بعضهم . { وَمَا ضَعُفُواْ } عن العدو أو في الدين . { وَمَا استكانوا } وما خضعوا للعدو ، وأصله استكن من السكون لأن الخاضع يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريده ، والألف من إشباع الفتحة أو استكون من الكون لأنه يطلب من نفسه أن يكون لمن يخضع له ، وهذا تعريف بما أصابهم عند الإِرجاف بقتله E . { والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ فينصرهم ويعظم قدرهم .","part":1,"page":394},{"id":395,"text":"{ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين } أي وما كان قولهم مع ثباتهم وقوتهم في الدين وكونهم ربانيين إلا هذا القول ، وهو إضافة الذنوب والإِسراف إلى أنفسهم هضماً لها وإضافة لما أصابهم إلى سوء أعمالها والاستغفار عنها ، ثم طلب التثبيت في مواطن الحرب والنصر على العدو ليكون عن خضوع وطهارة ، فيكون أقرب إلى الإجابة ، وإنما جعل قولهم خيراً لأن أن قالوا أعرف لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث .","part":1,"page":395},{"id":396,"text":"{ فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة والله يُحِبُّ المحسنين } فأتاهم الله بسبب الاستغفار واللجأ إلى الله النصر والغنيمة والعز وحسن الذكر في الدنيا ، والجنة والنعيم في الآخرة ، وخص ثوابها بالحسن إشعاراً بفضله وأنه المعتد به عند الله .","part":1,"page":396},{"id":397,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الذين كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ } أي إلى الكفر . { على أعقابكم فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } نزلت في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة : ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم ولو كان محمد نبياً لما قتل . وقيل أن تستكينوا لأبي سفيان وأشياعه وتستأمنوهم يردوكم إلى دينهم . وقيل عام في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يستجر إلى موافقتهم .","part":1,"page":397},{"id":398,"text":"{ بَلِ الله مولاكم } ناصركم . وقرىء بالنصب على تقدير بل أطيعوا الله مولاكم . { وَهُوَ خَيْرُ الناصرين } فاستغنوا به عن ولاية غيره ونصره .","part":1,"page":398},{"id":399,"text":"{ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } يريد ما قذف في قلوبهم من الخوف يوم أحد حتى تركوا القتال ورجعوا من غير سبب ، ونادى أبو سفيان يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال E : « إن شاء الله » وقيل لما رجعوا وكانوا ببعض الطريق ندموا وعزموا أن يعودوا عليهم ليستأصلوهم ، فألقى الله الرعب في قلوبهم . وقرأ ابن عامر والكسائي ويعقوب بالضم على الأصل في كل القرآن { بِمَا أَشْرَكُواْ بالله } بسبب إشراكهم به . { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } أي آلهة ليس على إشراكها حجة ولم ينزل عليهم به سلطاناً وهو كقوله :\rوَلاَ تَرَى الضُّبَّ بِهَا يَنْجَحرُ ... وأصل السلطنة القوة ومنه السليط لقوة اشتعاله والسلاطة لحدة اللسان . { وَمَأْوَاهُمُ النار وَبِئْسَ مثوى الظالمين } أي مثواهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر للتغليظ والتعليل .","part":1,"page":399},{"id":400,"text":"{ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ الله وَعْدَهُ } أي وعده إياكم بالنصر بشرط التقوى والصبر ، وكان كذلك حتى خالف الرماة فإن المشركين لما أقبلوا جعل الرماة يرشقونهم بالنبل والباقون يضربونهم بالسيف حتى انهزموا والمسلمون على آثارهم . { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } تقتلونهم ، من حسه إذا أبطل حسه . { حتى إِذَا فَشِلْتُمْ } جبنتم وضعف رأيكم ، أو ملتم إلى الغنيمة فإن الحرص من ضعف العقل . { وتنازعتم فِي الأمر } يعني اختلاف الرماة حين انهزم المشركون فقال بعضهم فما موقفنا ها هنا ، وقال آخرون لا نخالف أمر الرسول فثبت مكانه أميرهم في نفر دون العشرة ونفر الباقون للنهب وهو المعني بقوله : { وَعَصَيْتُمْ مّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } من الظفر والغنيمة وانهزام العدو ، وجواب إذا محذوف وهو امتحنكم ، { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا } وهم التاركون المركز للغنيمة . { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخرة } وهم الثابتون محافظة على أمر الرسول عليه السلام . { ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ } ثم كفكم عنهم حتى حالت الحال فغلبوكم . { لِيَبْتَلِيَكُمْ } على المصائب ويمتحن ثباتكم على الإِيمان عندها . { وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } تفضلاً ولما علم من ندمكم على المخالفة . { والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين } يتفضل عليهم بالعفو ، أو في الأحوال كلها سواء أديل لهم أو عليهم إذ الابتلاء أيضاً رحمة .","part":1,"page":400},{"id":401,"text":"{ إِذْ تُصْعِدُونَ } متعلق بصرفكم ، أو ليبتليكم أو بمقدر كاذكروا . والإِصعاد الذهاب والإِبعاد في الأرض يقال : أصعدنا من مكة إلى المدينة . { وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ } لا يقف أحد لأحد ولا ينتظره . { والرسول يَدْعُوكُمْ } كان يقول إليَّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة . { فِي أُخْرَاكُمْ } في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى { فأثابكم غَمّاً بِغَمّ } عطف على صرفكم ، والمعنى فجازاكم الله عن فشلكم وعصيانكم غماً متصلاً بغم ، من الاغتمام بالقتل والجرح وظفر المشركين والإِرجاف بقتل الرسول A ، أو فجازاكم غماً بسبب غم أذقتموه رسول الله A بعصيانكم له . { لّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أصابكم } لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا فيما بعد على نفع فائت ولا ضر لاحق . وقيل { لا } مزيدة والمعنى لتأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجرح والهزيمة عقوبة لكم . وقيل الضمير في فأثابكم للرسول A أي فآساكم في الاغتمام فاغتم بما نزل عليكم ، كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثر بكم على عصيانكم تسلية لكم كيلا تحزنوا على ما فاتكم من النصر ولا على ما أصابكم من الهزيمة { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها .","part":1,"page":401},{"id":402,"text":"{ ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً } أنزل الله عليكم الأمن حتى أخذكم النعاس ، وعن أبي طلحة غشينا النعاس في المصاف حتى كان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ، ثم يسقط فيأخذه . والأمنة الأمن نصب على المفعول ونعاساً بدل منها أو هو المفعول ، و { أَمَنَةً } حال منه متقدمة أو مفعول له أو حال من المخاطبين بمعنى ذوي أمنة أو على أنه جمع آمن كبار وبررة . وقرىء { أَمَنَةً } بسكون الميم كأنها المرة في الإمر { يغشى طَائِفَةً مّنْكُمْ } أي النعاس وقرأ حمزة والكسائي بالتاء ردا على الأمنة والطائفة المؤمنون حقاً . { وَطَائِفَةٌ } هم المنافقون . { قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ } أوقعتهم أنفسهم في الهموم ، أو ما يهمهم إلا هم أنفسهم وطلب خلاصها . { يَظُنُّونَ بالله غَيْرَ الحق ظَنَّ الجاهلية } صفة أخرى لطائفة أو حال أو استئناف على وجه البيان لما قبله ، وغير الحق نصب على المصدر أي : يظنون بالله غير الظن الحق الذي يحق أن يظن به ، و { ظَنَّ الجاهلية } بدله وهو الظن المختص بالملة الجاهلية وأهلها . { يَقُولُونَ } أي لرسول الله A وهو بدل من يظنون . { هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْء } هل لنا مما أمر الله ووعد من النصر والظفر نصيب قط . وقيل : أخبر ابن أبي بقتل بني الخزرج فقال ذلك ، والمعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا ، فلم يبق لنا من الأمر شيء أو هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء { قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ } أي الغلبة الحقيقية لله تعالى ولأوليائه فإن حزب الله هم الغالبون ، أو القضاء له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو اعتراض . وقرأ أبو عمرو ويعقوب كله بالرفع على الابتداء . { يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِم مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ } حال من الضمير يقولون أي يقولون مظهرين إنهم مسترشدون طالبون النصر مبطلين الإِنكار والتكذيب . { يَقُولُونَ } أي في أنفسهم وإذا خلا بعضهم إلى بعض ، وهو بدل من يخفون أو استئناف على وجه البيان له . { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْء } كما وعد محمد أو زعم أن الأمر كله لله ولأوليائه ، أو لو كان لنا اختيار وتدبير ولم نبرح كما كان ابن أبي وغيره . { مَّا قُتِلْنَا هاهنا } لما غلبنا ، أو لما قتل من قتل منا في هذه المعركة . { قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ } أي لخرج الذين قدر الله عليهم القتل وكتبه في اللوح المحفوظ إلى مصارعهم ولم تنفعهم الإِقامة بالمدينة ولم ينج منهم أحد ، فإنه قدر الأمور ودبرها في سابق قضائه لا معقب لحكمه . { وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ } وليمتحن ما في صدوركم ويظهر سرائرها من الإِخلاص والنفاق ، وهو علة فعل محذوف أي وفعل ذلك ليبتلي أو عطف على محذوف أي لبرز لنفاذ القضاء أو لمصالح جمة وللابتلاء ، أو على لكيلا تحزنوا . { وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ } وليكشفه ويميزه أو يخلصه من الوساوس . { والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور } بخفياتها قبل إظهارها ، وفيه وعد ووعيد وتنبيه على أنه غني عن الابتلاء وإنما فعل ذلك لتمرين المؤمنين وإظهار حال المنافقين .","part":1,"page":402},{"id":403,"text":"{ إِنَّ الذين تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ التقى الجمعان إِنَّمَا استزلهم الشيطان بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ } يعني إن الذين انهزموا يوم أحد إنما كان السبب في انهزامهم أن الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه واقترفوا ذنوباً لمخالفة النبي A بترك المركز ، والحرص على الغنيمة أو الحياة فمنعوا التأييد وقوة القلب . وقيل استزلال الشيطان توليهم وذلك بسبب ذنوب تقدمت لهم فإن المعاصي يجر بعضها بعضاً كالطاعة . وقيل استزلهم بذكر ذنوب سلفت منهم فكرهوا القتال قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة . { وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ } لتوبتهم واعتذارهم . { أَنَّ الله غَفُورٌ } للذنوب { حَلِيمٌ } لا يعاجل بعقوبة الذنب كي يتوب .","part":1,"page":403},{"id":404,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين كَفَرُواْ } يعني المنافقين . { وَقَالُواْ لإخوانهم } لأجلهم وفيهم ، ومعنى إخوتهم اتفاقهم في النسب أو المذهب { إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض } إذا سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها ، وكان حقه إذ لقوله قالوا لكنه جاء على حكاية الحال الماضية { أَوْ كَانُواْ غُزّىً } جمع غاز كعاف وعفَّى . { لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ } مفعول قالوا وهو يدل على إن إخوانهم لم يكونوا مخاطبين به . { لِيَجْعَلَ الله ذلك حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ } متعلق ب { قَالُواْ } على إن اللام لام العاقبة مثلها في ليكون لهم عدواً وحزناً ، أو لا تكونوا أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول والاعتقاد ليجعله حسرة في قلوبهم خاصة ، فذلك إشارة إلى ما دل عليه قولهم من الاعتقاد . وقيل إلى ما دل عليه النهي أي لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم ، فإن مخالفتهم ومضادتهم مما يغمهم . { والله يُحْييِ وَيُمِيتُ } رداً لقولهم أي هو المؤثر في الحياة والممات لا الإِقامة والسفر فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي ويميت المقيم والقاعد . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تهديد للمؤمنين على أن يماثلوهم . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء على أنه وعيد للذين كفروا .","part":1,"page":404},{"id":405,"text":"{ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ الله أَوْ مُتُّمْ } أي متم في سبيله وقرأ نافع وحمزة والكسائي بكسر الميم من مات يمات . { لَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ بِمَا يَجْمَعُونَ } جواب القسم وهو ساد مسد الجزاء والمعنى : إن السفر والغزو ليس مما يجلب الموت ويقدم الأجل وإن وقع ذلك في سبيل الله فما تنالون من المغفرة والرحمة بالموت خير مما تجمعون من الدنيا ومنافعها لو لم تموتوا . وقرأ حفص بالياء .\r{ وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ } أي على أي وجه اتفق هلاككم . { لإِلَى الله تُحْشَرُونَ } لإلى معبودكم الذي توجهتم إليه . وبذلتم مهجكم لوجهه لا إلى غيره لا محالة تحشرون ، فيوفي جزاءكم ويعظم ثوابكم . وقرأ نافع وحمزة والكسائي { مُّتُّمْ } بالكسر .\r{ فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ الله لِنتَ لَهُمْ } أي فبرحمة ، وما مزيدة للتأكيد والتنبيه والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله وهو ربطه على جأشه وتوفيقه للرفق بهم حتى اغتم لهم بعد أن خالفوه . { وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً } سيىء الخلق جافياً . { غَلِيظَ القلب } قاسيه . { لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ } لتفرقوا عنك ولم يسكنوا إليك . { فاعف عَنْهُمْ } فيما يختص بك . { واستغفر لَهُمُ } فيما لله . { وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمر } أي في أمر الحرب إذ الكلام فيه ، أو فيما يصح أن يشاور فيه استظهاراً برأيهم وتطييباً لنفوسهم وتمهيداً لسنة المشاورة للأمة . { فَإِذَا عَزَمْتَ } فإذا وطنت نفسك على شيء بعد الشورى . { فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في إمضاء أمرك على ما هو أصلح لك ، فإنه لا يعلمه سواه . وقرىء { فَإِذَا عَزَمْتَ } ، على التكلم أي فإذا عزمت لك على شيء وعينته لك فتوكل على الله ولا تشاور فيه أحداً . { إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين } فينصرهم ويهديهم إلى الصلاح .\r{ إِن يَنصُرْكُمُ الله } كما نصركم يوم بدر . { فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ } فلا أحد يغلبكم . { وَإِن يَخْذُلْكُمْ } كما خذلكم يوم أحد . { فَمَن ذَا الذي يَنصُرُكُم مّنْ بَعْدِهِ } من بعد خذلانه ، أو من بعد الله بمعنى إذا جاوزتموه فلا ناصر لكم ، وهذا تنبيه على المقتضى للتوكل وتحريض على ما يستحق به النصر من الله وتحذير عما يستجلب خذلانه . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فليخصوه بالتوكل عليه لما علموا أن لا ناصر لهم سواه وآمنوا به .\r{ وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلَّ } وما صح لنبي أن يخون في الغنائم فإن النبوة تنافي الخيانة ، يقال غل شيئاً من المغنم يغل غلولاً وأغل إغلالاً إذا أخذه في خفية والمراد منه : إما براءة الرسول عليه السلام عما اتهم به إذ روي أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض المنافقين لعل رسول الله A أخذها ، أو ظن به الرماة يوم أحد حين تركوا المركز للغنيمة وقالوا نخشى أن يقول رسول الله A من أخذ شيئاً فهو له ولا يقسم الغنائم .","part":1,"page":405},{"id":406,"text":"وإما المبالغة في النهي للرسول A على ما روي أنه بعث طلائع ، فغنم رسول الله A فقسم على من معه ولم يقسم للطلائع فنزلت . فيكون تسمية حرمان بعض المستحقين غلولاً تغليظاً ومبالغة ثانية . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب { أَنْ يَغُلَّ } على البناء للمفعول والمعنى : وما صح له أن يوجد غالاً أو أن ينسب إلى الغلول . { وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القيامة } يأت بالذي غله يحمله على عنقه كما جاء في الحديث أو بما احتمل من وباله وإثمه . { ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } يعني تعطي جزاء ما كسبت وافياً ، وكان اللائق بما قبله أن يقال ثم يوفى ما كسبت لكنه عمم الحكم ليكون كالبرهان على المقصود والمبالغة فيه ، فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } فلا ينقص ثواب مطيعهم ولا يزاد في عقاب عاصيهم .\r{ أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } بالطاعة . { كَمَن بَاء } رجع . { بِسَخْطٍ مّنَ الله } بسبب المعاصي . { وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } الفرق بينه وبين المرجع إن المصير يجب أن يخالف الحالة الأولى ولا كذلك المرجع .","part":1,"page":406},{"id":407,"text":"{ هُمْ درجات عِندَ الله } شبهوا بالدرجات لما بينهم من التفاوت في الثواب والعقاب ، أو هم ذوو درجات . { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } عالم بأعمالهم ودرجاتهم صادرة عنهم فيجازيهم على حسبها .","part":1,"page":407},{"id":408,"text":"{ لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين } أنعم على من آمن مع الرسول A من قومه وتخصيصهم مع أن نعمة البعثة عامة لزيادة انتفاعهم بها . وقُرىء «لمن من الله» على أنه خبر مبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه . { إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ } من نسبهم ، أو من جنسهم عربياً مثلهم ليفهموا كلامه بسهولة ويكونوا واقفين على حاله في الصدق والأمانة مفتخرين به . وقرىء من { أَنفُسِهِمْ } أي من أشرفهم لأنه عليه السلام كان من أشرف قبائل العرب وبطونهم . { يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياته } أي القرآن بعدما كانوا جهالاً لم يسمعوا الوحي . { وَيُزَكّيهِمْ } يطهرهم من دنس الطباع وسوء الاعتقاد والأعمال . { وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة } أي القرآن والسنة . { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضلال مُّبِينٍ } إن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والمعنى وإن الشأن كانوا من قبل بعثة الرسول A في ضلال ظاهر .","part":1,"page":408},{"id":409,"text":"{ أَوَ لَمَّا أصابتكم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أنى هذا } الهمزة للتقريع والتقرير ، والواو عاطفة للجملة على ما سبق من قصة أحد أو على محذوف مثل أفعلتم كذا وقلتم ، ولما ظرفه المضاف إلى ما أصابتكم أي أقلتم حين أصابتكم مصيبة وهي قتل سبعين منكم يوم أحد ، والحال إنكم نلتم ضعفها يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين من أين هذا أصابنا وقد وعدنا الله النصر . { قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ } أي مما اقترفته أنفسكم من مخالفة الأمر بترك المركز فإن الوعد كان مشروطاً بالثبات والمطاوعة ، أو اختيار الخروج من المدينة . وعن علي رضي الله تعالى عنه باختياركم الفداء يوم بدر . { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيقدر على النصر ومنعه وعلى أن يصيب بكم ويصيب منكم .","part":1,"page":409},{"id":410,"text":"{ وَمَا أصابكم يَوْمَ التقى الجمعان } جمع المسلمين وجمع المشركين يريد يوم أحد . { فَبِإِذْنِ الله } فهو كائن بقضائه أو تخليته الكفار سماها إذناً لأنها من لوازمه . { وَلِيَعْلَمَ المؤمنين } .","part":1,"page":410},{"id":411,"text":"{ وَلِيَعْلَمَ الذين نَافَقُواْ } وليتميز المؤمنون والمنافقون فيظهر إيمان هؤلاء وكفر هؤلاء . { وَقِيلَ لَهُمْ } عطف على نافقوا داخل في الصلة أو كلام مبتدأ . { تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَوِ ادفعوا } تقسيم للأمر عليهم وتخيير بين أن يقاتلوا للآخرة أو للدفع عن الأنفس والأموال . وقيل معناه قاتلوا الكفرة أو ادفعوهم بتكثيرهم سواد المجاهدين ، فإن كثرة السواد مما يروع العدو ويكسر منه . { قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاتبعناكم } لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتبعناكم فيه لكن ما أنتم عليه ليس بقتال بل إلقاء بالأنفس إلى التهلكة ، أو لو نحسن قتالاً لاتبعناكم فيه ، وإنما قالوه دغلاً واستهزاء . { هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ للإيمان } لانخذالهم وكلامهم هذا فإنهما أول أمارات ظهرت منهم مؤذنة بكفرهم . وقيل هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان ، إذ كان انخذالهم ومقالهم تقوية للمشركين وتخذيلاً للمؤمنين . { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ } يظهرون خلاف ما يضمرون ، لا تواطىء قلوبهم ألسنتهم بالإِيمان . وإضافة القول إلى الأفواه تأكيد وتصوير . { والله أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ } من النفاق . وما يخلوا به بعضهم إلى بعض فإنه يعلمه مفصلاً بعلم واجب وأنتم تعلمونه مجملاً بأمارات .\r{ الذين قَالُواْ } رفع بدلاً من واو { يَكْتُمُونَ } ، أو نصب على الذم أو الوصف للذين نافقوا ، أو جر بدلاً من الضمير في { بأفواههم } أو { قُلُوبِهِمْ } كقوله :\rعَلَى حَالةٍ لَوْ أَنَّ فِي القَوْمِ حَاتِما ... عَلَى جُودِهِ لضَنَّ بِالمَاءِ حَاتِمُ\r{ لإخوانهم } أي لأجلهم ، يريد من قتل يوم أحد من أقاربهم أو من جنسهم . { وَقَعَدُواْ } حال مقدرة بقد أي قالوا قاعدين عن القتال . { لَوْ أَطَاعُونَا } في القعود بالمدينة . { مَا قُتِلُوا } كما لم نقتل . وقرأ هشام { مَا قُتِلُوا } بتشديد التاء . { قُلْ فَادْرَءوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صادقين } أي إن كنتم صادقين إنكم تقدرون على دفع القتل عمن كتب عليه فادفعوا عن أنفسكم الموت وأسبابه ، فإنه أحرى بكم ، والمعنى أن القعود غير مغن عن الموت ، فإن أسباب الموت كثيرة كما أن القتال يكون سبباً للهلاك والقعود سبباً للنجاة قد يكون الأمر بالعكس .\r{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أمواتا } نزلت في شهداء أحد . وقيل في شهداء بدر والخطاب لرسول الله A أو لكل أحد . وقرىء بالياء على إسناده إلى ضمير الرسول ، أو من يحسب أو إلى الذين قتلوا . والمفعول الأول محذوف لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة . وقرأ ابن عامر قتلوا بالتشديد لكثرة المقتولين . { بَلْ أَحْيَاء } أي بل هم أحياء . وقرىء بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء { عِندَ رَبّهِمْ } ذوو زلفى منه . { يُرْزَقُونَ } من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء .\r{ فَرِحِينَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من الله تعالى والتمتع بنعيم الجنة .","part":1,"page":411},{"id":412,"text":"{ وَيَسْتَبْشِرُونَ } يسرون بالبشارة . { بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم } أي بإخوانهم المؤمنين الذين لم يقتلوا فيلحقوا بهم . { مّنْ خَلْفِهِمْ } أي الذين من خلفهم زماناً أو رتبة . { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بدل من الذين والمعنى : إنهم يستبشرون بما تبين لهم من أمر الآخرة وحال من تركوا من خلفهم من المؤمنين ، وهو إنهم إذا ماتوا أو قتلوا كانوا أحياء حياة لا يكدرها خوف وقوع محذور ، وحزن فوات محبوب . والآية تدل على أن الإنسان غير الهيكل المحسوس بل هو جوهر مدرك بذاته لا يفنى بخراب البدن ، ولا يتوقف عليه إدراكه وتألمه والتذاذه ، ويؤيد ذلك قوله تعالى في آل فرعون { النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } الآية وما روى ابن عباس Bهما أنه E قال « أرواح الشهداء في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش » ومن أنكر ذلك ولم ير الروح إلا ريحاً وعرضاً قال هم أحياء يوم القيامة ، وإنما وصفوا به في الحال لتحققه ودنوه أو أحياء بالذكر أو بالإيمان . وفيها حث على الجهاد وترغيب في الشهادة وبعث على ازدياد الطاعة وإحماد لمن يتمنى لإِخوانه مثل ما أنعم عليه ، وبشرى للمؤمنين بالفلاح .\r{ يَسْتَبْشِرُونَ } كرره للتأكيد وليعلق به ما هو بيان لقوله : { أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } ويجوز أن يكون الأول بحال إخوانهم وهذا بحال أنفسهم . { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله } ثواباً لأعمالهم . { وَفَضْلٍ } زيادة عليه كقوله تعالى : { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } وتنكيرهما للتعظيم . { وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين } من جملة المستبشر به عطف على فضل . وقرأ الكسائي بالكسر على أنه استئناف معترض دال على أن ذلك أجر لهم على إيمانهم مشعر بأن من لا إيمان له أعماله محبطة وأجوره مضيعة .\r{ الذين استجابوا لِلَّهِ والرسول مِن بَعْدِ مَا أصابهم القرح } صفة للمؤمنين ، أو نصب على المدح أو مبتدأ خبره . { لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ واتقوا أَجْرٌ عَظِيمٌ } بجملته ومن البيان ، والمقصود من ذكر الوصفين المدح والتعليل لا التقييد ، لأن المستجيبين كلهم محسنون متقون . روي « أن أبا سفيان وأصحابه لما رجعوا فبلغوا الروحاء ندموا وهموا بالرجوع ، فبلغ ذلك رسول الله A فندب أصحابه للخروج في طلبه وقال لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس ، فخرج E مع جماعة حتى بلغوا حمراء الأسد وهي ثمانية أميال من المدينة وكان بأصحابه القرح فتحاملوا على أنفسهم حتى لا يفوتهم الأجر ، وألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا » فنزلت .\r{ الذين قَالَ لَهُمُ الناس } يعني الركب الذين استقبلوهم من عبد قيس أو نعيم بن مسعود الأشجعي ، وأطلق عليه الناس لأنه من جنسهم كما يقال فلان يركب الخيل وماله إلا فرس واحد لأنه انضم إليه ناس من المدينة وأذاعوا كلامه .","part":1,"page":412},{"id":413,"text":"{ إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فاخشوهم } يعني أبا سفيان وأصحابه روي : أنه نادى عند انصرافه من أحد : يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت فقال E : « إن شاء الله تعالى » فلما كان القابل خرج في أهل مكة حتى نزل بمر الظهران فأنزل الله الرعب في قلبه وبدا له أن يرجع ، فمر به ركب من عبد قيس يريدون المدينة للميرة فشرط لهم حمل بعير من زبيب أن ثبطوا المسلمين . وقيل : لقي نعيم بن مسعود وقد قدم معتمراً فسأله ذلك والتزم له عشراً من الإِبل ، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون فقال لهم أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد افترون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم ففتروا ، فقال عليه السلام « والذي نفسي بيده لأخرجن ولو لم يخرج معي أحد » فخرج في سبعين راكباً وهم يقولون حسبنا الله . { فَزَادَهُمْ إيمانا } الضمير المستكن للمقول أو لمصدر قال أو لفاعله أن أريد به نعيم وحده ، والبارز للمقول لهم والمعنى : إنهم لم يلتفتوا إليه ولم يضعفوا بل ثبت به يقينهم بالله وازداد إيمانهم وأظهروا حمية الإِسلام وأخلصوا النية عنده ، وهو دليل على أن الإِيمان يزيد وينقص ويعضده قول ابن عمر Bهما « قلنا يا رسول الله الإِيمان يزيد وينقص ، قال : نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار » وهذا ظاهر إن جعل الطاعة من جملة الإِيمان وكذا إن لم تجعل فإن اليقين يزداد بالإِلف وكثرة التأمل وتناصر الحجج . { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } محسبنا وكافينا ، من أحسبه إذا كفاه ويدل على أنه بمعنى المحسب إنه لا يستفيد بالإِضافة تعريفاً في قولك هذا رجل حسبك . { وَنِعْمَ الوكيل } ونعم الموكول إليه هو فيه .","part":1,"page":413},{"id":414,"text":"{ فانقلبوا } فرجعوا من بدر . { بِنِعْمَةٍ مّنَ الله } عافية وثبات على الإِيمان وزيادة . { وَفَضْلٍ } وربح في التجارة فإنهم لما أتوا بدراً وأوفوا بها سوقاً فاتجروا وربحوا . { لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } من جراحة وكيد عدو . { واتبعوا رضوان الله } الذي هو مناط الفوز بخير الدارين بجراءتهم وخروجهم . { والله ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } قد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإِيمان والتوفيق للمبادرة إلى الجهاد ، والتصلب في الدين وإظهار الجراءة على العدو ، وبالحفظ عن كل ما يسوءهم ، وإصابة النفع مع ضمان الأجر حتى انقلبوا بنعمة من الله وفضل . وفيه تحسير للمتخلف وتخطئة رأيه حيث حرم نفسه ما فازوا به .","part":1,"page":414},{"id":415,"text":"{ إِنَّمَا ذلكم الشيطان } يريد به المثبط نعيماً أو أبا سفيان ، والشيطان خبر { ذلكم } وما بعده بيان لشيطنته أو صفته وما بعده خبر ، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى قوله على تقدير مضاف أي إنما ذلكم قول الشيطان يعني إبليس عليه اللعنة . { يُخَوّفُ أَوْلِيَاءهُ } القاعدين عن الخروج مع الرسول ، أو يخوفكم أولياؤه الذين هم أبو سفيان وأصحابه . { فَلاَ تَخَافُوهُمْ } الضمير للناس الثاني على الأول وإلى الأولياء على الثاني . { وَخَافُونِ } في مخالف أمري فجاهدوا مع رسولي . { إِنْ كُنْتُمْ مُؤمِنينَ فإِن الإِيمان يقتضي إيثار خوف الله تعالى على خوف الناس .","part":1,"page":415},{"id":416,"text":"{ وَلاَ يَحْزُنكَ الذين يسارعون فِى الكفر } يقعون فيه سريعاً حرصاً عليه ، وهم المنافقون من المتخلفين ، أو قوم ارتدوا عن الإسلام . والمعنى لا يحزنك خوف أن يضروك ويعينوا عليك لقوله : { إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } أي لن يضروا أولياء الله شيئاً بمسارعتهم في الكفر ، وإنما يضرون بها أنفسهم . وشيئاً يحتمل المفعول والمصدر وقرأ نافع { يَحْزُنكَ } بضم الياء وكسر الزاي حيث وقع ما خلا قوله في الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأكبر ، فإنه فتح الياء وضم الزاي فيه والباقون كذلك في الكل . { يُرِيدُ الله أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخرة } نصيباً من الثواب في الآخرة ، وهو يدل على تمادي طغيانهم وموتهم على الكفر ، وفي ذكر الإِرادة إشعار بأن كفرهم بلغ الغاية حتى أراد أرحم الراحمين أن لا يكون لهم حظ من رحمته ، وإن مسارعتهم في الكفر لأنه تعالى لم يرد أن يكون لهم حظ في الآخرة . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } مع الحرمان عن الثواب .","part":1,"page":416},{"id":417,"text":"{ إِنَّ الذين اشتروا الكفر بالإيمان لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تكرير للتأكيد ، أو تعميم للكفرة بعد تخصيص من نافق من المتخلفين ، أو ارتد من العرب .","part":1,"page":417},{"id":418,"text":"{ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ } خطاب للرسول عليه السلام ، أو لكل من يحسب . والذين مفعول و { أَنَّمَا نُمْلِي } لهم بدل منه ، وإنما اقتصر على مفعول واحد لأن التعويل على البدل وهو ينوب عن المفعولين كقوله تعالى : { أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ } . أو المفعول الثاني على تقدير مضاف مثل : ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإِملاء خير لأنفسهم ، أو ولا تحسبن حال الذين كفروا أن الإِملاء خير لأنفسهم ، وما مصدرية وكان حقها أن تفصل في الخط ولكنها وقعت متصلة في الإِمام فاتبع . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم والكسائي ويعقوب بالياء على { إِنَّ الذين } فاعل وإن مع ما في حيزه مفعول وفتح سينه في جميع القرآن ابن عامر وحمزة وعاصم . والإِملاء الإِمهال وإطالة العمر . وقيل تخليتهم وشأنهم ، من أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعي كيف شاء . { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } استئناف بما هو العلة للحكم قبلها ، وما كافة واللام لام الإِرادة . وعند المعتزلة لام العاقبة . وقرىء { إِنَّمَا } بالفتح هنا وبكسر الأولى ولا يحسبن بالياء على معنى { وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ } أن إملاءنا لهم لازدياد الإِثم بل للتوبة والدخول في الإِيمان ، و { إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ } اعتراض . معناه أن إملاءنا خير لهم أن انتبهوا وتداركوا فيه ما فرط منهم . { وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } على هذا يجوز أن يكون حالاً من الواو أي ليزدادوا إثماً معداً لهم عذاب مهين .","part":1,"page":418},{"id":419,"text":"{ مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ المؤمنين على مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حتى يَمِيزَ الخبيث مِنَ الطيب } الخطاب لعامة المخلصين والمنافقين في عصره ، والمعنى لا يترككم مختلطين لا يعرف مخلصكم من منافقكم حتى يميز المنافق من المخلص بالوحي إلى نبيه بأحوالكم ، أو بالتكاليف الشاقة التي لا يصبر عليها ولا يذعن لها إلا الخلص المخلصون منكم ، كبذل الأموال والأنفس في سبيل الله ، ليختبر النبي به بواطنكم ويستدل به على عقائدكم . وقرأ حمزة والكسائي { حتى يَمِيزَ } ، هنا وفي «الأنفال» بضم الياء وفتح الميم وكسر الياء وتشديدها والباقون بفتح الياء وكسر الميم وسكون الياء . { وَمَا كَانَ الله لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغيب وَلَكِنَّ الله يَجْتَبِى مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء } وما كان الله ليؤتي أحدكم علم الغيب فيطلع على ما في القلوب من كفر وإيمان ، ولكن الله يجتبي لرسالته من يشاء فيوحي إليه ويخبره ببعض المغيبات ، أو ينصب له ما يدل عليها . { فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ } بصفة الإِخلاص ، أو بأن تعلموه وحده مطلعاً على الغيب وتعلموهم عباداً مجتبين لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يقولون إلا ما أوحي إليهم روي ( أن الكفرة قالوا : إن كان محمد صادقاً فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر ) فنزلت . عن السدي أنه عليه السلام قال : \" عرضت عليَّ أمتي وأعلمت من يؤمن بي ومن يكفر \" فقال المنافقون إن يزعم أنه يعرف من يؤمن به ومن يكفر ونحن معه ولا يعرفنا فنزلت . { وَإِن تُؤْمِنُواْ } حق الإِيمان . { وَتَتَّقُواْ } النفاق . { فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لا يقادر قدره .\r{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } القراءات فيه على ما سبق . ومن قرأ بالتاء قدر مضافاً ليتطابق مفعولاه أي ولا تحسبن بخل الذين يبخلون هو خيراً لهم ، وكذا من قرأ بالياء إن جعل الفاعل ضمير الرسول A ، أو من يحسب وإن جعله الموصول كان المفعول الأول محذوفاً لدلالة يبخلون عليه أي ولا يحسبن البخلاء بخلهم هو خيراً لهم . { بَلْ هُوَ } أي البخل . { شَرٌّ لَّهُمْ } لاستجلاب العقاب عليهم . { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ القيامة } بيان لذلك ، والمعنى سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق ، وعنه E \" ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلا جعله الله شجاعاً في عنقه يوم القيامة \" { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } وله ما فيهما مما يتوارث ، فما لهؤلاء يبخلون عليه بماله ولا ينفقونه في سبيله ، أو أنه يرث منهم ما يمسكونه ولا ينفقونه في سبيله بهلاكهم وتبقى عليهم الحسرة والعقوبة . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ } من المنع والإِعطاء . { خَبِيرٌ } فمجازيهم . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الالتفات وهو أبلغ في الوعيد .","part":1,"page":419},{"id":420,"text":"{ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } قالته اليهود لما سمعوا { مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } وروي \" أنه E كتب مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإِسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وأن يقرضوا الله قرضاً حسناً فقال فنحاص بن عازوراء : إن الله فقير حتى سأل القرض ، فلطمه أبو بكر Bه على وجهه وقال : لولا ما بيننا من العهد لضربت عنقك ، فشكاه إلى رسول الله A وجحد ما قاله ) فنزلت \" . والمعنى أنه لم يخف عليه وأنه أعد لهم العقاب عليه . { سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍ } أي سنكتبه في صحائف الكتبة ، أو سنحفظه في علمنا لا نهمله لأنه كلمة عظيمة إذ هو كفر بالله D واستهزاء بالقرآن والرسول ، ولذلك نظمه مع قتل الأنبياء ، وفيه تنبيه على أنه ليس أول جريمة ارتكبوها وأن من اجترأ على قتل الأنبياء لم يستبعد منه أمثال هذا القول . وقرأ حمزة «سيكتب» بالياء وضمها وفتح التاء وقتلهم بالرفع ويقول بالياء . { وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } أي وننتقم منهم بأن نقول لهم ذوقوا العذاب المحرق ، وفيه مبالغات في الوعيد . والذّوْق إدراك الطعوم ، وعلى الاتساع يستعمل لإِدراك سائر المحسوسات والحالات ، وذكره ها هنا لأن العذاب مرتب على قولهم الناشىء عن البخل والتهالك على المال ، وغالب حاجة الإِنسان إليه لتحصيل المطاعم ومعظم بخله به للخوف من فقدانه ولذلك كثر ذكر الأكل مع المال .\r{ ذلك } إشارة إلى العذاب . { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } من قتل الأنبياء وقولهم هذا وسائر معاصيهم . عبر بالأيدي عن الأنفس لأن أكثر أعمالها بهن . { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } عطف على ما قدمت وسببيته للعذاب من حيث إن نفي الظلم يستلزم العدل المقتضي إثابة المحسن ومعاقبة المسيء .\r{ الذين قَالُواْ } هم كعب بن الأشرف ومالك وحيي وفنحاص ووهب بن يهوذا . { إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا } أمرنا في التوراة وأوصانا . { أَن لا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حتى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النار } بأن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بهذه المعجزة الخاصة التي كانت لأنبياء بني إسرائيل وهو أن يقرب بقربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار سماوية فتأكله ، أي تحيله إلى طبعها بالإِحراق . وهذا من مفترياتهم وأباطيلهم لأن أكل النار القربان لم يوجب الإِيمان إلا لكونه معجزة فهو وسائر المعجزات شرع في ذلك . { قُلْ قَدْ جَاءكُمْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِي بالبينات وبالذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنتُمْ صادقين } تكذيب وإلزام بأن رسلاً جاؤهم قبله كزكريا ويحيى بمعجزات أخر موجبة للتصديق وبما اقترحوه فقتلوهم ، فلو كان الموجب للتصديق هو الإِتيان به وكان توقفهم وامتناعهم عن الإِيمان لأجله فما لهم لم يؤمنوا بمن جاء به في معجزات أخر واجترؤا على قتله .","part":1,"page":420},{"id":421,"text":"{ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ جَاءوا بالبينات والزبر والكتاب المنير } تسلية للرسول A من تكذيب قومه واليهود ، والزبر جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرت الشيء إذا حسبته ، والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة القرآن . وقيل الزبر المواعظ والزواجر ، من زبرته إذا زجرته . وقرأ ابن عامر وبالزبر وهشام وبالكتاب بإعادة الجار للدلالة على أنها مغايرة للبينات بالذات .\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } وعد ووعيد للمصدق والمكذب . وقرىء { ذَائِقَةُ الموت } بالنصب مع التنوين وعدمه كقوله : { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } { وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } تعطون جزاء أعمالكم خيراً كان أو شراً تاماً وافياً . { يَوْمُ القيامة } يوم قيامكم من القبور ، ولفظ التوفية يشعر بأنه قد يكون قبلها بعض الأجور ويؤيده قوله E : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » . { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } بعد عنها ، والزحزحة في الأصل تكرير الزح وهو الجذب بعجلة . { وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } بالنجاة ونيل المراد ، والفوز الظفر بالبغية . وعن النبي A « من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » { وَمَا الحياة الدنيا } أي لذاتها وزخارفها . { إِلاَّ متاع الغرور } شبهها بالمتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه ، وهذا لمن آثرها على الآخرة . فأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ والغرور مصدر أو جمع غار .\r{ لَتُبْلَوُنَّ } أي والله لتختبرن . { فِي أموالكم } بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات . { وأَنفُسِكُمْ } بالجهاد والقتل والأسر والجراح ، وما يرد عليها من المخاوف والأمراض والمتاعب . { وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً } من هجاء الرسول A ، والطعن في الدين وإغراء الكفرة على المسلمين . أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطنوا أنفسهم على الصبر والاحتمال ، ويستعدوا للقائها حتى لا يرهقهم نزولها . { وَإِن تَصْبِرُواْ } على ذلك . { وَتَتَّقُواْ } مخالفة أمر الله . { فَإِنَّ ذلك } يعني الصبر والتقوى . { مِنْ عَزْمِ الأمور } من معزومات الأمور التي يجب العزم عليها ، أو مما عزم الله عليه أي أمر به وبالغ فيه . والعزم في الأصل ثبات الرأي على الشيءَ نحو إمضائه .\r{ وَإِذْ أَخَذَ الله } أي اذكر وقت أخذه . { ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب } يريد به العلماء . { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } حكاية لمخاطبتهم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية ابن عياش بالياء لأنهم غيب ، واللام جواب القسم الذي ناب عنه قوله : { أَخَذَ الله ميثاق الذين } والضمير للكتاب . { فَنَبَذُوهُ } أي الميثاق . { وَرَاء ظُهُورِهِمْ } فلم يراعوه ولم يتلفتوا إليه .","part":1,"page":421},{"id":422,"text":"والنبذ وراء الظهر مثل في ترك الاعتداد وعدم الالتفات ، ونقيضه جعله نصب عينيه وإلقاؤه بين عينيه . { واشتروا بِهِ } . وأخذوا بدله .\r{ ثَمَناً قَلِيلاً } من حطام الدنيا وأعراضها . { فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ } يختارون لأنفسهم ، وعن النبي A « من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار » وعن علي رضي الله تعالى عنه ( ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا ) .\r{ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْاْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب } الخطاب للرسول A ، ومن ضم الباء جعل الخطاب له وللمؤمنين ، والمفعول الأول { الذين يَفْرَحُونَ } والثاني { بِمَفَازَةٍ } ، وقوله { فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ } تأكيد والمعنى : لا تحسبن الذين يفرحون بما فعلوا من التدليس وكتمان الحق ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا من الوفاء بالميثاق وإظهار الحق والإِخبار بالصدق ، بمفازة بمنجاة من العذاب أي فائزين بالنجاة منه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء وفتح الباء في الأول وضمها في الثاني على أن الذين فاعل ومفعولاً يحسبن محذوفان يدل عليهما مفعولاً مؤكده ، فكأنه قيل؛ ولا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا فلا يحسبن أنفسهم بمفازة ، أو المفعول الأول محذوف وقوله فلا تحسبنهم تأكيد للفعل وفاعله ومفعوله الأول . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بكفرهم وتدليسهم . روي أنه E « سأل اليهود عن شيء مما في التوراة فأخبروه بخلاف ما كان فيها وأروه أنهم قد صدقوه وفرحوا بما فعلوا » فنزلت . وقيل؛ نزلت في قوم تخلفوا عن الغزو ثم اعتذروا بأنهم رأوا المصلحة في التخلف واستحمدوا به . وقيل : نزلت في المنافقين فإنهم يفرحون بمنافقتهم ويستحمدون إلى المسلمين بالإِيمان الذي لم يفعلوه على الحقيقة .","part":1,"page":422},{"id":423,"text":"{ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } فهو يملك أمرهم . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على عقابهم . وقيل هو رد لقولهم إن الله فقير { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأُوْلِي الألباب } لدلائل واضحة على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته لذوي العقول المجلوة الخالصة عن شوائب الحس والوهم كما سبق في سورة البقرة ، ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية لأن مناط الاستدلال هو التغير ، وهذه متعرضة لجملة أنواعه فإنه إما أن يكون في ذات الشيء كتغير الليل والنهار ، أو جزئه كتغير العناصر بتبدل صورها أو الخارج عنه كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها . وعن النبي A « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ } أي يذكرونه دائماً على الحالات كلها قائمين وقاعدين ومضطجعين ، وعنه E « من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله » . وقيل معناه يصلون على الهيئات الثلاث حسب طاقتهم لقوله E لعمران بن حصين : « صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب تومىء إيماء » . فهو حجة للشافعي Bه في أن المريض يصلي مضطجعاً على جنبه الأيمن مستقبلاً بمقاديم بدنه . { وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السموات والأرض } استدلالاً واعتباراً ، وهو أفضل العبادات كما قال E « لا عبادة كالتفكر » لأنه المخصوص بالقلب والمقصود من الخلق ، وعنه E : « بينما رجل مستلق على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى السماء والنجوم فقال : أشهد أن لك رباً وخالقاً : اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له » وهذا دليل واضح على شرف علم الأصول وفضل أهله . { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا } على إرادة القول أي يتفكرون قائلين ذلك ، وهذا إشارة إلى المتفكر فيه ، أي الخلق على أنه أريد به المخلوق من السموات والأرض ، أو إليهما لأنهما في معنى المخلوق ، والمعنى ما خلقته عبثاً ضائعاً من غير حكمة بل خلقته لحكم عظيمة من جملتها أن يكون مبدأ لوجود الإِنسان وسبباً لمعاشه ودليلاً يدله على معرفتك ويحثه على طاعتك لينال الحياة الأبدية والسعادة السرمدية في جوارك . { سبحانك } تنزيهاً لك من العبث وخلق الباطل وهو اعتراض . { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } للإِخلال بالنظر فيه ، والقيام بما يقتضيه . وفائدة الفاء هي الدلالة على أن علمهم بما لأجله خلقت السموات والأرض حملهم على الاستعاذة .\r{ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } غاية الإخزاء ، وهو نظير قولهم : من أدرك مرعى الصِّمان فقد أدرك ، والمراد به تهويل المستعاذ منه تنبيهاً على شدة خوفهم وطلبهم الوقاية منه ، وفيه إشعار بأن العذاب الروحاني أفظع .","part":1,"page":423},{"id":424,"text":"{ وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } أراد بهم المدخلين ، ووضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن ظلمهم سبب لإِدخالهم النار وانقطاع النصرة عنهم في الخلاص منها ، ولا يلزم من نفي النصرة نفي الشفاعة لأن النصر دفع بقهر .\r{ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي للإيمان } أوقع الفعل على المسمع وحذف المسموع لدلالة وصفه عليه ، وفيه مبالغة ليست في إيقاعه على نفس المسموع وفي تنكير المنادي وإطلاقه ثم تقييده تعظيم لشأنه ، والمراد به الرسول E وقيل القرآن ، والنداء والدعاء ونحوهما يعدى بإلى واللام لتضمنها معنى الانتهاء والاختصاص . { أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا } أي بأن آمنوا فامتثلنا . { رَبَّنَا فاغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } كبائرنا فإنها ذات تبعة . { وَكَفِّرْ عَنَّا سيئاتنا } صغائرنا فإنها مستقبحة ، ولكن مكفرة عن مجتنب الكبائر . { وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار } مخصوصين بصحبتهم معدودين في زمرتهم ، وفيه تنبيه على أنهم محبون لقاء الله ، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه . والأبرار جمع بر أو بار كأرباب وأصحاب .\r{ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } أي ما وعدتنا على تصديق رسلك من الثواب . لما أظهر امتثاله لما أمر به سأل ما وعد عليه لا خوفاً من إخلاف الوعد بل مخافة أن لا يكون من الموعودين لسوء عاقبة ، أو قصور في الامتثال أو تعبداً واستكانة . ويجوز أن يعلق على بمحذوف تقديره : ما وعدتنا منزلاً على رسلك ، أو محمولاً عليهم . وقيل معناه على ألسنة رسلك . { وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة } بأن تعصمنا عما يقتضيه . { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } بإثابة المؤمن وإجابة الداعي وعن ابن عباس Bهما : الميعاد البعث بعد الموت . وتكرير ربنا للمبالغة في الابتهال والدلالة على استقلال المطالب وعلو شأنها . وفي الآثار « من حزبه أمر فقال خمس مرات ربنا أنجاه الله مما يخاف » { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } إلى طلبتهم ، وهو أخص من أجاب ويعدي بنفسه وباللام . { أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أي بأني لا أضيع . وقرىء بالكسر على إرادة القول . { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بيان عامل . { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } لأن الذكر من الأنثى والأنثى من الذكر ، أو لأنهما من أصل واحد ، أو لفرط الاتصال والاتحاد ، أو للاجتماع والاتفاق في الدين . وهي جملة معترضة بين بها شركة النساء مع الرجال فيما وعد للعمال . روي « أن أم سلمة Bها قالت : يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء ) فنزلت » . { فالذين هاجروا } إلخ ، تفصيل لأعمال العمال وما أعد لهم من الثواب على سبيل المدح والتعظيم ، والمعنى فالذين هاجروا الشرك أو الأوطان والعشائر للدين . { وَأُخْرِجُواْ مِن ديارهم وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي } بسبب إيمانهم بالله ومن أجله { وَقَاتِلُواْ } الكفار . { وَقُتِّلُواْ } في الجهاد .","part":1,"page":424},{"id":425,"text":"وقرأ حمزة والكسائي بالعكس لأن الواو لا توجب ترتيباً والثاني أفضل . أو لأن المراد لما قتل منهم قوم قاتل الباقون ولم يضعفوا . وشدد ابن كثير وابن عامر { قتلوا } للتكثير . { لأُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سيئاتهم } لأمحونها . { وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار ثَوَاباً مّن عِندِ الله } أي أثيبهم بذلك إثابة من عند الله تفضلاً منه ، فهو مصدر مؤكد . { والله عِندَهُ حُسْنُ الثواب } على الطاعات قادر عليه .\r{ لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد } والخطاب للنبي A والمراد أمته ، أو تثبيته على ما كان عليه كقوله { فَلاَ تُطِعِ المكذبين } أو لكل أحد ، والنهي في المعنى للمخاطب وإنما جعل للتقلب تنزيلاً للسبب منزلة المسبب للمبالغة ، والمعنى لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة والحظ ، ولا تغتر بظاهر ما ترى من تبسطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم . روي « أن بعض المؤمنين كانوا يرون المشركين في رخاء ولين عيش فيقولون : إن أعداء الله فيما نرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد » فنزلت .\r{ متاع قَلِيلٌ } خبر مبتدأ محذوف ، أي ذلك التقلب متاع قليل لقصر مدته في جنب ما أعد الله للمؤمنين . قال E « ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم فلينظر بم يرجع » { ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد } أي ما مهدوا لأنفسهم .\r{ لَكِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نُزُلاٍ مّنْ عِندِ الله } النزل والنزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة . قال أبو الشعر الضبي :\rوكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات نزلا\rوانتصابه على الحال من جنات والعامل فيها الظرف ، وقيل : إنه مصدر مؤكد والتقدير أنزلوها نزلا { وَمَا عِندَ الله } لكثرته ودوامه { خَيْرٌ لّلأَبْرَارِ } مما يتقلب فيه الفجار لقلته وسرعة زواله . { وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكتاب لَمَن يُؤْمِنُ بالله } نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل في أربعين من نجران واثنين وثلاثين من الحبشة وثمانية من الروم كانوا نصارى فأسلموا . وقيل في أصحمة النجاشي لما نعاه جبريل إلى رسول الله A فخرج فصلى عليه فقال المنافقون انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط . وإنما دخلت اللام على الاسم للفصل بينه وبين إن بالظرف . { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ } من القرآن . { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ } من الكتابين . { خاشعين للَّهِ } حال من فاعل يؤمن وجمعه باعتبار المعنى { لاَ يَشْتَرُونَ بئايات الله ثَمَناً قَلِيلاً } كما يفعله المحرفون من أحبارهم . { أُوْلئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ } ما خص بهم من الأجر ووعده في قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لعمله بالأعمال وما يستوجبه من الجزاء واستغنائه عن التأمل والاحتياط ، والمراد أن الأجر الموعود سريع الوصول فإن سرعة الحساب تستدعي سرعة الجزاء .","part":1,"page":425},{"id":426,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اصبروا } على مشاق الطاعات وما يصيبكم من الشدائد . { وَصَابِرُواْ } وغالبوا أعداء الله بالصبر على شدائد الحرب وأعدى عدوكم في الصبر على مخالفة الهوى ، وتخصيصه بعد الأمر بالصبر مطلقاً لشدته . { وَرَابِطُواْ } أبدانكم وخيولكم في الثغور مترصدين للغزو ، وأنفسكم على الطاعة كما قال E « من الرباط انتظار الصلاة بعد الصلاة » وعنه E « من رابط يوماً وليلة في سبيل الله كان كعدل صيام شهر رمضان وقيامه ، لا يفطر ولا ينفتل عن صلاته إلا لحاجة » . { واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } فاتقوه بالتبري عما سواه لكي تفلحوا غاية الفلاح ، أو واتقوا القبائح لعلكم تفلحون بنيل المقامات الثلاثة ، المرتبة التي هي الصبر على مضض الطاعات ومصابرة النفس في رفض العادات ومرابطة السر على جناب الحق لترصد الواردات المعبر عنها بالشريعة ، والطريقة ، والحقيقة . عن النبي A : « من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أماناً على جسر جهنم » وعنه E « من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تجب الشمس » والله أعلم .","part":1,"page":426},{"id":427,"text":"{ أَيُّهَا الناس } خطاب يعم بني آدم . { اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } هي آدم . { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } عطف على خلقكم أي خلقكم من شخص واحد وخلق منه أمكم حواء من ضلع من أضلاعه ، أو محذوف تقديره من نفس واحدة خلقها وخلق منها زوجها ، وهو تقرير لخلقهم من نفس واحدة . { وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً } بيان لكيفية تولدهم منهما ، والمعنى ونشر من تلك النفس والزوج المخلوقة منها بنين وبنات كثيرة ، واكتفى بوصف الرجال بالكثرة عن وصف النساء بها ، إذ الحكمة تقتضي أن يكن أكثر ، وذكر { كَثِيراً } حملاً على الجمع وترتيب الأمر بالتقوى على هذه القصة لما فيها من الدلالة على القدرة القاهرة التي من حقها أن تخشى ، والنعمة الباهرة التي توجب طاعة موليها ، أو لأن المراد به تمهيد الأمر بالتقوى فيما يتصل بحقوق أهل منزله وبني جنسه على ما دلت عليه الآيات التي بعدها . وقرىء «وخالق» «وباث» على حذف مبتدأ تقديره وهو خالق وباث . { واتقوا الله الذي تَسَاءلُونَ بِهِ } أي يسأل بعضكم بعضاً تقول أسألك بالله ، وأصله تتساءلون فأدغمت التاء الثانية في السين . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي بطرحها . { والأرحام } بالنصب عطف على محل الجار والمجرور كقولك : مررت بزيد وعمراً ، أو على الله أي اتقوا الله واتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها . وقرأ حمزة بالجر عطفاً على الضمير المجرور وهو ضعيف لأنه كبعض الكلمة . وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره والأرحام كذلك ، أي مما يتقى أو يتساءل به . وقد نبه سبحانه وتعالى إذ قرن الأرحام باسمه الكريم على أن صلتها بمكان منه . وعنه E \" الرحم معلقة بالعرش تقول ألا من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله \" { إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً } حافظاً مطلعاً .","part":1,"page":427},{"id":428,"text":"{ وَءَاتُواْ اليتامى أموالهم } أي إذا بلغوا ، واليتامى جمع يتيم وهو الذي مات أبوه ، من اليتم وهو الانفراد . ومنه الدرة اليتيمة ، إما على أنه لما جرى مجرى الأسماء كفارس وصاحب جمع على يتائم ، ثم قلب فقيل يتامى أو على أنه جمع على يتمي كأسرى لأنه من باب الآفات . ثم جمع يتمى على يتامى كأسرى وأسارى ، والاشتقاق يقتضي وقوعه على الصغار والكبار ، لكن العرف خصصه بمن لم يبلغ . ووروده في الآية إما للبلغ على الأصل أو الاتساع لقرب عهدهم بالصغر ، حثاً على أن يدفع إليهم أموالهم أول بلوغهم قبل أن يزول عنهم هذا الاسم إن أونس منهم الرشد ، ولذلك أمر بابتلائهم صغاراً أو لغير البلغ والحكم مقيد فكأنه قال؛ وآتوهم إذا بلغوا . ويؤيد الأول ما روي : أن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم فلما بلغ طلب المال منه فمنعه فنزلت . فلما سمعها العم قال : أطعنا الله ورسوله نعوذ بالله من الحوب الكبير . { وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الخبيث بالطيب } ولا تستبدلوا الحرام من أموالهم بالحلال من أموالكم ، أو الأمر الخبيث وهو اختزال أموالهم بالأمر الطيب الذي هو حفظها . وقيل ولا تأخذوا الرفيع من أموالهم وتعطوا الخسيس مكانها ، وهذا تبديل وليس بتبدل . { وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم } ولا تأكلوها مضمومة إلى أموالكم ، أي لا تنفقوهما معاً ولا تسووا بينهما ، وهذا حلال وذاك حرام وهو فيما زاد على قدر أجره لقوله تعالى : { فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } { إِنَّهُ } الضمير للأكل . { كَانَ حُوباً كَبِيراً } ذنباً عظيماً . وقرىء حوباً وهو مصدر حاب { حُوباً } وحابا كقال قولاً وقالاً .","part":1,"page":428},{"id":429,"text":"{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النساء } أي إن خفتم أن لا تعدلوا في يتامى النساء إذا تزوجتم بهن ، فتزوجوا ما طاب لكم من غيرهن . إذ كان الرجل يجد يتيمة ذات مال وجمال فيتزوجها ضناً بها ، فربما يجتمع عنده منهن عدد ولا يقدر على القيام بحقوقهن . أو إن خفتم أن لا تعدلوا في حقوق اليتامى فتحرجتم منها فخافوا أيضاً أن لا تعدلوا بين النساء فانكحوا مقداراً يمكنكم الوفاء بحقه ، لأن المتحرج من الذنب ينبغي أن يتحرج من الذنوب كلها على ما روي : أنه تعالى لما عظم أمر اليتامى تحرجوا من ولايتهم وما كانوا يتحرجون من تكثير النساء وإضاعتهن فنزلت . وقيل : كانوا يتحرجون من ولاية اليتامى ولا يتحرجون من الزنى ، فقيل لهم إن خفتم أن لا تعدلوا في أمر اليتامى فخافوا الزنى ، فانكحوا ما حل لكم . وإنما عبر عنهن بما ذهاباً إلى الصفة أو إجراء لهن مجرى غير العقلاء لنقصان عقلهن ، ونظيره { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } وقرىء { تُقْسِطُواْ } بفتح التاء على أن «لا» مزيدة أي إن خفتم إن تجوروا . { مثنى وثلاث وَرُبَاعَ } معدولة عن أعداد مكررة وهي : ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً ، وأربعاً أربعاً . وهي غير منصرفة للعدل والصفة فإنها بنيت صفات وإن كانت أصولها لم تبن لها . وقيل لتكرير العدل فإنها معدولة باعتبار الصفة والتكرير منصوبة على الحال من فاعل طاب ومعناها : الإِذن لكل ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه ومختلفين كقولك : اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين ، وثلاثة ثلاثة ، ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ولو ذكرت بأو لذهب تجويز الاختلاف في العدد . { فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ } بين هذه الأعداد أيضاً . { فواحدة } فاختاروا أو فانكحوا واحدة وذروا الجمع . وقرىء بالرفع على أنه فاعل محذوف أو خبره تقديره فتكفيكم واحدة ، أو فالمقنع واحدة . { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } سوى بين الواحدة من الأزواج والعدد من السراري لخفة مؤنهن وعدم وجوب القسم بينهن { ذلك } أي التقليل منهن أو اختيار الواحدة أو التسري . { أدنى أَلاَّ تَعُولُواْ } أقرب من أن لا تميلوا ، يقال عال الميزان إذا مال وعال الحاكم إذا جار ، وعول الفريضة الميل عن حد السهام المسماة . وفسر بأن لا تكثر عيالكم على أنه من عال الرجل عياله يعولهم إذا مانهم ، فعبر عن كثرة العيال بكثرة المؤن على الكناية . ويؤيده قراءة «أن لا تعيلوا» من أعال الرجل إذا كثر عياله ، ولعل المراد بالعيال الأزواج وإن أريد الأولاد فلأن التسري مظنة قلة الولد بالإِضافة إلى التزوج لجواز العزل فيه كتزوج الواحدة بالإِضافة إلى تزوج الأربع .","part":1,"page":429},{"id":430,"text":"{ وَءَاتُواْ النساء صدقاتهن } مهورهن . وقرىء بفتح الصاد وسكون الدال على التخفيف ، وبضم الصاد وسكون الدال ، جمع صدقة كغرفة ، وبضمهما على التوحيد وهو تثقيل صدقة كظلمة في ظلمة . { نِحْلَةً } أي عطية يقال نحله كذا نحلة ونحلاً إذا أعطاه إياه عن طيب نفس بلا توقع عوض ، ومن فسرها بالفريضة ونحوها نظر إلى مفهوم الآية لا إلى موضوع اللفظ ، ونصبها على المصدر لأنها في معنى الإيتاء أو الحال من الواو ، أو الصدقات أي آتوهن صدقاتهن ناحلين أو منحولة . وقيل المعنى نحلة من الله وتفضلاً منه عليهن فتكون حالاً من الصدقات . وقيل ديانة من قولهم انتحل فلان كذا إذا دان به على أنه مفعول له ، أو حال من الصدقات أي ديناً من الله تعالى شرعه ، والخطاب للأزواج ، وقيل للأولياء لأنهم كانوا يأخذون مهور مولياتهم . { فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مّنْهُ نَفْساً } للصداق حملاً على المعنى أو جرى مجرى اسم الإِشارة كقول رؤبة :\rكَأَنَّه في الجلْد ... تَوْلِيْعُ البُهَق\rإذ سئل فقال : أردت كأن ذاك . وقيل للإِيتاء ، ونفساً تمييز لبيان الجنس ولذلك وحد ، والمعنى فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق عن طيب نفس ، لكن جعل العمدة طيب النفس للمبالغة وعداه بعن لتضمن معنى التجافي والتجاوز ، وقال منه بعثا لهن على تقليل الموهوب { فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً } فخذوه وأنفقوه حلالاً بلا تبعة . والهنيء والمريء صفتان من هنأ الطعام ومرأ إذا ساغ من غير غصص ، أقيمتا مقام مصدريهما أو وصف بهما المصدر أو جعلتا حالاً من الضمير . وقيل الهنيء ما يلذه الإِنسان ، والمريء ما تحمد عاقبته . روي : أن ناساً كانوا يتأثمون أن يقبل أحدهم من زوجته شيئاً مما ساق إليها . فنزلت .","part":1,"page":430},{"id":431,"text":"{ وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم } نهي للأولياء عن أن يؤتوا الذين لا رشد لهم أموالهم فيضيعوها ، وإنما أضاف الأموال إلى الأولياء لأنها في تصرفهم وتحت ولايتهم ، وهو الملائم للآيات المتقدمة والمتأخرة . وقيل نهي لكل أحد أن يعمد إلى ما خوله الله تعالى من المال فيعطى امرأته وأولاده ، ثم ينظر إلى أيديهم . وإنما سماهم سفهاء استخفافاً بعقولهم واستهجاناً لجعلهم قواماً على أنفسهم وهو أوفق لقوله : { التي جَعَلَ الله لَكُمْ قياما } أي تقومون بها وتنتعشون ، وعلى الأول يؤول بأنها التي من جنس ما جعل الله لكم قياماً سمي ما به القيام قياماً للمبالغة . وقرأ نافع وابن عامر «قيماً» بمعناه كعوذ بمعنى عياذ . وقرىء «قواماً» وهو ما يقام به . { وارزقوهم فِيهَا واكسوهم } واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتحصلوا من نفعها ما يحتاجون إليه . { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } عدة جميلة تطيب بها نفوسهم ، والمعروف ما عرفه الشرع أو العقل بالحسن ، والمنكر ما أنكره أحدهما لقبحه .\r{ وابتلوا اليتامى } اختبروهم قبل البلوغ بتتبع أحوالهم في صلاح الدين ، والتهدي إلى ضبط المال وحسن التصرف ، بأن يكل إليه مقدمات العقد . وعن أبي حنيفة C تعالى بأن يدفع إليه ما يتصرف فيه . { حتى إِذَا بَلَغُواْ النّكَاحَ } حتى إذا بلغوا حد البلوغ بأن يحتلم ، أو يستكمل خمس عشرة سنة عندنا لقوله E : \" إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة ، كتب ماله وما عليه وأقيمت عليه الحدود \" وثماني عشرة عند أبي حنيفة C تعالى . وبلوغ النكاح كناية عن البلوغ ، لأنه يصلح للنكاح عنده . { فَإِن آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً } فإن أبصرتم منهم رشداً . وقرىء أحستم بمعنى أحسستم . { فادفعوا إِلَيْهِمْ أموالهم } من غير تأخير عن حد البلوغ ، ونظم الآية أن إن الشرطية جواب إذاً المتضمنة معنى الشرط ، والجملة غاية الابتلاء فكأنه قيل؛ وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم ، وهو دليل على أنه لا يدفع إليهم ما لم يؤنس منهم الرشد . وقال أبو حنيفة C تعالى : إذا زادت على سن البلوغ سبع سنين وهي مدة معتبرة في تغير الأحوال ، إذ الطفل يميز بعدها ويؤمر بالعبادة ، دفع إليه المال وإن لم يؤنس منه الرشد . { وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ } مسرفين ومبادرين كبرهم ، أو لإِسرافكم ومبادرتكم كبرهم . { وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ } من أكلها . { وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بالمعروف } بقدر حاجته وأجرة سعيه ، ولفظ الاستعفاف والأكل بالمعروف مشعر بأن الولي له حق في مال الصبي ، وعنه E \" أن رجلاً قال له إن في حجري يتيماً أفآكل من ماله؟ قال : كل بالمعروف غير متأثل مالاً ولا واق مالك بماله \"","part":1,"page":431},{"id":432,"text":"وإيراد هذا التقسيم بعد قوله ولا تأكلوها يدل على أنه نهي للأولياء أن يأخذوا وينفقوا على أنفسهم أموال اليتامى . { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ } بأنهم قبضوها فإنه أنفى للتهمة وأبعد من الخصومة ، ووجوب الضمان وظاهره يدل على أن القيم لا يصدق في دعواه إلا بالبنية وهو المختار عندنا وهو مذهب مالك خلافاً لأبي حنيفة . { وكفى بالله حَسِيباً } محاسباً فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تتجاوزوا ما حد لكم .\r{ لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } يريد بهم المتوارثين بالقرابة . { مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ } بدل مما ترك بإعادة العامل . { نَصِيباً مَّفْرُوضاً } نصب على أنه مصدر مؤكد كقوله تعالى : { فَرِيضَةً مّنَ الله } أو حال إذ المعنى : ثبت لهم مفروضاً نصيب ، أو على الاختصاص بمعنى أعني نصيباً مقطوعاً واجباً لهم ، وفيه دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه . روي « أن أوس بن الصامت الأنصاري خلف زوجته أم كحة وثلاث بنات ، فزوى ابنا عمه سويد وعرفطة . أو قتادة وعرفجة ميراثه عنهن على سنة الجاهلية ، فإنهم ما كانوا يورثون النساء والأطفال ويقولون : إنما يرث . من يحارب ويذب عن الحوزة ، فجاءت أم كحة إلى رسول الله A في مسجد الفضيخ فشكت إليه فقال : ارجعي حتى أنظر ما يحدث الله . فنزلت فبعث إليهما : لا تفرقا من مال أوس شيئاً فإن الله قد جعل لهن نصيباً ولم يبين حتى يبين . فنزلت { يُوصِيكُمُ الله } فأعطى أم كحة الثمن والبنات الثلثين والباقي ابن العم » وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقف الخطاب .\r{ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى } ممن لا يرث { واليتامى والمساكين فارزقوهم مّنْهُ } فاعطوهم شيئاً من المقسوم تطييباً لقلوبهم . وتصدقاً عليهم ، وهو أمر ندب للبلغ من الورثة . وقيل أمر وجوب ، ثم اختلف في نسخه والضمير لما ترك أو ما دل عليه القسمة { وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } وهو أن يدعوا لهم ويستقلوا ما أعطوهم ولا يمنوا عليهم .\r{ وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ } أمر للأوصياء بأن يخشوا الله تعالى ويتقوه في أمر اليتامى فيفعلوا بهم ما يحبون أن يفعل بذراريهم الضعاف بعد وفاتهم ، أو للحاضرين المريض عند الإِيصاء بأن يخشوا ربهم ، أو يخشوا على أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرَّ بهم بصرف المال عنهم ، أو للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوزون حرمانهم ، أو للموصين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية ولو بما في حيزه ، جعل صلة للذين على معنى وليخش الذين حالهم وصفتهم أنهم لو شارفوا أن يخلفوا ذرية ضعافاً خافوا عليهم الضياع ، وفي ترتيب الأمر عليه إشارة إلى المقصود منه والعلة فيه ، وبعث على الترحم وأن يحب لأولاد غيره ما يحب لأولاده وتهديد للمخالف بحال أولاده .","part":1,"page":432},{"id":433,"text":"{ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } أمرهم بالتقوى التي هي غاية الخشية بعدما أمرهم بها مراعاة للمبدأ والمنتهى ، إذ لا ينفع الأول دون الثاني ، ثم أمرهم أن يقولوا لليتامى مثل ما يقولون لأولادهم بالشفقة وحسن الأدب ، أو للمريض ما يصده عن الإِسراف في الوصية وتضييع الورثة ، ويذكره التوبة وكلمة الشهادة ، أو لحاضري القسمة عذراً جميلاً ووعداً حسناً ، أو أن يقولوا في الوصية ما لا يؤدي إلى مجاوزة الثلث وتضييع الورثة .\r{ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً } ظالمين ، أو على وجه الظلم . { إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ } ملء بطونهم . { نَارًا } ما يجر إلى النار ، ويؤول إليها . وعن أبي بردة رضي الله تعالى عنه أنه A قال : « يبعث الله قوماً من قبورهم تتأجج أفواههم ناراً » فقيل : من هم؟ فقال : « ألم تر أن الله يقول : { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَاراً } { وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } سيدخلون ناراً وأي نار » . وقرأ ابن عامر وابن عياش عن عاصم بضم الياء مخففاً . وقرىء به مشدداً يقال صلى النار قاسى حرها ، وصليته شويته وأصليته وصليته ألقيته فيها ، والسعير فعيل بمعنى مفعول من سعرت النار إذا ألهبتها .\rو { يُوصِيكُمُ الله } يأمركم ويعهد إليكم . { فِي أولادكم } في شأن ميراثهم وهو إجمال تفصيله . { لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين } أي يعد كل ذكر بأنثيين حيث اجتمع الصنفان فيضعف نصيبه ، وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه لأن القصد إلى بيان فضله ، والتنبيه على أن التضعيف كاف للتفضيل فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة ، والمعنى للذكر منهم فحذف للعلم به . { فَإِن كُنَّ نِسَاء } أي إن كان الأولاد نساء خلصاً ليس معهن ذكر ، الضمير فأنث الضمير باعتبار الخبر أو على تأويل المولودات . { فَوْقَ اثنتين } خبر ثان ، أو صفة للنساء أي نساء زائدات على اثنتين . { فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ } المتوفى منكم ، ويدلَ عليه المعنى . { وَإِن كَانَتْ واحدة فَلَهَا النصف } أي وإن كانت المولودة واحدة . وقرأ نافع بالرفع على كان التامة ، واختلف في الثنتين فقال ابن عباس Bهما حكمهما حكم الواحدة ، لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما . وقال الباقون حكمهما حكم ما فوقهما لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى وهو الثلثان ، اقتضى ذلك أن فرضهما الثلثان . ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد رد ذلك بقوله : { فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثنتين } ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها فبالحري أن تستحقه مع أخت مثلها .","part":1,"page":433},{"id":434,"text":"وأن البنتين أمس رحما من الأختين وقد فرض لهما الثلثين بقوله تعالى : { فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } . { وَلأَبَوَيْهِ } ولأبوي الميت . { لِكُلّ واحد مّنْهُمَا } بدل منه بتكرير العامل وفائدته التنصيص على استحقاق كل واحد منهما السدس ، والتفصيل بعد الإِجمال تأكيداً . { السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ } أي للميت . { وَلَد } ذكر أو أنثى غير أن الأب يأخذ السدس مع الأنثى بالفريضة ، وما بقي من ذوي الفروض أيضاً بالعصوبة . { فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ } فحسب . { فَلأُمّهِ الثلث } مما ترك وإنما لم يذكر حصة الأب ، لأنه لما فرض أن الوارث أبواه فقط وعين نصيب الأم علم أن الباقي للأب ، وكأنه قال : فلهما ما ترك أثلاثاً ، وعلى هذا ينبغي أن يكون لها حيث كان معهما أحد الزوجين ثلث ما بقي من فرضه كما قاله الجمهور ، لا ثلث المال كما قاله ابن عباس ، فإنه يفضي إلى تفضيل الأنثى على الذكر المساوي لها في الجهة والقرب وهو خلاف وضع الشرع . { فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس } بإطلاقهِ يدل على أن الإِخوة يردونها من الثلث إلى السدس ، وإن كانوا لا يرثون مع الأب . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم يأخذون السدس الذي حجبوا عنه الأم ، والجمهور على أن المراد بالإِخوة عدد ممن له إخوة من غير اعتبار التثليث سواء كان من الإِخوة أو الأخوات ، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا يحجب الأم من الثلث ما دون الثلاثة ولا الأخوات الخلص أخذاً بالظاهر . وقرأ حمزة والكسائي { فَلأُمِّهِ } بكسر الهمزة اتباعاً للكسرة التي قبلها . { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ } متعلق بما تقدمه من قسمة المواريث كلها أي هذه الأنصباء للورثة من بعد ما كان من وصية . أو دين ، وإنما قال بأو التي للإِباحة دون الواو للدلالة على أنهما متساويان في الوجوب مقدمان على القسمة مجموعين ومنفردين ، وقدم الوصية على الدين وهي متأخرة في الحكم لأنها مشبهة بالميراث شاقة على الورثة مندوب إليها الجميع والدين إنما يكون على الندور . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بفتح الصاد . { آبَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً } أي لا تعلمون من أنفع لكم ممن يرثكم من أصولكم وفروعكم في عاجلكم وآجلكم ، فتحروا فيهم ما أوصاكم الله به ، ولا تعمدوا إلى تفضيل بعض وحرمانه . روي أن أحد المتوالدين إذا كان أرفع درجة من الآخر في الجنة سأل أن يرفع إليه فيرفع بشفاعته . أو من مورثيكم منهم أو من أوصى منهم فعرضكم للثواب بإمضاء وصيته ، أو من لم يوص فوفر عليكم ماله فهو اعتراض مؤكد لأمر القسمة أو تنفيذ الوصية . { فَرِيضَةً مّنَ الله } مصدر مؤكد ، أو مصدر يوصيكم الله لأنه في معنى يأمركم ويفرض عليكم . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بالمصالح والرتب . { حَكِيماً } فيما قضى وقدر .","part":1,"page":434},{"id":435,"text":"{ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الربع مِمَّا تَرَكْنَ } أي ولد وارث من بطنها ، أو من صلب بنيها ، أو بني بنيها وإن سفل ذكراً كان أو أنثى منكم أو من غيركم . { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الربع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَو دَيْنٍ } فرض للرجل بحق الزواج ضعف ما للمرأة كما في النسب ، وهكذا قياس كل رجل وامرأة اشتركا في الجهة والقرب ، ولا يستثنى منه إلا أولاد الأم والمعتق والمعتقة ، وتستوي الواحدة والعدد منهم في الربع والثمن . { وَإِن كَانَ رَجُلٌ } أي الميت . { يُورَثُ } أي يورث منه من ورث صفة رجل . { كلالة } خبر كان أو يورث خبره ، وكلالة حال من الضمير فيه وهو من لم يخلف ولداً ولا والداً . أو مفعول له والمراد بها قرابة ليست من جهة الوالد والولد . ويجوز أن يكون الرجل الوارث ويورث من أورث ، وكلالة من ليس له بوالد ولا ولد . وقرىء { يُورَثُ } على البناء للفاعل فالرجل الميت وكلالة تحتمل المعاني الثلاثة وعلى الأول خبر أو حال ، وعلى الثاني مفعول له ، وعلى الثالث مفعول به ، وهي في الأصل مصدر بمعنى الكلال قال الأعشى :\rفآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلة ... وَلاَ مِنْ حَفَا حَتى أُلاَقِي مُحَمَّداً\rفاستعيرت لقرابة ليست بالبعضية ، لأنها كالة بالإِضافة إليها ، ثم وصف بها المورث والوارث بمعنى ذي كلالة كقولك فلان من قرابتي . { أَو امرأة } عطف على رجل . { وَلَهُ } أي وللرجل ، واكتفي بحكمه عن حكم المرأة لدلالة العطف على تشاركهما فيه . { أَخٌ أَوْ أُخْتٌ } أي من الأم ، ويدل عليه قراءة أبي وسعد بن مالك «وله أخ أو أخت من الأم» ، وأنه ذكر في آخر السورة أن للأختين الثلثين وللأخوة الكل ، وهو لا يليق بأولاد الأم وأن ما قدر ههنا فرض الأم فيناسب أن يكون لأولادها . { فَلِكُلّ واحد مّنْهُمَا السدس فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثلث } سوى بين الذكر والأنثى في القسمة لأن الإدلاء بمحض الأنوثة ، ومفهوم الآية أنهم لا يرثون ذلك مع الأم والجدة كما لا يرثون مع البنت وبنت الابن فخص فيه بالإِجماع . { مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارّ } أي غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث ، أو قصد المضارة بالوصية دون القربة والإِقرار بدين لا يلزمه ، وهو حال من فاعل يوصى المذكور في هذه القراءة والمدلول عليه بقوله يوصى على البناء للمفعول في قراءة ابن كثير وابن عامر وابن عياش عن عاصم . { وَصِيَّةً مّنَ الله } مصدر مؤكد أو منصوب بغير مضار على المفعول به ، ويؤيده أنه قرىء { غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً } بالإِضافة أي لا يضار وصية من الله ، وهو الثلث فما دونه بالزيادة ، أو وصية منه بالأولاد بالإِسراف في الوصية والإِقرار الكاذب . { والله عَلِيمٌ } بالمضار وغيره . { حَلِيمٌ } لا يعاجل بعقوبته .","part":1,"page":435},{"id":436,"text":"{ تِلْكَ } إشارة إلى الأحكام التي قدمت في أمر اليتامى والوصايا والمواريث . { حُدُودُ الله } شرائعه التي هي كالحدود المحدودة التي لا يجوز مجاوزتها . { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وذلك الفوز العظيم } .","part":1,"page":436},{"id":437,"text":"{ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خالدا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ } توحيد الضمير في يدخله ، وجمع { خالدين } للفظ والمعنى . وقرأ نافع وابن عامر { ندخله } بالنون و { خالدين } حال مقدرة كقولك : مررت برجل معه صقر صائداً به غدا ، وكذلك خالداً وليستا صفتين لجنات وناراً وإلا لوجب إبراز الضمير لأنهما جريا على غير من هما له .","part":1,"page":437},{"id":438,"text":"{ واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } أي يفعلنها ، يقال : أتى الفاحشة وجاءها وغشيها ورهقها إذا فعلها ، والفاحشة الزنا لزيادة قبحها وشناعتها . { فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } فاطلبوا ممن قذفهن أربعة من رجال المؤمنين تشهد عليهن . { فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت } فاحبسوهن في البيوت واجعلوها سجناً عليهن . { حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت } يستوفي أرواحهن الموت ، أو يتوفاهن ملائكة الموت . قيل : كان ذلك عقوبتهن في أوائل الإِسلام فنسخ بالحد ، ويحتمل أن يكون المراد به التوصية بإمساكهن بعد أن يجلدن كيلا يجري عليهن ما جرى بسبب الخروج والتعرض للرجال ، لم يذكر الحد استغناء بقوله تعالى : { الزانية والزاني } { أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً } كتعيين الحد المخلص عن الحبس ، أو النكاح المغني عن السفاح . { واللذان يأتيانها مِنكُمْ } يعني الزانية والزاني . وقرأ ابن كثير { واللذان } بتشديد النون وتمكين مد الألف ، والباقون بالتخفيف من غير تمكين . { فَئَاذُوهُمَا } بالتوبيخ والتقريع ، وقيل بالتعيير والجلد . { فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } فاقطعوا عنهما الإيذاء ، أو أعرضوا عنهما بالإِغماض والستر . { إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً } علة الأمر بالإِعراض وترك المذمة . قيل هذه الآية سابقة على الأولى نزولاً وكان عقوبة الزنا الأذى ثم الحبس ثم الجلد . وقيل الأولى في السحاقات وهذه في اللواطين ، والزانية والزاني في الزناة .","part":1,"page":438},{"id":439,"text":"{ إِنَّمَا التوبة عَلَى الله } أي إن قبول التوبة كالمحتوم على الله بمقتضى وعده من تاب عليه إذا قبل توبته . { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السوء بجهالة } متلبسين بها سفهاً فإن ارتكاب الذنب سفه وتجاهل ، ولذلك قيل من عصى الله فهو جاهل حتى ينزع عن جهالته . { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ } من زمان قريب ، أي قبل حضور الموت لقوله تعالى : { حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت } وقوله E : « إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر » وسماه قريباً لأن أمد الحياة قريب لقوله تعالى : { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } أو قبل أن يشرب في قلوبهم حبه فيطبع عليها فيتعذر عليهم الرجوع ، و { مِنْ } للتبعيض أي يتوبون في أي جزء من الزمان القريب الذي هو ما قبل أن ينزل بهم سلطان الموت ، أو يزين السوء . { فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ الله عَلَيْهِمْ } وعد بالوفاء بما وعد به وكتب على نفسه بقوله : { إِنَّمَا التوبة عَلَى الله } { وَكَانَ الله عَلِيماً } فهو يعلم بإخلاصهم في التوبة { حَكِيماً } والحكيم لا يعاقب التائب .","part":1,"page":439},{"id":440,"text":"{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّي تُبْتُ الآن وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } سوى بين من سوف يتوب إلى حضور الموت من الفسقة والكفار ، وبين من مات على الكفر في نفي التوبة للمبالغة في عدم الاعتداد بها في تلك الحالة ، وكأنه قال وتوبة هؤلاء وعدم توبة هؤلاء سواء . وقيل المراد بالذين يعملون السوء عصاة المؤمنين ، وبالذين يعملون السيئات المنافقون لتضاعف كفرهم وسوء أعمالهم ، وبالذين يموتون الكفار . { أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } تأكيد لعدم قبول توبتهم ، وبيان أن العذاب أعده لهم لا يعجزه عذابهم متى شاء ، والاعتداد التهيئة من العتاد وهو العدة ، وقيل أصله أعددنا فأبدلت الدال الأولى تاء .","part":1,"page":440},{"id":441,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً } كان الرجل إذا مات وله عصبة ألقى ثوبه على امرأته وقال : أنا أحق بها ثم إن شاء تزوجها بصداقها الأول ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عضلها لتفتدي بما ورثت من زوجها ، فنهوا عن ذلك . وقيل : لا يحل لكم أن تأخذوهن على سبيل الإِرث فتتزوجوهن كارهات لذلك أو مكرهات عليه . وقرأ حمزة والكسائي { كَرْهاً } بالضم في مواضعه وهما لغتان . وقيل بالضم المشقة وبالفتح ما يكره عليه . { وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ } عطف على { أَن تَرِثُواْ } ، ولا لتأكيد النفي أي ولا تمنعوهن من التزويج ، وأصل العضل التضييق يقال عضلت الدجاجة ببيضها . وقيل الخطاب مع الأزواج كانوا يحبسون النساء من غير حاجة ورغبة حتى يرثوا منهن أو يختلعن بمهورهن . وقيل تم الكلام بقوله كرهاً ثم خاطب الأزواج ونهاهم عن العضل . { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف ، والاستثناء من أعم عام الظرف أو المفعول له تقديره ولا تعضلوهن للافتداء إلا وقت أن يأتين بفاحشة ، أو ولا تعضلوهن لعلة إلا أن يأتين بفاحشة . وقرأ ابن كثير وأبو بكر { مُّبَيّنَةٍ } هنا وفي الأحزاب والطلاق بفتح الياء والباقون بكسرها فيهن . { وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } بالإِنصاف في الفعل والإِجمال في القول . { فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ الله فِيهِ خَيْراً كَثِيراً } أي فلا تفارقوهن لكراهة النفس فإنها قد تكره ما هو أصلح ديناً وأكثر خيراً ، وقد تحب ما هو بخلافه . وليكن نظركم إلى ما هو أصلح للدين وأدنى إلى الخير ، وعسى في الأصل علة فأقيم مقامه . والمعنى فإن كرهتموهن فاصبروا عليهن فعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم .","part":1,"page":441},{"id":442,"text":"{ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ } تطليق امرأة وتزوج أخرى . { وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ } أي إحدى الزوجات ، جمع الضمير لأنه أراد بالزوج الجنس . { قِنْطَاراً } مالاً كثيراً . { فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً } أي من قنطار . { أَتَأْخُذُونَهُ بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } إستفهام إنكار وتوبيخ ، أي أتأخذونه باهتين وآثمين ، ويحتمل النصب على العلة كما في قولك : قعدت عن الحرب جبناً ، لأن الأخذ بسبب بهتانهم واقترافهم المآثم . قيل كان الرجل منهم إذا أراد امرأة جديدة بهت التي تحته بفاحشة حتى يلجئها إلى الإفتداء منه بما أعطاها ليصرفه إلى تزوج الجديدة ، فنهوا عن ذلك والبهتان الكذب الذي يبهت المكذوب عليه ، وقد يستعمل في الفعل الباطل ولذلك فسر ههنا بالظلم .\r{ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ } إنكار لاسترداد المهر والحال أنه وصل إليها بالملامسة ودخل بها وتقرر المهر . { وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثاقا غَلِيظاً } عهداً وثيقاً ، وهو حق الصحبة والممازحة ، أو ما أوثق الله عليهم في شأنهن بقوله : { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } أو ما أشار إليه النبي A بقوله : « أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله » { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَاؤُكُمْ } ولا تنكحوا التي نكحها آباؤكم ، وإنما ذكر ما دون من لأنه أريد به الصفة ، وقيل ما مصدرية على إرادة المفعول من المصدر . { مّنَ النساء } بيان ما نكح على الوجهين . { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } استثناء من المعنى اللازم للنهي وكأنه قيل : وتستحقون العقاب بنكاح ما نكح آباؤكم إلا ما قد سلف ، أو من اللفظ للمبالغة في التحريم والتعميم كقوله :\rوَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنْ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِب\rوالمعنى ولا تنكحوا حلائل آبائكم إلا ما قد سلف إن أمكنكم أن تنكحوهن . وقيل الاستثناء منقطع ومعناه لكن ما قد سلف ، فإنه لا مؤاخذة عليه لأنه مقرر . { إِنَّهُ كَانَ فاحشة وَمَقْتاً } علة للنهي أي إن نكاحهن كان فاحشة عند الله ما رخص فيه لأمةٍ من الأمم ، ممقوتاً عند ذوي المروءات ولذلك سمي ولد الرجل من زوجة أبيه المقتي { وَسَاء سَبِيلاً } سبيل من يراه ويفعله .\r{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وَبَنَاتُ الأخ وَبَنَاتُ الأخت } ليس المراد تحريم ذواتهن بل تحريم نكاحهن لأنه معظم ما يقصد منهن ، ولأنه المتبادر إلى الفهم كتحريم الأكل من قوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } ولأن ما قبله وما بعده في النكاح ، وأمهاتكم تعم من ولدتك أو ولدت من ولدك وإن علت ، وبناتكم تتناول من ولدتها أو ولدت من ولدها وإن سفلت ، وأخواتكم الأخوات من الأوجه الثلاثة . وكذلك الباقيات والعمة كل أنثى ولدها من ولد ذكراً ولدك والخالة كل أنثى ولدها من ولد أنثى ولدتك قريباً أو بعيداً ، وبنات الأخ وبنات الأخت تتناول القربى والبعدى .","part":1,"page":442},{"id":443,"text":"{ وأمهاتكم الْلاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأخواتكم مّنَ الرضاعة } نَزَّلَ الله الرضاعة منزلة النسب حتى سمى المرضعة أماً والمُرضَّعة أختاً ، وأمرها على قياس النسب باعتبار المرضعة ووالد الطفل الذي در عليه اللبن قال E : « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب » واستثناء أخت ابن الرجل وأم أخيه من الرضاع من هذا الأصل ليس بصحيح فإن حرمتهما من النسب بالمصاهرة دون النسب . { وأمهات نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتي فِي حُجُورِكُمْ مّن نِّسَائِكُمُ اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ } ذكر أولاً محرمات النسب ثم محرمات الرضاعة ، لأن لها لحمة كلحمة النسب ، ثم محرمات المصاهرة فإن تحريمهن عارض لمصلحة الزواج ، والربائب جمع ربيبة . والربيب ولد المرأة من آخر سمي به لأنه يربه كما يرب ولده في غالب الأمر ، فعيل بمعنى مفعول وإنما لحقه التاء لأنه صار اسماً ومن نسائكم متعلق بربائبكم ، واللاتي بصلتها صفة لها مقيدة للفظ والحكم بالإِجماع قضية للنظم ، ولا يجوز تعليقها بالأمهات أيضاً لأن من إذا علقتها بالربائب كانت ابتدائية ، وإذا علقتها بالأمهات لم يجز ذلك بل وجب أن يكون بياناً لنسائكم والكلمة الواحدة لا تحمل على معنيين عند جمهور الأدباء اللهم إذا جعلتها للاتصال كقوله :\rإِذَا حَاوَلْتَ فِي أَسَدٍ فُجُورا ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِني\rعلى معنى أن أمهات النساء وبناتهن متصلات بهن ، لكن الرسول A فرق بينهما فقال في رجل تزوج امرأة وطلقها قبل أن يدخل بها « إنه لا بأس أن يتزوج ابنتها ولا يحل له أن يتزوج أمها » وإليه ذهب عامة العلماء ، غير أنه روي عن علي رضي الله تعالى عنه تقييد التحريم فيهما . ولا يجوز أن يكون الموصول الثاني صفة للنساءين لأن عاملهما مختلف ، وفائدة قوله { فِي حُجُورِكُمْ } تقوية العلة وتكميلها ، والمعنى أن الربائب إذا دخلتم بأمهاتهن وهن في احتضانكم أو بصدده تقوى الشبه بينها وبين أولادكم وصارت أحقاء بأن تجروها مجراهم لا تقييد الحرمة ، وإليه ذهب جمهور العلماء . وقد روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه جعله شرطاً ، والأمهات والربائب يتناولان القريبة والبعيدة ، وقوله دخلتم بهن أي دخلتم معهن الستر وهي كناية عن الجماع ، ويؤثر في حرمة المصاهرة ما ليس بزنا كالوطء بشبهة ، أو ملك يمين . وعند أبي حنيفة لمس المنكوحة ونحوه كالدخول . { فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ } تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس . { وحلائل أَبْنَائِكُمُ } زوجاتهم ، سميت الزوجة حليلة لحلها أو لحلولها مع الزوج . { الذين مِنْ أصلابكم } احتراز عن المتبنين لا عن أبناء الولد { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأختين } في موضع الرفع عطفاً على المحرمات ، والظاهر أن الحرمة غير مقصورة على النكاح فإن المحرمات المعدودة كما هي محرمة في النكاح فهي محرمة في ملك اليمين ، ولذلك قال عثمان وعلي رضي الله تعالى عنهما : حرمتهما آية وأحلتهما آية ، يعنيان هذه الآية .","part":1,"page":443},{"id":444,"text":"وقوله : { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانكم } فرجح علي كرم الله وجهه التحريم ، وعثمان Bه التحليل . وقول علي أظهر لأن آية التحليل مخصوصة في غير ذلك ولقوله E \" ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام \" { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } استثناء من لازم المعنى ، أو منقطع معناه لكن ما قد سلف مغفور لقوله : { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } .\r{ والمحصنات مِنَ النساء } ذوات الأزواج ، أحصنهن التزويج أو الأزواج . وقرأ الكسائي بكسر الصاد في جميع القرآن لأنهن أحصن فروجهن . { إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم } يريد ما ملكت أيمانكم من اللاتي سبين ولهن أزواج كفار فهن حلال للسابين ، والنكاح مرتفع بالسبي لقول أبي سعيد رضي الله تعالى عنه : أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج كفار ، فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي A ، فنزلت الآية فاستحللناهن . وإياه عنى الفرزدق بقوله :\rوَذَات حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا ... حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ\rوقال أبو حنيفة لو سبي الزوجان لم يرتفع النكاح ولم تحل للسابي . وإطلاق الآية والحديث حجة عليه . { كتاب الله عَلَيْكُمْ } مصدر مؤكد ، أي كتب الله عليكم تحريم هؤلاء كتاباً . وقرىء «كتب» الله بالجمع والرفع أي هذه فرائض الله عليكم «وكتب الله» بلفظ الفعل . { وَأُحِلَّ لَكُمْ } عطف على الفعل المضمر الذي نصب كتاب الله وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم على البناء للمفعول عطفاً على { حرمت } . { مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ } ما سوى المحرمات الثمان المذكورة . وخص عنه بالسنة ما في معنى المذكورات كسائر محرمات الرضاع ، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها . { أَن تَبْتَغُواْ بأموالكم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مسافحين } مفعول له والمعنى أحل لكم ما وراء ذلكم إرادة أن تبتغوا النساء بأموالكم بالصرف في مهورهن ، أو أثمانهن في حال كونكم محصنين غير مسافحين ، ويجوز أن لا يقدر مفعول تبتغوا وكأنه قيل إرادة أن يصرفوا أموالكم محصنين غير مسافحين أو بدل مما وراء ذلك بدل لاشتمال . واحتج به الحنفية على أن المهر لا بد وأن يكون مالاً . ولا حجة فيه . والإِحصان العفة فإنها تحصين للنفس عن اللوم والعقاب ، والسفاح الزنا من السفح وهو صب المني فإنه الغرض منه . { فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ } فمن تمتعتم به من المنكوحات ، أو فما استمتعتم به منهن من جماع أو عقد عليهن . { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن فإن المهر في مقابلة الاستمتاع . { فَرِيضَةً } حال من الأجور بمعنى مفروضة ، أو صفة مصدر محذوف أي إيتاء مفروضاً أو مصدر مؤكد . { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفريضة } فيما يزاد على المسمى أو يحط عنه بالتراضي ، أو فيما تراضيا به من نفقة أو مقام أو فراق .","part":1,"page":444},{"id":445,"text":"وقيل : نزلت الآية في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت ، لما روي أنه E أباحها ثم أصبح يقول : « يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء ألا إن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة » وهي النكاح المؤقت بوقت معلوم سمي بها إذ الغرض منه مجرد الاستمتاع بالمرأة ، أو تمتيعها بما تعطي . وجوزها ابن عباس Bهما ثم رجع عنه . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بالمصالح . { حَكِيماً } فيما شرع من الأحكام .\r{ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً } غنى واعتلاء وأصله الفضل والزيادة . { أَن يَنكِحَ المحصنات المؤمنات } في موضع النصب بطولاً . أو بفعل مقدر صفة له أي ومن لم يستطع منكم أن يعتلي نكاح المحصنات ، أو من لم يستطع منكم غنى يبلغ به نكاح المحصنات يعني الحرائر لقوله : { فمن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فتياتكم المؤمنات } يعني الإِماء المؤمنات ، فظاهر الآية حجة للشافعي رضي الله تعالى عنه في تحريم نكاح الأمة على من ملك ما يجعله صداق حرة ، ومنع نكاح الأمة الكتابية مطلقاً . وأول أبو حنيفة C تعالى طول المحصنات بأن يملك فراشهن ، على أن النكاح هو الوطء وحمل قوله : { مّن فتياتكم المؤمنات } على الأفضل . كما حمل عليه في قوله : { المحصنات المؤمنات } ومن أصحابنا من حمله أيضاً على التقييد وجوز نكاح الأمة لمن قدر على الحرة الكتابية دون المؤمنة حذراً عن مخالطة الكفار وموالاتهم ، والمحذور في نكاح الأمة رق الولد ، وما فيه من المهانة ونقصان حق الزوج . { والله أَعْلَمُ بإيمانكم } فاكتفوا بظاهر الإِيمان فإنه العالم بالسرائر وبتفاضل ما بينكم في الإِيمان ، فرب أمة تفضل الحرة فيه ، ومن حقكم أن تعتبروا فضل الإِيمان لا فضل النسب ، والمراد تأنيسهم بنكاح الإِماء ومنعهم عن الاستنكاف منه ويؤيده . { بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ } أنتم وأرقاؤكم متناسبون نسبكم من آدم ودينكم الإِسلام . { فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ } يريد أربابهن واعتبار إذنهم مطلقاً لا إشعار له ، على أن لهن أن يباشرن العقد بأنفسهم حتى يحتج به الحنفية . { وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } أي أدوا إليهن مهورهن بإذن أهلهن فحذف ذلك لتقدم ذكره ، أو إلى مواليهن فحذف المضاف للعلم بأن المهر للسيد لأنه عوض حقه فيجب أن يؤدى إليه ، وقال مالك Bه : المهر للأمة ذهاباً إلى الظاهر { بالمعروف } بغير مطل وإضرار ونقصان . { محصنات } عفائف . { غَيْرَ مسافحات } غير مجاهرات بالسفاح . { وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } أخلاء في السر { فَإِذَا أُحْصِنَّ } بالتزويج . قرأ أبو بكر وحمزة بفتح الهمزة والصاد والباقون بضم الهمزة وكسر الصاد . { فَإِنْ أَتَيْنَ بفاحشة } زنى . { فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المحصنات } يعني الحرائر . { مّنَ العذاب } من الحد لقوله تعالى : { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين } وهو يدل على أن حد العبد نصف حد الحر ، وأنه لا يرجم لأن الرجم لا ينتصف .","part":1,"page":445},{"id":446,"text":"{ ذلك } أي نكاح الإِماء . { لِمَنْ خَشِيَ العنت مِنْكُمْ } لمن خاف الوقوع في الزنى ، وهو في الأصل انكسار العظم بعد الجبر ، مستعار لكل مشقة وضرر ولا ضرر أعظم من مواقعة الإِثم بأفحش القبائح . وقيل : المراد به الحد وهذا شرط آخر لنكاح الإِماء . { وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ } أي وصبركم عن نكاح الإِماء متعففين خير لكم . قال E « الحرائر صلاح البيت والإِماء هلاكه » . { والله غَفُورٌ } لمن لم يصبر . { رَّحِيمٌ } بأن رخص له .\r{ يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } ما تعبدكم به من الحلال والحرام ، أو ما خفي عنكم من مصالحكم ومحاسن أعمالكم ، وليبين مفعول يريد واللام زيدت لتأكيد معنى الاستقبال اللازم للإِرادة كما في قول قيس بن سعد :\rأَرَدْتُ لِكَيْمَا يَعْلَم النَّاس أَنَّه ... سَرَاويلُ قَيْسٍ وَالوُفُودُ شُهُودُ\rوقيل المفعول محذوف ، وليبين مفعول له أي يريد الحق لأجله . { وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الذين مِن قَبْلِكُمْ } مناهج من تقدمكم من أهل الرشد لتسلكوا طرقهم . { وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ } ويغفر لكم ذنوبكم ، أو يرشدكم إلى ما يمنعكم عن المعاصي ويحثكم على التوبة ، أو إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم . { والله عَلِيمٌ } بها { حَكِيمٌ } في وضعها .\r{ والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ } كرره للتأكيد والمبالغة . { وَيُرِيدُ الذين يَتَّبِعُونَ الشهوات } يعني الفجرة فإن اتباع الشهوات الائتمار لها ، وأما المتعاطي لما سوغه الشرع منها دون غيره فهو متبع له في الحقيقة لا لها . وقيل : المجوس . وقيل : اليهود فإنهم يحلون الأخوات من الأب وبنات الأخ وبنات الأخت . { أَن تَمِيلُواْ } عن الحق بموافقتهم على اتباع الشهوات واستحلال المحرمات . { مَيْلاً عَظِيماً } بالإِضافة إلى ميل من اقترف خطيئة على ندور غير مستحل لها .","part":1,"page":446},{"id":447,"text":"{ يُرِيدُ الله أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ } فلذلك شرع لكم الشرعة الحنيفية السمحة السهلة ، ورخص لكم في المضايق كإحلال نكاح الأمة . { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } لا يصبر عن الشهوات ولا يتحمل مشاق الطاعات . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ثمان آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت هذه الثلاث : { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } { وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } { وَمَا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ . }","part":1,"page":447},{"id":448,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل } بما لم يبحه الشرع كالغصب والربا والقمار . { إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة عَن تَرَاضٍ مّنْكُمْ } استثناء منقطع أي ، ولكن كون تجارة عن تراض غير منهي عنه ، أو اقصدوا كون تجارة . وعن تراض صفة لتجارة أي تجارة صادرة عن تراضي المتعاقدين ، وتخصيص التجارة من الوجوه التي بها يحل تناول مال الغير ، لأنها أغلب وأرفق لذوي المروءات ، ويجوز أن يراد بها الانتقال مطلقاً . وقيل : المراد بالنهي المنع عن صرف المال فيما لا يرضاه الله . وبالتجارة صرفه فيما يرضاه . وقرأ الكوفيون { تجارة } بالنصب على كان الناقصة وإضمار الإسم أي إلا أن تكون التجارة أو الجهة تجارة . { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } بالبخع كما تفعله جهلة الهند ، أو بإلقاء النفس إلى التهلكة . ويؤيده ما روي : أن عمرو بن العاص تأوله التيمم لخوف البرد فلم ينكر عليه النبي A أو بارتكاب ما يؤدي إلى قتلها . أو باقتراف ما يذلها ويرديها فإنه القتل الحقيقي للنفس . وقيل المراد بالأنفس من كان من أهل دينهم ، فإن المؤمنين كنفس واحدة . جمع في التوصية بين حفظ النفس والمال الذي هو شقيقها من حيث إنه سبب قوامها استبقاء لهم ريثما تستكمل النفوس ، وتستوفي فضائلها رأفة بهم ورحمة كمال أشار إليه بقوله : { إِنَّ الله كَانَ بِكُمْ رَحِيماً } أي أمر ما أمر ونهى عما نهى لفرط رحمته عليكم . وقيل : معناه إنه كان بكم يا أمة محمد رحيماً لما أمر بني إسرائيل بقتل الأنفس ونهاكم عنه .","part":1,"page":448},{"id":449,"text":"{ وَمَن يَفْعَلْ ذلك } إشارة إلى القتل ، أو ما سبق من المحرمات . { عدوانا وَظُلْماً } إفراطاً في التجاوز عن الحق وإتياناً بما لا يستحقه . وقيل أراد بالعدوان التعدي على الغير ، وبالظلم ظلم النفس بتعريضها للعقاب . { فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً } ندخله إياها . وقرىء بالتشديد من صلى ، وبفتح النون من صلاه يصليه . ومنه شاة مصلية ، ويصليه بالياء والضمير لله تعالى أو لذلك من حيث إنه سبب الصلي . { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } لا عسر فيه ولا صارف عنه .","part":1,"page":449},{"id":450,"text":"{ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } كبائر الذنوب التي نهاكم الله ورسوله عنها ، وقرىء كبير على إرادة الجنس . { نُكَفّرْ عَنْكُمْ سيئاتكم } نغفر لكم صغائركم ونمحها عنكم .\rواختلف في الكبائر ، والأقرب أن الكبير كل ذنب رتب الشارع عليه حداً أو صرح بالوعيد فيه . وقيل ما علم حرمته بقاطع . وعن النبي A « أنها سبع : الإشراك بالله ، وقتل النفس التي حرم الله ، وقذف المحصنة ، وأكل مال اليتيم ، والربا ، والفرار من الزحف ، وعقوق الوالدين » . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ( الكبائر إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ) . وقيل أراد به ههنا أنواع الشرك لقوله : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } وقيل صغر الذنوب وكبرها بالإِضافة إلى ما فوقها وما تحتها ، فأكبر الكبائر الشرك وأصغر الصغائر حديث النفس وبينهما وسائط يصدق عليها الأمران ، فمن عن له أمران منها ودعت نفسه إليها بحيث لا يتمالك فكفها عن أكبرها كفر عنه ما ارتكبه لما استحق من الثواب على اجتناب الأكبر . ولعل هذا مما يتفاوت باعتبار الأشخاص والأحوال ، ألا ترى أنه تعالى عاتب نبيه E في كثير من خطواته التي لم تعد على غيره خطيئة فضلاً عن أن يؤاخذه عليها . { وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً } الجنة وما وعد من الثواب ، أو إدخالاً مع كرامة . وقرأ نافع هنا وفي الحج بفتح الميم وهو أيضاً يحتمل المكان والمصدر .","part":1,"page":450},{"id":451,"text":"{ وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } من الأمور الدنيوية كالجاه والمال ، فلعل عدمه خير والمقتضي للمنع كونه ذريعة إلى التحاسد والتعادي ، معربة عن عدم الرضا بما قسم الله له ، وأنه تشه لحصول الشيء له من غير طلب وهو مذموم ، لأن تمني ما لم يقدر له معارضة لحكمة القدر ، وتمني ما قدر له بكسب بطالة وتضييع حظ ، وتمني ما قدر له بغير كسب ضائع ومحال . { لّلرّجَالِ نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبوا وَلِلنّسَاء نَصِيبٌ مّمَّا اكتسبن } بيان لذلك أي لكل من الرجال والنساء فضل ونصيب بسبب ما اكتسب ومن أجله ، فاطلبوا الفضل من الله تعالى بالعمل لا بالحسد ، والتمني كما قال E « ليس الإِيمان بالتمني » وقيل المراد نصيب الميراث وتفضيل الورثة بعضهم على بعض فيه ، وجعل ما قسم لكل منهم على حسب ما عرف من حاله الموجبة للزيادة والنقص كالمكتسب له . { واسألوا الله مِن فَضْلِهِ } أي لا تتمنوا ما للناس واسألوا الله مثله من خزائنه التي لا تنفذ . وهو يدل على أن المنهي عنه هو الحسد ، أو لا تتمنوا واسألوا الله من فضله بما يقربه ويسوقه إليكم . وقرأ ابن كثير والكسائي { واسألوا الله مِن فَضْلِهِ } وسلهم فسل الذين وشبهه إذا كان أمراً مواجهاً به ، وقبل السين واو أو فاء بغير همز وحمزة في الوقف على أصله والباقون بالهمز . { إِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً } فهو يعلم ما يستحقه كل إنسان فيفضل عن علم وتبيان . روي ( أن أم سلمة قالت : يا رسول الله يغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث ليتنا كنا رجالاً ) فنزلت .","part":1,"page":451},{"id":452,"text":"{ وَلِكُلٍ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون } أي ولكل تركة جعلنا وراثاً يلونها ويحرزونها ، ومما ترك بيان لكل مع الفصل بالعامل . أو لكل ميت جعلنا وراثاً مما ترك على أن من صلة موالي . لأنه في معنى الوارث ، وفي ترك ضمير كل والوالدان والأقربون استئناف مفسر للموالي ، وفيه خروج الأولاد فإن الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناول الوالدين ، أو لكل قوم جعلناهم موالي حظ مما ترك الوالدان والأقربون ، على إن جعلنا موالي صفة كل والراجع إليه محذوف على هذا فالجملة من مبتدأ وخبر . { والذين عَقَدَتْ أيمانكم } موالى الموالاة ، كان الحليف يورث السدس من مال حليفه فنسخ بقوله : { وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } وعن أبي حنيفة C تعالى : لو أسلم رجل على يد رجل وتعاقد على أن يتعاقلا ويتوارثا صح وورث . أو الأزواج على أن العقد عقد النكاح وهو مبتدأ ضمن معنى الشرط وخبره . { فَآتُوهُم نَصِيبَهُمْ } أو منصوب بمضمر يفسره ما بعده كقولك : زيداً فاضربه ، أو معطوف على الوالدان ، وقوله فآتوهم جملة مسببة عن الجملة المتقدمة مؤكدة لها ، والضمير للموالي . وقرأ الكوفيون { عَقَدَتْ } بمعنى عقدت عهودهم إيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه ثم حذف كما حذف في القراءة الأخرى . { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيداً } تهديد على منع نصيبهم .\r{ الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } يقومون عليهن قيام الولاة على الرعية ، وعلل ذلك بأمرين وهبي وكسبي فقال : { بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } بسبب تفضيله تعالى الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ، ومزيد القوة في الأعمال والطاعات ، ولذلك خصوا بالنبوة والإِمامة والولاية وإقامة الشعائر ، والشهادة في مجامع القضايا ، ووجوب الجهاد والجمعة ونحوها ، والتعصيب وزيادة السهم في الميراث والاستبداد بالفراق . { وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أموالهم } في نكاحهن كالمهر والنفقة . روي « ( أن سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار نشزت عليه امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير ، فلطمها فانطلق بها أبوها إلى رسول الله A فشكى فقال رسول الله A : لتقتص منه ، فنزلت فقال E : أردنا أمراً وأراد الله أمراً والذي أراد الله خير » { فالصالحات قانتات } مطيعات لله قائمات بحقوق الأزواج . { حافظات لّلْغَيْبِ } لمواجب الغيب أي يحفظن في غيبة الأزواج ما يجب حفظه في النفس والمال ، وعنه E : « خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك ، وإن أمرتها أطاعتك ، وإن غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها » وتلا الآية . وقيل لأسرارهم . { بِمَا حَفِظَ الله } بحفظ الله إياهن بالأمر على حفظ الغيب والحث عليه بالوعد والوعيد والتوفيق له ، أو بالذي حفظه الله لهن عليهم من المهر والنفقة والقيام بحفظهن والذب عنهن .","part":1,"page":452},{"id":453,"text":"وقرىء { بِمَا حَفِظَ الله } بالنصب على أن ما موصولة فإنها لو كانت مصدرية لم يكن لحفظ فاعل ، والمعنى بالأمر الذي حفظ حق الله وطاعته وهو التعفف والشفقة على الرجال . { واللاتى تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } عصيانهن وترفعهن عن مطاوعة الأزواج من النشز . { فَعِظُوهُنَّ واهجروهن فِي المضاجع } في المراقد فلا تدخلوهن تحت اللحف ، أو لا تباشروهن فيكون كناية عن الجماع . وقيل المضاجع المبايت أي لا تباينوهن { واضربوهن } يعني ضرباً غير مبرح ولا شائن ، والأمور الثلاثة مرتبة ينبغي أن يتدرج فيها . { فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً } بالتوبيخ والإِيذاء ، والمعنى فأزيلوا عنهن التعرض واجعلوا ما كان منهن كأن لم يكن فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له { إِنَّ الله كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً } فاحذروه فإنه أقدر عليكم منكم على من تحت أيديكم ، أو أنه على علو شأنه يتجاوز عن سيئاتكم ويتوب عليكم فأنتم أحق بالعفو عن أزواجكم ، أو أنه يتعالى ويتكبر أن يظلم أحداً أو ينقص حقه .\r{ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } خلافاً بين المرأة وزوجها ، أضمرها وإن لم يجر ذكرهما لجرى ما يدل عليهما وإضافة الشقاق إلى الظرف إما لإجرائه مجرى المفعول به كقوله : يَا سَارِقَ اللَّيْلَةَ أَهْلَ الدَّارِ أو لفاعل كقولهم نهارك صائم . { فابعثوا حَكَماً مّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مّنْ أَهْلِهَا } فابعثوا أيها الحكام متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر أو إصلاح ذات البين ، رجلاً وسطاً يصلح للحكومة والإِصلاح من أهله وآخر من أهلها ، فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح ، وهذا على وجه الاستحباب فلو نصبا من الأجانب جاز . وقيل الخطاب للأزواج والزوجات ، واستدل به على جواز التحكيم ، والأظهر أن النصب لإصلاح ذات البين أو لتبيين الأمر ولا يليان الجمع والتفريق إلا بإذن الزوجين ، وقال مالك لهما أن يتخالعا إن وجدا الصلاح فيه . { إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفّقِ الله بَيْنَهُمَا } الضمير الأول للحكمين والثاني للزوجين ، أي إن قصدا الإِصلاح أوقع الله بحسن سعيهما الموافقة بين الزوجين . وقيل كلاهما للحكمين أي إن قصدا الإِصلاح يوفق الله بينهما لتتفق كلمتهما ويحصل مقصودهما . وقيل للزوجين أي إن أرادا الإصلاح وزوال الشقاق أوقع الله بينهما الألفة والوفاق ، وفيه تنبيه على أن من أصلح نيته فيما يتحراه أصلح الله مبتغاه . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً خَبِيراً } بالظواهر والبواطن ، فيعلم كيف يرفع الشقاق ويوقع الوفاق .\r{ واعبدوا الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } صنماً أو غيره ، أو شيئاً من الإِشراك جلياً أو خفياً { وبالوالدين إحسانا } وأحسنوا بهما إحساناً . { وَبِذِي القربى } وبصاحب القرابة . { واليتامى والمساكين والجار ذِي القربى } أي الذي قرب جواره . وقيل الذي له الجوار قرب واتصال بنسب أو دين . وقرىء بالنصب على الاختصاص تعظيماً لحقه . { والجار الجنب } البعيد ، أو الذي لا قرابة له . وعنه E :","part":1,"page":453},{"id":454,"text":"\" الجيران ثلاثة . فجار له ثلاثة حقوق : حق الجوار ، وحق القرابة ، وحق الإِسلام . وجار له حقان : حق الجوار وحق الإِسلام ، وجار له حق واحد : حق الجوار وهو المشرك من أهل الكتاب \" { والصاحب بالجنب } الرفيق في أمر حسن كتعلم وتصرف وصناعة وسفر ، فإنه صحبك وحصل بجنبك . وقيل المرأة . { وابن السبيل } المسافر أو الضعيف . { وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم } العبيد والإِماء . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً } متكبراً يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه ولا يلتفت إليهم . { فَخُوراً } يتفاخر عليهم .\r{ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } بدل من قوله من كان ، أو نصب على الذم أو رفع عليه أي هم الذين ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره الذين يبخلون بما منحوا به ويأمرون الناس بالبخل به . وقرأ حمزة والكسائي ههنا وفي «الحديد» { بالبخل } بفتح الحرفين وهي لغة . { وَيَكْتُمُونَ مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } الغنى والعلم فهم أحقاء بكل ملامة . { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } وضع الظاهر فيه موضع المضمر إشعاراً بأن من هذا شأنه فهو كافر لنعمة الله ، وما كان كافراً لنعمة الله فله عذاب يهينه كما أهان النعمة بالبخل والإِخفاء . والآية نزلت في طائفة من اليهود كانوا يقولون للأنصار تنصيحاً : لا تنفقوا أموالكم فإنا نخشى عليكم الفقر . وقيل في الذين كتموا صفة محمد A .","part":1,"page":454},{"id":455,"text":"{ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم رِئَاء الناس } عطف على الذين يبخلون ، أو الكافرين . وإنما شاركهم في الذم والوعيد لأن البخل والسرف الذي هو الإِنفاق لا على من ينبغي من حيث إنهما طرفا إفراط وتفريط سواء في القبح واستجلاب الذم ، أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله : { وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً } . { وَلاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر } ليتحروا بالإِنفاق مراضيه وثوابه وهم مشركو مكة . وقيل هم المنافقون . { وَمَن يَكُنِ الشيطان لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً } تنبيه على أن الشيطان قرنهم فحملهم على ذلك وزينة لهم كقوله تعالى : { إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } والمراد إبليس وأعوانه الداخلة والخارجة ، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بأن يقرن بهم الشيطان في النار .","part":1,"page":455},{"id":456,"text":"{ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الآخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } أي وما الذي عليهم ، أو أي تبعة تحيق بهم بسبب الإِيمان والإِنفاق في سبيل الله ، وهو توبيخ لهم على الجهل بمكان المنفعة والاعتقاد في الشيء على خلاف ما هو عليه ، وتحريض على الفكر لطلب الجواب لعله يؤدي بهم إلى العلم بما فيه من الفوائد الجليلة ، والعوائد الجميلة . وتنبيه على أن المدعو إلى أمر لا ضرر فيه ينبغي أن يجيب إليه احتياطاً ، فكيف إذا تضمن المنافع . وإنما قدم الإِيمان ها هنا وأخره في الآية لأخرى لأن القصد بذكره إلى التخصيص ها هنا والتعليل ثم { وَكَانَ الله بِهِم عَلِيماً } وعيد لهم .","part":1,"page":456},{"id":457,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } لا ينقص من الأجر ولا يزيد في العقاب أصغر شيء كالذرة ، وهي النملة الصغيرة . ويقال لكل جزء من أجزاء الهباء ، والمثقال مفعال من الثقل ، وفي ذكره إيماء إلى أنه وإن صغر قدره عظم جزاؤه . { وَإِن تَكُ حَسَنَةً } وإن يكن مثقال الذرة حسنة وأنت الضمير لتأنيث الخبر ، أو لإضافة المثقال إلى مؤنث . وحذف النون من غير قياس تشبيهاً بحروف العلة . وقرأ بن كثير ونافع { حَسَنَةٌ } بالرفع على كان التامة . { يضاعفها } يضاعف ثوابها وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب يضعفها وكلاهما بمعنى . { وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ } ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل زائداً على ما وعد في مقابلة العمل { أَجْراً عَظِيماً } عطاء جزيلاً ، وإنما سماه أجراً لأنه تابع للأجر مزيد عليه .","part":1,"page":457},{"id":458,"text":"{ فَكَيْفَ } أي فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود والنصارى وغيرهم؟ . { إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم ، والعامل في الظرف مضمون المبتدأ والخبر من هول الأمر وتعظيم الشأن . { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد . { على هَؤُلاء شَهِيداً } تشهد على صدق هؤلاء الشهداء لعلمك بعقائدهم ، واستجماع شرعك مجامع قواعدهم . وقيل هؤلاء إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم . وقيل إلى المؤمنين كقوله تعالى : { لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض } بيان لحالهم حينئذ ، أي يود الذين جمعوا بين الكفر وعصيان الأمر ، أو الكفرة والعصاة في ذلك الوقت أن يدفنوا فتسوى بهم الأرض كالموتى ، أو لم يبعثوا أو لم يخلقوا وكانوا هم والأرض سواء . { وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً } ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم . وقيل الواو للحال أي يودون أن تسوى بهم الأرض وحالهم أنهم لا يكتمون من الله حديثاً ولا يكذبونه بقولهم { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } إذ روي : أنهم إذا قالوا ختم الله على أفواههم فتشهد عليهم جوارحهم ، فيشتد الأمر عليهم فيتمنون أن تسوى بهم الأرض . وقرأ نافع وابن عامر { تسوى بِهِمُ } على أن أصله تتسوى فأدغمت التاء في السين . وقرأ حمزة والكسائي { تسوى } على حذف التاء الثانية يقال سويته فتسوى .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنتُمْ سكارى حتى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ } أي لا تقوموا إليها وأنتم سكارى من نحو نوم أو خمر حتى تنتهوا وتعلموا ما تقولون في صلاتكم . روي ( أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه صنع مأدبة ودعا نفراً من الصحابة حين كانت الخمر مباحة فأكلوا وشربوا حتى ثملوا ، وجاء وقت صلاة المغرب فتقدم أحدهم ليصلي بهم فقرأ : أعبد ما تعبدون ) . فنزلت . وقيل أراد بالصلاة مواضعها وهي المساجد وليس المراد منه نهي السكران عن قربان الصلاة ، وإنما المراد النهي عن الإِفراط في الشرب والسكر ، من السكر وهو السد . وقرىء { سكارى } بالفتح وسكرى على أنه جمه كهلكى . أو مفرد بمعنى وأنتم قوم سكرى ، أو جماعة سكرى وسكرى كحبلى على أنها صفة للجماعة . { وَلاَ جُنُباً } عطف على قوله { وَأَنتُمْ سكارى } إذ الجملة في موضع النصب على الحال ، والجنب الذي أصابته الجنابة ، يستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع ، لأنه يجرى مجرى المصدر . { إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ } متعلق بقوله { وَلاَ جُنُباً } ، استثناء من أعم الأحوال أي لا تقربوا الصلاة جنباً في عامة الأحوال إلا في السفر وذلك إذا لم يجد الماء وتيمم ، ويشهد له تعقيبه بذكر التيمم ، أو صفة لقوله { جُنُباً } أي جنباً غير عابري سبيل .","part":1,"page":458},{"id":459,"text":"وفيه دليل على أن التيمم لا يرفع الحدث . ومن فسر الصلاة بمواضعها فسر عابري سبيل بالمجتازين فيها ، وجوز الجنب عبور المسجد . وبه قال الشافعي Bه . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : لا يجوز له المرور في المسجد إلا إذا كان فيه الماء أو الطريق . { حتى تَغْتَسِلُواْ } غاية النهي عن القربان حال الجنابة ، وفي الآية تنبيه على أن المصلي ينبغي أن يتحرز عما يلهيه ويشغل قلبه ، ويزكي نفسه عما يجب تطهيرها عنه . { وَإِنْ كُنتُم مرضى } مرضاً يخاف معه من استعمال الماء ، فإن الواجد كالفاقد . أو مرضاً يمنعه عن الوصول إليه . { أَوْ على سَفَرٍ } لا تجدونه فيه . { أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط } فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين ، وأصل الغائط المكان المطمئن من الأرض . { أَوْ لامستم النساء } أو ما مسستم بشرتهن ببشرتكم ، وبه استدل الشافعي على أن اللمس ينقض الوضوء . وقيل : أو جامعتموهن . وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي المائدة «لمستم» ، واستعماله كناية عن الجماع أقل من الملامسة . { فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء } فلم تتمكنوا من استعماله ، إذ الممنوع عنه كالمفقود . ووجه هذا التقسيم أن المترخص بالتيمم إما محدث أو جنب ، والحالة المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر . والجنب لما سبق ذكره اقتصر على بيان حاله والمحدث لما لم يجر ذكره ذكر من أسبابه ما يحدث بالذات وما يحدث بالعرض ، واستغني عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب وبيان العذر مجملاً فكأنه قيل : وإن كنتم جنباً مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء { فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } . أي فتعمدوا شيئاً من وجه الأرض طاهراً . ولذلك قالت الحنفية : لو ضرب المتيمم يده على حجر صلد ومسح به أجزأه . وقال أصحابنا لا بد من أن يعلق باليد شيء من التراب لقوله تعالى في المائدة { فامسحوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مّنْهُ } أي بعضه ، وجعل من لابتداء الغاية تعسف إذ لا يفهم من نحو ذلك إلا التبعيض ، واليد اسم للعضو إلى المنكب ، وما روي أنه E تيمم ومسح يديه إلى مرفقيه ، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ها هنا { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } . { إِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً } فلذلك يسر الأمر عليكم ورخص لكم .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ } من رؤية البصر أي ألم تنظر إليهم ، أو القلب . وعدي بإلى لتضمن معنى الانتهاء . { نَصِيباً مّنَ الكتاب } حظاً يسيراً من علم التوراة لأن المراد أحبار اليهود . { يَشْتَرُونَ الضلالة } يختارونها على الهدى ، أو يستبدلونها به بعد تمكنهم منه ، أو حصوله لهم بإنكار نبوة محمد A . وقيل : يأخذون الرشى ويحرفون التوراة . { وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ } أيها المؤمنون . { السبيل } سبيل الحق .\r{ والله أَعْلَمُ } منكم . { بِأَعْدَائِكُمْ } وقد أخبركم بعداوة هؤلاء وما يريدون بكم فاحذروهم .","part":1,"page":459},{"id":460,"text":"{ وكفى بالله وَلِيّاً } يلي أمركم . { وكفى بالله نَصِيراً } يعينكم فثقوا عليه واكتفوا به عن غيره . والباء تزاد في فاعل كفى لتوكيد الاتصال الإِسنادي بالاتصال الإِضافي .\r{ مّنَ الذين هَادُواْ يُحَرّفُونَ } بيان للذين أوتوا نصيباً فإنه يحتملهم وغيرهم ، وما بينهما اعتراض أو بيان لأعدائكم أو صلة لنصيراً . أي ينصركم من الذين هادوا ويحفظكم منهم ، أو خبر محذوف صفته يحرفون . { الكلم عَن مواضعه } أي من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها بإزالته عنها وإثبات غيره فيها . أو يؤولونه على ما يشتهون فيميلونه عما أنزل الله فيه . وقرىء الكلم بكسر الكاف وسكون اللام جمع كلمة تخفيف كلمة . { وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا } قولك . { وَعَصَيْنَا } أمرك . { واسمع غَيْرَ مُسْمَعٍ } أي مدعوا عليك بلا سمعت لصمم أو موت ، أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه ، أو اسمع غير مسمع كلاماً ترضاه ، أو اسمع كلامًا غير مسمع إياك لأن أذنك تنبو عنه فيكون مفعولاً به ، أو اسمع غير مسمع مكروهاً من قولهم أسمعه فلان إذا سبه ، وإنما قالوه نفاقاً . { وراعنا } انظرنا نكلمك أو نفهم كلامك . { لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ } فتلا بها وصرفا للكلام إلى ما يشبه السب ، حيث وضعوا راعنا المشابه لما يتسابون به موضع انظرنا وغير مسمع موضع لا أسمعت مكروهاً ، أو فتلا بها وضماً لما يظهرون من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرون من السب والتحقير نفاقاً . { وَطَعْناً فِي الدين } استهزاء به وسخرية . { وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا واسمع وانظرنا } ولو ثبت قولهم هذا مكان ما قالوه . { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ } لكان قولهم ذلك خيراً لهم وأعدل ، وإنما يجب حذف الفعل بعد لو في مثل ذلك لدلالة أن عليه ووقوعه موقعه . { وَلَكِن لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ } ولكن خذلهم الله وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم . { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا إيماناً قليلاً لا يعبأ به وهو الإِيمان ببعض الآيات والرسل ، ويحتمل أن يراد بالقلة العدم كقوله :\rقَلِيلُ التَشَكِّي لِلْمُهِم يَصِيبُه ... أَو إِلا قليلاً منهم آمنوا أو سيؤمنون\r{ يَأَيُّهَا الذين أُوتُواْ الكتاب ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ مّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا على أدبارها } من قبل أن نمحو تخطيط صورها ونجعلها على هيئة أدبارها ، يعني الأقفاء ، أو ننكسها إلى ورائها في الدنيا ، أو في الآخرة . وأصل الطمس إزالة الأعلام المائلة وقد يطلق بمعنى الطلس في إزالة الصورة ولمطلق القلب والتغيير ، ولذلك قيل معناه من قبل أن نغير وجوهاً فنسلب وجاهتها وإقبالها ونكسوها الصغار والإِدبار ، أو نردها إلى حيث جاءت منه ، وهي أذرعات الشام يعني إجلاء بني النضير ، ويقرب منه قول من قال إن المراد بالوجوه الرؤساء ، أو من قبل أن نطمس وجوهاً بأن نعمي الأبصار عن الاعتبار ونصم الأسماع عن الإِصغاء إلى الحق بالطبع ونردها عن الهداية إلى الضلالة .","part":1,"page":460},{"id":461,"text":"{ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أصحاب السبت } أو نخزيهم بالمسخ كما أخزينا به أصحاب السبت ، أو نمسخهم مسخاً مثل مسخهم ، أو نلعنهم على لسانك كما لعناهم على لسان داود . والضمير لأصحاب الوجوه أو للذين على طريقة الالتفات ، أو للوجوه إن أريد به الوجهاء ، وعطفه على الطمس بالمعنى الأول يدل على أن المراد به ليس مسخ الصورة في الدنيا ومن حمل الوعيد على تغيير الصورة في الدنيا قال إنه بعد مترقب أو كان وقوعه مشروطاً بعدم إيمانهم وقد آمن منهم طائفة . { وَكَانَ أَمْرُ الله } بإيقاع شيء أو وعيده ، أو ما حكم به وقضاه . { مَفْعُولاً } نافذاً وكائناً فيقع لا محالة ما أوعدتم به إن لم تؤمنوا .\r{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } لأنه بت الحكم على خلود عذابه وأن ذنبه لا ينمحي عنه أثره فلا يستعد للعفو بخلاف غيره . { وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ } أي ما دون الشرك صغيراً كان أو كبيراً . { لِمَن يَشَاء } تفضلاً عليه وإحساناً . والمعتزلة علقوه بالفعلين على معنى إن الله لا يغفر الشرك لمن يشاء . وهو من لم يتب ويغفر ما دونه لمن يشاء وهو من تاب . وفيه تقييد بلا دليل إذ ليس عموم آيات الوعيد بالمحافظة أولى منه ونقض لمذهبهم فإن تعليق الأمر بالمشيئة ينافي وجوب التعذيب قبل التوبة والصفح بعدها ، فالآية كما هي حجة عليهم فهي حجة على الخوارج الذين زعموا أن كل ذنب شرك وأن صاحبه خالد في النار . { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً } ارتكب ما يستحقر دونه الآثام ، وهو إشارة إلى المعنى الفارق بينه وبين سائر الذنوب ، والافتراء كما يطلق على القول يطلق على الفعل وكذلك الاختلاق .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } يعني أهل الكتاب قالوا { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } وقيل : « ناس من اليهود جاؤوا بأطفالهم إلى رسول الله A فقالوا : هل على هؤلاء ذنب قال لا قالوا : والله ما نحن إلا كهيئتهم ما عملنا بالنهار كفر عنا بالليل ، وما عملنا بالليل كفر عنا بالنهار » وفي معناهم من زكى نفسه وأثنى عليها . { بَلِ الله يُزَكّي مَن يَشَاء } تنبيه على أن تزكيته تعالى هي المعتد بها دون تزكية غيره ، فإنه العالم بما ينطوي عليه الإِنسان من حسن وقبيح ، وقد ذمهم وزكى المرتضين من عباده المؤمنين . وأصل التزكية نفي ما يستقبح فعلاً أو قولاً . { وَلاَ يُظْلَمُونَ } بالذم أو العقاب على تزكيتهم أنفسهم بغير حق . { فَتِيلاً } أدنى ظلم وأصغره ، وهو الخيط الذي في شق النواة يضرب به المثل في الحقارة .\r{ انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } في زعمهم أنهم أبناء الله وأزكياء عنده . { وكفى بِهِ } بزعمهم هذا أو بالافتراء . { إِثْماً مُّبِيناً } لا يخفى كونه مأثماً من بين آثامهم .","part":1,"page":461},{"id":462,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت } نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعوهم إليه محمد . وقيل في حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف في جمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشاً على محاربة رسول الله A فقالوا : أنتم أهل كتاب وأنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا . والجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله . وقيل أصله الجبس وهو الذي لا خير فيه فقلبت سينه تاء . والطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره . { وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } لأجلهم وفيهم . { هَؤُلاء } إشارة إليهم . { أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً } أقوم ديناً وأرشد طريقاً .\r{ أُوْلَئِكَ الذين لَعَنَهُمُ الله وَمَن يَلْعَنِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً } يمنع العذاب منه بشفاعة أو غيرها .\r{ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مّنَ الملك } أم منقطعة ومعنى الهمزة إنكار أن يكون لهم نصيب من الملك وجحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم . { فَإِذاً لاَّ يُؤْتُونَ الناس نَقِيراً } أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحداً ما يوازي نقيرا ، وهو النقرة في ظهر النواة . وهذا هو الإغراق في بيان شحهم فإنهم إن بخلوا بالنقير وهم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا فقراء أذلاء متفاقرين ، ويجوز أن يكون المعنى إنكار أنهم أوتوا نصيباً من الملك على الكناية ، وأنهم لا يؤتون الناس شيئاً وإذا وقع بعد الواو والفاء لا لتشريك مفرد جاز فيه الإلغاء والإِعمال ، ولذلك قرىء فإذاً لا يؤتوا الناس على النصب .","part":1,"page":462},{"id":463,"text":"{ أَمْ يَحْسُدُونَ الناس } بل أيحسدون رسول الله A وأصحابه ، أو العرب ، أو الناس جميعاً لأن من حسد على النبوة فكأنما حسد الناس كلهم كمالهم . ورشدهم وبخعهم وأنكر عليهم الحسد كما ذمهم على البخل وهما شر الرذائل وكأن بينهما تلازماً وتجاذباً . { على مَا ءاتاهم الله مِن فَضْلِهِ } يعني النبوة والكتاب والنصرة والإِعزاز وجعل النبي الموعود منهم . { فَقَدْ ءَاتَيْنَا ءالَ إبراهيم } الذين هم أسلاف محمد A وأبناء عمه . { الكتاب والحكمة } النبوة . { وَآتَيْنَاهُمْ مُلكاً عَظِيماً } فلا يبعد أن يؤتيه الله مثل ما آتاهم .","part":1,"page":463},{"id":464,"text":"{ فَمِنْهُمْ } من اليهود . { مَنْ ءامَنَ بِهِ } بمحمد A أو بما ذكر من حديث آل إبراهيم . { وَمِنْهُمْ مَّن صَدَّ عَنْهُ } أعرض عنه ولم يؤمن به وقيل معناه فمن آل إبراهيم من آمن به ومنهم من كفر ولم يكن في ذلك توهين أمره فكذلك لا يوهن كفر هؤلاء أمرك . { وكفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً } ناراً مسعورة يعذبون بها أي إن لم يعجلوا بالعقوبة فقد كفاهم ما أعد لهم من سعير جهنم .","part":1,"page":464},{"id":465,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بئاياتنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً } كالبيان والتقرير لذلك . { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } بأن يعاد ذلك الجلد بعينه على صورة أخرى كقولك : بدلت الخاتم قرطاً ، أو بأن يزال عنه أثر الإِحراق ليعود إحساسه للعذاب كما قال : { لِيَذُوقُواْ العذاب } أي ليدوم لهم ذوقه . وقيل يخلق لهم مكانه جلد آخر والعذاب في الحقيقة للنفس العاصية المدركة لا لآلة إدراكها فلا محذور . { إِنَّ الله كَانَ عَزِيزاً } لا يمتنع عليه ما يريده . { حَكِيماً } يعاقب على وفق حكمته .","part":1,"page":465},{"id":466,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً } قدم ذكر الكفار ووعيدهم على ذكر المؤمنين ووعدهم لأن الكلام فيهم ، وذكر المؤمنين بالعرض . { لَّهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً } فينانا لا جوب فيه ودائماً لا تنسخه الشمس ، وهو إشارة إلى النعمة التامة الدائمة . والظليل صفة مشتقة من الظل لتأكيده كقولهم : شمس شامس وليل أليل ويوم أيوم .\r{ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات إِلَى أَهْلِهَا } خطاب يعم المكلفين والأمانات ، وإن نزلت يوم الفتح في عثمان بن طلحة بن عبد الدار لما أغلق باب الكعبة ، وأبى أن يدفع المفتاح ليدخل فيها رسول الله وقال : لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه فلوى علي كرم الله وجهه يده وأخذه منه وفتح ، فدخل رسول الله A وصلى ركعتين فلما خرج سأله العباس Bه أن يعطيه المفتاح ويجمع له السقاية والسدانة . فنزلت فأمره الله أن يرده إليه ، فأمر علياً Bه أن يرده ويعتذر إليه ، وصار ذلك سبباً لإِسلامه ونزل الوحي بأن السدانة في أولاده أبداً { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناس أَن تَحْكُمُواْ بالعدل } أي وأن تحكموا بالإِنصاف والسوية إذا قضيتم بين من ينفذ عليه أمركم ، أو يرضى بحكمكم ولأن الحكم وظيفة الولاة قيل الخطاب لهم . { إِنَّ الله نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ } أي نعم شيئاً يعظكم به ، أو نعم الشيء الذي يعظكم به فما منصوبة موصوفة بيعظكم به . أو مرفوعة موصولة به . والمخصوص بالمدح محذوف وهو المأمور به من أداء الأمانات والعدل في الحكومات . { إِنَّ الله كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً } بأقوالكم وأحكامكم وما تفعلون في الأمانات .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِي الأمر مِنْكُمْ } يريد بهم أمراء المسلمين في عهد الرسول A وبعده ، ويندرج فيهم الخلفاء والقضاة وأمراء السرية . أمر الناس بطاعتهم بعدما أمرهم بالعدل تنبيهاً على أن وجوب طاعتهم ما داموا على الحق . وقيل علماء الشرع لقوله تعالى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الامر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } { فَإِن تَنَازَعْتُمْ } أنتم وأولو الأمر منكم . { فِي شَيْءٍ } من أمور الدين ، وهو يؤيد الوجه الأول إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس إلا أن يقال الخطاب لأولي الأمر على طريقة الالتفات . { فَرُدُّوهُ } فراجعوا فيه . { إِلَى الله } إلى كتابه . { والرسول } بالسؤال عنه في زمانه ، والمراجعة إلى سنته بعده . واستدل به منكرو القياس وقالوا : إنه تعالى أوجب رد المختلف إلى الكتاب والسنة دون القياس . وأجيب بأن رد المختلف إلى المنصوص عليه إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه وهو القياس ، ويؤيد ذلك الأمر به بعد الأمر بطاعة الله وطاعة رسوله فإنه يدل على أن الأحكام ثلاثة مثبت بالكتاب ومثبت بالسنة ومثبت بالرد إليهما على وجه القياس .","part":1,"page":466},{"id":467,"text":"{ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } فَإِن الإِيمان يوجب ذلك . { ذلك } أي الرد . { خَيْرٌ } لكم . { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبة أو أحسن تأويلاً من تأويلكم بلا رد .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطاغوت } عن ابن عباس Bهما . \" أن منافقاً خاصم يهودياً فدعاه اليهودي إلى النبي A ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ثم إنهما احتكما إلى رسول الله A ، فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه وقال : نتحاكم إلى عمر فقال اليهودي لعمر : قضى لي رسول الله A فلم يرض بقضائه وخاصم إليك ، فقال عمر رضي الله تعالى عنه للمنافق : أكذلك . فقال نعم . فقال : مكانكما حتى أخرج إليكما ، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج فضرب به عنق المنافق حتى برد وقال : هكذا أقضي لمن يرضَ بقضاء الله ورسوله \" فنزلت . وقال جبريل إن عمر قد فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق ، والطاغوت على هذا كعب بن الأشرف وفي معناه من يحكم بالباطل ويؤثر لأجله ، سمي بذلك لفرط طغيانه أو لتشبهه بالشيطان ، أو لأن التحاكم إليه تحاكم إلى الشيطان من حيث إنه الحامل عليه كما قال . { وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشيطان أَن يُضِلَّهُمْ ضلالا بَعِيداً } وقرىء أن «يكفروا بها» على أن الطاغوت جمع كقوله تعالى { أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُم } { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول } وقرىء { تَعَالَوْاْ } بضم اللام على أنه حذف لام الفعل اعتباطاً ثم ضم اللام لواو الضمير . { رَأَيْتَ المنافقين يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً } هو مصدر أو اسم للمصدر الذي هو الصد ، والفرق بينه وبين السد أنه غير محسوس والسد محسوس ويصدون في موضع الحال .\r{ فَكَيْفَ } يكون حالهم . { إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ } كقتل عمر المنافق أو النقمة من الله تعالى . { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } من التحاكم إلى غيرك وعدم الرضى بحكمك . { ثُمَّ جَاؤُوكَ } حين يصابون للاعتذار ، عطف على أصابتهم . وقيل على يصدون وما بينهما اعتراض . { يَحْلِفُونَ بالله } حال . { إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً } ما أردنا بذلك إلا الفصل بالوجه الأحسن والتوفيق بين الخصمين ، ولم نرد مخالفتك . وقيل جاء أصحاب القتيل طالبين بدمه وقالوا ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أن يحسن إلى صاحبنا ويوفق بينه وبين خصمه .","part":1,"page":467},{"id":468,"text":"{ أُولَئِكَ الذين يَعْلَمُ الله مَا فِي قُلُوبِهِمْ } من النفاق فلا يغني عنهم الكتمان والحلف الكاذب من العقاب . { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم . { وَعِظْهُمْ } بلسانك وكفهم عما هم عليه . { وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ } أي في معنى أنفسهم أو خالياً بهم فإن النصح في السر أنجع . { قَوْلاً بَلِيغاً } يبلغ منهم ويؤثر فيهم ، أمرهم بالتجافي عن ذنوبهم والنصح لهم والمبالغة فيه بالترغيب والترهيب ، وذلك مقتضى شفقة الأنبياء عليهم السلام ، وتعليق الظرف ببليغا على معنى بليغاً في أنفسهم مؤثراً فيها ضعيف لأن معمول الصفة لا يتقدم على الموصوف ، والقول البليغ في الأصل هو الذي يطابق مدلوله المقصود به .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ الله } بسبب إذنه في طاعته وأمره المبعوث إليهم بأن يطيعوه ، وكأنه احتج بذلك على أن الذي لم يرض بحكمه وإن أظهر الإسلام كان كافراً مستوجب القتل ، وتقريره أن إرسال الرسول لما لم يكن إلا ليطاع كان من لم يطعه ولم يرض بحكمه لم يقبل رسالته ومن كان كذلك كان كافراً مستوجب القتل . { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالنفاق أو التحاكم إلى الطاغوت . { جاؤوكَ } تائبين من ذلك وهو خبر أن وإذ متعلق به . { جَاءوكَ فاستغفروا الله } بالتوبة والإِخلاص . { واستغفر لَهُمُ الرسول } واعتذروا إليك حتى انتصبت لهم شفيعاً ، وإنما عدل الخطاب تفخيماً لشأنه وتنبيهاً على أن من حق الرسول أن يقبل اعتذار التائب وإن عظم جرمه ويشفع له ، ومن منصبه أن يشفع في كبائر الذنوب . { لَوَجَدُواْ الله تَوَّاباً رَّحِيماً } لعلموه قابلاً لتوبتهم متفضلاً عليهم بالرحمة ، وإن فسر وجد بصادف كان تواباً حالاً ورحيماً بدلاً منه أو حالاً من الضمير فيه .\r{ فَلاَ وَرَبّكَ } أي فوربك ، ولا مزيدة لتأكيد القسم لا لتظاهر لا في قوله : { لاَ يُؤْمِنُونَ } لأنها تزاد أيضاً في الإثبات كقوله تعالى : { لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد } { حتى يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } فيما اختلف بينهم واختلط ومنه الشجر لتداخل أغصانه . { ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِى أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مّمَّا قَضَيْتَ } ضيقاً مما حكمت به ، أو من حكمك أو شكاً من أجله ، فإن الشاك في ضيق من أمره . { وَيُسَلّمُواْ تَسْلِيماً } وينقادوا لك انقياداً بظاهرهم وباطنهم .\r{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقتلوا أَنفُسَكُمْ } تعرضوا بها للقتل في الجهاد ، أو اقتلوها كما قتل بنو إسرائيل وأن مصدرية أو مفسرة لأن كتبنا في معنى أمرنا . { أَوِ اخرجوا مِن دياركم } خروجهم حين استتيبوا من عبادة العجل ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب أن اقتلوا بكسر النون على أصل التحريك ، أو اخرجوا بضم الواو للاتباع والتشبيه بواو الجمع في نحو قوله تعالى : { وَلاَ تَنسَوُوا الفضل } وقرأ حمزة وعاصم بكسرهما على الأصل والباقون بضمهما إجراء لهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل .","part":1,"page":468},{"id":469,"text":"{ وَمَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } إلا أناس قليل وهم المخلصون . لما بين أن إيمانهم لا يتم إلا بأن يسلموا حق التسليم ، نبه على قصور أكثرهم ووهن إسلامهم ، والضمير للمكتوب ودل عليه كتبنا ، أو لأحد مصدري الفعلين وقرأ ابن عامر بالنصب على الاستثناء أو على إلا فعلاً قليلاً . { وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ } من متابعة الرسول A مطاوعته طوعاً ورغبة . { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } في عاجلهم وآجلهم . { وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً } في دينهم لأنه أشد لتحصيل العلم ونفي الشك أو تثبيتاً لثواب أعمالهم ونصبه على التمييز . والآيه أيضاً مما نزلت في شأن المنافق اليهودي . وقيل إنها والتي قبلها نزلتا في حاطب بن أبي بلتعة خاصم زبيراً في شراج من الجرة كانا يسقيان بها النخل ، فقال E : « اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك ، فقال حاطب : لأن كان ابن عمتك . فقال E أسق يا زبير ثم احبس الماء إلى الجدر واستوف حقك ، ثم أرسله إلى جارك » { وإذالآتيناهم مّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيماً } جواب لسؤال مقدر كأنه قيل؛ وما يكون لهم بعد التثبيت فقال وإذا لو تثبتوا لآتيناهم لأن { إِذَا } جواب وجزاء .\r{ ولهديناهم صراطا مُّسْتَقِيماً } يصلون بسلوكه جناب القدس ويفتح عليهم أبواب الغيب ، قال النبي A « من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم » { وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } مزيد ترغيب في الطاعة بالوعد عليها مرافقة أكرم الخلائق وأعظمهم قدراً . { مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين } بيان للذين أو حال منه ، أو من ضميره قسمهم أربعة أقسام بحسب منازلهم في العلم والعمل ، وحث كافة الناس على أن لا يتأخروا عنهم ، وهم : الأنبياء الفائزون بكمال العلم والعمل المتجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل . ثم الصديقون الذين صعدت نفوسهم تارة بمراقي النظر في الحجج والآيات وأخرى بمعارج التصفية والرياضات إلى أوج العرفان ، حتى اطلعوا على الأشياء وأخبروا عنها على ما هي عليها . ثم الشهداء الذين أدى بهم الحرص على الطاعة والجد في إظهار الحق حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله تعالى . ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته . ولك أن تقول المنعم عليهم هم العارفون بالله وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان . والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريباً وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أولاً فيكونون كمن يرى الشيء بعيداً وهم الصديقون ، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة وهم العلماء الراسخون في العلم الذين هم شهداء الله في أرضه ، وإما أن يكون بأمارات وإقناعات تطمئن إليها نفوسهم وهم الصالحون .","part":1,"page":469},{"id":470,"text":"{ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } في معنى التعجب ، و { رفيقاً } في معنى التعجب ، ورفيقاً نصب على التمييز أو الحال ولم يجمع لأنه يقال للواحد والجمع كالصديق ، أو لأنه أريد وحسن كل واحد منهم رفيقاً . روي أن ثوبان مولى رسول الله A أتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه ، فسأله عن حاله فقال : ما بي من وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، ثم ذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك لأني عرفت أنك ترتفع مع النبيين وإن أدخلت الجنة كنت في منزل دون منزلك ، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبداً فنزلت .\r{ ذَلِكَ } مبتدأ إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم ، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم . { الفضل } صفته . { مِنَ الله } خبره أو الفضل خبره ومن الله حال والعامل فيه معنى الإِشارة . { وكفى بالله عَلِيماً } بجزاء من أطاعه ، أو بمقادير الفضل واستحقاق أهله .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ } تيقظوا واستعدوا للأعداء ، والحذر والحذر كالأثر والأثر . وقيل ما يحذر به كالحزم والسلاح . { فانفروا } فاخرجوا إلى الجهاد . { ثُبَاتٍ } جماعات متفرقة ، جمع ثبة من ثبيت على فلان تثبية إذا ذكرت متفرق محاسنه ويجمع أيضاً على ثبين جبراً لما حذف من عجزه . { أَوِ انفروا جَمِيعاً } مجتمعين كوكبة واحدة ، والآية وإن نزلت في الحرب لكن يقتضي إطلاق لفظها وجوب المبادرة إلى الخيرات كلها كيفما أمكن قبل الفوات .\r{ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ } الخطاب لعسكر رسول الله A المؤمنين منهم والمنافقين والمبطئون منافقوهم تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد ، من بطأ بمعنى أبطأ وهو لازم أو ثبطوا غيرهم كما ثبط ابن أبي ناساً يوم أحد ، من بطأ منقولاً من بطؤ كثقل من ثقل واللام الأولى للابتداء دخلت اسم إن للفصل بالخبر ، والثانية جواب قسم محذوف والقسم بجوابه صلة من والراجع إليه ما استكن في ليبطئن والتقدير : وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن . { فَإِنْ أصابتكم مُّصِيبَةٌ } كقتل وهزيمة . { قَالَ } أي المبطىء . { قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } حاضراً فيصيبني ما أصابهم .\r{ وَلَئِنْ أصابكم فَضْلٌ مِنَ الله } كفتح وغنيمة . { لَّيَقُولَنَّ } أكده تنبيهاً على فرط تحسره ، وقرىء بضم اللام إعادة للضمير إلى معنى { مِنْ } . { كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ } اعتراض بين الفعل ومفعوله وهو . { ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً } للتنبيه على ضعف عقيدتهم ، وأن قولهم هذا قول من لا مواصلة بينكم وبينه ، وإنما يريد أن يكون معكم لمجرد المال ، أو حال من الضمير في ليقولن أو داخل في المقول أي يقول المبطىء لمن يبطئه من المنافقين ، وضعفه المسلمين تضريباً وحسداً ، كأن لم يكن بينكم وبين محمد A مودة حيث لم يستعن بكم فتفوزوا بما فازيا ليتني كنت معهم . وقيل : إنه متصل بالجملة الأولى وهو ضعيف ، إذ لا يفصل أبعاض الجملة بما لا يتعلق بها لفظاً ومعنى وكأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن وهو محذوف . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب { تَكُنْ } بالتاء لتأنيث لفظ المودة ، والمنادى في يا ليتني محذوف أي : يا قوم وقيل يا أطلق للتنبيه على الاتساع فأفوز نصب على جواب التمني وقرىء بالرفع على تقدير فأنا أفوز في ذلك الوقت ، أو العطف على كنت .","part":1,"page":470},{"id":471,"text":"{ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله الذين يَشْرُونَ الحياة الدنيا بالآخرة } أي الذين يبيعونها بها ، والمعنى إن بطأ هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة ، أو الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون ، والمعنى حثهم على ترك ما حكي عنهم . { وَمَن يقاتل فِى سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } وعد له الأجر العظيم غَلَبَ أو غُلِبَ ، ترغيباً في القتال وتكذيباً لقولهم { قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَّعَهُمْ شَهِيداً } وإنما قال { فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ } تنبيهاً على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين ، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل ، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين .\r{ وَمَا لَكُمْ } مبتدأ وخبر . { لاَ تقاتلون فِي سَبِيلِ الله } حال والعامل فيها ما في الظرف من معنى الفعل . { والمستضعفين } عطف على اسم الله تعالى أي وفي سبيل المستضعفين ، وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدو ، أو على سبيل بحذف المضاف أي وفي خلاص المستضعفين ، ويجوز نصبه على الاختصاص فإن سبيل الله تعالى يعم أبواب الخير ، وتخليص ضعفة المسلمين من أيدي الكفار أعظمها وأخصها . { مِنَ الرجال والنساء والولدان } بيان للمستضعفين وهم المسلمون الذين بقوا بمكة لصد المشركين ، أو ضعفهم عن الهجرة مستذلين ممتحنين ، وإنما ذكر الولدان مبالغة في الحث وتنبيهاً على تناهي ظلم المشركين بحيث بلغ أذاهم الصبيان ، وأن دعوتهم أجيبت بسبب مشاركتهم في الدعاء حتى يشاركوا في استنزال الرحمة واستدفاع البلية . وقيل المراد به العبيد والإِماء وهو جمع وليد . { الذين يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذه القرية الظالم أَهْلُهَا واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً واجعل لَّنَا مِن لَّدُنْكَ نَصِيراً } فاستجاب الله دعاءهم بأن يسر لبعضهم الخروج إلى المدينة وجعل لمن بقي منهم خير ولي وناصر بفتح مكة على نبيه A ، فتولاهم ونصرهم ثم استعمل عليهم عتاب بن أسيد فحماهم ونصرهم حتى صاروا أعز أهلها ، والقرية مكة والظالم صفتها ، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا جرى على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه .","part":1,"page":471},{"id":472,"text":"{ الذين ءامَنُواْ يقاتلون فِي سَبِيلِ الله } فيما يصلون به إلى الله سبحانه وتعالى . { والذين كَفَرُواْ يقاتلون فِي سَبِيلِ الطاغوت } فيما يبلغ بهم إلى الشيطان . { فقاتلوا أَوْلِيَاء الشيطان } لما ذكر مقصد الفريقين أمر أولياءه أن يقاتلوا أولياء الشيطان ثم شجعهم بقوله : { إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً } أي إن كيده للمؤمنين بالإِضافة إلى كيد الله سبحانه وتعالى للكافرين . ضعيف لا يؤبه به فلا تخافوا أولياءه ، فإن اعتمادهم على أضعف شيء وأوهنه .","part":1,"page":472},{"id":473,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ } أي عن القتال . { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } واشتغلوا بما أمرتم به . { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله } يخشون الكفار أن يقتلوهم كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه ، وإذا للمفاجأة جواب لما وفريق مبتدأ منهم صفته ويخشون خبره وكخشية الله من إضافة المصدر إلى المفعول ، وقع موقع المصدر أو الحال من فاعل يخشون على معنى ، يخشون الناس مثل أهل خشية الله منه . { أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } عطف عليه إن جعلته حالاً وإن جعلته مصدراً فلا ، لأن أفعل التفضيل إذا نصب ما بعده لم يكن من جنسه بل هو معطوف على اسم الله تعالى أي : وكخشية الله تعالى أو كخشية أشد خشية منه ، على الفرض اللهم إلا أن تجعل الخشية ذات خشية كقولهم : جد جده على معنى يخشون الناس خشية مثل خشية الله تعالى ، أو خشية أشد خشية من خشية الله . { وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } استزادة في مدة الكف عن القتال حذراً عن الموت ، ويحتمل أنهم ما تفوهوا به ولكن قالوه في أنفسهم فحكى الله تعالى عنهم . { قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ } سريع التقضي { والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً } أي ولا تنقصون أدنى شيء من ثوابكم فلا ترغبوا عنه ، أو من آجالكم المقدرة . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي { وَلاَ يُظْلَمُونَ } لتقدم الغيبة .","part":1,"page":473},{"id":474,"text":"{ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت } قرىء بالرفع على حذف الفاء كما في قوله :\rمَنْ يَفْعَلِ الحَسَناتِ الله يَشْكُرُهَا . أو على أنه كلام مبتدأ ، وأينما متصل ب { لاَ تُظْلَمُونَ } . { وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ } في قصور أو حصون مرتفعة ، والبروج في الأصل بيوت على أطراف القصور ، من تبرجت المرأة إذا ظهرت . وقرىء مشيدة بكسر الياء وصفاً لها بوصف فاعلها كقولهم : قصيدة شاعرة ، ومشيدة من شاد القصر إذا رفعه . { وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَقُولُواْ هذه مِنْ عِندِكَ } كما تقع الحسنة والسيئة على الطاعة والمعصية يقعان على النعمة والبلية ، وهما المراد في الآية أي : وإن تصبهم نعمة كخصب نسبوها إلى الله سبحانه وتعالى ، وإن تصبهم بلية كقحط ضافوها إِليك وقالوا إن هي إلا بشؤمك كما قالت اليهود : منذ دخل محمد المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها . { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } أي يبسط ويقبض حسب إرادته . { فَمَالِ هَؤُلاء القوم لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً } يوعظون به ، وهو القرآن فإنهم لو فهموه وتدبروا معانيه لعلموا أن الكل من عند الله سبحانه وتعالى ، أو حديثاً ما كبهائم لا أفهام لها أو حادثاً من صروف الزمان فيفتكرون فيه فيعملون أن القابض والباسط هو الله سبحانه وتعالى .","part":1,"page":474},{"id":475,"text":"{ مَا أَصَابَكَ } يا إنسان . { مِنْ حَسَنَةٍ } من نعمة . { فَمِنَ الله } أي تفضلاً منه ، فإن كل ما يفعله الإِنسان من الطاعة لا يكافىء نعمة الوجود ، فكيف يقتضي غيره ، ولذلك قال E : « ما يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله تعالى . قيل ولا أنت قال : ولا أنا » { وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ } من بلية . { فَمِن نَّفْسِكَ } لأنها السبب فيها لاستجلابها بالمعاصي ، وهو لا ينافي قوله سبحانه وتعالى : { قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ الله } فإن الكل منه إيجاداً وإيصالاً غير أن الحسنة إحسان وامتنان والسيئة مجازاة وانتقام كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها « ما من مسلم يصيبه وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها وحتى انقطاع شسع نعله إلا بذنب وما يعفو الله أكثر » والآيتان كما ترى لا حجة فيهما لنا وللمعتزلة . { وأرسلناك لِلنَّاسِ رَسُولاً } حال قصد بها التأكيد إن علق الجار بالفعل والتعميم إن علق بها أي رسولاً للناس جميعاً كقوله تعالى : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } ويجوز نصبه على المصدر كقوله : ولا خَارِجاً مِنْ فيَّ زُور كَلاَمِ . { وكفى بالله شَهِيداً } على رسالتك بنصب المعجزات .","part":1,"page":475},{"id":476,"text":"{ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } لأنه E في الحقيقة مبلغ ، والأمر هو الله سبحانه وتعالى . روي ( أنه E قال : « من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله » فقال : المنافقون لقد قارف الشرك وهو ينهى عنه ، ما يريد إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى رباً ) فنزلت . { وَمَن تولى } عن طاعته . { فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها ، إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب وهو حال من الكاف .","part":1,"page":476},{"id":477,"text":"{ وَيَقُولُونَ } إذا أمرتهم بأمر . { طَاعَةٌ } أي أمرنا أو منا طاعة ، وأصلها النصب على المصدر ورفعها للدلالة على الثبات . { فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ } خرجوا . { بَيَّتَ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ غَيْرَ الذي تَقُولُ } أي زورت خلاف ما قلت لها ، أو ما قالت لك من القبول وضمان الطاعة ، والتبييت إما من البيتوتة لأن الأمور تدبر بالليل ، أو من بيت الشعر ، أو البيت المبني لأنه يسوي ويدبر . وقرأ أبو عمرو وحمزة { بَيَّتَ طَائِفَةٌ } بالإِدغام لقربهما في المخرج . { والله يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ } يثبته في صحائفهم للمجازاة ، أو في جملة ما يوحى إليك لتطلع على أسرارهم . { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } قلل المبالاة بهم أو تجاف عنهم . { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } في الأمور كلها سيما في شأنهم . { وكفى بالله وَكِيلاً } يكفيك مضرتهم وينتقم لك منهم .","part":1,"page":477},{"id":478,"text":"{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان } يتأملون في معانيه ويتبصرون ما فيه ، وأصل التدبر النظر في أدبار الشيء . { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله } أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار . { لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً } من تناقض المعنى وتفاوت النظم ، وكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً ، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل ، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض ، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض ، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية . ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح .","part":1,"page":478},{"id":479,"text":"{ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مّنَ الأمن أَوِ الخوف } مما يوجب الأمن أو الخوف . { أَذَاعُواْ بِهِ } أفشوه كما كان يفعله قوم من ضعفة المسلمين إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله A ، أو أخبرهم الرسول A بما أوحي إليه من وعد بالظفر ، أو تخويف من الكفرة أذاعوا به لعدم حزمهم فكانت إذاعتهم مفسدة . والباء مزيدة أو لتضمن الإِذاعة معنى التحدث . { وَلَوْ رَدُّوهُ } أي ولو ردوا ذَلك الخبر . { إِلَى الرسول وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ } إلى رأيه ورأي كبار أصحابه البصراء بالأمور ، أو الأمراء . { لَعَلِمَهُ } لَعلم ما أخبروا به على أي وجه يذكر . { الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } يستخرجون تدابيره بتجاربهم وأنظارهم . وقيل كانوا يسمعون أراجيف المنافقين فيذيعونها فتعود وبالاً على المسلمين ، ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم حتى يسمعوه منهم وتعرفوا أنه هل يذاع لعلم ذلك من هؤلاء الذين يستنبطونه من الرسول وأولي الأمر أي : يستخرجون علمه من جهتهم ، وأصل الاستنباط إخراج النبط : وهو الماء ، يخرج من البئر أول ما يحفر . { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بإرسال الرسول وإنزال الكتاب . { لاَتَّبَعْتُمُ الشيطان } والكفر والضلال . { إِلاَّ قَلِيلاً } أي إِلا قليلاً منكم تفضل الله عليه بعقل راجح اهتدى به إلى الحق والصواب ، وعصمه عن متابعة الشيطان كزيد بن عمرو بن نفيل ، وورقة بن نوفل . أو إلا اتباعاً قليلاً على الندور .","part":1,"page":479},{"id":480,"text":"{ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله } أن تثبطوا وتركوك وحدك . { لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ } إلا فعل نفسك لا يضرك مخالفتهم وتقاعدهم ، فتقدم إلى الجهاد وإن لم يساعدك أحد فإن الله ناصرك لا الجنود . روي \" أنه E دعا الناس في بدر الصغرى إلى الخروج فكرهه بعضهم فنزلت . فخرج E وما معه إلا سبعون لم يلو على أحدٍ \" وقرىء لا { تُكَلَّف } بالجزم ، و «لا نكلف» بالنون على بناء الفاعل أي لا نكلفك إلا فعل نفسك ، لا أنا لا نكلف أحداً إلا نفسك لقوله : { وَحَرّضِ المؤمنين } على القتال إذ ما عليك في شأنهم إلا التحريض { عَسَى الله أَن يَكُفَّ بَأْسَ الذين كَفَرُواْ } يعني قريشاً ، وقد فعل بأن ألقى في قلوبهم الرعب حتى رجعوا . { والله أَشَدُّ بَأْساً } من قريش . { وَأَشَدُّ تَنكِيلاً } تعذيباً منهم ، وهو تقريع وتهديد لمن لم يتبعه .","part":1,"page":480},{"id":481,"text":"{ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً } راعى بها حق مسلم ودفع بها عنه ضراً أو جلب إليه نفعاً ابتغاء لوجه الله تعالى ، ومنها الدعاء لمسلم قال E : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولك مثل ذلك » { يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا } وهو ثواب الشفاعة والتسبب إلى الخير الواقع بها . { وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً } يريد بها محرماً . { يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } نصيب من وزرها مساوٍ لها في القدر . { وَكَانَ الله على كُلّ شَيْءٍ مُّقِيتاً } مقتدراً من أقات على الشيء إذا قدر قال :\rوَذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُغْنَ عَنْه ... وَكُنْتُ عَلَى مَسَاءَتِهِ مُقِيتا\rأو شهيداً حافظاً ، واشتقاقه من القوت فإنه يقوي البدن ويحفظه .","part":1,"page":481},{"id":482,"text":"{ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } الجمهور على أنه في السلام ، ويدل على وجوب الجواب إما بأحسن منه وهو أن يزيد عليه ورحمة الله ، فإن قاله المسلم زاد وبركاته وهي النهاية وإما برد مثله لما روي « أن رجلاً قال لرسول الله A : السلام عليك . فقال : وعليك السلام ورحمة الله . وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله فقال : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته . وقال آخر : السلام عليك ورحمة الله وبركاته . فقال : وعليك . فقال الرجل : نقصتني فأين ما قال الله تعالى وتلا الآية . فقال A : إنك لم تترك لي فضلاً فردت عليك مثله » . وذلك لاستجماعه أقسام المطالب السالمة عن المضار وحصول المنافع وثباتها ومنه قيل ، أو للترديد بين أن يحيي المسلم ببعض التحية وبين أن يحيي بتمامها ، وهذا الوجوب على الكفاية وحيث السلام مشروع فلا يرد في الخطبة ، وقراءة القرآن ، وفي الحمام ، وعند قضاء الحاجة ونحوها . والتحية في الأصل مصدر حياك الله على الإِخبار من الحياة ، ثم استعمل للحكم والدعاء بذلك ، ثم قيل لكل دعاء فغلب في السلام . وقيل المراد بالتحية العطية وواجب الثواب أو الرد على المتهب ، وهو قول قديم للشافعي رضي الله تعالى عنه . { إِنَّ الله كَانَ على كُلّ شَيْءٍ حَسِيباً } يحاسبكم على التحية وغيرها . { الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ } مبتدأ وخبر ، أو { الله } مبتدأ والخبر { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } أي الله ، والله ليحشرنكم من قبوركم إلى يوم القيامة ، أو مفضين إليه أو في يوم القيامة ، ولا إله إلا هو ، اعتراض . والقيام والقيامة كالطلاب والطلابة وهي قيام الناس من القبور أو للحساب . { لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو في الجمع فهو حال من اليوم ، أو صفة للمصدر { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله حَدِيثاً } إنكار أن يكون أحد أكثر صدقاً منه ، فإنه لا يتطرق الكذب إلى خبره بوجه لأنه نقص وهو على الله محال .","part":1,"page":482},{"id":483,"text":"{ فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين } فما لكم تفرقتم في أمر المنافقين . { فِئَتَيْنِ } أي فرقتين ولم تتفقوا على كفرهم ، وذلك أن ناساً منهم استأذنوا رسول الله A في الخروج إلى البدو لاجتواء المدينة ، فلما خرجوا لم يزالوا رحلين مرحلة مرحلة حتى لحقوا بالمشركين ، فاختلف المسلمون في إسلامهم . وقيل نزلت في المتخلفين يوم أحد ، أو في قوم هاجروا ثم رجعوا معتلين باجتواء المدينة والاشتياق إلى الوطن ، أو قوم أظهروا الإِسلام وقعدوا عن الهجرة . و { فِئَتَيْنِ } حال عاملها لكم كقولك : ما لك قائماً . و { فِي المنافقين } حال من { فِئَتَيْنِ } أي متفرقتين فيهم ، أو من الضمير أي فما لكم تفترقون فيهم ، ومعنى الافتراق مستفاد من { فِئَتَيْنِ } . { والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُواْ } ردهم إلى حكم الكفرة ، أو نكسهم بأن صيرهم للنار . وأصل الركس رد الشيء مقلوباً . { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله } أن تجعلوه من المهتدين . { وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } إلى الهدى .","part":1,"page":483},{"id":484,"text":"{ وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ } تمنوا أن تكفروا ككفرهم . { فَتَكُونُونَ سَوَاء } فتكونون معهم سواء في الضلال ، وهو عطف على تكفرون ولو نصب على جواب التمني لجاز . { فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حتى يُهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ الله } فلا توالوهم حتى يؤمنوا وتتحققوا إيمانهم بهجرة هي لله ورسوله لا لأغراض الدنيا ، وسبيل الله ما أمر بسلوكه . { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإِيمان الظاهر بالهجرة أو عن إظهار الإِيمان . { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } كسائر الكفرة . { وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } أي جانبوهم رأساً ولا تقبلوا منهم ولاية ولا نصرة .","part":1,"page":484},{"id":485,"text":"{ إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ ميثاق } استثناء من قوله فخذوهم واقتلوهم أي : إلا الذين يتصلون وينتهون إلى قوم عاهدوكم ، ويفارقون محاربتكم . والقوم هم خزاعة . وقيل : هم الأسلميون فإنه E وادع وقت خروجه إلى مكة هلال بن عويمر الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ، ومن لجأ إليه فله من الجوار مثل ماله . وقيل بنو بكر بن زيد مناة . { أَوْ جَاؤُوكُمْ } عطف على الصلة ، أي أو الذين جاؤوكم كافين عن قتالكم وقتال قومهم ، استثنى من المأمور بأخذهم وقتلهم من ترك المحاربين فلحق بالمعاهدين ، أو أتى الرسول A وكف عن قتال الفريقين ، أو على صفة وكأنه قيل : إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين ، أو قوم كافين عن القتال لكم وعليكم . والأول أظهر لقوله فإن اعتزلوكم . وقرىء بغير العاطف على أنه صفة بعد صفة أو بيان ليصلون أو استئناف . { حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ } حال بإضمار قد ويدل عليه أنه قرىء «حصرة صدورهم» وحصرات صدورهم ، أو بيان لجاءوكم وقيل صفة محذوف أي جاؤوكم قوماً حصرت صدورهم ، وهم بنو مدلج جاءوا رسول الله A غير مقاتلين والحصر الضيق والانقباض . { أَن يقاتلوكم أَوْ يقاتلوا قَوْمَهُمْ } أي عن أن أو لأن أو كراهة أن يقاتلوكم . { وَلَوْ شَاء الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ } بأن قوى قلوبهم وبسط صدورهم وأزال الرعب عنهم . { فلقاتلوكم } ولم يكفوا عنكم . { فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يقاتلوكم } فإن لم يتعرضوا لكم . { وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السلم } الاستسلام والانقياد . { فَمَا جَعَلَ الله لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً } فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم .","part":1,"page":485},{"id":486,"text":"{ سَتَجِدُونَ ءاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } هم أسد وغطفان ، وقيل بنو عبد الدار أتوا المدينة وأظهروا الإسلام ليأمنوا المسلمين فلما رجعوا كفروا . { كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة } دعوا إلى الكفر وإلى قتال المسلمين . { أُرْكِسُواْ فِيِهَا } عادوا إليها وقلبوا فيها أقبح قلب . { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السلم } وينبذوا إليكم العهد . { وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } عن قتالكم . { فَخُذُوهُمْ واقتلوهم حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ } حيث تمكنتم منهم فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض . { وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سلطانا مُّبِيناً } حجة واضحة في التعرض لهم بالقتل والسبي لظهور عداوتهم ووضوح كفرهم وغدرهم ، أو تسلطاً ظاهراً حيث أذناً لكم في قتلهم .\r{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ } وما صح له وليس من شأنه . { أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً } بغير حق . { إِلاَّ خَطَأً } فإنه على عرضته ، ونصبه على الحال أو المفعول له أي : لا يقتله في شيء من الأحوال إلا حال الخطأ ، أو لا يقتله لعلة إلا للخطأ أو على أنه صفة مصدر محذوف أي قتلاً خطأ . وقيل { مَا كَانَ } نفي في معنى النهي ، والاستثناء منقطع أي لكن إن قتله خطأ فجزاؤه ما يذكر ، والخطأ ما لا يضامه القصد إلى الفعل أو الشخص أو لا يقصد به زهوق الروح غالباً ، أو لا يقصد به محظور كرمي مسلم في صف الكفار مع الجهل بإسلامه ، أو يكون فعل غير المكلف . وقرىء { خطاء } بالمد و { خطا } كعصا بتخفيف الهمزة ، والآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخي أبي جهل من الأم ، لقي حارث بن زيد في طريق وكان قد أسلم ولم يشعر به عياش فقتله . { وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليه أو فواجبه تحرير رقبة ، والتحرير الإعتاق ، والحر كالعتيق للكريم من الشيء ومنه حر الوجه لأكرم موضع منه ، سمي به لأن الكرم في الأحرار واللؤم في العبيد ، والرقبة عبر بها عن النسمة كما عبر عنها بالرأس . { مُؤْمِنَةٍ } محكوم بإسلامها وإن كانت صغيرة . { وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ } مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كسائر المواريث ، لقول ضحاك بن سفيان الكلابي : ( كتب إليَّ رسول الله A يأمرني أن أورث امرأة أشيم الضبابي من عقل زوجها ) . وهي على العاقلة فإن لم تكن فعلى بيت المال ، فإن لم يكن ففي ماله . { إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } إلا أن يتصدقوا عليه بالدية . سمي العفو عنها صدقة حثاً عليه وتنبيهاً على فضله ، وعن النبي A : « كل معروف صدقة » وهو متعلق بعليه ، أو بمسلمة أي تجب الدية عليه أو يسلمها إلى أهله إلا حال تصدقهم عليه . أو زمانه فهو في محل النصب على الحال من القاتل أو الأهل أو الظرف .","part":1,"page":486},{"id":487,"text":"{ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } أي فإن كان المؤمن المقتول من قوم كفار محاربين ، أو في تضاعيفهم ولم يعلم إيمانه فعلى قاتله الكفارة دون الدية لأهله إذ لا وراثة بينه وبينهم ولأنهم محاربون . { وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً } أي وإن كان من قوم كفرة معاهدين ، أو أهل الذمة فحكمه حكم المسلمين في وجوب الكفارة والدية ولعله فيما إذا كان المقتول معاهداً ، أو كان له وارث مسلم . { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } رقبة بأن لم يملكها ولا ما يتوصل به إليها . { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } فعليه أو فالواجب عليه صيام شهرين متتابعين . { تَوْبَةً } نصب على المفعول له أي شرع ذلك توبة ، من تاب الله عليه إذا قبل توبته . أو على المصدر أي وتاب الله عليكم توبة أو الحال بحذف مضاف أي فعليه صيام شهرين ذا توبة . { مِنَ الله } صفتها . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بحاله . { حَكِيماً } فيما أمر في شأنه .\r{ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً } لما فيه من التهديد العظيم . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما . \" لا تقبل توبة قاتل المؤمن عمداً \" ولعله أراد به التشديد إذ روي عنه خلافه . والجمهور على أنه مخصوص بمن لم يتب لقوله تعالى : { وَإِنّي لَغَفَّارٌ لّمَن تَابَ } ونحوه وهو عندنا إما مخصوص بالمستحل له كما ذكره عكرمة وغيره ، ويؤيده أنه نزل في مقيس بن ضبابة وجد أخاه هشاماً قتيلاً في بني النجار ولم يظهر قاتله ، فأمرهم رسول الله A أن يدفعوا إليه ديته فدفعوا إليه ثم حمل على مسلم فقتله ورجع إلى مكة مرتداً ، أو المراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله } سافرتم وذهبتم للغزو . { فَتَبَيَّنُواْ } فاطلبوا بيان الأمر وثباته ولا تعجلوا فيه . وقرأ حمزة والكسائي «فتثبتوا» في الموضعين هنا ، وفي «الحجرات» من التثبت . { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام } لمن حياكم بتحية الإسلام . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة السلم بغير الألف أي الاستسلام والانقياد وفسر به السلام أيضاً . { لَسْتَ مُؤْمِناً } وإنما فعلت ذلك متعوذاً . وقرىء { مُؤْمِناً } بالفتح أي مبذولاً له الأمان . { تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحياة الدنيا } تطلبون ماله الذي هو حطام سريع النفاذ ، وهو حال من الضمير في تقولوا مشعر بما هو الحامل لهم على العجلة وترك التثبت . { فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ } لكم . { كَثِيرَةٍ } نغنيكم عن قتل أمثاله لماله . { كذلك كُنتُمْ مّن قَبْلُ } أي أول ما دخلتم في الإِسلام تفوهتم بكلمتي الشهادة فحصنت بها دماؤكم وأموالكم من غير أن يعلم مواطأة قلوبكم ألسنتكم .","part":1,"page":487},{"id":488,"text":"{ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ } بالاشتهار بالإِيمان والاستقامة في الدين . { فَتَبَيَّنُواْ } وافعلوا بالداخلين في الإِسلام كما فعل الله بكم ، ولا تبادروا إلى قتلهم ظناً بأنهم دخلوا فيه اتقاء وخوفاً ، فإن إبقاء ألف كافر أهون عند الله من قتل امرىء مسلم . وتكريره تأكيد لتعظيم الأمر وترتيب الحكم على ما ذكر من حالهم . { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } عالماً به وبالغرض منه فلا تتهافتوا في القتل واحتاطوا فيه . روي ( أن سرية رسول الله A غزت أهل فدك فهربوا وبقي مرداس ثقة بإسلامه ، فلما رأى الخيل ألجأ غنمه إلى عاقول من الجبل وصعد ، فلما تلاحقوا به وكبروا كبر ونزل وقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله السلام عليكم فقتله أسامة واستاق غنمه ) وقيل نزلت في المقداد مر برجل في غنيمة فأراد قتله فقال : لا إله إلا الله . فقتله وقال : ود لو فر بأهله وماله . وفيه دليل على صحة إيمان المكره وأن المجتهد قد يخطىء وأن خطأه مغتفر .\r{ لاَّ يَسْتَوِي القاعدون } عن الحرب . { مِنَ المؤمنين } في موضع الحال من القاعدين أو من الضمير الذي فيه . { غَيْرُ أُوْلِي الضرر } بالرفع صفة للقاعدون لأنه لم يقصد به قوم بأعيانهم أو بدل منه . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالنصب على الحال أو الاستثناء . وقرىء بالجر على أنه صفة للمؤمنين أو بدل منه . وعن زيد بن ثابت أنها نزلت ولم يكن فيها غير أولي الضرر فقال ابن أم مكتوم : وكيف وأنا أعمى فغشي رسول الله A في مجلسه الوحي ، فوقعت فخذه على فخذي حتى خشيت أن ترضها ثم سري عنه فقال اكتب { لاَّ يَسْتَوِى القاعدون مِنَ المؤمنين غَيْرُ أُوْلِي الضرر } { والمجاهدون فِي سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أي لا مساواة بينهم وبين من قعد عن الجهاد من غير علة . وفائدته تذكير ما بينهما من التفاوت ليرغب القاعد في الجهاد رفعاً لرتبته وأنفة عن انحطاط منزلته . { فَضَّلَ الله المجاهدين بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً } جملة موضحة لما نفي الاستواء فيه والقاعدون على التقييد السابق ، ودرجة نصب بنزع الخافض أي بدرجة أو على المصدر لأنه تضمن معنى التفضيل ووقع موقع المرة منه ، أو الحال بمعنى ذوي درجة . { وَكُلاًّ } من القاعدين والمجاهدين . { وَعَدَ الله الحسنى } المثوبة الحسنى وهي الجنة لحسن عقيدتهم وخلوص نيتهم ، وإنما التفاوت في زيادة العمل المقتضي لمزيد الثواب . { وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين أَجْراً عَظِيماً } نصب على المصدر لأن فضل بمعنى أجر ، أو المفعول الثاني له لتضمنه معنى الإِعطاء كأنه قيل : وأعطاهم زيادة على القاعدين أجراً عظيماً .","part":1,"page":488},{"id":489,"text":"{ درجات مّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً } كل واحد منها بدل من أجراً ، ويجوز أن ينتصب درجات على المصدر كقولك : ضربته أسواطاً ، وأجراً على الحال عنها تقدمت عليها لأنها نكرة ، ومغفرة ورحمة على المصدر بإضمار فعليهما كرر تفضيل المجاهدين ، وبالغ فيه إجمالاً وتفصيلاً تعظيماً للجهاد وترغيباً فيه . وقيل : الأول ما خولهم في الدنيا من الغنيمة والظفر وجميل الذكر ، والثاني ما جعل لهم في الآخرة . وقيل المراد بالدرجة الأولى ارتفاع منزلتهم عند الله سبحانه وتعالى ، وبالدرجات منازلهم في الجنة . وقيل القاعدون الأول هم الأضراء والقاعدون الثاني هم الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم . وقيل المجاهدون الأولون من جاهد الكفار والآخرون من جاهد نفسه وعليه قوله E \" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر \" . { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما عسى أن يفرط منهم . { رَّحِيماً } بما وعد لهم .\r{ إِنَّ الذين توفاهم الملئكة } يحتمل الماضي والمضارع ، وقرىء «توفتهم» و «توفاهم» على مضارع وفيت بمعنى أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها أي يمكنهم من استيفائها فيستوفونها . { ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } في حال ظلمهم أنفسهم بترك الهجرة وموافقة الكفرة فإنها نزلت في أناس من مكة أسلموا ولم يهاجروا حين كانت الهجرة واجبة . { قَالُواْ } أي الملائكة توبيخاً لهم . { فِيمَ كُنتُمْ } في أي شيء كنتم من أمر دينكم . { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض } اعتذروا مما وبخوا به بضعفهم وعجزهم عن الهجرة ، أو عن إظهار الدين وإعلاء كلمة الله . { قَالُواْ } أي الملائكة تكذيباً لهم أو تبكيتاً . { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا } إلى قطر آخر كما فعل المهاجرون إلى المدينة والحبشة . { فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } لتركهم الواجب ومساعدتهم الكفار . وهو خبر إن والفاء فيه لتضمن الاسم معنى الشرط ، وقالوا فيم كنتم حال من الملائكة بإضمار قد أو الخبر قالوا والعائد محذوف أي قالوا لهم ، وهو جملة معطوفة على الجملة التي قبلها مستنتجة منها . { وَسَاءتْ مَصِيراً } مصيرهم نار جهنم ، وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكن الرجل فيه من إقامة دينه ، وعن النبي A \" من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبراً من الأرض استوجبت له الجنة ، وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد عليهما الصلاة والسلام \" { إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنساء والولدان } استثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول وضميره والإِشارة إليه ، وذكر الولد إن أريد به المماليك فظاهر ، وإن أريد به الصبيان فللمبالغة في الأمر والإِشعار بأنهم على صدد وجوب الهجرة ، فإنهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها وأن قوامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت . { لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً } صفة للمستضعفين إذ لا توقيت فيه ، أو حال منه أو من المستكن فيه . واستطاعة الحيلة وجدان أسباب الهجرة وما تتوقف عليه ، واهتداء السبيل معرفة الطريق بنفسه أو بدليل .","part":1,"page":489},{"id":490,"text":"{ فَأُوْلَئِكَ عَسَى الله أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ } ذكر بكلمة الإِطماع ولفظ العفو إيذاناً بأن ترك الهجرة أمر خطير حتى إن المضطر من حقه أن لا يأمن ويترصد الفرصة ويعلق بها قلبه . { وَكَانَ الله عَفُوّاً غَفُوراً } .","part":1,"page":490},{"id":491,"text":"{ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرض مُرَاغَماً كَثِيراً } متحولاً من الرغام وهو التراب . وقيل طريق يراغم قومه بسلوكه أي يفارقهم على رغم أنوفهم وهو أيضاً من الرغام . { واسعة } في الرزق وإظهار الدين . { وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مهاجرا إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت } وقرىء { يُدْرِكْهُ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي ثم هو يدركه وبالنصب على إضمار أن كقوله :\rسَأَتْرُك مَنْزِلِي بِبَني تَمِيم ... وَأَلْحَقُ بالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحا\r{ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } الوقوع والوجوب متقاربان والمعنى : ثبت أجره عند الله تعالى ثبوت الأمر الواجب . والآية الكريمة نزلت في جندب بن ضمرة حمله بنوه على سرير متوجهاً إلى المدينة ، فلما بلغ التنعيم أشرف على الموت فصفق بيمينه على شماله فقال : اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايع عليه رسولك A فمات .","part":1,"page":491},{"id":492,"text":"{ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض } سافرتم . { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } بتنصيف ركعاتها ونفي الحرج فيه يدل على جوازه دون وجوبه ، ويؤيده أن E أتم في السفر \" وأن عائشة رضي الله تعالى عنها اعتمرت مع رسول الله A وقالت : يا رسول الله قصرت وأتممت ، وصمت وأفطرت . فقال : «أحسنت يا عائشة \" . وأوجبه أبو حنيفة لقول عمر رضي الله تعالى عنه \" صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم A ، ولقول عائشة رضي الله تعالى عنها أول ما فرضت الصلاة فرضت ركعتين ركعتين فأقرت في السفر وزيدت في الحضر \" . فظاهرهما يخالف الآية الكريمة فإن صحا فالأول مؤول بأنه كالتام في الصحة والإِجزاء ، والثاني لا ينفي جواز الزيادة فلا حاجة إلى تأويل الآية . بأنهم ألفوا الأربع فكانوا مظنة لأن يخطر ببالهم أن ركعتي السفر قصر ونقصان ، فسمي الإتيان بهما قصراً على ظنهم . ونفي الجناح فيه لتطبيب به نفوسهم ، وأقل سفر تقصر فيه أربعة برد عندنا وستة عند أبي حنيفة . قرىء { تَقْصُرُواْ } من أقصر بمعنى قصر ومن الصلاة صفة محذوف أي : شيئاً من الصلاة عند سيبويه ، ومفعول تقصروا بزيادة عند الأخفش . { إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ إِنَّ الكافرين كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً } شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت ، ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله تعالى : { فَإِنْ خِفْتُمْ أَن لا يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ } وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضاً في حال الأمن . وقرىء من الصلاة أن يفتنكم بغير إن خفتم بمعنى كراهة أن يفتنكم : وهو القتال والتعرض بما يكره .","part":1,"page":492},{"id":493,"text":"{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } تعلق بمفهومه من خص صلاة الخوف بحضرة الرسول A لفضل الجماعة ، وعامة الفقهاء على أنه تعالى علم الرسول A كيفيتها ليأتم به الأئمة بعده فإنهم نواب عنه فيكون حضورهم كحضوره . { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } فاجعلهم طائفتين فلتقم إحداهما معك يصلون وتقوم الطائفة الأخرى تجاه العدو . { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } أي المصلون حزماً . وقيل الضمير للطائفة الأخرى ، وذكر الطائفة الأولى يدل عليهم . { فَإِذَا سَجَدُواْ } يعني المصلين . { فَلْيَكُونُواْ } أي غير المصلين . { مِن وَرَائِكُمْ } يحرسونكم يعني النبي A ومن يصلي معه ، فغلب المخاطب على الغالب . { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } لاشتغالهم بالحراسة . { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } ظاهره يدل على أن الإِمام يصلي مرتين بكل طائفة مرة كما فعله رسول الله A ببطن نخل ، وإن أريد به أن يصلي بكل ركعة إن كانت الصلاة ركعتين فكيفيته أن يصلي بالأولى ركعة وينتظر قائماً حتى يتموا صلاتهم منفردين ويذهبوا إلى وجه العدو ، وتأتي الأخرى فيتم بهم الركعة الثانية . ثم ينتظر قاعداً حتى يتموا صلاتهم ويسلموا بهم كما فعله رسول الله A بذات الرقاع . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : يصلي بالأولى ركعة ثم تذهب هذه وتقف بإزاء العدو وتأتي الأخرى فتصلي معه ركعة ، ويتم صلاته ثم تعود إلى وجه العدو ، وتأتي الأولى فتؤدي الركعة الثانية بغير قراءة وتتم صلاتها ثم تعود وتأتي الأخرى فتؤدي الركعة بقراءة وتتم صلاتها . { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } جعل الحذر آلة يتحصن بها المغازي فجمع بينه وبين الأسلحة في وجوب الأخذ ونظيره قوله تعالى : { والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان } { وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيشدون عليكم شدة واحدة ، وهو بيان ما لأجله أمروا بأخذ الحذر والسلاح . { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } رخصة لهم في وضعها إذا ثقل عليهم أخذها بسبب مطر أو مرض ، وهذا مما يؤيد أن الأمر بالأخذ للوجوب دون الاستحباب . { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } أمرهم مع ذلك بأخذ الحذر كي لا يهجم عليهم العدو . { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } وعد للمؤمنين بالنصر على الكفار بعد الأمر بالحزم لتقوى قلوبهم وليعلموا أن الأمر بالحزم ليس لضعفهم وغلبة عدوهم ، بل لأن الواجب أن يحافظوا في الأمور على مراسم التيقظ والتدبر فيتوكلوا على الله سبحانه وتعالى .","part":1,"page":493},{"id":494,"text":"{ فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة } أديتم وفرغتم منها . { فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ } فداوموا على الذكر في جميع الأحوال ، أو إذا أردتم أداء الصلاة واشتد الخوف فأدوها كيفما أمكن ، قياماً مسايفين ومقارعين ، وقعوداً مرامين وعلى جنوبكم مثخنين . { فَإِذَا اطمأننتم } سكنت قلوبكم من الخوف . { فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } فعدلوا واحفظوا أركانها وشرائطها وائتوا بها تامة . { إِنَّ الصلاة كَانَت عَلى المُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَّوْقُوتاً } فرضاً محدود الأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال ، وهذا دليل على أن المراد بالذكر الصلاة وأنها واجبة الأداء حال المسايفة والاضطراب في المعركة ، وتعليل للأمر بالإِيتاء بها كيفما أمكن . وقال أبو حنيفة C تعالى لا يصلي المحارب حتى يطمئن .","part":1,"page":494},{"id":495,"text":"{ وَلاَ تَهِنُواْ } ولا تضعفوا . { فِي ابتغاء القوم } في طلب الكفار بالقتال . { إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لاَ يَرْجُونَ } إلزام لهم وتقريع على التواني فيه ، بأن ضرر القتال دائر بين الفريقين غير مختص بهم ، وهم يرجون من الله بسببه من إظهار الدين واستحقاق الثروات ما لا يرجو عدوهم ، فينبغي أن يكونوا أرغب منهم في الحرب وأصبر عليها . وقرىء { إِن تَكُونُواْ } بالفتح بمعنى ولا تهنوا لأن تكونوا تألمون ، ويكون قوله فإنهم يألمون علة للنهي عن الوهن لأجله . والآية نزلت في بدر الصغرى . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بأعمالكم وضمائركم . { حَكِيماً } فيما يأمر وينهي .","part":1,"page":495},{"id":496,"text":"{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس } نزلت في طعمة بن أبيرق من بني ظفر ، سرق درعا من جارهُ قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه وخبأها عند زيد بن السمين اليهودي ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد ، وحلف ما أخذها وماله بها علم فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي فأخذوها . فقال دفعها إلى طعمة وشهد له ناس من اليهود فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول الله A فسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا : إن لم تفعل هلك وافتضح وبرىء اليهودي فهم رسول الله A أن يفعل { بِمَا أَرَاكَ الله } بما عرفك الله وأوحى به إليك وليس من الرؤية بمعنى العلم وإلا لاستدعى ثلاثة مفاعيل . { وَلاَ تَكُن لّلْخَائِنِينَ } أي لأجلهم والذب عنهم { خَصِيماً } للبرآء .","part":1,"page":496},{"id":497,"text":"{ واستغفر الله } مما همت به . { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لمن يستغفر .\r{ وَلاَ تجادل عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ } يخونونها فإن وبال خيانتهم يعود عليها ، أو جعل المعصية خيانة لها كما جعلت ظلماً عليها ، والضمير لطعمة وأمثاله أو له ولقومه فإنهم شاركوه في الإِثم حيث شهدوا على براءته وخاصموا عنه . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً } مبالغاً في الخيانة مصراً عليها . { أَثِيماً } منهمكاً فيها . روي : أن طعمة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائطاً بها ليسرق أهله فسقط الحائط عليه فقتله .\r{ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الناس } يستترون منهم حياء وخوفاً . { وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ الله } ولا يستحيون منه وهو أحق بأن يستحيا ويخاف منه . { وَهُوَ مَعَهُمْ } لا يخفي عليه سرهم فلا طريق معه إلا ترك ما يستقبحه ويؤاخذ عليه . { إِذْ يُبَيّتُونَ } يدبرون ويزورون . { مَا لاَ يرضى مِنَ القول } من رمي البريء والحلف الكاذب وشهادة الزور . { وَكَانَ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً } . لا يفوت عنه شيء .\r{ هَا أَنتُمْ هؤلاء } مبتدأ وخبر . { جادلتم عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا } جملة مبينة لوقوع أولاء خبراً أو صلة عند من يجعله موصولاً . { فَمَن يجادل الله يَوْمَ القيامة أَمْ مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } محامياً يحميهم من عذاب الله .\r{ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً } قبيحاً يسوء به غيره . { أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ } بما يختص به ولا يتعداه . وقيل المراد بالسوء ما دون الشرك ، وبالظلم الشرك . وقيل : الصغيرة والكبيرة . { ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله } بالتوبة . { يَجِدِ الله غَفُوراً } لذنوبه . { رَّحِيماً } متفضلاً عليه ، وفيه حث لطعمة وقومه على التوبة والاستغفار .\r{ وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ على نَفْسِهِ } فلا يتعداه وباله كقوله تعالى : { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } . { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } فهو عالم بفعله حكيم في مجازاته .\r{ وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً } صغيرة أو ما لا عمد فيه . { أَوْ إِثْماً } كبيرة أو ما كان عن عمد . { ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً } كما رمى طعمة زيداً ، ووحد الضمير لمكان أو . { فَقَدِ احتمل بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } بسبب رمي البريء وتبرئة النفس الخاطئة ، ولذلك سوى بينهما وإن كان مقترف أحدهما دون مقترف الآخر .\r{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ } بإعلام ما هم عليه بالوحي ، والضمير لرسول الله A . { لَهَمَّتْ طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } أي من بني ظفر . { أَن يُضِلُّوكَ } عن القضاء بالحق مع علمهم بالحال ، والجملة جواب لولا وليس القصد فيه إلى نفي همهم بل إلى نفي تأثيره فيه . { وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنفُسَهُمْ } لأنه ما أزلك عن الحق وعاد وباله عليهم . { وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ } فإن الله سبحانه وتعالى عصمك وما خطر ببالك كان اعتماداً منك على ظاهر الأمر لا ميلاً في الحكم ، ومن شيء في موضع النصب على المصدر أي شيء من الضرر { وَأَنزَلَ الله عَلَيْكَ الكتاب والحكمة وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } من خفيات الأمور ، أو من أمور الدين والأَحكام .","part":1,"page":497},{"id":498,"text":"{ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً } إذ لا فضل أعظم من النبوة .\r{ لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نَّجْوَاهُمْ } من متناجيهم كقوله تعالى : { وَإِذْ هُمْ نجوى } أو من تناجيهم فقوله : { إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ } على حذف مضاف أي إلا نجوى من أمر أو على الانقطاع بمعنى ولكن من أمر بصدقة ففي نجواه الخير ، والمعروف كل ما يستحسنه الشرع ولا ينكره العقل . وفسرها هنا بالقرض وإغاثة الملهوف وصدقة التطوع وسائر ما فسر به . { أَوْ إصلاح بَيْنَ الناس } أو إصلاح ذات البين . { وَمَن يَفْعَلْ ذلك ابتغاء مَرْضَاتَ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } بني الكلام على الأمر ورتب الجزاء على الفعل ليدل على أنه لما دخل الآمر في زمرة الخيرين كان الفاعل أدخل فيهم ، وأن العمدة والغرض هو الفعل واعتبار الأمر من حيث إنه وصلة إليه ، وقيد الفعل بأن يقول لطلب مرضاة الله سبحانه وتعالى ، لأن الأعمال بالنيات وأن كل من فعل خيراً رياء وسمعة لم يستحق به من الله أجراً . ووصف الأجر بالعظم تنبيهاً على حقارة ما فات في جنبه من أعراض الدنيا . وقرأ حمزة وأبو عمرو «يؤتيه» بالياء .\r{ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } يخالفه ، من الشق فإن كلا من المتخالفين في شق غير شق الآخر . { مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهدى } ظهر له الحق بالوقوف على المعجزات . { وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين } غير ما هم عليه من اعتقاد أو عمل . { نُوَلّهِ مَا تولى } نجعله والياً لما تولى من الضلال ، ونخل بينه وبين ما اختاره . { وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ } وندخله فيها . وقرىء بفتح النون من صلاة . { وَسَاءتْ مَصِيراً } جهنم ، والآية تدل على حرمة مخالفة الإِجماع ، لأنه سبحانه وتعالى رتب الوعيد الشديد على المشاقة واتباع غير سبيل المؤمنين ، وذلك إما لحرمة كل واحد منهما أو أحدهما أو الجمع بينهما ، والثاني باطل إذ يقبح أن يقال من شرب الخمر وأكل الخبز استوجب الحد ، وكذا الثالث لأن المشاقة محرمة ضم إليها غيرها أو لم يضم ، وإذا كان اتباع غير سبيلهم محرماً كان اتباع سبيلهم واجباً ، لأن ترك اتباع سبيلهم ممن عرف سبيلهم اتباع غير سبيلهم ، وقد استقصيت الكلام فيه في مرصاد الأفهام إلى مبادىء الأحكام .","part":1,"page":498},{"id":499,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } كرره للتأكيد ، أو لقصة طعمة . وقيل جاء شيخ إلى رسول الله A وقال : إني شيخ منهك في الذنوب ألا أني لم أشرك بالله شيئاً منذ عرفته وآمنت به ولم اتخذ من دونه ولياً ، ولم أوقع المعاصي جرأة ، وما توهمت طرفة عين أني أعجز الله هرباً ، وإني لنادم تائب فما ترى حالي عند الله سبحانه وتعالى . فنزلت { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } عن الحق فإن الشرك أعظم أنواع الضلالة وأبعدها عن الصواب والاستقامة ، وإنما ذكر في الآية الأولى فقد افترى لأنها متصلة بقصة أهل الكتاب ، ومنشأ شركهم كان نوع افتراء وهو دعوى التبني على الله سبحانه وتعالى .","part":1,"page":499},{"id":500,"text":"{ إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا } يعني اللات والعزى ومناة ونحوها ، كان لكل حي صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان وذلك إما لتأنيث أسمائها كما قال :\rوَمَا ذَكَرٌ فَإِنْ يَسْمَنْ فَأُنْثَى ... شَدِيد الأزمِ لَيْسَ لَهُ ضُرُوسٌ\rفَإِنه عنى القراد وهو ما كان صغيراً سمي قراداً فإذا كبر سمي حلمة ، أو لأنها كانت جمادات والجمادات تؤنث من حيث إنها ضاهت الإِناث لا نفعاً لها ، ولعله سبحانه وتعالى ذكرها بهذا الاسم تنبيهاً على أنهم يعبدون ما يسمونه إناثاً لأنه ينفعل ولا يفعل ، ومن حق المعبود أن يكون فاعلاً غير منفعل ليكون دليلاً على تناهي جهلهم وفرط حماقتهم . وقيل المراد الملائكة لقولهم : الملائكة بنات الله ، سبحانه وتعالى ، وهو جمع أنثى كرباب وربى ، وقرىء «أنثى» على التوحيد وأننا على أنه جمع أنيث كخبث وخبيث ، ووثنا بالتخفيف ووثناً بالتثقيل وهو جمع وثن كأسد وأسد وأسد وأثنا أثنا بهما على قلب الواو لضمها همزة . { وَإِن يَدْعُونَ } وإن يعبدون بعبادتها . { إِلاَّ شيطانا مَّرِيداً } لأنه الذي أمرهم بعبادتها وأغراهم عليها ، فكأن طاعته في ذلك عبادة له ، والمارد والمريد الذي لا يعلق بخير . وأصل التركيب للملابسة . ومنه { صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } وغلام أمرد وشجرة مرداء للتي تناثر ورقها .","part":1,"page":500},{"id":501,"text":"{ لَّعَنَهُ الله } صفة ثانية للشيطان . { وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً } عطف عليه أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله ، وهذا القول الدال على فرط عداوته للناس .\rوقد برهن سبحانه وتعالى أولاً على أن الشرك ضلال في الغاية على سبيل التعليل ، بأن ما يشركون به ينفعل ولا يفعل فعلاً اختيارياً ، وذلك ينافي الألوهية غاية المنافاة ، فإن الإله ينبغي أن يكون فاعلاً غير منفعل ، ثم استدل عليه بأنه عبادة الشيطان وهي أفظع الضلال لثلاثة أوجه . الأول : أنه مريد منهمك في الضلال لا يعلق بشيء من الخير والهدى ، فتكون طاعته ضلالاً بعيداً عن الهدى . والثاني : أنه ملعون لضلاله فلا تستجلب مطاوعته سوى الضلال واللعن . والثالث : أنه في غاية العداوة والسعي في إهلاكهم وموالاة من هذا شأنه غاية الضلال فضلاً عن عبادته . والمفروض المقطوع أي نصيباً قدر لي وفرض من قولهم فرض له في العطاء .","part":2,"page":1},{"id":502,"text":"{ وَلأُضِلَّنَّهُمْ } عن الحق . { وَلأُمَنّيَنَّهُمْ } الأماني الباطلة كطول الحياة وأن لا بعث ولا عقاب . { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام } يشقونها لتحريم ما أحل الله وهي عبارة عما كانت العرب تفعل بالبحائر والسوائب ، وإشارة إلى تحريم ما أحل ونقص كل ما خلق كاملاً بالفعل أو القوة . { وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله } عن وجهه وصورته أو صفته . ويندرج فيه ما قيل من فقء عين الحامي ، وخصاء العبيد ، والوشم ، والوشر ، واللواط ، والسحق ، ونحو ذلك وعبادة الشمس ، والقمر ، وتغيير فطرة الله تعالى التي هي الإِسلام ، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالاً ولا يوجب لها من الله سبحانه وتعالى زلفى . وعموم اللفظ يمنع الخصاء مطلقاً لكن الفقهاء خصوا في خصاء البهائم للحاجة . والجمل الأربع حكاية عما ذكره الشيطان نطقاً أو أتاه فعلاً . { وَمَن يَتَّخِذِ الشيطان وَلِيّاً مّن دُونِ الله } بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته . { فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً } إذا ضيع رأس ماله وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار .","part":2,"page":2},{"id":503,"text":"{ يَعِدُهُمْ } ما لا ينجزه . { وَيُمَنِّيهِمْ } ما لا ينالون . { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } وهو إظهار النفع فيما فيه الضرر وهذا الوعد إما بالخواطر الفاسدة ، أو بلسان أوليائه .","part":2,"page":3},{"id":504,"text":"{ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً } معدلاً ومهرباً من حاص يحيص إذا عدل وعنها حال منه ، وليس صلة له لأنه اسم مكان وإن جعل مصدراً فلا يعمل أيضاً فيما قبله .","part":2,"page":4},{"id":505,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَنُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً وَعْدَ الله حَقّاً } . أي وعده وعداً وحق ذلك حقاً ، فالأول مؤكد لنفسه لأن مضمون الجملة الإِسمية التي قبله وعد ، والثاني مؤكد لغيره ويجوز أن ينصب الموصول بفعل يفسره ما بعده ، ووعد الله بقوله { سَنُدْخِلُهُمْ } لأنه بمعنى نعدهم إدخالهم وحقاً على أنه حال من المصدر . { وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً } جملة مؤكدة بليغة ، والمقصود من الآية معارضة المواعيد الشيطانية الكاذبة لقرنائه بوعد الله الصادق لأوليائه ، والمبالغة في توكيده ترغيباً للعباد في تحصيله .","part":2,"page":5},{"id":506,"text":"{ لَّيْسَ بأمانيكم وَلا أَمَانِيّ أَهْلِ الكتاب } أي ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها المسلمون ، ولا بأماني أهل الكتاب ، وإنما ينال بالإِيمان والعمل الصالح . وقيل : ليس الإِيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل . روي ( أن المسلمين وأهل الكتاب افتخروا . فقال أهل الكتاب : نبينا قبل نبيكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولي بالله منكم ، وقال المسلمون : نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين ، وكتابنا يقضي على الكتب المتقدمة ) فنزلت . وقيل : الخطاب مع المشركين ويدل عليه تقدم ذكرهم أي : ليس الأمر بأماني المشركين ، وهو قولهم لا جنة ولا نار ، وقولهم إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيراً منهم وأحسن حالاً ، ولا أماني أهل الكتاب وهو قولهم : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } وقولهم : { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } ثم قرر ذلك وقال : { مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } عاجلاً أو آجلاً لما روي ( أنها لما نزلت قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : فمن ينجو مع هذا يا رسول الله فقال E : « أما تحزن أما تمرض أما يصيبك الأراء؟ قال : بلى يا رسول الله ، قال : هو ذاك » { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً } ولا يجد لنفسه إذا جاوز موالاة الله ونصرته من يواليه وينصره في دفع العذاب عنه .","part":2,"page":6},{"id":507,"text":"{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } بعضها أو شيئاً منها فإن كل أحد لا يتمكن من كلها وليس مكلفاً بها . { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } في موضع الحال من المستكن في يعمل ، و { مِنْ } للبيان أو من الصالحات أي كائنة من ذكر أو أنثى ومن للابتداء . { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } حال شرط اقتران العمل بها في استدعاء الثواب المذكور وتنبيهاً على أنه لا اعتداد به دونه فيه . { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } بنقص شيء من الثواب وإذا لم ينقص ثواب المطيع فبالحري أن لا يزاد عقاب العاصي ، لأن المجازي أرحم الراحمين ، ولذلك اقتصر على ذكره عقيب الثواب . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر { يَدْخُلُونَ الجنة } هنا وفي «غافر» و «مريم» بضم الياء وفتح الخاء ، والباقون بفتح الياء وضم الخاء .","part":2,"page":7},{"id":508,"text":"{ وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله } أخلص نفسه لله لا يعرف لها رباً سواه . وقيل بذل وجهه له في السجود وفي هذا الاستفهام تنبيه على أن ذلك منتهى ما تبلغه القوة البشرية . { وَهُوَ مُحْسِنٌ } آت بالحسنات تارك للسيئات . { واتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم } الموافقة لدين الإِسلام المتفق على صحتها { حَنِيفاً } مائلاً عن سائر الأديان ، وهو حال من المتبع أو من الملة أو إبراهيم . { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } اصطفاه وخصصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله ، وإنما أعاد ذكره ولم يضمر تفخيماً لشأنه وتنصيصاً على أنه الممدوح . والخلة من الخلال فإنه ود تخلل النفس وخالطها . وقيل من الخلل فإن كل واحد من الخليلين يسد خلل الآخر ، أو من الخل وهو الطريق في الرمل فإنهما يترافقان في الطريقة ، أو من الخلة بمعنى الخصلة فإنهما يتوافقان في الخصال . والجملة استئناف جيء بها للترغيب في اتباع ملته A والإِيذان بأنه نهاية في الحسن وغاية كمال البشر . روي ( أن إبراهيم E بعث إلى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتاز منه فقال خليله : لو كان إبراهيم يريد لنفسه لفعلت ، ولكن يريد للأضياف وقد أصابنا ما أصاب الناس ، فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة فملؤوا منها الغرائر حياء من الناس فلما اخبروا إبراهيم ساءه الخبر ، فغلبته عيناه فنام وقامت سارة إلى غرارة منها فأخرجت حوارى واختبزت ، فاستيقظ إبراهيم عليه السلام فاشتم رائحة الخبز فقال : من أين لكم هذا؟ فقالت : من خليلك المصري ، فقال : بل هو من عند خليلي الله D فسماه الله خليلاً ) .","part":2,"page":8},{"id":509,"text":"{ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً يختار منهما من يشاء وما يشاء . وقيل هو متصل بذكر العمال مقرر لوجوب طاعته على أهل السموات والأرض ، وكمال قدرته على مجازاتهم على الأعمال . { وَكَانَ الله بِكُلّ شَيْءٍ مُّحِيطاً } إحاطة علم وقدرة فكان عالماً بأعمالهم فيجازيهم على خيرها وشرها .","part":2,"page":9},{"id":510,"text":"{ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النساء } في ميراثهن إذ سبب نزوله ( أن عيينة بن حصن أتى النبي A فقال : أخبرنا أنك تعطي الابنة النصف والأخت النصف ، وإنما كنا نورث من يشهد القتال ويحوز الغنيمة فقال E : \" كذلك أمرت \" { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } يبين لكم حكمه فيهن والافتاء تبيين المبهم . { وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب } عطف على اسم الله تعالى ، أو ضميره المستكن في يفتيكم وساغ للفصل فيكون الإِفتاء مسنداً إلى الله سبحانه وتعالى وإلى ما في القرآن من قوله تعالى : { يُوصِيكُمُ الله } ونحوه ، والفعل الواحد ينسب إلى فاعلين مختلفين باعتبارين مختلفين ، ونظيره أغناني زيد وعطاؤه ، أو استئناف معترض لتعظيم المتلو عليهم على أن ما يتلى عليكم مبتدأ وفي الكتاب خبره . والمراد به اللوح المحفوظ ، ويجوز أن ينصب على معنى ويبين لكم ما يملي عليكم أو يخفض على القسم كأنه قيل : وأقسم بما يتلى عليكم في الكتاب ، ولا يجوز عطفه على المجرور في فيهن لاختلاله لفظاً ومعنى { فِي يتامى النساء } صلة يتلى إن عطف الموصول على ما قبله أي يتلى عليكم في شأنهن وإلا فبدل من فيهن ، أو صلة أخرى ليفتيكم على معنى الله يفتيكم فيهن بسبب يتامى النساء كما تقول : كلمتك اليوم في زيد ، وهذه الإِضافة بمعنى من لأنها إضافة الشيء إلى جنسه . وقرىء «ييامى» بياءين على أنه أيامى فقلبت همزته ياء . { اللاتي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ } أي فرض لهن من الميراث . { وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ } في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن ، فإن أولياء اليتامى كانوا يرغبون فيهن إن كن جميلات ويأكلون ما لهن ، وإلا كانوا يعضلونهن طمعاً في ميراثهن والواو تحتمل الحال والعطف ، وليس فيه دليل على جواز تزويج اليتيمة إذ لا يلزم من الرغبة في نكاحها جريان العقد في صغرها . { والمستضعفين مِنَ الولدان } عطف على يتامى النساء والعرب ما كانوا يورثونهم كما لا يورثون النساء . { وَأَن تَقُومُواْ لليتامى بالقسط } أيضاً عطف عليه أي ويفتيكم أو ما يتلى في أن تقوموا ، هذا إذا جعلت في يتامى صلة لأحدهما فإن جعلته بدلاً فالوجه نصبهما عطفاً على موضع فيهن ، ويجوز أن ينصب وأن تقوموا بإضمار فعل أي : ويأمركم أن تقوموا ، وهو خطاب للأئمة في أن ينظروا لهم ويستوفوا حقوقهم ، أو للقوام بالنصفة في شأنهم . { وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله كَانَ بِهِ عَلِيماً } وعد لمن آثر الخير في ذلك .\r{ وَإِنِ امرأة خافت مِن بَعْلِهَا } توقعت منه لما ظهر لها من المخايل ، وامرأة فاعل فعل يفسره الظاهر . { نُشُوزاً } تجافياً عنها وترفعاً عن صحبتها كراهة لها ومنعاً لحقوقها .","part":2,"page":10},{"id":511,"text":"{ أَوْ إِعْرَاضاً } بأن يقل مجالستها ومحادثتها . { فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً } أن يتصالحا بأن تحط له بعض المهر ، أو القسم ، أو تهب له شيئاً تستميله به . وقرأ الكوفيون { أَن يُصْلِحَا } من أصلح بين المتنازعين ، وعلى هذا جاز أن ينتصب صالحاً على المفعول به ، وبينهما ظرف أو حال منه أو على المصدر كما في القراءة الأولى والمفعول بينهما أو هو محذوف . وقرىء { يُصْلِحَا } من أصلح بمعنى اصطلح . { والصلح خَيْرٌ } من الفرقة أو سوء العشرة أو من الخصومة . ولا يجوز أن يراد به التفضيل بل بيان أنه من الخيور كما أن الخصومة من الشرور ، وهو اعتراض وكذا قوله : { وَأُحْضِرَتِ الأنفس الشح } ولذلك اغتفر عدم مجانستهما ، والأول للترغيب في المصالحة ، والثاني لتمهيد العذر في المماكسة . ومعنى إحضار الأنفس الشح جعلها حاضرة له مطبوعة عليه ، فلا تكاد المرأة تسمح بالإِعراض عنها والتقصير في حقها ولا الرجل يسمح بأن يمسكها ويقوم بحقها على ما ينبغي إذا كرهها أو أحب غيرها . { وَإِن تُحْسِنُواْ } في العشرة . { وَتَتَّقُواْ } النشوز والإِعراض ونقص الحق . { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الإِحسان والخصومة . { خَبِيراً } عليماً به وبالغرض فيه فيجازيكم عليه ، أقام كونه عالماً بأعمالهم مقام إثابته إياهم عليها الذي هو في الحقيقة جواب الشرط إقامة للسبب مقام المسبب .\r{ وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النساء } لأن العدل أن لا يقع ميل ألبتة وهو متعذر فلذلك كان رسول الله A يقسم بين نسائه فيعدل ويقول : « هذا قسمي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » { وَلَوْ حَرَصْتُمْ } أي على تحري ذلك وبالغتم فيه . { فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الميل } بترك المستطاع والجور على المرغوب عنها ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله . { فَتَذَرُوهَا كالمعلقة } التي ليست ذات بعل ولا مطلقة . وعن النبي A « من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل » . { وَإِن تُصْلِحُواْ } ما كنتم تفسدون من أمورهن . { وَتَتَّقُواْ } فيم يستقبل من الزمان . { فَإِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } يغفر لكم ما مضى من ميلكم .\r{ وَإِن يَتَفَرَّقَا } وقرىء وإن يفارق كل منهما صاحبه . { يُغْنِ الله كُلاًّ } منهما عن الآخر ببدل أو سلوة . { مِّن سَعَتِهِ } غناه وقدرته . { وَكَانَ الله واسعا حَكِيماً } مقتدراً متقناً في أفعاله وأحكامه .\r{ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } تنبيه على كمال سعته وقدرته . { وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } يعني اليهود والنصارى ، ومن قبلهم ، و { الكتاب } للجنس و { مِنْ } متعلقة ب { وَصَّيْنَا } أو ب { أُوتُواْ } ومساق الآية لتأكيد الأمر بالإِخلاص .","part":2,"page":11},{"id":512,"text":"{ وإياكم } عطف على الذين . { أَنِ اتقوا الله } بأن اتقوا الله ، ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول . { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } على إرادة القول أي : وقلنا لهم ولكم أن تكفروا فإن الله مالك الملك كله لا يتضرر بكفركم ومعاصيكم ، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم ، وإنما وصاكم لرحمته لا لحاجته ثم قرر ذلك بقوله : { وَكَانَ الله غَنِيّاً } عن الخلق وعبادتهم . { حَمِيداً } في ذاته حمد وإن لم يحمد .\r{ وَللَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ذكره ثالثاً للدلالة على كونه غنياً حميداً ، فإن جميع المخلوقات تدل بحاجتها على غناه وبما أفاض عليها من الوجود وأنواع الخصائص والكمالات على كونه حميداً . { وكفى بالله وَكِيلاً } راجع إلى قوله { يُغْنِ الله كُلاًّ مّن سَعَتِهِ } ، فإنَّه توكل بكفايتهما وما بينهما تقرير لذلك .\r{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } يفنكم ، ومفعول يشأ محذوف دل عليه الجواب . { وَيَأْتِ بِآخَرِينَ } ويوجد قوماً آخرين أو خلقاً آخرين مكان الإِنس . { وَكَانَ الله على ذلك } من الإِعدام والإِيجاد . { قَدِيراً } بليغ القدرة لا يعجزه مراد ، وهذا أيضاً تقرير لغناه وقدرته ، وتهديد لمن كفر به وخالف أمره . وقيل : هو خطاب لمن عادى رسول الله A من العرب ومعناه معنى قوله تعالى : { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } لما روي : « أنه لما نزلت ضرب رسول الله A يده على ظهر سلمان وقال : إنهم قوم هذا » .","part":2,"page":12},{"id":513,"text":"{ مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا } كالمجاهد يجاهد للغنيمة . { فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة } فما له يطلب أخسهما فليطلبهما كمن يقول : { رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً } أو ليطلب الأشرف منهما ، فإن من جاهد خالصاً لله سبحانه وتعالى لم تخطئه الغنيمة وله في الآخرة ، ما هي في جنبه كلا شيء ، أو فعند الله ثواب الدارين فيعطي كلاً ما يريده كقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ } الآية { وَكَانَ الله سَمِيعاً بَصِيراً } عالماً بالأغراض فيجازي كلا بحسب قصده .","part":2,"page":13},{"id":514,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط } مواظبين على العدل مجتهدين في إقامته . { شُهَدَاء للَّهِ } بالحق تقيمون شهاداتكم لوجه الله سبحانه وتعالى ، وهو خبر ثان أو حال . { وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ } ولو كانت الشهادة على أنفسكم بأن تقروا عليها ، لأن الشهادة بيان للحق سواء كان عليه أو على غيره . { أَوِ الوالدين والأقربين } ولو على والديكم وأقاربكم . { أَن يَكُنَّ } أي المشهود عليه أو كل واحد منه ومن المشهود له . { غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً } فلا تمتنعوا عن إقامة الشهادة ، أو لا تجوروا فيها ميلاً أو ترحماً . { فالله أولى بِهِمَا } بالغني والفقير وبالنظر لهما فلو لم تكن الشهادة عليهما أو لهما صلاحاً لما شرعها ، وهو علة الجواب أقيمت مقامه والضمير في بهما راجع لما دل عليه المذكور ، وهو جنساً الغني والفقير لا إليه وإلا لوحدَّ ، ويشهد عليه أنه قرىء «فالله أولى بهم» . { فَلاَ تَتَّبِعُواْ الهوى أَن تَعْدِلُواْ } لأن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا من العدل . { وَإِن تَلْوُواْ } ألسنتكم عن شهادة الحق ، أو حكومة العدل . قرأه نافع وابن كثير وأبو بكر وأبو عمرو وعاصم والكسائي بإسكان اللام وبعدها واوان الأولى مضمومة ، والثانية ساكنة . وقرأ حمزة وابن عامر «وإن تلوا» بمعنى وإن وليتم إقامة الشهادة فأديتموها . { أَوْ تُعْرِضُواْ } عن آدائها . { فَإِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيجازيكم عليه .","part":2,"page":14},{"id":515,"text":"{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } خطاب للمسلمين ، أو للمنافقين ، أو لمؤمني أهل الكتاب إذ روي : أن ابن سلام وأصحابه قالوا يا رسول الله : إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة وعزير ونكفر بما سواه . فنزلت . { آمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذي نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ } اثبتوا على الإِيمان بذلك وداوموا عليه ، أو آمنوا به بقلوبكم كما آمنتم بألسنتكم ، أو آمنوا إيماناً عاماً يعم الكتب والرسل ، فإن الإِيمان بالبعض كلا إيمان والكتاب الأول القرآن والثاني الجنس . وقرأ نافع والكوفيون : { الذي نَزَّلَ } و { الذي أَنزَلَ } بفتح النون والهمزة والزاي ، والباقون بضم النون والهمزة وكسر الزاي . { وَمَن يَكْفُرْ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليوم الآخر } أي ومن يكفر بشيء من ذلك . { فَقَدْ ضَلَّ ضلالا بَعِيداً } عن المقصد بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه .","part":2,"page":15},{"id":516,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } يعني اليهود آمنوا بموسى E . { ثُمَّ كَفَرُواْ } حين عبدوا العجل . { ثُمَّ آمَنُوا } بعد عوده إليهم . { ثُمَّ كَفَرُواْ } بعيسى E . { ثُمَّ ازدادوا كُفْراً } بمحمد A ، أو قوماً تكرر منهم الارتداد ثم أصروا على الكفر وازدادوا تمادياً في الغي . { لَّمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً } إذ يستبعد منهم أن يتوبوا عن الكفر ويثبتوا على الإِيمان ، فإن قلوبهم ضربت بالكفر وبصائرهم عميت عن الحق لا أنهم لو أخلصوا الإِيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم ، وخبر كان في أمثال ذلك محذوف تعلق به اللام مثل : لم يكن الله مريداً ليغفر لهم .","part":2,"page":16},{"id":517,"text":"{ بَشِّرِ المنافقين بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } يدل على أن الآية في المنافقين وهم قد آمنوا في الظاهر وكفروا في السر مرة بعد أخرى ثم ازدادوا بالإِصرار على النفاق وإفساد الأمر على المؤمنين ، ووضع { بّشِّرِ } مكان أنذر تهكم بهم .","part":2,"page":17},{"id":518,"text":"{ الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } في محل النصب ، أو الرفع على الذم بمعنى أريد الذين أو هم الذين . { أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ العزة } أيتعززون بموالاتهم . { فَإِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } لا يتعزز إلا من أعزه الله ، وقد كتَبَ العزة لأوليائه فقال { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ولا يُؤْبَهُ بعزة غيرهم بالإِضافة إليهم .","part":2,"page":18},{"id":519,"text":"{ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الكتاب } يعني القرآن . وقرأ عاصم { نَزَّلَ } وقرأ الباقونَّ { نَزَّلَ } على البناء للمفعول والقائم مقام فاعله . { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ } وهي المخففة والمعنى أنه إذا سمعتم . { يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } حالان من الآيات جيء بهما لتقييد النهي عن المجالسة في قوله : { فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } الذي هو جزاء الشرط بما إذا كان من يجالسه هازئاً معانداً غير مرجو ، ويؤيده الغاية . وهذا تذكار لما نزل عليهم بمكة من قوله : { وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِي ءاياتنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } الآية . والضمير في معهم للكفرة المدلول عليهم بقوله يكفر بها ويستهزأ بها . { إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ } في الاثم لأنكم قادرون على الاعراض عنهم والإِنكار عليهم ، أو الكفر إِن رضيتم بذلك ، أو لأن الذين يقاعدون الخائضين في القرآن من الأحبار كانوا منافقين ، ويدل عليه : { إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً } يعني القاعدين والمقعود معهم ، وإذا ملغاة لوقوعها بين الاسم والخبر ، ولذلك لم يذكر بعدها الفعل وإفراد مثلهم ، لأنه كالمصدر أو للاستغناء بالإِضافة إلى الجمع . وقرىء بالفتح على البناء لإِضافته إلى مبني كقوله تعالى : { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ . }","part":2,"page":19},{"id":520,"text":"{ الذين يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ } ينتظرون وقوع أمر بكم ، وهو بدل من الذين يتخذون ، أو صفة للمنافقين والكافرين أو ذم مرفوع أو منصوب أو مبتدأ خبره . { فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مّنَ الله قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ } مظاهرين لكم فاسهموا لنا مما غنمتم . { وَإِن كَانَ للكافرين نَصِيبٌ } من الحرب فإنها سجال { قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ } أي قالوا للكفرة : ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم ، والاستحواذ الاستيلاء وكان القياس أن يقال استحاذ يستحيذ استحاذة فجاءت على الأصل . { وَنَمْنَعْكُمْ مّنَ المؤمنين } بأن خذلناهم بتخييل ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم فأشركونا فيما أصبتم ، وإنما سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكافرين نصيباً لخسة حظهم ، فإنه مقصور على أمر دنيوي سريع الزوال . { فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة وَلَن يَجْعَلَ الله للكافرين عَلَى المؤمنين سَبِيلاً } حينئذ أو في الدنيا والمراد بالسبيل الحجة ، واحتج به أصحابنا على فساد شراء الكافر المسلم . والحنفية على حصول البينونة بنفس الارتداد وهو ضعيف لأنه لا ينفي أن يكون إذا عاد إلى الإِيمان قبل مضي العدة .","part":2,"page":20},{"id":521,"text":"{ إِنَّ المنافقين يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ } سبق الكلام فيه أول سورة البقرة . { وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى } متثاقلين كالمكرْه على الفعل وقرىء كسالى بالفتح وهما جمع كسلان . { يُرَاءونَ الناس } ليخالوهم مؤمنين المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل كنعم وناعم أو للمقابلة فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه . { وَلاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلاً } إذ المرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه ، وهو أقل أحواله أو لأن ذكرهم باللسان قليل بالإِضافة إلى الذكر بالقلب . وقيل : المراد بالذكر الصلاة . وقيل الذكر فيها فإنهم لا يذكرون فيها غير التكبير والتسليم .","part":2,"page":21},{"id":522,"text":"{ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلك } حال من واو { يراؤون } كقوله : { وَلاَ يَذْكُرُونَ } أي يراؤونهم غير ذاكرين مذبذبين أو واو يذكرون أو منصوب على الذم ، والمعنى : مرددين بين الإِيمان والكفر من الذبذبة وهي جعل الشيء مضطرباً ، وأصله الذي بمعنى الطرد . وقرىء بكسر الذال بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو يتذبذبون كقولهم : صلصل بمعنى تصلصل . وقرىء بالدال غير المعجمة بمعنى أخذوا تارة في دبة وتارة في دبة وهي الطريقة . { لاَ إلى هَؤُلاء وَلاَ إِلَى هَؤُلاء } لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين ، أو لا صائرين إلى أحد الفريقين بالكلية . { وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً } إلى الحق والصواب ، ونظيره قوله تعالى : { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ . }","part":2,"page":22},{"id":523,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } فإنه صنيع المنافقين ودينهم فلا تتشبهوا بهم ، { أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ للَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً } حجة بينة فإن موالاتهم دليل على النفاق أو سلطاناً يسلط عليكم عقابه .","part":2,"page":23},{"id":524,"text":"{ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار } وهو الطبقة التي في قعر جهنم ، وإنما كان كذلك لأنهم أخبث الكفرة إذ ضموا إلى الكفر استهزاء بالإِسلام وخداعاً للمسلمين ، وأما قوله E \" ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : «من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان \" ونحوه فمن باب التشبيه والتغليظ ، وإنما سميت طبقاتها السبع دركات لأنها متداركة متتابعة بعضها فوق بعض . وقرأ الكوفيون بسكون الراء وهي لغة كالسطر والسطر والتحريك أوجه لأنه يجمع على إدراك . { وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً } يخرجهم منه .","part":2,"page":24},{"id":525,"text":"{ إِلاَّ الذين تَابُواْ } عن النفاق . { وَأَصْلَحُواْ } ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق . { واعتصموا بالله } وثقوا به أو تمسكوا بدينه . { وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ للَّهِ } لا يريدون بطاعتهم إلا وجهه سبحانه وتعالى . { فأولئك مَعَ المؤمنين } ومن عدادهم في الدارين . { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين أَجْراً عَظِيماً } فيساهمونهم فيه .\r{ مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنْتُمْ } أيتشفى به غيظاً أو يدفع به ضرراً أو يستجلب به نفعاً وهو الغني المتعالي عن النفع والضر ، وإنما يعاقب المصر بكفره لأن إصراره عليه كسوء مزاج يؤدي إلى مرض فإذا أزاله بالإِيمان والشكر ونفى نفسه عنه تخلص من تبعته ، وإنما قدم الشكر لأن الناظر يدرك النعمة أولاً فيشكر شكراً مبهماً ، ثم يمعن النظر حتى يعرف المنعم فيؤمن به . { وَكَانَ الله شاكرا } مثيباً يقبل اليسير ويعطي الجزيل . { عَلِيماً } بحق شكركم وإيمانكم .\r{ لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسوء مِنَ القول إِلاَّ مَن ظُلِمَ } إلا جهر من ظلم بالدعاء على الظالم والتظلم منه . وروي أن رجلاً ضاف قوماً فلم يطعموه فاشتكاهم فعوتب عليه . فنزلت وقرىء من ظلم على البناء للفاعل فيكون الاستثناء منقطعاً أي ولكن الظالم يفعل ما لا يحبه الله . { وَكَانَ الله سَمِيعاً } لكلام المظلوم . { عَلِيماً } بالظالم .\r{ إِن تُبْدُواْ خَيْراً } طاعة وبراً . { أَوْ تُخْفُوهْ } أو تفعلوه سراً . { أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوء } لكم المؤاخذة عليه ، وهو المقصود وذكر إبداء الخير وإخفائه تشبيب له ، ولذلك رتب عليه قوله . { فَإِنَّ الله كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً } أي يكثر العفو عن العصاة مع كمال قدرته على الانتقام فأنتم أولى بذلك ، وهو حث للمظلوم على العفو بعدما رخص له في الانتظار حملاً على مكارم الأخلاق .\r{ إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بالله وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرّقُواْ بَيْنَ الله وَرُسُلِهِ } بأن يؤمنوا بالله ويكفروا برسله . { وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ } نؤمن ببعض الأنبياء ونكفر ببعضهم . { وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً } طريقاً وسطاً بين الإِيمان والكفر ، لا واسطة : إذ الحق لا يختلف فإن الإِيمان بالله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بالإِيمان برسله وتصديقهم فيما بلغوا عنه تفصيلاً أو إجمالاً ، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال كما قال الله تعالى : { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } { أُوْلَئِكَ هُمُ الكافرون } هم الكاملون في الكفر لا عبرة بإيمانهم هذا . { حَقّاً } مصدر مؤكد لغيره أو صفة لمصدر الكافرين بمعنى : هم الذين كفروا كفراً حقاً أي يقيناً محققاً . { وَأَعْتَدْنَا للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } .\r{ والذين ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مّنْهُمْ } أضدادهم ومقابلوهم ، وإنما دخل بين على أحد وهو يقتضي متعدداً لعمومه من حيث إنه وقع في سياق النفي .","part":2,"page":25},{"id":526,"text":"{ أولئك سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ } الموعودة لهم وتصديره بسوف لتأكيد الوعد والدلالة على أنه كائن لا محالة وإن تأخر . وقرأ حفص عن عاصم وقالون عن يعقوب بالياء على تلوين الخطاب . { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما فرط منهم . { رَّحِيماً } عليهم بتضعيف حسناتهم .\r{ يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كتابا مّنَ السماء } نزلت في أحبار اليهود قالوا : إن كنت صادقاً فائتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى عليه السلام ، وقيل : كتاباً محرراً بخط سماوي على ألواح كما كانت التوراة ، أو كتاباً نعاينه حين ينزل ، أو كتاباً إلينا بأعياننا بأنك رسول الله . { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } جواب شرط مقدر أي : إن استكبرت ما سألوه منك فقد سألوا موسى عليه السلام أكبر منه ، وهذا السؤال وإن كان من آبائهم أسند إليهم لأنهم كانوا آخذين بمذهبهم تابعين لهديهم . والمعنى إن عرقهم راسخ في ذلك وأن ما اقترحوه عليك ليس بأول جهالاتهم وخيالاتهم . { فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً } عياناً أرناه نره جهرة ، أو مجاهرين معاينين له . { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } نار جاءت من قبل السماء فأهلكتهم . { بِظُلْمِهِمْ } بسبب ظلمهم وهو تعنتهم وسؤالهم ، ما يستحيل في تلك الحال التي كانوا عليها وذلك لا يقتضي امتناع الرؤية مطلقاً . { ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } هذه الجناية الثانية التي اقترفها أيضاً أوائلهم ، والبينات ، المعجزات ، ولا يجوز حملها على التوراة إذ لم تأتهم بعد . { فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَءَاتَيْنَا موسى سلطانا مُّبِيناً } تسلطاً ظاهراً عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم توبة عن اتخاذهم .","part":2,"page":26},{"id":527,"text":"{ وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } بسبب ميثاقهم ليقبلوه . { وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّداً } على لسان موسى والطور مظل عليهم . { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السبت } على لسان داود E ، ويحتمل أن يراد على لسان موسى حين ظلل الجبل عليهم ، فإنه شرع السبت ولكن كان الاعتداء فيه والمسخ به في زمن داود E ، وقرأ ورش عن نافع { لاَ تَعْدُواْ } على أن أصله لا تتعدوا فأدغمت التاء في الدال ، وقرأ قالون بإخفاء حركة العين وتشديد الدال والنص عنه بالإسكان . { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } على ذلك وهو قولهم سمعنا وأطعنا .","part":2,"page":27},{"id":528,"text":"{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم } أي فخالفوا ونقضوا ففعلنا بهم ما فعلنا بنقضهم ، وما مزيدة للتأكيد والياء متعلقة بالفعل المحذوف ، ويجوز أن تتعلق بحرمنا عليهم طيبات فيكون التحريم بسبب النقض ، وما عطف عليه إلى قوله فبظلم لا بما دل عليه قوله : { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا } مثل لا يؤمنون لأنه رد لقولهم قلوبنا غلف فيكون من صلة وقولهم المعطوف على المجرور فلا يعمل في جاره . { وَكُفْرِهِم بئايات الله } بالقرآن أو بما جاء في كتابهم . { وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ } أوعية للعلوم ، أو في أكنة مما تدعونا إليه . { بَلْ طَبَعَ الله عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ } فجعلها محجوبة عن العلم ، أو خذلها ومنعها التوفيق للتدبر في الآيات والتذكر في المواعظ . { فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } منهم كعبد الله بن سلام ، أو إيماناً قليلاً إذ لا عبرة به لنقصانه .","part":2,"page":28},{"id":529,"text":"{ وَبِكُفْرِهِمْ } بعيسى E ، وهو معطوف على بكفرهم لأنه من أسباب الطبع ، أو على قوله : { فَبِمَا نَقْضِهِم } ويجوز أن يعطف مجموع هذا وما عطف عليه على مجموع ما قبله ويكون تكرير ذكر الكفر إيذاناً بتكرر كفرهم ، فإنهم كفروا بموسى ثم بعيسى ثم بمحمد E . { وَقَوْلِهِمْ على مَرْيَمَ بهتانا عَظِيماً } يعني نسبتها إلى الزنا . { وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله } أي بزعمهم ويحتمل أنهم قالوه استهزاء ، ونظيره أن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون وأن يكون استئنافاً من الله سبحانه وتعالى بمدحه ، أو وضعاً للذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح . { وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ } روي ( أن رهطاً من اليهود سبوه وأمه فدعا عليهم فمسخهم الله تعالى قردة وخنازير ، فاجتمعت اليهود على قتله فأخبره الله تعالى بأنه يرفعه إلى السماء ، فقال لأصحابه : أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة ، فقام رجل منهم فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب . وقيل ( كان رجلاً ينافقه فخرج ليدل عليه ، فألقى الله عليه شبهه فأخذ وصلب وقتل ) وقيل : ( دخل طيطانوس اليهودي بيتاً كان هو فيه فلم يجده ، وألقى الله عليه شبهه فلما خرج ظن أنه عيسى فأخذ وصلب ) . وأمثال ذلك من الخوارق التي لا تستبعد في زمان النبوة ، وإنما ذمهم الله سبحانه وتعالى بما دل عليه الكلام من جراءتهم على الله سبحانه وتعالى ، وقصدهم قتل نبيه المؤيد بالمعجزات الباهرة ، وتبجحهم به لا بقولهم هذا على حسب حسبانهم ، و { شُبّهَ } مسند إلى الجار والمجرور كأنه قيل ولكن وقع لهم التشبيه بين عيسى والمقتول أو في الأمر على قول من قال : لم يقتل أحد ولكن أرجف بقتله فشاع بين الناس ، أو إلى ضمير المقتول لدلالة إنا قتلنا على أن ثم قَتيلاً . { وَإِنَّ الذين اختلفوا فِيهِ } في شأن عيسى E ، فإنه لما وقعت تلك الواقعة اختلف الناس فقال بعض اليهود : إنه كان كاذباً فقتلناه حقاً ، وتردد آخرون فقال بعضهم : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ، وقال بعضهم : الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا ، وقال من سمع منه أن الله سبحانه وتعالى يرفعني إلى السماء : أنه رفع إلى السماء . وقال قوم : صلب الناسوت وصعد اللاهوت . { لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ } لفي تردد ، والشك كما يطلق على ما لا يترجح أحد طرفيه يطلق على مطلق التردد ، وعلى ما يقابل العلم ولذلك أكده بقوله : { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتباع الظن } استثناء منقطع أي لكنهم يتبعون الظن ، ويجوز أن يفسر الشك بالجهل والعلم بالاعتقاد الذي تسكن إليه النفس جزماً كان أو غيره فيتصل الاستثناء . { وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً } قتلاً يقيناً كما زعموه بقولهم { إِنَّا قَتَلْنَا المسيح } ، أو متيقنين . وقيل معناه ما علموه يقيناً كقول الشاعر :\rكَذَاكَ تُخْبِرُ عَنْهَا العَالِمَاتُ بِهَا ... وَقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذلِكُمُ يَقِينا\rمن قولهم قتلت الشيء علماً ونحرته علماً إذا أردت أن تبالغ في علمك .","part":2,"page":29},{"id":530,"text":"{ بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ } وإنكار لقتله وإثبات لرفعه . { وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغلب على ما يريده . { حَكِيماً } فيما دبره لعيسى E .","part":2,"page":30},{"id":531,"text":"{ وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ } أي وما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به ، فقوله { لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ } جملة قسمية وقعت صفة لأحد ويعود إليه الضمير الثاني ، والأول لعيسى E . والمعنى ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بأن عيسى عبد الله ورسوله قبل أن يموت ولو حين أن تزهق روحه ولا ينفعه إيمانه ويؤيد ذلك أنه قرىء . «إلا ليؤمنن به قبل موتهم» بضم النون لأن أحداً في معنى الجمع ، وهذا كالوعيد لهم والتحريض على معاجلة الإِيمان به قبل أن يضطروا إليه ولم ينفعهم إيمانهم . وقيل الضميران لعيسى عليه أفضل الصلاة والسلام ، والمعنى : أنه إذا نزل من السماء آمن به أهل الملل جميعاً . روي : أنه E ينزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه ولا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا يؤمن به ، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام ، وتقع الأمنة حتى ترتع الأسود مع الإِبل ، والنمور مع البقر ، والذئاب مع الغنم ، وتلعب الصبيان بالحيات . ويلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه ، { وَيَوْمَ القيامة يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً } فيشهد على اليهود بالتكذيب وعلى النصارى بأنهم دعوه ابن الله .","part":2,"page":31},{"id":532,"text":"{ فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ } أي فبأي ظلم منهم . { حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } يعني ما ذكره في قوله وعلى الذين هادوا حرمنا . { وَبِصَدّهِمْ عَن سَبِيلِ الله كَثِيراً } ناساً كثيراً أو صداً كثيراً .","part":2,"page":32},{"id":533,"text":"{ وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ } كان الربا محرماً عليهم كما هو محرم علينا ، وفيه دليل على دلالة النهي على التحريم . { وَأَكْلِهِمْ أموال الناس بالباطل } بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة . { وَأَعْتَدْنَا للكافرين مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } دون من تاب وآمن .","part":2,"page":33},{"id":534,"text":"{ لكن الراسخون فِى العلم مِنْهُمْ } كعبد الله بن سلام وأصحابه . { والمؤمنون } أي منهم أو من المهاجرين والأنصار . { يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ } خبر المبتدأ { والمقيمين الصلاة } نصب على المدح إن جعل يؤمنون الخبر لأولئك ، أو عطف على ما أنزل إليك والمراد بهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أي : يؤمنون بالكتب والأنبياء . وقرىء بالرفع عطفاً على { الراسخون } أو على الضمير في { يُؤْمِنُونَ } أو على أنه مبتدأ والخبر { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ } . { والمؤتون الزكواة } رفعه لأحد الأوجه المذكورة . { والمؤمنون بالله واليوم الأخر } قدم عليه الإِيمان بالأنبياء والكتب وما يصدقه من اتباع الشرائع لأنه المقصود بالآية . { أولئك سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً } على جمعهم بين الإِيمان الصحيح والعمل الصالح وقرأ حمزة «سيؤتيهم» بالياء .","part":2,"page":34},{"id":535,"text":"{ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ } جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتاباً من السماء ، واحتجاج عليهم بأن أمره في الوحي كسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { وَأَوْحَيْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق وَيَعْقُوبَ والأسباط وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وهارون وسليمان } خصهم بالذكر مع اشتمال النبيين عليهم تعظيماً لهم ، فإن إبراهيم أول أولي العزم منهم وعيسى آخرهم ، والباقين أشرف الأنبياء ومشاهيرهم . { وَءاتَيْنَا دَاوَُ زَبُوراً } وقرأ حمزة { زَبُوراً } بالضم وهو جمع زبر . بمعنى مزبور .","part":2,"page":35},{"id":536,"text":"{ وَرُسُلاً } نصب بمضمر دل عليه أوحينا إليك كأرسلنا أو فسره : { قَدْ قصصناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ } أي من قبل هذه السورة أو اليوم . { وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً } وهو منتهى مراتب الوحي خص به موسى من بينهم ، وقد فضل الله محمداً A بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد منهم .","part":2,"page":36},{"id":537,"text":"{ رُّسُلاً مُّبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } نصب على المدح أو بإضمار أرسلنا ، أو على الحال ويكون رسلاً موطئاً لما بعده كقولك مررت بزيد رجلاً صالحاً . { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } فيقولوا لولا أرسلت إلينا رسولاً فينبهنا ويعلمنا ما لم نكن نعلم ، وفيه تنبيه على أن بعثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلى الناس ضرورة لقصور الكل عن إدراك جزيئات المصالح والأكثر عن إدراك كلياتها ، واللام متعلقة بأرسلنا أو بقوله { مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } ، و { حُجَّةٌ } اسم كان وخبره { لِلنَّاسِ } أو { عَلَى الله } والآخر حال ، ولا يجوز تعلقه بحجة لأنه مصدر وبعد ظرف لها أو صفة . { وَكَانَ الله عَزِيزاً } لا يغلب فيما يريد . { حَكِيماً } فيما دبر من أمر النبوة وخص كل نبي بنوع من الوحي والإِعجاز .","part":2,"page":37},{"id":538,"text":"{ لكن الله يَشْهَدُ } استدراك عن مفهوم ما قبله فكأنه لما تعنتوا عليه بسؤال كتاب ينزل عليهم من السماء ، واحتج عليهم بقوله { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } قال : إنهم لا يشهدون ولكن الله يشهد ، أو أنهم أنكروه ولكن الله يثبته ويقرره . { بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ } من القرآن المعجز الدال على نبوتك . روي أنه لما نزل إنا أوحينا إليك قالوا ما نشهد لك فنزلت . { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } أنزله متلبساً بعلمه الخاص به ، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ ، أو بحال من يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه ، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم ، فالجار والمجرور على الأولين حال من الفاعل وعلى الثالث حال من المفعول ، والجملة كالتفسير لما قبلها { والملائكة يَشْهَدُونَ } أيضاً بنبوتك . وفيه تنبيه على أنهم يودون أن يعلموا صحة دعوى النبوة على وجه يستغني عن النظر والتأمل ، وهذا النوع من خواص الملك ولا سبيل للإنسان إلى العلم بأمثال ذلك سوى الفكر والنظر ، فلو أتى هؤلاء بالنظر الصحيح لعرفوا نبوتك وشهدوا بها كما عرفت الملائكة وشهدوا . { وكفى بالله شَهِيداً } أي وكفى بما أقام من الحجج على صحة نبوتك عن الاستشهاد بغيره .","part":2,"page":38},{"id":539,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً } لأنهم جمعوا بين الضلال والإِضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقلاع عنه .","part":2,"page":39},{"id":540,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ } محمداً E بإنكار نبوته ، أو الناس بصدهم عما فيه صلاحهم وخلاصهم أو بأعم من ذلك . والآية تدل على أن الكفار مخاطبون بالفروع إذ المراد بهم الجامعون بين الكفر والظلم . { لَمْ يَكُنِ الله لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً } .","part":2,"page":40},{"id":541,"text":"{ إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا أَبَداً } لجرى حكمه السابق ووعده المحتوم على أن من مات على كفره فهو خالد في النار وخالدين حال مقدرة . { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } لا يصعب عليه ولا يستعظمه .","part":2,"page":41},{"id":542,"text":"{ يأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الرسول بالحق مِن رَّبّكُمْ } لما قرر أمر النبوة وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ووعيد من أنكرها ، خاطب الناس عامة بالدعوة وإلزام الحجة والوعد بالإِجابة والوعيد على الرد . { فَآمِنُوا خَيراً لَكُمْ } أي إيماناً خيراً لكم أو ائتوا أمراً خيراً لكم مما أنتم عليه . وقيل تقديره يكن الإِيمان خيراً لكم ومنعه البصريون لأن كان لا يحذف مع اسمه إلا فيما لا بد منه ولأنه يؤدي إلى الشرط وجوابه . { وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض } يعني وإن تكفروا فهو غني عنكم لا يتضرر بكفركم كما لا ينتفع بإيمانكم ، ونبه على غناه بقوله : { للَّهِ مَا فِي السموات والأرض } وهو يعم ما اشتملتا عليه وما ركبتا منه . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بأحوالهم . { حَكِيماً } فيما دبر لهم .\r{ يأَهْلَ الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ } الخطاب للفريقين ، غلت اليهود في حط عيسى E حتى رموه بأنه ولد من غير رشدة ، والنصارى في رفعه حتى اتخذوه إلهاً . وقيل الخطاب للنصارى خاصة فإنه أوفق لقوله : { وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } يعني تنزيهه عن الصاحبة والولد . { إِنَّمَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولُ الله وَكَلِمَتُهُ ألقاها إلى مَرْيَمَ } أوصلها إليها وخصَّها فيها . { وَرُوحٌ مّنْهُ } وذو روح صدر منه لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له ، وقيل سمي روحاً لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب { فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ } أي الآلهة ثلاثة الله والمسيح ومريم ، ويشهد عليه قوله تعالى : { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّيَ إلهين مِن دُونِ الله } أو الله ثلاثة إن صح أنهم يقولون الله ثلاثة أقانيم الأب والابن وروح القدس ، ويريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح القدس الحياة . { انتهوا } عن التثليث . { خَيْراً لَّكُمْ } نصبه كما سبق . { إِنَّمَا الله إله واحد } أي واحد بالذات لا تعدد فيه بوجه ما . { سبحانه أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ } أي أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد فإنه يكون لمن يعادله مثل ويتطرق إليه فناء . { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } ملكاً وخلقاً لا يماثله شيء من ذلك فيتخذه ولداً . { وكفى بالله وَكِيلاً } تنبيه على غناه عن الولد فإن الحاجة إليه ليكون وكيلاً لأبيه والله سبحانه وتعالى قائم بحفظ الأشياء كاف في ذلك مستغن عمن يخلقه أو يعينه .\r{ لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح } لن يأنف ، من نكفت الدمع إذا نحيته بأصبعك كيلا يرى أثره عليك . { أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ } من أن يكون عبداً له فإن عبوديته شرف يتباهى به ، وإنما المذلة والاستنكاف في عبودية غيره . روي « أن وفد نجران قالوا لرسول الله A : لم تعيب صاحبنا؟ قال رسول الله A : ومن صاحبكم؟ قالوا : عيسى E ، قال عليه السلام : وأي شيء أقول . قالوا : تقول إنه عبد الله ورسوله ، قال إنه ليس بعار أن يكون عبد الله ، قالوا : بلى »","part":2,"page":42},{"id":543,"text":"فنزلت { وَلاَ الملائكة المقربون } عطف على المسيح أي ولا يستنكف الملائكة المقربون أن يكونوا عبيداً لله ، واحتج به من زعم فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقال مساقه لرد قول النصارى في رفع المسيح عن مقام العبودية وذلك يقتضي أن يكون المعطوف أعلى درجة من المعطوف عليه حتى يكون عدم استنكافهم كالدليل على عدم استنكافه ، وجوابه أن الآية للرد على عبدة المسيح والملائكة فلا يتجه ذلك وإن سلم اختصاصها بالنصارى فلعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير دون التكبير كقولك : أصبح الأمير لا يخالفه رئيس ولا مرءوس ، وإن أراد به التكبير فغايته تفضيل المقربين من الملائكة وهم الكروبيون الذين هم حول العرش ، أو من أعلى منهم رتبة من الملائكة على المسيح من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا يستلزم فضل أحد الجنسين على الآخر مطلقاً والنزاع فيه { وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ } ومن يرتفع عنها ، والاستكبار دون الاستنكاف ولذلك عطف عليه وإنما يستعمل من حيث الاستحقاق بخلاف التكبر فإنه قد يكون بالاستحقاق . { فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعاً } فيجازيهم .\r{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُوَفّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزيدُهُمْ مّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الذين استنكفوا واستكبروا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً أَلُِيماً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِياً وَلاَ نَصِيراً } تفصيل للمجازاة العامة المدلول عليها من فحوى الكلام ، وكأنه قال فسيحشرهم إليه جميعاً يوم يحشر العباد للمجازاة ، أو لمجازاتهم فإن إثابة مقابلهم والإِحسان إليهم تعذيب لهم بالغم والحسرة .\r{ يَأَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمْ بُرْهَانٌ مّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً } عنى بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن ، أي قد جاءكم دلائل العقل وشواهد النقل ولم يبق لكم عذر ولا علة ، وقيل : البرهان الدين أو رسول الله A أو القرآن .\r{ فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ بالله واعتصموا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ } في ثواب قدره بإزاء إيمانه وعمله رحمة منه لا قضاء لحق واجب . { وَفَضَّلَ } إحسان زائد عليه { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ } إلى الله سبحانه وتعالى . وقيل إلى الموعود . { صراطا مُّسْتَقِيماً } هو الإِسلام والطاعة في الدنيا ، وطريق الجنة في الآخرة . { يَسْتَفْتُونَكَ } أي في الكلالة حذفت لدلالة الجواب عليه . روي « أن جابر بن عبد الله كان مريضاً فعاده رسول الله A فقال : إني كلالة فكيف أصنع في مالي » فنزلت وهي آخر ما نزل من الأحكام .\r{ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة } سبق تفسيرها في أول السورة . { إِن امرؤ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ } ارتفع { امرؤ } ارتفع إمرؤ بفعل يفسره الظاهر ، وليس له ولد صفة له أو حال من المستكن في هلك ، والواو في { وَلَهُ } يحتمل الحال والعطف ، والمراد بالأخت الأخت من الأبوين أو الأب لأنه جعل أخوها عصبة وابن الأم لا يكون عصبة ، والولد على ظاهره فإن الأخت وإن ورثت مع البنت عند عامة العلماء غير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لكنها لا ترث النصف .","part":2,"page":43},{"id":544,"text":"{ وَهُوَ يَرِثُهَا } أي والمرء يرث إن كان الأمر بالعكس . { إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ } ذكراً كان أو أنثى إن أريد بيرثها يرث جميع مالها ، وإلا فالمراد به الذكر إذ البنت لا تحجب الأخ ، والآية كما لم تدل على سقوط الإِخوة بغير الولد لم تدل على عدم سقوطهم به وقد دلت السنة على أنهم لا يرثون مع الأب وكذا مفهوم قوله : { قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة } إن فسرت بالميت . { فَإِن كَانَتَا اثنتين فَلَهُمَا الثلثان مِمَّا تَرَكَ } الضمير لمن يرث بالأخوة وتثنيته محمولة على المعنى ، وفائدة الإخبار عنه باثنتين التنبيه على أن الحكم باعتبار العدد دون الصغر والكبر وغيرهما . { وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظّ الأنثيين } أصله وإن كانوا إخوة وأخوات فغلب المذكر . { يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ } أي يبين الله لكم ضلالكم الذي من شأنكم إذا خليتم وطباعكم لتحترزوا عنه وتتحروا خلافه ، أو يبين لكم الحق والصواب كراهة أن تضلوا . وقيل لئلا تضلوا فحذف لا وهو قول الكوفيين . { والله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فهو عالم بمصالح العباد في المحيا والممات . عن النبي A : « من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة ، وورث ميراثاً وأعطي من الأجر كمن اشترى محرراً ، وبرىء من الشرك وكان في مشيئة الله تعالى من الذين يتجاوز عنهم » .","part":2,"page":44},{"id":545,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود } الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإِيفاء والعقد العهد الموثق قال الحطيئة :\rقَوْمٌ إِذَا عَقَدُوا عَقْداً لِجَارِهمُ ... شَدُّوا العِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا\rوأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال ، ولعل المراد بالعقود ما يعم العقود التي عقدها الله سبحانه وتعالى على عباده وألزمها إياهم من التكاليف ، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به ، أو يحسن إن حملنا الأمر على المشترك بين الوجوب والندب . { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنعام } تفصيل للعقود ، والبهيمة كل حي لا يميز . وقيل كل ذات أربع ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان كقولك : ثوب خز ، ومعناه البهيمة من الأنعام . وهي الأزواج الثمانية وألحق بها الظباء وبقر الوحش . وقيل هما المراد بالبهيمة ونحوهما مما يماثل الأنعام في الاجترار وعدم الأنياب ، وإضافتها إلى الأنعام لملابسة الشبه . { إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } إلا محرم ما يتلى عليكم كقوله تعالى : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } أو إلا ما يتلى عليكم تحريمه . { غَيْرَ مُحِلّي الصيد } حال من الضمير في { لَكُمْ } وقيل من واو { أَوْفُواْ } وقيل استثناء وفيه تعسف و { الصيد } يحتمل المصدر والمفعول . { وَأَنتُمْ حُرُمٌ } حال مما استكن في { مُحِلّي } ، وال { حُرُمٌ } جمع حرام وهو المحرم . { إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } من تحليل أو تحريم .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَائِرَ الله } يعني مناسك الحج ، جمع شعيرة وهي اسم ما أشعر أي جعل شعاراً سمى به أعمال الحج ومواقفه لأنها علامات الحج وأعلام النسك . وقيل دين الله لقوله سبحانه وتعالى : { وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } أي دينه . وقيل فرائضه التي حدها لعباده . { وَلاَ الشهر الحرام } بالقتال فيه أو بالنسيء . { وَلاَ الهدي } ما أهدي إلى الكعبة ، جمع هدية كجدي في جميع جدية السرح . { وَلاَ القلائد } أي ذوات القلائد من الهدي ، وعطفها على الهدي للاختصاص فإنها أشرف الهدي ، أو القلائد أنفسها والنهي عن إحلالها مبالغة في النهي عن التعرض للهدي ، ونظيره قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } والقلائد جمع قلادة وهي ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له . { وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } قاصدين لزيارته . { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّن رَّبّهِمْ ورضوانا } أن يثيبهم ويرضى عنهم ، والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين وليست صفة له ، لأنه عامل والمختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يعمل ، وفائدته استنكار تعرض من هذا شأنه والتنبيه على المانع له . وقيل معناه يبتغون من الله رزقاً بالتجارة ورضواناً بزعمهم إذ روي أن الآية نزلت عام القضية في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يتعرضوا لهم بسبب أنه كان فيهم الحطيم بن شريح بن ضبيعة ، وكان قد استاق سرح المدينة وعلى هذا فالآية منسوخة .","part":2,"page":45},{"id":546,"text":"وقرىء تبتغون على خطاب المؤمنين { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا } إذن في الاصطياد بعد زوال الإِحرام ولا يلزم من إرادة الإِباحة ههنا من الأمر دلالة الأمر الآتي بعد الحظر على الإِباحة مطلقاً . وقرىء بكسر الفاء على إلقاء حركة الوصل عليها وهو ضعيف جداً . وقرىء «أحللتم» يقال حل المحرم وأحل { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } لا يحملنكم أو لا يكسبنكم . { شَنَآنُ قَوْمٍ } شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر أضيف إلى المفعول أو الفاعل . وقرأ ابن عامر وإسماعيل عن نافع وابن عياش عن عاصم بسكون النون وهو أيضاً مصدر كليان أو نعت بمعنى : بغيض قوم وفعلان في النعت أكثر كعطشان وسكران . { أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } لأن صدوكم عنه عام الحديبية . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يجرمنكم . { أَن تَعْتَدُواْ } بالانتقام ، وهو ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب . ومن قرأ { يَجْرِمَنَّكُمْ } بضم الياء جعله منقولاً من المتعدي إلى مفعول بالهمزة إلى مفعولين . { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى البر والتقوى } على العفو والإِغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى . { وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإثم والعدوان } للتشفي والانتقام . { واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ آلْعِقَابِ } فانتقامه أشد .\r{ حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } بيان ما يتلى عليكم ، والميتة ما فارقه الروح من غير تذكية . { والدم } أي الدم المسفوح لقوله تعالى : { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } وكان أهل الجاهلية يصبونه في الأمعاء ويشوونها . { وَلَحْمُ الخنزير وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } أي رفع الصوت لغير الله به كقولهم : باسم اللات والعزى عند ذبحه . { والمنخنقة } أي التي ماتت بالخنق . { والموقوذة } المضروبة بنحو خشب ، أو حجر حتى تموت من وقذته إذا ضربته . { والمتردية } التي تردت من علو أو في بئر فماتت . { والنطيحة } التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح والتاء فيها للنقل . { وَمَا أَكَلَ السبع } وما أكل منه السبع فمات ، وهو يدل على أن جوارح الصيد إذا أكلت مما اصطادته لم تحل . { إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } إلا ما أدركتم ذكاته وفيه حياة مستقرة من ذلك . وقيل الاستثناء مخصوص بما أكل السبع . والذكاة في الشرع لقطع الحلقوم والمريء بمحدد . { وَمَا ذُبِحَ عَلَى النصب } النصب واحد الأنصاب وهي أحجار كانت منصوبة حول البيت يذبحون عليها ويعدون ذلك قربة . وقيل هي الأصنام وعلى بمعنى اللام أو على أصلها بتقدير وما ذبح مسمى على الأصنام . وقيل هو جمع والواحد نصاب . { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بالأزلام } أي وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام ، وذلك أنهم إذا قصدوا فعلاً ضربوا ثلاثة أقداح . مكتوب على أحدها ، أمرني ربي . وعلى الآخر : نهاني ربي . والثالث غفل ، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك وإن خرج الناهي تجنبوا عنه وإن خرج الغفل أجلوها ثانياً ، فمعنى الاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم دون ما لم يقسم لهم بالأزلام .","part":2,"page":46},{"id":547,"text":"وقيل : هو استقسام الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة وواحد الأزلام زلم كجمل وزلم كصرد . { ذلكم فِسْقٌ } إشارة إلى الاستقسام ، وكونه فسقاً لأنه دخول في علم الغيب وضلال باعتقاد أن ذلك طريق إليه ، وافتراء على الله سبحانه وتعالى إن أريد بربي الله ، وجهالة وشرك إن أريد به الصنم أو الميسر المحرم أو إلى تناول ما حرم عليهم . { اليوم } لم يرد به يوماً بعينه وإنما أراد الزمان الحاضر وما يتصل به من الأزمنة الآتية . وقيل أراد يوم نزولها وقد نزلت بعد عصر يوم الجمعة في عرفة حجة الوداع . { يَئِسَ الذين كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ } أي من إبطاله ورجوعكم عنه بتحليل هذه الخبائث وغيرها أو من أن يغلبوكم عليه . { فَلاَ تَخْشَوْهُمْ } أن يظهروا عليكم . { واخشون } وأخلصوا الخشية لي . { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } بالنصر والإظهار على الأديان كلها ، أو بالتنصيص على قواعد العقائد والتوقيف على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد . { وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } بالهداية والتوفيق أو بإكمال الدين أو بفتح مكة وهدم منار الجاهلية . { وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً } اخترته لكم ديناً من بين الأديان وهو الدين عند الله لا غير . { فَمَنِ اضطر } متصل بذكر المحرمات وما بينهما اعتراض لما يوجب التجنب عنها ، وهو أن تناولها فسوق وحرمتها من جملة الدين الكامل والنعمة التامة والإِسلام المرضي والمعنى : فمن اضطر إلى تناول شيء من هذه المحرمات . { فِي مَخْمَصَةٍ } مجاعة { غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ } غير مائل له ومنحرف إليه بأن يأكلها تلذذاً أو مجاوزاً حد الرخصة كقوله : { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه بأكله .\r{ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة ، وقد سبق الكلام في { مَاذَا } وإنما قال لهم ولم يقل لنا على الحكاية ، لأن { يَسْأَلُونَكَ } بلفظ الغيبة وكلا الوجهين سائغ في أمثاله ، والمسؤول ما أحل لهم من المطاعم كأنهم لما تلي عليهم ما حرم عليهم سألوا عما أحل لهم . { قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات } ما لم تستخبثه الطباع السليمة ولم تنفر عنه ومن مفهومه حرم مستخبثات العرب ، أو ما لم يدل نص ولا قياس على حرمته . { وَمَا عَلَّمْتُمْ مّنَ الجوارح } عطف على { الطيبات } إن جعلت { مَا } موصولة على تقدير وصيد ما علمتم ، وجملة شرطية إن جعلت شرطاً وجوابها { فَكُلُواْ } و { الجوارح } كواسب الصيد على أهلها من سباع ذوات الأربع والطير { مُكَلِّبينَ } معلمين إياه الصيد ، والمكلب مؤدب الجوارح ومضر بها بالصيد . مشتق من الكلب ، لأن التأديب يكون أكثر فيه وآثر ، أو لأن كل سبع يسمى كلباً لقوله E « اللهم سلط عليه كلباً من كلابك »","part":2,"page":47},{"id":548,"text":"وانتصابه على الحال من علمتم وفائدتها المبالغة في التعليم . { تُعَلّمُونَهُنَّ } حال ثانية أو استئناف . { مِمَّا عَلَّمَكُمُ الله } من الحيل وطرق التأديب ، فإن العلم بها إلهام من الله تعالى أو مكتسب بالعقل الذي هو منحة منه سبحانه وتعالى ، أو مما علمكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه ، وأن ينزجر بزجره وينصرف بدعائه ويمسك عليه الصيد ولا يأكل منه . { فَكُلُواْ مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } وهو ما لم تأكل منه لقوله E لعدي بن حاتم « وإن أكل منه فلا تأكل إنما أمسك على نفسه » وإليه ذهب أكثر الفقهاء وقال بعضهم : لا يشترط ذلك في سباع الطير لأن تأديبها إلى هذا الحد متعذر ، وقال آخرون لا يشترط مطلقاً . { واذكروا اسم الله عَلَيْهِ } الضمير لما علمتم والمعنى : سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن بمعنى سموا عليه إذا أدركتم ذكاته . { واتقوا الله } في محرماته . { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } فيؤاخذكم بما جل ودق .\r{ اليوم أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } يتناول الذبائح وغيرها ، ويعم الذين أوتوا الكتاب اليهود والنصارى ، واستثنى علي رضي الله تعالى عنه نصارى بني تغلب وقال : ليسوا على النصرانية ، ولم يأخذوا منها إلا شرب الخمر . ولا يلحق بهم المجوس في ذلك وإن ألحقوا بهم في التقرير على الجزية لقوله E : « سنوا بهم سنة أهل الكتاب ، غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم » { وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ } فلا عليكم أن تطعموهم وتبيعوه منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك . { والمحصنات مِنَ المؤمنات } أي الحرائر أو العفائف ، وتخصيصهن بعث على ما هو الأولى . { والمحصنات مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ } وإن كن حربيات وقال ابن عباس لا تحل الحربيات . { إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } مهورهن وتقييد الحل بإيتائها لتأكيد وجوبها والحث على ما هو الأولى . وقيل المراد بإيتائها التزامها { مُّحْصِنِينَ } أعفاء بالنكاح . { غَيْرَ مسافحين } غير مجاهرين بالزنا . { وَلاَ مُتَّخِذِى أَخْدَانٍ } مسرين به ، والخدن الصديق يقع على الذكر والأنثى . { وَمَن يَكْفُرْ بالإيمان فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين } يريد بالإِيمان شرائع الإِسلام وبالكفر إنكاره والامتناع عنه .","part":2,"page":48},{"id":549,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } أي إذا أردتم القيام كقوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } عبر عن إرادة الفعل المسبب عنها للإيجاز والتنبيه على أن من أراد العبادة ينبغي أن يبادر إليها ، بحيث لا ينفك الفعل عن الإرادة ، أو إذا قصدتم الصلاة لأن التوجه إلى الشيء والقيام إليه قصد له ، وظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة وإن لم يكن محدثاً ، والإِجماع على خلافه لما روي « أنه E صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد يوم الفتح فقال عمر رضي الله تعالى عنه : صنعت شيئاً لم تكن تصنعه فقال عمداً فعلته » فقيل مطلق أريد به التقييد ، والمعنى إذا قمتم إلى الصلاة محدثين . وقيل الأمر فيه للندب . وقيل كان ذلك أول الأمر ثم نسخ وهو ضعيف لقوله E : « المائدة من آخر القرآن نزولاً فأحلوا حلالها وحرموا حرامها » { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } أمروا الماء عليها ولا حاجة إلى الدلك خلافاً لمالك . { وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } الجمهور على دخول المرفقين في المغسول ولذلك قيل : { إلى } بمعنى مع كقوله تعالى : { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } أو متعلقة بمحذوف تقديره : وأيديكم مضافة إلى المرافق ، ولو كان كذلك لم يبق لمعنى التحديد ولا لذكره مزيد فائدة ، لأن مطلق اليد يشتمل عليها . وقيل : إلى تفيد الغاية مطلقاً وأما دخولها في الحكم أو خروجها منه فلا دلالة لها عليه وإنما يعلم من خارج ولم يكن في الآية ، وكانت الأيدي متناولة لها فحكم بدخولها احتياطاً . وقيل إلى من حيث أنها تفيد الغاية تقتضي خروجها وإلا لم تكن غاية لقوله تعالى : { فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ } وقوله تعالى : { ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل } لكن لما لم تتميز الغاية ها هنا عن ذي الغاية وجب إدخالها احتياطاً . { وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ } الباء مزيدة . وقيل للتبعيض ، فإنه الفارق بين قولك مسحت المنديل وبالمنديل ، ووجهه أن يقال إنها تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق فكأنه قيل : وألصقوا المسح برؤوسكم ، وذلك لا يقتضي الاستيعاب بخلاف ما لو قيل : وامسحوا رؤوسكم فإنه كقوله : { فاغسلوا وُجُوهَكُمْ } واختلف العلماء في قدر الواجب . فأوجب الشافعي رضي الله تعالى عنه : أقل ما يقع عليه الاسم أخذاً باليقين . وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه : مسح ربع الرأس ، لأنه E مسح على ناصيته وهو قريب من الربع . ومالك رضي الله تعالى عنه : مسح كله أخذاً بالاحتياط . { وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } نصبه نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب عطفاً على وجوهكم ويؤيده : السنة الشائعة ، وعمل الصحابة ، وقول أكثر الأئمة ، والتحديد ، إذ المسح لم يحد . وجره الباقون على الجوار ونظيره كثير في القرآن والشعر كقوله تعالى :","part":2,"page":49},{"id":550,"text":"{ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } { وَحُورٌ عِينٌ } بالجر في قراءة حمزة والكسائي ، وقولهم جحر ضب خرب . وللنحاة باب في ذلك ، وفائدته التنبيه على أنه ينبغي أن يقتصد في صب الماء عليها ويغسل غسلاً يقرب من المسح ، وفي الفصل بينه وبين أخويه إيماء على وجوب الترتيب . وقرىء بالرفع على { وَأَرْجُلَكُمْ } مغسولة . { وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فاطهروا } فاغتسلوا . { وَإِنْ كُنتُم مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مّنْكُمْ مّن الغائط أَوْ لامستم النساء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } سبق تفسيره ، ولعل تكريره ليتصل الكلام في بيان أنواع الطهارة . { مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مّنْ حَرَجٍ } أي ما يريد الأمر بالطهارة للصلاة أو الأمر بالتيمم تضييقًا عليكم . { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } لينظفكم ، أو ليطهركم عن الذنوب فإن الوضوء تكفير للذنوب ، أو ليطهركم بالتراب إذا أعوزكم التطهير بالماء . فمفعول { يُرِيدُ } في الموضعين محذوف واللام للعلة . وقيل مزيدة والمعنى : ما يريد الله أن يجعل عليكم من حرج حتى لا يرخص لكم في التيمم ، ولكن يريد أن يطهركم وهو ضعيف لأن أن لا تقدر بعد المزيدة . { وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ } ليتم بشرعه ما هو مطهرة لأبدانكم ومكفرة لذنوبكم نعمته عليكم في الدين ، أوليتم برخصه إنعامه عليكم بعزائمه . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمته . والآية مشتملة على سبعة أمور كلها مثنى : طهارتان أصل وبدل ، والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب ، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح وباعتبار المحل محدود وغير محدود ، وأن آلتهما مائع وجامد ، وموجبهما حدث أصغر وأكبر ، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر ، وأن الموعود عليهما تطهير الذنوب وإتمام النعمة .\r{ واذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } بالإِسلام لتذكركم المنعم وترغبكم في شكره . { وميثاقه الذى وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } يعني الميثاق الذي أخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله A على السمع والطاعة في العسر واليسر ، والمنشط والمكره ، أو ميثاقه ليلة العقبة أو بيعة الرضوان . { واتقوا الله } في إنساء نعمته ونقض ميثاقه . { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } أي بخفياتها فيجازيكم عليها فضلاً عن جليات أعمالكم .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاءَ بالقسط وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ } عداه بعلى لتضمنه معنى الحمل ، والمعنى لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل ، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفياً مما في قلوبكم . { اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى } أي العدل أقرب للتقوى ، صرح لهم بالأمر بالعدل وبين أنه بمكان من التقوى بعدما نهاهم عن الجور وبين أنه مقتضى الهوى ، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين . { واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فيجازيكم به ، وتكرير هذا الحكم إما لاختلاف السبب كما قيل إن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود ، أو لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ . { وَعَدَ الله الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } إنما حذف ثاني مفعولي وعد استغناء بقوله { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } فإنه استئناف يبينه . وقيل الجملة في موضع المفعول فإن الوعد ضرب من القول وكأنه قال : وعدهم هذا القول .","part":2,"page":50},{"id":551,"text":"{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } هذا من عادته تعالى ، أن يتبع حال أحد الفريقين حال الآخر وفاء بحق الدعوة ، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم .","part":2,"page":51},{"id":552,"text":"{ يَا آَيُّهَا الَّذِينَ آمنواذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ } روي « أن المشركين رأوا رسول الله A وأصحابه بعسفان ، قاموا إلى الظهر معاً فلما صلوا ندموا ألا كانوا أكبوا عليهم وهموا أن يوقعوا بهم إذا قاموا إلى العصر ، فرد الله عليهم كيدهم بأن أنزل عليهم صلاة الخوف » والآية إشارة إلى ذلك وقيل إشارة إلى ما روي « أنه E أتى قريظة ومعه الخلفاء الأربعة يستقرضهم لدية مسلمين قتلهما عمرو بن أمية الضمري يحسبهما مشركين ، فقالوا : نعم يا أبا القاسم اجلس حتى نطعمك ونقرضك فأجلسوه وهموا بقتله ، فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة يطرحها عليه ، فأمسك الله يده فنزل جبريل فأخبره فخرج » وقيل « نزل رسول الله A منزلاً وعلق سلاحه بشجرة وتفرق الناس عنه ، فجاء أعرابي فسل سيفه وقال : من يمنعك مني؟ فقال : الله فأسقطه جبريل من يده ، فأخذه الرسول A وقال : من يمنعك مني فقال لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله » فنزلت { إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ } بالقتل والإهلاك ، يقال بسط إليه يده إذا بطش به وبسط إليه لسانه إذا شتمه . { فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } منعها أن تمد إليكم ورد مضرتها عنكم . { واتقوا الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فإنه الكافي لإِيصال الخير ودفع الشر .","part":2,"page":52},{"id":553,"text":"{ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِي إسراءيل وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً } شاهداً من كل سبط ينقب عن أحوال قومه ويفتش عنها ، أو كفيلاً يكفل عليهم بالوفاء بما أمروا به . روي أن بني إسرائيل لما فرغوا من فرعون واستقروا بمصر ، أمرهم الله سبحانه وتعالى بالمسير إلى أريحاء من أرض الشام ، وكان يسكنها الجبابرة الكنعانيون وقال : إني كتبتها لكم داراً وقراراً فاخرجوا إليها وجاهدوا من فيها فإني ناصركم ، وأمر موسى E أن يأخذ من كل سبط كفيلاً عليهم بالوفاء بما أمروا به ، فأخذ عليهم الميثاق واختار منهم النقباء وسار بهم فلما دنا من أرض كنعان بعث النقباء يتجسسون الأخبار ، ونهاهم أن يحدثوا قومهم ، فرأوا أجراماً عظيمة وبأساً شديداً فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ونكث الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط افراييم بن يوسف . { وَقَالَ الله إِنّي مَعَكُمْ } بالنصرة { لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءَاتَيْتُمْ الزكواة وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ } أي نصرتموهم وقويتموهم وأصله الذب ومنه التعزيز . { وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً } بالإِنفاق في سبيل الخير وقرضاً يحتمل المصدر والمفعول . { لأُكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم } جواب للقسم المدلول عليه باللام في لئن ساد مسد جواب الشرط . { وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذلك } بعد ذلك الشرط المؤكد المعلق به الوعد العظيم . { مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } ضلالاً لا شبهة فيه ولا عذر معه بخلاف من كفر قبل ذلك ، إذ قد يمكن أن يكون له شبهة ويتوهم له معذرة .","part":2,"page":53},{"id":554,"text":"{ فَبِمَا نَقْضِهِم ميثاقهم لعناهم } طردناهم من رحمتنا ، أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية . { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } لا تنفعل عن الآيات والنذر . وقرأ حمزة والكسائي «قسية» وهي إما مبالغة { قَاسِيَةً } أو بمعنى رديئة من قولهم درهم قسي إذا كان مغشوشاً ، وهو أيضاً من القسوة فإن المغشوش فيه يبس وصلابة وقرىء «قسية» بإتباع القاف للسين . { يُحَرّفُونَ الكلم عَن مواضعه } استئناف لبيان قسوة قلوبهم ، فإنه لا قسوة أشد من تغيير كلام الله سبحانه وتعالى والافتراء عليه ، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول { لعناهم } لا من القلوب إذ لا ضمير له فيه . { وَنَسُواْ حَظَّا } وتركوا نصيباً وافياً . { مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ } من التوراة ، أو من اتباع محمد A ، والمعنى أنهم حرفوا التوراة وتركوا حظهم مما أنزل عليهم فلم ينالوه ، وقيل معناه أنهم حرفوها فزلت بشؤمه أشياء منها عن حفظهم ، لما روي أن ابن مسعود قال : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية . { وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ على خَائِنَةٍ مّنْهُمْ } خيانة منهم ، أو فرقة خائنة أو خائن والتاء للمبالغة . والمعنى أن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم لا تزال ترى ذلك منهم . { إِلاَّ قَلِيلاً مّنْهُمُ } لم يخونوا وهم الذين آمنوا منهم ، وقيل استثناء من قوله : { وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً } { فاعف عَنْهُمْ واصفح } إن تابوا وآمنوا أو عاهدوا والتزموا الجزية . وقيل : مطلق نسخ بآية السيف . { إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين } تعليل للأمر بالصفح وحث عليه وتنبيه على أن العفو عن الكافر الخائن إحسان فضلاً عن العفو عن غيره .","part":2,"page":54},{"id":555,"text":"{ وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم } أي وأخذنا من النصارى ميثاقهم كما أخذنا ممن قبلهم ، وقيل تقديره ومن الذين قالوا إنا نصارى قوم أخذنا ، وإنما قال قالوا إنا نصارى ليدل على أنهم سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله سبحانه وتعالى . { فَنَسُواْ حَظّاً مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا } فألزمنا من غري بالشيء إذا لصق به . { بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة } بين فرق النصارى ، وهم نسطورية ويعقوبية وملكانية ، أو بينهم وبين اليهود . { وَسَوْفَ يُنَبّئُهُمُ الله بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } بالجزاء والعقاب .","part":2,"page":55},{"id":556,"text":"{ يَا أَهْلَ الكتاب } يعني اليهود والنصارى ، ووحد الكتاب لأنه للجنس . { قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيراً مّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكتاب } كنَت محمد A وآية الرجم في التوراة وبشارة عيسى E بأحمد A في الإِنجيل . { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } مما تخفونه لا يخبر به إذا لم يضطر إليه أمر ديني ، أو عن كثير منكم فلا يؤاخذه بجرمه . { قَدْ جَاءَكُمْ مّنَ الله نُورٌ وكتاب مُّبِينٌ } يعني القرآن فإنه الكاشف لظلمات الشك والضلال والكتاب الواضح الإِعجاز . وقيل يريد بالنور محمد A .","part":2,"page":56},{"id":557,"text":"{ يَهْدِي بِهِ الله } وحد الضمير لأن المراد بهما واحد ، أو لأنهما كواحد في الحكم . { مَنِ اتبع رِضْوَانَهُ } من اتبع رضاه بالإِيمان منهم . { سُبُلَ السلام } طرق السلامة من العذاب ، أو سبل الله . { وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ الظلمات إِلَى النور } من أنواع الكفر إلى الإِسلام . { بِإِذْنِهِ } بإرادته أو توفيقه . { وَيَهْدِيهِمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } طريق هو أقرب الطرق إلى الله سبحانه وتعالى ومؤد إليه لا محالة .","part":2,"page":57},{"id":558,"text":"{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ } هم الذين قالوا بالاتحاد منهم ، وقيل لم يصرح به أحد منهم ولكن لما زعموا أن فيه لاهوتاً وقالوا لا إله إلا الله واحد لزمهم أن يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحاً لجهلهم وتفضيحاً لمعتقدهم . { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ الله شَيْئاً } فمن يمنع من قدرته وإرادته شيئاً . { إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ المسيح } عيسى . { ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً } احتج بذلك على فساد عقولهم وتقريره : أن المسيح مقدور مقهور قابل للفناء كسائر الممكنات ومن كان كذلك فهو بمعزل عن الألوهية . { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } إزاحة لما عرض لهم من الشبهة في أمره ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى قادر على الإِطلاق يخلق من غير أصل كما خلق السموات والأرض ، ومن أصل كخلق ما بينهما فينشىء من أصل ليس من جنسه كآدم وكثير من الحيوانات ، ومن أصل يجانسه إما من ذكر وحده كما خلق حواء أو من أنثى وحدها كعيسى ، أو منهما كسائر الناس .","part":2,"page":58},{"id":559,"text":"{ وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } أشياع ابنيه عزيراً والمسيح كما قيل لأشياع ابن الزبير الحبيبون أو المقربون عنده قرب الأولاد من والدهم وقد سبق لنحو ذلك مزيد بيان في سورة «آل عمران» . { قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } أي فإن صح ما زعمتم فلم يعذبكم بذنوبكم فإن من كان بهذا المنصب لا يفعل ما يوجب تعذيبه ، وقد عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياماً معدودات . { بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ } ممن خلقه الله تعالى . { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء } وهم من آمن به وبرسله . { وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } وهم من كفر ، والمعنى أنه يعاملكم معاملة سائر الناس لا مزية لكم عنده . { وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } كلها سواء في كونها خلقاً وملكاً له . { وَإِلَيْهِ المصير } فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته .","part":2,"page":59},{"id":560,"text":"{ يَأَهْلَ الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ } أي الدين ، وحذف لظهوره ، أو ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره ويجوز أن لا يقدر مفعول على معنى يبذل لكم البيان والجملة في موضع الحال أي جاءكم رسولنا مبيناً لكم . { على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل } متعلق بجاءكم أي جاءكم على حين فتور من الإِرسال وانقطاع من الوحي ، أو يبين حال من الضمير فيه . { أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ } كراهة أن تقولوا ذلك وتعتذروا به . { فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ } متعلق بمحذوف أي لا تعتذروا ب { مَا جَاءنَا } فقد جاءكم . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على الإِرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام ، إذ كان بينهما ألف وسبعمائة سنة وألف نبي ، وعلى الإِرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كان بينهما ستمائة أو خمسمائة وتسع وستون سنة وأربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب خالد بن سنان العبسي ، وفي الآية امتنان عليهم بأن بعث إليهم حين انطمست آثار الوحي وكانوا أحوج ما يكونون إليه .","part":2,"page":60},{"id":561,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } فأرشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء . { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } أي وجعل منكم أو فيكم ، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهموا بقتل عيسى ، وقيل : لما كانوا مملوكين في أيدي القبط فأنقذهم الله وجعلهم مالكين لأنفسهم وأمورهم سماهم ملوكاً . { وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتَ أَحَداً مِنَ العَالَمِينَ } من فلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ونحوها مما آتاهم الله ، وقيل : المراد بالعالمين عالمي زمانهم .","part":2,"page":61},{"id":562,"text":"{ يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ } أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومسكن المؤمنين . وقيل : الطور وما حوله . وقيل : دمشق وفلسطين وبعض الأردن . وقيل الشام . { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } قسمها لكم أو كتب في اللوح أنها تكون مسكناً لكم ، ولكن إن آمنتم وأطعتم لقوله لهم بعدما عصوا { فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } { وَلاَ تَرْتَدُّوا على أدباركم } ولا ترجعوا مدبرين خوفاً من الجبابرة قيل لما سمعوا حالهم من النقباء بكوا وقالوا : ليتنا متنا بمصر تعالوا نجعل علينا رأساً ينصرف بنا إلى مصر ، أو لا ترتدوا عن دينكم بالعصيان وعدم الوثوق على الله سبحانه وتعالى . { فَتَنقَلِبُواْ خاسرين } ثواب الدارين ، ويجوز في فتنقلبوا الجزم على العطف والنصب على الجواب .","part":2,"page":62},{"id":563,"text":"{ قَالُواْ يَا موسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ } متغلبين لا تتأتى مقاومتهم ، والجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره وهو الذي يجبر الناس على ما يريده . { وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتى يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا داخلون } إِذ لاَ طَاقَة لَنَا بهم .","part":2,"page":63},{"id":564,"text":"{ قَالَ رَجُلاَنِ } كالب ويوشع . { مِنَ الذين يَخَافُونَ } أي يخافون الله سبحانه وتعالى ويتقونه . وقيل كان رجلان من الجبابرة أسلما وسارا إلى موسى E ، فعلى هذا الواو لبني اسرائيل والراجع إلى الموصول محذوف أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل ، ويشهد له أنه قرىء { الذين يُخَافُونَ } بالضم أي المخوفين ، وعلى المعنى الأول يكون هذا من الإِخافة أي من الذين يخوفون من الله D بالتذكير أو يخوفهم الوعيد . { أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا } بالإِيمان والتثبيت وهو صفة ثانية لرجلان أو اعتراض . { ادخلوا عَلَيْهِمُ الباب } باب قريتهم أي باغتوهم وضاغطوهم في المضيق وامنعوهم من الأصحار . { فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالبون } لتعسر الكر عليهم في المضايق من عظم أجسامهم ، ولأنهم أجسام لا قلوب فيها ، ويجوز أن يكون علمهما بذلك من إخبار موسى E وقوله : { كَتَبَ الله لَكُمْ } أو مما علما من عادة الله سبحانه وتعالى في نصرة رسله ، وما عهدا من صنعه لموسى E في قهر أعدائه . { وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مؤمنين به ومصدقين بوعده .","part":2,"page":64},{"id":565,"text":"{ قَالُواْ يَا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً } نفوا دخولهم على التأكيد والتأبيد . { مَّا دَامُواْ فِيهَا } بدل البعض . { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما ، وقيل تقديره اذهب أنت وربك يعينك .","part":2,"page":65},{"id":566,"text":"{ قَالَ رَبّ إِنّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي } قاله شكوى بثه وحزنه إلى الله سبحانه وتعالى لما خالفه قومه وأيس منهم ، ولم يبق معه موافق يثق به غير هارون عليه السلام والرجلان المذكوران وإن كانا يوافقانه لم يثق عليهما لما كابد من تلون قومه ، ويجوز أن يراد بأخي من يواخيني في الدين فيدخلان فيه ، ويحتمل نصبه عطفاً على نفسي ، أو على اسم إن ورفعه عطفاً على الضمير في { لا أَمْلِكُ } ، أو على محل إن واسمها ، وجره عند الكوفيين عطفاً على الضمير في نفسي . { فافرق بَيْنَنَا وَبَيْنَ القوم الفاسقين } بأن تحكم لنا بما نستحقه وتحكم عليهم بما يستحقونه ، أو بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم .","part":2,"page":66},{"id":567,"text":"{ قَالَ فَإِنَّهَا } فإن الأرض المقدسة . { مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ } لا يدخلونها ولا يملكونها بسبب عصيانهم . { أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرض } عامل الظرف إما محرمة فيكون التحريم موقتاً غير مؤبد فلا يخالف ظاهر قوله { الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ويؤيد ذلك ما روي : أن موسى E سار بعده بمن بقي من بني اسرائيل ففتح أريحاء ، وأقام بها ما شاء الله ثم قبض وقيل : إنه قبض في التيه ولما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبي وأن الله سبحانه وتعالى أمره بقتال الجبابرة ، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة وصار الشام كله لبني اسرائيل ، وإما يتيهون أي يسيرون فيها متحيرين لا يرون طريقاً فيكون التحريم مطلقاً ، وقد قيل لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال إنا لن ندخلها بل هلكوا في التيه ، وإنما قاتل الجبابرة أولادُهم . روي : أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون من الصباح إلى المساء ، فإذا هم بحيث ارتحلوا عنه ، وكان الغمام يظلهم من الشمس وعمود من نور يطلع بالليل فيضيء لهم ، وكان طعامهم المن والسلوى وماؤهم من الحجر الذي يحملونه ، والأكثر على أن موسى وهارون كانا معهم في التيه إلا أنه كان ذلك روحاً لهما وزيادة في درجتهما ، وعقوبة لهم ، وأنهما ماتا فيه مات هارون ، وموسى بعده بسنة . ثم دخل يوشع أريحاء بعد ثلاثة أشهر ومات النقباء فيه بغتة غير كالب ويوشع . { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الفاسقين } خاطب به موسى E لما ندم على الدعاء عليهم وبين أنهم أحقاء بذلك لفسقهم .\r{ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابني ءادَمَ } قابيل وهابيل ، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر ، فسخط منه قابيل لأن توأمته كانت أجمل ، فقال لهما آدم : قربا قرباناً فمن أيكما قُبِلَ تزوجها ، فَقُبِلَ قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته ، فازداد قابيل سخطاً وفعل ما فعل . وقيل لم يرد لهما ابني آدم لصلبه وأنهما رجلان من بني اسرائيل ولذلك قال : { كَتَبْنَا على بَنِي إسراءيل } . { بالحق } صفة مصدر محذوف أي تلاوة ملتبسة بالحق ، أو حال من الضمير في اتل ، أو من نبأ أي ملتبساً بالصدق موافقاً لما في كتب الأولين { إِذْ قَرَّبَا قربانا } ظرف لنبأ ، أو حال منه ، أو بدل على حذف مضاف أي واتل عليهم نبأهما نبأ ذلك الوقت ، والقربان اسم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى من ذبيحة أو غيرها ، كما أن الحلوان اسم ما يحلى به أي يعطى ، وهو في الأصل مصدر ولذلك لم يثن وقيل تقديره إذ قرب كل واحد منهما قرباناً . قيل كان قابيل صاحب زرع وقرب أردأ قمح عنه ، وهابيل صاحب ضرع وقرب جملاً سميناً .","part":2,"page":67},{"id":568,"text":"{ فَتُقُبّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخر } لأنه سخط حكم الله سبحانه وتعالى ولم يخلص النية في قربانه وقصد إلى أخس ما عنده . { قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ } توعده بالقتل لفرط الحسد له على تقبل قربانه ولذلك . { قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين } في جوابه أي إنما أتيت من قبل نفسك بترك التقوى لا من قبلي فلم تقتلني ، وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظاً ، لا في إزالة حظه فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه ، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقٍ .\r{ لَئِن بَسَطتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنّي أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } قيل : كان هابيل أقوى منه ولكن تحرج عن قتله واستسلم له خوفاً من الله سبحانه وتعالى لأن الدفع لم يبح بعد ، أو تحرياً لما هو الأفضل قال E : \" كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل \" وإنما قال : { مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ } في جواب { لَئِن بَسَطتَ } للتبري عن هذا الفعل الشنيع رأساً ، والتحرز من أن يوصف به ويطلق عليه ولذلك أكد النفي بالباء .\r{ إِنّي أُرِيدُ أَن تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أصحاب النار وَذَلِكَ جَزَاءُ الظالمين } تعليل ثان للامتناع عن المعارضة والمقاومة ، والمعنى إنما استسلم لك إرادة أن تحمل إثمي لو بسطت إليك يدي ، وإثمك ببسطك يدك إلي ونحوه المستبان ما قالا فعلى البادىء ما لم يعتد المظلوم . وقيل معنى بإثمي بإثم قتلي ، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك ، وكلاهما في موضع الحال أي ترجع ملتبساً بالإِثمين حاملاً لهما ، ولعله لم يرد معصية أخيه وشقاوته بل قصده بهذا الكلام إلى أن ذلك إن كان لا محالة واقفاً فأريد أن يكون لك لا لي ، فالمراد بالذات أن لا يكون له أن يكون لأخيه ويجوز أن يكون المراد بالإِثم عقوبته وإرادة عقاب العاصي جائزة .\r{ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ } فسهلته له ووسعته من طاع له المرتع إذا اتسع . وقرىء «فطاوعت» على أنه فاعل بمعنى فعل ، أو على أن { قَتْلَ أَخِيهِ } كأنه دعاها إلى الإِقدام عليه فطاوعته ، وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله . { فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } ديناً ودنيا ، إذ بقي مدة عمره مطروداً محزوناً . قيل قتل هابيل وهو ابن عشرين سنة عند عقبة حراء . وقيل : بالبصرة في موضع المسجد الأعظم .\r{ فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأرض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ } روي أنه لما قتله تحير في أمره ولم يدر ما يصنع به إذ كان أول ميت من بني آدم ، فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة والضمير في ليرى ، لله سبحانه وتعالى ، أو للغراب ، وكيف حال من الضمير في { يواري } والجملة ثاني مفعولي يرى! والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فإنه مما يستقبح أن يرى .","part":2,"page":68},{"id":569,"text":"{ قَالَ يَا وَيْلَتَا } كلمة جزع وتحسر والألف فيها بدل من ياء المتكلم . والمعنى يا ويلتي احضري فهذا أوانك ، والويل والويلة الهلكة . { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذا الغراب فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي } لا أهتدي إلى مثل ما أهتدي إليه ، وقوله : { فَأُوَارِيَ } عطف على { أَكُونَ } وليس جواب الاستفهام إذ ليس المعنى ههنا لو عجزت لواريت ، وقرىء بالسكون على فأنا أواري أو على تسكين المنصوب تخفيفاً . { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } على قتله لما كابد فيه من التحير في أمره وحمله على رقبته سنة أو أكثر على ما قيل ، وتلمذه للغراب واسوداد لونه وتبري أبويه منه ، إذ روي أنه لما قتله اسود جسده فسأله آدم عن أخيه فقال ما كنت عليه وكيلاً فقال بل قتلته ولذلك اسود جسدك وتبرأ منه ومكث بعد ذلك مائة سنة لا يضحك وعدم الظفر بما فعله من أجله .\r{ مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِي إسراءيل } بسببه قضينا عليهم ، وأجل في الأصل مصدر أجل شراً إذا جناه استعمل في تعليل الجنايات كقولهم ، من جراك فعلته ، أي من أن جررته أي جنيته ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تعليل ، ومن ابتدائية متعلقة بكتبنا أي ابتداء الكتب ونشوء من أجل ذلك . { أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي بغير قتل نفس يوجب الاقتصاص . { أَوْ فَسَادٍ فِي الأرض } أو بغير فساد فيها كالشرك أو قطع الطريق . { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } من حيث أنه هتك حرمة الدماء وسن القتل ، وجرأ الناس عليه ، أو من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء في استجلاب غضب الله سبحانه وتعالى والعذاب العظيم . { وَمَنْ أحياها فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً } أي ومن تسبب لبقاء حياتها بعفو أو منع عن القتل ، أو استنقاذ من بعض أسباب الهلكة فكأنما فعل ذلك بالناس جميعاً ، والمقصود منه تعظيم قتل النفس وإحيائها في القلوب ترهيباً عن التعرض لها وترغيباً في المحاماة عليها . { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بالبينات ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ بَعْدَ ذلك فِي الأرض لَمُسْرِفُونَ } أي بعد ما كتبنا عليهم هذا التشديد العظيم من أجل أمثال تلك الجناية ، وأرسلنا إليهم الرسل بالآيات الواضحة تأكيداً للأمر وتجديداً للعهد كي يتحاموا عنها وكثير منهم يسرفون في الأرض بالقتل ولا يبالون به ، وبهذا اتصلت القصة بما قبلها والإِسراف التباعد عن حد الاعتدال في الأمر .","part":2,"page":69},{"id":570,"text":"{ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي يحاربون أولياءهما وهم المسلمون ، جعل محاربتهم محاربتهما تعظيماً . وأصل الحرب السلب والمراد به ههنا قطع الطريق . وقيل المكابرة باللصوصية وإن كانت في مصر . { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } أي مفسدين ، ويجوز نصبه على العلة أو المصدر لأن سعيهم كان فساداً فكأنه قيل : ويفسدون في الأرض فساداً . { أَن يُقَتَّلُواْ } أي قصاصاً من غير صلب إن أفردوا القتل . { أَوْ يُصَلَّبُواْ } أي يصلبوا مع القتل إن قتلوا وأخذوا المال ، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب أو يصلب حياً ويترك أو يطعن حتى يموت . { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مّنْ خلاف } تقطع أيديهم اليمنى وأرجلهم اليسرى إن أخذوا المال ولم يقتلوا . { أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأرض } ينفوا من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكنون من القرار في موضع إن اقتصروا على الإِخافة . وفسر أبو حنيفة النفي بالحبس ، وأو في الآية على هذا للتفصيل ، وقيل : إنه للتخيير والإِمام مخير بين هذه العقوبات في كل قاطع طريق . { ذلك لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدنيا } ذل وفضيحة . { وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } لعظم ذنوبهم .","part":2,"page":70},{"id":571,"text":"{ إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ } استثناء مخصوص بما هو حق الله سبحانه وتعالى ويدل عليه قوله تعالى : { فاعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أما القتل قصاصاً فإلى الأولياء يسقط بالتوبة وجوبه لا جوازه ، وتقييد التوبة بالتقدم على القدرة يدل على أنها بعد القدرة لا تسقط الحد وإن أسقطت العذاب ، وأن الآية في قطاع المسلمين لأن توبة المشرك تدرأ عنه العقوبة قبل القدرة وبعدها .","part":2,"page":71},{"id":572,"text":"{ يا َأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة } أي ما تتوسلون به إلى ثوابه والزلفى منه من فعل الطاعات وترك المعاصي ، من وسل إلى كذا إذا تقرب إليه وفي الحديث « الوسيلة منزلة في الجنة » { وجاهدوا فِي سَبِيلِهِ } بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } بالوصول إلى الله سبحانه وتعالى والفوز بكرامته .","part":2,"page":72},{"id":573,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض } من صنوف الأموال . { جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ } ليجعلوه فدية لأنفسهم . { مِنْ عَذَابِ يَوْمِ القيامة } واللام متعلقة بمحذوف تستدعيه لو ، إذ التقدير لو ثبت أن لهم ما في الأرض ، وتوحيد الضمير في به والمذكور شيئان إما لإجرائه مجرى اسم الإشارة في نحو قوله تعالى : { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } أو لأن الواو ومثله بمعنى مع . { مَا تُقُبّلَ مِنْهُمْ } جواب ، ولو بما في حيزه خبر إن والجملة تمثيل للزوم العذاب لهم وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تصريح بالمقصود منه ، وكذلك قوله :","part":2,"page":73},{"id":574,"text":"{ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النار وَمَا هُم بخارجين مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } وقرىء { يَخْرُجُواْ } من أخرج وإنما قال { وَمَا هُم بخارجين } بدل وما يخرجون للمبالغة .","part":2,"page":74},{"id":575,"text":"{ والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا } جملتان عند سيبويه إذ التقدير فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما ، وجملة عند المبرد والفاء للسببية دخل الخبر لتضمنهما معنى الشرط إذ المعنى : والذي سرق والتي سرقت ، وقرىء بالنصب وهو المختار في أمثاله لأن الإِنشاء لا يقع خبراً إلا بإضمار وتأويل . والسرقة : أخذ مال الغير في خفية ، وإنما توجب القطع إذا كانت من حرز والمأخوذ ربع دينار أو ما يساويه لقوله E « القطع في ربع دينار فصاعداً » وللعلماء خلاف في ذلك لأحاديث وردت فيه وقد استقصيت الكلام فيه في شرح المصابيح ، والمراد بالأيدي الإيمان ويؤيده قراءة ابن مسعود Bه أيمانهما ، ولذلك ساغ وضع الجمع موضع المثنى كما في قوله تعالى : { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } اكتفاء بتثنية المضاف إليه ، واليد اسم لتمام العضو ولذلك ذهب الخوارج إلى أن المقطع هو المنكب ، والجمهور على أنه الرسغ لأنه E أتي بسارق فأمر بقطع يمينه منه . { جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نكالا مّنَ الله } منصوبان على المفعول له أو المصدر ودل على فعلهما فاقطعوا { والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } .","part":2,"page":75},{"id":576,"text":"{ فَمَن تَابَ } من السراق . { مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ } أي بعد سرقته . { وَأَصْلَحَ } أمره بالتقصي عن التبعات والعزم على أن لا يعود إليها . { فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يقبل توبته فلا يعذبه في الآخرة . وأما القطع فلا يسقط بها عند الأكثرين لأن فيه حق المسروق منه .","part":2,"page":76},{"id":577,"text":"{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } الخطاب للنبي A أو لكل أحد . { يُعَذّبُ مَن يَشَاء وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء والله على كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } قدم التعذيب على المغفرة إيتاء على ترتيب ما سبق ، أو لأن استحقاق التعذيب مقدم أو لأن المراد به القطع وهو في الدنيا .","part":2,"page":77},{"id":578,"text":"{ يا أَيُّهَا الرسول لاَ يَحْزُنكَ الذين يُسَارِعُونَ فِي الكفر } أي صنيع الذين يقعون في الكفر سريعاً أي في إظهاره إذا وجدوا منه فرصة . { مِنَ الذين قَالُواْ ءامَنَّا بأفواههم وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ } أي من المنافقين والباء متعلقة بقالوا لا بآمنا والواو تحتمل الحال والعطف . { وَمِنَ الذين هِادُواْ } عطف على { مِنَ الذين قَالُواْ } { سماعون لِلْكَذِبِ } خبر محذوف أي هم سماعون ، والضمير للفريقين ، أو للذين يسارعون ويجوز أن يكون مبتدأ ومن الذين خبره أي ومن اليهود قوم سماعون واللام في للكذب ، إما مزيدة للتأكيد أو لتضمين السماع معنى القبول أي؛ قابلون لما تفتريه الأحبار ، أو للعلة والمفعول محذوف أي : سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيه . { سماعون لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } أي لجمع آخرين من اليهود لم يحضروا مجلسك وتجافوا عنك تكبراً وإفراطاً في البغضاء ، والمعنى على الوجهين أي مصغون لهم قابلون كلامهم ، أو سماعون منك لأجلهم والإِنهاء إليهم ، ويجوز أن تتعلق اللام بالكذب لأن سماعون الثاني مكرر للتأكيد أي : سماعون ليكذبوا لقوم آخرين . { يُحَرِّفُونَ الكلم مِن بَعْدِ مواضعه } أي يميلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيها ، إما لفظاً : بإهماله أو تغيير وضعه ، وإما معنى : بحمله على غير المراد وإجرائه في غير مورده ، والجملة صفة أخرى لقوم أو صفة لسماعون أو حال من الضمير فيه أو استئناف لا موضع له ، أو في موضع الرفع خبراً لمحذوف أي هم يحرفون وكذلك { يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ } أي إن أوتيتم هذا المحرف فاقبلوه واعملوا به . { وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ } بل أفتاكم محمد بخلافه { فاحذروا } أي احذروا قبول ما أفتاكم به . روي « أن شريفاً من خيبر زنى بشريفة وكانا محصنين فكرهوا رجمهما ، فأرسلوهما مع رهط منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله A عنه وقالوا : إن أمركم بالجلد والتحميم فاقبلوا وإن أمركم بالرجم فلا ، فأمرهم بالرجم فأبوا عنه ، فجعل ابن صوريا حكماً بينه وبينهم ، وقال له : أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر لموسى ، ورفع فوقكم الطور ، وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي أنزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من أحصن ، قال : نعم . فوثبوا عليه فقال : خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب ، فأمر رسول الله A بالزانيين فرجما عند باب المسجد » { وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ } ضلالته أو فضيحته . { فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً } فلن تستطيع له من الله شيئاً في دفعها . { أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهّرَ قُلُوبَهُمْ } من الكفر وهو كما ترى نص على فساد قول المعتزلة . { لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ } هو أن بالجزية والخوف من المؤمنين . { وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ } وهو الخلود في النار ، والضمير للذين هادوا إن استأنفت بقوله ومن الذين وإلا فللفريقين .","part":2,"page":78},{"id":579,"text":"{ سماعون لِلكَذِبِ } كرره للتأكيد . { أكالون لِلسُّحْتِ } أي الحرام كالرشا من سحته إذا استأصله لأنه مسحوت البركة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب في المواضع الثلاثة بضمتين وهما لغتان كالعُنْق والعُنُق ، وقرىء بفتح السين على لفظ المصدر . { فَإِن جَاءوكَ فاحكم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } تخيير لرسول الله A إذا تحاكموا إليه بين الحكم والإِعراض ولهذا قيل : لو تحاكم كتابيان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم ، وهو قول للشافعي والأصح وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذمياً لأنا التزمنا الذب عنهم ودفع الظلم منهم ، والآية ليست في أهل الذمة ، وعند أبي حنيفة يجب مطلقاً . { وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئاً } بأن يعادوك لإِعراضك عنهم فإن الله سبحانه وتعالى يعصمك من الناس . { وَإِنْ حَكَمْتَ فاحكم بَيْنَهُم بالقسط } أي بالعدل الذي أمر الله به . { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } فيحفظهم ويعظم شأنهم .","part":2,"page":79},{"id":580,"text":"{ وَكَيْفَ يُحَكّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التوراة فِيهَا حُكْمُ الله } تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به ، والحال أن الحكم منصوص عليه في الكتاب الذي هو عندهم ، وتنبيه على أنهم ما قصدوا بالتحكيم معرفة الحق وإقامة الشرع ، وإنما طلبوا به ما يكون أهون عليهم وإن لم يكن حكم الله تعالى في زعمهم ، و { فِيهَا حُكْمُ الله } حال من التوراة إن رفعتها بالظرف ، وإن جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فيه وتأنيثها لكونها نظيرة المؤنث في كلامهم لفظاً كموماة ودوداة . { ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذلك } ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم بعد التحكيم ، وهو عطف على يحكمونك داخل في حكم التعجيب . { وَمَا أولئك بالمؤمنين } بكتابهم لإِعراضهم عنه أولاً وعما يوافقه ثانياً ، أو بك وبه .\r{ إِنَّا أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى } يهدي إلى الحق . { وَنُورٌ } يكشف عما استبهم من الأحكام . { يَحْكُمُ بِهَا النبيون } يعني أنبياء بني إسرائيل ، أو موسى ومن بعده إن قلنا شرع من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ ، وبهذه الآية تمسك القائل به . { الذين أَسْلَمُواْ } صفة أجريت على النبيين مدحاً لهم وتنويهاً بشأن المسلمين ، وتعريضاً باليهود وأنهم بمعزل عن دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام واقتفاء هديهم . { لِلَّذِينَ هَادُواْ } متعلق بأنزل ، أو بيحكم أي يحكمون بها في تحاكمهم وهو يدل على أن النبيين أنبياؤهم . { والربانيون والأحبار } زهادهم وعلماؤهم السالكون طريقة أنبيائهم عطف على النبيون { بِمَا استحفظوا مِن كتاب الله } بسبب أمر الله إياهم بأن يحفظوا كتابه من التضييع والتحريف ، والراجع إلى ما محذوف ومن للنبيين . { وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاءَ } رقباء لا يتركون أن يغير ، أو شهداء يبينون ما يخفى منه كما فعل ابن صوريا . { فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون } نهي للحكام أن يخشوا غير الله في حكوماتهم ويداهنوا فيها خشية ظالم أو مراقبة كبير . { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي } ولا تستبدلوا بأحكامي التي أنزلتها . { ثَمَناً قَلِيلاً } هو الرشوة والجاه { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } مستهيناً به منكراً له . { فأولئك هُمُ الكافرون } لاستهانتهم به وتمردهم بأن حكموا بغيره ، ولذلك وصفهم بقوله { الكافرون } و { الظالمون } و { الفاسقون } ، فكفرهم لإِنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلافه ، وفسقهم بالخروج عنه . ويجوز أن يكون كل واحدة من الصفات الثلاث باعتبار حال انضمت إلى الامتناع عن الحكم به ملائمة لها ، أو لطائفة كما قيل هذه في المسلمين لاتصالها بخطابهم ، والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى .\r{ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ } وفرضنا على اليهود . { فِيهَا } في التوراة . { أَنَّ النفس بالنفس } أي أن النفس تقتل بالنفس . { والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن } رفعها الكسائي على أنها جمل معطوفة على أن وما في حيزها باعتبار المعنى وكأنه قيل : وكتبنا عليهم النفس بالنفس ، والعين بالعين ، فإن الكتابة والقراءة تقعان على الجمل كالقول ، أو مستأنفة ومعناها : وكذلك العين مفقوءة بالعين ، والأنف مجدوعة بالأنف ، والأذن مصلومة بالأذن ، والسن مقلوعة بالسن ، أو على أن المرفوع منها معطوف على المستكن في قوله بالنفس ، وإنما ساغ لأنه في الأصل مفصول عنه بالطرف ، والجار والمجرور حال مبينة للمعنى ، وقرأ نافع { والأذن بالأذن } وفي أذنيه بإسكان الذال حيث وقع .","part":2,"page":80},{"id":581,"text":"{ والجروح قِصَاصٌ } أي ذات قصاص ، وقرأة الكسائي أيضاً بالرفع ووافقه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر على أنه إجمال للحكم بعد التفضيل . { فَمَن تَصَدَّقَ } من المستحقين . { بِهِ } بالقصاص أي فمن عفا عنه . { فَهُوَ } فالتصدق . { كَفَّارَةٌ لَّهُ } للمتصدق يكفر الله به ذنوبه . وقيل للجاني يسقط عنه ما لزمه . وقرىء «فهو كفارته له» أي فالمتصدق كفارته التي يستحقها بالتصدق له لا ينقص منها شيء . { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله } من القصاص وغيره . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } .\r{ وَقَفَّيْنَا على ءاثارهم } أي وأتبعناهم على آثارهم ، فحذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه ، والضمير للنبيون . { بِعَيسَى ابن مَرْيَمَ } مفعول ثان عدي إليه الفعل بالباء . { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة وءاتيناه الإنجيل } وقرىء بفتح الهمزة . { فِيهِ هُدًى وَنُورٌ } في موضع النصب بالحال . { وَمُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التوراة } عطف عليه وكذا قوله : { وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } ويجوز نصبهما على المفعول له عطفاً على محذوف أو تعلقاً به وعطف .\r{ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنزَلَ الله فِيهِ } «عليه» في قراءة حمزة ، وعلى الأول اللام متعلقة بمحذوف أي وآتيناه ليحكم ، وقرىء : «وأن ليحكم» على أَنَّ أَنْ موصولة بالأمر كقولك : أمرتك بأن قم أي وأمرنا بأن ليحكم . { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ الله فأولئك هُمُ الفاسقون } عن حكمه ، أو عن الإِيمان إن كان مستهيناً به ، والآية تدل على أن الإِنجيل مشتمل على الأحكام وأن اليهودية منسوخة ببعثة عيسى E ، وأنه كان مستقلاً بالشرع وحملها على وليحكموا بما أنزل الله فيه من إيجاب العمل بأحكام التوراة خلاف الظاهر .\r{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أي القرآن . { مُصَدِّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتاب } من جنس الكتب المنزلة ، فاللام الأولى للعهد والثانية للجنس . { وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ } ورقيباً على سائر الكتب يحفظه عن التغيير ويشهد له بالصحة والثبات ، وقرىء على بنية المفعول أي هومن عليه وحوفظ من التحريف والحافظ له هو الله سبحانه وتعالى ، أو الحفاظ في كل عصر . { فاحكم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ الله } أي بما أنزل الله إليك . { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الحق } بالانحراف عنه إلى ما يشتهونه فعن صلة للاتتبع لتضمنه معنى لا تنحرف ، أو حال من فاعله أي لا تتبع أهواءهم مائلاً عما جاءك . { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ } أيها الناس . { شِرْعَةً } شريعة وهي الطريق إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية .","part":2,"page":81},{"id":582,"text":"وقرىء بفتح الشين . { وَمِنْهَاجاً } وطريقاً واضحاً في الدين من نهج الأمر إذا وضح . واستدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة . { وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } جماعة متفقة على دين واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل ، ومفعول لو شاء محذوف دل عليه الجواب ، وقيل المعنى لو شاء الله اجتماعكم على الإسلام لأجبركم عليه . { ولكن لّيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } من الشرائع المختلفة المناسبة لكل عصر وقرن ، هل تعملون بها مذعنين لها معتقدين أن اختلافها بمقتضى الحكمة الإلهية ، أم تزيغون عن الحق وتفرِّطون في العمل . { فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ } فابتدروها انتهازاً للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم . { إلى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } استئناف فيه تعليل الأمر بالاستباق ووعد ووعيد للمبادرين والمقصرين . { فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } بالجزاء الفاصل بين المحق والمبطل والعامل والمقصر .\r{ وَأَنِ احكم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ الله } عطف على الكتاب أي أنزلنا إليك الكتاب والحكم ، أو على الحق أي أنزلناه بالحق وبأن احكم ، ويجوز أن يكون جملة بتقدير وأمرنا أن أحكم . { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ الله إِلَيْكَ } أي أن يضلوك ويصرفوك عنه ، وأن بصلته بدل من هم بدل الاشتمال أي احذر فتنتهم ، أو مفعول له أي احذرهم مخافة أن يفتنوك . روي \" أن أحبار اليهود قالوا : اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه ، فقالوا : يا محمد قد عرفت أنا أحبار اليهود وأنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم ، إن بيننا وبين قومنا خصومة فنتحاكم إليك فتقضي لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك ، فأبى ذلك رسول الله A \" { فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الحكم المنزل وأرادوا غيره . { فاعلم أَنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ } يعني ذنب التولي عن حكم الله سبحانه وتعالى ، فعبر عنه بذلك تنبيهاً على أن لهم ذنوباً كثيرة وهذا مع عظمه واحد منها معدود من جملتها ، وفيه دلالة على التعظيم كما في التنكير ونظيره قول لبيد :\rأَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضُ النُّفُوسِ حِمَامُهَا ... { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس لفاسقون } لمتمردون في الكفر معتدون فيه .\r{ أَفَحُكْمَ الجاهلية يَبْغُونَ } الذي هو الميل والمداهنة في الحكم ، والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى . وقيل نزلت في بني قريظة والنضير طلبوا إلى رسول الله A أن يحكم بما كان يحكم به أهل الجاهلية من التفاضل بين القتلى . وقرىء برفع الحكم على أنه مبتدأ ، و { يَبْغُونَ } خبره ، والراجع محذوف حذفه في الصلة في قوله تعالى : { أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً } واستضعف ذلك في غير الشَعر وقرىء أفحكم الجاهلية أي يبغون حاكماً كحكام الجاهلية يحكم بحسب شهيتهم . وقرأ ابن عامر «تبغون» بالتاء على قل لهم أفحكم الجاهلية تبغون . { وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله حُكْماً لّقَوْمٍ يُوقِنُونَ } أي عندهم ، واللام للبيان كما في قوله تعالى : { هَيْتَ لَكَ } أي هذا الاستفهام لقوم يوقنون فإنهم هم الذين يتدبرون الأمور ويتحققون الأشياء بأنظارهم فيعلمون أن لا أحسن حكماً من الله سبحانه وتعالى .","part":2,"page":82},{"id":583,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } فلا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب . { بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } إيماء على علة النهي ، أي فإنهم متفقون على خلافكم يوالي بعضهم بعضاً لاتحادهم في الدين وإجماعهم على مضادتكم . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } أي ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم ، وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال E : « لا تتراءى ناراهما » أو لأن الموالي لهم كانوا منافقين . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } أي الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار أو المؤمنين بموالاة أعدائهم .","part":2,"page":83},{"id":584,"text":"{ فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } يعنى ابن أبي وأضرابه . { يسارعون فِيهِمْ } أي في موالاتهم ومعاونتهم . { يَقُولُونَ نخشى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } يعتذرون بأنهم يخافون أن تصيبهم دائرة من دوائر الزمان بأن ينقلب الأمر وتكون الدولة للكفار . روي ( أن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال لرسول الله A : إن لي موالي من اليهود كثيراً عددهم ، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وأوالي الله ورسوله ، فقال ابن أبي : إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية موالي ) فنزلت . { فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح } لرسول الله A على أعدائه وإظهار المسلمين . { أَوْ أَمْرٍ مّنْ عِندِهِ } يقطع شأفة اليهود من القتل والإِجلاء ، أو الأمر بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم . { فَيُصْبِحُواْ } أي هؤلاء المنافقون . { على مَا أَسَرُّواْ فِي أَنفُسِهِمْ نادمين } على ما استبطنوه من الكفر والشك في أمر الرسول A ، فضلاً عما أظهروه مما أشعر على نفاقهم .","part":2,"page":84},{"id":585,"text":"{ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ } بالرفع قراءة عاصم وحمزة والكسائي على أنه كلام مبتدأ ويؤيده قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر مرفوعاً بغير واو على أنه جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ ، وبالنصب قراءة أبي عمرو ويعقوب عطفاً على أن يأتي باعتبار المعنى ، وكأنه قال : عسى أن يأتي الله بالفتح ويقول الذين آمنوا ، أو يجعله بدلاً من اسم الله تعالى داخلاً في اسم عسى مغنياً عن الخبر بما تضمنه من الحدث ، أو على الفتح بمعنى عسى الله أن يأتي بالفتح وبقول المؤمنين فإن الإِتيان بما يوجبه كالإِتيان به . { أهؤلاء الذين أَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ } يقول المؤمنين بعضهم لبعض تعجباً من حال المنافقين وتبجحاً بما منَّ الله سبحانه وتعالى عليهم من الإِخلاص أو يقولونه لليهود ، فإن المنافقين حلفوا لهم بالمعاضدة كما حكى الله تعالى عنهم { وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } وجهد الأيمان أغلظها ، وهو في الأصل مصدر ونصبه على الحال على تقدير وأقسموا بالله يجهدون جهد أيمانهم ، فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ولذلك ساغ كونها معرفة أو على المصدر لأنه بمعنى أقسموا . { حَبِطَتْ أعمالهم فَأَصْبَحُواْ خاسرين } إما من جملة المقول أو من قول الله سبحانه وتعالى شهادة لهم بحبوط أعمالهم ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل أحبط أعمالهم فما أخسرهم .","part":2,"page":85},{"id":586,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ } قرأه على الأصل نافع وابن عامر وهو كذلك في الإِمام ، والباقون بالإِدغام وهذا من الكائنات التي أخبر الله تعالى عنها قبل وقوعها ، وقد ارتد من العرب في أواخر عهد رسول الله A ثلاث فرق : بنو ملدج وكان رئيسهم ذا الخمار الأسود العنسي ، تنبأ باليمن واستولى على بلاده ثم قتله فيروز الديلمي ليلة قبض رسول الله A من غدها وأخبر الرسول A في تلك الليلة فسر المسلمون وأتى الخبر في أواخر ربيع الأول . وبنو حنيفة أصحاب مسيلمة تنبأ وكتب إلى رسول الله A : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله A أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك ، فأجاب من محمد رسول الله A إلى مسيلمة الكذاب أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين ، فحاربه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بجند من المسلمين وقتله وحشي قاتل حمزة . وبنو أسد قوم طليحة بن خويلد تنبأ فبعث إليه رسول الله A خالداً فهرب بعد القتال إلى الشام ثم أسلم وحسن إسلامه . وفي عهد أبي بكر Bه سبع فزارة قوم غيبنة بن حصن ، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاءة بن عبد يا ليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر المتنبئة زوجة مسيلمة ، وكندة قوم الأشعث بن قيس ، وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطم بن زيد وكفى الله أمرهم على يده ، وفي إمرة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غسان قوم جبلة بن الأيهم تنصر وسار إلى الشام . { فَسَوْفَ يَأْتِى الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } قيل هم أهل اليمن لما روي « أنه E أشار إلى أبي موسى الأشعري وقال : هم قوم هذا » وقيل الفرس « لأنه E سُئل عنهم فضرب يده على عاتق سلمان وقال : هذا وذووه » . وقيل الذين جاهدوا يوم القادسية ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيله ، وثلاثة آلاف من أفناء الناس . والراجع إلى من محذوف تقديره فسوف يأتي الله بقوم مكانهم ومحبة الله تعالى للعباد إرادة الهدى والتوفيق لهم في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة ، ومحبة العباد له إرادة طاعته والتحرز عن معاصيه . { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين } عاطفين عليهم متذللين لهم ، جمع ذليل لا ذلول فإن جمعه ذلل ، واستعماله مع على إما لتضمنه معنى العطف والحنو أو للتنبيه على أنهم مع علو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خاضعون لهم أو للمقابلة .","part":2,"page":86},{"id":587,"text":"{ أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } شداد متغلبين عليهم من عزه إذا غلبه ، وقرىء بالنصب على الحال . { يجاهدون فِي سَبِيلِ الله } صفة أخرى لقوم ، أو حال من الضمير في أعزة . { وَلاَ يخافون لَوْمَةَ لائِمٍ } عطف على يجاهدون بمعنى أنهم الجامعون بين المجاهدة في سبيل الله والتصلب في دينه ، أو حال بمعنى أنهم مجاهدون حالهم خلاف حال المنافقين ، فإنهم يخرجون في جيش المسلمين خائفين ملامة أوليائهم من اليهود فلا يعملون شيئاً يلحقهم فيه لوم من جهتهم ، واللومة المرة من اللوم وفيها وفي تنكير لائم مبالغتان . { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من الأوصاف . { فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } يمنحه ويوفق له { والله واسع } كثير الفضل . { عَلِيمٌ } بمن هو أهله .","part":2,"page":87},{"id":588,"text":"{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءَامَنُواْ } لما نهى عن موالاة الكفرة ذكر عقيبه من هو حقيق بها ، وإنما قال { وَلِيُّكُمُ الله } وَلم يقل أولياؤكم للتنبيه على أن الولاية لله سبحانه وتعالى على الأصالة ولرسوله A وللمؤمنين على التبع . { الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة } صفة للذين آمنوا فإنه جرى مجرى الاسم ، أو بدل منه ويجوز نصبه ورفعه على المدح . { وَهُمْ رَاكِعُونَ } متخشعون في صلاتهم وزكاتهم ، وقيل هو حال مخصوصة بيؤتون ، أو يؤتون الزكاة في حال ركوعهم في الصلاة حرصاً على الإحسان ومسارعه إليه ، وإنها نزلت في علي Bه حين سأله سائل وهو راكع في صلاته ، فطرح له خاتمه . واستدل بها الشيعة على إمامته زاعمين أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها ، والظاهر ما ذكرناه مع أن حمل الجمع على الواحد أيضاً خلاف الظاهر وإن صح أنه نزل فيه فلعله جيء بلفظ الجمع لترغيب الناس في مثل فعله فيندرجوا فيه ، وعلى هذا يكون دليل على أن الفعل القليل في الصلاة لا يبطلها وأن صدقة التطوع تسمى زكاة .\r{ وَمَن يَتَوَلَّ الله وَرَسُولَهُ والذين ءَامَنُواْ } ومن يتخذهم أولياء . { فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون } أي فإنهم هم الغالبون ، ولكن وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على البرهان عليه فكأنه قيل : ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون وتنويهاً بذكرهم وتعظيماً لشأنهم وتشريفاً لهم بهذا الاسم ، وتعريضاً لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان . وأصل الحزب القوم يجتمعون لأمر حَزَّ بِهِمْ .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَاء } نزلت في رفاعة بن زيد وسويد بن الحرث أظهرا الإِسلام ثم نافقا ، وكان رجال من المسلمين يوادونهما . وقد رتب النهي عن موالاتهم على اتخاذهم دينهم هزواً ولعباً إيماء إلى العلة وتنبيهاً على أن من هذا شأنه بعيد عن الموالاة جدير بالمعاداة والبغضاء ، وفصل المستهزئين بأهل الكتاب والكفار على قراءة من جره وهم أبو عمرو والكسائي ويعقوب ، والكفار وإن عم أهل الكتاب يطلق على المشركين خاصة لتضاعف كفرهم ، ومن نصبه عطفه على الذين اتخذوا على أن النهي عن موالاة من ليس على الحق رأساً سواء من كان ذا دين تبع فيه الهوى وحرفه عن الصواب كأهل الكتاب ومن لم يكن كالمشركين . { واتقوا الله } بترك المناهي . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لأن الإِيمان حقاً يقتضي ذلك . وقيل إن كنتم مؤمنين بوعده ووعيده .\r{ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصلاة اتخذوها هُزُواً وَلَعِباً } أي اتخذوا الصلاة ، أو المنادة وفيه دليل على أن الأذان مشروع للصلاة .","part":2,"page":88},{"id":589,"text":"روي : أن نصرانياً بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول أشهد أن محمداً رسول الله ، قال : أحرق الله الكاذب ، فدخل خادمه ذات ليلة بنار وأهله نيام فتطاير شررها في البيت فأحرقه وأهله . { ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } فإن السفه يؤدي إلى الجهل بالحق والهزؤ به ، والعقل يمنع منه .\r{ قُلْ ياأهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا } هل تنكرون منا وتعيبون ، يقال نقم منه كذا إذا أنكره وانتقم إذا كافأه . وقرىء { تَنقِمُونَ } بفتح القاف وهي لغة . { إِلاَّ أَنْ ءَامَنَّا بالله وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ } الإِيمان بالكتب المنزّلة كلها . { وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسقون } عطف على { أن آمنا } وكأن المستثنى لازم الأمرين وهو المخالفة أي : ما تنكرون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا الإِيمان وأنتم خارجون منه ، أو كان الأصل واعتقاد أن أكثركم فاسقون فحذف المضاف ، أو على ما أي : وما تنقمون منا إلا الإِيمان بالله وبما أنزل وبأن أكثركم فاسقون ، أو على علة محذوفة والتقدير هل تنقمون منا إِلا أن آمنا لقلة إِنصافكم وفسقكم ، أو نصب بإضمار فعل يدل عليه هل تنقمون أي : ولا تنقمون أن أكثركم فاسقون ، أو رفع على الابتداء والخبر محذوف أي : وفسقكم ثابت معلوم عندكم ولكن حب الرياسة والمال يمنعكم عن الإِنصاف . والآية خطاب ليهود سألوا رسول الله A عمن يؤمن به فقال : { آمنا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } إلى قوله : { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } فقالوا حين سمعوا ذكر عيسى : لا نعلم ديناً شراً من دينكم .\r{ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرٍّ مّن ذلك } أي من ذلك المنقوم . { مَثُوبَةً عِندَ الله } جزاء ثابتاً عند الله سبحانه وتعالى ، والمثوبة مختصة بالخير كالعقوبة بالشر فوضعت ها هنا موضعها على طريقة قوله :\rتحِيَّةُ بَيْنِهِم ضَرْبٌ وَجِيع ... ونصبها على التمييز عن بشر . { مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير } بدل من بشر على حذف مضاف أي بشر من أهل ذلك من لعنه الله ، أو بشر من ذلك دين من لعنه الله ، أو خبر محذوف أي هو من لعنه الله وهم اليهود أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ، ومسخ بعضهم قردة وهم أصحاب السبت ، وبعضهم خنازير وهم كفار أهل مائدة عيسى E . وقيل كلا المسخين في أصحاب السبت مسخت شبانهم قردة ومشايخهم خنازير . { وَعَبَدَ الطاغوت } عطف على صلة من وكذا { عَبْدُ الطاغوت } على البناء للمفعول ، ورفع { الطاغوت } و { عبد } بمعنى صار معبوداً ، فيكون الراجع محذوفاً أي فيهم أو بينهم ، ومن قرأ «وعابد الطاغوت» أو { عبد } على أنه نعت كفطن ويقظ أو عبدة أو { عَبْدُ الطاغوت } على أنه جمع كخدم أو أن أصله عبدة فحذف التاء للإضافة عطفه على القردة ، ومن قرأ { وَعَبَدَ الطاغوت } بالجر عطفه على من ، والمراد { مِنْ } الطاغوت العجل وقيل الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى .","part":2,"page":89},{"id":590,"text":"{ أولئك } أي الملعونون . { شَرٌّ مَّكَاناً } جعل مكانهم شراً ليكون أبلغ في الدلالة على شرارتهم ، وقيل { مَكَاناً } منصرفاً . { وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السبيل } قصد الطريق المتوسط بين غلو النصارى وقدح اليهود ، والمراد من صيغتي التفضيل الزيادة مطلقاً لا بالإضافة إلى المؤمنين في الشرارة والضلالة .\r{ وَإِذَا جَاؤُوكُم قَالُواْ ءَامَنَّا } نزلت في يهود نافقوا رسول الله A أو في عامة المنافقين . { وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ } أي يخرجون من عندك كما دخلوا لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك ، والجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر وبه حالان من فاعلي دخلوا وخرجوا ، وقد وإن دخلت لتقريب الماضي من الحال ليصح أن يقع حالاً أفادت أيضاً لما فيها من التوقع أن أمارة النفاق كانت لائحة عليهم ، وكان الرسول A يظنه ولذلك قال : { والله أَعْلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكْتُمُونَ } أي من الكفر ، وفيه وعيد لهم .","part":2,"page":90},{"id":591,"text":"{ وترى كَثِيراً مّنْهُمْ } أي من اليهود أو من المنافقين . { يسارعون فِي الإثم } أي الحرام وقيل الكذب لقوله : { عَن قَوْلِهِمُ الإثم } { والعدوان } الظلم ، أو مجاوزة الحد في المعاصي . وقيل { الإثم } ما يختص بهم والعدوان ما يتعدى إلى غيرهم . { وَأَكْلِهِمُ السحت } أي الحرام خصه بالذكر للمبالغة . { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لبئس شيئاً عملوه .","part":2,"page":91},{"id":592,"text":"{ لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار عَن قَوْلِهِمُ الإثم وَأَكْلِهِمُ السحت } تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك فإن لولا إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض . { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } أبلغ من قوله لبئس ما كانوا يعملون من حيث إن الصنع عمل الإنسان بعد تدرب فيه وتروٍ وتحري إجادة ، ولذلك ذم به خواصهم ولأن ترك الحسنة أقبح من مواقعه المعصية ، لأن النفس تلتذ بها وتميل إليها ولا كذلك ترك الإِنكار عليها فكان جديراً بأبلغ الذم .\r{ وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } أي هو ممسك يقتر بالرزق وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ولا قصد فيه إلى إثبات يد وغل وبسط ولذلك يستعمل حيث لا يتصور ذلك كقوله :\rجَاَد الحِمَى بَسَطَ اليدينِ بِوَابل ... شَكَرَتْ نَدَاهُ تلاَعُهُ وَوِهَادُهُ\rونظيره من المجازات المركبة : شابت لمة الليل . وقيل معناه إنه فقير لقوله تعالى : { لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ } دعاء عليهم بالبخل والنكد أو بالفقر والمسكنة ، أو بغل الأيدي حقيقة يغلون أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة فتكون المطابقة من حيث اللفظ وملاحظة الأصل كقولك : سبني سب الله دابره . { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } ثنى اليد مبالغة في الرد ونفي البخل عنه تعالى وإثباتاً لغاية الجود ، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه ، وتنبيهاً على منح الدنيا والآخرة وعلى ما يعطي للاستدراج وما يعطي للإِكرام . { يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء } تأكيد لذلك أي هو مختار في إِنفاقه يوسع تارة ويضيق أخرى على حسب مشيئته ومقتضى حكمته ، لا على تعاقب سعة وضيق في ذات يد ، ولا يجوز جعله حالاً من الهاء للفصل بينهما بالخبر ولأنها مضاف إليها ، ولا من اليدين إذ لا ضمير لهما فيه ولا من ضميرهما لذلك . والآية نزلت في فنحاص بن عازوراء فإنه قال ذلك لما كف الله عن اليهود ما بسط عليهم من السعة بشؤم تكذيبهم محمداً A وأشرك فيه الآخرون لأنهم رضوا بقوله : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً } أي هم طاغون كافرون ويزدادون طغياناً وكفراً بما يسمعون من القرآن كما يزداد المريض مرضاً من تناول الغذاء الصالح للأصحاء . { وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العداوة والبغضاء إلى يَوْمِ القيامة } فلا تتوافق قلوبهم ولا تتطابق أقوالهم . { كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله } كلما أرادوا حرب الرسول A وإثارة شر عليه ردهم الله سبحانه وتعالى بأن أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم ، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله عليهم بختنصر ثم أفسدوا فسلط عليهم فطرس الرومي ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس ، ثم أفسدوا فسلط عليهم المسلمين ، وللحرب صلة أوقدوا أو صفة ناراً . { وَيَسْعَوْنَ فِي الأرض فَسَاداً } أي للفساد وهو اجتهادهم في الكيد وإثارة الحروب والفتن وهتك المحارم . { والله لاَ يُحِبُّ المفسدين } فلا يجازيهم إلا شراً .","part":2,"page":92},{"id":593,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الكتاب ءَامَنُواْ } بمحمد A وبما جاء به . { واتقوا } ما عددنا من معاصيهم ونحوه . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سيئاتهم } التي فعلوها ولم نؤاخذهم بها . { ولأدخلناهم جنات النعيم } وجعلناهم داخلين فيها . وفيه تنبيه على عظم معاصيهم وكثرة ذنوبهم ، وأن الإِسلام يجب ما قبله ، وإن جل وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم .","part":2,"page":93},{"id":594,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } بإذاعة ما فيهما من نعت محمد E والقيام بأحكامها . { وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِمْ مّن رَّبّهِمْ } يعني سائر الكتب المنزلة فإنها من حيث إنهم مكلفون بالإِيمان بها كالمنزل إليهم ، أو القرآن { لأَكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } لوسع عليهم أرزاقهم بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض ، أو يكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع ، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار . فيجتنونها من رأس الشجر ويلتقطون ما تساقط على الأرض بين بذلك أن ما كف عنهم بشؤم كفرهم ومعاصيهم لا لقصور الفيض ، ولو أنهم آمنوا وأقاموا ما أمروا به لوسع عليهم وجعل لهم خير الدارين . { مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ } عادلة غير غالية ولا مقصرة ، وهم الذين آمنوا بمحمد A . وقيل مقتصدة متوسطة في عداوته . { وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ } أي بئس ما يعملونه ، وفيه معنى التعجب أي ما أسوأ عملهم وهو المعاندة وتحريف الحق والإِعراض عنه والإِفراط في العداوة .","part":2,"page":94},{"id":595,"text":"{ ياأيها الرسول بَلّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } جميع ما أنزل إِليك غير مراقب أحداً ولا خائف مكروهاً . { وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ } وإن لم تبلغ جميعه كما أمرتك . { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } فما أديت شيئاً منها ، لأن كتمان بعضها يضيع ما أدي منها كترك بعض أركان الصلاة ، فإن غرض الدعوة ينتقض به ، أو فكأنك ما بلغت شيئاً منها كقوله : { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } من حيث أن كتمان البعض والكل سواء في الشفاعة واستجلاب العقاب . وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر رسالاته بالجمع وكسر التاء . { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } عدة وضمان من الله سبحانه وتعالى بعصمة روحه A من تعرض الأعادي وإزاحة لمعاذيره . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } لا يمكنهم مما يريدون بك . وعن النبي A : \" بعثني الله برسالاته فضقت بها ذرعاً فأوحى الله تعالى إليَّ إن لم تبلغ رسالتي عذبتك وضمن لي العصمة فقويت» . وعن أنس رضي الله تعالى عنه ، كان رسول الله A يحرس حتى نزلت ، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال : انصرفوا يا أيها الناس فقد عصمني الله من الناس \" . وظاهر الآية يوجب تبليغ كل ما أنزل ولعل المراد به تبليغ ما يتعلق به مصالح العباد ، وقصد بإنزاله إطلاعهم عليه فإن من الأسرار الإِلهية ما يحرم افشاؤه .","part":2,"page":95},{"id":596,"text":"{ قُلْ يَا أَهْلَ الكتاب لَسْتُمْ على شَيْءٍ } أي دين يعتد به ويصح أن يسمى شيئاً لأنه باطل . { حتى تُقِيمُواْ التوراة والإنجيل وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مّن رَّبّكُمْ } ومن إقامتها الإِيمان بمحمد A والإِذعان لحكمه ، فإن الكتب الإلهية بأسرها آمرة بالإِيمان بمن صدقه والمعجزة ناطقة بوجوب الطاعة له ، والمراد إقامة أصولها وما لم ينسخ من فروعها . { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُمْ مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طغيانا وَكُفْراً فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } فلا تحزن عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم بما تبلغه إليهم ، فإن ضرر ذلك لاحق بهم لا يتخطاهم وفي المؤمنين مندوحة لك عنهم .","part":2,"page":96},{"id":597,"text":"{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون والنصارى } سبق تفسيره في سورة «البقرة» والصابئون رفع على الابتداء وخبره محذوف والنية به التأخير عما في حيز إن والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا والصابئون كذلك كقوله :\rفإنِّي وَقَيَّارٌ بها لَغَرِيبُ ... وقوله :\rوَإِلا فَاعْلَمُوا أَنَّا وَأَنْتُم ... بُغَاةٌ مَا بَقينا فِي شِقَاق\rأي فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك ، وهو كاعتراض دل به على أنه لما كان الصابئون مع ظهور ضلالهم وميلهم عن الأديان كلها يتاب عليهم إن صح منهم الإِيمان والعمل الصالح ، كان غيرهم أولى بذلك . ويجوز أن يكون والنصارى معطوفاً عليه ومن آمن خبرهما وخبر إن مقدر دل عليه ما بعده كقوله :\rنَحْنُ بِمَا عِنْدَنَا وَأَنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ وَالرَّأْيُ مُخْتَلِفُ\rولا يجوز عطفه على محل إن واسمها فإنه مشروط بالفراغ من الخبر ، إذ لو عطف عليه قبله كان الخبر خبر المبتدأ وخبر إن معاً فيجتمع عليه عاملان ولا على الضمير في هادوا لعدم التأكيد والفصل ، ولأنه يوجب كون الصابئين هوداً . وقيل إن بمعنى نعم وما بعدها في موضع الرفع بالابتداء . وقيل { الصابئون } منصوب بالفتحة وذلك كما جوز بالياء جوز بالواو . { مَنْ ءَامَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صالحا } في محل الرفع بالابتداء وخبره . { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والجملة خبر إن أو خبر المبتدأ كما مر والراجع محذوف ، أي : من آمن منهم ، أو النصب على البدل من اسم إن وما عطف عليه . وقرىء و «الصابئين» وهو الظاهر و «الصابيون» بقلب الهمزة ياء و «الصابون» بحذفها من صبأ بإبدال الهمزة ألفاً ، أو من صبوت لأنهم صبوا إلى اتباع الشهوات ولم يتبعوا شرعاً ولا عقلاً .","part":2,"page":97},{"id":598,"text":"{ لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسراءيل وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً } ليذكروهم وليبينوا لهم أمر دينهم . { كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنفُسُهُمْ } بما يخالَف هواهم من الشرائع ومشاق التكاليف . { فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ } جواب الشرط والجملة صفة رسلاً والراجع محذوف أي رسول منهم . وقيل الجواب محذوف دل عليه ذلك وهو استئناف ، وإنما جيء ب { يَقْتُلُونَ } موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها واستفظاعاً للقتل وتنبيهاً على أن ذلك من ديدنهم ماضياً ومستقبلاً ومحافظة على رؤوس الآي .","part":2,"page":98},{"id":599,"text":"{ وَحَسِبُواْ أَن لا تَكُونَ فِتْنَةٌ } أي وحسب بنو إسرائيل أن لا يصيبهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء وتكذيبهم . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب { لاَ تَكُونَ } بالرفع على أن هي المخففة من الثقيلة ، وأصله أنه لا تكون فتنة فخففت أن وحذف ضمير الشأن فصار : أن لا تكون وإدخال فعل الحسبان عليها وهي للتحقيق تنزيل له منزلة العلم لتمكنه في قلوبهم ، و { أن } أو { أن } بما في حيزها ساد مسد مفعوليه . { فَعَمُواْ } عن الدين أو الدلائل والهدى . { وَصَمُّواْ } عن استماع الحق كما فعلوا حين عبدوا العجل . { ثُمَّ تَابَ الله عَلَيْهِمْ } أي ثم تابوا فتاب الله عليهم . { ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ } كرة أخرى . وقرىء بالضم فيهما على أن الله تعالى أعماهم وأصمهم أي رماهم بالعمى والصمم ، وهو قليل واللغة الفاشية أعمى وأصم . { كَثِيرٌ مّنْهُمْ } بدل من الضمير ، أو فاعل والواو علامة الجمع كقولهم : أكلوني البراغيث ، أو خبر مبتدأ محذوف أي العمى والصم كثير منهم . وقيل مبتدأ والجملة قبله خبره وهو ضعيف لأن تقديم الخبر في مثله ممتنع . { والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم على وفق أعمالهم .","part":2,"page":99},{"id":600,"text":"{ لَقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ وَقَالَ المسيح يَا بَنِي إسراءيل اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ } أي إني عبد مربوب مثلكم فاعبدوا خالقي وخالقكم . { إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله } أي في عبادته أو فيما يختص به من الصفات والأفعال . { فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة } يمنع من دخولها كما يمنع المحرم عليه من المحرم فإنها دار الموحدين . { وَمَأْوَاهُ النار } فإنها المعدة للمشركين . { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } أي وما لهم أحد ينصرهم من النار ، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً على أنهم ظلموا بالاشراك وعدلوا عن طريق الحق ، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى E وأن يكون من كلام الله تعالى نبه به على أنهم قالوا ذلك تعظيماً لعيسى A ، وتقرباً إليه وهو معاديهم بذلك ومخاصمهم فيه فما ظنك بغيره .\r{ لَّقَدْ كَفَرَ الذين قَالُواْ إِنَّ الله ثالث ثلاثة } أي أحد ثلاثة ، وهو حكاية عما قاله النسطورية والملكانية منهم القائلون بالأقانيم الثلاثة وما سبق قول اليعقوبية القائلين بالاتحاد . { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ إله واحد } وما في الوجود ذات واجب مستحق للعبادة من حيث إنه مبدىء جميع الموجودات إلا إله واحد ، موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة ومن مزيدة للاستغراق . { وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ } ولم يوحدوا . { لَيَمَسَّنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي ليمسن الذين بقوا منهم على الكفر ، أو ليمسن الذين كفروا من النصارى ، وضعه موضع ليمسنهم تكريراً للشهادة على كفرهم وتنبيهاً على أن العذاب على من دام على الكفر ولم ينقلع عنه فلذلك عقبه بقوله :\r{ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ } أي أفلا يتوبون بالانتهاء عن تلك العقائد والأقوال الزائغة ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر لهم ويمنحهم من فضله إن تابوا . وفي هذا الاستفهام تعجيب من إصرارهم .\r{ مَّا المسيح ابن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل } أي ما هو إلا رسول كالرسل قبله خصه الله سبحانه وتعالى بالآيات كما خصهم بها ، فإن إحياء الموتى على يده فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى على يد موسى عليه السلام وهو أعجب ، وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب وأم أغرب . { وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ } كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق ، أو يصدقن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { كَانَا يَأْكُلاَنِ الطعام } ويفتقران إليه افتقار الحيوانات ، بين أولاً أقصى ما لهما من الكمال ودل على أنه لا يوجب لهما ألوهية لأن كثيراً من الناس يشاركهما في مثله ، ثم نبه على نقصهما وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضي أن يكونا من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، ثم عجب لمن يدعي الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة فقال : { انظر كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الآيات ثُمَّ انظر أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين أي إن بياننا للآيات عجب وإعراضهم عنها أعجب .","part":2,"page":100},{"id":601,"text":"{ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَالا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } يعني عيسى E ، وهو وإن ملك ذلك بتمليك الله سبحانه وتعالى إياه لا يملكه من ذاته ولا يملك مثل ما يضر الله تعالى به من البلايا والمصائب ، وما ينفع به من الصحة والسعة وإنما قال ما نظراً إلى ما هو عليه في ذاته توطئة لنفي القدرة عنه رأساً ، وتنبيهاً على أنه من هذا الجنس ومن كان له حقيقة تقبل المجانسة والمشاركة فبمعزل عن الألوهية ، وإنما قدم الضر لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع . { والله هُوَ السميع العليم } بالأقوال والعقائد فيجازي عليها إن خيراً فخير وإن شراً فشر .\r{ قُلْ ياأهل الكتاب لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحق } أي غلوا باطلاً فترفعوا عيسى E إلى أن تدعوا له الألوهية ، أو تضعوه فتزعموا أنه لغير رشدة . وقيل الخطاب للنصارى خاصة . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } يعني أسلافهم وأئمتهم الذين قد ضلوا قبل مبعث محمد A في شريعتهم . { وَأَضَلُّواْ كَثِيراً } ممن شايعهم على بدعهم وضلالهم . { وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السبيل } عن قصد السبيل الذي هو الإسلام بعد مبعثه A لما كذبوه وبغوا عليه ، وقيل الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع .\r{ لُعِنَ الذين كَفَرُواْ مِن بَنِي إسراءيل على لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } أي لعنهم الله في الزبور والإِنجيل على لسانهما . وقيل إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت لعنهم الله تعالى على لسان داود فمسخهم الله تعالى قردة ، وأصحاب المائدة لما كفروا دعا عليهم عيسى عليه السلام ولعنهم فأصبحوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل . { ذلك بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } أي ذلك اللعن الشنيع المقتضي للمسخ بسبب عصيانهم واعتدائهم ما حرم عليهم .\r{ كَانُواْ لاَ يتناهون عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ } أي لا ينهى بعضهم بعضاً عن معاودة منكر فعلوه ، أو عن مثل منكر فعلوه ، أو عن منكر أرادوا فعله وتهيؤا له ، أو لا ينتهون عنه من قولهم تناهى عن الأمر وانتهى عنه إذا امتنع . { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } تعجيب من سوء فعلهم مؤكد بالقسم .\r{ ترى كَثِيراً مّنْهُمْ } من أهل الكتاب . { يَتَوَلَّوْنَ الذين كَفَرُواْ } يوالون المشركين بغضاً لرسول الله A والمؤمنين . { لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ } أي لبئس شيئاً قدموه ليزدادوا عليه يوم القيامة { أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي العذاب هُمْ خالدون } هو المخصوص بالذم ، والمعنى موجب سخط الله والخلود في العذاب ، أو علة الذم والمخصوص محذوف أي لبئس شيئاً ذلك لأنه كسبهم السخط والخلود .","part":2,"page":101},{"id":602,"text":"{ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالْلهِ والنَّبِيّ } يعني نبيهم وإن كانت الآية في المنافقين فالمراد نبينا عليه السلام . { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } إذ الإِيمان يمنع ذلك . { ولكن كَثِيراً مّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن دينهم أو متمردون في نفاقهم .","part":2,"page":102},{"id":603,"text":"{ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ } لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى ، وركونهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق ، وتمرنهم على تكذيب الأنبياء ومعاداتهم . { وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى } للين جانبهم ورقة قلوبهم وقلة حرصهم على الدنيا وكثرة اهتمامهم بالعلم والعمل وإليه أشار بقوله : { ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن قبول الحق إذا فهموه ، أو يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود . وفيه دليل على أن التواضع والإِقبال على العلم والعمل والإِعراض عن الشهوات محمود وإن كانت من كافر .","part":2,"page":103},{"id":604,"text":"{ وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرسول تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع } عطف على { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم إلى قبول الحق وعدم تأبيهم عنه ، والفيض انصباب عن امتلاء ، فوضع موضع الامتلاء للمبالغة ، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها . { مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق } من الأولى للابتداء والثانية لتبيين ما عرفوا ، أو للتبعيض بأنه بعض الحق . والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فأبكاهم فكيف إذا عرفوا كله . { يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا } بذلك أو بمحمد . { فاكتبنا مَعَ الشاهدين } ، من الذين شهدوا بأنه حق ، أو بنبوته ، أو من أمته الذين هم شهداء على الأمم يوم القيامة .","part":2,"page":104},{"id":605,"text":"{ وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بالله وَمَا جَاءنَا مِنَ الحق وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ القوم الصالحين } استفهام إنكار واستبعاد لانتفاء الإِيمان مع قيام الداعي وهو الطمع في الانخراط مع الصالحين ، والدخول في مداخلهم أو جواب سائل قال لم أمنتم؟ و { لاَ نُؤْمِنُ } حال من الضمير والعامل ما في اللام من معنى الفعل ، أي أي شيء حصل لنا غير مؤمنين بالله ، أي بوحدانيته فإنهم كانوا مثلثين . أو بكتابه ورسوله فإن الإِيمان بهما إيمان به حقيقة وذكره توطئة وتعظيماً ، ونطمع عطف على نؤمن أو خبر محذوف ، والواو للحال أي ونحن نطمع والعامل فيها عامل الأولى مقيداً بها أو نؤمن .","part":2,"page":105},{"id":606,"text":"{ فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ } أي عن اعتقاد من قولك هذا قول فلان أي معتقده . { جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا وذلك جَزَاء المحسنين } الذين أحسنوا النظر والعمل ، أو الذين اعتادوا الإِحسان في الأمور والآيات الأربع . روي ( أنها نزلت في النجاشي وأصحابه بعث إليه الرسول A بكتابه فقرأه ، ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأحضر الرهبان والقسيسين ، فأمر جعفراً أن يقرأ عليهم القرآن فقرأ سورة مريم فبكوا وآمنوا بالقرآن ) وقيل نزلت في ثلاثين أو سبعين رجلاً من قومه وفدوا على رسول الله A فقرأ عليهم سورة يس فبكوا وآمنوا .\r{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } عطف التكذيب بآيات الله على الكفر ، وهو ضرب منه لأن القصد إلى بيان حال المكذبين وذكرهم في معرض المصدقين بها جمعاً بين الترغيب والترهيب . { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تُحَرّمُواْ طيبات مَا أَحَلَّ الله لَكُمْ } أي ما طاب ولذ منه كأنه لما تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات عقبه النهي عن الإِفراط في ذلك والاعتداء عما حد الله سبحانه وتعالى بجعل الحلال حراماً فقال : { وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المعتدين } ويجوز أن يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم ، فتكون الآية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية إلى القصد بينهما . روي « أن رسول الله A وصف القيامة لأصحابه يوماً وبالغ في إنذارهم ، فرقوا واجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون واتفقوا على أن لا يزالوا صائمين قائمين ، وأن لا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم والودك ، ولا يقربوا النساء والطيب ، ويرفضوا الدنيا ويلبسوا المسوح ، ويسيحوا في الأرض ، ويجبوا مذاكيرهم . فبلغ ذلك رسول الله A فقال لهم : إني لم أومر بذلك إن لأنفسكم عليكم حقاً فصوموا وأفطروا ، وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، وآتي النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني » فنزلت .\r{ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيّباً } أي كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله ، فيكون حلالاً مفعول كلوا ومما حال منه تقدمت عليه لأنه نكرة ، ويجوز أن تكون من ابتدائية متعلقة بكلوا ، ويجوز أن تكون مفعولاً وحلالاً حال من الموصول ، أو العائد المحذوف ، أو صفة لمصدر محذوف وعلى الوجوه لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة زائدة . { واتقوا الله الذي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ }\r{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم } هو ما يبدو من المرء بلا قصد كقول الرجل : لا والله وبلى والله ، وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وقيل الحلف على ما يظن أنه كذلك ولم يكن ، وإليه ذهب أبو حنيفة C تعالى وفي أيمانكم صلة يؤاخذكم أو اللغو لأنه مصدر أو حال منه .","part":2,"page":106},{"id":607,"text":"{ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأيمان } بما وثقتم الأيمان عليه بالقصد والنية ، والمعنى ولكن يؤاخذِكم بما عقدتم إذا حنثتم أو بنكث ما عقدتم فحذف للعلم به . وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم { عَقَّدتُّمُ } بالتخفيف ، وابن عامر برواية ابن ذكوان «عاقدتم» وهو من فاعل بمعنى فعل . { فَكَفَّارَتُهُ } فكفارة نكثه أي الفعلة التي تذهب إثمه وتستره ، واستدل بظاهره على جواز التكفير بالمال قبل الحنث وهو عندنا خلافاً للحنفية لقوله E \" من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير \" { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } من أقصده في النوع أو القدر ، وهو مد لكل مسكين عندنا ونصف صاع عند الحنفية ، وما محله النصب لأنه صفة مفعول محذوف تقديره : أن تطعموا عشرة مساكين طعاماً من أوسط ما تطعمون ، أو الرفع على البدل من إطعام ، وأهلون كأرضون . وقرىء «أهاليكم» بسكون الياء على لغة من يسكنها في الأحوال الثلاث كالألف ، وهو جمع أهل كالليالي في جمع ليل والأراضي في جمع أرض . وقيل هو جمع أهلاة . { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف على إطعام أو من أوسط إن جعل بدلاً وهو ثوب يغطي العورة . وقيل ثوب جامع قميص أو رداء أو إزار . وقرىء بضم الكاف وهو لغة كقدوة في قدوة وكأسوتهم بمعنى أو كمثل ما تطعمون أهليكم إسرافاً كان أو تقتيراً تواسون بينهم وبينهم إن لم تطعموهم الأوسط ، والكاف في محل الرفع وتقديره : أو إطعامهم كأسوتهم . { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أو إعتاق إنسان ، وشرط الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأَيمان قياساً على كفارة القتل ، ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقاً وتخيير المكفر في التعيين . { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي واحداً منها . { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } فكفارته صيام ثلاثة أيام ، وشرط فيه أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه التتابع لأنه قرىء «ثلاثة أيام متتابعات» ، والشواذ ليست بحجة عندنا إذا لم تثبت كتاباً ولم ترو سنة . { ذلك } أي المذكور . { كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ } وحنثتم . { واحفظوا أيمانكم } بأن تضنوا بها ولا تبذلوها لكل أمر ، أو بأن تبروا فيها ما استطعتم ولم يفت بها خير ، أو بأن تكفروها إذا حنثتم . { كذلك } أي مثل ذلك البيان . { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أعلام شرائعه . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة التعليم أو نعمة الواجب شكرها فإن مثل هذا التبيين يسهل لكم المخرج منه .\r{ يَأَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب } أي الأصنام التي نصبت للعبادة .","part":2,"page":107},{"id":608,"text":"{ والأزلام } سبق تفسيرها في أول السورة . { رِجْسٌ } قذر تعاف عنه العقول ، وأفرده لأنه خبر للخمر ، وخبر المعطوفات محذوف أو لمضاف محذوف كأنه قال : إنما تعاطي الخمر والميسر . { مِنْ عَمَلِ الشيطان } لأنه مسبب عن تسويله وتزيينه . { فاجتنبوه } الضمير للرجس أو لما ذكر أو للتعاطي . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي تفلحوا بالاجتناب عنه .\rواعلم أنه سبحانه وتعالى أكد تحريم الخمر والميسر في هذه الآية ، بأن صدر الجملة ب { إِنَّمَا } وقرنهما بالأنصاب والأزلام ، وسماهما رجساً ، وجعلهما من عمل الشيطان تنبيهاً على أن الاشتغال بهما شرّ بحت أو غالب ، وأمر بالاجتناب عن عينهما وجعله سبباً يرجى منه الفلاح ، ثم قرر ذلك بأن بين ما فيهما من المفاسد الدنيوية والدينية المقتضية للتحريم فقال تعالى :\r{ إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة } وإنما خصهما بإعادة الذكر وشرح ما فيهما من الوبال تنبيهاً على أنهما المقصود بالبيان ، وذكر الأنصاب والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة والشرارة لقوله E « شارب الخمر كعابد الوثن » وخص الصلاة من الذكر بالإِفراد للتعظيم ، والإِشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإِيمان من حيث إنها عماده والفارق بينه وبين الكفر ، ثم أعاد الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتباً على ما تقدم من أنواع الصوارف فقال : { فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ } إيذاناً بأن الأمر في المنع والتحذير بلغ الغاية وأن الأعذار قد انقطعت .","part":2,"page":108},{"id":609,"text":"{ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } فيما أمرا به . { واحذروا } ما نهيا عنه أو مخالفتهما . { فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } أي فاعلموا أنكم لم تضروا الرسول A بتوليكم ، فإنما عليه البلاغ وقد أدى ، وإنما ضررتم به أنفسكم .","part":2,"page":109},{"id":610,"text":"{ لَيْسَ عَلَى الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ } مما لم يحرم عليهم لقوله : { إِذَا مَا اتَّقَوْا وَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي اتقوا المحرم وثبتوا على الإِيمان والأعمال الصالحة . { ثُمَّ اتَّقَواْ } ما حرم عليهم بعد كالخمر . { وَءَامَنُواْ } بتحريمه . { ثُمَّ اتَّقَواْ } ثم استمروا وثبتوا على اتقاء المعاصي . { وَأَحْسَنُواْ } وتحروا الأعمال الجميلة واشتغلوا بها . روي ( أنه لما نزل تحريم الخمر قالت الصحابة رضي الله تعالى عنهم : يا رسول الله فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر ) فنزلت . ويحتمل أن يكون هذا التكرير باعتبار الأوقات الثلاثة ، أو باعتبار الحالات الثلاث استعمال الإنسان التقوى والإِيمان بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله تعالى ، ولذلك بدل الإِيمان بالإِحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله E في تفسيره ، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى ، أو باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب والشبهات تحرزاً عن الوقوع في الحرام ، وبعض المباحات تحفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة . { والله يُحِبُّ المحسنين } فلا يؤاخذهم بشيء ، وفيه أن من فعل ذلك صار محسناً ومن صار محسناً صار لله محبوباً .","part":2,"page":110},{"id":611,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الله بِشَيْءٍ مّنَ الصيد تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ ورماحكم } نزلت في عام الحديبية ابتلاهم الله سبحانه وتعالى بالصيد ، وكانت الوحوش تغشاهم في رحالهم بحيث يتمكنون من صيدها أخذاً بأيديهم وطعناً برماحهم وهم محرمون ، والتقليل والتحقير في بشيء للتنبيه على أنه ليس من العظائم التي تدحض الأقدام كالابتلاء ببذل الأنفس والأموال ، فمن لم يثبت عنده كيف يثبت عند ما هو أشد منه . { لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بالغيب } ليتيمز الخائف من عقابه وهو غائب منتظر لقوة إيمانه ممن لا يخافه لضعف قلبه وقلة إيمانه ، فذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم . { فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك } بعد ذلك الابتلاء بالصيد . { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فالوعيد لاحق به ، فإن من لا يملك جأشه في مثل ذلك ولا يراعي حكم الله فيه فكيف به فيما تكون النفس أميل إليه وأحرص عليه .","part":2,"page":111},{"id":612,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } أي محرمون جمع حرام كرداح وردح ، ولعله ذكر القتل دون الذبح والذكاة للتعميم ، وأراد بالصيد ما يؤكل لحمه لأنه الغالب فيه عرفاً ويؤيده قوله E \" خمس يقتلن في الحل والحرم ، الحدأة والغراب والعقرب والفأرة والكلب العقور \" وفي رواية أخرى «الحية» بدل «العقرب» ، مع ما فيه من التنبيه على جواز قتل كل مؤذ ، واختلف في أن هذا النهي هل يلغي حكم الذبح فيلحق مذبوح المحرم بالميتة ومذبوح الوثني أو لا فيكون كالشاة المغصوبة إذا ذبحها الغاصب . { وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمّداً } ذاكراً لإحرامه عالماً بأنه حرام عليه قبل ما يقتله ، والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء فإن إتلاف العامد والمخطىء واحد في إيجاب الضمان ، بل لقوله : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } ولأن الأية نزلت فيمن تعمد إذ روي : أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله . فنزلت . { فَجَزَاء مّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم } برفع الجزاء ، والمثل قراءة الكوفيين ويعقوب بمعنى فعليه أي فواجبه جزاء يماثل ما قتل من النعم ، وعليه لا يتعلق الجار بجزاء للفصل بينهما بالصفة فإن متعلق المصدر كالصلة له فلا يوصف ما لم يتم بها ، وإنما يكون صفته وقرأ الباقون على إضافة المصدر إلى المفعول وإقحام مثلي كما في قولهم مثلي لا يقول كذا ، والمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل . وقرىء فجزاء مثلي ما قتل بنصبهما على فليجز جزاء ، أو فعليه أن يجزي جزاء يماثل ما قتل وفجزاؤه مثل ما قتل ، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة عند مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهما ، والقيمة عند أبي حنيفة C تعالى وقال : يقوم الصيد حيث صيد فإن بلغت القيمة ثمن هدى تخير بين أن يهدي ما قيمته قيمته وبين أن يشتري بها طعاماً فيعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره ، وبين أن يصوم عن طعام كل مسكين يوماً وإن لم تبلغ تخير بين الإطعام والصوم واللفظ للأول أوفق . { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } صفة جزاء ويحتمل أن يكون حالاً من ضميره في خبره أو منه إذا أضفته ، أو وصفته ورفعته بخبر قدر لمن وكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد يحتاج إلى المماثلة في الخلقة والهيئة إليها ، فإن الأنواع تتشابه كثيراً . وقرىء «ذو عدل» على إرادة الجنس أو الإمام . { هَدْياً } حال من الهاء في به أو من جزاء وإن نون لتخصصه بالصفة ، أو بدل من مثل باعتبار محله أو لفظه فيمن نصبه . { بالغ الكعبة } وصف به هدياً لأن إضافته لفظية ومعنى بلوغه الكعبة ذبحه بالحرم والتصدق به ، وقال أبو حنيفة يذبح بالحرم ويتصدق به حيث شاء .","part":2,"page":112},{"id":613,"text":"{ أَوْ كَفَّارَةٌ } عطف على جزاء إن رفعته وإن نصبته فخبر محذوف . { طَعَامُ مساكين } عطف بيان أو بدل منه ، أو خبر محذوف أي هي طعام . وقرأ نافع وابن عامر كفارة { طَعَامٌ } بالإِضافة للتبيين كقولك : خاتم فضة ، والمعنى عند الشافعي أو أن يكفر بإطعام مساكين ما يساوي قيمة الهدي من غالب قوت البلد فيعطي كل مسكين مداً . { أَو عَدْلُ ذلك صِيَاماً } أو ما ساواه من الصوم فيصوم عن طعام كل مسكين يوماً ، وهو في الأصل مصدر أطلق للمفعول . وقرىء بكسر العين وهو ما عدل بالشيء في المقدر كعدل الحمل وذلك إشارة إلى الطعام ، وصياماً تمييز للعدل . { لّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } متعلق بمحذوف أي فعليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق ثقل فعله وسوء عاقبة هتكه لحرمة الإِحرام ، أو الثقل الشديد على مخالفة أمر الله تعالى وأصل الوبل الثقل ومنه الطعام الوبيل . { عَفَا الله عَمَّا سَلَف } من قتل الصيد محرماً في الجاهلية أو قبل التحريم ، أو في هذه المرة . { وَمَنْ عَادَ } إلى مثل هذا . { فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ } فهو ينتقم الله منه وليس فيه ما يمنع الكفارة على العائد كما حكي عن ابن عباس وشريح . { والله عَزِيزٌ ذُو انتقام } مما أصر على عصيانه .","part":2,"page":113},{"id":614,"text":"{ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر } ما صيد منه مما لا يعيش إلا في الماء ، وهو حلال كله لقوله E في البحر « هو الطهور ماؤه الحل ميتته » وقال أبو حنيفة لا يحل منه إلا السمك . وقيل يحل السمك وما يؤكل نظيره في البر . { وَطَعَامُهُ } ما قذفه أو نضب عنه . وقيل الضمير للصيد وطعامه أكله . { متاعا لَّكُمْ } تمتيعاً لكم نصب على الغرض . { وَلِلسَّيَّارَةِ } أي ولسيارتكم يتزودونه قديداً . { وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر } أي ما صيد فيه ، أو الصيد فيه فعلى الأول يحرم على المحرم أيضاً ما صاده الحلال وإن لم يكن له فيه مدخل ، والجمهور على حله لقوله E « لحم الصيد حلال لكم ، ما لم تصطادوه أو يصد لكم » { مَا دُمْتُمْ حُرُماً } أي محرمين وقرىء بكسر الدال من دام يدام . { واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .","part":2,"page":114},{"id":615,"text":"{ جَعَلَ الله الكعبة } صيرها ، وإنما سمي البيت كعبة لتكعبه . { البيت الحرام } عطف بيان على جهة المدح ، أو المفعول الثاني { قِيَاماً لّلنَّاسِ } انتعاشاً لهم أي سبب انتعاشهم في أمر معاشهم ومعادهم يلوذ به الخائف ويأمن فيه الضعيف ، ويربح فيه التجار ويتوجه إليه الحجاج والعمار ، أو ما يقوم به أمر دينهم ودنياهم . وقرأ ابن عامر «قيماً» على أنه مصدر على فعل كالشبع أعل عينه كما أعل في فعله ونصبه على المصدر أو الحال . { والشهر الحرام والهدى والقلائد } سبق تفسيرها والمراد بالشهر الذي يؤدي فيه الحج ، وهو ذو الحجة لأنه المناسب لقرنائه وقيل الجنس . { ذلك } إشارة إلى الجعل ، أو إلى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإِحرام وغيره . { لِتَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليها ، دليل حكمة الشارع وكمال علمه . { وَأَنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد إطلاق .","part":2,"page":115},{"id":616,"text":"{ اعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب وَأَنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وعيد ووعد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها ، أو لمن أصر عليه ولمن أقلع عنه .","part":2,"page":116},{"id":617,"text":"{ مَّا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } تشديد في إيجاب القيام بما أمر به أي الرسول أتى بما أمر به من التبليغ ولم يبق لكم عذر في التفريط . { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة .","part":2,"page":117},{"id":618,"text":"{ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب } حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال وجيدها ، رغب به في مصالح العمل وحلال المال . { وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخبيث } فإن العبرة بالجودة والرداءة دون القلة والكثرة ، فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير ، والخطاب لكل معتبر ولذلك قال : { فاتقوا الله ياأولي الألباب } أي فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر ، وآثروا الطيب وإن قل . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } راجين أن تبلغوا الفلاح . روي : أنها نزلت في حجاج اليمامة لما هم المسلمون أن يوقعوا بهم فنهوا عنه وإن كانوا مشركين .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرءان تُبْدَ لَكُمْ } إن الشرطية وما عطف عليها صفتان لأشياء والمعنى : لا تسألوا رسول الله A عن أشياء إن تظهر لكم تغمكم وإن تسألوا عنها في زمان الوحي تظهر لكم ، وهما كمقدمتين تنتجان ما يمنع السؤال وهو أنه مما يغمهم والعاقل لا يفعل ما يغمه ، وأشياء اسم جمع كطرفاء غير أنه قلبت لامه فجعلت لفعاء . وقيل أفعلاء حذفت لامه جمع لشيء على أن أصله شيء كهين ، أو شيء كصديق فخفف . وقيل أفعال جمع له من غير تغيير كبيت وأبيات ويرده منع صرفه . { عَفَا الله عَنْهَا } صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها . إذ روي أنه لما نزلت { وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت } قال سراقة بن مالك : أكل عام فأعرض عنه رسول الله A حتى أعاد ثلاثاً فقال : « لا ولو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لما استطعتم فاتركوني ما تركتكم » فنزلت أو استئناف أي عفا الله عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا لمثلها . { والله غَفُورٌ حَلِيمٌ } لا يعاجلكم بعقوبة ما يفرط منكم ، ويعفو عن كثير وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما « أنه E كان يخطب ذات يوم وهو غضبان من كثرة ما يسألون عنه مما لا يعنيهم فقال : لا أسأل عن شيء إلا أجبت ، فقال رجل : أين أبي فقال في النار ، وقال آخر من أبي فقال : حذافة وكان يدعى لغيره » فنزلت .\r{ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ } في الضمير للمسألة التي دل عليها تسألوا ولذلك لم يعد بعن أو لأشياء بحذف الجار . { مِن قَبْلِكُمْ } متعلق بسألها وليس صفة لقوم ، فإن ظرف الزمان لا يكون صفة للجثة ولا حالاً منها ولا خبراً عنها . { ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كافرين } أي بسببها حيث لم يأتمروا بما سألوا جحوداً .\r{ مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } رد وإنكار لما ابتدعه أهل الجاهلية وهو أنهم إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر بحروا أذنها أي شقوها وخلوا سبيلها ، فلا تركب ولا تحلب ، وكان الرجل منهم يقول : إن شفيت فناقتي سائبة ويجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها ، وإذا ولدت الشاة أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لألهتهم وإن ولدتهما قالوا وصلت الأنثى أخاها فلا يذبح لها الذكر ، وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن حرموا ظهره ولم يمنعوه من ماء ولا مرعى وقالوا : قد حمي ظهره ، ومعنى ما جعل ما شرع ووضع ، ولذلك تعدى إلى مفعول واحد وهو البحيرة ومن مزيدة .","part":2,"page":118},{"id":619,"text":"{ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب } بتحريم ذلك ونسبته إلى الله سبحانه وتعالى . { وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } أي الحلال من الحرام والمبيح من المحرم ، أو الآمر من الناهي ولكنهم يقلدون كبارهم وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا به .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَا أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءنَا } بيان لقصور عقولهم وانهماكهم في التقليد وأن لا سند لهم سواه . { أُوَلَواْ كَانَ ءَابَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ } الواو للحال والهمزة دخلت عليها لإِنكار الفعل على هذه الحال ، أي أحسبهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا جهلة ضالين ، والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بمن علم أنه عالم مهتد وذلك لا يعرف إلا بالحجة فلا يكفي التقليد .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } أي إحفظوها والزموا إصلاحها ، والجار مع المجرور جعل اسماً لإِلزموا ولذلك نصب أنفسكم . وقرىء بالرفع على الابتداء . { لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ إِذَا اهتديتم } لا يضركم الضلال إذا كنتم مهتدين ، ومن الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته كما قال E \" من رأى منكم منكراً واستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه \" . والآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم ، وقيل كان الرجل إذا أسلم قالوا له سفهت آباءك فنزلت . و { لاَ يَضُرُّكُمْ } يحتمل الرفع على أنه مستأنف ويؤيده أن قرىء «لا يضيركم» والجزم على الجواب أو النهي لكنه ضمت الراء إتباعاً لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة وتنصره قراءة من قرأ { لاَ يَضُرُّكُمْ } بالفتح ، و { لاَ يَضُرُّكُمْ } بكسر الضاد وضمها من ضاره يضيره ويضوره . { إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بذنب غيره .\r{ يِأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ شهادة بَيْنِكُمْ } أي فيما أمرتم شهادة بينكم ، والمراد بالشهادة الإِشهاد في الوصية وإضافتها إلى الظرف على الاتساع وقرىء { شَهَادَةً } بالنصب والتنوين على ليقم . { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } إذا شارفه وظهرت أماراته وهو ظرف للشهادة .","part":2,"page":119},{"id":620,"text":"{ حِينَ الوصية } بدل منه وفي إبداله تنبيه على أن الوصية مما ينبغي أن لا يتهاون فيه أو ظرف حضر . { اثنان } فاعل شهادة ويجوز أن يكون خبرها على حذف المضاف . { ذَوَا عَدْلٍ مّنْكُمْ } أي من أقاربكم أو من المسلمين وهما صفتان لاثنان . { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } عطف على اثنان ، ومن فسر الغير بأهل الذمة جعله منسوخاً فإن شهادته على المسلم لا تسمع إجماعاً . { إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى الأرض } أي سافرتم فيها . { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت } أي قاربتم الأجل . { تَحْبِسُونَهُمَا } تقفونهما وتصبرونهما صفة لآخران والشرط بجوابه المحذوف المدلول عليه بقوله أو آخران من غيركم اعتراض ، فائدته الدلالة على أنه ينبغي أن يشهد اثنان منكم فإن تعذر كما في السفر فمن غيركم ، أو استئناف كأنه قيل كيف نعمل إن ارتبنا بالشاهدين فقال تحبسونهما . { مِنْ بَعْدِ الصَّلاَةِ } صلاة العصر ، لأنه وقت اجتماع الناس وتصادم ملائكة الليل وملائكة النهار . وقيل أي صلاة كانت . { فَيُقْسِمَانِ بالله إِنِ ارتبتم } إن ارتاب الوارث منكم . { لاَ نَشْتَرِى بِهِ ثَمَناً } مقسم عليه ، وإن ارتبتم اعتراض يفيد اختصاص القسم بحال الارتياب . والمعنى لا نستبدل بالقسم أو بالله عرضاً من الدنيا أي لا نحلف بالله كاذباً لطمع . { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } ولو كان المقسم له قريباً منا ، وجوابه أيضاً محذوف أي لا نشتري . { وَلاَ نَكْتُمُ شهادة الله } أي الشهادة التي أمرنا الله بإقامتها ، وعن الشعبي أنه وقف على شهادة ثم ابتدأ الله بالمد على حذف حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه ، وروي عنه بغيره كقولهم الله لأفعلن . { إِنَّا إِذَاً لَّمِنَ الآثمين } أي إن كتمنا . وقرىء لَمِلاْثِمِين بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وإدغام النون فيها .\r{ فَإِنْ عُثِرَ } فإن اطلع . { على أَنَّهُمَا استحقا إِثْماً } أي فعلا ما أوجب إثماً كتحريف . { فَآخَرَانِ } فشاهدان آخران . { يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الذين استحق عَلَيْهِمُ } من الذين جنى عليهم وهم الورثة . وقرأ حفص «استحق» على البناء للفاعل وهو الأوليان . { الأوليان } الاحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما وهو خبر محذوف أي : هما الأوليان أو خبر { ءَاخَرَانِ } أو مبتدأ خبره آخران ، أو بدل منهما أو من الضمير في يقومان . وقرأ حمزة ويعقوب وأبو بكر عن عاصم «الأولين» على أنه صفة للذين ، أو بدل منه أي من الأولين الذين استحق عليهم . وقرىء «الأولين» على التثنية وانتصابه على المدح والأولان وإعرابه إعراب الأوليان . { فَيُقْسِمَانِ بالله لشهادتنا أَحَقُّ مِن شهادتهما } أصدق منها وأولى بأن تقبل . { وَمَا اعتدينا } وما تجاوزنا فيها الحق . { إِنَّا إِذاً لَّمِنَ الظالمين } الواضعين الباطل موضع الحق ، أو الظالمين أنفسهم إن اعتدينا . ومعنى الآيتين أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد عدلين من ذوي نسبه أو دينه على وصيته ، أو يوصي إليهما احتياطاً فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم ، ثم إن وقع نزاع وارتياب أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت ، فإن اطلع على أنهما كذبا بأمارة أو مظنة حلف آخران من أولياء الميت ، والحكم منسوخ إن كان الاثنان شاهدين فإنه لا يخلف الشاهد ولا يعارض يمينه بيمين الوارث وثابت إن كانا وصيين ورد اليمين إلى الورثة إما لظهور خيانة الوصيين فإن تصديق الوصي باليمين لأمانته أو لتغيير الدعوى .","part":2,"page":120},{"id":621,"text":"إذ روي أن تميماً الداري وعدي بن يزيد خرجا إلى الشام للتجارة وكانا حينئذ نصرانيين ومعهما بديل مولى عمرو بن العاص وكان مسلماً ، فلما قدموا الشام مرض بديل فدون ما معه في صحيفة وطرحها في متاعه ولم يخبرهما به ، وأوصى إليهما بأن يدفعا متاعه إلى أهله ومات ، ففتشاه وأخذا منه إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال منقوشاً بالذهب فغيباه ، فأصاب أهله الصحيفة فطالبوهما بالإِناء فجحدا فترافعوا إلى رسول الله A فنزلت : { يَا أَيُّهَا الذين آمَنُوا } الآية ، « فحلفهما رسول الله A بعد صلاة العصر عند المنبر وخلى سبيلهما » ثم وجد الإِناء في أيديهما فأتاهما بنو سهم في ذلك فقالا : قد اشتريناه منه ولكن لم يكن لنا عليه بينة فكرهنا أن نقربه فرفعوهما إلى رسول الله A فنزلت { فَإِنْ عُثِرَ } فقام عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة السهميان فحلفا واستحقاه . ولعل تخصيص العدد فيهما لخصوص الواقعة .\r{ ذلك } أي الحكم الذي تقدم أو تحليف الشاهد . { أدنى أَن يَأْتُواْ بالشهادة على وَجْهِهَا } على نحو ما حملوها من غير تحريف وخيانة فيها { أَوْ يخافوا أَن تُرَدَّ أيمان بَعْدَ أيمانهم } أن ترد اليمين على المدعين . بعد أيمانهم فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة وإنما جمع الضمير لأنه حكم يعم الشهود كلهم . { واتقوا الله واسمعوا } ما توصون به سمع إجابة . { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } أي فإن لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوماً فاسقين { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } أي لا يهديهم إلى حجة أو إلى طريق الجنة . فقوله تعالى :\r{ يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل } ظرف له . وقيل بدل من مفعول واتقوا بدل الاشتمال ، أو مفعول واسمعوا على حذف المضاف أي واسمعوا خبر يوم جمعهم ، أو منصوب بإضمار اذكر . { فَيَقُولُ } أي للرسل . { مَاذَا أَجَبْتُمُ } أي إجابة أجبتم ، على أن ماذا في موضع المصدر ، أو بأي شيء أجبتم فحذف الجار ، وهذا السؤال لتوبيخ قومهم كما أن سؤال الموؤدة لتوبيخ الوائد ولذلك { قَالُواْ لاَ عِلْمَ لَنَا } أي لا علم لنا بما لست تعلمه . { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } فتعلم ما نعلمه مما أجابونا وأظهروا لنا وما لا نعلم مما أضمروا في قلوبهم ، وفيه التشكي منهم ورد الأمر إلى علمه بما كابدوا منهم . وقيل المعنى لا علم لنا إلى جنب علمك ، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا وإنما الحكم للخاتمة . وقرىء { علام } بالنصب على أن الكلام قد تم بقوله { إِنَّكَ أَنتَ } ، أي إنك أنت الموصوف بصفاتك المعروفة وعلام منصوب على الاختصاص أو النداء . وقرأ أبو بكر وحمزة الغيوب بكسر الغين حيث وقع .","part":2,"page":121},{"id":622,"text":"{ إِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ اذكر نِعْمَتِى عَلَيْكَ وعلى والدتك } بدل من يوم يجمع وهو على طريقة { وَنَادَى أصحاب الجنة } والمعنى أنه سبحانه وتعالى يوبخ الكفرة يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وتعديد ما أظهر عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة ، وغلا آخرون فاتخذوهم آلهة . أو نصب بإضمار اذكر . { إِذْ أَيَّدتُّكَ } قويتك وهو ظرف لنعمتي أو حال منه وقرىء «آيدتك» . { بِرُوحِ القدس } بجبريل E ، أو بالكلام الذي يحيا به الدين ، أو النفس حياة أبدية ويطهر من الآثام ويؤيده قوله : { تُكَلّمُ الناس فِى المهد وَكَهْلاً } أي كائناً في المهد وكهلاً ، والمعنى تكلمهم في الطفولة والكهولة على سواء ، والمعنى إلحاق حاله في الطفولية بحال الكهولية في كمال العقل والتكلم ، وبه استدل على أنه سينزل فإنه رفع قبل أن يكتهل . { وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى وَتُبْرِىءُ الأَكْمَه وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ المَوْتَى بِإِذْنِي } سبق تفسيره في سورة «آل عمران» . وقرأ نافع ويعقوب «طائراً» ويحتمل الإِفراد والجمع كالباقر . { وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِى إسراءيل عَنكَ } يعني اليهود حين هموا بقتله . { إِذْ جِئْتَهُمْ بالبينات } ظرف لكففت . { فَقَالَ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر مبين . وقرأ حمزة والكسائي إلا «ساحر» فالإِشارة إلى عيسى E .","part":2,"page":122},{"id":623,"text":"{ وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين } أي أمرتهم على ألسنة رسلي . { أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي } يجوز أن تكون أن مصدرية وأن تكون مفسرة . { قَالُواْ ءامَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ } مخلصون .","part":2,"page":123},{"id":624,"text":"{ إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ } منصوب بالذكر ، أو ظرف لقالوا فيكون تنبيهاً على أن ادعاءهم الإِخلاص مع قولهم . { هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء } لم يكن بعد عن تحقيق واستحكام معرفة . وقيل هذه الاستطاعة على ما تقتضيه الحكمة والإِرادة لا على ما تقتضيه القدرة . وقيل المعنى هل يطيع ربك أي هل يجيبك ، واستطاع بمعنى أطاع كاستجاب وأجاب . وقرأ الكسائي «تستطيع ربك» أي سؤال ربك ، والمعنى هل تسأله ذلك من غير صارف . والمائدة الخوان إذا كان عليه الطعام ، من مادة الماء يميد إذا تحرك ، أو من مادة إذا أعطاه كأنها تميد من تقدم إليه ونظيرها قولهم شجرة مطعمة . { قَالَ اتقوا الله } من أمثال هذا السؤال . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بكمال قدرته وصحة نبوتي ، أو صدقتم في ادعائكم الإِيمان .","part":2,"page":124},{"id":625,"text":"{ قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا } تمهيد عذر وبيان لما دعاهم إلى السؤال وهو أن يتمتعوا بالأكل منها . { وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا } بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال بكمال قدرته سبحانه وتعالى . { وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا } في ادعاء النبوة ، أو أن الله يجيب دعوتنا . { وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشاهدين } إذا استشهدتنا أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر .","part":2,"page":125},{"id":626,"text":"{ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ } لما رأى أن لهم غرضاً صحيحاً في ذلك ، أو أنهم لا يقلعون عنه فأراد إلزامهم الحجة بكمالها . { اللهم رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مّنَ السماء تَكُونُ لَنَا عِيداً } أي يكون يوم نزولها عيداً نعظمه . وقيل العيد السرور العائد ولذلك سمي يوم العيد عيداً . وقرىء «تكن» على جواب الأمر . { لأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا } بدل من لنا بإعادة العامل أي عيداً لمتقدمينا ومتأخرينا . روي : أنها نزلت يوم الأحد فلذلك اتخذه النصارى عيداً . وقيل يأكل منها أولنا وآخرنا . وقرىء «لأولانا وأخرانا» بمعنى الأمة أو الطائفة . { وَءَايَةً } عطف على «عيداً» . { مِنكَ } صفة لها أي آية كائنة منك دالة على كمال قدرتك وصحة نبوتي . { وارزقنا } المائدة والشكر عليها . { وَأَنتَ خَيْرُ الرازقين } أي خير من يرزق لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض . { قَالَ الله إِنّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } إجابة إلى سؤالكم . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم { مُنَزِّلُهَا } بالتشديد . { فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّى أُعَذّبُهُ عَذَاباً } أي تعذيباً ويجوز أن يجعل مفعولاً به على السعة . { لاَّ أُعَذِّبُهُ } الضمير للمصدر ، أو للعذاب إن أريد ما يعذب به على حذف حرف الجر . { أَحَداً مِّنَ العالمين } أي من عالمي زمانهم أو للعالمين مطلقاً فإنهم مسخوا قردة وخنازير ، ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم . روي : أنها نزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها حتى سقطت بين أيديهم ، فبكى عيسى E وقال : اللهم اجعلني من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة ، ثم قام فتوضأ وصلى وبكى ، ثم كشف المنديل وقال : بسم الله خير الرازقين ، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك تسيل دسماً وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث ، وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال شمعون : يا روح الله أمن طعام الدنيا أم من طعام الآخرة قال : ليس منهما ولكن اخترعه الله سبحانه وتعالى بقدرته كلوا ما سألتم واشكروا يمددكم الله ويزدكم من فضله ، فقالوا : يا روح الله لو أريتنا من هذه الآية آية أخرى فقال : يا سمكة احيي بإذن الله تعالى فاضطربت ثم قال لها عودي كما كنت فعادت مشوية ثم طارت المائدة ، ثم عصوا بعدها فمسخوا . وقيل كانت تأتيهم أربعين يوماً غباً يجتمع عليها الفقراء والأغنياء والصغار والكبار يأكلون حتى إذا فاء الفيء طارت وهم ينظرون في ظلها ، ولم يأكل منها فقير إلا غني مدة عمره ، ولا مريض إلا بريء ولم يمرض أبداً ، ثم أوحي الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أن اجعل مائدتي في الفقراء والمرضى دون الأغنياء والأصحاء ، فاضطرب الناس لذلك فمسخ منهم ثلاثة وثمانون رجلاً .","part":2,"page":126},{"id":627,"text":"وقيل لما وعد الله إنزالها بهذه الشريطة استعفوا وقالوا : لا نريد فلم تنزل . وعن مجاهد أن هذا مثل ضربه الله لمقترحي المعجزات . وعن الصوفية : المائدة ههنا عبارة عن حقائق المعارف ، فإنها غذاء الروح كما أن الأطعمة غذاء البدن وعلى هذا فلعل الحال أنهم رغبوا في حقائق لم يستعدوا للوقوف عليها ، فقال لهم عيسى E : إن حصلتما الإِيمان فاستعملوا التقوى حتى تتمكنوا من الاطلاع عليها ، فلم يقلعوا عن السؤال وألحوا فيه فسأل لأجل اقتراحهم ، فبين الله سبحانه وتعالى أن إنزاله سهل ولكن فيه خطر وخوف عاقبة ، فإن السالك إذا انكشف له ما هو أعلى من مقامه لعله لا يحتمله ولا يستقر له فيضل به ضلالاً بعيداً .","part":2,"page":127},{"id":628,"text":"{ وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمّيَ إلهين مِن دُونِ الله } يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم ، ومن دون الله صفة لإِلهين أو صلة اتخذوني ، ومعنى دون إما المغايرة فيكون فيه تنبيه على أن عبادة الله سبحانه وتعالى مع عبادة غيره كلا عبادة ، فمن عبده مع عبادتهما كأنه عبدهما ولم يعبده أو للقصور ، فإنهم لم يعتقدوا أنهما مستقلان باستحقاق العبادة وإنما زعموا أن عبادتهما توصل إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وكأنه قيل : اتخذوني وأمي إلهين متوصلين بنا إلى الله سبحانه وتعالى . { قَالَ سبحانك } أنزهك تنزيهاً من أن يكون لك شريك . { مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقّ } ما ينبغي لي أن أقول قولاً لا يحق لي أن أقوله . { إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } تعلم ما أخفيه في نفسي كما تعلم ما أعلنه ، ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك . وقوله في نفسك للمشاكلة وقيل المراد بالنفس الذات . { إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } تقرير للجملتين باعتبار منطوقه ومفهومه .","part":2,"page":128},{"id":629,"text":"{ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ } تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه . { أَنِ اعبدوا الله رَبّي وَرَبَّكُمْ } عطف بيان للضمير في به ، أو بدل منه وليس من شرط البدل جواز طرح المبدل منه مطلقاً ليلزم بقاء الموصول بلا راجع ، أو خبر مضمر أو مفعوله مثل هو أو أعني ، ولا يجوز إبداله من ما أمرتني به فإن المصدر لا يكون مفعول القول ولا أن تكون أن مفسرة لأن الأمر مسند إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو لا يقول اعبدوا الله ربي وربكم والقول لا يفسر بل الجملة تحكي بعده إلا أن يؤول القول بالأمر فكأن قيل : ما أمرتهم إلا بما أمرتني به أن { اعبدوا الله } . { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } أي رقيباً عليهم أمنعهم أن يقولوا ذلك ويعتقدوه ، أو مشاهداً لأحوالهم من كفر وإيمان . { فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي } بالرفع إلى السماء لقوله : { إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ } والتوفي أخذ الشيء وافياً ، والموت نوع منه قال الله تعالى : { الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } { كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ } المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته من القول به بالارشاد إلى الدلائل والتنبيه عليها بإرسال الرسل وإنزال الآيات . { وَأَنتَ على كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } مطلع عليه مراقب له .\r{ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } أي إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه ، وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك . { وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } فلا عجز ولا استقباح فإنك القادر القوي على الثواب والعقاب ، الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم ، فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل . وعدم غفران الشرك بمقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته ليمنع الترديد والتعليق بأن .\r{ قَالَ الله هذا يَوْمُ يَنفَعُ الصادقين صِدْقُهُمْ } وقرأ نافع { يَوْم } بالنصب على أنه ظرف لقال وخبر هذا محذوف ، أو ظرف مستقر وقع خبراً والمعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع . وقيل إنه خبر ولكن بني على الفتح بإضافته إلى الفعل وليس بصحيح ، لأن المضاف إليه معرب والمراد بالصدق الصدق في الدنيا فإن النافع ما كان حال التكليف . { لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذلك الفوز العظيم } بيان للنفع . { للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } تنبيه على كذب النصارى وفساد دعواهم في المسيح وأمه ، وإنما لم يقل ومن فيهن تغليباً للعقلاء وقال { وَمَا فِيهِنَّ } اتباعاً لهم غير أولي العقل إعلاماً بأنهم في غاية القصور عن معنى الربوبية والنزول عن رتبة العبودية ، وإهانة لهم وتنبيهاً على المجانسة المنافية للألوهية ، ولأن ما يطلق متناولاً للأجناس كلها فهو أولى بإرادة العموم . عن النبي A « من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر عشر حسنات ومحي عنه عشر سيئات ورفع له عشر درجات بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا » .","part":2,"page":129},{"id":630,"text":"{ الحمد للَّهِ الذى خَلَقَ السموات وَالأَرْضَ } أخبر بأنه سبحانه وتعالى حقيق بالحمد ، ونبه على أنه المستحق له على هذه النعم الجسام حمد أو لم يحمد ، ليكون حجة على الذين هم بربهم يعدلون ، وجمع السموات دون الأرض وهي مثلهن لأن طبقاتها مختلفة بالذات متفاوتة الآثار والحركات ، وقدمها لشرفها وعلو مكانها وتقدم وجودها . { وَجَعَلَ الظلمات والنور } أنشأهما ، والفرق بين خلق وجعل الذي له مفعول واحد أن الخلق فيه معنى التقدير والجعل فيه معنى التضمن . ولذلك عبر عن إحداث النور والظلمة بالجعل تنبيهاً على أنهما لا يقومان بأنفسهما كما زعمت الثنوية ، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها والأجرام الحاملة لها ، أو لأن المراد بالظلمة الضلال ، وبالنور الهدى والهدى واحد والضلال متعدد ، وتقديمها لتقدم الإِعدام على الملكات . ومن زعم أن الظلمة عرض يضاد النور احتج بهذه الآية ولم يعلم أن عدم الملكة كالعمى ليس صرف العدم حتى لا يتعلق به الجعل . { ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } عطف على قوله الحمد لله على معنى أن الله سبحانه وتعالى حقيق بالحمد على ما خلقه نعمة على العباد ، ثم الذين كفروا به يعدلون فيكفرون نعمته ، ويكون بربهم تنبيهاً على أنه خلق هذه الأشياء أسباباً لتكونهم وتعيشهم ، فمن حقه أن يحمد عليها ولا يكفر ، أو على قوله خلق على معنى أنه سبحانه وتعالى خلق ما لا يقدر عليه أحد سواه ، ثم هم يعدلون به ما لا يقدر على شيء منه . ومعنى ثم : استبعاد عدولهم بعد هذا البيان ، والباء على الأول متعلقة بكفروا وصلة يعدلون محذوفة أي يعدلون عنه ليقع الإِنكار على نفس الفعل ، وعلى الثاني متعلقة ب { يَعْدِلُونَ } والمعنى أن الكفار يعدلون بربهم الأوثان أي يسوونها به سبحانه وتعالى .","part":2,"page":130},{"id":631,"text":"{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } أي ابتدأ خلقكم منه ، فإنه المادة الأولى وأن آدم الذي هو أصل البشر خلق منه ، أو خلق أباكم فحذف المضاف . { ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } أجل الموت . { وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ } أجل القيامة . وقيل الأول ما بين الخلق والموت ، والثاني ما بين الموت والبعث ، فإن الأجل كما يطلق لآخر المدة يطلق لجملتها . وقيل الأول النوم والثاني الموت . وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي ، وأجل نكرة خصصت بالصفة ولذلك استغني عن تقديم الخبر والاستئناف به لتعظيمه ولذلك نكر ووصف بأنه مسمى أي مثبت معين لا يقبل التغيير ، وأخبر عنه بأنه عند الله لا مدخل لغيره فيه يعلم ولا قدرة ولأنه المقصود بيانه . { ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ } استبعاد لامترائهم بعد ما ثبت أنه خالقهم وخالق أصولهم ومحييهم إلى آجالهم ، فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإيداع الحياة فيها وإبقائها ما يشاء كان أقدر على جمع تلك المواد وإحيائها ثانياً ، فالآية الأولى دليل التوحيد والثانية دليل البعث ، والامتراء الشك وأصله المري وهو استخراج اللبن من الضرع .\r{ وَهُوَ الله } الضمير لله سبحانه وتعالى و { الله } خبره . { فِي السموات وَفِى الأرض } متعلق باسم { الله } والمعنى هو المستحق للعبادة فيهما لا غير ، كقوله سبحانه وتعالى : { وَهُوَ الذي فِي السماء إله وَفِي الأرض إله } أو بقوله : { يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } والجملة خبر ثان ، أو هي الخبر و { الله } بدل ، ويكفي لصحة الظرفية كون المعلوم فيهما كقولك رميت الصيد في الحرم إذا كنت خارجه والصيد فيه أو ظرف مستقر وقع خبراً ، بمعنى أنه سبحانه وتعالى لكمال علمه بما فيهما كأنه فيهما ، ويعلم سركم وجهركم بيان وتقرير له وليس متعلقاً بالمصدر لأن صفته لا تتقدم عليه . { وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ } من خير أو شر فيثيب عليه ويعاقب ، ولعله أريد بالسر والجهر ما يخفى وما يظهر من أحوال الأنفس وبالمكتسب أعمال الجوارح .\r{ وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءايَةٍ مّنْ ءايات رَبّهِمْ } { مِنْ } الأولى مزيدة للاستغراق والثانية للتبعيض ، أي : ما يظهر لهم دليل قط من الأدلة أو معجزة من المعجزات أو آية من آيات القرآن . { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } تاركين للنظر فيه غير ملتفتين إليه .\r{ فَقَدْ كَذَّبُواْ بالحق لَمَّا جَاءهُمْ } يعني القرآن وهو كاللازم ما قبله كأنه قيل : إنهم لما كانوا معرضين عن الآيات كلها كذبوا به لما جاءهم ، أو كدليل عليه على معنى أنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به وهو أعظم الآيات فكيف لا يعرضون عن غيره ، ولذلك رتب عليه بالفاء . { فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أي سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، أو عند ظهور الإِسلام وارتفاع أمره .","part":2,"page":131},{"id":632,"text":"{ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } أي من أهل زمان ، والقرن مدة أغلب أعمار الناس وهي سبعون سنة . وقيل ثمانون . وقيل القرن أهل عصر فيه نبي أو فائق في العلم . قلت المدة أو كثرت واشتقاقه من قرنت . { مكناهم فِي الأرض } جعلنا لهم فيها مكاناً وقررناهم فيها وأعطيناهم من القوى والآلات ما تمكنوا بها من أنواع التصرف فيها . { مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } ما لم نجعل لكم من السعة وطول المقام يا أهل مكة ما لم نعطكم من القوة والسعة في المال والاستظهار في العدد والأسباب . { وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم } أي المطر أو السحاب ، أو المظلة إن مبدأ المطر منها . { مُّدْرَاراً } أي مغزاراً . { وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِى مِن تَحْتِهِمْ } فعاشوا في الخصب والريف بين الأنهار والثمار . { فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ } أي لم يغن ذلك عنهم شيئاً . { وَأَنشَأْنَا } وأحدثنا . { مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ } بدلاً منهم ، والمعنى أنه سبحانه وتعالى كما قدر على أن يهلك من قبلكم كعاد وثمود وينشىء مكانهم آخرين يعمر بهم بلاده يقدر أن يفعل ذلك بكم .","part":2,"page":132},{"id":633,"text":"{ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِى قِرْطَاسٍ } مكتوباً في ورق . { فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ } فمسوه ، وتخصيص اللمس لأن التزوير لا يقع فيه فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا ، ولأنه يتقدمه الإِبصار حيث لا مانع ، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز فإنه قد يتجوز به للفحص كقوله : { وَإِنَّا لَمَسْنَا السماء } { لَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } تعنتاً وعناداً .","part":2,"page":133},{"id":634,"text":"{ وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ } هلا أنزل معه ملك يكلمنا أنه نبي كقوله : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } . { وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكاً لَّقُضِىَ الأمر } جواب لقولهم وبيان هو المانع مما اقترحوه والخلل فيه ، والمعنى أن الملك لو أنزل بحيث عاينوه كما اقترحوا لحق إهلاكهم فإن سنة الله قد جرت بذلك فيمن قبلهم . { ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ } بعد نزوله طرفة عين .","part":2,"page":134},{"id":635,"text":"{ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } جواب ثان إن جعل الهاء للمطلوب ، وإن جعل للرسول فهو جواب اقتراح ثان ، فإنهم تارة يقولون لولا أنزل عليه ملك ، وتارة يقولون لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . والمعنى ولو جعلنا قريناً لك ملكاً يعاينونه أو الرسول ملكاً لمثلناه رجلاً كما مثل جبريل في صورة دحية الكلبي ، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملك في صورته ، وإنما رآهم كذلك الأفراد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوتهم القدسية ، وللبسنا جواب محذوف أي ولو جعلناه رجلاً للبسنا أي : لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم فيقولون ما هذا إلا بشر مثلكم . وقرىء «لبسنا» بلام واحدة و «لبسنا» بالتشديد للمبالغة .","part":2,"page":135},{"id":636,"text":"{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله A عما يرى من قومه . { فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به حيث أهلكوا لأجله ، أو فنزل بهم وبال استهزائهم .","part":2,"page":136},{"id":637,"text":"{ قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض ثُمَّ انظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } كيف أهلكهم الله بعذاب الاستئصال كي تعتبروا ، والفرق بينه وبين قوله : { قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فَاْنظُرُواْ } أن السير ثمت لأجل النظر ولا كذلك ها هنا ، ولذلك قيل معناه إباحة السير للتجارة وغيرها وإيجاب النظر في آثار الهالكين .","part":2,"page":137},{"id":638,"text":"{ قُل لّمَن مَّا فِي السموات والأرض } خلقاً وملكاً ، وهو سؤال تبكيت . { قُل لِلَّهِ } تقريراً لهم وتنبيهاً على أنه المتعين للجواب بالإِنفاق ، بحيث لا يمكنهم أن يذكروا غيره . { كَتَبَ على نَفْسِهِ الرحمة } التزمها تفضلاً وإحساناً والمراد بالرحمة ما يعم الدارين ومن ذلك الهداية إلى معرفته ، والعلم بتوحيده بنصب الأدلة ، وإنزال الكتب والإِمهال على الكفر . { لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلى يَوْمِ القيامة } استئناف وقسم للوعيد على إشراكهم وإغفالهم النظر أي : ليجمعنكم في القبور مبعوثين إلى يوم القيامة ، فيجازيكم على شرككم . أو في يوم القيامة وإلى بمعنى في . وقيل بدل من الرحمة بدل البعض فإنه من رحمته بعثه إياكم وإنعامه عليكم . { لاَ رَيْبَ فِيهِ } في اليوم أو الجمع . { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع رأس مالهم . وهو الفطرة الأصلية والعقل السليم ، وموضع الذين نصب على الذم أو رفع على الخبر أي : وأنتم الذين أو على الابتداء والخبر . { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } والفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم ، فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والانهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الاصرار على الكفر والامتناع من الإِيمان { وَلَهُ } عطف على لله . { مَا سَكَنَ فِى اليل والنهار } من السكنى وتعديته بفي كما في قوله تعالى : { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } والمعنى ما اشتملا عليه ، أو من السكون أي ما سكن فيهما وتحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر . { وَهُوَ السميع } لكل مسموع . { العليم } بكل معلوم فلا يخفى عليه شيء ، ويجوز أن يكون وعيداً للمشركين على أقوالهم وأفعالهم .\r{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيّاً } إنكار لاتخاذ غير الله ولياً لا لاتخاذ الولي . فلذلك قدم وأولى الهمزة والمراد بالولي المعبود لأنه رد لمن دعاه إلى الشرك . { فَاطِرَ السموات والأرض } مبدعهما ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما عرفت معنى الفاطر حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما ، أنا فطرتها أي ابتدأتها . وجره على الصفة لله فإنه بمعنى الماضي ولذلك قرىء «فطر» وقرىء بالرفع والنصب على المدح . { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } يَرزق ولا يُرزق ، وتخصيص الطعام لشدة الحاجة إليه . وقرىء ولا يطعم بفتح الياء وبعكس الأول على أن الضمير لغير الله ، والمعنى كيف أشرك بمن هو فاطر السموات والأرض ما هو نازل عن رتبة الحيوانية ، وببنائهما لفاعل على أن الثاني من أنعم بمعنى استطعم ، أو على معنى أنه يطعم تارة ولا يطعم أخرى كقوله : { يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ } { قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } لأن النبي A سابق أمته في الدين . { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } وقيل لي ولا تكونَنَّ ، ويجوز عطفه على قل .","part":2,"page":138},{"id":639,"text":"{ قُلْ إِنّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } مبالغة أخرى في قطع أطماعهم ، وتعريض لهم بأنهم عصاة مستوجبون للعذاب ، والشرط معترض بين الفعل والمفعول به وجوابه محذوف دل عليه الجملة .\r{ مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ } أي بصرف العذاب عنه . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم { يُصْرَفْ } عَلَى أن الضمير فيه لله سبحانه وتعالى . وقد قرىء بإظهاره والمفعول به محذوف ، أو يومئذ بحذف المضاف . { فَقَدْ رَحِمَهُ } نجاه وأنعم عليه . { وَذَلِكَ الفوز المبين } أي الصرف أو الرحمة .\r{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } ببلية كمرض وفقر . { فَلاَ كاشف لَهُ } فلا قادر على كشفه . { إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ } بنعمة كصحة وغنى . { فَهُوَ على كُلّ شَيْء قَدُيرٌ } فكان قادراً على حفظه وإدامته فلا يقدر غيره على دفعه كقوله تعالى : { فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ }\r{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } تصوير لقهره وعلوه بالغلبة والقدرة . { وَهُوَ الحكيم } في أمره وتدبيره . { الخبير } بالعباد وخفايا أحوالهم .\r{ قُلْ أَىُّ شَىْء أَكْبَرُ شهادة } نزلت حين قالت قريش : يا محمد لقد سألنا عنك اليهود والنصارى ، فزعموا أن ليس لك عندهم ذكر ولا صفة فأرنا من يشهد لك أنك رسول الله . والشيء يقع على كل موجود ، وقد سبق القول فيه في سورة «البقرة» . { قُلِ الله } أي الله أكبر شهادة ثم ابتدأ { شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ } أي هو شهيد بيني وبينكم ، ويجوز أن يكون الله شهيد هو الجواب لأنه سبحانه وتعالى إذا كان الشهيد كان أكبر شيء شهادة . { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا القُرْآنُ لأُنذركم بِهِ } أي بالقرآن ، واكتفى بذكر الإِنذار عن ذكر البشارة . { وَمَن بَلَغَ } عطف على ضمير المخاطبين ، أي لأنذركم به يا أهل مكة وسائر من بلغه من الأسود والأحمر ، أو من الثقلين ، أو لأنذركم به أيها الموجودون ومن بلغه إلى يوم القيامة ، وفيه دليل على أن أحكام القرآن تعم الموجودين وقت نزوله ومن بعدهم ، وأنه لا يؤاخذ بها من لم تبلغه . { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى } تقرير لهم مع إنكار واستبعاد . { قُل لاَّ أَشْهَدُ } بما تشهدون . { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إله واحد } أي بل أشهد أن لا إله إلا هو . { وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } يعني الأصنام .\r{ الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ } يعرفون رسول الله A بحليته المذكورة في التوراة والإِنجيل . { كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ } بحلاهم . { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } من أهل الكتاب والمشركين . { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لتضييعهم ما به يكتسب الإِيمان .","part":2,"page":139},{"id":640,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كقولهم : الملائكة بنات الله ، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله . { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } كأن كذبوا بالقرآن والمعجزات وسموها سحراً . وإنما ذكر ( أو ) وهم وقد جمعوا بين الأمرين تنبيهاً على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإِفراط في الظلم على النفس . { إِنَّهُ } الضمير للشأن . { لاَ يُفْلِحُ الظالمون } فضلاً عمن لا أحد أظلم منه .","part":2,"page":140},{"id":641,"text":"{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } منصوب بمضمر تهويلاً للأمر . { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ } أي آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله ، وقرأ يعقوب «يحشرهم» ويقول بالياء . { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي تزعمونهم شركاء ، فحذف المفعولان والمراد من الاستفهام التوبيخ ، ولعله يحال بينهم وبين آلهتهم حينئذ ليفقدوها في الساعة التي علقوا بها الرجاء فيها ، ويحتمل أن يشاهدوهم ولكن لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب عنهم .","part":2,"page":141},{"id":642,"text":"{ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ } أي كفرهم ، والمراد عاقبته وقيل معذرتهم التي يتوهمون أن يتخلصوا بها ، من فتنت الذهب إذا خلصته . وقيل جوابهم وإنما سماه فتنة لأنه كذب ، أو لأنهم قصدوا به الخلاص . وقرأ ابن كثير . وابن عامر وحفص عن عاصم { لَمْ تَكُنْ } بالتاء و { فِتْنَتُهُمْ } بالرفع على أنها الاسم ، ونافع وأبو عمرو وأبو بكر عنه بالتاء والنصب على أن الاسم { أَن قَالُواْ } ، والتأنيث للخبر كقولهم من كانت أمك والباقون بالياء والنصب . { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفعهم من فرط الحيرة والدهشة ، كما يقولون : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } وقد أيقنوا بالخلود . وقيل معناه ما كنا مشركين عند أنفسنا وهو لا يوافق قوله .","part":2,"page":142},{"id":643,"text":"{ انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ } أي بنفي الشرك عنها ، وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف يخل بالنظم ونظير ذلك قوله : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } وقرأ حمزة والكسائي ربنا بالنصب على النداء أو المدح . { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الشركاء .\r{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } حين تتلو القرآن ، والمراد أبو سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبو جهل وأضرابهم ، اجتمعوا فسمعوا رسول الله A يقرأ القرآن فقالوا للنضر ما يقول ، فقال؛ والذي جعلها بيته ما أدري ما يقول إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم عن القرون الماضية ، فقال أبو سفيان إني لأرى حقاً فقال أبو جهل كلا . { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطية جمع كنان وهو ما يستر الشيء . { أَن يَفْقَهُوهُ } كراهة أن يفقهوه . { وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً } يمنع من استماعه ، وقد مر تحقيق ذلك في أول «البقرة» . { وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا } لفرط عنادهم واستحكام التقليد فيهم . { حتى إِذَا جَاؤُكَ يجادلونك } أي بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم جاؤو يجادلونك ، وحتى هي التي تقع بعدها الجمل لا عمل لها ، والجملة إذا وجوابه وهو { يَقُولُ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } فإن جعل أصدق الحديث خرافات الأولين غاية التكذيب ، ويجادلونك حال لمجيئهم ، ويجوز أن تكون الجارة وإذا جاؤوك في موضع الجر ويجادلونك حال ويقول تفسير له ، والأساطير الأباطيل جمع أسطورة أو اسطارة أو أسطار جمع سطر ، وأصله السطر بمعنى الخط .\r{ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ } أي ينهون الناس عن القرآن ، أو الرسول A والإِيمان به . { وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } بأنفسهم أو ينهون عن التعرض لرسول الله A وينأون عنه فلا يؤمنون به كأبي طالب . { وَإِن يُهْلِكُونَ } وما يهلكون بذلك . { إلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } أن ضرره لا يتعداهم إلى غيرهم .\r{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } جوابه محذوف أي : لو تراهم حين يوقعون على النار حتى يعاينوها ، أو يطلعون عليها ، أو يدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمراً شنيعاً . وقرىء { وُقِفُواْ } على البناء للفاعل من وقف عليها وقوفاً . { فَقَالُواْ ياليتنا نُرَدُّ } تمنياً للرجوع إلى الدنيا . { وَلاَ نُكَذّبَ بئايات رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } استئناف كلام منهم على وجه الإِثبات كقولهم : دعني ولا أعود ، أي وأنا لا أعود تركتني ، أو لم تتركني أو عطف على نرد أو حال من الضمير فيه فيكون في حكم التمني ، وقوله : { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } راجع إلى ما تضمنه التمني من الوعد ، ونصبهما حمزة ويعقوب وحفص على الجواب بإضمار أن بعد الواو إجراء لها مجرى الفاء . وقرأ ابن عامر برفع الأول على العطف ونصب الثاني على الجواب .","part":2,"page":143},{"id":644,"text":"{ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ } الإِضراب عن إرادة الإِيمان المفهومة من التمني ، والمعنى أنه ظهر لهم ما كانوا يخفون من نفاقهم ، أو قبائح أعمالهم فتمنوا ذلك ضجراً لا عزماً على أنهم لو ردوا لآمنوا . { وَلَوْ رُدُّواْ } أي إلى الدنيا بعد الوقوف والظهور . { لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } من الكفر والمعاصي . { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } فيما وعدوا به من أنفسهم .\r{ وَقَالُواْ } عطف على لعادوا ، أو على إنهم لكاذبون أو على نهوا ، أو استئناف بذكر ما قالوه في الدنيا . { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } الضمير للحياة { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } .\r{ وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } مجاز عن الحبس للسؤال والتوبيخ ، وقيل معناه وقفوا على قضاء ربهم أو جزائه ، أو عرفوه حق التعريف . { قَالَ أَلَيْسَ هذا بالحق } كأنه جواب قائل قال : ماذا قال ربهم حينئذ؟ والهمزة للتقريع على التكذيب ، والإِشارة إلى البعث وما يتبعه من الثواب والعقاب . { قَالُواْ بلى وَرَبّنَا } إقرار مؤكد باليمين لانجلاء الأمر غاية الجلاء . { قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } بسبب كفركم أو ببدله .","part":2,"page":144},{"id":645,"text":"{ قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } إذ فاتهم النعم واستوجبوا العذاب المقيم ولقاء الله البعث وما يتبعه . { حتى إِذَا جَاءتْهُمُ الساعة } غاية لكذبوا لا لخسر ، لأن خسرانهم لا غاية له . { بَغْتَةً } فجأة ونصبها على الحال ، أو المصدر فإنها نوع من المجيء . { قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا } أي تعالي فهذا أوانك . { على مَا فَرَّطْنَا } قصرنا { فِيهَا } في الحياة الدنيا أضمرت وإن لم يجر ذكرها للعلم بها ، أو في الساعة يعني في شأنها والإِيمان بها . { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ على ظُهُورِهِمْ } تمثيل لاستحقاقهم آصار الآثام . { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } بئس شيئاً يزرونه وزرهم .\r{ وَمَا الحياة الدنيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ } أي وما أعمالها إلا لعب ولهو يلهي الناس ويشغلهم عما يعقب منفعة دائمة ولذة حقيقية . وهو جواب لقولهم { إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } { وَلَلدَّارُ الآخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } لدوامها وخلوص منافعها ولذاتها ، وقوله : { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب ولهو . وقرأ ابن عامر «ولدار الآخرة» . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي الأمرين خير . وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ويعقوب بالتاء على خطاب المخاطبين به ، أو تغليب الحاضرين على الغائبين .\r{ قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذى يَقُولُونَ } معنى قد زيادة الفعل وكثرته كما في قوله :\rوَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المَالَ نَائِلُهْ ... والهاء في أنه للشأن . وقرىء { لَيَحْزُنُكَ } من أحزن . { فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذّبُونَكَ } في الحقيقة . وقرأ نافع والكسائي { لاَ يُكَذّبُونَكَ } من أكذبه إذا وجده كاذباً ، أو نسبه إلى الكذب . { ولكن الظالمين بئايات الله يَجْحَدُونَ } ولكنهم يجحدون بآيات الله ويكذبونها ، فوضع الظالمين موضع الضمير للدلالة على أنهم ظلموا بجحودهم ، أو جحدوا لتمرنهم على الظلم ، والباء لتضمين الجحود معنى التكذيب . روي أن أبا جهل كان يقول : ما نكذبك وإنك عندنا لصادق وإنما نكذب ما جئتنا به . فنزلت .\r{ وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله A ، وفيه دليل على أن قوله : { لاَ يُكَذّبُونَكَ } ، ليس لنفي تكذيبه مطلقاً . { فَصَبَرُواْ على مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ } على تكذيبهم وإيذائهم فتأس بهم واصبر . { حتى أتاهم نَصْرُنَا } فيه إيماء بوعد النصر للصابرين . { وَلاَ مُبَدّلَ لكلمات الله } لمواعيده من قوله : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } الآيات . { وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَبَإِي المرسلين } أي بعض قصصهم وما كابدوا من قومهم .\r{ وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ } عظم وشق . { إِعْرَاضُهُمْ } عنك وعن الإِيمان بما جئت به . { فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِىَ نَفَقاً فِى الأرض أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ } منفذاً تنفذ فيه إلى جوف الأرض فتطلع لهم آية ، أو مصعداً تصعد به إلى السماء فتنزل منها آية ، وفي الأرض صفة لنفقاً وفي السماء صفة لسلما ، ويجوز أن يكونا متعلقين بتبتغي ، أو حالين من المستكن وجواب الشرط الثاني محذوف تقديره فافعل ، والجملة جواب الأول والمقصود بيان حرصه البالغ على إسلام قومه ، وأنه لو قدر أن يأتيهم بآية من تحت الأرض أو من فوق السماء لأتى بها رجاء إيمانهم { وَلَوْ شَاء الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى } لوفقهم للإِيمان حتى يؤمنوا ولكن لم تتعلق به مشيئته ، فلا تتهالك عليه والمعتزلة أولوه بأنه لو شاء لجمعهم على الهدى بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكن لم يفعل لخروجه عن الحكمة .","part":2,"page":145},{"id":646,"text":"{ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين } بالحرص على ما لا يكون ، والجزع في مواطن الصبر فإن ذلك من دأب الجهلة .\r{ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الذين يَسْمَعُونَ } إنما يجيب الذين يسمعون بفهم وتأمل لقوله تعالى : { أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ } وهؤلاء كالموتى الذين لا يسمعون . { والموتى يَبْعَثُهُمُ الله } فيعلمهم حين لا ينفعهم الإِيمان . { ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء .\r{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أي آية بما اقترحوه ، أو آية أخرى سوى ما أنزل من الآيات المتكاثرة لعدم اعتدادهم بها عناداً . { قُلْ إِنَّ الله قَادِرٌ على أَن يُنَزّلٍ ءايَةً } مما اقترحوه ، أو آية تضطرهم إلى الإِيمان كنتق الجبل ، أو آية إن جحدوها هلكوا . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن الله قادر على إنزالها ، وأن إنزالها يستجلب عليهم البلاء ، وأن لهم فيما أنزل مندوحة عن غيره . وقرأ ابن كثير ينزل بالتخفيف والمعنى واحد .\r{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِى الأرض } تدب على وجهها . { وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } في الهواء ، وصفه به قطعاً لمجاز السرعة ونحوها . وقرىء «ولا طائر» بالرفع على المحل . { إِلاَّ أُمَمٌ أمثالكم } محفوظة أحوالها مقدرة أرزاقها وآجالها ، والمقصود من ذلك الدلالة على كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ، ليكون كالدليل على أنه قادر على أن ينزل آية . وجمع الأمم للحمل على المعنى . { مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْء } يعني اللوح المحفوظ ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم من الجليل والدقيق لم يهمل فيه أمر ، حيوان ولا جماد . أو القرآن فإنه قد دون فيه ما يحتاج إليه من أمر الدين مفصلاً أو مجملاً ، ومن مزيدة وشيء في موضع المصدر لا بالمفعول به ، فإن فرط لا يتعدى بنفسه وقد عدي بفي إلى الكتاب . وقرىء { مَّا فَرَّطْنَا } بالتخفيف . { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ يُحْشَرُونَ } يعني الأمم كلها فينصف بعضها من بعض كما روي : أنه يأخذ للجماء من القرناء . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : حشرها موتها .\r{ والذين كَذَّبُواْ بآياتنا صُمٌّ } لا يسمعون مثل هذه الآيات الدالة على ربوبيته وكمال علمه وعظم قدرته سماعاً تتأثر به نفوسهم . { وَبُكْمٌ } لا ينطقون بالحق . { فِى الظلمات } خبر ثالث أي خابطون في ظلمات الكفر ، أو في ظلمة الجهل وظلمة العناد وظلمة التقليد ، ويجوز أن يكون حالاً من المستكن في الخبر . { مَن يَشَإِ الله يُضْلِلْهُ } من يشأ الله إضلاله يضلله ، وهو دليل واضح لنا على المعتزلة .","part":2,"page":146},{"id":647,"text":"{ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } بأن يرشده إلى الهدى ويحمله عليه .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُكُم } استفهام تعجيب ، والكاف حرف خطاب أكد به الضمير للتأكيد لا محل له من الإِعراب لأنك تقول : أرأيتك زيداً ما شأنه فلو جعلت الكاف مفعولاً كما قاله الكوفيون لعديت الفعل إلى ثلاثة مفاعيل ، وللزم في الآية أن يقال : أرأيتموكم بل الفعل معلق أو المفعول محذوف تقديره : أرأيتكم آلهتكم تنفعكم . إذ تدعونها . وقرأ نافع أرأيتكم وأرأيت وأرأيتم وأفرأيتم وأفرأيت وشبهها إذا كان قبل الراء همزة بتسهيل الهمزة التي بعد الراء ، والكسائي يحذفها أصلاً والباقون يحققونها وحمزة إذا وقف وافق نافعاً . { إِنْ أتاكم عَذَابُ الله } كما أتى من قبلكم . { أَوْ أَتَتْكُمْ الساعة } وهو لها ويدل عليه . { أَغَيْرَ الله تَدْعُونَ } وهو تبكيت لهم . { إِن كُنتُمْ صادقين } أن الأصنام آلهة وجوابه محذوف أي فادعوه .","part":2,"page":147},{"id":648,"text":"{ بَلْ إياه تَدْعُونَ } بل تخصونه بالدعاء كما حكى عنهم في مواضع ، وتقديم المفعول لإِفادة التخصيص . { فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ } أي ما تدعونه إلى كشفه . { إِن شَاء } أي يتفضل عليكم ولا يشاء في الآخرة . { وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } وتتركون آلهتكم في ذلك الوقت لما ركز في العقول على أنه القادر على كشف الضر دون غيره ، أو وتنسونه من شدة الأمر وهوله .","part":2,"page":148},{"id":649,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } أي قَبْلَكَ ، وَمن زائدة . { فأخذناهم } أي فكفروا وكذبوا المرسلين فأخذناهم . { بالبأساء } بالشدة والفقر . { والضراء } والضر والآفات وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما . { لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ } يتذللون لنا ويتوبون عن ذنوبهم .","part":2,"page":149},{"id":650,"text":"{ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ } معناه نفي تضرعهم في ذلك الوقت مع قيام ما يدعوهم أي لم يتضرعوا . { ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواّ يَعْمَلُونَ } استدراك على المعنى وبيان للصارف لهم عن التضرع وأنه : لا مانع لهم إلا قساوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم التي زينها الشيطان لهم .","part":2,"page":150},{"id":651,"text":"{ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ } من البأساء والضراء ولم يتعظوا به . { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَيْءٍ } من أنواع النعم مراوحة عليهم بين نوبتي الضراء والسراء ، وامتحاناً لهم بالشدة والرخاء إلزاماً للحجة وإزاحة للعلة ، أو مكراً بهم لما روي أنه E قال \" مكر بالقوم ورب الكعبة \" . وقرأ ابن عامر { فَتَحْنَا } بالتشديد في جميع القرآن ووافقه يعقوب فيما عدا هذا والذي في «الأعراف» . { حتى إِذَا فَرِحُواْ } أعجبوا { بِمَا أُوتُواْ } من النعم ولم يزيدوا غير البطر والاشتغال بالنعم عن المنعم والقيام بحقه سبحانه وتعالى . { أخذناهم بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ } متحسرون آيسون .","part":2,"page":151},{"id":652,"text":"{ فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ } أي آخرهم بحيث لم يبق منهم أحد من دبره دبراً ودبوراً إذا تبعه . { والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } على إهلاكهم فإن هلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم وأعمالهم ، نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها .","part":2,"page":152},{"id":653,"text":"{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله سَمْعَكُمْ وأبصاركم } أصمكم وأعماكم . { وَخَتَمَ على قُلُوبِكُمْ } بأن يغطي عليها ما يزول به عقلكم وفهمكم . { مَّنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِهِ } أي بذلك ، أو بما أخذ وختم عليه أو بأحد هذه المذكورات . { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات } نكررها تارة من جهة المقدمات العقلية وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين . { ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ } يعرضون عنها ، وثم لاستبعاد الإِعراض بعد تصريف الآيات وظهورها .","part":2,"page":153},{"id":654,"text":"{ قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أتاكم عَذَابُ الله بَغْتَةً } من غير مقدمة . { أَوْ جَهْرَةً } بتقدمة أمارة تؤذن بحلوله . وقيل ليلاً أو نهاراً . وقرىء { بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً } . { هَلْ يُهْلَكُ } أي ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب . { إِلاَّ القوم الظالمون } ولذلك صح الاستثناء المفرغ منه ، وقرىء { يُهْلَكُ } بفتح الياء .","part":2,"page":154},{"id":655,"text":"{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ } المؤمنين بالجنة . { وَمُنذِرِينَ } الكافرين بالنار ، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم . { فَمَنْ ءامَنَ وَأَصْلَحَ } ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم . { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من العذاب . { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } بفوات الثواب .","part":2,"page":155},{"id":656,"text":"{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا يَمَسُّهُمُ العذاب } جعل العذاب ماساً لهم كأنه الطالب للوصول إليهم ، واستغنى بتعريفه عن التوصيف . { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة .","part":2,"page":156},{"id":657,"text":"{ قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } مقدوراته أو خزائن رزقه . { وَلا أَعْلَمُ الغيب } ما لم يوح إلي ولم ينصب عليه دليل وهو من جملة المقول . { وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنّى مَلَكٌ } أي من جنس الملائكة ، أو أقدر على ما يقدرون عليه . { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَيَّ } تبرأ عن دعوى الألوهية والملكية ، وادعى النبوة التي هي من كمالات البشر رداً لاستبعادهم دعواه وجزمهم على فساد مدعاه . { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير } مثل للضال والمهتدي ، أو الجاهل والعالم ، أو مدعي المستحيل كالألوهية والملكية ومدعي المستقيم كالنبوة . { أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } فتهتدوا أو فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل ، أو فتعلموا أن اتباع الوحي مما لا محيص عنه .\r{ وَأَنذِرْ بِهِ } الضمير لما يوحى إلي . { الذين يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إلى رَبّهِمْ } هم المؤمنون المفرطون في العمل ، أو المجوزون للحشر مؤمناً كان أو كافراً مقراً به أو متردداً فيه ، فإن الإِنذار ينفع فيهم دون الفارغين الجازمين باستحالته . { لَيْسَ لَهُمْ مّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } في موضع الحال من يحشروا فإن المخوف هو الحشر على هذه الحالة . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } لكي يتقوا .\r{ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بالغداة والعشى } بعدما أمره بإنذار غير المتقين ليتقوا أمره بإكرام المتقين وتقريبهم وأن لا يطردهم ترضية لقريش . روي أنهم قالوا : لو طردت هؤلاء الأعبد يعنون فقراء المسلمين كعمار وصهيب وخباب وسلمان جلسنا إليك وحادثناك فقال : \" ما أنا بطارد المؤمنين \" قالوا : فأقمهم عنا إذا جئناك قال «نعم» . وروي أن عمر Bه قال له : لو فعلت حتى ننظر إلى ماذا يصيرون فدعا بالصحيفة وبعلي رضي الله تعالى عنه ليكتب فنزلت . والمراد بذكر الغداة والعشي الدوام ، وقيل صلاتا الصبح والعصر . وقرأ ابن عامر بالغدوة هنا وفي الكهف . { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } حال من يدعون ، أي يدعون ربهم مخلصين فيه قيد الدعاء بالإِخلاص تنبيهاً على أنه ملاك الأمر . ورتب النهي عليه إشعاراً بأنه يقتضي إكرامهم وينافي إبعادهم . { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مّن شَىْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مّن شَيْء } أي ليس عليك حساب إيمانهم فلعل إيمانهم عند الله أعظم من إيمان من تطردهم بسؤالهم طمعاً في إيمانهم لو آمنوا ، أو ليس عليك اعتبار بواطنهم وإخلاصهم لما اتسموا بسيرة المتقين وإن كان لهم باطن غير مرضي كما ذكره المشركون وطعنوا في دينهم فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك ، كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم . وقيل ما عليك من حساب رزقهم أي من فقرهم . وقيل الضمير للمشركين والمعنى : لا تؤاخذ بحسابهم ولا هم بحسابك حتى يهمك إيمانهم بحيث تطرد المؤمنين طمعاً فيه . { فَتَطْرُدَهُمْ } فتبعدهم وهو جواب النفي { فَتَكُونَ مِنَ الظالمين } جواب النهي ويجوز عطفه على فتطردهم على وجه التسبب وفيه نظر .","part":2,"page":157},{"id":658,"text":"{ وكذلك فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } ومثل ذلك الفتن ، وهو اختلاف أحوال الناس في أمور الدنيا . { فَتَنَّا } أي ابتلينا بعضهم ببعض في أمر الدين فقدمنا هؤلاء الضعفاء على أشراف قريش بالسبق إلى الإِيمان . { لّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ الله عَلَيْهِم مّن بَيْنِنَا } أي أهؤلاء من أنعم الله عليهم بالهداية والتوفيق لما يسعدهم دوننا ، ونحن الأكابر والرؤساء وهم المساكين والضعفاء . وهو إنكار لأن يخص هؤلاء من بينهم بإصابة الحق والسبق إلى الخير كقولهم : { لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } واللام للعاقبة أو للتعليل على أن فتنا متضمن معنى خذلنا { أَلَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بالشاكرين } بمن يقع منه الإِيمان والشكر فيوقفه وبمن لا يقع منه فيخذله .\r{ وَإِذَا جَاءكَ الذين يُؤْمِنُونَ بئاياتنا فَقُلْ سلام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } الذين يؤمنون هم الذين يدعون ربهم وصفهم بالإِيمان بالقرآن واتباع الحجج بعدما وصفهم بالمواظبة على العبادة ، وأمره بأن يبدأ بالتسليم أو يبلغ سلام الله تعالى إليهم ويبشرهم بسعة رحمة الله تعالى وفضله بعد النهي عن طردهم ، إيذاناً بأنهم الجامعون لفضيلتي العلم والعمل ، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرب ولا يطرد ، ويعز ولا يذل ، ويبشر من الله بالسلامة في الدنيا والرحمة في الآخرة . وقيل إن قوماً جاءوا إلى النبي A فقالوا : إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فلم يرد عليهم شيئاً فانصرفوا فنزلت . { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءا } استئناف بتفسير الرحمة . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالفتح على البدل منها . { بِجَهَالَةٍ } في موضع الحال أي من عمل ذنباً جاهلاً بحقيقة ما يتبعه من المضار والمفاسد ، كعمر فيما أشار إليه ، أو ملتبساً بفعل الجهالة فإن ارتكاب ما يؤدي إلى الضرر من أفعال أهل السفه والجهل . { ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ } بعد العمل أو السوء . { وَأَصْلَحَ } بالتدارك والعزم على أن لا يعود إليه . { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فتحه من فتح الأول غير نافع على إضمار مبتدأ أو خبر أي فأمره أو فله غفرانه .\r{ وكذلك } ومثل ذلك التفضيل الواضح . { نُفَصّلُ الآيات } أي آيات القرآن في صفة المطيعين والمجرمين المصرين منهم والأوابين . { وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المجرمين } قرأ نافع بالتاء ونصب السبيل على معنى ولتستوضح يا محمد سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يحق له فصلنا هذا التفصيل ، وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص عن عاصم برفعه على معنى ولنبين سبيلهم ، والباقون بالياء والرفع على تذكير السبيل فإنه يذكر ويؤنث ، ويجوز أن يعطف على علة مقدرة أي نفصل الآيات ليظهر الحق وليستبين .","part":2,"page":158},{"id":659,"text":"{ قُلْ إِنّي نُهِيتُ } صرفت وزجرت بما نصب لي من الأدلة وأنزل علي من الآيات في أمر التوحيد . { أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } عن عبادة ما تعبدون من دون الله ، أو ما تدعونها آلهة أي تسمونها . { قُلْ لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ } تأكيد لقطع أطماعهم وإشارة إلى الموجب للنهي وعلة الامتناع عن متابعتهم واستجهال لهم ، وبيان لمبدأ ضلالهم وأن ما هم عليه هوى وليس يهدي ، وتنبيه لمن تحرى الحق على أن يتبع الحجة ولا يقلد . { قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً } أي اتبعت أهواءكم فقد ضللت . { وَمَا أَنَاْ مِنَ المهتدين } أي في شيء من الهدى حتى أكون من عدادهم ، وفيه تعريض بأنهم كذلك .","part":2,"page":159},{"id":660,"text":"{ قُلْ إِنّي على بَيّنَةٍ } تنبيه على ما يجب اتباعه بعد ما بين ما لا يجوز اتباعه . والبينة الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل وقيل المراد بها القرآن والوحي ، أو الحجج العقلية أو ما يعمها . { مّن رَّبّى } من معرفته وأنه لا معبود سواه ، ويجوز أن يكون صفة لبينة . { وَكَذَّبْتُم بِهِ } الضمير لربي أي كذبتم به حيث أشركتم به غيره ، أو للبينة باعتبار المعنى . { مَا عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } يعني العذاب الذي استعجلوه بقولهم : { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } في تعجيل العذاب وتأخيره . { يَقُصُّ الحق } أي القضاء الحق ، أو يصنع الحق ويدبره من قولهم قضى الدرع إذا صنعها ، فيما يقضي من تعجيل وتأخير وأصل القضاء الفصل بتمام الأمر ، وأصل الحكم المنع فكأنه منع الباطل . وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم «يقُصُّ» من قص الأثر ، أو من قص الخبر . { وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين } القاضين .","part":2,"page":160},{"id":661,"text":"{ قُل لَّوْ أَنَّ عِندِى } أي في قدرتي ومكنتي . { مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ } من العذاب . { لَقُضِىَ الأمر بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } لأهلكتكم عاجلاً غضباً لربي ، وانقطع ما بيني وبينكم . { والله أَعْلَمُ بالظالمين } في معنى الاستدراك كأنه قال : ولكن الأمر إلى الله سبحانه وتعالى وهو أعلم بمن ينبغي أن يؤخذ وبمن ينبغي أن يمهل منهم .","part":2,"page":161},{"id":662,"text":"{ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } خزائنه جمع مفتح بفتح الميم ، وهو المخزن أو ما يتوصل به إلى المغيبات مستعار من المفاتح الذي هو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح ، ويؤيده أنه قرىء «مفاتيح» والمعنى أنه المتوصل إلى المغيبات المحيط علمه بها . { لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } فيعلم أوقاتها وما في تعجيلها وتأخيرها من الحكم فيظهرها على ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته ، وفيه دليل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل وقوعها . { وَيَعْلَمُ مَا فِى البر والبحر } عطف للأخبار عن تعلق علمه تعالى بالمشاهدات على الإِخبار عن اختصاص العلم بالمغيبات به . { وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا } مبالغة في إحاطة علمه بالجزئيات . { وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظلمات الأرض وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ } معطوفات على ورقة وقوله : { إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ } بدل من الاستثناء الأول بدل الكل على أن الكتاب المبين علم الله سبحانه وتعالى ، أو بدل الاشتمال إن أريد به اللوح وقرئت بالرفع للعطف على محل ورقة أو رفعاً على الابتداء والخبر { إِلاَّ فِى كتاب مُّبِينٍ } .","part":2,"page":162},{"id":663,"text":"{ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل } ينيمكم فيه ويراقبكم ، استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهم من المشاركة في زوال الإِحساس والتمييز فإن أصله قبض الشيء بتمامه . { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار } كسبتم فيه خص الليل بالنوم والنهار بالكسب جرياً على المعتاد . { ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ } يوقظكم أطلق البعث ترشيحاً للتوفي { فِيهِ } في النهار . { ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى } ليبلغ المتيقظ آخر أجله المسمى له في الدنيا { ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } بالموت . { ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمجازاة عليه . وقيل الآية خطاب للكفرة والمعنى أنكم ملقون كالجيف بالليل وكاسبون للآثام بالنهار ، وأنه سبحانه وتعالى مطلع على أعمالكم يبعثكم من القبور في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الآثام بالنهار ، ليقضي الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم ، ثم إليه مرجعكم بالحساب ، ثم ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء .","part":2,"page":163},{"id":664,"text":"{ وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } ملائكة تحفظ أعملكم ، وهم الكرام الكاتبون ، والحكمة فيه أن المكلف إذا علم أن أعماله تكتب عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد كان أزجر عن المعاصي ، وأن العبد إذا وثق بلطف سيده واعتمد على عفوه وستره لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطلعين عليه . { حتى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } ملك الموت وأعوانه . وقرأ حمزة «توفاه» بالألف ممالة . { وَهُمْ لاَ يُفَرّطُونَ } بالتواني والتأخير . وقرىء بالتخفيف ، والمعنى : لا يجاوزون ما حد لهم بزيادة أو نقصان .\r{ ثُمَّ رُدُّواْ إلى الله } إلى حكمه وجزائه . { مولاهم } الذي يتولى أمرهم . { الحق } العدل الذي لا يحكم إلا بالحق وقرىء بالنصب على المدح . { أَلاَ لَهُ الحكم } يومئذ لا حكم لغيره فيه . { وَهُوَ أَسْرَعُ الحاسبين } يحاسب الخلائق في مقدار حلب شاة لا يشغله حساب عن حساب .\r{ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر } من شدائدهما ، استعيرت الظلمة للشدة لمشاركتهما في الهول وإبطال الإِبصار فقيل لليوم الشديد يوم مظلم ويوم ذو كواكب ، أو من الخسف في البر والغرق في البحر . وقرأ يعقوب { يُنَجّيكُمْ } بالتخفيف والمعنى واحد . { تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً } معلنين ومسرين ، أو إعلاناً وإسراراً وقرأ أبو بكر هنا وفي «الأعراف» { وَخُفْيَةً } بالكسر وقرىء { خِيفَةً } . { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } على إرادة القول أي تقولون لئن أنجيتنا . وقرأ الكوفيون «لئن أنجانا» ليوافق قوله { تَدْعُونَهُ } وهذه إشارة إلى الظلمة .\r{ قُلِ الله يُنَجّيكُمْ مّنْهَا } شدده الكوفيون وهشام وخففه الباقون . { وَمِن كُلّ كَرْبٍ } غم سواها . { ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } تعودون إلى الشرك ولا توفون بالعهد ، وإنما وضع تشركون موضع لا تشكرون تنبيهاً على أن من أشرك بعبادة الله سبحانه وتعالى فكأنه لم يعبده رأساً .\r{ قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } كما فعل بقوم نوح ولوط وأصحاب الفيل . { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } كما أغرق فرعون ، وخسف بقارون . وقيل من فوقكم أكابركم وحكامكم ومن تحت أرجلكم سفلتكم وعبيدكم . { أَوْ يَلْبِسَكُمْ } يخلطكم . { شِيَعاً } فرقا متحزبين على أهواء شتى ، فينشب القتال بينكم قال :\rوَكَتِيبَهٌ لَبسْتُهَا بِكَتِيبَة ... حَتَّى إِذَا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدَي\r{ وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } يقاتل بعضكم بعضاً . { انظر كَيْفَ نُصَرّفُ الآيات } بالوعد والوعيد . { لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ } .\r{ وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ } أي بالعذاب أو بالقرآن . { وَهُوَ الحق } الواقع لا محالة أو الصدق . { قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ وكل إلي أمركم فأمنعكم من التكذيب ، أو أجازيكم إنما أنا منذر والله الحفيظ .\r{ لّكُلّ نَبَإٍ } خبر يريد به إما بالعذاب أو الإِيعاد به . { مُّسْتَقِرٌّ } وقت استقرار ووقوع . { وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عند وقوعه في الدنيا والآخرة .\r{ وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ فِى ءاياتنا } بالتكذيب والاستهزاء بها والطعن فيها .","part":2,"page":164},{"id":665,"text":"{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } فلا تجالسهم وقم عنهم . { حتى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } أعاد الضمير على معنى الآيات لأنها القرآن . { وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشيطان } بأن يشغلك بوسوسته حتى تنسى النهي . وقرأ ابن عامر { يُنسِيَنَّكَ } بالتشديد . { فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذكرى } بعد أن تذكره . { مَعَ القوم الظالمين } أي معهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أنهم ظلموا بوضع التكذيب والاستهزاء موضع التصديق والاستعظام .\r{ وَمَا عَلَى الذين يَتَّقُونَ } وما يلزم المتقين من قبائح أعمالهم وأقوالهم الذين يجالسونهم . { مِنْ حِسَابِهِم مّن شَيْء } شيء مما يحاسبون عليه . { ولكن ذكرى } ولكن عليهم أن يذكروهم ذكرى ويمنعوهم عن الخوض وغيره من القبائح ويظهروا كراهتها وهو يحتمل النصب على المصدر والرفع ولكن عليهم ذكرى ، ولا يجوز عطفه على محل من شيء لأن من حسابهم يأباه ولا على شيء لذلك ولأن من لا تزاد في الإِثبات . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يجتنبون ذلك حياء أو كراهة لمساءتهم ، ويحتمل أن يكون الضمير للذين يتقون والمعنى : لعلهم يثبتون على تقواهم ولا تنثلم بمجالستهم . روي : أن المسلمين قالوا لئن كنا نقوم كلما استهزءوا بالقرآن لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام ، ونطوف ، فنزلت .\r{ وَذَرِ الَّذِينَ اتخذوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً } أي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً ، كعبادة الأصنام وتحريم البحائر والسوائب ، أو اتخذوا دينهم الذي كلفوه لعباً ولهواً حيث سخروا به ، أو جعلوا عيدهم الذي جعل ميقات عبادتهم زمان لهو ولعب . والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم ، ويجوز أن يكون تهديداً لهم كقوله تعالى : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } حتى أنكروا البعث . { وَذَكّرْ بِهِ } أي بالقرآن . { أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ } مخافة أن تسلم إلى الهلاك وترهن بسوء عملها . وأصل الأبسال والبسل المنع ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه ، والباسل الشجاع لامتناعه من قرنه وهذا بسل عليك أي حرام . { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } يدفع عنها العذاب . { وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ } وإن تفد كل فداء والعدل الفدية لأنها تعادل المفدي وها هنا الفداء وكل نصب على المصدرية . { لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } الفعل مسند إلى منها لا إلى ضميره بخلاف قوله : { وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } فإنه المفدى به . { أُوْلَئِكَ الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ } أي سلموا إلى العذاب بسبب أعمالهم القبيحة وعقائدهم الزائغة . { لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } تأكيد وتفصيل لذلك ، والمعنى هم بين ماء مغلي يتجرجر في بطونهم ونار تشتعل بأبدانهم بسبب كفرهم .","part":2,"page":165},{"id":666,"text":"{ قُلْ أَنَدْعُواْ } أنعبد . { مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا } ما لا يقدر على نفعنا وضرنا . { وَنُرَدُّ على أعقابنا } ونرجع إلى الشرك . { بَعْدَ إِذْ هَدَانَا الله } فأنقذنا منه ورزقنا الإِسلام . { كالذى استهوته الشياطين } كالذي ذهبت به مردة الجن في المهامة ، استفعال من هوى يهوي هويًا إذا ذهب . وقرأ حمزة «استهواه» بألف ممالة ومحل الكاف النصب على الحال من فاعل { نُرَدُّ } أي : مشبهين الذي استهوته ، أو على المصدر أي رداً مثل رد الذي استهوته . { فِى الأرض حَيْرَانَ } متحيراً ضالاً عن الطريق . { لَهُ أصحاب } لهذا المستهوى رفقة . { يَدْعُونَهُ إِلَى الهدى } إلى أن يهدوه الطريق المستقيم ، أو إلى الطريق المستقيم وسماه هدى تسمية للمفعول بالمصدر . { ائتنا } يقولون له ائتنا . { قُلْ إِنَّ هُدَى الله } الذي هو الإِسلام . { هُوَ الهدى } وحده وما عداه ضلال . { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } من جملة المقول عطف على أن هدى الله ، واللام لتعليل الأمر أي أمرنا بذلك لنسلم . وقيل هي بمعنى الباء وقيل هي زائدة .","part":2,"page":166},{"id":667,"text":"{ وَأَنْ أَقِيمُواْ الصلاة واتقوه } عطف على لنسلم أي للإسلام ولإقامة الصلاة ، أو على موقعه كأنه قيل : وأمرنا أن نسلم وأن أقيموا الصلاة . روي : أن عبد الرحمن بن أبي بكر دعا أباه إلى عبادة الأوثان ، فنزلت . وعلى هذا كان أمر الرسول A بهذا القول إجابة عن الصديق رضي الله تعالى عنه تعظيماً لشأنه وإظهاراً للاتحاد الذي كان بينهما . { وَهُوَ الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يوم القيامة .","part":2,"page":167},{"id":668,"text":"{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بالحق } قائماً بالحق والحكمة . { وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحق } جملة اسمية قدم فيها الخبر أي قوله الحق يوم يقول ، كقولك : القتال يوم الجمعة ، والمعنى أنه الخالق للسموات والأرضين ، وقوله الحق نافذ في الكائنات . وقيل يوم منصوب بالعطف على السموات أو الهاء في واتقوه ، أو بمحذوف دل عليه بالحق . وقوله الحق مبتدأ وخبر أو فاعل يكون على معنى وحين يقول لقوله الحق أي لقضائه كن فيكون ، والمراد به حين يكون الأشياء ويحدثها أو حين تقوم القيامة فيكون التكوين حشر الأموات وإحياءها . { وَلَهُ الملك يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } كقوله سبحانه وتعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } { عالم الغيب والشهادة } أي هو عالم الغيب . { وَهُوَ الحكيم الخبير } كالفذلكة للآية .","part":2,"page":168},{"id":669,"text":"{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ } هو عطف بيان لأبيه ، وفي كتب التواريخ أن اسمه تارح فقيل هما علمان له كإسرائيل ويعقوب ، وقيل العلم تارح وآزر وصف معناه الشيخ أو المعوج ، ولعل منع صرفه لأنه أعجمي حمل على موازنه أو نعت مشتق من الآزر أو الوزر ، والأقرب أنه علم أعجمي على فاعل كعابر وشالخ ، وقيل اسم صنم يعبده فلقب به للزوم عبادته ، أو أطلق عليه بحذف المضاف . وقيل المراد به الصنم ونصبه بفعل مضمر يفسره ما بعده أي أتعبد آزر ثم قال : { أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً } تفسيراً وتقريراً . ويدل عليه أنه قرىء «أزراً» ، تتخذ أصناماً بفتح همزة آزر وكسرها وهو اسم صنم . وقرأ يعقوب بالضم على النداء وهو يدل على أنه علم . { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضلال } عن الحق . { مُّبِينٌ } ظاهر الضلالة .","part":2,"page":169},{"id":670,"text":"{ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم } ومثل هذا التبصير نبصره ، وهو حكاية حال ماضية . وقرىء : «ترى» بالتاء ورفع الملكوت ومعناه تبصره دلائل الربوبية . { مَلَكُوتَ السموات والأرض } ربوبيتها وملكها . وقيل عجائبها وبدائعها والملكوت أعظم الملك والتاء فيه للمبالغة . { وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين } أي ليستدل وليكون ، أو وفعلنا ذلك ليكون .","part":2,"page":170},{"id":671,"text":"{ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَباً قَالَ هذا رَبّى } تفصيل وبيان لذلك . وقيل عطف على قال إبراهيم وكذلك نري اعتراض فإن أباه وقومه كانوا يعبدون الأصنام والكواكب ، فأراد أن ينبههم على ضلالتهم ويرشدهم إلى الحق من طريق النظر والاستدلال ، وجن عليه الليل ستره بظلامه والكواكب كان الزهرة أو المشتري وقوله : { هذا رَبّى } على سبيل الوضع فإن المستدل على فساد قول يحكيه على ما يقوله الخصم ثم يكر عليه بالإِفساد ، أو على وجه النظر والاستدلال ، وإنما قاله زمان مراهقته أو أول أوان بلوغه . { فَلَمَّا أَفَلَ } أي غاب . { قَالَ لا أُحِبُّ الآفلين } فضلاً عن عبادتهم فإن الانتقال والاحتجاب بالأستار يقتضي الأمان والحدوث وينافي الألوهية .","part":2,"page":171},{"id":672,"text":"{ فَلَمَّا رَأَى القمر بَازِغاً } مبتدئاً في الطلوع . { قَالَ هذا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِى رَبّى لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين } استعجز نفسه واستعان بربه في درك الحق ، فإنه لا يهتدي إليه إلا بتوفيقه إرشاداً لقومه وتنبيهاً لهم على أن القمر أيضاً لتغير حاله لا يصلح للألوهية ، وأن من اتخذه إلهاً فهو ضال .","part":2,"page":172},{"id":673,"text":"{ فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبّى } ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن شبهة التأنيث . { هذا أَكْبَرُ } كبره استدلالاً أو إظهاراً لشبهة الخصم . { فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنّى بَرِيءٌ مّمَّا تُشْرِكُونَ } من الأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث يحدثها ومخصص يخصصها بما تختص به ، ثم لما تبرأ منها توجه إلى موجدها ومبدعها الذي دلت هذه الممكنات عليه فقال :","part":2,"page":173},{"id":674,"text":"{ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } وإنما احتج بالأفول دون البزوغ مع أنه أيضاً انتقال لتعدد دلالته ، ولأنه رأى الكوكب الذي يعبدونه في وسط السماء حين حاول الاستدلال .\r{ وَحَاجُّهُ قَوْمُهُ } وخاصموه في التوحيد . { قَالَ أَتُحَاجُّونّى فِى الله } في وحدانيته سبحانه وتعالى . وقرأ نافع وابن عامر بخلاف عن هشام بتخفيف النون . { وَقَدْ هَدَانِ } إلى توحيده . { وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ } أي لا أخاف معبوداتكم في وقت لأنها لا تضر بنفسها ولا تنفع . { إِلاَّ أَن يَشَاء رَبّى شَيْئاً } أن يصيبني بمكروه من جهتها ، ولعله جواب لتخويفهم إياه من آلهتهم وتهديد لهم بعذاب الله . { وَسِعَ رَبّى كُلَّ شَىْء عِلْماً } كأنه علة الاستثناء ، أي أحاط به علماً فلا يبعد أن يكون في علمه أن يحيق بي مكروه من جهتها . { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } فتميزوا بين الصحيح والفاسد والقادر والعاجز .","part":2,"page":174},{"id":675,"text":"{ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ } ولا يتعلق به ضر . { وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بالله } وهو حقيق بأن يخاف منه كل الخوف لأنه إشراك للمصنوع بالصانع ، وتسوية بين المقدور العاجز بالقادر الضار النافع . { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سلطانا } ما لم ينزل بإشراكه كتاباً ، أو لم ينصب عليه دليلاً . { فَأَيُّ الفريقين أَحَقُّ بالأمن } أي الموحدون أو المشركون ، وإنما لم يقل أينا أنا أم أنتم احترازاً من تزكية نفسه . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } ما يحق أن يخاف منه .","part":2,"page":175},{"id":676,"text":"{ الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } استئناف منه أو من الله بالجواب عما استفهم عنه ، والمراد بالظلم ها هنا الشرك لما روي أن الآية لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا : أينا لم يظلم نفسه فقال E « ليس ما تظنون إنما هو ما قال لقمان لابنه { يابنى لاَ تُشْرِكْ بالله إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } » وليس الإِيمان به أن يصدق بوجود الصانع الحكيم ويخلط بهذا التصديق الإِشراك به . وقيل المعصية .","part":2,"page":176},{"id":677,"text":"{ وَتِلْكَ } إشارة إلى ما احتج به إبراهيم على قومه من قوله : { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل } إلى قوله : { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } أو من قوله : { أَتُحَاجُّونّى } إليه . { حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم } أرشدناه إليها أو علمناه إياها . { على قَوْمِهِ } متعلق ب { حُجَّتُنَا } إن جعل خبر تلك وبمحذوف إن جعل بدله أي : آتيناها إبراهيم حجة على قومه . { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } في العلم والحكمة . وقرأ الكوفيون ويعقوب بالتنوين . { إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في رفعه وخفضه . { عَلِيمٌ } بحال من يرفعه واستعداده له .","part":2,"page":177},{"id":678,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا } أي كلا منهما . { وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ } من قبل إبراهيم ، عد هداه نعمة على إبراهيم من حيث إنه أبوه وشرف الوالد يتعدى إلى الولد . { وَمِن ذُرّيَّتِهِ } الضمير لإبراهيم E إذ الكلام فيه . وقيل لنوح عليه السلام لأنه أقرب ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم ، فلو كان لإبراهيم اختص البيان بالمعدودين في تلك الآية والتي بعدها والمذكورون في الآية الثالثة عطف على نوحاً . { دَاوُودُ وسليمان وَأَيُّوبَ } أيوب بن أموص من أسباط عيص بن إسحاق . { وَيُوسُفَ وموسى وهارون وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } أي ونجزي المسحنين جزاء مثل ما جزينا إبراهيم برفع درجاته وكثر أولاده والنبوة فيهم .","part":2,"page":178},{"id":679,"text":"{ وَزَكَرِيَّا ويحيى وعيسى } هو ابن مريم وفي ذكره دليل على أن الذرية تتناول أولاد البنت . { وَإِلْيَاسَ } قيل هو إدريس جد نوح فيكون البيان مخصوصاً بمن في الآية الأولى . وقيل هو من أسباط هارون أخي موسى . { كُلٌّ مّنَ الصالحين } الكاملين في الصلاح وهو الإِتيان بما ينبغي والتحرز عما لا ينبغي .","part":2,"page":179},{"id":680,"text":"{ وإسماعيل واليسع } هو الليسع بن أخطوب . وقرأ حمزة والكسائي «والليسع» وعلى القراءتين هو علم أعجمي أدخل عليه اللام كما أدخل على اليزيد في قوله :\rرَأَيْتُ الوَلِيْدَ بن اليزيد مُبَارَكا ... شَدِيداً بِأَعْبَاءِ الخِلاَفَةِ كَاهِلُهُ\r{ وَيُونُسَ } هو يونس بن متى . { وَلُوطاً } هو ابن هاران أخي إبراهيم . { وَكُلاًّ فَضَّلْنَا عَلَى العالمين } بالنبوة ، وفيه دليل على فضلهم على من عداهم من الخلق .","part":2,"page":180},{"id":681,"text":"{ وَمِنْ ءابَائِهِمْ وذرياتهم وإخوانهم } عطف على { كَلاَّ } أو { نُوحاً } أي فضلنا كلاً منهم ، أو هدينا هؤلاء وبعض آبائهم وذرياتهم وإخوانهم فإن منهم من لم يكن نبياً ولا مهدياً . { واجتبيناهم } عطف على { فَضَّلْنَا } أو { هَدَيْنَا } . { وهديناهم إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } تكرير لبيان ما هدوا إليه .\r{ ذلك هُدَى الله } إشارة إلى ما دانوا به . { يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } دليل على أنه متفضل عليهم بالهداية . { وَلَوْ أَشْرَكُواْ } أي ولو أشرك هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع فضلهم وعلو شأنهم . { لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لكانوا كغيرهم في حبوط أعمالهم بسقوط ثوابها .\r{ أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب } يريد به الجنس . { والحكم } الحكمة أو فصل الأمر على ما يقتضيه الحق . { والنبوة } والرسالة . { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا } أي بهذه الثلاثة . { هَؤُلاء } يعني قريشاً . { فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا } أي بمراعاتها . { قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورون ومتابعوهم . وقيل هم الأنصار أو أصحاب النبي A ، أو كل من آمن به أو الفرس . وقيل الملائكة .\r{ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله } يريد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المتقدم ذكرهم . { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } فاختص طريقهم بالاقتداء والمراد بهداهم ما توافقوا عليه من التوحيد وأصول الدين دون الفروع المختلف فيها ، فإنها ليست هدى مضافاً إلى الكل ولا يمكن التأسي بهم جميعاً . فليس فيه دليل على أنه E متعبد بشرع من قبله ، والهاء في { اقتده } للوقف ومن أثبتها في الدرج ساكنة كابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم أجرى الوصل مجرى الوقف ، ويحذف الهاء في الوصل خاصة حمزة والكسائي وأشبعها بالكسر ابن عامر برواية ابن ذكوان على أنها كناية المصدر وكسرها بغير إشباع برواية هشام . { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على التبليغ أو القرآن . { أَجْراً } جعلاً من جهتكم كما لم يسأل من قبلي من النبيين ، وهذا من جملة ما أمر بالاقتداء بهم فيه . { إِنْ هُوَ } أي التبليغ أو القرآن أو الغرض . { إِلاَّ ذكرى للعالمين } إلا تذكيراً وموعظة لهم .\r{ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } وما عرفوه حق معرفته في الرحمة والإِنعام على العباد . { إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ الله على بَشَرٍ مّن شَىْء } حين أنكروا الوحي وبعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام ، وذلك من عظائم رحمته وجلائل نعمته أو في السخط على الكفار وشدة البطش بهم حين جسروا على هذه المقالة ، والقائلون هم اليهود قالوا ذلك مبالغة في إنكار إنزال القرآن بدليل نقض كلامهم ، وإلزامهم بقوله : { قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذى جَاء بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لّلنَّاسِ } وقراءة الجمهور { تَجْعَلُونَهُ قراطيس تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً } بالتاء وإنما قرأ بالياء ابن كثير وأبو عمرو حملاً على قالوا وما قدروا ، وتضمن ذلك توبيخهم على سوء جهلهم بالتوراة وذمهم على تجزئتها بإبداء بعض انتخبوه وكتبوه في ورقات متفرقة وإخفاء بعض لا يشتهونه .","part":2,"page":181},{"id":682,"text":"وروي \" أن مالك بن الصيف قاله لما أغضبه الرسول A بقوله : أنشدك الله الذي أنزل التوراة على موسى هل تجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين قال : نعم إن الله يبغض الحبر السمين ، قال E : فأنت الحبر السمين \" وقيل هم المشركون وإلزامهم بإنزال التوراة لأنه كان من المشهورات الذائعة عندهم ولذلك كانوا يقولون { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } { وَعُلّمْتُمْ } على لسان محمد A . { مَا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ ءابَاؤُكُمْ } زيادة على ما في التوراة وبياناً لما التبس عليكم وعلى آبائكم الذين كانوا أعلم منكم ونظيره { إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِى إسراءيل أَكْثَرَ الذى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } وقيل الخطاب لمن آمن من قريش { قُلِ الله } أي أنزله الله ، أو الله أنزله . أمره بأن يجيب عنهم إشعاراً بأن الجواب متعين لا يمكن غيره ، وتنبيهاً على أنهم بهتوا بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب . { ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ } في أباطيلهم فلا عليك بعد التبليغ وإلزام الحجة . { يَلْعَبُونَ } حال من هم الأول ، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال منهم الأول ، والظرف صلة ذرهم أو يلعبون أو حال من مفعوله ، أو فاعل يلعبون أو من هم الثاني والظرف متصل بالأول .\r{ وهذا كتاب أنزلناه مُبَارَكٌ } كثير الفائدة والنفع . { مُّصَدّقُ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } يعني التوراة أو الكتب التي قبله . { وَلِتُنذِرَ أُمَّ القرى } عطف على ما دل عليه مبارك أي للبركات ولتنذر أو علة لمحذوف أي ولتنذر أهل أم القرى أنزلناه ، وإنما سميت مكة بذلك لأنها قبلة أهل القرى ومحجهم ومجتمعهم وأعظم القرى شأناً . وقيل لأن الأرض دحيت من تحتها ، أو لأنها مكان أول بيت وضع للناس . وقرأ أبو بكر عن عاصم بالياء «وليندز» الكتاب . { وَمَنْ حَوْلَهَا } أهل الشرق والغرب . { والذين يُؤْمِنُونَ بالأخرة يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر حتى يؤمن بالنبي والكتاب ، والضمير يحتملهما ويحافظ على الطاعة وتخصيص الصلاة لأنها عماد الدين وعلم الإِيمان .","part":2,"page":182},{"id":683,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } فزعم أنه بعثه نبياً كمسيلمة والأسود العنسي ، أو اختلق عليه أحكاماً كعمرو بن لحي ومتابعيه . { أَوْ قَالَ أُوْحِى إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْء } كعبد الله بن سعد بن أبي سرح ( كان يكتب لرسول الله A فلما نزلت { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ } فلما بلغ قوله : { ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخر } قال عبد الله ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) تعجباً من تفصيل خلق الإِنسان فقال E : اكتبها فكذلك نزلت ، فشك عبد الله وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحي ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال ) . { وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ الله } كالذين قالوا لو نشاء لقلنا مثل هذا . { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظالمون } حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه أي ولو ترى الظالمين . { فِى غَمَرَاتِ الموت } شَدَائده من غمره الماء إذا غشيه . { والملئكة بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ } بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ أو بالعذاب . { أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ } أي يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظاً وتعنيفاً عليهم ، أو أخرجوها من العذاب وخلصوها من أيدينا . { اليوم } يريدون وقت الإِماتة ، أو الوقت الممتد من الإِماتة إلى ما لا نهاية له . { تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } أي الهوان يريدون العذاب المتضمن لشدة وإهانة ، فإضافته إلى الهون لعراقته وتمكنه فيه . { بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحق } كادعاء الولد والشريك له ودعوى النبوة والوحي كاذباً . { وَكُنتُمْ عَنْ ءاياته تَسْتَكْبِرُونَ } فلا تتأملون فيها ولا تؤمنون .","part":2,"page":183},{"id":684,"text":"{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا } للحساب والجزاء . { فرادى } منفردين عن الأموال والأولاد وسائر ما آثرتموه من الدنيا ، أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم ، وهو جمع فرد والألف للتأنيث ككسالى . وقرىء «فراد» كرخال وفراد كثلاث وفردى كسكرى . { كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } بدل منه أي على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد ، أو حال ثانية إن جوز التعدد فيها ، أو حال من الضمير في { فرادى } أي مشبهين ابتداء خلقكم عراة حفاة غرلاً بهما ، أو صفة مصدر { جِئْتُمُونَا } أي مجيئنا كما خلقناكم . { وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم } ما تفضلنا به عليكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة . { وَرَاء ظُهُورِكُمْ } ما قدمتم منه شيئاً ولم تحتملوا نقيراً . { وَمَا نرى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الذين زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء } أي شركاء لله في ربوبيتكم واستحقاق عبادتكم . { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } أي تقطع وصلكم وتشتت جمعكم ، والبين من الأضداد يستعمل للوصل والفصل . وقيل هو ظرف أسند إليه الفعل اتساعاً والمعنى : وقع التقطع بينكم ، ويشهد له قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم بالنصب على إضمار الفاعل لدلالة ما قبله عليه ، أو أقيم مقام موصوفة وأصله لقد تقطع ما بينكم وقد قرىء به . { وَضَلَّ عَنكُم } ضاع وبطل . { مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أنها شفعاؤكم أو أن لا بعث ولا جزاء .","part":2,"page":184},{"id":685,"text":"{ إِنَّ الله فَالِقُ الحب والنوى } بالنبات والشجر . وقيل المراد به الشقاق الذي في الحنطة والنواة . { يُخْرِجُ الحي } يريد به ما ينمو من الحيوان والنبات ليطابق ما قبله . { مِنَ الميت } مما لا ينمو كالنطف والحب . { وَمُخْرِجُ الميت مِنَ الحي } ومخرج ذلك من الحيوان والنبات ، ذكره بلفظ يالاسم حملاً على فالق الحب فإن قوله : يخرج الحي واقع موقع البيان له . { ذَلِكُمُ الله } أي ذلكم المحيي المميت هو الذي يحق له العبادة . { فأنى تُؤْفَكُونَ } تصرفون عنه إلى غيره .","part":2,"page":185},{"id":686,"text":"{ فَالِقُ الإصباح } شاق عمود الصبح عن ظلمة الليل أو عن بياض النهار ، أو شاق ظلمة الإِصباح وهو الغبش الذي يليه والإِصباح في الأصل مصدر أصبح إذا دخل في الصباح سمي به الصبح . وقرىء بفتح الهمزة على الجمع وقرىء { فَالِقُ الإصباح } بالنصب على المدح . { وَجَاعِلُ اللَّيْل سَكَناً } يسكن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه من سكن إليه إذا اطمأن إليه استئناساً به ، أو يسكن فيه الخلق من قوله تعالى : { لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } ونصبه بفعل دل عليه جاعل لا به ، فإن في معنى الماضي . ويدل عليه قراءة الكوفيين { وَجَعَلَ اليل } حملاً على معنى المعطوف عليه ، فإن فالق بمعنى فلق ولذلك قرىء به ، أو به على أن المراد منه جعل مستمر في الأزمنة المختلفة وعلى هذا يجوز أن يكون { والشمس والقمر } عطفاً على محل الليل ويشهد له قراءتهما بالجر والأحسن نصبهما بجعل مقدراً . وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي مجعولان . { حُسْبَاناً } أي على أدوار مختلفة يحسب بهما الأوقات ويكونان علمي الحسبان ، وهو مصدر حسب بالفتح كما أن الحسبان بالكسر مصدر حسب . وقيل جمع حساب كشهاب وشهبان . { ذلك } إشارة إلى جعلهما حسباناً أي ذلك التسيير بالحساب المعلوم . { تَقْدِيرُ العزيز } الذي قهرهما وسيرهما على الوجه المخصوص . { العليم } بتدبيرهما والأنفع من التداوير الممكنة لهما .","part":2,"page":186},{"id":687,"text":"{ وَهُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ النجوم } خلقها لكم . { لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظلمات البر والبحر } في ظلمات الليل في البر والبحر ، وإضافتها إليهما للملابسة أو في مشتبهات الطرق وسماها ظلمات على الاستعارة ، وهو إفراد لبعض منافعها بالذكر بعد ما أجملها بقوله لكم . { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات } بيناها فصلاً فصلاً . { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإنهم المنتفعون به .","part":2,"page":187},{"id":688,"text":"{ وَهُوَ الذى أَنشَأَكُم مّن نَّفْسٍ واحدة } هو آدم E . { فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } أي فلكم استقرار في الأصلاب ، أو فوق الأرض واستيداع في الأرحام ، أو تحت الأرض أو موضع استقرار واستيداع ، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر القاف على أنه اسم فاعل ، والمستودع اسم مفعول أي فمنكم قار ومنكم مستودع ، لأن الاستقرار منا دون الاستيداع . { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ } ذكر مع ذكر النجوم يعلمون لأن أمرها ظاهر ، ومع ذكر تخليق بني آدم يفقهون لأن إنشاءهم من نفس واحدة وتصريفهم بين أحوال مختلفة دقيق غامض يحتاج إلى استعمال فطنة وتدقيق نظر .","part":2,"page":188},{"id":689,"text":"{ وَهُوَ الذى أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } من السحاب أو من جانب السماء . { فَأَخْرَجْنَا } على تلوين الخطاب . { بِهِ } بالماء . { نَبَاتَ كُلّ شَيْء } نبت كل صنف من النبات والمعنى : إظهار القدرة في إنبات الأنواع المختلفة المفننة المسقية بماء واحد كما في قوله سبحانه وتعالى : { يسقى بِمَاء واحد } ونفضل بعضها على بعض في الأكل . { فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ } من النبات أو الماء . { خُضْرًا } شيئاً أخضر يقال أخضر وخضر كأعور وعور ، وهو الخارج من الحبة المتشعب . { نُّخْرِجُ مِنْهُ } من الخضر . { حَبّاً مُّتَرَاكِباً } وهو السنبل . { وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قنوان } أي وأخرجنا من النخل نخلاً من طلعها قنوان ، أو من النخل شيء من طلعها قنوان ، ويجوز أن يكون من النخل خبر قنوان ومن طلعها بدل منه والمعنى : وحاصلة من طلع النخل قنوان وهو الأعذاق جمع قنو كصنوان جمع صنو . وقرىء بضم القاف كذئب وذؤبان وبفتحها على أنه اسم جمع إذ ليس فعلان من أبنية الجمع . { دَانِيَةٌ } قريبة من المتناول ، أو ملتفة قريب بعضها من بعض ، وإنما اقتصر على ذكرها عن مقابلها لدلالتها عليه وزيادة النعمة فيها . { وجنات مّنْ أعناب } عطف على نبات كل شيء . وقرأ نافع بالرفع على الابتداء أي ولكم أو ثم جنات أو من الكرم جنات ، ولا يجوز عطفه على { قنوان } إذ العنب لا يخرج من النخل . { والزيتون والرمان } أيضاً عطف على نبات أو نصب على الاختصاص لعزة هذين الصنفين عندهم . { مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ متشابه } حال من الرمان ، أو من الجميع أي بعض ذلك متشابه وبعضه غير متشابه في الهيئة والقدر واللون والطعم . { انظروا إلى ثَمَرِهِ } أي ثمر كل واحد من ذلك . وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء والميم ، وهو جمع ثمرة كخشبة وخشب ، أو ثمار ككتاب وكتب . { إِذَا أَثْمَرَ } إذا أخرج ثمره كيف يثمر ضئيلاً لا يكاد ينتفع به . { وَيَنْعِهِ } وإلى حال نضجه أو إلى نضيجة كيف يعود ضخماً ذا نفع ولذة ، وهو في الأصل مصدر ينعت الثمر إذا أدركت . وقيل جمع يانع كتاجر وتجر . وقرىء بالضم وهو لغة فيه ويانعه . { إِنَّ فِى ذلكم لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي لآيات دالة على وجود القادر الحكيم وتوحيده ، فإن حدوث الأجناس المختلفة والأنواع المتفننة من أصل واحد ونقلها من حال إلى حال لا يكون إلا بإحداث قادر يعلم تفاصيلها ، ويرجح ما تقتضيه حكمته مما يمكن من أحوالها ولا يعوقه عن فعله ند يعارضه أو ضد يعانده ، ولذلك عقبه بتوبيخ من أشرك به والرد عليه فقال .\r{ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن } أي الملائكة بأن عبدوهم وقالوا : الملائكة بنات الله . وسماهم جناً لاجتنانهم تحقيراً لشأنهم ، أو الشياطين لأنهم أطاعوهم كما يطاع الله تعالى ، أو عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم ، أو قالوا الله خالق الخير وكل نافع ، والشيطان خالق الشر وكل ضار كما هو رأي الثنوية .","part":2,"page":189},{"id":690,"text":"ومفعولا { جَعَلُواْ } { للَّهِ شُرَكَاء } والجن بدل من { شُرَكَاء } أو { شُرَكَاء } الجن و { لِلَّهِ } متعلق ب { شُرَكَاء } ، أو حال منه وقرىء { الجن } بالرفع كأنه قيل : من هم فقيل الجن ، و { الجن } بالجر على الإِضافة للتبيين . { وَخَلَقَهُمْ } حال بتقدير قد ، والمعنى وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن وليس من يخلق كمن لا يخلق . وقرىء { وَخَلَقَهُمْ } عطفاً على { الجن } أي وما يخلقونه من الأصنام ، أو على شركاء أي وجعلوا له اختلافهم للإِفك حيث نسبوه إليه . { وَخَرَقُواْ لَهُ } افتعلوا وافتروا له . وقرأ نافع بتشديد الراء للتكثير . وقرىء «وحرفوا» أي وزوروا . { بَنِينَ وَبَنَاتٍ } فقالت اليهود عزير ابن الله ، وقالت النصارى المسيح ابن الله ، وقالت العرب الملائكة بنات الله . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ويروا عليه دليلاً ، وهو في موضع الحال من الواو ، أو المصدر أي خرقاً بغير علم . { سبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفُونَ } وهو أن له شريكاً أو ولداً .\r{ بَدِيعُ السموات والأرض } من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها ، أو إلى الظرف كقولهم : ثبت الغدر بمعنى أنه عديم النظير فيهما ، وقيل معناه المبدع وقد سبق الكلام فيه ، ورفعه على الخبر والمبتدأ محذوف أو على الابتداء وخبره . { أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } أي من أين أو كيف يكون له ولد . { وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ صاحبة } يكون منها الولد . وقرىء بالياء للفصل أو لأن الاسم ضمير الله أو ضمير الشأن . { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا تخفى عليه خافية ، وإنما لم يقل به لتطرق التخصيص إلى الأول ، وفي الآية استدلال على نفي الولد من وجوه : ( الأول ) أنه من مبدعاته السموات والأرضون ، وهي مع أنها من جنس ما يوصف بالولادة مبرأة عنها لاستمرارها وطول مدتها فهو أولى بأن يتعالى عنها ، أو أن ولد الشيء نظيره ولا نظير له فلا ولد . ( والثاني ) أن المعقول من الولد ما يتولد من ذكر وأنثى متجانسين والله سبحانه وتعالى منزه عن المجانسة . ( والثالث ) أن الولد كفؤ الوالد ولا كفؤ له لوجهين : الأول أن كل ما عداه مخلوقه فلا يكافئه . والثاني أنه سبحانه وتعالى لذاته عالم بكل المعلومات ولا كذلك غيره بالإِجماع .\r{ ذلكم } إشارة إلى الموصوف بما سبق من الصفات وهو مبتدأ . { الله رَبُّكُمْ لا إله إِلاَّ هُوَ خالق كُلّ شَيْء } أخبار مترادفة ويجوز أن يكون البعض بدلاً أو صفة والبعض خبراً . { فاعبدوه } حكم مسبب عن مضمونها فإن من استجمع هذه الصفات استحق العبادة . { وَهُوَ على كُلّ شَيْء وَكِيلٌ } أي وهو مع تلك الصفات متولي أموركم فكلوها إليه وتوسلوا بعبادته إلى إنجاح مآربكم ورقيب على أعمالكم فيجازيكم عليها .","part":2,"page":190},{"id":691,"text":"{ لاَّ تُدْرِكُهُ } أي لا تحيط به . { الأبصار } جمع بصر وهي حاسة النظر وقد يقال للعين من حيث إنها محلها واستدل به المعتزلة على امتناع الرؤية وهو ضعيف ، إذ ليس الإِدراك مطلق الرؤية ولا النفي في الآية عاماً في الأوقات فلعله مخصوص ببعض الحالات ولا في الأشخاص ، فإنه في قوة قولنا لا كل بصر يدركه مع أن النفي لا يوجب الامتناع . { وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار } يحيط علمه بها . { وَهُوَ اللطيف الخبير } فيدرك ما لا تدركه الأبصار كالأبصار ، ويجوز أن يكون من باب اللف أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير ، فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف لما لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها .\r{ قَدْ جَاءكُمْ بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } البصائر جمع بصيرة وهي للنفس كالبصر للبدن ، سميت بها لدلالة لأنها تجلي لها الحق وتبصرها به . { فَمَنْ أَبْصَرَ } أي أبصر الحق وآمن به . { فَلِنَفْسِهِ } أبصر لأن نفعه لها . { وَمَنْ عَمِيَ } عن الحق وضل . { فَعَلَيْهَا } وباله . { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } وإنما أنا منذر والله سبحانه وتعالى هو الحفيظ عليكم يحفظ أعمالكم ويجازيكم عليها ، وهذا كلام ورد على لسان الرسول E .\r{ وكذلك نُصَرّفُ الآيات } ومثل ذلك التصريف نصرف ، وهو إجراء المعنى الدائر في المعاني المتعاقبة من الصرف ، وهو نقل الشيء من حال إلى حال . { وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ } أي وليقولوا درست صرفنا واللام لام العاقبة ، والدرس القراءة والتعليم . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو دارست أي دارست أهل الكتاب وذاكرتهم ، وابن عامر ويعقوب درست من الدروس أي قدمت هذه الآيات وعفت كقولهم أساطير الأولين . وقرىء { دَرُسْتَ } بضم الراء مبالغة في درست ودرست على البناء للمفعول بمعنى قرئت ، أو عفيت ودارست بمعنى درست أو دارست اليهود محمداً A ، وجاز إضمارهم بلا ذكر لشهرتهم بالدراسة ، ودرسن أي عنون ودرس أي درس محمد A ودارسات أي قديمات أو ذوات درس كقوله تعالى : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } . { وَلِنُبَيّنَهُ } اللام على أصله لأن التبيين مقصود التصريف والضمير للآيات باعتبار المعنى ، أو للقرآن وإن لم يذكر لكونه معلوماً أو للمصدر . { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإنهم المنتفعون به .","part":2,"page":191},{"id":692,"text":"{ اتبع مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } بالتدين به . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } اعتراض أكد به إيجاب الاتباع ، أو حال مؤكدة من ربك بمعنى منفرداً في الألوهية . { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } ولا تحتفل بأقوالهم ولا تلتفت إلى آرائهم ، ومن جعله منسوخاً بآية السيف حمل الإِعراض على ما يعم الكف عنهم .","part":2,"page":192},{"id":693,"text":"{ وَلَوْ شَاء الله } توحيدهم وعدم إشراكهم . { مَا أَشْرَكُواْ } وهو دليل على أنه سبحانه وتعالى لا يريد إيمان الكافرين وأن مراده واجب الوقوع . { وَمَا جعلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } رقيباً . { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } تقوم بأمورهم .","part":2,"page":193},{"id":694,"text":"{ وَلاَ تَسُبُّواْ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي ولا تذكروا آلهتهم التي يعبدونها بما فيها من القبائح . { فَيَسُبُّواْ الله عَدْواً } تجاوزاً عن الحق إلى الباطل . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } على جهالة بالله سبحانه وتعالى وبما يجب أن يذكر به . وقرأ يعقوب { عَدُوّا } يقال عدا فلان عدواًّ وعدواً وعداءَ وعدواناً . روي : أنه E كان يطعن في آلهتهم فقالوا لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون إلهك ، فنزلت . وقيل كان المسلمون يسبونها فنهوا لئلا يكون سبهم سبباً لسب الله سبحانه وتعالى ، وفيه دليل على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر . { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ } من الخير والشر بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً وتخذيلاً ، ويجوز تخصيص العمل بالشر وكل أمة بالكفرة لأن الكلام فيهم ، والمشبه به تزيين سب الله لهم . { ثُمَّ إلى رَبّهِمْ مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بالمحاسبة والمجازاة عليه .","part":2,"page":194},{"id":695,"text":"{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } مصدر في موقع الحال ، والداعي لهم إلى هذا القسم والتأكيد فيه التحكم على الرسول A في طلب الآيات واستحقارما رأوا منها . { لَئِن جَاءتْهُمْ ءايَةٌ } من مقترحاتهم . { لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } هو قادر عليها يظهر منها ما يشاء وليس شيء منها بقدرتي وإرادتي . { وَمَا يُشْعِرُكُمْ } وما يدريكم استفهام إنكار . { أَنَّهَا } أي أن الآية المقترحة . { إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي لا تدرون أنهم لا يؤمنون ، أنكر السبب مبالغة في نفي المسبب ، وفيه تنبيه على أنه سبحانه وتعالى إنما لم ينزلها لعلمه بأنها إذا جاءت لا يؤمنون بها ، وقيل لا مزيدة وقيل أن بمعنى لعل إذ قرىء لعلها قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ويعقوب إنها بالكسر كأنه قال : وما يشعركم ما يكون منهم ، ثم أخبرهم بما علم منهم والخطاب للمؤمنين فإنهم يتمنون مجيء الآية طمعاً في إيمانهم ، فنزلت . وقيل للمشركين إذ قرأ ابن عامر وحمزة «لا تؤمنون» بالتاء وقرىء «وما يشعرهم أنها إذا جاءتهم» فيكون إنكاراً لهم على حلفهم أي : وما يشعرهم أن قلوبهم حينئذٍ لم تكن مطبوعة كما كانت عند نزول القرآن وغيره من الآيات فيؤمنون بها .","part":2,"page":195},{"id":696,"text":"{ وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وأبصارهم } عطف على لا يؤمنون أي : وما يشعركم أنا حينئذ يقلب أفئدتهم عن الحق فلا يفقهونه ، وأبصارهم فلا يبصرونه فلا يؤمنون بها . { كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ } أي بما أنزل من الآيات . { أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } وندعهم متحيرين لا نهديهم هداية المؤمنين . وقرىء . «وَيَقَلِّبُ» و «يذرهم» على الغيبة ، و «تقلب» على البناء للمفعول والإِسناد إلى الأفئدة .","part":2,"page":196},{"id":697,"text":"{ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْء قُبُلاً } كما اقترحوا فقالوا : لولا أنزل علينا الملائكة فأتوا بآياتنا { أَوْ تَأْتِيَ بالله والملئكة قَبِيلاً } وقبلا جمع قبيل بمعنى كفيل أي : كفلاء بما بشروا به وأنذروا به ، أو جمع قبيل الذي هو جمع قبيلة بمعنى جماعات ، أو مصدر بمعنى مقابلة كقبلا وهو قراءة نافع وابن عامر ، وهو على الوجوه حال من كل وإنما جاز ذلك لعمومه . { وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } لما سبق عليهم القضاء بالكفر . { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } استثناء من أعم الأحوال أي : لا يؤمنون في حال من الأحوال إلا حال مشيئة الله تعالى إيمانهم ، وقيل منقطع وهو حجة واضحة على المعتزلة . { ولكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون ، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم ، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعاً في إيمانهم .","part":2,"page":197},{"id":698,"text":"{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } أي كما جعلنا لك عدواً جعلنا لكل نبي سبقك عدواً ، وهو دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام بفعل الله سبحانه وتعالى وخلقه . { شياطين الإنس والجن } مردة الفريقين ، وهو بدل من عدواً ، أو أول مفعولي { جَعَلْنَا } و { عَدُوّا } مفعوله الثاني ، ولكل متعلق به أو حال منه . { يُوحِى بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإِنس ، أو بعض الجن إلى بعض ، وبعض الإِنس إلى بعض . { زُخْرُفَ القول } الأباطيل المموهة منه من زخرفة إذا زينه . { غُرُوراً } مفعول له أو مصدر في موقع الحال . { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ } إيمانهم . { مَّا فَعَلُوهُ } أي ما فعلوا ذلك يعني معاداة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وايحاء الزخارف ، ويجوز أن يكون الضمير للايحاء أو الزخرف أو الغرور ، وهو أيضاً دليل على المعتزلة . { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } وكفرهم .","part":2,"page":198},{"id":699,"text":"{ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } عطف على { غُرُوراً } إن جعل علة ، أو متعلق بمحذوف أي وليكون ذلك { جَعَلْنَا لِكُلّ نِبِىّ عَدُوّاً } . والمعتزلة لما اضطروا فيه قالوا : اللام لام العاقبة أو لام القسم كسرت لما لم يؤكد الفعل بالنون أو لام الأمر وضعفه أظهر ، والصغو : الميل والضمير لما له الضمير في فعلوه . { وَلِيَرْضَوْهُ } لأنفسهم . { وَلِيَقْتَرِفُواْ } وليكتسبوا . { مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ } من الآثام .\r{ أَفَغَيْرَ الله أَبْتَغِى حَكَماً } على إرادة القول أي : قل لهم يا محمد أفغير الله أطلب من يحكم بيني وبينكم ويفصل المحق منا من المبطل ، و «غير» مفعول { أَبْتَغِى } و { حُكْمًا } حال منه ويحتمل عكسه ، و { حُكْمًا } أبلغ من حاكم ولذلك لا يوصف به غير العادل . { وَهُوَ الذى أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب } القرآن المعجز . { مُفَصَّلاً } مبيناً فيه الحق والباطل بحيث ينفي التخليط والالتباس . وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه وتقريره مغنٍ عن سائر الآيات . { والذين ءاتيناهم الكتاب يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مّن رَّبّكَ بالحق } تأييد لدلالة الإِعجاز على أن القرآن حق منزل من عند الله سبحانه وتعالى ، يعلم أهل الكتاب به لتصديقه ما عندهم مع أنه E لم يمارس كتبهم ولم يخالط علماءهم ، وإنما وصف جميعهم بالعلم لأن أكثرهم يعلمون ومن لم يعلم فهو متمكن منه بأدنى تأمل . وقيل المراد مؤمنو أهل الكتاب . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم { مُنَزَّلٌ } بالتشديد . { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } في أنهم يعلمون ذلك ، أو في أنه منزل لجحود أكثرهم وكفرهم به ، فيكون من باب التهييج كقوله تعالى : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } أو خطاب الرسول A لخطاب الأمة . وقيل الخطاب لكل أحد على معنى أن الأَدلة لما تعاضدت على صحته فلا ينبغي لأحد أن يمتري فيه .\r{ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } بلغت الغاية أخباره وأحكامه ومواعيده . { صِدْقاً } في الأخبار والمواعيد . { وَعَدْلاً } في الأقضية والأحكام ونصبهما يحتمل التمييز والحال والمفعول له . { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } لا أحد يبدل شيئاً منها بما هو أصدق وأعدل ، أو لا أحد يقدر أن يحرفها شائعاً ذائعاً كما فعل بالتوراة على أن المراد بها القرآن ، فيكون ضماناً لها من الله سبحانه وتعالى بالحفظ كقوله : { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } أو لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها . وقرأ الكوفيون ويعقوب { كلمة ربك } أي ما تكلم به أو القرآن . { وَهُوَ السميع } لما يقولون . { العليم } بما يضمرون فلا يهملهم .\r{ وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأرض } أي أكثر الناس يريد الكفار ، أو الجهال أو أتباع الهوى . وقيل الأرض أرض مكة . { يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ الله } عن الطريق الموصل إليه ، فإن الضال في غالب الأمر لا يأمر إلا بما فيه ضلال .","part":2,"page":199},{"id":700,"text":"{ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } وهو ظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ، أو جهالاتهم وآراؤهم الفاسدة فإن الظن يطلق على ما يقابل العلم . { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون على الله سبحانه وتعالى فيما ينسبون إليه كاتخاذ الولد وجعل عبادة الأوثان وصلة إليه ، وتحليل الميتة وتحريم البحائر ، أو يقدرون أنهم على شيء وحقيقته ما يقال عن ظن وتخمين .\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } أي أعلم بالفريقين ، و { مِنْ } موصولة أو موصوفة في محل النصب بفعل دل عليه أعلم لا به فإن أفعل لا ينصب الظاهر في مثل ذلك ، أو استفهامية مرفوعة بالابتداء والخبر { يُضِلَّ } والجملة معلق عنها الفعل المقدر . وقرىء { مَن يَضِلُّ } أي يضله الله ، فتكون من منصوبة بالفعل المقدر أو مجرورة بإضافة أعلم إليه أي : أعلم المضلين من قوله تعالى : { مَن يُضْلِلِ الله } أو من أضللته إذا وجدته ضالاً ، والتفضيل في العلم بكثرته وإحاطته بالوجوه التي يمكن تعلق العلم بها ولزومه وكونه بالذات لا بالغير .\r{ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحرمون الحلال ويحللون الحرام ، والمعنى كلوا مما ذكر اسم الله على ذبحه لا مما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه . { إِن كُنتُم بآياته مُؤْمِنِينَ } فإن الإِيمان بها يقتضي استباحة ما أحله الله سبحانه وتعالى واجتناب ما حرمه .\r{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسم الله عَلَيْهِ } وأي غرض لكم في أن تتحرجوا عن أكله وما يمنعكم عنه . { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } مما لم يحرم بقوله : { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الميتة } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر { فَصْلٌ } على البناء للمفعول ، ونافع ويعقوب وحفص { حَرَّمَ } على البناء للفاعل . { إِلاَّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ } مما حرم عليكم فإنه أيضاً حلال حال الضرورة . { وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ } بتحليل الحرام وتحريم الحلال . قرأ الكوفيون بضم الياء والباقون بالفتح . { بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ } بتشبيههم من غير تعلق بدليل يفيد العلم . { إِنَّ رَّبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بالمعتدين } بالمجاوزين الحق إلى الباطل والحلال إلى الحرام .\r{ وَذَرُواْ ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } ما يعلن وما يسر ، أو ما بالجوارح وما بالقلب . وقيل الزنا في الحوانيت واتخاذ الأخدان . { إِنَّ الذين يَكْسِبُونَ الإثم سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ } يكتسبون .","part":2,"page":200},{"id":701,"text":"{ وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } ظاهر في تحريم متروك التسمية عمداً أو نسياناً ، وإليه ذهب داود وعن أحمد مثله ، وقال مالك والشافعي بخلافه لقوله E « ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه » وفرق أبو حنيفة C بين العمد والنسيان وأوله بالميتة أو بما ذكر غير اسم الله عليه لقوله : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } فإن الفسق ما أهل لغير الله به ، والضمير لما ويجوز أن يكون للأكل الذي دل عليه لا تأكلوا . { وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ } ليوسوسون . { إلى أَوْلِيَائِهِمْ } من الكفار . { ليجادلوكم } بقولهم تأكلون ما قتلتم أنتم وجوارحكم وتدعون ما قتله الله ، وهو يؤيد التأويل بالميتة . { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ } في استحلال ما حرم . { إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } فإن من ترك طاعة الله تعالى إلى طاعة غيره واتبعه في دينه فقد أشرك ، وإنما حسن حذف الفاء فيه لأن الشرط بلفظ الماضي .","part":2,"page":201},{"id":702,"text":"{ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى الناس } مثل به من هداه الله سبحانه وتعالى وأنقذه من الضلال وجعل له نور الحجج والآيات يتأمل بها في الأشياء ، فيميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل . وقرأ نافع ويعقوب { مَيْتًا } على الأصل . { كَمَن مَّثَلُهُ } صفته وهو مبتدأ خبره . { فِى الظلمات } وقوله : { لَيْسَ بِخَارِجٍ مّنْهَا } حال من المستكن في الظرف لا من الهاء في مثله للفصل ، وهو مثل لمن بقي على الضلالة لا يفارقها بحال . { كذلك } كما زين للمؤمنين إيمانهم . { زُيّنَ للكافرين مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } والآية نزلت في حمزة وأبي جهل وقيل في عمر أو عمار وأبي جهل .\r{ وكذلك جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ أكابر مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا } أي كما جعلنا في مكة أكابر مجرميها ليمكروا فيها جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها ، و { جَعَلْنَا } بمعنى صيرنا ومفعولاه { أكابر مُجْرِمِيهَا } على تقديم المفعول الثاني ، أو في كل قرية { أكابر } و { مُجْرِمِيهَا } بدل ويجوز أن يكون مضافاً إليه إن فسر الجعل بالتمكين ، وأفعل التفضيل إذا أضيف جاز فيه الإفراد والمطابقة ولذلك قرىء «أكبر مجرميها» ، وتخصيص الأكابر لأنهم أقوى على استتباع الناس والمكر بهم . { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } لأن وباله يحيق بهم . { وَمَا يَشْعُرُونَ } ذلك .\r{ وَإِذَا جَاءتْهُمْ ءايَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حتى نؤتى مِثْلَ مَا أُوتِىَ رُسُلُ الله } يعني كفار قريش لما روي : أن أبا جهل قال زاحمنا بني عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منا نبي يوحي إليه والله لا نرضى به إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه ، فنزلت : { الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } استئناف للرد عليهم بأن النبوة ليست بالنسب والمال وإنما هي بفضائل نفسانية يخص الله سبحانه وتعالى بها من يشاء من عباده فيجتبي لرسالاته من علم أنه يصلح لها ، وهو أعلم بالمكان الذي يضعها فيه . وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم { رِسَالَتَهُ } { سَيُصِيبُ الذين أَجْرَمُواْ صَغَارٌ } ذل وحقارة بعد كبرهم . { عَندَ الله } يوم القيامة وقيل تقديره من عند الله . { وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ } بسبب مكرهم أو جزاء على مكرهم .\r{ فَمَن يُرِدِ الله أَن يَهْدِيَهُ } يعرفه طريق الحق ويوفقه للإيمان . { يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام } فيتسع له وينفسح فيه مجاله ، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق مهيأة لحلوله فيها مصفاة عما يمنعه وينافيه ، وإليه أشار عليه أفضل الصلاة والسلام حين سئل عنه فقال \" نور يقذفه الله سبحانه وتعالى في قلب المؤمن فينشرح له وينفسح فقالوا : هل لذلك من أمارة يعرف بها فقال : نعم الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله \" .","part":2,"page":202},{"id":703,"text":"{ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً } بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يدخله الإِيمان . وقرأ ابن كثير { ضَيّقاً } بالتخفيف ونافع وأبو بكر عن عاصم حرجاً بالكسر أي شديد الضيق ، والباقون بالفتح وصفاً بالمصدر . { كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السماء } شبهه مبالغة في ضيق صدره بمن يزاول ما لا يقدر عليه ، فإن صعود السماء مثل فيما يبعد عن الاستطاعة ، ونبه به على أن الإِيمان يمتنع منه كما يمتنع الصعود . وقيل معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبواً عن الحق وتباعداً في الهرب منه ، وأصل يصعد يتصعد وقد قرىء به وقرأ ابن كثير { يَصْعَدُ } وأبو بكر عن عاصم يصاعد بمعنى يتصاعد . { كذلك } أي كما يضيق صدره ويبعد قلبه عن الحق . { يَجْعَلُ الله الرجس عَلَى الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } يجعل العذاب أو الخذلان عليهم ، فوضع الظاهر موضع المضمر للتعليل .\r{ وهذا } إشارة إلى البيان الذي جاء به القرآن ، أو إلى الإسلام أو ما سبق من التوفيق والخذلان . { صراط رَبّكَ } الطريق الذي ارتضاه أو عادته وطريقه الذي اقتضته حكمته . { مُّسْتَقِيماً } لا عوج فيه ، أو عادلاً مطرداً وهو حال مؤكدة كقوله { وَهُوَ الحق مُصَدّقًا } ، أو مقيدة والعامل فيها معنى الإشارة . { قَدْ فَصَّلْنَا الآيات لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فيعلمون أن القادر هو الله سبحانه وتعالى وأن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه وخلقه ، وأنه عالم بأحوال العباد حكيم عادل فيما يفعل بهم .\r{ لَهُمْ دَارُ السلام } دار الله أضاف الجنة إلى نفسه تعظيماً لها ، أو دار السلامة من المكاره أو دار تحيتهم فيها سلام . { عِندَ رَبّهِمْ } في ضمانه أو ذخيرة لهم عنده لا يعلم كنهها غيره . { وَهُوَ وَلِيُّهُم } مواليهم أو ناصرهم . { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بسبب أعمالهم أو متوليهم بجزائها فيتولى إيصاله إليهم .\r{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } نصب باضمار اذكر أو نقول ، والضمير لمن يحشر من الثقلين . وقرأ حفص عن عاصم وروح عن يعقوب { يَحْشُرُهُمْ } بالياء . { كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } يعني الشياطين . { قَدِ استكثرتم مّنَ الإنس } أي من إغوائهم وإضلالهم ، أو منهم جعلتموهم أتباعكم فحشروا معكم كقوله استكثر الأمير من الجنود . { وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مّنَ الإنس } الذين أطاعوهم . { رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ } أي انتفع الإنس بالجن بأن دلوهم على الشهوات وما يتوصل به إليها ، والجن بالإِنس بأن أطاعوهم وحصلوا مرادهم . وقيل استمتاع الإنس بهم أنهم كانوا يعوذون بهم في المفاوز وعند المخاوف ، واستمتاعهم بالإنس اعترافهم بأنهم يقدرون على إجارتهم . { وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الذى أَجَّلْتَ لَنَا } أي البعث وهو اعتراف بما فعلوه من طاعة الشيطان واتباع الهوى وتكذيب البعث وتحسر على حالهم . { قَالَ النار مَثْوَاكُمْ } منزلكم أو ذات مثواكم . { خالدين فِيهَا } حال والعامل فيها مثواكم إن جعل مصدراً ، ومعنى الإضافة إن جعل مكاناً { إِلاَّ مَا شَاء الله } إلا الأوقات التي ينقلون فيها من النار إلى الزمهرير وقيل { إِلاَّ مَا شَاء الله } قبل الدخول كأنه قيل : النار مَثْوَاكُمْ أبداً إلا ما أمهلكم .","part":2,"page":203},{"id":704,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ } في أفعاله . { عَلِيمٌ } بأعمال الثقلين وأحوالهم .\r{ وكذلك نُوَلّى بَعْضَ الظالمين بَعْضاً } نكل بعضهم إلى بعض ، أو نجعل بعضهم يتولى بعضاً فيغويهم أولياء بعض وقرناءهم في العذاب كما كانوا في الدنيا . { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الكفر والمعاصي .\r{ يامعشر الجن والإنس أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنْكُمْ } الرسل من الإِنس خاصة ، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك ونظيره { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } والمرجان يخرج من الملح دون العذب وتعلق بظاهره قوم وقالوا بعث إلى كل من الثقلين رسل من جنسهم . وقيل الرسل من الجن رسل الرسل إليهم لقوله تعالى : { وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } يعني يوم القيامة . { قَالُواْ } جواباً . { شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا } بالجرم والعصيان وهو اعتراف منهم بالكفر واستيجاب العذاب . { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسهم أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } ذم لهم على سوء نظرهم وخطأ رأيهم ، فإنهم اغتروا بالحياة الدنيوية واللذات المخدجة ، وأعرضوا عن الآخرة بالكلية حتى كان عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة على أنفسهم بالكفر والاستسلام للعذاب المخلد تحذير للسامعين مثل حالهم .","part":2,"page":204},{"id":705,"text":"{ ذلك } إشارة إلى إرسال الرسل ، وهو خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك . { أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون } تعليل للحكم وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة أي : الأمر لانتفاء كون ربك أو لأن الشأن لم يكن ربك مهلك أهل القرى بسبب ظلم فعلوه ، أو ملتبسين بظلم أو ظالماً وهم غافلون لم ينبهوا برسول أو بدل من ذلك .","part":2,"page":205},{"id":706,"text":"{ وَلِكُلّ } من المكلفين . { درجات } مراتب { مّمَّا عَمِلُواْ } من أعمالهم أو من جزائها ، أو من أجلها { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيخفى عليه عمل أو قدر ما يستحق به من ثواب أو عقاب . وقرأ ابن عامر بالتاء على تغليب الخطاب على الغيبة .","part":2,"page":206},{"id":707,"text":"{ وَرَبُّكَ الغنى } عن العباد والعبادة . { ذُو الرحمة } يترحم عليهم بالتكليف تكميلاً لهم ويمهلهم على المعاصي ، وفيه تنبيه على أن ما سبق ذكره من الإرسال ليس لنفعه بل لترحمه على العباد وتأسيس لما بعده وهو قوله : { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أي ما به إليكم حاجة { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } أيها العصاة . { وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء } من الخلق . { كَمَا أَنشَأَكُمْ مّن ذُرّيَّةِ قَوْمٍ ءاخَرِينَ } أي قرنا بعد قرن لكنه أنبأكم ترحماً عليكم .","part":2,"page":207},{"id":708,"text":"{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ } من البعث وأحواله . { لأَتٍ } لكائن لا محالة . { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } طالبكم به . { قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على غاية تمكنكم واستطاعتكم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، أو على ناحيتكم وجهتكم التي أنتم عليها من قولهم مكان ومكانة كمقام ومقامة . وقرأ أبو بكر عن عاصم «مكاناتكم» بالجمع في كل القرآن وهو أمر تهديد ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم . { إِنّى عامل } ما كنت عليه من المصابرة والثبات على الإسلام ، والتهديد بصيغة الأمر مبالغة في الوعيد كأن المهدد يريد تعذيبه مجمعاً عليه فيحمله بالأمر على ما يفضي به ، إليه ، وتسجيل بأن المهدد لا يتأتى منه إلا الشر كالمأمور به الذي لا يقدر أن ينقضي عنه . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } إن جعل { مِنْ } استفهامية بمعنى أينا تكون له عاقبة الدار الحسنى التي خلق الله لها هذه الدار ، فمحلها الرفع وفعل العلم معلق عنه وإن جعلت خبرية فالنصب ب { تَعْلَمُونَ } أي فسوف تعرفون الذي تكون له عاقبة الدار ، وفيه مع الإِنذار إنصاف في المقال وحسن الأدب ، وتنبيه على وثوق المنذر بأنه محق . وقرأ حمزة والكسائي «يكون» بالياء لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } وضع الظالمين موضع الكافرين لأنه أعم وأكثر فائدة .\r{ وَجَعَلُواْ } أي مشركوا العرب . { لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ } خلق . { مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى الله وَمَا كَانَ } روي : أنهم كانوا يعينون شيئاً؟ من حرث ونتائج لله ويصرفونه إلى الضيفان والمساكين ، وشيئاً منهما لآلهتهم وينفقونه على سدنتها ويذبحونه عندها ، ثم إن رأوا ما عينوا لله أزكى بدلوه بما لآلهتهم وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها حباً لآلهتهم . وفي قوله { مِمَّا ذَرَأَ } تنبيه على فرط جهالتهم فإنهم أشركوا الخالق في خلقه جماداً لا يقدر على شيء ، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له ، وفي قوله { بِزَعْمِهِمْ } تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه لم يأمرهم الله به . وقرأ الكسائي بالضم في الموضعين وهو لغة فيه وقد جاء فيه الكسر أيضاً كالود والود . { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } حكمهم هذا .\r{ وكذلك } ومثل ذلك للتزيين في قسمة القربان . { زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مّنَ المشركين قَتْلَ أولادهم } بالوأد ونحرهم لآلهتهم . { شُرَكَاؤُهُمْ } من الجن أو من السدنة ، وهو فاعل { زُيّنَ } . وقرأ ابن عامر { زُيّنَ } على البناء للمفعول الذي هو القتل ونصب الأولاد وجر الشركاء بإضافة القتل إليه مفصولاً بينهما بمفعوله وهو ضعيف في العربية معدود من ضرورات الشعر كقوله :\rفَزَجَجْتُهَا بِمَزَجَة ... زَجَّ القلوصِ أَبِي مُزَادَه\rوقرىء بالبناء للمفعول وجر أولادهم ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه { زُيّنَ } .","part":2,"page":208},{"id":709,"text":"{ لِيُرْدُوهُمْ } ليهلكوهم بالإِغواء . { وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } وليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين اسماعيل ، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا به واللام للتعليل إن كان التزيين من الشياطين والعاقبة إن كان من السدنة . { وَلَوْ شَاء الله مَا فَعَلُوهُ } ما فعل المشركون ما زين لهم ، أو الشركاء التزيين أو الفريقان جميع ذلك . { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } افتراءهم أو ما يفترونه من الإِفك .\r{ وَقَالُواْ هذه } إشارة إلى ما جعل لآلهتهم . { أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ } حرام فعل بمعنى مفعول ، كالذبح يستوي فيه الواحد والكثير والذكر والأنثى . وقرىء { حِجْرٍ } بالضم وحرج أي مضيق . { لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاء } يعنون خدم الأوثان والرجال دون النساء . { بِزَعْمِهِمْ } من غير حجة . { وأنعام حُرّمَتْ ظُهُورُهَا } يعني البحائر والسوائب والحوامي . { وأنعام لاَّ يَذْكُرُونَ اسم الله عَلَيْهَا } في الذبح وإنما يذكرون أسماء الأصنام عليها ، وقيل لا يحجون على ظهورها . { افتراء عَلَيْهِ } نصب على المصدر لأن ما قالوا تقول على الله سبحانه وتعالى ، والجار متعلق ب { قَالُواْ } أو بمحذوف هو صفة له أو على الحال ، أو على المفعول له والجار متعلق به أو بالمحذوف . { سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } بسببه أو بدله .\r{ وَقَالُواْ مَا فِى بُطُونِ هذه الأنعام } يعنون أجنة البحائر والسوائب . { خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } حلال للذكور خاصة دون الإِناث إن ولد حيًا لقوله : { وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء } فالذكور والإِناث فيه سواء وتأنيث الخالصة للمعنى فإن ما في معنى الأجنة ولذلك وافق عاصم في رواية أبي بكر بن عامر في تكن بالتاء ، وخالفه هو وابن كثير في { مَيْتَةً } فنصب كغيرهم ، أو التاء فيه للمبالغة كما في رواية الشعر أو هو مصدر كالعافية وقع موقع الخالص . وقرىء بالنصب على أنه مصدر مؤكد والخبر { لِّذُكُورِنَا } ، أو حال من الضمير الذي في الظرف لا من الذي في ذكورنا ولا من الذكور لأنها لا تتقدم على العامل المعنوي ولا على صاحبها المجرور . وقرىء «خالصن» بالرفع والنصب و { خَالِصَةٌ } بالرفع والإِضافة إلى الضمير على أنه بدل من ها أو مبتدأ ثان والمراد به ما كان حياً ، والتذكير في فيه لأن المراد بالميتة ما يعم الذكر والأنثى فغلب الذكر . { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ } أي جزاء وصفهم الكذب على الله سبحانه وتعالى في التحريم والتحليل من قوله : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } { إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .\r{ قَدْ خَسِرَ الذين قَتَلُواْ أولادهم } يريد بهم العرب الذين كانوا يقتلون بناتهم مخافة السبي والفقر . وقرأ ابن كثير وابن عامر { قاتلوا } بالتشديد بمعنى التكثير . { سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ } لخفة عقلهم وجهلهم بأن الله سبحانه وتعالى رازق أولادهم لا هم ، ويجوز نصبه على الحال أو المصدر . { وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ الله } من البحائر ونحوها . { افتراء عَلَى الله } يحتمل الوجوه المذكورة في مثله . { قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } إلى الحق والصواب .","part":2,"page":209},{"id":710,"text":"{ وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } من الكروم . { معروشات } مرفوعات على ما يحملها . { وَغَيْرَ معروشات } ملقيات على وجه الأرض . وقيل المعروشات ما غرسه الناس فعرشوه وغير معروشات ما نبت في البراري والجبال . { والنخل والزرع مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } ثمره الذي يؤكل في الهيئة والكيفية ، والضمير للزرع والباقي مقيس عليه ، أو النخل والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفاً عليه ، أو للجميع على تقدير أكل ذلك أو كل واحد منهما ومختلفاً حالاً مقدرة لأنه لم يكن ذلك عند الإِنشاء . { والزيتون والرمان متشابها وَغَيْرَ متشابه } يتشابه بعض أفرادهما في اللون والطعم ولا يتشابه بعضها . { كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } من ثمر كل واحد من ذلك . { إِذَا أَثْمَرَ } وإن لم يدرك ولم يينع بعد . وقيل فائدته رخصة المالك في الأكل منه قبل أداء حق الله تعالى . { وَهُوَ الذى أَنشَأَ جنات } يريد به ما كان يتصدق به يوم الحصاد لا الزكاة المقدرة لأنها فرضت بالمدينة والآية مكية . وقيل الزكاة والآية مدنية والأمر بإيتائها يوم الحصاد ليهتم به حينئذ حتى لا يؤخر عن وقت الأداء وليعلم أن الوجوب بالإِدراك لا بالتنقية . وقرأ ابن كثير ونافع وحمزة والكسائي { حَصَادِهِ } بكسر الحاء وهو لغة فيه . { وَلاَ تُسْرِفُواْ } في التصدق كقوله تعالى : { وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } لا يرتضي فعلهم .","part":2,"page":210},{"id":711,"text":"{ وَمِنَ الأنعام حَمُولَةً وَفَرْشًا } عطف على جنات أي وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال وما يفرش للذبح ، أو ما يفرش المنسوج من شعره وصوفه ووبره . وقيل الكبار الصالحة للحمل والصغار الدانية من الأرض مثل الفرش المفروش عليها . { كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } كلوا مما أحل لكم منه . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } في التحليل والتحريم من عند أنفسكم . { إِنَهُ لَكُمْ عَدُو مُبِينٌ ظاهر العداوة .","part":2,"page":211},{"id":712,"text":"{ ثمانية أزواج } بدل من حمولة وفرشاً ، أو مفعول كلوا ، ولا تتبعوا معترض بينهما أو فعل دل عليه أو حال من ما بمعنى مختلفة أو متعددة والزوج ما معه آخر من جنسه يزاوجه وقد يقال لمجموعهما والمراد الأول . { مّنَ الضأن اثنين } زوجين اثنين الكبش والنعجة ، وهو بدل من ثمانية وقرىء «اثنان» على الابتداء . و { الضأن } اسم جنس كالإِبل وجمعه ضئين أو جمع ضائن كتاجر وتجر . وقرىء بفتح الهمزة وهو لغة فيه . { وَمِنَ المعز اثنين } التيس والعنز ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالفتح وهو جمع ماعز كصاحب وصحب وحارس وحرس ، وقرىء «المعزى» . { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ } ذكر الضأن وذكر المعز . { حَرَّمَ أَمِ الأنثيين } أم أنثييهما ونصب الذكرين والانثيين بحرم { أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين } أو ما حملت إناث الجنسين ذكراً كان أو أنثى { نَبّئُونِي بِعِلْمٍ } بأمرٍ معلوم يدل على أن الله تعالى حرم شيئاً من ذلك { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ دعوى التحريم عليه .","part":2,"page":212},{"id":713,"text":"{ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين قُلْ ءآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين } كما سبق والمعنى إنكار أن الله حرم شيئاً من الأجناس الأربعة ذكراً كان أو أنثى أو ما تحمل إناثها رداً عليهم ، فإنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة وإناثها تارة أخرى وأولادها كيف كانت تارة زاعمين أن الله حرمها . { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء } بل أكنتم شاهدين حاضرين . { إِذْ وصاكم الله بهذا } حين وصاكم بهذا التحريم إذ أنتم لا تؤمنون بنبي فلا طريق لكم إلى معرفة أمثال ذلك إلا المشاهدة والسماع . { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } فنسب إليه تحريم ما لم يحرم ، والمراد كبراؤهم المقررون لذلك ، أو عمرو بن لحي بن قمعة المؤسس لذلك . { لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } .\r{ قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِىَ إِلَىَّ } أي في القرآن ، أو فيما أوحي إلَّي مطلقاً ، وفيه تنبيه على أن التحريم إنما يعلم بالوحي لا بالهوى . { مُحَرَّمًا } طعاماً محرماً . { على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً } أن يكون الطعام ميتة ، وقرأ ابن كثير وحمزة تكون بالتاء لتأنيث الخبر ، وقرأ ابن عامر بالياء ، ورفع ال { مَيْتَةً } على أن كان هي التامة وقوله : { أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } عطف على أن مع ما في حيزه أي : إلا وجود ميتة أو دماً مسفوحاً ، أي مصبوباً كالدم في العروق لا كالكبد والطحال . { أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ } فإن الخنزير أو لحمه قذر لتعوده أكل النجاسة أو خبيث محنث { أَوْ فِسْقًا } عطف على لحم خنزير . وما بينهما اعتراض للتعليل . { أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } صفة له موضحة وإنما سمي ما ذبح على اسم الصنم فسقاً لتوغله في الفسق ، ويجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له من أهل وهو عطف على يكون والمستكن فيه راجع إلى ما رجع إليه المستكن في يكون . { فَمَنِ اضطر } فمن دعته الضرورة . { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يؤاخذه ، والآية محكمة لأنها تدل على أنه لم يجد فيما أوحي إلى تلك الغاية محرماً غير هذه ، وذلك لا ينافي ورود التحريم في شيء آخر فلا يصح الاستدلال بها على نسخ الكتاب بخبر الواحد ولا على حل الأشياء غيرها إلا مع الاستصحاب .","part":2,"page":213},{"id":714,"text":"{ وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ } كل ماله أصبع الإِبل والسباع والطيور . وقيل كل ذي مخلب وحافر وسمي الحافر ظفراً مجازاً ولعل المسبب عن الظلم تعميم التحريم . { وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } الثروب وشحوم الكلى والإِضافة لزيادة الربط . { إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا } إلا ما علقت بظهورهما . { أَوِ الحوايا } أو ما اشتمل على الأمعاء جمع حاوية ، أو حاوياء كقاصعاء وقواصع ، أو حوية كسفينة وسفائن . وقيل هو عطف على شحومهما وأو بمعنى الواو . { أَوْ مَا اختلط بِعَظْمٍ } هو شحم الإِلية لاتصالها بالعصعص . { ذلك } التحريم أو الجزاء . { جزيناهم بِبَغْيِهِمْ } بسبب ظلمهم . { وِإِنَّا لصادقون } في الإِخبار أو الوعد والوعيد .","part":2,"page":214},{"id":715,"text":"{ فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسعة } يمهلكم على التكذيب فلا تغتروا بإمهاله فإنه لا يهمل . { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ القوم المجرمين } حين ينزل ، أو ذو رحمة واسعة على المطيعين وذو بأس شديد على المجرمين ، فأقام مقامه ولا يرد بأسه لتضمنه التنبيه على إنزال البأس عليهم مع الدلالة على أنه لازب بهم لا يمكن رده عنهم .","part":2,"page":215},{"id":716,"text":"{ سَيَقُولُ الذين أَشْرَكُواْ } إخبار عن مستقبل ووقوع مخبره يدل على إعجازه . { لَوْ شَاء الله مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَىْء } أي لو شاء خلاف ذلك مشيئة ارتضاء كقوله : { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } لما فعلنا نحن ولا آباؤنا ، أرادوا بذلك أنهم على الحق المشروع المرضي عند الله لا الاعتذار عن ارتكاب هذه القبائح بإرادة الله إياها منهم حتى ينهض ذمهم به دليلاً للمعتزلة ويؤيده ذلك قوله : { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل هذا التكذيب لك في أن الله تعالى منع من الشرك ولم يحرم ما حرموه كذب الذين من قبلهم الرسل ، وعطف آباؤنا على الضمير في أشركنا من غير تأكيد للفصل بلا . { حتى ذَاقُواْ بَأْسَنَا } الذي أنزلنا عليهم بتكذيبهم . { قُلْ هَلْ عِندَكُم مّنْ عِلْمٍ } من أمر معلوم يصح الاحتجاج به . على ما زعمتم . { فَتُخْرِجُوهُ لَنَا } فتظهروه لنا . { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } ما تتبعون في ذلك إلا الظن . { وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ } تكذبون على الله سبحانه وتعالى ، وفيه دليل على المنع من اتباع الظن سيما في الأصول ، ولعل ذلك حيث يعارضه قاطع إذ الآية فيه .","part":2,"page":216},{"id":717,"text":"{ قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة } البينة الواضحة التي بلغت غاية المتانة والقوة على الإثبات ، أو بلغ بها صاحبها صحة دعواه وهي من الحج بمعنى القصد كأنها تقصد إثبات الحكم وتطلبه . { فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } بالتوفيق لها والحمل عليها ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين .","part":2,"page":217},{"id":718,"text":"{ قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ } أحضروهم ، وهو اسم فعل لا يتصرف عند أهل الحجاز ، وفعل يؤنث ويجمع عند بني تميم وأصله عند البصريين : ها لم من لم إذا قصد حذفت الألف لتقدير السكون في اللام فإنه الأصل ، وعند الكوفيين هل أم فحذفت الهمزة بإلقاء حركتها على اللام ، وهو بعيد لأن هل لا تدخل الأمر ويكون متعدياً كما في الآية ولازماً كقوله هلم إلينا . { الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا } يعني قدوتهم فيه استحضرهم ليلزمهم الحجة ويظهر بانقطاعهم ضلالتهم وأنه لا متمسك لهم كمن يقلدهم ، ولذلك قيد الشهداء بالإِضافة ووصفهم بما يقتضي العهد بهم . { فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ } فلا تصدقهم فيه وبين لهم فساده فإن تسلميه موافقة لهم في الشهادة الباطلة . { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين كَذَّبُواْ بآياتنا } من وضع المظهر موضع المضمر للدلالة على أن مكذب الآيات متبع الهوى لا غير ، وأن متبع الحجة لا يكون إلا مصدقاً بها . { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } كعبدة الأوثان . { وَهُم بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ } يجعلون له عديلاً .","part":2,"page":218},{"id":719,"text":"{ قُلْ تَعَالَوْاْ } أمر من التعالي وأصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع فيه بالتعميم . { اتل } أقرأ . { مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ } منصوب بأتل وما تحتمل الخبرية والمصدرية ، ويجوز أن تكون استفهامية منصوبة بحرم والجملة مفعول { اتل } لأنه بمعنى أقل ، فكأنه قيل أتل أي شيء حرم ربكم { عَلَيْكُمْ } متعلق ب { حَرَّمَ } أو { اتل } . { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ } أي لا تشركوا به ليصح عطف الأمر عليه ، ولا يمنعه تعليق الفعل المفسر ب { مَا حَرَّمَ } ، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها ومن جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم على أنه للإِغراء ، أو البدل من { مَا } أو من عائده المحذوف على أن لا زائدة والجر بتقدير اللام ، أو الرفع على تقدير المتلو أن لا تشركوا أو المحرم أن تشركوا . { شَيْئاً } يحتمل المصدر والمفعول . { وبالوالدين إحسانا } أي وأحسنوا بهما إحساناً وضعه موضع النهي عن الإِساءة إليهما للمبالغة وللدلالة على أن ترك الإِساءة في شأنهما غير كاف بخلاف غيرهما . { وَلاَ تَقْتُلُواْ أولادكم مّنْ إملاق } من أجل فقر ومن خشية . كقوله : { خَشْيَةَ إملاق } { نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } منع لموجبية ما كانوا يفعلون لأجله واحتجاج عليه . { وَلاَ تَقْرَبُواْ الفواحش } كبائر الذنوب أو الزنا . { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدل منه وهو مثل قوله { ظاهر الإثم وَبَاطِنَهُ } { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } كالقود وقتل المرتد ورجم المحصن . { ذلكم } إشارة إلى ما ذكر مفصلاً . { وصاكم بِهِ } بحفظه . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ترشدون فإن كمال العقل هو الرشد .","part":2,"page":219},{"id":720,"text":"{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } أي بالفعلة التي هي أحسن ما يفعل بماله كحفظه وتثميره . { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } حتى يصير بالغاً ، وهو جمع شدة كنعمة وأنعم أو شد كصر وأصر وقيل مفرد كأنك . { وَأَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط } بالعدل والتسوية . { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } إلا ما يسعها ولا يعسر عليها ، وذكره عقيب الأمر معناه أن إيفاء الحق عسر عليكم فعليكم بما في وسعكم وما وراءه معفو عنكم . { وَإِذَا قُلْتُمْ } في حكومة ونحوها . { فاعدلوا } فيه . { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } ولو كان المقول له أو عليه من ذوي قرابتكم . { وَبِعَهْدِ الله أَوْفُواْ } يعني ما عهد إليكم من ملازمة العدل وتأدية أحكام الشرع . { ذلكم وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون به ، وقرأ حمزة وحفص والكسائي { تَذَكَّرُونَ } بتخفيف الذال حيث وقع إذا كان بالتاء والباقون بتشديدها .","part":2,"page":220},{"id":721,"text":"{ وَأَنَّ هذا صراطي مُسْتَقِيمًا } الإِشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة . وقرأ حمزة والكسائي { ءانٍ } بالكسر على الاستئناف ، وابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف . وقرأ الباقون بها مشددة بتقدير اللام على أنه علة لقوله . { فاتبعوه } وقرأ ابن عامر { صراطي } بفتح الياء ، وقرىء «وهذا صراطي» «وهذا صراط ربكم» «وهذا صراط ربك» . { وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل } الأديان المختلفة أو الطرق التابعة للهوى ، فإن مقتضى الحجة واحد ومقتضى الهوى متعدد لاختلاف الطبائع والعادات . { فَتَفَرَّقَ بِكُمْ } فتفرقكم وتزيلكم . { عَن سَبِيلِهِ } الذي هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان . { ذلكم } الاتباع . { وصاكم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } الضلال والتفرق عن الحق .","part":2,"page":221},{"id":722,"text":"{ ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب } عطف على { وصاكم } ، وثم للتراخي في الإخبار أو للتفاوت في الرتبة كأنه قيل؛ ذلكم وصاكم به قديماً وحديثاً ثم أعظم من ذلك { أَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الكتاب } . { تَمَامًا } للكرامة والنعمة . { عَلَى الذى أَحْسَنَ } على كل من أحسن القيام به ، ويؤيده إن قرىء «على الذين أحسنوا» أو «على الذي أحسن تبليغه» وهو موسى عليه أفضل الصلاة والسلام ، أو «تماماً على ما أحسنه» أي أجاده من العلم والتشريع أي زيادة على علمه إتماماً له . وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي «على الذي هو أحسن» أو على الوجه الذي هو أحسن ما يكون عليه الكتب . { وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } وبياناً مفصلاً لكل ما يحتاج إليه في الدين ، وهو عطف على تمام ونصبهما يحتمل العلة والحال والمصدر . { وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم } لعل بني إسرائيل . { بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } أي بلقائه للجزاء .","part":2,"page":222},{"id":723,"text":"{ وهذا كتاب } يعني القرآن . { أنزلناه مُبَارَكٌ } كثير النفع . { فاتبعوه واتقوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بواسطة اتباعه وهو العمل بما فيه .","part":2,"page":223},{"id":724,"text":"{ أَن تَقُولُواْ } كراهة أن تقولوا علة لأنزلناه . { إِنَّمَا أُنزِلَ الكتاب على طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا } اليهود والنصارى ، ولعل الاختصاص في { إِنَّمَا } لأن الباقي المشهور حينئذ من الكتب السماوية لم يكن غير كتبهم . { وَإِن كُنَّا } إن هي المخففة من الثقيلة ولذلك دخلت اللام الفارقة في خبر كان أي وإنه كنا . { عَن دِرَاسَتِهِمْ } قراءتهم ، { لغافلين } لا ندري ما هي ، أو لا تعرف مثلها .","part":2,"page":224},{"id":725,"text":"{ أَوْ تَقُولُواْ } عطف على الأول . { لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الكتاب لَكُنَّا أهدى مِنْهُمْ } لحدة أذهاننا وثقابة أفهامنا ولذلك تلقفنا فنوناً من العلم كالقصص والأشعار والخطب على أنا أميون . { فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } حجة واضحة تعرفونها . { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } لمن تأمل فيه وعمل به . { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بآيات الله } بعد أن عرف صحتها أو تمكن من معرفتها . { وَصَدَفَ } أعرض أو صد . { عَنْهَا } فضل أو أفضل . { سَنَجْزِى الذين يَصْدِفُونَ عَنْ آياتنا سُوء العذاب } شدته . { بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ } بإعراضهم أو صدهم .","part":2,"page":225},{"id":726,"text":"{ هَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينتظرون يعني أهل مكة ، وهم ما كانوا منتظرين لذلك ولكن لما كان يلحقهم لحوق المنتظر شبهوا بالمنتظرين . { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } ملائكة الموت أو العذاب . وقرأ حمزة والكسائي بالياء هنا وفي «النحل» . { أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ } أي أمره بالعذاب ، أو كل آية يعني آيات القيامة والهلاك الكلي لقوله : { أَوْ يَأْتيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } يعني أشراط الساعة وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب : ( كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله A فقال : ما تذاكرون؟ قلنا : نتذاكر الساعة ، قال : \" إنها لا تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات : الدخان ، ودابة الأرض ، وخسفاً بالمشرق ، وخسفاً بالمغرب ، وخسفاً بجزيرة العرب ، والدجال ، وطلوع الشمس من مغربها ، ويأجوج ومأجوج ، ونزول عيسى E ، وناراً تخرج من عدن \" { يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءايات رَبّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } كالمحتضر إذ صار الأمر عياناً والإِيمان برهاني . وقرىء «تنفع» بالتاء لإِضافة الإِيمان إلى ضمير المؤنث . { لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ } صفة نفساً . { أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } عطف على { ءامَنتُ } والمعنى : أنه لا ينفع الإِيمان حينئذ نفساً غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيراً ، وهو دليل لمن لم يعتبر الإِيمان المجرد عن العمل وللمعتبر تخصيص هذا الحكم بذلك اليوم ، وحمل الترديد على اشتراط النفع بأحد الأمرين على معنى لا ينفع نفساً خلت عنها إيمانها ، والعطف على لم تكن بمعنى لا ينفع نفساً إيمانها الذي أحدثته حينئذ وإن كسبت فيه خيراً . { قُلِ انتظروا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } وعيد لهم ، أي : انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنا منتظرون له وحينئذ لنا الفوز وعليكم الويل .","part":2,"page":226},{"id":727,"text":"{ إِنَّ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } بددوه فآمنوا ببعض وكفروا ببعض ، أو افترقوا فيه قال E : \" إفترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة ، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة \" وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» أي باينوا . { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً تشيع كل فرقة إماماً . { لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء } أي من السؤال عنهم وعن تفرقهم ، أو من عقابهم ، أو أنت بريء منهم . وقيل هو نهي عن التعرض لهم وهو منسوخ بآية السيف . { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله } يتولى جزاءهم . { ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } بالعقاب .","part":2,"page":227},{"id":728,"text":"{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } أي عشر حسنات أمثالها فضلاً من الله . وقرأ يعقوب «عشرة» بالتنوين وأمثالها بالرفع على الوصف . وهذا أقل ما وعد من الأضعاف وقد جاء الوعد بسبعين وسبعمائة وبغيرِ حساب ولذلك قيل : المراد بالعشر الكثرة دون العدد . { وَمَن جَاء بالسيئة فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا } قضية للعدل . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص الثواب وزيادة العقاب .","part":2,"page":228},{"id":729,"text":"{ قُلْ إِنَّنِى هَدَانِى رَبّى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } بالوحي والإِرشاد إلى ما نصب من الحجج . { دِينًا } بدل من محل إلى صراط إذ المعنى ، هداني صراطاً كقوله : { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } أو مفعول فعل مضمر دل عليه الملفوظ . { قَيِّماً } فعل من قام كسيد من ساد وهو أبلغ من المستقيم باعتبار الزنة والمستقيم باعتبار الصيغة . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي { قَيِّماً } على أنه مصدر نعت به وكان قياسه قوماً كعوض فاعل لإِعلال فعله كالقيام . { مِلَّةِ إبراهيم } عطف بيان لدينا . { حَنِيفاً } حال من إبراهيم . { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } عطف عليه .","part":2,"page":229},{"id":730,"text":"{ قُلْ إِنَّ صَلاَتِى وَنُسُكِى } عبادتي كلها ، أو قرباني أو حجي . { وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى } وما أنا عليه في حياتي وأموت عليه من الإِيمان والطاعة ، أو طاعات الحياة والخيرات المضافة إلى الممات كالوصية والتدبير ، أو الحياة والممات أنفسهما . وقرأ نافع { محياي } بإسكان الياء إجراء للوصل مجرى الوقف . { للَّهِ رَبّ العالمين لاَ شَرِيكَ لَهُ } خالصة له لا أشرك فيها غيراً . { وبذلك } القول أو الإِخلاص . { أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ المسلمين } لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته .","part":2,"page":230},{"id":731,"text":"{ قُلْ أَغَيْرَ الله أَبْغِى رَبّا } فأشركه في عبادتي وهو جواب عن دعائهم له إلى عبادة آلهتهم . { وَهُوَ رَبُّ كُلّ شَىْء } حال في موضع العلة للإنكار والدليل له أي وكل ما سواه مربوب مثلي لا يصلح للربوبية . { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا } فلا ينفعني في ابتغاء رب غيره ما أنتم عليه من ذلك . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } جواب عن قولهم : { اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ } يوم القيامة . { فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } بتبيين الرشد من الغي وتمييز المحق من المبطل .","part":2,"page":231},{"id":732,"text":"{ وَهُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف الأرض } يخلف بعضكم بعضاً ، أو خلفاء الله في أرضه تتصرفون فيها على أن الخطاب عام ، أو خلفاء الأمم السالفة على أن الخطاب للمؤمنين . { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } في الشرف والغنى . { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا ءاتاكم } من الجاه والمال . { إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العقاب } لأن ما هو آت قريب أو لأنه يسرع إذا أراده . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وصف العقاب ولم يضفه إلى نفسه ، ووصف ذاته بالمغفرة وضم إليه الوصف بالرحمة ، وأتى ببناء المبالغة واللام المؤكدة تنبيهاً على أنه تعالى غفور بالذات معاقب بالعرض كثير الرحمة مبالغ فيها كثير العقوبة مسامح فيها . عن رسول الله A : « أنزلت عليَّ سورة الأنعام جملة واحدة ، يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد ، فمن قرأ الأنعام صلى عليه واستغفر له أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من سورة الأنعام يوماً وليلة » .","part":2,"page":232},{"id":733,"text":"{ المص } سبق الكلام في مثله .","part":2,"page":233},{"id":734,"text":"{ كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هو كتاب ، أو خبر { المص } والمراد به السورة أو القرآن . { أَنزَلَ إِلَيْكَ } صفته . { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك ، فإن الشك حرج الصدر أو ضيق قلب من تبليغه مخافة أن تكذب فيه ، أو تقصر في القيام بحقه ، وتوجيه النهي فيه للمبالغة كقولهم : لا أرينك ها هنا . والفاء تحتمل العطف والجواب فكأنه قيل : إذا أنزل إليك لتنذر به فلا يحرج صدرك . { لِتُنذِرَ بِهِ } متعلق بأنزل أو بلا يكن لأنه إذا أيقن أنه من عند الله جسر على الإنذار ، وكذا إذا لم يخفهم أو علم أنه موفق للقيام بتبليغه . { وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } يحتمل النصب بإضمار فعلها أي : لتنذر وتذكر ذكرى فإنها بمعنى التذكير ، والجر عطفاً على محل تنذر والرفع عطفاً على كِتَابٌ أو خبراً لمحذوف .\r{ اتبعوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } يعم القرآن والسنة لقوله سبحانه وتعالى : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } { وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } يضلونكم من الجن والإِنس . وقيل الضمير في { مِن دُونِهِ } ل { مَا أَنزَلَ الله } أي : ولا تتبعوا من دون دين الله دين أولياء . وقرىء «ولا تبتغوا» . { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً تذكرون حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره ، و«ما» مزيدة لتأكيد القلة وإن جعلت مصدرية لم ينتصب { قَلِيلاً } ب { تَذَكَّرُونَ } . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم { تَذَكَّرُونَ } بحذف التاء ، وابن عامر «يتذكرون» على أن الخطاب بعد النبي A .","part":2,"page":234},{"id":735,"text":"{ وَكَم مّن قَرْيَةٍ } وكثيراً من القرى . { أهلكناها } أردنا إهلاك أهلها ، أو أهلكناها بالخذلان . { فَجَاءهَا } فجاء أهلها . { بَأْسُنَا } عذابنا . { بَيَاتًا } بائتين كقوم لوط ، مصدر وقع موقع الحال . { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } عطف عليه أي : قائلين نصف النهار كقوم شعيب ، وإنما حذفت واو الحال استثقالاً لاجتماع حرفي العطف ، فإنها واو عطف استعيرت للوصل لا اكتفاء بالضمير فإنه غير فصيح . وفي التعبيرين مبالغة في غفلتهم وأمنهم من العذاب ، ولذلك خص الوقتين ولأنهما وقت دعة واستراحة فيكون مجيء العذاب فيهما أفظع .","part":2,"page":235},{"id":736,"text":"{ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤهم واستغاثتهم ، أو ما كانوا يدعونه من دينهم . { إِذْ جَاءهُم بَأْسُنَا إِلا أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظالمين } إلا اعترافهم بظلمهم فيما كانوا عليه وبطلانه تحسراً عليهم .","part":2,"page":236},{"id":737,"text":"{ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } عن قبول الرسالة وإجابتهم الرسل . { ولَنَسْأَلَنَّ المْرسَلِينَ } عما أجيبوا به ، والمراد عن هذا السؤال توبيخ للكفرة وتقريعهم ، والمنفي في قوله : { وَلاَ يَسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } سؤال استعلام . أو الأول في موقف الحساب وهذا عند حصولهم على العقوبة .","part":2,"page":237},{"id":738,"text":"{ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم } على الرسل حين يقولون { لاَ عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنتَ علام الغيوب } أو على الرسل والمرسل إليهم ما كانوا عليه . { بِعِلْمِ } عالمين بظواهرهم وبواطنهم ، أو بمعلومنا منهم . { وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } عنهم فيخفى علينا شيء من أحوالهم .","part":2,"page":238},{"id":739,"text":"{ والوزن } أي القضاء ، أو وزن الأعمال وهو مقابلتها بالجزاء . والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان وكفتان ، ينظر إليه الخلائق إظهاراً للمعدلة وقطعاً للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم فتعترف بها ألسنتهم وتشهد بها جوارحهم . ويؤيده ما روي : أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر عليه تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة . وقيل توزن الأشخاص لما روي أنه E قال : « إنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة » { يَوْمَئِذٍ } خبر المبتدأ الذي هو الوزن . { الحق } صفته ، أو خبر محذوف ومعناه العدل السوي . { فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } حسناته ، أو ما يوزن به حسناته فهو جمع موزون أو ميزان وجمعه باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } الفائزون بالنجاة والثواب .","part":2,"page":239},{"id":740,"text":"{ وَمَنْ خَفَّتْ موازينه فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بتضييع الفطرة السليمة التي فطرت عليها ، واقتراف ما عرضها للعذاب . { بِمَا كَانُواْ بآياتنا يَظْلِمُونَ } فيكذبون بدل التصديق .","part":2,"page":240},{"id":741,"text":"{ وَلَقَدْ مكناكم فِى الأرض } أي مكناكم من سكناها وزرعها والتصرف فيها . { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } أسباباً تعيشون بها ، جمع معيشة . وعن نافع أنه همزة تشبيهاً بما الياء فيه زائدة كصحائف . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } فيما صنعت إليكم .","part":2,"page":241},{"id":742,"text":"{ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم } أي خلقنا أباكم آدم طيناً غير مصور ثم صورناه . نزل خلقه وتصويره منزلة خلق الكل وتصويره ، أو ابتدأنا خلقكم ثم تصويركم بأن خلقنا آدم ثم صورناه . { ثُمَّ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لأَدَمَ } وقيل ثم لتأخير الإخبار . { فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مّنَ الساجدين } ممن سجد لآدم .\r{ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ } أي أن تسجد ولا صلة مثلها في لئلا يعلم ، مؤكدة معنى الفعل الذي دخلت عليه ، ومنبهة على أن الموبخ عليه ترك السجود . وقيل الممنوع عن الشيء مضطر إلى خلافه فكأنه قيل : ما اضطرك إلى ألا تسجد . { إِذْ أَمَرْتُكَ } دليل على أن مطلق الأمر للوجوب والفور . { قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } جواب من حيث المعنى استأنف به استبعاداً لأن يكون مثله مأموراً بالسجود لمثله كأنه قال : المانع أني خير منه ، ولا يحسن للفاضل أن يسجد للمفضول ، فكيف يحسن أن يؤمر به . فهو الذي سن التكبر وقال بالحسن والقبح العقليين أولاً . { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تعليل لفضله عليه ، وقد غلط في ذلك بأن رأى الفضل كله باعتبار العنصر وغفل عما يكون باعتبار الفاعل كما أشار إليه بقوله تعالى : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } أي بغير واسطة ، وباعتبار الصورة كما نبه عليه بقوله : { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ ساجدين } وباعتبار الغاية وهو ملاكه ولذلك أمر الملائكة بسجوده لما بين لهم أنه أعلم منهم ، وأن له خواص ليست لغيره ، والآية دليل الكون والفساد وأن الشياطين أجسام كائنة ، ولعل إضافة خلق الإنسان إلى الطين والشيطان إلى النار باعتبار الجزء الغالب .\r{ قَالَ فاهبط مِنْهَا } من السماء أو الجنة . { فَمَا يَكُونُ لَكَ } فما يصح . { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } وتعصي فإنها مكان الخاشع والمطيع . وفيه تنبيه على أن التكبر لا يليق بأهل الجنة وأنه سبحانه وتعالى إنما طرده وأهبطه لتكبره لا لمجرد عِصيانه . { فاخرج إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } ممن أهانه الله لتكبره ، قال E « من تواضع رفعه الله ومن تكبر وضعه الله » { قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أمهلني إلى يوم القيامة فلا تمتني ، أو لا تعجل عقوبتي .\r{ قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين } يقتضي الإجابة إلى ما سأله ظاهراً لكنه محمول على ما جاء مقيداً بقوله تعالى : { إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } وهو النفخة الأولى ، أو وقت يعلم الله انتهاء أجله فيه ، وفي إسعافه إليه ابتلاء العباد وتعريضهم للثواب بمخالفته { قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } أي بعد أن أمهلتني لاجتهدن في إغوائهم بأي طريق يمكنني بسبب إغوائك إياي بواسطتهم تسمية ، أو حملاً على الغي ، أو تكليفاً بما غويت لأجله والباء متعلقة بفعل القسم المحذوف لا بأقعدن فإن اللام تصد عنه فإن القسم : { لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ } ترصداً بهم كما يقعد القطاع للسابلة .","part":2,"page":242},{"id":743,"text":"{ صراطك المستقيم } طريق الإِسلام ونصبه على الظرف كقوله :\rلدنٌ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه ... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ\rوقيل تقديره على صراطك كقولهم : ضرب زيد الظهر والبطن .\r{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي من جميع الجهات الأربع . مثل قصده إياهم بالتسويل والإِضلال من أي وجه يمكنه بإتيان العدو من الجهات الأربع ، ولذلك لم يقل من فوقهم ومن تحت أرجلهم . وقيل لم يقل من فوقهم لأن الرحمة تنزل منه ولم يقل من تحتهم لأن الإِتيان منه يوحش الناس . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : من بين أيديهم من قبل الآخرة ، ومن خلفهم من قبل الدنيا ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من جهة حسناتهم وسيئاتهم . ويحتمل أن يقال من أيديهم من حيث يعلمون ويقدرون على التحرز عنه ، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزوا ولكن لم يفعلوا لعدم تيقظهم واحتياطهم . وإنما عدى الفعل إلى الأولين بحرف الابتداء لأنه منهما موجه إليهم وإلى الأخيرين بحرف المجاوزة فإن الآتي منهما كالمنحرف عنهم المار على عرضهم ، ونظيره قولهم جلست عن يمينه . { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } مطيعين ، وإنما قاله ظناً لقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } لما رأى فيهم مبدأ الشر متعدداً ومبدأ الخير واحداً ، وقيل سمعه من الملائكة .\r{ قَالَ اخرج مِنْهَا } مذموماً من ذأمه إذا ذمه . وقرىء «مذموماً» كمسول في مسؤول أو كمكول في مكيل ، من ذامه يذيمه ذيماً . { مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً . { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } اللام فيه لتوطئة القسم وجوابه : { لأَمْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } وهو ساد مسد جواب الشرط . وقرىء { لِمَنْ } بكسر اللام على أنه خبر لأملأن على معنى : لمن تبعك هذا الوعيد ، أو علة لأخرج ولأملأن جواب قسم محذوف ومعنى منكم ومنهم فغلب المخاطب .\r{ ويَا ءادَمَ } أي وقلنا يا آدم . { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } وقرىء هذي وهو الأصل لتصغيره على ذيا والهاء بدل من الياء . { فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم ، وتكونا يحتمل الجزم على العطف والنصب على الجواب .\r{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } أي فعل الوسوسة لأجلهما ، وهي في الأصل الصوت الخفي كالهينمة والخشخشة ومنه وسوس الحلي . وقد سئل في سورة «البقرة» كيفية وسوسته . { لِيُبْدِيَ لَهُمَا } ليظهر لهما ، واللام للعاقبة أو للغرض على أنه أراد أيضاً بوسوسته أن يسوءهما بانكشاف عورتيهما ، ولذلك عبر عنهما بالسوأة . وفيه دليل على أن كشف العورة في الخلوة وعند الزوج من غير حاجة قبيح مستهجن في الطباع . { مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا } ما غطي عنهما من عوراتهما ، وكانا لا يريانها من أنفسهما ولا أحدهما من الآخر ، وإنما لم تقلب الواو المضمومة همزة في المشهور كما قلبت في أو يصل تصغير واصل لأن الثانية مدة وقرىء { سوآتهما } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على الواو و سوأتهما بقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها .","part":2,"page":243},{"id":744,"text":"{ وَقَالَ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا } إِلاَّ كراهة أن تكونا . { مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة ، واستدل به على فضل الملائكة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وجوابه : أنه كان من المعلوم أن الحقائق لا تنقلب وإنما كانت رغبتهما في أن يحصل لهما أيضاً للملائكة من الكمالات الفطرية ، والاستغناء عن الأطعمة والأشربة ، وذلك لا يدل على فضلهم مطلقاً .\r{ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } أي أقسم لهما على ذلك ، وأخرجه على زنة المفاعلة للمبالغة . وقيل أقسما له بالقبول . وقيل أقسما عليه بالله أنه لمن الناصحين فأقسم لهما فجعل ذلك مقاسمة .","part":2,"page":244},{"id":745,"text":"{ فدلاهما } فنزلهما إلى الأكل من الشجرة ، نبه به على أنه أهبطهما بذلك من درجة عالية إلى رتبة سافلة ، فإن التدلية والإِدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل . { بِغُرُورٍ } بما غرهما به من القسم فإنهما ظناً أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً ، أو ملتبسين بغرور . { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُما } أي فلما وجدا طعمهما آخذين في الأكل منها أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتهافت عنهما لباسهما وظهرت لهما عوراتهما . واختلف في أن الشجرة كانت السنبلة أو الكرم أو غيرهما ، وأن اللباس كان نوراً أو حلة أو ظفراً . { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة . { عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } قيل كان ورق التين ، وقرىء { يَخْصِفَانِ } من أخصف أي يخصفان أنفسهما ويخصفان من خصف ويخصفان وأصله يختصفان . { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } عتاب على مخالفة النهي ، وتوبيخ على الاغترار بقول العدو . وفيه دليل على أن مطلق النهي للتحريم .","part":2,"page":245},{"id":746,"text":"{ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } أضررناها بالمعصية والتعريض للإخراج من الجنة . { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } دليل على أن الصغائر معاقب عليها إن لم تغفر . وقالت المعتزلة لا يجوز المعاقبة عليها مع اجتناب الكبائر ولذلك قالوا : إنما قالا ذلك على عادة المقربين في استعظام الصغير من السيئات واستحقار العظيم من الحسنات .","part":2,"page":246},{"id":747,"text":"{ قَالَ اهبطوا } الخطاب لآدم وحواء وذريتهما ، أو لهما ولإِبليس . كرر الأمر له تبعاً ليعلم أنهم قرناء أبداً وأخبر عما قال لهم متفرقاً . { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } في موضع الحال أي متعادين . { وَلَكُمْ فِى الأرض مُسْتَقَرٌّ } استقرار أي موضع استقرار . { ومتاع } وتمتع . { إلى حِينٍ } إلى أن تقضى آجالكم .","part":2,"page":247},{"id":748,"text":"{ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } للجزاء وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان { وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } ، وفي «الزخرف» كذلك { تُخْرَجُونَ } بفتح التاء وضم الراء .","part":2,"page":248},{"id":749,"text":"{ يابنى آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } أي خلقناه لكم بتدبيرات سماوية وأسباب نازلة ، ونظيره قوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام } وقوله تعالى : { وَأَنزْلْنَا الحديد } { يوارى سَوْآتِكُمْ } التي قصد الشيطان إبداءها ، ويغنيكم عن خصف الورق . روي : أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها ، فنزلت . ولعله ذكر قصة آدم مقدمة لذلك حتى يعلم أن انكشاف العورة أول سوء أصاب الإِنسان من الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم . { وَرِيشًا } ولباساً تتجملون به ، والريش الجمال . وقيل مالاً ومنه تريش الرجل إذا تمول . وقرىء «رياشاً» وهو جمع ريش كشعب وشعاب . { وَلِبَاسُ التقوى } خشية الله . وقيل الإِيمان . وقيل السمت الحسن . وقيل لباس الحرب ورفعه بالابتداء وخبره : { ذلك خَيْرٌ } أو خبر وذلك صفته كأنه قيل : ولباس التقوى المشار إليه خير . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي { وَلِبَاسُ التقوى } بالنصب عطفاً على { لِبَاساً } . { ذلك } أي إنزال اللباس . { مِنْ آيات الله } الدالة على فضله ورحمته . { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرفون نعمته أو يتعظون فيتورعون عن القبائح .","part":2,"page":249},{"id":750,"text":"{ يابنى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان } لا يمتحننكم بأن يمنعكم دخول الجنة بإغوائكم . { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها ، والنهي في اللفظ للشيطان ، والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتنان به . { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوآتهما } حال من { أَبَوَيْكُم } أو من فاعل { أَخْرَجَ } وإسناد النزع إليه للتسبب . { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } تعليل للنهي وتأكيد للتحذير من فتنته ، وقبيله جنوده ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا . { إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } بما أوجدنا بينهم من التناسب ، أو بإرسالهم عليهم وتمكينهم من خذلانهم وحملهم على ما سولوا لهم . والآية مقصود القصة وفذلكة الحكاية .","part":2,"page":250},{"id":751,"text":"{ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة } فعلة متناهية في القبح كعبادة الصنم وكشف العورة في الطواف . { قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } اعتذروا واحتجوا بأمرين تقليد الآباء والافتراء على الله سبحانه وتعالى ، فأعرض عن الأول لظهور فساده ورد الثاني بقوله : { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال ، أو الحث على مكارم الخصال . ولا دلالة عليه على أن أقبح الفعل بمعنى ترتب الذم عليه آجلاً عقلي ، فإن المراد بالفاحشة ما ينفر عنه الطبع السليم ويستنقصه العقل المستقيم . وقيل هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لهم لما فعلوها : لم فعلتم؟ فقالوا : وجدنا عليها آباءنا . فقيل ومن أين أخذ آباؤكم؟ فقالوا : الله أمرنا بها . وعلى الوجهين يمتنع التقليد إذا قام الدليل على خلافه لا مطلقاً . { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } إنكار يتضمن النهي عن الافتراء على الله تعالى .","part":2,"page":251},{"id":752,"text":"{ قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط } بالعدل وهو الوسط من كل أمر المتجافي عن طرفي الإِفراط والتفريط . { وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غير عادلين إلى غيرها ، أو أقيموها نحو القبلة . { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } في كل وقت سجود أو مكانه وهو الصلاة ، أو في أي مسجد حضرتكم الصلاة ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم . { وادعوه } واعبدوه . { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعة فإن إليه مصيركم . { كَمَا بَدَأَكُمْ } كما أنشأكم ابتداء . { تَعُودُونَ } بإعادته فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة ، وإنما شبه الإِعادة بالإِبداء تقريراً لإِمكانها والقدرة عليها . وقيل كما بدأكم من التراب تعودون إليه . وقيل كما بدأكم حفاة عراة غرلاً تعودون . وقيل كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم .","part":2,"page":252},{"id":753,"text":"{ فَرِيقًا هدى } بأن وفقهم للإِيمان . { وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } بمقتضى القضاء السابق . وانتصابه بفعل يفسره ما بعده أي وخذل فريقاً . { إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله } تعليل لخذلانهم أو تحقيق لضلالهم . { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } يدل على أن الكافر المخطىء والمعاند سواء في استحقاق الذم ، وللفارق أن يحمله على المقصر في النظر .","part":2,"page":253},{"id":754,"text":"{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } ثيابكم لمواراة عورتكم . { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } لطواف أو صلاة ، ومن السنة أن يأخذ الرجل أحسن هيئة للصلاة ، وفيه دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة . { وَكُلُواْ واشربوا } ما طاب لكم . روي : أن بني عامر في أيام حجهم كانوا لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظمون بذلك حجهم فهم المسلمون به ، فنزلت . { وَلاَ تُسْرِفُواْ } بتحريم الحلال ، أو بالتعدي إلى الحرام ، أو بإفراط الطعام والشره عليه . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كل ما شئت ، والبس ما شئت ، ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة . وقال علي ابن الحسين بن واقد : قد جمع الله الطب في نصف آية فقال : ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } أي لا يرتضي فعلهم .\r{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } من الثياب وسائر ما يتجمل به . { التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } من النبات كالقطن والكتان ، والحيوان كالحرير والصوف ، والمعادن كالدروع . { والطيبات مِنَ الرزق } المستلذات من المآكل والمشارب . وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإِباحة ، لأن الاستفهام في من للإنكار . { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحياة الدنيا } بالأصالة والكفرة وإن شاركوهم فيها فتبع . { خَالِصَةً يَوْمَ القيامة } لا يشاركهم فيها غيرهم ، وانتصابها على الحال . وقرأ نافع بالرفع على أنها خبر بعد خبر . { كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي كتفصيلنا هذا الحكم نفصل سائر الأحكام لهم .","part":2,"page":254},{"id":755,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } ما تزايد قبحه ، وقيل ما يتعلق بالفروج . { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } جهرها وسرها . { والإثم } وما يوجب الإثم تعميم بعد تخصيص ، وقيل شرب الخمر . { والبغى } الظلم ، أو الكبر أفرده بالذكر للمبالغة . { بِغَيْرِ الحق } متعلق بالبغي مؤكد له معنى . { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } تهكم بالمشركين ، وتنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان . { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بالإِلحاد في صفاته سبحانه وتعالى ، والافتراء عليه كقولهم { الله أَمَرَنَا بِهَا } .","part":2,"page":255},{"id":756,"text":"{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مدة ، أو وقت نزول العذاب بهم وهو وعيد لأهل مكة . { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } انقرضت مدتهم ، أو حان وقتهم . { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي لا يتأخرون ولا يتقدمون أقصر وقت ، أو لا يطلبون التأخر والتقدم لشدة الهول .\r{ يابنى آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي } شرط ذكره بحرف الشك للتنبيه على أن إتيان الرسل أمر جائز غير واجب كما ظنه أهل التعليم ، وضمت إليها ما لتأكيد معنى الشرط ولذلك أكد فعلها بالنون وجوابه : { فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } .\r{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } والمعنى فمن اتقى التكذيب وأصلح عمله منكم والذين كذبوا بآياتنا منكم ، وإدخال الفاء في الخبر الأول دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحة في الوعيد .\r{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بئاياته } ممن تقول على الله ما لم يقله أو كذب ما قاله . { أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } مما كتب لهم من الأرزاق والآجال . وقيل الكتاب اللوح المحفوظ أي مما أثبت لهم فيه . { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي يتوفون أرواحهم ، وهو حال من الرسل وحتى غاية لنيلهم وهي التي يبتدأ بعدها الكلام . { قَالُواْ } جواب إذا { أَيْنَمَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي أين الآلهة التي كنتم تعبدونها ، وما وصلت بأين في خط المصحف وحقها الفصل لأنها موصولة . { قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا . { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كافرين } اعترفوا بأنهم كانوا ضالين فيما كانوا عليه .\r{ قَالَ ادخلوا } أي قال الله تعالى لهم يوم القيامة ، أو أحد من الملائكة . { فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم } أي كائنين في جملة أمم مصاحبين لهم يوم القيامة . { مّنَ الجن والإنس } يعني كفار الأمم الماضية عن النوعين . { فِى النار } متعلق بادخلوا . { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } أي في النار . { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } التي ضلت بالاقتداء بها . { حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا } أي تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار . { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } دخولاً أو منزلة وهم الأتباع . { لأولاهم } أي لأجل أولاهم إذا الخطاب مع الله لا معهم . { رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا } سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم { فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ } مضاعفاً لأنهم ضلوا وأضلوا . { قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } أما القادة فبكفرهم وتضليلهم ، وأما الأتباع فبكفرهم وتقليدهم . { ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } ما لكم أو ما لكل فريق . وقرأ عاصم بالياء على الانفصال .\r{ وَقَالَتْ أولاهم لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } عطفوا كلامهم على جواب الله سبحانه وتعالى { لاِخْرَاهُمْ } ورتبوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاق العذاب .","part":2,"page":256},{"id":757,"text":"{ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } من قول القادة أو من قول الفريقين .\r{ إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا } أي عن الإِيمان بها . { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } لأدعيتهم وأعمالهم ، أو لأرواحهم كما تفتح لأعمال المؤمنين وأرواحهم لتتصل بالملائكة . والتاء في تفتح للتأنيث الأبواب والتشديد لكثرتها ، وقرأ أبو عمرو بالتخفيف وحمزة والكسائي به وبالياء ، لأن التأنيث غير حقيقي والفعل مقدم . وقرىء على البناء للفاعل ونصب الأبواب بالتاء على أن الفعل للآيات وبالياء لأن الفعل لله . { وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } أي حتى يدخل ما هو مثل في عظم الجرم وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك وهو ثقبة الإِبرة ، وذلك مما لا يكون فكذا ما يتوقف عليه . وقرىء { الجمل } كالقمل ، والجمل كالنغر ، والجمل كالقفل ، والجمل كالنصب ، و { الجمل } كالحبل وهو الحبل الغليظ من القنب ، وقيل حبل السفينة . وسم بالضم والكسر وفي سم المخيط وهو والخياط ما يخاط به كالحزام والمحزم . { وكذلك } ومثل ذلك الجزاء الفظيع . { نَجْزِى المجرمين } .","part":2,"page":257},{"id":758,"text":"{ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } فراش . { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أغطية ، والتنوين فيه للبدل عن الاعلال عند سيبويه ، وللصرف عند غيره ، وقرىء { غَوَاشٍ } على إلغاء المحذوف . { وكذلك نَجْزِى الظالمين } عبر عنهم بالمجرمين تارة وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآيات اتصفوا بهذه الأوصاف الذميمة ، وذكر الجرم مع الحرمان من الجنة والظلم مع التعذيب بالنار تنبيهاً على أنه أعظم الإِجرام .","part":2,"page":258},{"id":759,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } على عادته سبحانه وتعالى في أن يشفع الوعيد بالوعد ، ولا نكلف نفساً إلا وسعها اعتراض بين المبتدأ وخبره للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما تسعه طاقتهم ويسهل عليهم . وقرىء لا تكلف نفس .","part":2,"page":259},{"id":760,"text":"{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } أي نخرج من قلوبهم أسباب الغل ، أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التواد . وعن علي كرم الله وجهه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم . { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } زيادة في لذتهم وسرورهم . { وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } لما جزاؤه هذا . { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } لولا هداية الله وتوفيقه ، واللام لتوكيد النفي وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله . وقرأ ابن عامر «ما كنا» بغير واو على أنها مبينة للأولى . { لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } فاهتدينا بإرشادهم . يقولون ذلك اغتباطاً وتبجحاً بأن ما علموه يقيناً في الدنيا صار لهم عين اليقين في الآخرة . { وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الجنة } إذا رأوها من بعيد ، أو بعد دخولها والمنادى له بالذات . { أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي أعطيتموها بسبب أعمالكم ، وهو حال من الجنة والعامل فيها معنى الإِشارة ، أو خبر والجنة صفة تلكم وأن في المواقع الخمسة هي المخففة أو المفسرة لأن المناداة والتأذين من القول .","part":2,"page":260},{"id":761,"text":"{ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } إنما قالوه تبجحاً بحالهم وشماتة بأصحاب النار وتحسيراً لهم ، وإنما لم يقل ما وعدكم كما قال { مَّا وَعَدَنَا } لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصاً وعده بهم ، كالبعث والحساب ونعيم أهل الجنة . { قَالُواْ نَعَمْ } وقرأ الكسائي بكسر العين وهما لغتان . { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ } قيل هو صاحب الصور . { بَيْنَهُمْ } بين الفريقين . { أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } وقرأ ابن كثير في رواية للبزي وابن عامر وحمزة والكسائي { أَن لَّعْنَةُ الله } بالتشديد والنصب . قرىء { إِن } بالكسر على إرادة القول أو إجراء أذن مجرى قال .\r{ الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } صفة للظالمين مقررة ، أو ذم مرفوع أو منصوب . { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } زيغاً وميلاً عما هو عليه ، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم تكن منتصبة ، وبالفتح ما كان في المنتصبة ، كان في المنتصبة كالحائط والرمح . { وَهُم بالأخرة كافرون } .\r{ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين الفريقين لقوله تعالى : { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } أو بين الجنة والنار ليمنع وصول أثر إحداها إلى الأخرى . { وَعَلَى الأعراف } وعلى أعراف الحجاب أي أعاليه ، وهو السور المضروب بينهما جمع عرف مستعار من عرف الفرس وقيل العرف ما ارتفع من الشيء فإنه يكون لظهوره أعرف من غيره . { رِجَالٌ } طائفة من الموحدين قصروا في العمل فيحبسون بين الجنة والنار حتى يقضي الله سبحانه وتعالى فيهم ما يشاء وقيل قوم علت درجاتهم كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أو الشهداء رضي الله تعالى عنهم ، أو خيار المؤمنين وعلمائهم ، أو ملائكة يرون في صورة الرجال . { يَعْرِفُونَ كُلاًّ } من أهل الجنة والنار . { بسيماهم } بعلامتهم التي أعلمهم الله بها كبياض الوجه وسواده ، فعل من سام إبله إذا أرسلها في المرعى معلمة ، أو من وسم على القلب كالجاه من الوجه ، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو تعليم الملائكة . { وَنَادَوْاْ أصحاب الجنة أَن سلام عَلَيْكُمْ } أي إذا نظروا إليهم سلموا عليهم . { لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يُطْعِمُونِ } حال من الواو على الوجه الأول ومن أصحاب على الوجوه الباقية .\r{ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار قَالُواْ } نعوذ بالله . { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين } أي في النار .\r{ ونادى أصحاب الأعراف رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم } من رؤساء الكفرة . { قَالُواْ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ } كثرتكم أو جمعكم المال . { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } عن الحق ، أو على الخلق . وقرىء «تستكثرون» من الكثرة .\r{ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } من تتمة قولهم للرجال ، والإِشارة إلى ضعفاء أهل الجنة الذين كانت الكفرة يحتقرونهم في الدنيا ويحلفون أن الله لا يدخلهم الجنة { ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } أي فالتفتوا إلى أصحاب الجنة وقالوا لهم ادخلوا وهو أوفق للوجوه الأخيرة ، أو فقيل لأصحاب الأعراف ادخلوا الجنة بفضل الله سبحانه وتعالى بعد أن حبسوا حتى أبصروا الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا .","part":2,"page":261},{"id":762,"text":"قيل لما عيروا أصحاب النار أقسموا أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنة فقال الله سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة هؤلاء الذين أقسمتم . وقرىء { أَدْخِلُواْ } و «دخلوا» على الاستئناف وتقديره دخلوا الجنة مقولاً لهم { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ } .\r{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء } أي صبوه ، وهو دليل على أن الجنة فوق النار . { أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } من سائر الأشربة ليلائم الإِفاضة ، أو من الطعام كقوله : علفتها تبناً وماء بارداً . { قَالُواْ إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } منعهما عنهم منع المحرم من المكلف .","part":2,"page":262},{"id":763,"text":"{ الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } كتحريم البحيرة والتصدية والمكاء حول البيت واللهو صرف الهم بما لا يحسن أن يصرف به ، واللعب طلب الفرح بما لا يحسن أن يطلب به . { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا فاليوم ننساهم } نفعل بهم فعل الناسين فنتركهم في النار . { كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } فلم يخطروه ببالهم ولم يستعدوا له . { وَمَا كَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } وكما كانوا منكرين أنها من عند الله .","part":2,"page":263},{"id":764,"text":"{ وَلَقَدْ جئناهم بكتاب فصلناه } بينا معانيه من العقائد والأحكام والمواعظ مفصلة . { على عِلْمٍ } عالمين بوجه تفصيله حتى جاء حكيماً ، وفِيه دليل على أنه سبحانه وتعالى عالم بعلم ، أو مشتملاً على علم فيكون حالاً من المفعول . وقرىء «فضلناه» أي على سائر الكتب عالمين بأنه حقيق بذلك . { هُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } حال من الهاء .","part":2,"page":264},{"id":765,"text":"{ هَلْ يَنظُرُونَ } ينتظرون . { إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } إلا ما يؤول إليه أمره من تبين صدقه بظهور ما نطق به من الوعد والوعيد . { يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ } تركوه ترك الناسي . { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } أي قد تبين أنهم جاؤوا بالحق . { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا } اليوم . { أَوْ نُرَدُّ } أو هل نرد إلى الدنيا . وقرىء بالنصب عطفاً على { فَيَشْفَعُواْ } ، أو لأن { أَوْ } بمعنى إلى أن ، فعلى الأول المسؤول أحد الأمرين الشفاعة أو ردهم إلى الدنيا ، وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاء إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد وهو الرد . { فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } جوابِ الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل . { قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } بصرف أعمارهم في الكفر . { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } بطل عنهم فلم ينفعهم .","part":2,"page":265},{"id":766,"text":"{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي في ستة أوقات كقوله : { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } أو في مقدار ستة أيام ، فإن المتعارف باليوم زمان طلوع الشمس إلى غروبها ولم يكن حينئذ ، وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إيجادها دفعة دليل للاختيار واعتبار للنظار وحث على التأني في الأمور . { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } استوى أمره أو استولى ، وعن أصحابنا أن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف ، والمعنى : أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن والعرش الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه ، أو للتشبيه بسرير الملك فإن الأمور والتدابير تنزل منه وقيل الملك . { يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَار } يغطيه به ولم يذكر عكسه للعلم به ، أو لأن اللفظ يحتملهما ولذلك قرىء { يغشي الليل النهار } بنصب { اليل } ورفع { النهار } . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وأبو بكر عن عاصم بالتشديد فيه وفي «الرعد» للدلالة على التكرير . { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } يعقبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء ، والحثيث فعيل من الحث وهو صفة مصدر محذوف أو حال من الفاعل بمعنى حاثاً ، أو المفعول بمعنى محثوثاً . { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ } بقضائه وتصريفه ونصبها بالعطف على السموات ونصب مسخرات على الحال . وقرأ ابن عامر كلها بالرفع على الابتداء والخبر . { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر } فإنه الموجد والمتصرف . { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظم بالتفرد في الربوبية . وتحقيق الآية ، والله سبحانه وتعالى أعلم ، أن الكفرة كانوا متخذين أرباباً فبين لهم أن المستحق للربوبية واحد وهو الله سبحانه وتعالى ، لأنه الذي له الخلق والأمر فإنه سبحانه وتعالى خلق العالم على ترتيب قويم وتدبير حكيم فأبدع الأفلاك ثم زينها بالكواكب كما أشار إليه بقوله تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ } وعمد إلى إيجاد الأجرام السفلية فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدلة والهيئات المختلفة ، ثم قسمها بصور نوعية متضادة الآثار والأفعال وأشار إليه بقوله وخلق الأرض أي ما في جهة السفل في يومين ، ثم أنشأ أنواع المواليد الثلاثة بتركيب موادها أولاً وتصويرها ثانياً كما قال تعالى بعد قوله : { خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي مع اليومين الأولين لقوله تعالى في سورة السجدة { الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } ثم لما تم له عالم الملك عمد إلى تدبيره كالملك الجالس على عرشه لتدبير المملكة ، فدبر الأمر من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاك وتسيير الكواكب وتكوير الليالي والأيام ، ثم صرح بما هو فذلكة التقرير ونتيجته فقال : { أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } ثم أمرهم بأن يدعوه متذللين مخلصين فقال .","part":2,"page":266},{"id":767,"text":"{ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } أي ذوي تضرع وخفية فإن الإخفاء دليل الإخلاص . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } المجاوزين ما أمروا به في الدعاء وغيره ، نبه به على أن الداعي ينبغي أن لا يطلب ما لا يليق به كرتبة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، والصعود إلى السماء . وقيل هو الصياح في الدعاء والاسهاب فيه . وعن النبي A ، « سيكون قوم يعتدون في الدعاء ، وحسب المرء أن يقول : اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل ثم { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } » .","part":2,"page":267},{"id":768,"text":"{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } بالكفر والمعاصي . { بَعْدَ إصلاحها } ببعث الأنبياء وشرع الأحكام . { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } ذوي خوف من الرد لقصور أَعمالكم وعدم استحقاقكم ، وطمع في إجابته تفضلاً وإحساناً لفرط رحمته { إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ مّنَ المحسنين } ترجيح للطمع وتنبيه على ما يتوسل به للإِجابة ، وتذكير قريب لأن الرحمة بمعنى الرحم ، أو لأنه صفة محذوف أي أمر قريب ، أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول ، أو الذي هو مصدر كالنقيض ، أو الفرق بين القريب من النسب والقريب من غيره .\r{ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ } وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على الوحدة . { نُشْراً } جمع نشور بمعنى ناشر ، وقرأ ابن عامر «نشراً» بالتخفيف حيث وقع وحمزة والكسائي «نشراً» بفتح النون حيث وقع على أنه مصدر في موقع الحال بمعنى ناشرات ، أو مفعول مطلق فإن الإِرسال والنشر متقاربان . وعاصم { بشراً } وهو تخفيف بشر جمع بشير وقد قرىء به و { بشراً } بفتح الباء مصدر بشره بمعنى باشرات ، أو للبشارة وبشرى . { بَيْنَ يَدَي رَحْمَتِهِ } قدام رحمته ، يعني المطر فإن الصبا تثير السحاب والشمال تجمعه والجنوب تدره والدبور تفرقه . { حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } أي حملت ، واشتقاقه من القلة فإن المقل للشيء يستقله . { سَحَاباً ثِقَالاً } بالماء جمعه لأن السحاب جمع بمعنى السحائب . { سُقْنَاهُ } أي السحاب وإفراد الضمير باعتبار اللفظ . { لِبَلَدٍ مَيِّتٍ } لأجله أو لإحيائه أو لسقيه . وقرىء { ميت } . { فَأَنْزَلْنَا بِهِ الماءُ } بالبلد أو بالسحاب أو بالسوق أو بالريح وكذلك . { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ويحتمل فيه عود الضمير إلى { الماء } ، وإذا كان ل { لبلد } فالباء للإلصاق في الأول وللظرفية في الثاني ، وإذا كان لغيره فهي للسببية فيهما . { مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ } من كل أنواعها . { كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى } الإشارة فيه إلى إخراج الثمرات ، أو إلى إحياء البلد الميت أي كما نحييه بإحداث القوة النامية فيه وتطريتها بأنواع النبات والثمرات ، نخرج الموتى من الأجداث ونحييها برد النفوس إلى مواد أبدانها بعد جمعها وتطريتها بالقوى والحواس . { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن من قدر على ذلك قدر على هذا .\r{ وَالبَلَدُ الطَّيِّبُ } الأرض الكريمة التربة . { يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ } بمشيئته وتيسيره ، عبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة . { وَالَّذِي خَبُثَ } أي كالحرة والسبخة . { لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً } قليلاً عديم النفع ، ونصبه على الحال وتقدير الكلام ، والبلد الذي خبث لا يخرج نباته إلا نكداً فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فصار مرفوعاً مستتراً وقرىء { يخرج } أي يخرجه البلد فيكون { إلا نكداً } مفعولاً و { نكداً } على المصدر أي ذا نكد و { نكداً } بالإِسكان للتخفيف . { كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ } نرددها ونكررها . { لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } نعمة الله فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، والآية مثل لمن تدبر الآيات وانتفع بها ، ولمن لم يرفع إليها رأساً ولم يتأثر بها .","part":2,"page":268},{"id":769,"text":"{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ } جواب قسم محذوف ، ولا تكاد تطلق هذه اللام إلا مع قد لأنها مظنة التوقع ، فإن المخاطب إذا سمعها توقع وقوع ما صدر بها . ونوح بن لمك بن متوشلح بن إدريس أول نبي بعده ، بعث وهو ابن خمسين سنة أو أربعين . { فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله } أي اعبدوه وحده لقوله تعالى : { مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ } وقرأ الكسائي غيره بالكسر نعتاً أو بدلاً على اللفظ حيث وقع إذا كان قبل إله من التي تخفض . وقرىء بالنصب على الاستثناء . { إني أخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } إن لم تؤمنوا ، وهو وعيد وبيان للداعي إلى عبادته . واليوم يوم القيامة ، أو يوم نزول الطوفان .\r{ قَالَ الملأُ مِنْ قَوْمِهِ } أي الأَشراف فإنهم يملؤون العيون رواء . { إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلاَلٍ } زوال عن الحق . { مُبِينٍ } بين .","part":2,"page":269},{"id":770,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمٍ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ } أي شيء من الضلال ، بالغ في النفي كما بالغوا في الإِثبات وعرض لهم به . { وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ } استدراك باعتبار ما يلزمه ، وهو كونه على هدى كأنه قال : ولكني على هدى في الغاية لأني رسول من الله سبحانه وتعالى .","part":2,"page":270},{"id":771,"text":"{ أَبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعَلَم مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } صفات لرسول أو استئناف ، ومساقها على الوجهين لبيان كونه رسولاً . وقرأ أبو عمرو { أبلغكم } بالتخفيف وجمع الرسالات لاختلاف أوقاتها أو لتنوع معانيها كالعقائد والمواعظ والأحكام ، أو لأن المراد بها ما أوحي إليه وإلى الأنبياء قبله ، كصحف شيث وإدريس وزيادة اللام في لكم للدلالة على إمحاض النصح لهم ، وفي أعلم من الله تقريراً لما أوعدهم به فإن معناه أعلم من قدرته وشدة بطشه ، أو من جهته بالوحي أشياء لا علم لكم بها .","part":2,"page":271},{"id":772,"text":"{ أَوَ عَجِبْتُمْ } الهمزة للإنكار والواو للعطف على محذوف أي أكذبتم وعجبتم . { أَنْ جَاءَكُمْ } من أن جاءكم . { ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ } رسالة أو موعظة . { عَلَى رَجُلٍ } على لسان رجل . { مِنْكُمْ } من جملتكم أو من جنسكم ، فإنهم كانوا يتعجبون من إرسال البشر ويقولون { لو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آباءنا الأولين } . { لِيُنْذِرَكُمْ } عاقبة الكفر والمعاصي . { وَلِتَتْقُوا } منهما بسبب الإنذار . { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بالتقوى ، وفائدة حرف الترجي التنبيه على أن التقوى غير موجب والترحم من الله سبحانه وتعالى تفضل ، وأن المتقي ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمن من عذاب الله تعالى .","part":2,"page":272},{"id":773,"text":"{ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ } وهم من آمن به وكانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة . وقيل تسعة بنوه سام وحام ويافث وستة ممن آمن به . { فِي الفُلْكِ } متعلق بمعه أو بأنجيناه ، أو حال من الموصول أو من الضمير في معه . { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بالطوفان . { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ } عمي القلوب غير مستبصرين ، وأصله عميين فخفف وقرىء «عامين» والأول أبلغ لدلالته على الثبات .","part":2,"page":273},{"id":774,"text":"{ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ } عطف على نوحاً إلى قومه . { هُوداً } عطف بيان لأخاهم والمراد به الواحد منهم ، كقولهم يا أخا العرب للواحد منهم ، فإنه هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح . وقيل : هود بن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح ، وقيل هود بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ، ابن عم أبي عاد ، وإنما جعل منهم لأنهم أفهم لقوله وأعرف بحاله وأرغب في اقتفائه . { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ } استأنف به ولم يعطف كأنه جواب سائل قال : فما قال لهم حين أرسل؟ وكذلك جوابهم . { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عذاب الله ، وكأن قومه كانوا أقرب من قوم نوح E ولذلك قال أفلا تتقون { قَال المَلأَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ } إذ كان من أشرافهم من آمن به كمرثد بن سعد .","part":2,"page":274},{"id":775,"text":"{ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ } متمكناً في خفة عقل راسخاً فيها حيث فارقت دين قومك . { وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ } .\r{ قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بي سَفَاهَة وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ } .\r{ أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } .\r{ أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِركُمْ } سبق تفسيره . وفي إجابة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإِعراض عن مقابلتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة ، وهكذا ينبغي لكل ناصح ، وفي قوله : { وأنا لكم ناصح أمين } تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين . وقرأ أبو عمرو { أبلغكم } في الموضعين في هذه السورة وفي «الأحقاف» مخففاً . { وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي في مساكنهم ، أو في الأرض بأن جعلكم ملوكاً فإن شداد بن عاد ممن ملك معمورة الأرض من رمل عالج إلى شجر عمان . خوفهم من عقاب الله ثم ذكرهم بإنعامه . { وَزَادَكُمْ فِي الخَلْقِ بَسْطَةً } قامة وقوة . { فَاذْكُروا آلاءَ اللَّهِ } تعميم بعد تخصيص . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } لكي يفضي بكم ذكر النعم إلى شكرها المؤدي إلى الفلاح .\r{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ وَنَذَر مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا } استبعدوا اختصاص الله بالعبادة والأعراض عما أشرك به آباؤهم انهماكاً في التقليد وحباً لما ألفوه ، ومعنى المجيء في { أجئتنا } إما المجيء من مكان اعتزل به عن قومه أو من السماء على التهكم ، أو القصد على المجاز كقولهم ذهب يسبني . { فَائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المدلول عليه بقوله { أفلا تتقون } . { إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقينَ } فيه .\r{ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ } قد وجب وحق عليكم ، أو نزل عليكم على أن المتوقع كالواقع . { مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ } عذاب من الارتجاس وهو الاضطراب . { وَغَضَبٌ } إرادة انتقام . { أَتُجَادِلُونَني فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ } أي في أشياء سميتموها آلهة وليس فيها معنى الإِلهية ، لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل ، وأنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو بنصب حجة ، بين أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقق المسمى ، وإسناد الاطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهاراً لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم ، واستدل به على أن الاسم هو المسمى وأن اللغات توقيفية إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجه الذم والإِبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله بها سلطاناً وضعفهما ظاهر . { فَانْتَظِرُوا } لما وضح الحق وأنتم مصرون على العناد نزول العذاب بكم . { إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ المُنْتَظِرِينَ } .\r{ فَأَنّجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ } في الدين . { بِرَحْمَةٍ مِنَّا } عليهم . { وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بَآيَاتِنَا } أي استأصلناهم . { وَمَا كَانُوا مُؤْمِنينَ } تعريض بمن آمن منهم ، وتنبيه على أن الفارق بين من نجا وبين من هلك هو الإِيمان .","part":2,"page":275},{"id":776,"text":"روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله إليهم هوداً فكذبوه ، وازدادوا عتواً فأمسك الله القطر عنهم ثلاث سنين حتى جهدهم ، وكان الناس حينئذ مسلمهم ومشركهم إذا نزل بهم بلاء توجهوا إلى البيت الحرام وطلبوا من الله الفرج ، فجهزوا إليه قيل بن عثر ومرثد بن سعد في سبعين من أعيانهم ، وكان إذ ذاك بمكة العمالقة أولاد عمليق بن لاوذ بن سام وسيدهم معاوية بن بكر ، فلما قدموا عليه وهو بظاهر مكة أنزلهم وأكرمهم ، وكانوا أخواله وأصهاره ، فلبثوا عنده شهراً يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان له ، فلما رأى ذهولهم باللهو عما بعثوا له أهمه ذلك واستحيا أن يكلمهم فيه مخافة أن يظنوا به ثقل مقامهم فعلم القينتين :\rأَلاَ يَا قِيلُ وَيْحَكَ قُمْ فَهَيْنِم ... لَعَلَّ الله يُسْقِينَا الغَمَامَا\rفَيُسْقِي أَرْضَ عَادٍ إن عَادا ... قَد امْسوا مَا يُبينُونَ الكَلاَما\rحتى غنتا به ، فأزعجهم ذلك فقال مرثد : والله لا تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم وتبتم إلى الله سبحانه وتعالى سقيتم ، فقالوا لمعاوية : احبسه عنا لا يقدمن معنا مكة فإنه قد اتبع دين هود وترك ديننا ، ثم دخلوا مكة فقال قيل : اللهم اسق عاداً ما كنت تسقيهم ، فأنشأ الله تعالى سحابات ثلاثاً بيضاء وحمراء وسوداء ، ثم ناداه مناد من السماء يا قيل : اختر لنفسك ولقومك . فقال اخترت السوداء فإنها أكثرهن ماء ، فخرجت على عاد من وادي المغيث فاستبشروا بها وقالوا : { هذا عارض ممطرنا } فجاءتهم منها ريح عقيم فأهلكتهم ونجا هود والمؤمنون معه ، فأتوا مكة وعبدوا الله سبحانه وتعالى فيها حتى ماتوا .\r{ وَإِلَى ثَمودَ } قبيلة أخرى من العرب سموا باسم أبيهم الأكبر ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح . وقيل سموا به لقلة مائهم من الثمد وهو الماء القليل . وقرىء مصروفاً بتأويل الحي أو باعتبار الأصل ، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى . { أَخَاهُمْ صَالِحاً } صالح بن عبيد بن آسف بن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود . { قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا الله مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ } معجزة ظاهرة الدلالة على صحة نبوتي وقوله : { هذِهِ نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً } استئناف لبيانها ، وآية نصب على الحال والعامل فيها معنى الإشارة ، ولكم بيان لمن هي له آية ، ويجوز أن تكون { ناقة الله } بدلاً أو عطف بيان ولكم خبراً عاملاً في { آية } ، وإضافة الناقة إلى الله لتعظيمها ولأنها جاءت من عنده بلا وسائط وأسباب معهودة ولذلك كانت آية . { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ الله } العشب . { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ } نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الجامع لأنواع الأذى مبالغة في الأمر وإزاحة للعذر . { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } جواب للنهي .","part":2,"page":276},{"id":777,"text":"{ وَاذْكُرُوا إذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ في الأَرْضِ } أرض الحجر . { تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصوراً } أي تبنون في سهولها ، أو من سهولة الأرض بما تعملون منها كاللبن والآجر . { وَتَنْحِتْونَ الجِبَالَ بُيُوتاً } وقرىء { تنحتون } بالفتح وتنحاتون بالإِشباع ، وانتصاب { بيوتاً } على الحال المقدرة أو المفعول على أن التقدير بيوتاً من الجبال ، أو تنحتون بمعنى تتخذون { فَاذْكُرُوا آلاءَ الله وَلاَ تَعثَوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ } .","part":2,"page":277},{"id":778,"text":"{ قَالَ المَلأَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمهِ } أي عن الإِيمان . { لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } أي للذين استضعفوهم واستذلوهم . { لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ } بدل من الذين استضعفوا بدل الكل إن كان الضمير لقومه وبدل البعض إن كان للذين . وقرأ ابن عامر وقال الملأ بالواو . { أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ } قالوه على الاستهزاء . { قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤمِنُونَ } عدلوا به عن الجواب السوي الذي هو نعم تنبيهاً على أن إرساله أظهر من أن يشك فيه عاقل ويخفى على ذوي رأي ، وإنما الكلام فيمن آمن به ومن كفر فلذلك قال :","part":2,"page":278},{"id":779,"text":"{ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } على وجه المقابلة ، ووضعوا { آمنتم به } موضع { أرسل به } رداً لما جعلوه معلوماً مسلماً .","part":2,"page":279},{"id":780,"text":"{ فَعَقَرُوا النَّاقَةَ } فنحروها . أسند إلى جميعهم فعل بعضهم للملابسة ، أو لأنه كان برضاهم . { وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ } واستكبروا عن امتثاله ، وهو ما بلغهم صالح E بقوله : { فذروها } . { وَقَالُوا يَا صَالِح ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ } .","part":2,"page":280},{"id":781,"text":"{ فَأَخَذْتْهُمُ الرَّجْفَةُ } الزلزلة . { فَأَصْبِحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمينَ } خامدين ميتين . روي : أنهم بعد عاد عمروا بلادهم وخلفوهم وكثروا ، وعمروا أعماراً طوالاً لا تفي بها الأبنية ، فنحتوا البيوت من الجبال ، وكانوا في خصب وسعة فعتوا وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأصنام ، فبعث الله إليهم صالحاً من أشرافهم فأنذرهم ، فسألوه آية فقال أية آية تريدون قالوا : اخرج معنا إلى عيدنا فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فمن استجيب له اتبع ، فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم تجبهم ، ثم أشار سيدهم جندع بن عمرو إلى صخرة منفردة يقال لها الكاثبة وقال : له أخرج من هذه الصخرة ناقة مخترجة جوفاء وبراء إن فعلت صدقناك ، فأخذ عليهم صالح مواثيقهم لئن فعلت ذلك لتؤمنن فقالوا : نعم ، فصلى ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ، فانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء كما وصفوا وهم ينظرون ، ثم نتجت ولداً مثلها في العظم فآمن به جندع في جماعة ، ومنع الباقين من الإِيمان ذؤاب بن عمرو والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صغر كاهنهم ، فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وترد الماء غباً فما ترفع رأسها من البئر حتى تشرب كل ما فيها ، ثم تتفحج فيحلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم ، فيشربون ويدخرون وكانت تصيف بظهر الوادي فتهرب منها أنعامهم إلى بطنه ، وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشق ذلك عليهم وزينت عقرها لهم عنيزة أم غنم وصدقة بنت المختار ، فعقروها واقتسموا لحمها ، فرقي سقبها جبلاً اسمه قارة فرغا ثلاثاً فقال صالح لهم ادركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه إذ انفجرت الصخرة بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح : تصبح وجوهكم غداً مصفرة وبعد غد محمرة واليوم الثالث مسودة ، ثم يصبحكم العذاب ، فلما رأوا العلامات طلبوا أن يقتلوه فأنجاه الله إلى أرض فلسطين ، ولما كان ضحوة اليوم الرابع تحنطوا بالصبر وتكفنوا بالأنطاع فأتتهم صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم فهلكوا .","part":2,"page":281},{"id":782,"text":"{ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمٍ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ } ظاهره أن توليه عنهم كان بعد أن أبصرهم جاثمين ، ولعله خاطبهم به بعد هلاكهم كما خاطب رسول الله A أهل قليب بدر وقال : « إنا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً » . أو ذكر ذلك على سبيل التحسر عليهم .","part":2,"page":282},{"id":783,"text":"{ وَلُوطاً } أي وأرسلنا لوطاً . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } وقت قوله لهم أو واذكر لوطاً وإذ بدل منه . { أَتَأَتُونَ الفَاحِشَةَ } توبيخ وتقريع على تلك الفعلة المتمادية في القبح . { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ } ما فعلها قبلكم أحد قط . والباء للتعدية ومن الأولى لتأكيد النفي والاستغراق ، والثانية للتبعيض . والجملة استئناف مقرر للإِنكار كأنه وبخهم أولاً بإتيان الفاحشة ثم باختراعها فإنه أسوأ .\r{ أَنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ } بيان لقوله : { أَتَأتون الفاحشة } وهو أبلغ في الإِنكار والتوبيخ ، وقرأ نافع وحفص «إنكم» على الإِخبار المستأنف ، وشهوة مفعول له أو مصدر في موقع الحال وفي التقييد بها وصفهم بالبهيمية الصرفة ، وتنبيه على أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى المباشرة طلب الولد وبقاء النوع ، لا قضاء الوطر . { بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ } إضراب عن الإِنكار إلى الإِخبار عن حالهم التي أدت بهم إلى ارتكاب أمثالها وهي اعتياد الإِسراف في كل شيء ، أو عن الإِنكار عليها إلى الذم على جميع معايبهم ، أو عن محذوف مثل لا عذر لكم فيه بل أنتم قوم عادتكم الإِسراف .\r{ وَمَا كَانَ جَوَابُ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتكُمْ } أي ما جاؤوا بما يكون جواباً عن كلامه ، ولكنهم قابلوا نصحه بالأمر بإخراجه فيمن معه من المؤمنين من قريتهم والاستهزاء بهم فقالوا : { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَّهِرُونَ } أي من الفواحش .\r{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ } أي من آمن به . { إلاَّ امْرَأتَهُ } استثناء من أهله فإنها كانت تسر الكفر . { كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ } من الذين بقوا في ديارهم فهلكوا والتذكير لتغليب الذكور .\r{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } أي نوعاً من المطر عجيباً وهو مبين بقوله : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } روي : أن لوط بن هاران بن تارح لما هاجر مع عمه إبراهيم عليه السلام إلى الشام نزل بالأردن ، فأرسله الله إلى أهل سدوم ليدعوهم إلى الله وينهاهم عما اخترعوه من الفاحشة ، فلم ينتهوا عنها فأمطر الله عليهم الحجارة فهلكوا . وقيل خسف بالمقيمين منهم وأمطرت الحجارة على مسافريهم .\r{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } أي وأرسلنا إليهم ، وهم أولاد مدين بن إبراهيم خليل الله شعيب بن ميكائيل بن بسجر بن مدين ، وكان يقال له خطيب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لحسن مراجعته قومه . { قَالَ يَا قَوْمٌ اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ } يريد المعجزة التي كانت له وليس في القرآن أنها ما هي ، وما روي من محاربة عصا موسى E التنين وولادة الغنم التي دفعها إليه الدرع خاصة وكانت الموعودة له من أولادها ، ووقوع عصا آدم على يده في المرات السبع متأخرة عن هذه المقاولة ، ويحتمل أن تكون كرامة لموسى عليه السلام أو إرهاصاً لنبوته .","part":2,"page":283},{"id":784,"text":"{ فَأَوْفُواْ الكيل } أي آلة الكيل على الإِضمار ، أو إطلاق الكيل على المكيال كالعيش على المعاش لقوله : { والميزان } كما قال في سورة «هود» { أَوْفُواْ المكيال والميزان } أو الكيل ووزن الميزان ، ويجوز أن يكون الميزان مصدراً كالميعاد . { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } ولا تنقصوهم حقوقهم ، وإنما قال أشياءهم للتعميم تنبيهاً على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير والقليل والكثير . وقيل كانوا مكاسين لا يدعون شيئاً إلا مكسوه . { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الأرض } بالكفر والحيف . { بَعْدَ إصلاحها } بعدما أصلح أمرها أو أهلها الأنبياء وأتباعهم بالشرائع ، أو أصلحوا فيها والإِضافة إليها كالإِضافة في { بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } . { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } إشارة إلى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه ، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقاً أو في الإِنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال .\r{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ } بكل طريق من طرق الدين كالشيطان ، وصراط الحق وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام ، وكانوا إذا رأوا أحداً يسعى فى شيء منها منعوه . وقيل كانوا يجلسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيباً إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ويوعدون لمن آمن به . وقيل كانوا يقطعون الطريق . { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } يعني الذي قعدوا عليه فوضع الظاهر موضع المضمر بياناً لكل صراط ، ودلالة على عظم ما يصدون عنه وتقبيحاً لما كانوا عليه أو الإِيمان بالله . { مَنْ ءامَنَ بِهِ } أي بالله ، أو بكل صراط على الأول ، ومن مفعول تصدون على إعمال الأقرب ولو كان مفعول توعدون لقال وتصدونهم وتوعدون بما عطف عليه في موقع الحال من الضمير في تقعدوا . { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } وتطلبون لسبيل الله عوجاً بإلقاء الشبه ، أو وصفها للناس بأنها معوجة . { واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً } عَدَدَكُمْ أو عُدَدَكُمْ . { فَكَثَّرَكُمْ } بالبركة في النسل أو المال . { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } من الأمم قبلكم فاعتبروا بهم .","part":2,"page":284},{"id":785,"text":"{ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فاصبروا } فتربصوا . { حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } أي بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين ، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين . { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه .","part":2,"page":285},{"id":786,"text":"{ قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا } أي ليكونن أحد الأمرين إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر ، وشعيب E لم يكن في ملتهم قط لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر مطلقاً ، لكن غلبوا الجماعة على الواحد فخوطب هو وقومه بخطابهم ، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله . { قَالَ أُوَلَوْ كُنَّا كارهين } أي كيف نعود فيها ونحن كارهون لها ، أو أتعيدوننا في حال كراهتنا .","part":2,"page":286},{"id":787,"text":"{ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا } قد اختلفنا عليه . { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } شرط جوابه محذوف دليله : { قَدِ افترينا } وهو بمعنى المستقبل لأنه لم يقع لكنه جعل كالواقع للمبالغة ، وأدخل عليه قد لتقريبه من الحال أي قد افتربنا الآن إن هممنا بالعود بعد الخلاص منها حيث نزعم أن لله تعالى نداً ، وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه باطل وما أنتم عليه حق . وقيل إنه جواب قسم وتقديره : والله لقد افترينا . { وَمَا يَكُونُ لَنَا } وما يصح لنا . { أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله رَبُّنَا } خذلاننا وارتدادنا ، وفيه دليل على أن الكفر بمشيئة الله . وقيل أراد به حسم طمعهم في العود بالتعليق على ما لا يكون . { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } أي أحاط علمه بكل شيء مما كان وما يكون منا ومنكم . { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } في أن يثبتنا على الإِيمان ويخلصنا من الأشرار . { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } احكم بيننا وبينهم ، والفتاح القاضي ، والفتاحة الحكومة . أو أظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل من فتح المشكل إذا بينه . { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } على المعنيين .","part":2,"page":287},{"id":788,"text":"{ وَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا } وتركتم دينكم . { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } لاستبدالكم ضلالته بهداكم ، أو لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف وهو ساد مسد جواب الشرط والقسم الموطأ باللام .","part":2,"page":288},{"id":789,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } الزلزلة وفي سورة «الحجر» { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } ولعلها كانت من مباديها . { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين } أي في مدينتهم .","part":2,"page":289},{"id":790,"text":"{ الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } مبتدأ خبره { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي استؤصلوا كأن لم يقيموا بها والمغنى المنزل . { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين } ديناً ودنيا لا الذين صدقوه واتبعوه كما زعموا ، فإنهم الرابحون في الدارين . وللتنبيه على هذا والمبالغة فيه كرر الموصول واستأنف بالجملتين وأتى بهما اسميتين .","part":2,"page":290},{"id":791,"text":"{ فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ } قال تأسفاً بهم لشدة حزنه عليهم ثم أنكر على نفسه فقال { فكيف آسَى عَلَى قَومٍ كَافِرِينَ } ليسوا أهل حزن لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم ، أو قاله اعتذاراً عن عدم شدة حزنه عليهم . والمعنى لقد بالغت في الإبلاغ والإِنذار وبذلت وسعي في النصح والإِشفاق فلم تصدقوا قولي ، فكيف آسى عليكم . وقرىء «فكيف أيسي» بإمالتين .","part":2,"page":291},{"id":792,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بالبأساء والضراء } بالبؤس والضر . { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } حتى يتضرعوا ويتذللوا .","part":2,"page":292},{"id":793,"text":"{ ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السيئة الحسنة } أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والشدة السلامة والسعة ابتلاء لهم بالأمرين . { حتى عَفَواْ } كثروا عَدَداً وعُدَداً يقال عفا النبات إذا كثر ومنه إعفاء اللحى . { وَّقَالُواْ قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء } كفراناً لنعمة الله ونسياناً لذكره واعتقاداً بأنه من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا منه مثل ما مسنا . { فأخذناهم بَغْتَةً } فجأة . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بنزول العذاب .","part":2,"page":293},{"id":794,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } يعني القرى المدلول عليها بقوله : { وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } وقيل مكة وما حولها . { آمَنُوا وَاتَّقَوا } مكان كفرهم وعصيانهم . { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والأرض } لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم من كل جانب وقيل المراد المطر والنبات . وقرأ ابن عامر « لَفَتَّحْنَّا » بالتشديد . { ولكن كَذَّبُواْ } الرسل . { فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الكفر والمعاصي .","part":2,"page":294},{"id":795,"text":"{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } عطف على قوله : { فأخذناهم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وما بينهما اعتراض والمعنى : أبعد ذلك أمن أهل القرى . { أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا } تبييتاً أو وقت بيات أو مبيتاً أو مبيتين ، وهو في الأصل مصدر بمعنى البيتوتة ويجيء بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم . { وَهُمْ نَائِمُونَ } حال من ضميرهم البارز أو المستتر في بياتاً .","part":2,"page":295},{"id":796,"text":"{ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى } وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر أو بالسكون على الترديد . { أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } ضحوة النهار ، وهو في الأصل ضوء الشمس إذا ارتفعت : { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يلهون من فرط الغفلة ، أو يشتغلون بما لا ينفعهم .","part":2,"page":296},{"id":797,"text":"{ أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } تكرير لقوله : { أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } و { مَكْرَ الله } استعارة لاستدراج العبد وأخذه من حيث لا يحتسب . { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } الذين خسروا بالكفر وترك النظر والاعتبار .\r{ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } أي يخلفون من خلا قبلهم ويرثون ديارهم ، وإنما عدي يهد باللام لأنه بمعنى يبين . { أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } أن الشأن لو نشاء أصبناهم بجزاء ذنوبهم كما أصبنا من قبلهم ، وهو فاعل يهد ومن قرأه بالنون جعله مفعولاً . { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } عطف على ما دل عليه ، أو لم يهد أي يغفلون عن الهداية أو منقطع عنه بمعنى ونحن نطبع ، ولا يجوز عطفه على أصبناهم على أنه بمعنى وطبعنا لأنه في سياقه جواب لولا فضائه إلى نفي الطبع عنهم { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } سماع تفهم واعتبار .\r{ تِلْكَ القرى } يعني قرى الأمم المار ذكرهم . { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } حال إن جعل { القرى } خبراً وتكون إفادته بالتقييد بها ، وخبر إن جعلت صفة ويجوز أن يكونا خبرين و { مِنْ } للتبعيض أي نقص بعض أنبائها ، ولها أنباء غيرها لا نقصها . { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات . { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } عند مجيئهم بها . { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } بما كذبوه من قبل الرسل بل كانوا مستمرين على التكذيب ، أو فما كانوا ليؤمنوا مدة عمرهم بما كذبوا به أولاً حين جاءتهم الرسل ، ولم تؤثر فيهم قط دعوتهم المتطاولة والآيات المتتابعة ، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أنهم ما صلحوا للإِيمان لمنافاته لحالهم في التصميم على الكفر والطبع على قلوبهم . { كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } فلا تلين شكيمتهم بالآيات والنذر . { وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم } لأكثر الناس ، والآية اعتراض أو لأكثر الأمم المذكورين . { مِّنْ عَهْدٍ } من وفاء عهد ، فإن أكثرهم نقضوا ما عهد الله إليهم في الإِيمان والتقوى بإنزال الآيات ونصب الحجج ، أو ما عاهدوا إليه حين كانوا في ضرر مخافة مثل { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } { وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ } أي علمناهم . { لفاسقين } من وجدت زيداً إذا لحافظ لدخول أن المخففة واللام الفارقة ، وذلك لا يسوغ إلا في المبتدأ والخبر والأفعال الداخلة عليهما ، وعند الكوفيين إن للنفي واللام بمعنى إلا .\r{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى } الضمير للرسل في قوله : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } أو للأمم . { بئاياتنا } يعني المعجزات . { إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا } بأن كفروا بها مكان الإِيمان الذي هو من حقها لوضوحها ، ولهذا المعنى وضع ظلموا موضع كفروا . وفرعون لقب لمن ملك مصر ككسرى لمن ملك فارس وكان اسمه قابوس . وقيل الوليد بن مصعب بن الريان . { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } .\r{ وَقَالَ موسى يافرعون إِنّى رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } إليك ، وقوله :\r{ حَقِيقٌ عَلَي أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } لعله جواب لتكذيبه إياه في دعوى الرسالة ، وإنما لم يذكر لدلالة قوله { فَظَلَمُواْ بِهَا } عليه وكان أصله { حَقِيقٌ عَلَيَّ أَنْ لا أَقُولَ } كما قرأ نافع فقلب لأمن الإِلباس كقوله : وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر .","part":2,"page":297},{"id":798,"text":"أو لأن ما لزمك فقد لزمته ، أو للإغراق في الوصف بالصدق ، والمعنى أنه حق واجب على القول الحق أن أكون أنا قائله لا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به ، أو ضمن حقيق معنى حريص ، أو وضع على مكان الباء لإفادة التمكن كقولهم : رميت على القوس وجئت على حال حسنة ، ويؤيده قراءة أبي بالباء . وقرىء «حقيق أن لا أقول» بدون { على } . { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسراءيل } فخلهم حتى يرجعوا معي إلى الأرض المقدسة التي هي وطن آبائهم ، وكان قد استعبدهم واستخدمهم في الأعمال . { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِئَايَةٍ } من عند من أرسلك . { فَائْتِ بِهَا } فأحضرها عندي ليثبت بها صدقك . { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في الدعوى .","part":2,"page":298},{"id":799,"text":"{ فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان وهو الحية العظيمة . روي : أنه لما ألقاها صارت ثعباناً أشعر فاغراً فاه بين لحييه ثمانون ذراعاً ، وضع لحيه الأسفل على الأرض والأعلى على سور القصر . ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث ، وانهزم الناس مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون ألفاً ، وصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك خذه وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذه فعاد عصا .","part":2,"page":299},{"id":800,"text":"{ وَنَزَعَ يَدَهُ } من جيبه أو من تحت إبطه . { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } أي بيضاء بياضاً خارجاً عن العادة تجتمع عليها النظارة ، أو بيضاء للنظار لا أنها كانت بيضاء في جبلتها . روي : أنه عليه السلام كان آدم شديد الأدمة ، فأدخل يده في جيبه أو تحت إبطه ثم نزعها فإذا هي بيضاء نورانية غلب شعاعها شعاع الشمس .\r{ قَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } قيل قاله هو وأشراف قومه على سبيل التشاور في أمره ، فحكى عنه في سورة الشعراء وعنهم ها هنا .\r{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تشيرون في أن نفعل .\r{ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين } .\r{ يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } كأنه اتفقت عليه آراؤهم فأشاروا به على فرعون ، والإِرجاء التأخير أي أخر أمره ، وأصله أرجئه كما قرأ أبو عمرو وأبو بكر ويعقوب من أرجأت ، وكذلك «أرجئوه» على قراءة ابن كثير على الأصل في الضمير ، أو { أَرْجِهْ } من أرجيت كما قرأ نافع في رواية ورش وإسماعيل والكسائي ، وأما قراءته في رواية قالون { أَرْجِهْ } بحذف الياء فللاكتفاء بالكسرة عنها ، وأما قراءة حمزة وعاصم وحفص { أَرْجِهْ } بسكون الهاء فلتشبيه المنفصل بالمتصل وجعل جِه كابل في إسكان وسطه وأما قراءة ابن عامر برواية ابن ذكوان «أرجئه» بالهمزة وكسر الهاء فلا يرتضيه النحاة فإن الهاء لا تكسر إلا إذا كان قبلها كسرة أو ياء ساكنة ، ووجهه أن الهمزة لما كانت تقلب ياء أجريت مجراها . وقرأ حمزة والكسائي «بكل سحار» فيه وفي «يونس» ويؤيده اتفاقهم عليه في «الشعراء» .\r{ وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ } بعد ما أرسل الشرطة في طلبهم . { قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } استأنف به كأنه جواب سائل قال : ما قَالُوا إذ جاؤوا؟ وقرأ ابن كثير ونافع وحفص عن عاصم { إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } على الإِخبار وإيجاب الأجر كأنهم قالوا لا بد لنا من أجر ، والتنكير للتعظيم .\r{ قَالَ نَعَمْ } إن لكم لأجراً . { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } عطف على ما سد مسده { نِعْمَ } وزيادة على الجواب لتحريضهم .\r{ قَالُواْ يَا موسى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } خيروا موسى مراعاة للأدب أو إظهاراً للجلادة ، ولكن كانت رغبتهم في أن يلقوا قبله فنبهوا عليها بتغيير النظم إلى ما هو أبلغ وتعريف الخبر وتوسيط الفصل أو تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل فلذلك :\r{ قَالَ بَلْ أَلْقُوا } كرماً وتسامحاً ، أو ازدراء بهم ووثوقاً على شأنه . { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } بأن خيلوا إليها ما الحقيقة بخلافه . { واسترهبوهم } وأرهبوهم إرهاباً شديداً كأنهم طلبوا رهبتهم . { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في فنه . روي أنهم ألقوا حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً كأنها حيات ملأت الوادي ، وركب بعضها بعضاً .\r{ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } فألقاها فصارت حية .","part":2,"page":300},{"id":801,"text":"{ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } أي ما يزورونه من الإِفك ، وهو الصرف وقلب الشيء عن وجهه ، ويجوز أن تكون ما مصدرية وهي مع الفعل بمعنى المفعول . روي : أنها لما تلقفت حبالهم وعصيهم وابتلعتها بأسرها أقبلت على الحاضرين فهربوا وازدحموا حتى هلك جمع عظيم ، ثم أخذها موسى فصارت عصاً كما كانت فقال السحرة : لو كان هذا سحراً لبقيت حبالنا وعصينا . وقرأ حفص عن عاصم { تَلْقَفْ } ها هنا وفي «طه» و «الشعراء» .\r{ فَوَقَعَ الحق } فثبت لظهور أمره . { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من السحر والمعارضة .\r{ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وانقلبوا صاغرين } أي صاروا أذلاء مبهوتين ، أو رجعوا إلى المدينة أذلاء مقهورين ، والضمير لفرعون وقومه .\r{ وَأُلْقِيَ السحرة ساجدين } جعلهم ملقين على وجوههم تنبيهاً على أن الحق بهرهم واضطرهم إلى السجود بحيث لم يبق لهم تمالك ، أو أن الله ألهمهم ذلك وحملهم عليه حتى ينكسر فرعون بالذين أراد بهم كسر موسى وينقلب الأمر عليه ، أو مبالغة في سرعة خرورهم وشدته .\r{ قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين } .\r{ رَبّ موسى وهارون } أبدلوا الثاني من الأول لئلا يتوهم أنهم أرادوا به فرعون .\r{ قَالَ فِرْعَوْنُ ءامَنتُمْ بِهِ } بالله أو بموسى ، والاستفهام فيه للإِنكار . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وروح عن يعقوب وهشام بتحقيق الهمزتين على الأصل . وقرأ حفص { آمنتم به } على الإِخبار ، وقرأ قنبل { قَالَ فِرْعَوْنُ } ، و «آمنتم» يبدل في حال الوصل من همزة الاستفهام بهمزة ومدة مطولة في تقدير ألفين في طه على الخبر بهمزة وألف وقرأ في الشعراء على الاستفهام بهمزة ومدة مطولة في تقدير ألفين وقرأ الباقون بتحقيق الهمزة الأولى وتليين الثانية . { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ } أي إن هذا الصنيع لحيلة احتلتموها أنتم وموسى . { فِى المدينة } في مصر قبل أن تخرجوا للميعاد . { لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } يعنى القبط وتخلص لكم ولبني إسرائيل . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة ما فعلتم ، وهو تهديد مجمل تفصيله :\r{ لأُقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } من كل شق طرفاً . { ثُمَّ لأُصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } تفضيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم . قيل إنه أول من سن ذلك فشرعه الله للقطاع تعظمياً لجرمهم ولذلك سماه محاربة لله ورسوله ، ولكن على التعاقب لفرط رحمته .","part":2,"page":301},{"id":802,"text":"{ قَالُواْ إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } بالموت لا محالة فلا نبالي بوعيدك ، أو إنا منقلبون إلى ربنا وثوابه إن فعلت بنا ذلك ، كأنهم استطابوه شغفاً على لقاء الله ، أو مصيرنا ومصيرك إلى ربنا فيحكم بيننا .","part":2,"page":302},{"id":803,"text":"{ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا } وما تنكر منا . { إِلا أَنْ ءامَنَّا بئايات رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا } وهو خير الأعمال وأصل المناقب ليس مما يتأتى لنا العدول عنه طلباً لمرضاتك ، ثم فزعوا إلى الله سبحانه وتعالى فقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أفض علينا صبراً يغمرنا كما يفرغ الماء ، أو صب علينا ما يطهرنا من الآثام وهو الصبر على وعيد فرعون . { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ثابتين على الإِسلام . قيل إنه فعل بهم ما أوعدهم به . وقيل إنه لم يقدر عليهم لقوله تعالى : { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون . }","part":2,"page":303},{"id":804,"text":"{ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الأرض } بتغيير الناس عليك ودعوتهم إلى مخالفتك . { وَيَذَرَكَ } عطف على يفسدوا ، أو جواب الاستفهام بالواو كقول الحطيئة :\rأَلَمْ أَكُ جَارَكُم وَيَكُونُ بَيْني ... وَبَيْنَكُمْ المَوَدَّةُ وَالإِخَاءُ\rعلى معنى أيكون منك ترك موسى ويكون منه تركه إياك . وقرىء بالرفع على أنه عطف على أتذر أو استئناف أو حال . وقرىء بالسكون كأنه قيل : يفسدوا ويذرك كقوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } { وَءالِهَتَكَ } معبوداتك قيل كان يعبد الكواكب . وقيل صنع لقومه أصناماً وأمرهم أن يعبدوها تقرباً إليه ولذلك قال : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } وقرىء «إلا هتك» أي عبادتك . { قَالَ } فرعون { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ } كما كنا نفعل من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده . وقرأ ابن كثير ونافع \" سنقتل \" بالتخفيف . { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } غالبون وهم مقهورون تحت أيدينا .","part":2,"page":304},{"id":805,"text":"{ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ استعينوا بالله واصبروا } لما سمعوا قول فرعون وتضجروا منه تسكيناً لهم . { إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } تسلية لهم وتقرير للأمر بالاستعانة بالله والتثبت في الأمر . { والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } وعد لهم بالنصرة وتذكير لما وعدهم من إهلاك القبط وتوريثهم ديارهم وتحقيق له . وقرىء و { العاقبة } بالنصب عطف على اسم إن واللام في { الأرض } تحتمل العهد والجنس .","part":2,"page":305},{"id":806,"text":"{ قَالُواْ } أي بنو إسرائيل . { أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا } بالرسالة بقتل الأبناء { وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } بإعادته . { قَالَ عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الأرض } تصريحاً لما كنى عنه أولاً لما رأى أنهم لم يتسلوا بذلك ، ولعله أتى بفعل الطمع لعدم جزمه بأنهم المستخلفون بأعيانهم أو أولادهم . وقد روي أن مصر إنما فتح لهم في زمن داود عليه السلام . { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فيرى ما تعملون من شكر وكفران وطاعة وعصيان فيجازيكم على حسب ما يوجد منكم .","part":2,"page":306},{"id":807,"text":"{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } بالجدوب لقلة الأمطار والمياه ، والسنة غلبت على عام القحط لكثرة ما يذكر عنه ويؤرخ به ، ثم اشتق منها فقيل أسنت القوم إذا قحطوا . { وَنَقْصٍ مّن الثمرات } بكثرة العاهات . { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لكي يتنبهوا على أن ذلك بشؤم كفرهم ومعاصيهم فيتعظوا ، أو ترق قلوبهم بالشدائد فيفزعوا إلى الله ويرغبوا فيما عنده .","part":2,"page":307},{"id":808,"text":"{ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } من الخصب والسعة . { قَالُواْ لَنَا هذه } لأجلنا ونحن مستحقوها . { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } جدب وبلاء . { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } يتشاءموا بهم ويقولوا : ما أصابتنا إلا بشؤمهم ، وهذا إغراق في وصفهم بالغباوة والقساوة ، فإن الشدائد ترقق القلوب وتذلل العرائك وتزيل التماسك سيما بعد مشاهدة الآيات ، وهم لم تؤثر فيهم بل زادوا عندها عتواً وانهماكاً في الغي ، وإنما عرف الحسنة وذكرها مع أداة التحقيق لكثرة وقوعها ، وتعلق الإرادة بإحداثها بالذات ونكر السيئة ، وأتى بها مع حرف الشك لندورها وعدم القصد لها إلا بالتبع . { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله } أي سبب خيرهم وشرهم عنده وهو حكمته ومشيئته ، أو سبب شؤمهم عند الله وهو أعمالهم المكتوبة عنده ، فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم . وقرىء «إنما طيرهم» وهو اسم الجمع وقيل هو جمع . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ما يصيبهم من الله تعالى أو من شؤم أعمالهم .","part":2,"page":308},{"id":809,"text":"{ وَقَالُواْ مَهْمَا } أصلها ما الشرطية ضمت إليها ما المزيدة للتأكيد ، ثم قلبت ألفها هاء استثقالاً للتكرير . وقيل مركبة من مه الذي يصوت به الكاف وما الجزائية ومحلها الرفع على الابتداء أو النصب بفعل يفسره . { تَأْتِنَا بِهِ } أي أيما شيء تحضرنا تأتنا به . { مّنْ ءايَةٍ } بيان لمهما ، وإنما سموها آية على زعم موسى لا لاعتقادهم ولذلك قالوا : { لّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } أي لتسحر بها أعيننا وتشبه علينا ، والضمير في به وبها لمهما ذكره قبل التبيين باعتبار اللفظ وأنثه بعده باعتبار المعنى .","part":2,"page":309},{"id":810,"text":"{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطوفان } ماء طاف بهم وغشي أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل . وقيل الجدري . وقيل الموتان . وقيل الطاعون . { والجراد والقمل } قيل هو كبار القردان ، وقيل أولاد الجراد قبل نبات أجنحتها . { والضفادع والدم } روي : أنهم مطروا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يقدر أحد أن يخرج من بيته ، ودخل الماء بيوتهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ، وكانت بيوت بني إسرائيل مشتبكة ببيوتهم فلم يدخل فيها قطرة ، وركد على أراضيهم فمنعهم من الحرث والتصرف فيها ، ودام ذلك عليهم أسبوعاً فقالوا لموسى : ادع لنا ربك يكشف عنا ونحن نؤمن بك ، فدعا الله فكشف عنهم ونبت لهم من الكلأ والزرع ما لم يعهد مثله ولم يؤمنوا ، فبعث الله عليهم الجراد فأكلت زروعهم وثمارهم ، ثم أخذت تأكل الأبواب والسقوف والثياب ففزعوا إليه ثانياً فدعا وخرج إلى الصحراء ، وأشار بعصاه نحو المشرق والمغرب فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا ، فسلط الله عليهم القمل فأكل ما أبقاه الجراد وكان يقع في أطعمتهم ويدخل بين أثوابهم وجلودهم فيمصها ، ففزعوا إليه فرفع عنهم فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحر ، ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوب ولا طعام إلا وجدت فيه ، وكانت تمتلىء منها مضاجعهم وتثب إلى قدورهم وهي تغلي ، وأفواههم عند التكلم ففزعوا إليه وتضرعوا ، فأخذ عليهم العهود ودعا فكشف الله عنهم ثم نقضوا العهود ، ثم أرسل عليهم الدم فصارت مياههم دماً حتى كان يجتمع القبطي مع الإسرائيلي على إناء فيكون ما يلي القبطي دماً وما يلي الإسرائيلي ماء ، ويمص الماء من فم الإِسرائيلي فيصير دماً في فيه . وقيل سلط الله عليهم الرعاف . { ءايات } نصب على الحال . { مّفَصَّلاَتٍ } مبينات لا تشكل على عاقل أنها آيات الله ونقمته عليهم ، أو مفصلات لامتحان أحوالهم إذ كان بين كل اثنتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة أسبوعاً ، وقيل إن موسى لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل . { فاستكبروا } عن الإِيمان . { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } .","part":2,"page":310},{"id":811,"text":"{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } يعني العذاب المفصل ، أو الطاعون الذي أرسله الله عليهم بعد ذلك . { قَالُواْ يَا موسىدع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } بعهده عندك وهو النبوة ، أو بالذي عهده إليك أن تدعوه به فيجيبك كما أجابك في آياتك ، وهو صلة لادع أو حال من الضمير فيه بمعنى ادع الله متوسلاً إليه بما عهد عنك ، أو متعلق بفعل محذوف دل عليه التماسهم مثل اسعفنا إلى ما نطلب منك بحق ما عهد عندك أو قسم مجاب بقوله : { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل } أي أقسمنا بعهد الله عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن ولنرسلن .","part":2,"page":311},{"id":812,"text":"{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } إلى حد من الزمان هم بالغوه فمعذبون فيه أو مهلكون ، وهو وقت الغرق أو الموت . وقيل إلى أجل عينوه لإِيمانهم . { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } جواب لما أي فلما كشفنا عنهم فاجؤوا النكث من غير تأمل وتوقف فيه .","part":2,"page":312},{"id":813,"text":"{ فانتقمنا مِنْهُمْ } فأردنا الانتقام منهم . { فأغرقناهم فِي اليم } أي البحر الذي لا يدرك قعره . وقيل لجته . { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } أي كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بالآيات وعدم فكرهم فيها حتى صاروا كالغافلين عنها . وقيل الضمير للنقمة المدلول عليها بقوله : { فانتقمنا مِنْهُمْ } .","part":2,"page":313},{"id":814,"text":"{ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } بالاستبعاد وذبح الأبناء من مستضعفيهم . { مشارق الأرض ومغاربها } يعني أرض الشام ملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتمكنوا في نواحيها . { التى بَارَكْنَا فِيهَا } بالخصب وسعة العيش . { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إِسْرءيلَ } ومضت عليهم واتصلت بالانجاز عدته إياهم بالنصرة والتمكين وهو قوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ } إلى قوله : { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } وقرىء «كلمات ربك» لتعدد المواعيد { بِمَا صَبَرُواْ } بسبب صبرهم على الشدائد . { وَدَمَّرْنَا } وخربنا . { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من القصور والعمارات . { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } من الجنات أو ما كانوا يرفعون من البنيان كصرح هامان وقرأ ابن عامر وأبو بكر هنا وفي «النحل» { يَعْرِشُونَ } بالضم . وهذا آخر قصة فرعون وقومه .\rوقوله : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } وَمَا بعده ذكر ما أحدثه بنو إسرائيل من الأمور الشنيعة بعد أن مَنَّ الله عليهم بالنعم الجسام ، وأراهم من الآيات العظام تسلية لرسول الله A مما رأى منهم ، وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفلوا عن محاسبة أنفسهم ومراقبة أحوالهم . روي : أن موسى E عبر بهم يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصاموه شكراً . { فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ } فمروا عليهم . { يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } يقيمون على عبادتها ، قيل كانت تماثيل بقر وذلك أول شأن العجل ، والقوم كانوا من العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم . وقيل من لخم ، وقرأ حمزة والكسائي { يعكفون } بالكسر . { قَالُواْ يَا موسى اجعل لَّنَا إلها } مثالاً نعبده . { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } يعبدونها ، وما كافة للكاف . { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } وصفهم بالجهل المطلق وأكده لبعد ما صدر عنهم بعد ما رأوا من الآيات الكبرى عن العقل .\r{ إِنَّ هَؤُلآء } إشارة إلى القوم . { مُتَبَّرٌ } مكسر مدمر . { مَّا هُمْ فِيهِ } يعني أن الله يهدم دينهم الذي هم عليه ويحطم أصنامهم ويجعلها رضاضاً { وباطل } مضمحل . { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من عبادتها وإن قصدوا بها التقرب إلى الله تعالى ، وإنما بالغ في هذا الكلام بإيقاع { هَؤُلاء } اسم { إن } والإِخبار عما هم فيه بالتبار وعما فعلوا بالبطلان ، وتقديم الخبرين في الجملتين الواقعتين خبراً لأن للتنبيه على أن الدمار لاحق لما هم فيه لا محالة ، وأن الإِحباط الكلي لازب لما مضى عنهم تنفيراً وتحذيراً عما طلبوا .\r{ قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها } أطلب لكم معبوداً . { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } والحال أنه خصكم بنعم لم يعطها غيركم ، وفيه تنبيه على سوء معاملتهم حيث قابلوا تخصيص الله إياهم من أمثالهم لما لم يستحقوه تفضلاً بأن قصدوا أن يشركوا به أخس شيء من مخلوقاته .","part":2,"page":314},{"id":815,"text":"{ وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } واذكروا صنيعه معكم في هذا الوقت . وقرأ ابن عامر «أنجاكم» . { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } استئناف لبيان ما أنجاهم منه ، أو حال من المخاطبين ، أو من آل فرعون أو منهما . { يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } بدل منه مبين . { وَفِى ذلكم بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } وفي الإِنجاء أو العذاب نعمة أو محنة عظيمة .","part":2,"page":315},{"id":816,"text":"{ وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً } ذا القعدة ، وقرأ أبو عمرو ويعقوب «ووعدنا» . { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } من ذي الحجة . { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } بالغاً أربعين . روي : أنه E وعد بني إسرائيل بمصر أن يأتيهم بعد مهلك فرعون بكتاب من الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون ، فلما هلك فرعون سأل ربه فأمره الله بصوم ثلاثين ، فلما أتم أنكر خلوف فيه فتسوك ، فقالت الملائكة كنا نشم منك رائحة المسك فأفسدته بالسواك ، فأمره الله تعالى أن يزيد عليها عشراً . وقيل أمره بأن يتخلى ثلاثين بالصوم والعبادة ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها . { وَقَالَ موسى لأَخِيهِ هارون اخلفنى فِى قَوْمِى } كن خليفتي فيهم . { وَأَصْلَحَ } ما يجب أن يصلح من أمورهم أو كن مصلحاً . { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } ولا تتبع من سلك الإِفساد ولا تطع من دعاك إليه .","part":2,"page":316},{"id":817,"text":"{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتناه ، واللام للاختصاص أي اختص مجيئه لميقاتنا . { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير وسيط كما يكلم الملائكة ، وفيما روي : أن موسى E كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة تنبيه على أن سماع كلامه القديم ليس من جنس كلام المحدثين . { قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أرني نفسك بأن تمكنني من رؤيتك ، أو تتجلى لي فأنظر إليك وأراك . وهو دليل على أن رؤيته تعالى جائزة في الجملة لأن طلب المستحيل من الأنبياء محال ، وخصوصاً ما يقتضي الجهل بالله ولذلك رده بقوله تعالى : { لَن تَرَانِى } دون لن أرى أو لن أريك أو لن تنظر إليَّ ، تنبيهاً على أنه قاصر عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي لم يوجد فيه بعد ، وجعل السؤال لتبكيت قومه الذين قالوا : { أَرِنَا الله جَهْرَةً } خطأ إذ لو كانت الرؤية ممتنعة لوجب أن يجهلهم ويزيح شبهتهم كما فعل بهم حين قالوا : { اجعل لَّنَا إلها } ولا يتبع سبيلهم كما قال لأخيه { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } والاستدلال بالجواب على استحالتها أشد خطأ إذ لا يدل الإِخبار عن عدم رؤيته إياه على أن لا يراه أبداً وأن لا يراه غيره أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالتها ودعوى الضرورة فيه مكابرة أو جهالة بحقيقة الرؤية . { قَالَ لَن تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } استدراك يريد أن يبين به أنه لا يطيقه ، وفي تعليق الرؤية بالاستقرار أيضاً دليل على الجواز ضرورة أن المعلق على الممكن ممكن ، والجبل قيل هو جبل زبير . { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } ظهر له عظمته وتصدى له اقتداره وأمره . وقيل أعطى له حياة ورؤية حتى رآه . { جَعَلَهُ دَكّا } مدكوكاً مفتتاً والدك والدق أخوان كالشك والشق ، وقرأ حمزة والكسائي «دكاء» أي أرضاً مستوية ومنه ناقة دكاء التي لا سنام لها . وقرىء { دَكّاً } أي قطعاً جمع دكاء . { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } مغشياً عليه من هول ما رأى . { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ } تعظيماً لما رأى . { سبحانك تُبْتُ إِلَيْكَ } من الجراءة والإِقدام على السؤال من غير إذن . { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } مر تفسيره . وقيل معناه أنا أول من آمن بأنك لا ترى في الدنيا .","part":2,"page":317},{"id":818,"text":"{ قَالَ يَا موسى إِنّى اصطفيتك } اخترتك . { عَلَى الناس } أي الموجودين في زمانك ، وهارون وإن كان نبياً كان مأموراً باتباعه ولم يكن كليماً ولا صاحب شرع . { برسالاتي } يعني أسفار التوراة وقرأ ابن كثير ونافع «برسالتي» . { وبكلامي } وبتكليمي إياك . { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } أعطيتك من الرسالة . { وَكُنْ مّنَ الشاكرين } على النعمة فيه . روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة ، وإعطاء التوراة كان يوم النحر .","part":2,"page":318},{"id":819,"text":"{ وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الألواح مِن كُلّ شَىْء } مما يحتاجون إليه من أمر الدين . { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } بدل من الجار والمجرور ، أي وكتبنا له كل شيء من المواعظ وتفصيل الأحكام . واختلف في أن الألواح كانت عشرة أو سبعة ، وكانت من زمرد أو زبرجد ، أو ياقوت أحمر أو صخرة صماء لينها الله لموسى فقطعها بيده وسقفها بأصابعه وكان فيها التوراة أو غيرها . { فَخُذْهَا } على إضمار القول عطفاً على كتبنا أو بدل من قوله : { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } والهاء للألواح أو لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء أو للرسالات . { بِقُوَّةٍ } بجد وعزيمة . { وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي بأحسن ما فيها كالصبر والعفو بالإضافة إلى الانتصار ، والاقتصاص على طريقة الندب والحث على الأفضل كقوله تعالى : { واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } أو بواجباتها فإن الواجب أحسن من غيره ، ويجوز أن يراد بالأحسن البالغ في الحسن مطلقاً لا بالإضافة ، وهو المأمور به كقولهم الصيف أحر من الشتاء . { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } دار فرعون وقومه بمصر خاوية على عروشها ، أو منازل عاد وثمود وأضرابهم لتعتبروا فلا تفسقوا ، أو دارهم في الآخرة وهي جهنم . وقرىء سأوريكم بمعنى سأبين لكم من أوريت الزند وسأورثكم ، ويؤيده قوله : { وَأَوْرَثْنَا القوم } { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } المنصوبة في الآفاق والأنفس . { الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرض } بالطبع على قلوبهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها . وقيل سأصرفهم عن ابطالها وإن اجتهدوا كما فعل فرعون فعاد عليه بإعلائها أو بإهلاكهم . { بِغَيْرِ الحق } صلة يتكبرون أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينهم الباطل ، أو حال من فاعله . { وَإِنْ يَرَوا كُلَّ آيَةٍ } منزلَة أو معجزة . { لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا } لعنادهم واختلال عقولهم بسبب انهماكهم في الهوى والتقليد وهو يؤيد الوجه الأول . { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } لاستيلاء الشيطنة عليهم . وقرأ حمزة والكسائي \" الرَّشَد \" بفتحتين وقرىء «الرشاد» وثلاثتها لغات كالسقم والسقم والسقام ، { وَإِنْ يَرَوا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ } أي ذلك الصرف بسبب تكذيبهم وعدم تدبرهم للآيات ، ويجوز أن ينصب ذلك على المصدر أي سأصرف ذلك الصرف بسببهما .\r{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الأخرة } أي ولقائهم الدار الآخرة ، أو ما وعد الله في الدار الآخرة . { حَبِطَتْ أعمالهم } لا ينتفعون بها . { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إلا جزاء أعمالهم .\r{ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ } من بعد ذهابه للميقات . { مِنْ حُلِيّهِمْ } التي استعاروا من القبط حين هموا بالخروج من مصر ، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو ملكوها بعد هلاكهم . وهو جمع حلي كثدي وثدي . وقرأ حمزة والكسائي بالكسر بالاتباع كدلي ويعقوب على الإِفراد . { عِجْلاً جَسَداً } بدنا ذا لحم ودم ، أو جسداً من الذهب خالياً من الروح ونصبه على البدل .","part":2,"page":319},{"id":820,"text":"{ لَّهُ خُوَارٌ } صوت البقر . روي أن السامري لما صاغ العجل ألقى في فمه من تراب أثر فرس جبريل فصار حياً . وقيل صاغه بنوع من الحيل فتدخل الريح جوفه وتصوت ، وإنما نسب الاتخاذ إليهم وهو فعله إما لأنهم رضوا به أو لأن المراد اتخاذهم إياه إلهاً . وقرىء «جؤار» أي صياح . { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } تقريع على فرط ضلالتهم وإخلالهم بالنظر ، والمعنى ألم يروا حين اتخذوه إلهاً أنه لا يقدر على كلام ولا على إرشاد سبيل كآحاد البشر حتى حسبوا أنه خالق الأجسام والقوى والقدر . { اتخذوه } تكرير للذم أي اتخذوه إلهاً . { وَكَانُواْ ظالمين } واضعين الأشياء في غير مواضعها فلم يكن اتخاذ العجل بدعاً منهم .\r{ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } كناية عن اشتداد ندمهم فإن النادم المتحسر يعض يده غماً فتصير يده مسقوطاً فيها . وقرىء { سُقِطَ } على بناء الفعل للفاعل بمعنى وقع العض فيها . وقيل معناه سقط الندم في أنفسهم . { وَرَأَوُاْ } وعلموا . { أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } باتخاذ العجل . { قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } بإنزال التوراة . { وَيَغْفِرْ لَنَا } بالتجاوز عن الخطيئة . { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } وقرأهما حمزة والكسائي بالتاء و { رَبَّنَا } على النداء .","part":2,"page":320},{"id":821,"text":"{ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غضبان أَسِفًا } شديد الغضب وقيل حزيناً . { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } فعلتم بعدي حيث عبدتم العجل ، والخطاب للعبدة أو أقمتم مقامي فلم تكفوا العبدة والخطاب لهارون والمؤمنين معه! وما نكرة موصوفة تفسر المستكن في بئس والمخصوص بالذم محذوف تقديره بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم ، ومعنى من بعدي من بعد انطلاقي ، أو من بعد ما رأيتم مني من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه . { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } أتركتموه غير تام ، كأنه ضمن عجل معنى سبق فعدى تعديته ، أو أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدرتم موتي وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم . { وَأَلْقَى الألواح } طرحها من شدة الغضب وفرط الضجر حمية للدين . روي : أن التوراة كانت سبعة أسباع في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفع ستة أسباعها وكان فيها تفصيل كل شيء وبقي سبع كان فيه المواعظ والأحكام . { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } بشعر رأسه . { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } توهماً بأنه قصر في كفهم ، وهارون كان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولاً ليناً ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل . { قَالَ ابن أُمَّ } ذكر الأم ليرققه عليه وكانا من أب وأم . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم هنا وفي «طه» «يا ابن أم» بالكسر وأصله يا ابن أمي فحذفت الياء اكتفاء بالكسرة تخفيفاً كالمنادى المضاف إلى الياء ، والباقون بالفتح زيادة في التخفيف لطوله أو تشبيهاً بخمسة عشر . { إِنَّ القوم استضعفونى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } إزاحة لتوهم التقصير في حقه ، والمعنى بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي . { فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الأعداء } فلا تفعل بي ما يشمتون بي لأجله . { وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين } معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة أو نسبة التقصير .","part":2,"page":321},{"id":822,"text":"{ قَالَ رَبّ اغفر لِى } بما صنعت بأخي . { وَلأَخِى } إن فرط في كفهم ضمه إلى نفسه في الاستغفار ترضية له ودفعاً للشماتة عنه . { وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } بمزيد الإِنعام علينا . { وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين } فأنت أرحم بنا منا على أنفسنا .","part":2,"page":322},{"id":823,"text":"{ إِنَّ الذين اتخذوا العجل سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } وهو ما أمرهم به من قتل أنفسهم . { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } وهي خروجهم من ديارهم . وقيل الجزية . { وكذلك نَجْزِى المفترين } على الله ولا فرية أعظم من فريتهم وهي قولهم هذا إلهكم وإله موسى ، ولعله لم يفتر مثلها أحد قبلهم ولا بعدهم .","part":2,"page":323},{"id":824,"text":"{ والذين عَمِلُواْ السيئات } من الكفر والمعاصي . { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا } من بعد السيئات . { وَءامَنُواْ } واشتغلوا بالإِيمان وما هو مقتضاه من الأعمال الصالحة . { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة . { لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وإن عظم الذنب كجريمة عبدة العجل وكثر كجرائم بني إسرائيل .","part":2,"page":324},{"id":825,"text":"{ وَلَمَّا سَكَتَ } سكن وقد قرىء به . { عَن مُّوسَى الغضب } باعتذار هارون ، أو بتوبتهم وفي هذا الكلام مبالغة وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالأمر به والمغري عليه حتى عبر عن سكونه بالسكوت . وقرىء { سَكَتَ } و «أسكت» على أن المسكت هو الله أو أخوه أو الذين تابوا . { أَخَذَ الألواح } التي ألقاها . { وَفِى نُسْخَتِهَا } وفيما نسخ فيها أي كتب ، فعلة بمعنى مفعول كالخطبة وقيل فيما نسخ منها من الألواح المنكسرة . { هُدًى } بيان للحق . { وَرَحْمَةً } إرشاد إلى الصلاح والخير . { لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } دخلت اللام على المفعول لضعف الفعل بالتأخير ، أو حذف المفعول واللام للتعليل والتقدير يرهبون معاصي الله لربهم .","part":2,"page":325},{"id":826,"text":"{ واختار موسى قَوْمَهُ } أي من قومه فحذف الجار وأوصل الفعل إليه { سَبْعِينَ رَجُلاً لميقاتنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة } روي أنه تعالى أمره أن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل ، فاختار من كل سبط ستة فزاد اثنان فقال : ليتخلف منكم رجلان فتشاجروا فقال : إن لمن قعد أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع وذهب مع الباقين ، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجداً ، فسمعوه تعالى يكلم موسى يأمره وينهاه ، ثم انكشف الغمام فأقبلوا إليه وقالوا : { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } فأخذتهم الرجفة أي الصاعقة ، أو رجفة الجبل فصعقوا منها . { قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ وإياى } تمنى هلاكهم وهلاكه ، قبل أن يرى ما رأى أو بسبب آخر ، أو عنى به أنك قدرت على إهلاكهم قبل ذلك بحمل فرعون على إهلاكهم وبإغراقهم في البحر وغيرهما فترحمت عليهم بالانقاذ منها فإن ترحمت عليهم مرة أخرى لم يبعد من عميم إحسانك . { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } من العناد والتجاسر على طلب الرؤية ، وكان ذلك قاله بعضهم . وقيل المراد بما فعل السفهاء عبادة العجل ، والسبعون اختارهم موسى لميقات التوبة عنها فغشيتهم هيبة قلقوا منها ورجفوا حتى كادت تبين مفاصلهم ، وأشرفوا على الهلاك فخاف عليهم موسى فبكى ودعا فكشفها الله عنهم . { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك حتى طمعوا في الرؤية ، أو أوجدت في العجل خواراً فزاغوا به . { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء } ضلاله بالتجاوز عن حده أو باتباع المخايل . { وَتَهْدِى مَن تَشَاء } هداه فيقوى بها إيمانه . { أَنتَ وَلِيُّنَا } القائم بأمرنا . { فاغفر لَنَا } بمغفرة ما قارفنا . { وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة .\r{ واكتب لَنَا فِى هذه الدنيا حَسَنَةً } حسن معيشة وتوفيق طاعة . { وَفِي الاخرة } الجنة . { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } تبنا إليك من هاد يهود إذا رجع . وقرىء بالكسر من هاده يهيده إذا أماله ، ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل وللمفعول بمعنى أملنا أنفسنا وأملنا إليك ، ويجوز أن يكون المضموم أيضاً مبنياً للمفعول منه على لغة من يقول عود المريض . { قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } تعذيبه . { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } في الدنيا المؤمن والكافر بل المكلف وغيره . { فَسَأَكْتُبُهَا } فسأثبتها في الآخرة ، أو فسأكتبها كتبة خاصة منكم يا بني إسرائيل . { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } الكفر والمعاصي . { وَيُؤْتُونَ الزكواة } خصها بالذكر لإنافتها ولأنها كانت أشق عليهم . { والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ } فلا يكفرون بشيء منها .\r{ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبى } مبتدأ خبره يأمرهم ، أو خبر مبتدأ تقديره هم الذين ، أو بدل من الذين يتقون بدل البعض أو الكل ، والمراد من آمن منهم بمحمد A وإنما سماه رسولاً بالإِضافة إلى الله تعالى ونبياً بالإِضافة إلى العباد .","part":2,"page":326},{"id":827,"text":"{ الأمى } الذي لا يكتب ولا يقرأ ، وصفه به تنبيهاً على أن كمال علمه مع حاله إحدى معجزاته . { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى التوراة والإنجيل } اسماً وصفة . { يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات } مما حرم عليهم كالشحوم . { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث } كالدم ولحم الخنزير أو كالربا والرشوة . { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة كتعيين القصاص في العمد والخطأ ، وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض موضع النجاسة ، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه من الحراك لثقله . وقرأ ابن عامر «آصارهم» . { فالذين ءامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ } وعظموه بالتقوية . وقرىء بالتخفيف وأصله المنع ومنه التعزير . { وَنَصَرُوهُ } لي . { واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ } أي مع نبوته يعني القرآن ، وإنما سماه نوراً لأنه بإعجازه ظاهر أمره مظهر غيره ، أو لأنه كاشف الحقائق مظهر لها ، ويجوز أن يكون معه متعلقاً باتبعوا أي واتبعوا النور المنزل مع اتباع النبي فيكون إشارة إلى اتباع الكتاب والسنة . { أُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } الفائزون بالرحمة الأبدية ، ومضمون الآية جواب دعاء موسى A .\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } الخطاب عام ، كان رسول الله A مبعوثاً إلى كافة الثقلين ، وسائر الرسل إلى أقوامهم . { جَمِيعاً } حال من إليكم . { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } صفة لله وإن حيل بينهما بما هو متعلق المضاف إليه لأنه كالتقدم عليه ، أو مدح منصوب أو مرفوع ، أو مبتدأ خبره { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وهو على الوجوه . الأول بيان لما قبله فإن من ملك العالم كان هو الإِله لا غيره وفي : { يُحْيِي وَيُمِيْتُ } مزيد تقرير لاختصاصه بالألوهية . { فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِي الأُمِّي الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ } ما أنزل عليه وعلى سائر الرسل من كتبه ووحيه . وقرىء «وكلمته» على إرادة الجنس أو القرآن ، أو عيسى تعريضًا لليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يعتبر إيمانه ، وإنما عدل عن التكلم إلى الغيبة لإجراء هذه الصفات الداعية إلى الإيمان به والاتباع له . { واتبعوه لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } جعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين تنبيهاً على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو يعد في خطط الضلالة .\r{ وَمِن قَوْمِ مُوسَى } يعنى من بني إسرائيل . { أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } يهدون الناس محقين أو بكلمة الحق . { وَبِهِ } بالحق . { يَعْدِلُونَ } بينهم في الحكم والمراد بها الثابتون على الإِيمان القائمون بالحق من أهل زمانه ، أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر . وقيل مؤمنو أهل الكتاب . وقيل قوم وراء الصين رآهم رسول الله A ليلة المعراج فآمنوا به .\r{ وقطعناهم } وصيرناهم قطعاً متميزاً بعضهم عن بعض .","part":2,"page":327},{"id":828,"text":"{ اثنتى عَشْرَةَ } مفعول ثان لقطع فإنه متضمن معنى صير ، أو حال وتأنيثه للحمل على الأمة أو القطعة . { أَسْبَاطًا } بدل منه ولذلك جمع ، أو تمييز له على أن كل واحد من اثنتي عشرة أسباط فكأنه قيل : اثنتي عشرة قبيلة . وقرىء بكسر الشين وإسكانها . { أُمَمًا } على الأول بدل بعد بدل ، أو نعت أسباط وعلى الثاني بدل من أسباط . { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ } في التيه . { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانبجست } أي فضرب فانبجست وحذفه للإِيماء على أن موسى A لم يتوقف في الامتثال ، وأن ضربه لم يكن مؤثراً يتوقف عليه الفعل في ذاته { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كل سبط . { مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام } ليقيهم حر الشمس . { وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى كُلُواْ } أي وقلنا لهم كلوا . { مِن طيبات مَا رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } سبق تفسيره في سورة «البقرة» .","part":2,"page":328},{"id":829,"text":"{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسكنوا هذه القرية } بإضمار اذكروا لقرية بيت المقدس . { وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وادخلوا الباب سُجَّدًا } مثل ما في سورة «البقرة» معنى غير أن قوله { فَكُلُواْ } فيها بالفاء أفاد تسبب سكناهم للأكل منها ، ولم يتعرض له ها هنا اكتفاء بذكره ثمة ، أو بدلالة الحال عليه وأما تقديم قوله قولوا على وادخلوا فلا أثر له في المعنى لأنه لا يوجب الترتيب وكذا الواو العاطفة بينهما . { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم سَنَزِيدُ المحسنين } وعد بالغفران والزيادة عليه بالإثابة ، وإنما أخرج الثاني مخرج الاستئناف للدلالة على أنه تفضل محض ليس في مقابلة ما أمروا به . وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب «تغفر» بالتاء والبناء للمفعول ، و { خطيئاتكم } بالجمع والرفع غير ابن عامر فإنه وحد وقرأ أبو عمرو «خطاياكم» .","part":2,"page":329},{"id":830,"text":"{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مّنَ السماء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ } مضى تفسيره فيها .","part":2,"page":330},{"id":831,"text":"{ وَاسْئَلْهُمْ } للتقرير والتقريع بقديم كفرهم وعصيانهم ، والإِعلام بما هو من علومهم التي لا تعلم إلا بتعليم أو وحي ليكون لك ذلك معجزة عليهم . { عَنِ القرية } عن خبرها وما وقع بأهلها . { التى كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر } قريبة منه وهي أيلة قرية بين مدين والطور على شاطىء البحر ، وقيل مدين ، وقيل طبرية . { إِذْ يَعْدُونَ فِى السبت } يتجاوزون حدود الله بالصيد يوم السبت ، و { إِذْ } ظرف ل { كَانَتْ } أو { حَاضِرَةَ } أو للمضاف المحذوف أو بدل منه بدل اشتمال . { إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ } ظرف ل { يَعْدُونَ } أو بدل بعد بدل . وقرىء { يَعْدُونَ } وأصله يعتدون ويعدون من الإِعداد أي يعدون آلات الصيد يوم السبت ، وقد نهوا أن يشتغلوا فيه بغير العبادة . { يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا } يوم تعظيمهم أمر السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت سبتها بالتجرد للعبادة . وقيل اسم لليوم والإِضافة لاختصاصهم بإحكام فيه ، ويؤيد الأول إن قرىء يوم إسباتهم ، وقوله : { وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ } وقرىء { لاَ يَسْبِتُونَ } من أسبت و { لاَ يَسْبِتُونَ } على البناء للمفعول بمعنى لا يدخلون في السبت ، و { شُرَّعًا } حال من الحيتان ومعناه ظاهرة على وجه الماء من شرع علينا إذا دنا وأشرف . { كذلك نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } مثل ذلك البلاء الشديد نبلوهم بسبب فسقهم . وقيل كذلك متصل بما قبله أي لا تأتيهم مثل إتيانهم يوم السبت ، والباء متعلق ب { يَعْدُونَ } .","part":2,"page":331},{"id":832,"text":"{ وَإِذْ قَالَتِ } عطف على { إِذْ يَعْدُونَ } . { أُمَّةٌ مّنْهُمْ } جماعة من أهل القرية يعني صلحاءهم الذين اجتهدوا في موعظتهم حتى أيسوا من اتعاظهم . { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ } مخترمهم . { أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيدًا } في الآخرة لتماديهم في العصيان ، قالوه مبالغة في أن الوعظ لا ينفع فيهم ، أو سؤالاً عن علة الوعظ ونفعه وكأنه تقاول بينهم أو قول من ارعوى عن الوعظ لمن لم يرعو منهم ، وقيل المراد طائفة من الفرقة الهالكة أجابوا به وعاظهم رداً عليهم وتهكماً بهم . { قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبّكُمْ } جواب للسؤال أي موعظتنا إنهاء عذر إلى الله حتى لا ننسب إلى تفريط في النهي عن المنكر . وقرأ حفص { مَعْذِرَةً } بالنصب على المصدر أو العلة أي اعتذرنا به معذرة ووعظناهم معذرة . { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } إذ اليأس لا يحصل إلا بالهلاك .","part":2,"page":332},{"id":833,"text":"{ فَلَمَّا نَسُواْ } تركوا ترك الناسي . { مَا ذُكّرُواْ بِهِ } ما ذكرهم به صلحاؤهم . { أَنجَيْنَا الذين يَنْهَوْنَ عَنِ السوء وَأَخَذْنَا الذين ظَلَمُواْ } بالاعتداء ومخالفة أمر الله . { بِعَذَابٍ بَئِيسٍ } شديد فعيل من بؤس يبؤس بؤساً إذا اشتد . وقرأ أبو بكر \" بيئس \" على فيعل كضيغم ، وابن عامر «بئس» بكسر الباء وسكون الهمز على أنه بئس كحذر ، كما قرىء به فخفف عينه بنقل حركتها إلى الفاء ككبد في كبد ، وقرأ نافع \" بيس \" على قلب الهمزة ياء كما قلبت في ذئب أو على أنه فعل الذم وصف به فجعل اسماً ، وقرىء \" بيس \" كريس على قلب الهمزة ثم ادغامها و \" بيس \" بالتخفيف كهين وبائس كفاعل . { بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم .\r{ فَلَمَّا عَتَوْاْ عَمَّا نُهُواْ عَنْهُ } تكبروا عن ترك ما نهوا عنه كقوله تعالى : { وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } { قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } كقوله : { إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } والظاهر يقتضي أن الله تعالى عذبهم أولاً بعذاب شديد فعتوا بعد ذلك فمسخهم ، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريراً وتفصيلاً للأولى . روي : أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين كرهوا مساكنتهم ، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق ، فأصبحوا يوماً ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين فقالوا : إن لهم شأناً فدخلوا عليهم فإذا هم قردة فلم يعرفوا أنسباءهم ولكن القردة تعرفهم ، فجعلت تأتي أنسباءهم وتشم ثيابهم وتدور باكية حولهم ثم ماتوا بعد ثلاث . وعن مجاهد مسخت قلوبهم لا أبدانهم .\r{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ } أي أعلم تفعل من الإيذان بمعناه كالتوعد والإِيعاد ، أو عزم لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله فأجرى مجرى فعل القسم { كعلم الله } و { شَهِدَ الله } . ولذلك أجيب بجوابه وهو : { لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القيامة } والمعنى وإذ أوجب ربك على نفسه ليسلطن على اليهود . { مَن يَسُومُهُمْ سُوء العذاب } كالإِذلال وضرب الجزية ، بعث الله عليهم بعد سليمان عليه السلام بختنصر فخرب ديارهم وقتل مقاتليهم وسبى نساءهم وذراريهم وضرب الجزية على من بقي منهم ، وكانوا يؤدونها إلى المجوس حتى بعث الله محمداً A ففعل ما فعل ثم ضرب عليهم الجزية فلا تزال مضروبة إلى آخر الدهر . { إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العقاب } عاقبهم في الدنيا . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } لمن تاب وآمن .\r{ وقطعناهم فِي الأرض أُمَمًا } وفرقناهم فيها بحيث لا يكاد يخلو قطر منهم تتمة لأدبارهم حتى لا يكون لهم شوكة قط و { أُمَمًا } مفعول ثان أو حال . { وَمِنْهُمْ دُونَ ذلك } تقديره ومنهم أناس دون ذلك أي منحطون عن الصلاح ، وهم كفرتهم وفسقتهم . { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } بالنعم والنقم . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } ينهون فيرجعون عما كانوا عليه .","part":2,"page":333},{"id":834,"text":"{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ } من بعد المذكورين . { خَلْفٌ } بدل سوء مصدر نعت به ولذلك يقع على الواحد والجمع . وقيل جمع وهو شائع في { وَرِثُواْ الكتاب } التوراة من أسلافهم يقرؤونها ويقفون على ما فيها . { يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذا الأدنى } حطام هذا الشيء الأدنى يعني الدنيا ، وهو من الدنو أو الدناءة وهو ما كانوا يأخذون من الرشا في الحكومة وعلى تحريف الكلم ، والجملة حال من الواو . { وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا } لا يؤاخذنا الله بذلك ويتجاوز عنه ، وهو يحتمل العطف والحال والفعل مسند إلى الجار والمجرور ، أو مصدر يأخذون . { وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ } حال من الضمير في { لَنَا } أي : يرجون المغفرة مصرين على الذنب عائدين إلى مثله غير تائبين عنه . { أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مّيثَاقُ الكتاب } أي في الكتاب . { أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق } عطف بيان للميثاق ، أو متعلق به أي بأن يقولوا والمراد توبيخهم على البت بالمغفرة مع عدم التوبة والدلالة على أنه افتراء على الله وخروج عن ميثاق الكتاب . { وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ } عطف على { أَلَمْ يُؤْخَذْ } من حيث المعنى فإنه تقرير ، أو على { وَرِثُواْ } وهو اعتراض . { والدار الاخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } مما يأخذ هؤلاء . { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } فيعلموا ذلك ولا يستبدلوا الأدنى الدنيء المؤدي إلى العقاب بالنعيم المخلد ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص ويعقوب بالتاء على التلوين . { والذين يُمَسّكُونَ بالكتاب وَأَقَامُواْ الصلاة } عطف على الذين { يَتَّقُونَ } وقوله : { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } اعتراض أو مبتدأ خبره : { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ المصلحين } على تقدير منهم ، أو وضع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على أن الإِصلاح كالمانع من التضييع . وقرأ أبو بكر { يُمَسّكُونَ } بالتخفيف وإفراد الإِقامة لإِنافتها على سائر أنواع التمسكات .\r{ وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ } أي قلعناه ورفعناه فوقهم وأصل النتق الجذب . { كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ } سقيفة وهي ما أظلك . { وَظَنُّواْ } وتيقنوا . { أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ } ساقط عليهم لأن الجبل لا يثبت في الجو ولأنهم كانوا يوعدون به ، وإنما أطلق الظن لأنه لم يقع متعلقه وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة لثقلها فرفع الله الطور فوقهم . وقيل لهم إن قبلتم ما فيها وإلا ليقعن عليكم . { خُذُواْ } على إضمار القول أي وقلنا خذوا أو قائلين خذوا . { مَا ءاتيناكم } من الكتاب . { بِقُوَّةٍ } بجد وعزم على تحمل مشاقه ، وهو حال من الواو . { واذكروا مَا فِيهِ } بالعمل به ولا تتركوه كالمنسي . { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق .\r{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } أي أخرج من أصلابهم نسلهم على ما يتوالدون قرناً بعد قرن ، و { مِن ظُهُورِهِمْ } بدل { مِن بَنِى ءادَمَ } بدل البعض . وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» . { وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَا } أي ونصب لهم دلائل ربوبيته وركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الاقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل لهم : { قَالُواْ بلى } فنزل تمكينهم من العلم بها وتمكنهم منه بمنزلة الإشهاد والاعتراف على طريقة التمثيل ويدل عليه قوله : { أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة } أي كراهة أن تقولوا .","part":2,"page":334},{"id":835,"text":"{ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافلين } لم ننبه عليه بدليل .\r{ أَوْ تَقُولُواْ } عطف على { أَن تَقُولُواْ } ، وقرأ أبو عمرو كليهما بالياء لأن أول الكلام على الغيبة . { إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ } فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل والتمكن من العلم به لا يصلح عذراً . { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المبطلون } يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك . وقيل لما خلق الله آدم أخرج من ظهره ذرية كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق وألهمهم ذلك لحديث رواه عمر رضي الله تعالى عنه ، وقد حققت الكلام فيه في شرحي لكتاب «المصابيح» ، والمقصود من إيراد هذا الكلام ها هنا الزام اليهود بمقتضى الميثاق العام بعد ما ألزمهم بالميثاق المخصوص بهم ، والاحتجاج عليهم بالحجج السمعية والعقلية ومنعهم عن التقليد وحملهم على النظر والاستدلال كما قال :\r{ وكذلك نُفَصّلُ الآيات وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } أي عن التقليد واتباع الباطل .\r{ واتل عَلَيْهِمْ } أي على اليهود . { نَبَأَ الذي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا } هو أحد علماء بني إسرائيل ، أو أمية بن أبي الصلت فإنه كان قد قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولاً في ذلك الزمان ، ورجا أن يكون هو فلما بعث محمد عليه السلام حسده وكفره به ، أو بلعم بن باعوراء من الكنعانيين أوتي علم بعض كتب الله ، { فانسلخ مِنْهَا } من الآيات بأن كفر بها وأعرض عنها . { فَأَتْبَعَهُ الشيطان } حتى لحقه وقيل استتبعه . { فَكَانَ مِنَ الغَاوِين } فصار من الضالين . روي أن قومه سألوه أن يدعو على موسى ومن معه فقال : كيف أدعو على من معه الملائكة ، فألحوا حتى دعا عليهم فبقوا في التيه .","part":2,"page":335},{"id":836,"text":"{ وَلَوْ شِئْنَا لرفعناه } إلى منازل الأبرار من العلماء . { بِهَا } بسبب تلك الآيات وملازمتها . { ولكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض } مال إلى الدنيا أو إلى السفالة . { واتبع هَوَاهُ } في إيثار الدنيا واسترضاء قومه وأعرض عن مقتضى الآيات ، وإنما علق رفعه بمشيئة الله تعالى ثم استدرك عنه بفعل العبد ، تنبيهاً على أن المشيئة سبب لفعله الموجب لرفعه وأن عدمه دليل عدمها دلالة انتفاء المسبب على انتفاء سببه ، وأن السبب الحقيقي هو المشيئة وأن ما نشاهده من الأسباب وسائط معتبرة في حصول المسبب من حيث أن المشيئة تعلقت به كذلك ، وكان من حقه أن يقول ولكنه أعرض عنها فأوقع موقعه { أَخْلَدَ إِلَى الأرض واتبع هَوَاهُ } ، مبالغة وتنبيهاً على ما حمله عليه وأن حب الدنيا رأس كل خطيئة . { فَمَثَلُهُ } فصفته التي هي مثل في الخسة . { كَمَثَلِ الكلب } كصفته في أخس أحواله وهو { إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث } أي يلهث دائماً سواء حمل عليه بالزجر والطرد أو ترك ولم يتعرض له ، بخلاف سائر الحيوانات لضعف فؤاده . واللهث إدلاع اللسان من التنفس الشديد والشرطية في موضع الحال والمعنى . لاهثاً في الحالتين ، والتمثيل واقع موقع لازم التركيب الذي هو نفي الرفع ووضع المنزلة للمبالغة والبيان . وقيل لما دعا على موسى A خرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كالكلب . { ذلك مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا فاقصص القصص } القصة المذكورة على اليهود فإنها نحو قصصهم . { لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } تفكراً يؤدي بهم إلى الاتعاظ .","part":2,"page":336},{"id":837,"text":"{ سَاء مَثَلاً القوم } أي مثل القوم ، وقرىء { سَاء مَثَل القوم } على حذف المخصوص بالذم . { الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } بعد قيام الحجة عليهم وعلمهم بها . { وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ } إما أن يكون داخلاً في الصلة معطوفاً على كذبوا بمعنى : الذين جمعوا بين تكذيب الآيات وظلم أنفسهم ، أو منقطعاً عنها بمعنى : وما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم فإن وباله لا يتخطاها ، ولذلك قدم المفعول .","part":2,"page":337},{"id":838,"text":"{ مَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتدى وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } تصريح بأن الهدى والضلال من الله ، وأن هداية الله تختص ببعض دون بعض ، وأنها مستلزمة للاهتداء والإِفراد في الأول والجمع في الثاني باعتبار اللفظ ، والمعنى تنبيه على أن المهتدين كواحد لاتحاد طريقهم بخلاف الضالين ، والاقتصار في الإِخبار عمن هداه الله بالمهتدي تعظيم لشأن الاهتداء ، وتنبيه على أنه في نفسه كمال جسيم ونفع عظيم لو لم يحصل له غيره لكفاه وأنه المستلزم للفوز بالنعم الآجلة والعنوان لها .","part":2,"page":338},{"id":839,"text":"{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا } خلقنا . { لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } يعني المصرين على الكفر في علمه تعالى . { لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } إذ لا يلقونها إلى معرفة الحق والنظر في دلائله . { وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا } أي لا ينظرون إلى ما خلق الله نظر اعتبار . { وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا } الآيات والمواعظ سماع تأمل وتذكر . { أُوْلَئِكَ كالأنعام } في عدم الفقه والإِبصار للاعتبار والاستماع للتدبر ، أو في أن مشاعرهم وقواهم متوجهة إلى أسباب التعيش مقصورة عليها . { بَلْ هُمْ أَضَلُّ } فإنها تدرك ما يمكن لها أن تدرك من المنافع والمضار ، وتجتهد في جلبها ودفعها غاية جهدها ، وهم ليسوا كذلك بل أكثرهم يعلم أنه معاند فيقدم على النار . { أُوْلَئِكَ هُمُ الغافلون } الكاملون في الغفلة .","part":2,"page":339},{"id":840,"text":"{ وَللَّهِ الأسماء الحسنى } لأنها دالة على معان هي أحسن المعاني ، والمراد بها الألفاظ وقيل الصفات . { فادعوه بِهَا } فسموه بتلك الأسماء . { وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ فِى أسمائه } واتركوا تسمية الزائغين فيها الذين يسمونه بما لا توقيف فيه ، إذ ربما يوهم معنى فاسداً كقولهم يا أبا المكارم يا أبيض الوجه ، أو لا تبالوا بإنكارهم ما سمى به نفسه كقولهم : ما نعرف إلا رحمان اليمامة ، أو وذروهم وإلحادهم فيها بإطلاقها على الأصنام واشتقاق أسمائها منها كاللات من «الله» ، والعزى من «العزيز» ولا توافقوهم عليه أو أعرضوا عنهم فإن الله مجازيهم كما قال : { سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقرأ حمزة هنا وفي «فصلت» { يُلْحِدُونَ } بالفتح يقال : لحد وألحد إذا مال عن القصد .","part":2,"page":340},{"id":841,"text":"{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ذكر ذلك بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضاً للجنة هادين بالحق عادلين في الأمر ، واستدل به على صحة الإِجماع لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة لقوله E « لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله » إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة فإنه معلوم .","part":2,"page":341},{"id":842,"text":"{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم } سنستدنيهم إلى الهلاك قليلاً قليلاً ، وأصل الاستدراج الاستصعاد أو الاستنزال درجة بعد درجة . { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } ما نريد بهم وذلك أن تتواتر عليهم النعم فيظنوا أنها لطف من الله تعالى بهم ، فيزدادوا بطراً وانهماكاً في الغي حتى يحق عليهم كلمة العذاب .","part":2,"page":342},{"id":843,"text":"{ وأملي لهم } وأمهلهم عطف على { سنستدرجهم } { إن كيدي متين } إن أخذي شديد وإنما سماه كيدا لأن ظاهره إحسان وباطنه خذلان","part":2,"page":343},{"id":844,"text":"{ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم } يعني محمداً A . { مّن جِنَّةٍ } من جنون . روي : أنه A صعد على الصفا فدعاهم فخذاً فخذاً يحذرهم بأس الله تعالى فقال : قائلهم إن صاحبكم لمجنون بات يهوت إلى الصباح ، فنزلت . { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } موضح انذاره بحيث لا يخفى على ناظر .","part":2,"page":344},{"id":845,"text":"{ أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ } نظر استدلال . { فِى مَلَكُوتِ السموات والأرض وَمَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } مما يقع عليه اسم الشيء من الأجناس التي لا يمكن حصرها ليدلهم على كمال قدرة صانعها ، ووحدة مبدعها وعظم شأن مالكها ، ومتولي أمرها ليظهر لهم صحة ما يدعوهم إليه . { وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ } عطف على ملكوت وأن مصدرية أو مخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير الشأن وكذا اسم يكون والمعنى : أو لم ينظروا في اقتراب آجالهم وتوقع حلولها فيسارعوا إلى طلب الحق والتوجه إلى ما ينجيهم ، قبل مغافصة الموت ونزول العذاب . { فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } أي بعد القرآن . { يُؤْمِنُونَ } إذا لم يؤمنوا به ، وهو النهاية في البيان كأنه إخبار عنهم بالطبع والتصميم على الكفر بعد إلزام الحجة والارشاد إلى النظر . وقيل هو متعلق بقوله : عسى أن يكون ، كأنه قيل لعل أجلهم قد اقترب فما بالهم لا يبادرون الإيمان بالقرآن ، وماذا ينتظرون بعد وضوحه فإن لم يؤمنوا به فبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا به وقوله :","part":2,"page":345},{"id":846,"text":"{ مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ } كالتقرير والتعليل له . { وَنَذَرُهُمْ فِى طُغْيَانِهِمْ } بالرفع على الاستئناف ، وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالياء لقوله { مَن يُضْلِلِ الله } ، وحمزة والكسائي به وبالجزم عطفاً على محل { فَلاَ هَادِيَ لَهُ } ، كأنه قيل : لا يهده أحد غيره { وَنَذَرُهُمْ } . { يَعْمَهُونَ } حال من هم .","part":2,"page":346},{"id":847,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة } أي عن القيامة ، وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها عليها إما لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها ، أو لأنها على طولها عند الله كساعة . { أَيَّانَ مرساها } متى إرساؤها أي إثباتها واستقرارها ورسو الشيء ثباته واستقراره ، ومنه رسا الجبل وأرسى السفينة ، واشتقاق { أَيَّانَ } من أي لأن معناه أي وقت ، وهو من أويت إليه لأن البعض أوى إلى الكل . { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبّي } استأثر به لم يطلع عليه ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً . { وَلاَ يُجَلّيهَا لِوَقْتِهَا } لا يظهر أمرها في وقتها . { إِلاَّ هُوَ } والمعنى أن الخفاء بها مستمر على غيره إلى وقت وقوعها ، واللام للتأقيت كاللام في قوله : { أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } { ثَقُلَتْ فِى السموات والأرض } عظمت على أهلها من الملائكة والثقلين لهولها ، وكأنه إشارة إلى الحكمة في إخفائها . { لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً } إلا فجأة على غفلة ، كما قال E : { إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقوم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه } { يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا } عالم بها ، فعيل من حفى عن الشيء إذا سأل عنه ، فإن من بالغ في السؤال عن الشيء والبحث عنه استحكم علمه فيه ، ولذلك عدي بعن . وقيل هي صلة { يَسْأَلُونَكَ } . وقيل هو من الحفاوة بمعنى الشفقة فإن قريشاً قالوا له : إن بيننا وبينك قرابة فقل لنا متى الساعة ، والمعنى يسألونك عنها كأنك حفي تتحفى بهم فتحضهم لأجل قرابتهم بتعليم وقتها . وقيل معناه كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه ، من حفى بالشيء إذا فرح أن تكثره لأنه من الغيب الذي استأثر الله بعلمه . { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } كرره لتكرير يسألونك لما نيط به من هذه الزيادة وللمبالغة . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن علمها عند الله لم يؤته أحداً من خلقه .","part":2,"page":347},{"id":848,"text":"{ قُل لا أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلاَ ضَرّا } جلب نفع ولا دفع ضر ، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب . { إِلاَّ مَا شَاء الله } من ذلك فيلهمني إياه ويوفقني له ، { وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغيب لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخير وَمَا مَسَّنِىَ السوء } ولو كنت أعلمه لخالفت حالي ما هي عليه من استكثار المنافع واجتناب المضار حتى لا يمسني سوء . { إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } ما أنا إلا عبد مرسل للإنذار والبشارة . { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فإنهم المنتفعون بهما ، ويجوز أن يكون متعلقاً بال { بَشِيرٍ } ومتعلق ال { نَّذِيرٍ } محذوف .\r{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } هو آدم . { وَجَعَلَ مِنْهَا } من جسدها من ضلع من أضلاعها ، أو من جنسها كقوله : { جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } { زَوْجَهَا } حواء . { لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } ليستأنس بها ويطمئن إليها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه ، وإنما ذكر الضمير ذهاباً إلى المعنى ليناسب . { فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي جامعها . { حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا } خف عليها ولم تلق منه ما تلقى منه الحوامل غالباً من الأذى ، أو محمولاً خفيفاً وهو النطفة . { فَمَرَّتْ بِهِ } فاستمرت به أي قامت وقعدت ، وقرىء { فَمَرَّتْ } بالتخفيف وفاستمرت به وفمارت من المور وهو المجيء والذهاب ، أو من المرية أي فظنت الحمل وارتابت منه . { فَلَمَّا أَثْقَلَت } صارت ذات ثقل بكبر الولد في بطنها . وقرىء على البناء للمفعول أي أثقلها حملها . { دَّعَوَا الله رَبَّهُمَا لَئِنْ ءاتَيْنَا صالحا } ولداً سوياً قد صلح بدنه . { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } لك على هذه النعمة المجددة .\r{ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتى أولادهما فسموه عبد العزى وعبد مناف على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ، ويدل عليه قوله : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } .\r{ أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ } يعني الأصنام . وقيل : لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها : ما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب وما يدريك من أين يخرج ، فخافت من ذلك وذكرته لآدم فهما منه ثم عاد إليها وقال : إني من الله بمنزلة فإن دعوت الله أن يجعله خلقاً مثلك ويسهل عليك خروجه تسميه عبد الحرث ، وكان اسمه حارثاً بين الملائكة فتقبلت ، فلما ولدت سمياه عبد الحرث . وأمثال ذلك لا تليق بالأنبياء ويحتمل أن يكون الخطاب في { خَلَقَكُمْ } لآل قصي من قريش ، فإنهم خلقوا من نفس قصي وكان له زوج من جنسه عربية قرشية وطلبا من الله الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم : عبد مناف ، وعبد شمس ، وعبد قصي ، وعبد الدار . ويكون الضمير في { يُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما المقتدين بهما . وقرأ نافع وأبو بكر «شركاً» أي شركة بأن أشركا فيه غيره أو ذوي شرك وهم الشركاء ، وهم ضمير الأصنام جيء به على تسميتهم إياها آلهة .","part":2,"page":348},{"id":849,"text":"{ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا } أي لعبدتهم . { وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } فيدفعون عنها ما يعتريها .\r{ وَإِن تَدْعُوهُمْ } أي المشركين . { إِلَى الهدى } إلى الإسلام . { لاَ يَتَّبِعُوكُمْ } وقرأ نافع بالتخفيف وفتح الباء ، وقيل الخطاب للمشركين وهم ضمير الأصنام أي : إن تدعوهم إلى أن يهدوكم لا يتبعوكم إلى مرادكم ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله . { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } وإنما لم يقل أم صمتم للمبالغة في عدم إفادة الدعاء من حيث إنه مسوى بالثبات على الصمات ، أو لأنهم ما كانوا يدعونها لحوائجهم فكأنه قيل : سواء عليكم إحداثكم دعاءهم واستمراركم على الصمات عن دعائهم .","part":2,"page":349},{"id":850,"text":"{ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة . { عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ } من حيث إنها مملوكة مسخرة . { فادعوهم فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صادقين } أنهم آلهة ، ويحتمل أنهم لما نحتوها بصور الأناسي قال لهم : إن قصارى أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء أمثالكم فلا يستحقون عبادتكم كما لا يستحق بعضكم عبادة بعض ، ثم عاد عليه بالنقض فقال :","part":2,"page":350},{"id":851,"text":"{ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَآ أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ ءاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } وقرىء { إِنَّ الذين } بتخفيف { أَن } ونصب { عِبَادِ } على أنها نافية عملت عمل ما الحجازية ولم يثبت مثله ، و { يَبْطِشُونَ } بالضم ها هنا وفي «القصص» و «الدخان» . { قُلِ ادعوا شُرَكَاءكُمْ } واستعينوا بهم في عداوتي . { ثُمَّ كِيدُونِ } فبالغوا فيما تقدرون عليه من مكر ، وهي أنتم وشركاؤكم . { فَلاَ تُنظِرُونِ } فلا تمهلون فإني لا أبالي بكم لوثوقي على ولاية الله تعالى وحفظه .","part":2,"page":351},{"id":852,"text":"{ إِنَّ وَلِيّىَ الله الذى نَزَّلَ الكتاب } القرآن . { وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين } أي ومن عادته تعالى أن يتولى الصالحين من عباده فضلاً عن أنبيائه .","part":2,"page":352},{"id":853,"text":"{ والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ } من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم .","part":2,"page":353},{"id":854,"text":"{ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الهدى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا بصورة من ينظر إلى من يواجهه .","part":2,"page":354},{"id":855,"text":"{ خُذِ العفو } أي خذ مَا عفا لك من أفعال الناس وتسهل ولا تطلب ما يشق عليهم ، من العفو الذي هو ضد الجهد أو { خُذِ العفو } عن المذنبين أو الفضل وما يسهل من صدقاتهم ، وذلك قبل وجوب الزكاة . { وَأْمُرْ بالعرف } المعروف المستحسن من الأفعال . { وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } فلا تمارهم ولا تكافئهم بمثل أفعالهم ، وهذه الآية جامعة لمكارم الأخلاق آمرة للرسول باستجماعها .","part":2,"page":355},{"id":856,"text":"{ وَأَمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ } ينخسنك منه نخس أي وسوسة تحملك على خلاف ما أمرت به كاعتراء غضب وفكر ، والنزغ والنسغ والنخس الغرز شبه وسوسته إغراء لهم على المعاصي وإزعاجاً بغرز السائق ما يسوقه . { فاستعذ بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ } يسمع استعاذتك . { عَلِيمٌ } يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه ، أو { سَمِيعُ } بأقوال من آذاك عليهم بأفعاله فيجازيه عليها مغنياً إياك عن الانتقام ومشايعة الشيطان .","part":2,"page":356},{"id":857,"text":"{ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان } لمة منه ، وهو اسم فاعل من طاف يطوف كأنها طافت بهم ودارت حولهم فلم تقدر أن تؤثر فيهم ، أو من طاف به الخيال يطيف طيفاً . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب «طيف» على أنه مصدر أو تخفيف «طيف» كلين وهين ، والمراد بالشيطان الجنس ولذلك جمع ضميره . { تَذَكَّرُواْ } ما أمر الله به ونهى عنه . { فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ } بسبب التذكر مواقع الخطأ ومكايد الشيطان فيتحرزون عنها ولا يتبعونه فيها ، والآية تأكيد وتقرير لما قبلها وكذا قوله :","part":2,"page":357},{"id":858,"text":"{ وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ } أي وإخوان الشياطين الذين لم يتقوا بمدهم الشياطين . { فِى الغى } بالتزيين والحمل عليه ، وقرىء { يَمُدُّونَهُمْ } من أمد ويمادونهم كأنهم يعينونهم بالتسهيل والإغراء وهؤلاء يعينونهم بالاتباع والامتثال . { ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ } ثم لا يمسكون عن اغوائهم حتى يردوهم ، ويجوز أن يكون الضمير للإخوان أي لا يكفون عن الغي ولا يقصرون كالمتقين ، ويجوز أن يراد بال { إخوان } الشياطين ويرجع الضمير إلى { الجاهلين } فيكون الخبر جارياً على ما هو له .","part":2,"page":358},{"id":859,"text":"{ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِئَايَةٍ } من القرآن أو مما اقترحوه . { قَالُواْ لَوْلاَ اجتبيتها } هلا جمعتها تقولاً من نفسك كسائر ما تقرؤه أو هلا طلبتها من الله . { قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَىَّ مِن رَّبّى } لست بمختلق للآيات أو لست بمقترح لها . { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } هذا القرآن بصائر للقلوب بها يبصر الحق ويدرك الصواب . { وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } سبق تفسيره .","part":2,"page":359},{"id":860,"text":"{ وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } نزلت في الصلاة كانوا يتكلمون فيها فأمروا باستماع قراءة الإِمام والإِنصات له . وظاهر اللفظ يقتضي وجوبهما حيث يقرأ القرآن مطلقاً ، وعامة العلماء على استحبابهما خارج الصلاة . واحتج به من لا يرى وجوب القراءة على المأموم وهو ضعيف .","part":2,"page":360},{"id":861,"text":"{ واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } عام في الأذكار من القراءة والدعاء وغيرهما ، أو أمر للمأموم بالقراءة سراً بعد فراغ الإمام عن قراءته كما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه . { تَضَرُّعًا وَخِيفَةً } متضرعاً وخائفاً . { وَدُونَ الجهر مِنَ القول } ومتكلماً كلاماً فوق السر ودون الجهر فإنه أدخل في الخشوع والإخلاص . { بالغدو والأصال } بأوقات الغدو والعشيات . وقرىء «والايصال» وهو مصدر آصل إذا دخل في الأصيل وهو مطابق للغدو . { وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين } عن ذكر الله .\r{ إِنَّ الذين عِندَ رَبّكَ } يعني ملائكة الملأ الأعلى . { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبّحُونَهُ } وينزهونه . { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } ويخصونه بالعبادة والتذلل لا يشركون به غيره ، وهو تعريض بمن عداهم من المكلفين ولذلك شرع السجود لقراءته . وعن النبي A \" إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي فيقول : يا ويله أمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار \" وعنه A \" من قرأ سورة الأعراف جعل الله يوم القيامة بينه وبين إبليس ستراً وكان آدم شفيعاً له يوم القيامة \" .","part":2,"page":361},{"id":862,"text":"{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأنفال } أي الغنائم يعني حكمها ، وإنما سميت الغنيمة نفلاً لأنها عطية من الله وفضل كما سمي به ما يشرطه الإمام لمقتحم خطر عطية له وزيادة على سهمه . { قُلِ الأنفال لِلَّهِ والرسول } أي أمرها مختص بهما يقسمها الرسول على ما يأمره الله به . وسبب نزوله اختلاف المسلمين في غنائم بدر أنها كيف تقسم ومن يقسم المهاجرون منهم أو الأنصار . وقيل شرط رسول الله A لمن كان له غناء أن ينفله ، فتسارع شبانهم حتى قتلوا سبعين وأسروا سبعين ثم طلبوا نفلهم وكان المال قليلاً فقال الشيوخ والوجوه الذين كانوا عند الرايات : كنا رِدْءاً لكم وفئة تنحازون إلينا ، فنزلت فقسمها رسول الله A بينهم على السواء ، ولهذا قيل : لا يلزم الإمام أن يفي بما وعد وهو قول الشافعي Bه ، وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال : لما كان يوم بدر قتل أخي عمير فقتلت به سعيد بن العاص وأخذت سيفه ، فأتيت به رسول الله A واستوهبته منه فقال : ليس هذا لي ولا لك اطرحه في القبض فطرحته ، وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي فما جاوزت إلا قليلاً حتى نزلت سورة الأنفال ، فقال لي رسول الله A : سألتني السيف وليس لي وأنه قد صار لي فاذهب فخذه . وقرىء «يسألونك علنفال» بحذف الهمزة والفاء حركتها على اللام وإدغام نون عن فيها ، ويسألونك الأنفال أي يسألك الشبان ما شرطت لهم . { فاتقوا الله } في الاختلاف والمشاجرة . { وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } الحال التي بينكم بالمواساة والمساعدة فيما رزقكم الله وتسليم أمره إلى الله والرسول . { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } فيه . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن الإيمان يقتضي ذلك ، أو إن كنتم كاملي الإيمان فإن كمال الإيمان بهذه الثلاثة : طاعة الأوامر ، والاتقاء عن المعاصي ، وإصلاح ذات البين بالعدل والإحسان .","part":2,"page":362},{"id":863,"text":"{ إِنَّمَا المؤمنون } أي الكاملون في الإيمان . { الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } فزعت لذكره استعظاماً له وتهيباً من جلاله . وقيل هو الرجل يهم بمعصية فيقال له اتق الله فينزع عنها خوفاً من عقابه . وقرىء { وَجِلَتْ } بالفتح وهي لغة ، وفَرَقَتْ أي خافت . { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً } لزيادة المؤمن به ، أو لاطمئنان النفس ورسوخ اليقين بتظاهر الأدلة ، أو بالعمل بموجبها وهو قول من قال الإِيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية بناء على أن العمل داخل فيه . { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } يفوضون إليه أمورهم ولا يخشون ولا يرجون إلا إياه .","part":2,"page":363},{"id":864,"text":"{ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } .","part":2,"page":364},{"id":865,"text":"{ أُوْلئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } لأنهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلوب من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أفعال الجوارح التي هي العيار عليها من الصلاة والصدقة ، و { حَقّاً } صفة مصدر محذوف أو مصدر مؤكد كقوله : { وَعْدَ الله حَقّا } . { لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ } كرامة وعلو منزلة . وقيل درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم . { وَمَغْفِرَةٌ } لما فرط منهم . { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } أعد لهم في الجنة لا ينقطع عدده ولا ينتهي أمده .","part":2,"page":365},{"id":866,"text":"{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق } خبر مبتدأ محذوف تقديره : هذه الحال في كراهتهم إياها كحال إخراجك للحرب في كراهتهم له ، وهي كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة . أو صفة مصدر الفعل المقدر في قوله : { لِلَّهِ والرسول } أي الأنفال ثبتت لله والرسول A مع كراهتهم ثباتاً مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك ، يعني المدينة لأنها مهاجرة ومسكنه أو بيته فيها مع كراهتهم . { وَإِنَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين لَكَِّرِهُونَ } في موقع الحال أي أخرجك في حال كراهتهم ، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشأم وفيها تجارة عظيمة ومعها أربعون راكباً منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص ومخرمة بن نوفل وعمرو بن هشام ، فأخبر جبريل عليه السلام رسول الله A فأخبر المسلمين فأعجبهم تلقيها لكثرة المال وقلة الرجال ، فلما خرجوا بلغ الخبر أهل مكة ، فنادى أبو جهل فوق الكعبة يا أهل مكة النجاء النجاء على كل صعب وذلول ، عيركم أموالكم إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبداً ، وقد رأت قبل ذلك بثلاث عاتكة بنت عبد المطلب أن ملكاً نزل من السماء فأخذ صخرة من الجبل ثم حلق بها فلم يبق بيت في مكة إلا أصابه شيء منها ، فحدثت بها العباس وبلغ ذلك أبا جهل فقال : ما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم ، فخرج أبو جهل بجميع أهل مكة ومضى بهم إلى بدر وهو ماء كانت العرب تجتمع عليه لسوقهم يوماً في السنة ، وكان رسول الله A بوادي ذفران فنزل عليه جبريل عليه السلام بالوعد بإحدى الطائفتين إما العير وإما قريش ، فاستشار فيه أصحابه فقال بعضهم : هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له إنما خرجنا للعير ، فردد عليهم وقال أن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل ، فقالوا : يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو ، فغضب رسول الله A فقام أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وقالا فأحسنا ، ثم قام سعد بن عبادة فقال : أنظر أمرك فامض فيه فوالله لو سرت إلى عدن أبين ما تخلف عنك رجل من الأنصار ، ثم قال مقداد بن عمرو : امض لما أمرك الله فأنا معك حيثما أحببت ، لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل لموسى { اذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون } ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، فتبسم رسول الله A ثم قال : « أشيروا عليَّ أيها الناس » وهو يريد الأنصار لأنهم كانوا ( عددهم ) وقد شرطوا حين بايعوه بالعقبة أنهم برآء من ذمامه حتى يصل إلى ديارهم ، فتخوف أن لا يروا نصرته إلا على عدو دهمه بالمدينة ، فقام سعد بن معاذ فقال لكأنك تريدنا يا رسول الله فقال : أجل ، قال : آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا ، وإنا لصبر عند الحرب صدق عند اللقاء ولعل الله يريك منا ما تقربه عينك فسر بنا على بركة الله تعالى ، فنشطه قوله ثم قال :","part":2,"page":366},{"id":867,"text":"\" سيروا على بركة الله تعالى وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم \" وقيل \" إنه E لما فرغ من بدر قيل له : عليك بالعير فناداه العباس وهو في وثاقه لا يصلح فقال له «لم» فقال : لأن وعدك إحدى الطائفتين وقد أعطاك ما وعدك ، فكره بعضهم قوله \" . { يجادلونك فِي الحق } في إيثارك الجهاد بإظهار الحق لإيثارهم تلقي العير عليه . { بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ } لهم أنهم ينصرون أينما توجهوا بإعلام الرسول E . { كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الموت وَهُمْ يَنظُرُونَ } أي يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت وهو يشاهد أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم إذ روي أنهم كانوا رجالة وما كان فيهم إلا فارسان ، وفيه إيماء إلى أن مجادلتهم إنما كانت لفرط فزعهم ورعبهم . { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين } على إضمار اذكر ، وإحدى ثاني مفعولي { يَعِدُكُمُ } وقد أبدل منها . { أَنَّهَا لَكُمْ } بدل الاشتمال . { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ } يعني العير فإنه لم يكن فيها إلا أربعون فارساً ولذلك يتمنونها ويكرهون ملاقاة النفير لكثرة عَدَدِهِمْ ، وعُدَدِهِمْ والشوكة الحدة مستعارة من واحدة الشوك : { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ } أي يثبته ويعليه . { بكلماته } الموحى بها في هذه الحال ، أو بأوامره للملائكة بالإِمداد ، وقرىء «بكلمته» . { وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين } ويستأصلهم ، والمعنى : أنكم تريدون أن تصيبوا مالاً ولا تلقوا مكروهاً ، والله يريد إعلاء الدين وإظهار الحق وما يحصل لكم فوز الدارين .\r{ لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل } أي فعل ما فعل وليس بتكرير ، لأن الأول لبيان المراد وما بينه وبين مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول على اختيار ذات الشوكة ونصرة عليها . { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ذلك .","part":2,"page":367},{"id":868,"text":"{ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ } بدل من { إِذْ يَعِدُكُمُ } أو متعلق بقوله { ليحق } بقوله { لِيُحِقَّ الحق } ، أو على إضمار اذكر ، واستغاثتهم أنهم لما علموا أن لا محيص عن القتال أخذوا يقولون : أي رب انصرنا على عدوك أغثنا يا غياث المستغيثين ، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ومد يديه يدعو : \" اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض \" فما زال كذلك حتى سقط رداؤه فقال أبو بكر يا نبي الله : كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك . { فاستجاب لَكُمْ أَنّي مُمِدُّكُمْ } بأني ممدكم ، فحذف الجار وسلط عليه الفعل وقرأ أبو عمرو بالكسر على إرادة القول أو إجراء استجاب مجرى قال لأن الاستجابة من القول . { بِأَلْفٍ مّنَ الملئكة مُرْدِفِينَ } متبعين المؤمنين أو بعضهم بعضاً من أردفته أنا إذا جئت بعده ، أو متبعين بعضهم بعض المؤمنين ، أو أنفسهم المؤمنين من أردفته إياه فردفه . وقرأ نافع ويعقوب \" مُرْدِفِينَ \" بفتح الدال أي متبعين بمعنى أنهم كانوا مقدمة الجيش أو ساقتهم . وقرىء { مُرْدِفِينَ } بكسر الراء وضمها وأصله مرتدفين بمعنى مترادفين فأدغمت التاء في الدال فالتقى ساكنان فحركت الراء بالكسر على الأصل أو بالضم على الإتباع . وقرىء «بآلاف» ليوافق ما في سورة «آل عمران» ، ووجه التوفيق بينه وبين المشهور أن المراد بالألف الذين كانوا على المقدمة أو الساقة ، أو وجوههم وأعيانهم ، أو من قاتل منهم واختلف في مقاتلتهم وقد روي أخبار تدل عليها .","part":2,"page":368},{"id":869,"text":"{ وَمَا جَعَلَهُ الله } أي الإمداد { إِلاَّ بشرى } إلا بشارة لكم بالنصر . { وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ } فيزول ما بها من الوجل لقلتكم وذلتكم . { وَمَا النصر إِلاَّ مِنْ عِندِ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ } وإمداد الملائكة وكثرة العدد والأهب ونحوهما وسائط لا تأثير لها فلا تحسبوا النصر منها ولا تيأسوا منه بفقدها .","part":2,"page":369},{"id":870,"text":"{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } بدل ثان من { إِذْ يَعِدُكُمُ } لإِظهار نعمة ثالثة أو متعلق بالنصر أو بما في عند الله معنى الفعل ، أو بجعل أو بإضمار اذكر . وقرأ نافع بالتخفيف من أغشيته الشيء إذا غشيته إياه والفاعل على القراءتين هو الله تعالى وقرأ ابن كثير وأبو عمر «يغشاكم النعاس» بالرفع . { أَمَنَةً مّنْهُ } أمنا من الله ، وهو مفعول له باعتبار المعنى فإن قوله { يُغَشّيكُمُ النعاس } متضمن معنى تنعسون ، و «يغشاكم» بمعناه ، وال { ءامِنَةً } فعل لفاعله ويجوز أن يراد بها الإِيمان فيكون فعل المغشي ، وأن تجعل على القراءة الأخيرة فعل النعاس على المجاز لأنها لأصحابه ، أو لأنه كان من حقه أن لا يغشاكم لشدة الخوف فلما غشيهم فكأنه حصلت له أمنة من الله لولاها لم يغشهم كقوله :\rيَهَابُ النَّوْمُ أنْ يَغْشَى عُيُونا ... تَهَابُكَ فَهُوَ نَفَّارٌ شَرُودُ\rوَقرىء { ءامِنَةً } كرحمة وهي لغة . { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } من الحدث والجنابة . { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } يعني الجنابة لأنها من تخييله ، أو وسوسته وتخويفه إياهم من العطش . روي أنهم نزلوا في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام على غير ماء وناموا فاحتلم أكثرهم وقد غلب المشركون على الماء ، فوسوس إليهم الشيطان وقال : كيف تنصرون ، وقد غلبتم على الماء وأنتم تصلون محدثين مجنبين وتزعمون أنكم أولياء الله ، وفيكم رسوله فأشفقوا فأنزل الله المطر ، فمطروا ليلاً حتى جرى الوادي واتخذوا الحياض على عدوته وسقوا الركاب واغتسلوا وتوضؤوا ، وتلبد الرمل الذي بينهم وبين العدو حتى ثبتت عليه الأقدام وزالت الوسوسة . { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } بالوثوق على لطف الله بهم . { وَيُثَبّتَ بِهِ الأقدام } أي بالمطر حتى لا تسوخ في الرمل ، أو بالربط على القلوب حتى تثبت في المعركة .","part":2,"page":370},{"id":871,"text":"{ إِذْ يُوحِى رَبُّكَ } بدل ثالث أو متعلق بيثبت . { إِلَى الملئكة أَنّي مَعَكُمْ } في إعانتهم وتثبيتهم وهو مفعول { يُوحِى } . وقرىء بالكسر على إرادة القول أو إجراء الوحي مجراه . { فَثَبّتُواْ الذين ءامَنُواْ } بالبشارة أو بتكثير سوادهم ، أو بمحاربة أعدائهم فيكون قوله : { سَأُلْقِى فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } كالتفسير لقوله { أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُواْ } ، وفيه دليل على أنهم قاتلوا ومن منع ذلك جعل الخطاب فيه مع المؤمنين إما على تغيير الخطاب أو على أن قوله : { سَأُلْقِى } إلى قوله : { كُلَّ بَنَانٍ } تلقين للملائكة ما يثبتون المؤمنين به كأنه قال؛ قولوا لهم قوْلي هذا . { فاضربوا فَوْقَ الأعناق } أعاليها التي هي المذابح أو الرؤوس . { واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ } أصابع أي جزوا رقابهم واقطعوا أطرافهم .","part":2,"page":371},{"id":872,"text":"{ ذلك } إشارة إلى الضرب أو الأمر به والخطاب للرسول ، أو لكل أحد من المخاطبين قبل . { بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ } بسبب مشاقتهم لهما واشتقاقه من الشق لأن كلا من المتعادين في شق خلاف شق الآخر كالمعاداة من العدوة والمخاصمة من الخصم وهو الجانب . { وَمَن يُشَاقِقِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } تقرير للتعليل أو وعيد بما أعد لهم في الآخرة بعد ما حاق بهم في الدنيا .","part":2,"page":372},{"id":873,"text":"{ ذلكم } الخطاب فيه مع الكفرة على طريقة الالتفات ومحله الرفع أي : الأمر ذلكم أو ذلكم واقع أو نصب يفعل دل عليه . { فَذُوقُوهُ } أو غيره مثل باشروا أو عليكم فتكون الفاء عاطفة . { وَأَنَّ للكافرين عَذَابَ النار } عطف على ذلكم أو نصب على المفعول معه ، والمعنى ذوقوا ما عجل لكم مع ما أجل لكم في الآخرة . ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما . وقرىء { وَأَنْ } بالكسر على الاستئناف .","part":2,"page":373},{"id":874,"text":"{ يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ زَحْفاً } كثيراً بحيث يرى لكثرتهم كأنهم يزحفون ، وهو مصدر زحف الصبي إذا دب على مقعده قليلاً قليلاً ، سمي به وجمع على زحوف وانتصابه على الحال . { فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأدبار } بالانهزام فضلاً أن يكونوا مثلكم أو أقل منكم ، والأظهر أنها محكمة مخصوصة بقوله : { حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } الآية ، ويجوز أن ينتصب زحفاً حالاً من الفاعل والمفعول أي : إذا لقيتموهم متزحفين يدبون إليكم وتدبون إليهم فلا تنهزموا ، أو من الفاعل وحده ويكون إشعاراً بما سيكون منهم يوم حنين حين تولوا وهم إِثنا عشر ألفاً .","part":2,"page":374},{"id":875,"text":"{ وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرّفاً لّقِتَالٍ } يريد الكر بعد الفر وتغرير العدو ، فإنه من مكايد الحرب . { أَوْ مُتَحَيّزاً إلى فِئَةٍ } أو منحازاً إلى فئة أخرى من المسلمين على القرب ليستعين بهم ، ومنهم من لم يعتبر القرب لما روى ابن عمر Bهما : أنه كان في سرية بعثهم رسول الله A ففروا إلى المدينة فقلت : يا رسول الله نحن الفرارون فقال : \" بل أنتم العكارون وأنا فئتكم \" وانتصاب متحرفاً ومتحيزاً على الحال وإلا لغو لا عمل لها ، أو الاستثناء من المولين أي إلا رجلاً متحرفاً أو متحيزاً ، ووزن متحير متفيعل لا متفعل وإلا لكان متحوزاً لأنه من حاز يحوز . { فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مّنَ الله وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } هذا إذا لم يزد العدو على الضعف لقوله : { الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ } الآية ، وقيل الآية مخصوصة بأهل بيته والحاضرين معه في الحرب .\r{ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ } بقوتكم . { ولكن الله قَتَلَهُمْ } بنصركم وتسليطكم عليهم وإلقاء الرعب في قلوبهم . روي : أنه لما طلعت قريش من العقنقل قال E : هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك ، اللهم إني أسألك ما وعدتني فأتاه جبريل عليه السلام وقال له : خذ قبضة من تراب فارمهم بها ، فلما التقى الجمعان تناول كفاً من الحصباء فرمى بها في وجوههم وقال «شاهت الوجوه» ، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم ، ثم لما انصرفوا أقبلوا على التفاخر فيقول الرجل قتلت وأسرت ، فنزلت . والفاء جواب شرط محذوف تقديره : إن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم . { وَمَا رَمَيْتَ } يا محمد رمياً توصله إلى أعينهم ولم تقدر عليه . { إِذْ رَمَيْتَ } أي إذ أتيت بصورة الرمي . { ولكن الله رمى } أتى بما هو غاية الرمي فأوصلها إلى أعينهم جميعاً حتى انهزموا وتمكنتم من قطع دابرهم ، وقد عرفت أن اللفظ يطلق على المسمى وعلى ما هو كماله والمقصود منه . وقيل معناه ما رميت بالرعب إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى بالرعب في قلوبهم . وقيل إنه نزل في طعنة طعن بها أبي بن خلف يوم أحد ولم يخرج منه دم فجعل يخور حتى مات . أو رمية سهم رماه يوم خيبر نحو الحصن فأصاب كنانة بن أبي الحقيق على فراشه ، والجمهور على الأول . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { ولكن } بالتخفيف ورفع ما بعده في الموضعين . { وَلِيُبْلِىَ المؤمنين مِنْهُ بَلاء حَسَنًا } ولينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة ومشاهدة الآيات فعل ما فعل . { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لاستغاثتهم ودعائهم . { عَلِيمٌ } بنياتهم وأحوالهم .\r{ ذلكم } إشارة إلى البلاء الحسن ، أو القتل أو الرمي ، ومحله الرفع أي المقصود أو الأمر ذلكم وقوله : { وَأَنَّ الله مُوهِنُ كَيْدِ الكافرين } معطوف عليه أي المقصود إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين وإبطال حيلهم .","part":2,"page":375},{"id":876,"text":"وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { مُوهِنُ } بالتشديد ، وحفص { مُوهِنُ كَيْدِ } بالإِضافة والتخفيف .\r{ إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } خطاب لأهل مكة على سبيل التهكم ، وذلك أنهم حين أرادوا الخروج تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين . { وَإِن تَنتَهُواْ } عن الكفر ومعاداة الرسول { فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لتضمنه سلامة الدارين وخير المنزلين . { وَإِن تَعُودُواْ } لمحاربته . { نَعُدُّ } لنصرته عليكم . { وَلَن تُغْنِىَ } ولن تدفع . { عَنكُمْ فِئَتُكُمْ } جماعتكم . { شَيْئاً } من الإغناء أو المضار . { وَلَوْ كَثُرَتْ } فئتكم . { وَأَنَّ الله مَعَ المؤمنين } بالنصر والمعونة . وقرأ نافع وابن عامر وحفص { وَأَنْ } بالفتح على تقدير ولأن الله مع المؤمنين كان ذلك . وقيل الآية خطاب للمؤمنين والمعنى : إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، وإن تنتهوا عن التكاسل في القتال والرغبة عما يستأثره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إليه نعد عليكم بالإنكار أو تهييج العدو ، ولن تغني حينئذ كثرتكم إذا لم يكن الله معكم بالنصر فإنه مع الكاملين في إيمانهم ويؤيد ذلك .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } أي ولا تتولوا عن الرسول ، فإن المراد من الآية الأمر بطاعته والنهي عن الإِعراض عنه ، وذكر طاعة الله للتوطئة والتنبيه على أن طاعة الله في طاعة الرسول لقوله تعالى { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } وقيل الضمير للجهاد أو للأمر الذي دل عليه الطاعة . { وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ } القرآن والمواعظ سماع فهم وتصديق .","part":2,"page":376},{"id":877,"text":"{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين قَالُواْ سَمِعْنَا } كالكفرة والمنافقين الذين ادعوا السماع . { وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } سماعاً ينتفعون به فكأنهم لا يسمعون رأساً .","part":2,"page":377},{"id":878,"text":"{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله } شر ما يدب على الأرض ، أو شر البهائم . { الصم } عن الحق . { البكم الذين لاَ يَعْقِلُونَ } إياه ، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها لإِبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله .","part":2,"page":378},{"id":879,"text":"{ وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا } سعادة كتبت لهم أو انتفاعاً بالآيات . { لأَسْمَعَهُمْ } سماع تفهم . { وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ } وقد علم أن لا خير فيهم . { لَتَوَلَّواْ } ولم ينتفعوا به ، أو ارتدوا بعد التصديق والقبول . { وَهُم مُّعْرِضُونَ } لعنادهم . وقيل كانوا يقولون للنبي A : أحيي لنا قصياً فإنه كان شيخاً مباركاً حتى يشهد لك ونؤمن بك . والمعنى لأسمعهم كلام قصي .","part":2,"page":379},{"id":880,"text":"{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } بالطاعة . { إِذَا دَعَاكُمْ } وحد الضمير فيه لما سبق ولأن دعوة الله تسمع من الرسول . وروي أنه E مر على أبي وهو يصلي فدعاه فعجل في صلاته ثم جاء فقال : ما منعك عن إجابتي قال : كنت أصلي ، قال : « ألم تخبر فيما أوحي إلي » { استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } . واختلف فيه فقيل هذا لأن إجابته لا تقطع الصلاة فإن الصلاة أيضاً إجابة . وقيل لأن دعاءه كان لأمر لا يحتمل التأخير وللمصلي أن يقطع الصلاة لمثله وظاهر الحديث يناسب الأول . { لِمَا يُحْيِيكُمْ } من العلوم الدينية فإنها حياة القلب والجهل موته . قال :\rلاَ تعْجَبَنَّ الجَهُولَ حِلَّته ... فَذَاكَ مَيتٌ وَثَوْبُهُ كَفَن\rأو مما يورثكم الحياة الأبدية في النعيم الدائم من العقائد والأعمال ، أو من الجهاد فإنه سبب بقائكم إذ لو تركوه لغلبهم العدو وقتلهم ، أو الشهادة لقوله تعالى : { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } { واعلموا أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ } تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله تعالى : { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب مما عسى يغفل عنه صاحبها ، أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل أن يحول الله بينه وبين قلبه بالموت أو غيره ، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه فيفسخ عزائمه ويغير مقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ، وبينه وبين الإِيمان إن قضى شقاوته . وقرىء « بَيْنَ المرء » بالتشديد على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الراء وإجراء الوصل مجرى الوقف على لغة من يشدد فيه . { وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فيجازيكم بأعمالكم .","part":2,"page":380},{"id":881,"text":"{ واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } اتقوا ذنباً يعمكم أثره كإقرار المنكر بين أظهركم والمداهنة في الأمر بالمعروف وافتراق الكلمة وظهور البدع والتكاسل في الجهاد على أن قوله لا تصيبن إما جواب الأمر على معنى أن أصابتكم لا تصيب الظالمين منكم خاصة بل تعمكم ، وفيه أن جواب الشرط متردد فلا يليق به النون المؤكدة لكنه لما تضمن معنى النهي ساغ فيه كقوله تعالى : { ادخلوا مساكنكم لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ } وأما صفة ل { لفتنة } ، ولا للنفي وفيه شذوذ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم ، أو لنهي على إرادة القول كقوله :\rحتى إذا جن الظلام واختلط ... جاؤوا بمذق هل رأيت الذئب قط\rوَإما جواب قسم محذوف كقراءة من قرأ لتصيبن وإن اختلفا في المعنى ، ويحتمل أن يكون نهياً بعد الأمر باتقاء الذنب عن التعرض للظلم لأن وباله يصيب الظالم خاصة ويعود عليه ، ومن في منكم على الوجه الأول للتبعيض وعلى الأخيرين للتبيين وفائدته التنبيه على أن الظلم منكم أقبح من غيركم . { واعلموا أَنَّ الله شَدِيدُ العقاب } .","part":2,"page":381},{"id":882,"text":"{ واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِى الأرض } أرض مكة يستضعفكم قريش ، والخطاب للمهاجرين . وقيل للعرب كافة فإنهم كانوا أذلاء في أيدي فارس والروم . { تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ الناس } كفار قريش أو من عداهم فإنهم كانوا جميعاً معادين لهم مضادين لهم . { فَآوَاكُمْ } إلى المدينة ، أو جعل لكم مأوى تتحصنون به عن أعاديكم . { وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ } على الكفار أو بمظاهرة الأنصار ، أو بإمداد الملائكة يوم بدر . { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } من الغنائم . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ لاَ تَخُونُواْ الله والرسول } بتعطيل الفرائض والسنن ، أو بأن تضمروا خلاف ما تظهرون ، أو بالغلول في المغانم . وروي : ( أنه E حاصر بني قريظة إحدى وعشرين ليلة ، فسألوه الصلح كما صالح إخوانهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحاء بأرض الشام ، فأبى إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا : أرسل إلينا أبا لبابة وكان مناصحاً لهم لأن عياله وماله في أيديهم ، فبعثه إليهم فقالوا ما ترى هل ننزل على حكم سعد بن معاذ ، فأشار إلى حلقه أنه الذبح ، قال أبو لبابة : فما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ، فنزلت . فشد نفسه على سارية في المسجد وقال : والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت أو يتوب الله علي ، فمكث سبعة أيام حتى خر مغشياً عليه ، ثم تاب الله عليه فقيل له : قد تيب عليك فحل نفسك فقال : لا والله لا أحلها حتى يكون رسول الله A هو الذي يحلني ، فجاءه فحله بيده فقال إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب ، وأن أنخلع من مالي فقال E « يجزيك الثلث أن تتصدق به » وأصل الخون النقص كما أن أصل الوفاء التمام ، واستعماله في ضد الأمانة لتضمنه إياه . { وَتَخُونُواْ أماناتكم } فيما بينكم وهو مجزوم بالعطف على الأول أو منصوب على الجواب بالواو . { وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنكم تخونون ، أو أنتم علماء تميزون الحسن من القبيح .\r{ واعلموا أَنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } لأنهم سبب الوقوع في الإِثم أو العقاب ، أو محنة من الله تعالى ليبلوكم فيهم فلا يحملنكم حبهم على الخيانة كأبي لبابة . { وَأَنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لمن آثر رضا الله عليهم وراعى حدوده فيهم ، فأنيطوا هممكم بما يؤديكم إليه .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إَن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا } هداية في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل أو نصراً يفرق بين المحق والمبطل بإعزاز المؤمنين وإذلال الكافرين ، أو مخرجاً من الشبهات ، أو نجاة عما تحذرون في الدارين ، أو ظهوراً يشهر أمركم ويبث صيتكم من قولهم بت أفعل كذا حتى سطع الفرقان أي الصبح .","part":2,"page":382},{"id":883,"text":"{ وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } ويسترها . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } بالتجاوز والعفو عنكم . وقيل السيئات الصغائر والذنوب الكبائر . وقيل المراد ما تقدم وما تأخر لأنها في أهل بدر وقد غفرهما الله تعالى لهم . { والله ذُو الفضل العظيم } تنبيه على أن ما وعده لهم على التقوى تفضل منه وإحسان ، وأنه ليس مما يوجب تقواهم عليه كالسيد إذا وعد عبده إنعاماً على عمل .\r{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } تذكار لما مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر نعمة الله في خلاصه . من مكرهم واستيلائه عليهم ، والمعنى واذكر إذ يمكرون بك . { لِيُثْبِتُوكَ } بالوثاق أو الحبس ، أو الإِثخان بالجرح من قولهم ضربه حتى أثبته لا حراك به ولا براح ، وقرىء { لِيُثْبِتُوكَ } بالتشديد «وليبيتوك» من البيات «وليقيدوك» . { أَوْ يَقْتُلُوكَ } بسيوفهم . { أَوْ يُخْرِجُوكَ } من مكة ، وذلك أنهم لما سمعوا بإسلام الأنصار ومبايعتهم فرقوا واجتمعوا في دار الندوة متشاورين في أمره ، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ وقال : أنا من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً فقال أبو البحتري : رأيي أن تحبسوه في بيت وتسدوا منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتى يموت ، فقال الشيخ بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم ، فقال هشام بن عمر ورأيي أن تحملوه على جمل فتخرجوه من أرضكم فلا يضركم ما صنع ، فقال بئس الرأي يفسد قوماً غيركم ويقاتلكم بهم ، فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كل بطن غلاماً وتعطوه سيفاً صارماً فيضربوه ضربة واحدة فيتفرق دمه في القبائل ، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم ، فإذا طلبوا العقل عقلناه . فقال صدق هذا الفتى فتفرقوا على رأيه ، فأتى جبريل النبي عليهما السلام وأخبره الخبر وأمره بالهجرة ، فبيت علياً رضي الله تعالى عنه في مضجعه وخرج مع أبي بكر رضي الله تعالى عنه إلى الغار . { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله } برد مكرهم عليهم ، أو بمجازاتهم عليه ، أو بمعاملة الماكرين معهم بأن أخرجهم إلى بدر وقلل المسلمين في أعينهم حتى حملوا عليهم فقتلوا . { والله خَيْرُ الماكرين } إذ لا يؤبه بمكرهم دون مكره ، وإسناد أمثال هذا ما يحسن للمزاوجة ولا يجوز إطلاقها ابتداء لما فيه من إيهام الذم .","part":2,"page":383},{"id":884,"text":"{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هذا } هو قول النضر بن الحارث ، وإسناده إلى الجميع إسناد ما فعله رئيس القوم إليهم فإنه كان قاصهم ، أو قول الذين ائتمروا في أمره E وهذا غاية مكابرتهم وفرط عنادهم ، إذ لو استطاعوا ذلك فما منعهم أن يشاؤوا وقد تحداهم وقرعهم بالعجز عشر سنين ، ثم قارعهم بالسيف فلم يعارضوا سورة مع أنفتهم وفرط استنكافهم أن يغلبوا خصوصاً في باب البيان . { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } ما سطره الأولون من القصص .","part":2,"page":384},{"id":885,"text":"{ وَإِذْ قَالُواْ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هذا أيضاً من كلام ذلك القائل أبلغ في الجحود . روي أنه لما قال النضر إن هذا إلا أساطير الأولين قال له النبي A : « ويلك إنه كلام الله » فقال ذلك . والمعنى إن كان هذا حقاً منزلاً فأمطر الحجارة علينا عقوبة على إنكاره ، أو ائتنا بعذاب أليم سواه ، والمراد منه التهكم وإظهار اليقين والجزم التام على كونه باطلاً . وقرىء { الحق } بالرفع على أن { هُوَ } مبتدأ غير فصل ، وفائدة التعريف فيه الدلالة على أن المعلق به كونه حقاً بالوجه الذي يدعيه النبي A وهو تنزيله لا الحق مطلقاً لتجويزهم أن يكون مطابقاً للواقع غير منزل كأساطير الأولين .\r{ وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } بيان لما كان الموجب لإِمهالهم والتوقف في إجابة دعائهم ، واللام لتأكيد النفي والدلالة على أن تعذيبهم عذاب استئصال والنبي A بين أظهرهم خارج عن عادته غير مستقيم في قضائه ، والمراد باستغفارهم إما استغفار من بقي فيهم من المؤمنين ، أو قولهم اللهم غفرانك ، أو فرصة على معنى لو استغفروا لم يعذبوا كقوله : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ . }","part":2,"page":385},{"id":886,"text":"{ وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذّبَهُمُ الله } وما لهم مما يمنع تعذيبهم متى زال ذلك وكيف لا يعذبون . { وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ المسجد الحرام } وحالهم ذلك ومن صدهم عنه إلجاء رسول الله A والمؤمنين إلى الهجرة وإحصارهم عام الحديبية . { وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ } مستحقين ولاية أمره مع شركهم ، وهو رد لما كانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصد من نشاء وندخل من نشاء . { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ المتقون } من الشرك الذين لا يعبدون فيه غيره ، وقيل الضميران { لِلَّهِ } . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن لا ولاية لهم عليه كأنه نبه بالأكثر أن منهم من يعلم ويعاند ، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم .","part":2,"page":386},{"id":887,"text":"{ وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت } أي دعاؤهم أو ما يسمونه صلاة ، أو ما يضعون موضعها . { إِلاَّ مُكَاء } صفيراً فعال من مكا يمكو إذا صفر . وقرىء بالقصر كالبكا . { وَتَصْدِيَةً } تصفيقاً تفعله من الصدا ، أو من الصد على إبدال أحد حرفي التضعيف بالياء . وقرىء { صَلاَتِهِمْ } بالنصب على أنه الخبر المقدم ، ومساق الكلام لتقرير استحقاقهم العذاب أو عدم ولايتهم للمسجد فإنها لا تليق بمن هذه صلاته . روي : أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء مشبكين بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون . وقيل : كانوا يفعلون ذلك إذا أراد النبي A أن يصلي يخلطون عليه ويرون أنهم يصلون أيضاً . { فَذُوقُواْ العذاب } يعني القتل والأسر يوم بدر ، وقيل عذاب الآخرة واللام يحتمل أن تكون للعهد والمعهود : { ائتنا بِعَذَابِ } . { بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } اعتقاداً وعملاً .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أموالهم لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلاً من قريش يطعم كل واحد منهم كل يوم عشر جزر ، أو في أبي سفيان استأجر ليوم أحد ألفين من العرب سوى من استجاش من العرب ، وأنفق عليهم أربعين أوقية . أو في أصحاب العير فإنه لما أصيب قريش ببدر قيل لهم أعينوا بهذا المال على حرب محمد لعلنا ندرك منه ثأرنا ففعلوا ، والمراد ب { سَبِيلِ الله } دينه واتباع رسوله . { فَسَيُنفِقُونَهَا } بتمامها ولعل الأول إخبار عن إنفاقهم في تلك الحال وهو إنفاق بدر ، والثاني إخبار عن إنفاقهم فيما يستقبل وهو إنفاق أحد ، ويحتمل أن يراد بهما واحد على أن مساق الأول لبيان غرض الإِنفاق ومساق الثاني لبيان عاقبته وإنه لم يقع بعد . { ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } ندماً وغماً لفواتها من غير مقصود جعل ذاتها تصير حسرة وهي عاقبة إنفاقها مبالغة . { ثُمَّ يُغْلَبُونَ } آخر الأمر وإن كان الحرب بينهم سجالاً قبل ذلك . { والذين كَفَرُواْ } أي الذين ثبتوا على الكفر منهم إذا أسلم بعضهم . { إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ } يساقون .\r{ لِيَمِيزَ الله الخبيث مِنَ الطيب } الكافر من المؤمن ، أو الفساد من الصلاح . واللام متعلقة ب { يُحْشَرُونَ } أو { يُغْلَبُونَ } أو ما أنفقه المشركون في عداوة رسول الله A مما أنفقه المسلمون في نصرته ، واللام متعلقة بقوله { ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب { لِيَمِيزَ } من التمييز وهو أبلغ من الميز . { وَيَجْعَلَ الخبيث بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً } فيجمعه ويضم بعضه إلى بعض حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم ، أو يضم إلى الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه كمال الكانزين . { فَيَجْعَلَهُ فِى جَهَنَّمَ } كله . { أولئك } إشارة إلى الخبيث لأنه مقدر بالفريق الخبيث أو إلى المنفقين .","part":2,"page":387},{"id":888,"text":"{ هُمُ الخاسرون } الكاملون في الخسران لأنهم خسروا أنفسهم وأموالهم .\r{ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } يعني أبا سفيان وأصحابه والمعنى قل لأجلهم . { إِن يَنتَهُواْ } عن معاداة الرسول A بالدخول في الإسلام . { يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ } من ذنوبهم ، وقرىء بالتاء والكاف على أنه خاطبهم و { يَغْفِرُ } على البناء للفاعل وهو الله تعالى . { وَإِن يَعُودُواْ } إلى قتاله . { فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين } الذين تحزبوا على الأنبياء بالتدمير كما جرى على أهل بدر فليتوقعوا مثل ذلك .\r{ وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ } لا يوجد فيهم شرك . { وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلهِ } وتضمحل عنهم الأديان الباطلة . { فَإِنِ انْتَهَوْاْ } عن الكفر . { فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيهم على انتهائهم عنه وإسلامهم . وعن يعقوب «تعملون» بالتاء على معنى فإن الله بما تعملون من الجهاد والدعوة إلى الإِسلام والإِخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإِيمان بصير ، فيجازيكم ويكون تعليقه بانتهائهم دلالة على أنه كما يستدعي إثابتهم للمباشرة يستدعي إثابة مقاتليهم للتسبب .\r{ وَإِن تَوَلَّوْاْ } ولم ينتهوا . { فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ } ناصركم فثقوا به ولا تبالوا بمعاداتهم . { نِعْمَ المولى } لا يضيع من تولاه . { وَنِعْمَ النصير } لا يغلب من نصره .","part":2,"page":388},{"id":889,"text":"{ واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم } أي الذي أخذتموه من الكفار قهراً . . { مِن شَىْء } مما يقع عليه اسم الشيء حتى الخيط . { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } مبتدأ خبره محذوف أي : فثابت أن لله خمسة . وقرىء فإن بالكسر والجمهور على أن ذكر الله للتعظيم كما في قوله : { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } وأن المراد قسم الخمس على الخمسة المعطوفين { وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } فكأنه قال : فأن لله خمسه يصرف إلى هؤلاء الأخصين به . وحكمه بعد ، باق غير أن سهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كما فعله الشيخان رضي الله تعالى عنهما . وقيل إلى الإمام . وقيل إلى الأصناف الأربعة . وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه سقط سهمه وسهم ذوي القربى بوفاته وصار الكل مصروفاً إلى الثلاثة الباقية . وعن مالك رضي الله تعالى عنه الأمر فيه مفوض إلى رأي الإمام يصرفه إلى ما يراه أهم ، وذهب أبو العالية إلى ظاهر الآية فقال يقسم ستة أقسام ويصرف سهم الله إلى الكعبة لما روي ( أنه E كان يأخذ قبضة منه فيجعلها للكعبة ثم يقسم ما بقي على خمسة ) . وقيل سهم الله لبيت المال . وقيل هو مضموم إلى سهم الرسول A . وذوو القربى : بنو هاشم ، وبنو المطلب . لما روي أنه E قسم سهم ذوي القربى عليهما فقال له عثمان وجبير بن مطعم Bهما : هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم ، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال E : « إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام وشبك بين أصابعه » وقيل بنو هاشم وحدهم . وقيل جميع قريش الغني والفقير فيه سواء . وقيل هو مخصوص بفقرائهم كسهم بن السبيل . وقيل الخمس كله لهم والمراد باليتامى والمساكين وابن السبيل من كان منهم والعطف للتخصيص . والآية نزلت ببدر . وقيل الخمس كان في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهراً من الهجرة . { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ } متعلق بمحذوف دل عليه { واعلموا } أي : إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنه جعل الخمس لهؤلاء فسلموه إليهم واقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية ، فإن العلم العملي إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرد لأنه مقصود بالعرض والمقصود بالذات هو العمل . { وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا } محمد A من الآيات والملائكة والنصر . وقرىء { عَبْدَنَا } بضمتين أي الرسول A والمؤمنين . { يَوْمَ الفرقان } يوم بدر فإنه فرق فيه بين الحق والباطل . { يَوْمَ التقى الجمعان } المسلمون والكافرون . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على نصر القليل على الكثير والإِمداد بالملائكة .","part":2,"page":389},{"id":890,"text":"{ إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا } بدل من { يَوْمَ الفرقان } ، والعدوة بالحركات الثلاث شط الوادي وقد قرىء بها ، والمشهور الضم والكسر وهو قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب . { وَهُم بالعدوة القصوى } البعدى من المدينة ، تأنيث الأقصى وكان قياسه قلب الواو ياء كالدنيا والعليا تفرقة بين الاسم والصفة فجاء على الأصل كالقود وهو أكثر استعمالاً من القصيا . { والركب } أي العير أو قوادها . { أَسْفَلَ مِنكُمْ } في مكان أسفل من مكانكم يعني الساحل ، وهو منصوب على الظرف واقع موقع الخبر والجملة حال من الظرف قبله ، وفائدتها الدلالة على قوة العدو واستظهارهم بالركب وحرصهم على المقاتلة عنها وتوطين نفوسهم على أن لا يخلوا مراكزهم ويبذلوا منتهى جهدهم ، وضعف شأن المسلمين والتياث أمرهم واستبعاد غلبتهم عادة ، وكذا ذكر مراكز الفريقين فإن العدوة الدنيا كانت رخوة تسوخ فيها الأرجل ولا يمشي فيها إلا بتعب ولم يكن بها ماء ، بخلاف العدوة القصوى وكذا قوله : { وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد } أي لو تواعدتم أنتم وهم القتال ثم علمتم حالكم وحالهم لاختلفتم أنتم في الميعاد هيبة منهم ، ويأساً من الظفر عليهم ليتحققوا أن ما اتفق لهم من الفتح ليس إلا صنعاً من الله تعالى خارقاً للعادة فيزدادوا إيماناً وشكراً . { ولكن } جمع بينكم على هذه الحال من غير ميعاد . { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } حقيقاً بأن يفعل وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه ، وقوله : { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويحيى مَنْ حَىَّ عَن بَيّنَةٍ } بدل منه أو متعلق بقوله مفعولاً والمعنى : ليموت من يموت عن بينة عاينها ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها لئلا يكون له حجة ومعذرة ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة . أو ليصدر كفر من كفر وإيمان من آمن عن وضوح بينة على استعارة الهلاك والحياة للكفر والإِسلام ، والمراد بمن هلك ومن حي المشارف للهلاك والحياة ، أو من هذا حاله في علم الله وقضائه . وقرىء « ليَهْلَكَ » بالفتح وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر ويعقوب من « حيي » بفك الإِدغام للحمل على المستقبل . { وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ } بكفر من كفر وعقابه ، وإيمان من آمن وثوابه ، ولعل الجمع بين الوصفين لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد .","part":2,"page":390},{"id":891,"text":"{ إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } مقدر باذكر أو بدل ثان من يوم الفرقان ، أو متعلق بعليم أي يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك في رؤياك وهو أن تخبر به أصحابك فيكون تثبيتاً لهم وتشجيعاً على عدوهم . { وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } لجبنتم . { ولتنازعتم فِى الأمر } في أمر القتال وتفرقت آراؤكم بين الثبات والفرار . { ولكن الله سَلَّمَ } أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع . { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } يعلم ما سيكون فيها وما يغير أحوالها .","part":2,"page":391},{"id":892,"text":"{ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ التقيتم فِى أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً } الضميران مفعولا يرى و { قَلِيلاً } حال من الثاني ، وإنما قللهم في أعين المسلمين حتى قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لمن إلى جنبه أتراهم سبعين فقال أراهم مائة ، تثبيتاً لهم وتصديقاً لرؤيا الرسول A . { وَيُقَلّلُكُمْ فِى أَعْيُنِهِمْ } حتى قال أبو جهل : إن محمداً وأصحابه أكلة جزور ، وقللهم في أعينهم قبل التحام القتال ليجترءوا عليهم ولا يستعدوا لهم ، ثم كثرهم حتى يرونهم مثليهم لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم ، وهذا من عظائم آيات تلك الوقعة فإن البصر وإن كان قد يرى الكثير قليلاً والقليل كثيراً لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد ، وإنما يتصور ذلك بصد الله الأبصار عن إبصار بعض دون بعض مع التساوي في الشروط . { لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً } كرره لاختلاف الفعل المعلل به ، أو لأن المراد بالأمر ثمة الاكتفاء على الوجه المحكي وها هنا إعزاز الإِسلام وأهله وإذلال الإشراك وحزبه . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } .","part":2,"page":392},{"id":893,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً } حاربتم جماعة ولم يصفها لأن المؤمنين ما كانوا يلقون إلا الكفار ، واللقاء مما غلب في القتال . { فاثبتوا } للقائهم . { واذكروا الله كَثِيراً } في مواطن الحرب داعين له مستظهرين بذكره مترقبين لنصره . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة ، وفيه تنبيه على أن العبد ينبغي أن لا يشغله شيء عن ذكر الله ، وأن يلتجىء إليه عند الشدائد ويقبل عليه بشراشره فارغ البال واثقاً بأن لطفه لا ينفك عنه في شيء من الأحوال .","part":2,"page":393},{"id":894,"text":"{ وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تنازعوا } باختلاف الآراء كما فعلتم ببدر أو أحد . { فَتَفْشَلُواْ } جواب النهي . وقيل عطف عليه ولذلك قرىء : { وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } بالجزم ، والريح مستعارة للدولة من حيث إنها في تمشي أمرها ونفاذه مشبهة بها في هبوبها ونفوذها . وقيل المراد بها الحقيقة فإن النصرة لا تكون إلا بريح يبعثها الله وفي الحديث « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » { واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين } بالكلاءة والنصرة .","part":2,"page":394},{"id":895,"text":"{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن ديارهم } يعني أهل مكة حين خرجوا منها لحماية العير . { بَطَراً } فخراً وأشراً . { وَرِئَاء الناس } ليثنوا عليهم بالشجاعة والسماحة ، وذلك أنهم لما بلغوا الجحفة وافاهم رسول أبي سفيان أن ارجعوا فقد سلمت عيركم فقال أبو جهل : لا والله حتى نقدم بدراً ونشرب فيها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب ، فوافوها ولكن سقوا كأس المنايا وناحت عليهم النوائح ، فنهى المؤمنين أن يكونوا أمثالهم بطرين مرائين ، وأمرهم بأن يكونوا أهل تقوى وإخلاص من حيث إن النهي عن الشيء أمر بضده . { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } معطوف على بطراً إن جعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جعل مفعولاً له لكن على تأويل المصدر . { والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } فيجازيكم عليه .","part":2,"page":395},{"id":896,"text":"{ وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان } مقدر باذكر . { أعمالهم } في معاداة الرسول A وغيرها بأن وسوس إليهم . { وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } مقالة نفسانية والمعنى : أنه ألقى في روعهم وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون لكثرة عددهم وعدتهم ، وأوهمهم أن اتباعهم إياه فيما يظنون أنها قربات مجير لهم حتى قالوا : اللهم انصر أهدى الفئتين وأفضل الدينين ، ولكم خبر لا غالب أو صفته وليس صلته وإلا لانتصب كقولك : لا ضارباً زيداً عندنا . { فَلَمَّا تَرَاءتِ الفئتان } أي تلاقى الفريقان . { نَكَصَ على عَقِبَيْهِ } رجع القهقرى أي بطل كيده وعاد ما خيل إليهم أنه مجيرهم سبب هلاكهم . { وَقَالَ إِنّي بَرِىء مّنْكُمْ إِنّي أرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنّي أَخَافُ الله } أي تبرأ منهم وخاف عليهم وأيس من حالهم لما رأى إمداد الله المسلمين بالملائكة ، وقيل : لما اجتمعت قريش على المسير ذكرت ما بينهم وبين كنانة من الإِحنة وكاد ذلك يثنيهم ، فتمثل لهم إبليس بصورة سراقة بن مالك الكناني وقال لا غالب لكم اليوم وإني مجيركم من بني كنانة ، فلما رأى الملائكة تنزل نكص وكان يده في يد الحارث بن هشام فقال له : إلى أين أتخذلنا في هذه الحالة فقال إني أرى ما لا ترون ، ودفع في صدر الحارث وانطلق وانهزموا ، فلما بلغوا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغه ذلك فقال : والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم فلما أسلموا علموا أنه الشيطان . وعلى هذا يحتمل أن يكون معنى قوله : { إِنّى أَخَافُ الله } إني أخافه أن يصيبني بمكروه من الملائكة أو يهلكني ويكون الوقت هو الوقت الموعود إذ رأى فيه ما لم ير قبله ، والأول ما قاله الحسن واختاره ابن بحر . { والله شَدِيدُ العقاب } يجوز أن يكون من كلامه وأن يكون مستأنفاً .","part":2,"page":396},{"id":897,"text":"{ إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } والذين لم يطمئنوا إلى الإِيمان بعد وبقي في قلوبهم شبهة . وقيل هم المشركون . وقيل المنافقون والعطف لتغاير الوصفين . { غَرَّ هَؤُلاء } يعنون المؤمنين . { دِينَهُمُ } حتى تعرضوا لما لا يدي لهم به فخرجوا وهم ثلاثمائة وبضعة عشرة إلى زهاء ألف . { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله } جواب لهم . { فَإِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يذل من استجار به وإن قل { حَكِيمٌ } يفعل بحكمته البالغة ما يستبعده العقل ويعجز عن إدراكه .","part":2,"page":397},{"id":898,"text":"{ وَلَوْ تَرَى } ولو رأيت فإن لو تجعل المضارع ماضياً عكس إن . { إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملئكة } ببدر ، وإذ ظرف ترى والمفعول محذوف أي ولو ترى الكفرة أو حالهم حينئذ ، والملائكة فاعل يتوفى ويدل عليه قراءة ابن عامر بالتاء ويجوز أن يكون الفاعل ضمير الله D وهو مبتدأ خبره { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ } والجملة حال من الذين كفروا ، واستغني فيه بالضمير عن الواو وهو على الأول حال منهم أو من الملائكة أو منهما لاشتماله على الضميرين . { وأدبارهم } ظهورهم أو أستاههم ، ولعل المراد تعميم الضرب أي يضربون ما أقبل منهم وما أدبر . { وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق } عطف على يضربون بإضمار القول أي ويقولون ذوقوا بشارة لهم بعذاب الآخرة . وقيل كانت معهم مقامع من حديد كلما ضربوا التهبت النار منها ، وجواب { لَوْ } محذوف لتفظيع الأمر وتهويله .\r{ ذلك } الضرب والعذاب . { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ } بسبب ما كسبت من الكفر والمعاصي وهو خبر لذلك . { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } عطف على «ما» للدلالة على أن سببيته بانضمامه إليه إذ لولاه لأمكن أن يعذبهم بغير ذنوبهم لا أن لا يعذبهم بذنوبهم . فإن ترك التعذيب من مستحقه ليس بظلم شرعاً ولا عقلاً حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب وظلام التكثير لأجل العبيد .\r{ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ } أي دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون وهو عملهم وطريقهم الذي دأبوا فيه أي داموا عليه . { والذين مِن قَبْلِهِمْ } من قبل آل فرعون . { كَفَرُواْ بئايات الله } تفسير لدأبهم . { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ } كما أخذ هؤلاء . { إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب } لا يغلبه في دفعه شيء .\r{ ذلك } إشارة إلى ما حل بهم . { بِأَنَّ الله } بسبب أن الله . { لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ } مبدلاً إياها بالنقمة . { حتى يُغَيّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } يبدلوا ما بهم من الحال إلى حال أسوأ ، كتغيير قريش حالهم في صلة الرحم والكف عن تعرض الآيات والرسل بمعادة الرسول E ومن تبعه منهم ، والسعي في إراقة دمائهم والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد المبعث ، وليس السبب عدم تغيير الله ما أنعم عليهم حتى يغيروا حالهم بل ما هو المفهوم له وهو جري عادته على تغييره متى يغيروا حالهم ، وأصل يك يكون فحذفت الحركة للجزم ثم الواو لالتقاء الساكنين ثم النون لشبهه بالحروف اللينة تخفيفاً . { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ } لما يقولون . { عَلِيمٌ } بما يفعلون .\r{ كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيات رَبّهِمْ فأهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَونَ } تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة على كفران النعم بقوله : { بآيات رَبّهِمْ } وبيان ما أخذ به آل فرعون . وقيل الأول لتشبيه الكفر والأخذ به والثاني لتشبيه التغيير في النعمة بسبب تغييرهم ما بأنفسهم .","part":2,"page":398},{"id":899,"text":"{ وَكُلٌّ } من الفرق المكذبة ، أو من غرقى القبط وقتلى قريش . { كَانُواْ ظالمين } أنفسهم بالكفر والمعاصي .\r{ إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } أصروا على الكفر ورسخوا فيه . { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } فلا يتوقع منهم إيمان ، ولعله إخبار عن قوم مطبوعين على الكفر بأنهم لا يؤمنون ، والفاء للعطف والتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعي تحقق المعطوف ، وقوله :\r{ الذين عاهدت مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرَّةٍ } بدل من الذين كفروا بدل البعض للبيان والتخصيص ، وهم يهود قريظة عاهدهم رسول الله A أن لا يمالئوا عليه فأعانوا المشركين بالسلاح وقالوا : نسينا ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق ، وركب كعب بن الأشرف إلى مكة فحالفهم . ومن لتضمين المعاهدة معنى الأخذ والمراد بالمرة مرة المعاهدة أو المحاربة . { وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } سبة الغدر ومغبته ، أو لا يتقون الله فيه أو نصره للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم .","part":2,"page":399},{"id":900,"text":"{ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } فإما تصادفنهم وتظفرن بهم ، { فِى الحرب فَشَرّدْ بِهِم } ففرق عن مناصبتك ونكل عنها بقتلهم والنكاية فيهم { مّنْ خَلْفِهِمْ } من وراءهم من الكفرة والتشريد تفريق على اضطراب . وقرىء «فشرذ» بالذال المعجمة وكأنه مقلوب شذر و { مّنْ خَلْفِهِمْ } ، والمعنى واحد فإنه إذا شرد من وراءهم فقد فعل التشريد في الوراء . { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } لعل المشردين يتعظون .","part":2,"page":400},{"id":901,"text":"{ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ } معاهدين . { خِيَانَةً } نقض عهد بأمارات تلوح لك . { فانبذ إِلَيْهِمْ } فاطرح إلَيْهِمْ عهدهم . { على سَوَاء } على عدل وطريق قصد في العداوة ولا تناجزهم الحرب فإنه يكون خيانة منك ، أو على سواء في الخوف أو العلم بنقض العهد وهو في موضع الحال من النابذ على الوجه الأول أي ثابتاً على طريق سوي أو منه أو من المنبوذ إليهم أو منهما على غيره ، وقوله : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الخائنين } تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال على طريقة الاستئناف .","part":2,"page":401},{"id":902,"text":"{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ } خطاب للنبي A ، وقوله : { الذين كَفَرُواْ سَبَقُواْ } مفعولاه وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص بالياء على أن الفاعل ضمير أحد أو { مّنْ خَلْفِهِمْ } ، أو { الذين كَفَرُواْ } والمفعول الأول أنفسهم فحذف للتكرار ، أو على تقدير أن { سَبَقُواْ } وهو ضعيف لأن أن المصدرية كالموصول فلا تحذف أو على إيقاع الفعل على . { إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ } بالفتح على قراءة ابن عامر وأن { لا } صلة و { سَبَقُواْ } حال بمعنى سابقين أي مفلتين ، والأظهر أنه تعليل للنهي أي : لا تحسبنهم سبقوا فأفلتوا لأنهم لا يفوتون الله ، أو لا يجدون طالبهم عاجزاً . عن إدراكهم وكذا إن كسرت إن إلا أنه تعليل على سبيل الاستئناف ، ولعل الآية إزاحة لما يحذر به من نبذ العهد وإيقاظ العدو ، وقيل نزلت فيمن أفلت من فل المشركين .","part":2,"page":402},{"id":903,"text":"{ وَأَعِدُّواْ } أيها المؤمنون { لَهُمْ } لناقضي العهد أو الكفار . { مَّا استطعتم مّن قُوَّةٍ } من كل ما يتقوى به في الحرب . وعن عقبة بن عامر سمعته E يقول على المنبر \" ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثاً \" ولعله E خصه بالذكر لأنه أقواه . { وَمِن رّبَاطِ الخيل } اسم للخيل التي تربط في سبيل الله ، فعال بمعنى مفعول أو مصدر سمي به يقال ربط ربطاً ورباطاً ورابط مرابطة ورباطاً ، أو جمع ربيط كفصيل وفصال . وقرىء «ربط الخيل» بضم الباء وسكونها جمع رباط وعطفها على القوة كعطف جبريل وميكائيل على الملائكة . { تُرْهِبُونَ بِهِ } تخوفون به ، وعن يعقوب { تُرْهِبُونَ } بالتشديد والضمير ل { مَّا استطعتم } أو للإِعداد . { عَدُوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ } يعني كفار مكة . { وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ } من غيرهم من الكفرة . قيل هم اليهود وقيل المنافقون وقيل الفرس . { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ } لا تعرفونهم بأعيانهم . { الله يَعْلَمُهُمْ } يعرفهم . { وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْء فِى سَبِيلِ الله يُوَفَّ إِلَيْكُمْ } جزاؤه . { وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ } بتضييع العمل أو نقص الثواب .","part":2,"page":403},{"id":904,"text":"{ وَإِن جَنَحُواْ } مالوا ومنه الجناح . وقد يعدى باللام وإلى { لِلسَّلْمِ } للصلح أو الاستسلام . وقرأ أبو بكر بالكسر . { فاجنح لَهَا } وعاهد معهم وتأنيث الضمير لحمل السلم على نقيضها فيه . قال :\rالسِّلْمُ تَأْخُذُ مِنهَا مَا رَضِيْتَ بِه ... وَالحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أنْفَاسِهَا جَرَعُ\rوقرىء « فاجْنُحْ » بالضم . { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } ولا تخف من إبطانهم خداعاً فيه ، فإن الله يعصمك من مكرهم ويحيقه بهم . { إِنَّهُ هُوَ السميع } لأقوالهم . { العليم } بنياتهم . والآية مخصوصة بأهل الكتاب لاتصالها بقصتهم وقيل عامة نسختها آية السيف .","part":2,"page":404},{"id":905,"text":"{ وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الله } فإن محسبك الله وكافيك قال جرير :\rإِنِّي وَجَدْتُ مِنَ المَكَارِمْ حَسْبَكُم ... أَنْ تَلْبِسُوا حرَّ الثِيَابِ وَتَشْبَعُوا\r{ هُوَ الذى أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبالمؤمنين } جميعاً .","part":2,"page":405},{"id":906,"text":"{ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } مع ما فيهم من العصبية والضغينة في أدنى شيء ، والتهالك على الانتقام بحيث لا يكاد يأتلف فيهم قلبان حتى صاروا كنفس واحدة ، وهذا من معجزاته A ، وبيانه : { لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الأرض جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ } أي تناهي عداوتهم إلى حد لو أنفق منفق في إصلاح ذات بينهم ما في الأرض من الأموال لم يقدر على الألفة والإِصلاح . { ولكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ } بقدرته البالغة ، فإنه المالك للقلوب يقلبها كيف يشاء . { إِنَّهُ عَزِيزٌ } تام القدرة والغلبة لا يعصى عليه ما يريده . { حَكِيمٌ } يعلم أنه كيف ينبغي أن يفعل ما يريده ، وقيل الآية في الأوس والخزرج كان بينهم محن لا أمد لها ووقائع هلكت فيها ساداتهم ، فأنساهم الله ذلك وألف بينهم بالإسلام حتى تصافوا وصاروا أنصاراً .","part":2,"page":406},{"id":907,"text":"{ ياأيها النبى حَسْبُكَ الله } كافيك . { وَمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } أما في محل النصب على المفعول معه كقوله :\rإِذَا كَانت الهَيْجَاء وَاشْتَجَرَ القَنَا ... فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّد\rأو الجر عطفاً على المكني عند الكوفيين ، أو الرفع عطفاً على اسم الله تعالى أي كفاك الله والمؤمنون . والآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر ، وقيل أسلم مع النبي A ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ، ثم أسلم عمر Bه فنزلت . ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في إسلامه .","part":2,"page":407},{"id":908,"text":"{ ياأيها النبى حَرّضِ المؤمنين عَلَى القتال } بالغ في حثهم عليه ، وأصله الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفى على الموت وقرىء «حرص» من الحرص . { إِن يَكُن مّنكُمْ عِشْرُونَ صابرون يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مّنَ الذين كَفَرُواْ } شرط في معنى الأمر بمصابرة الواحد للعشرة ، والوعد بأنهم إن صبروا غلبوا بعون الله وتأييده . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر تكن بالتاء في الآيتين ووافقهم البصريان في { وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مّنكُمْ مّاْئَةٌ } . { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } بسبب أنهم جهلة بالله واليوم الآخر لا يثبتون ثبات المؤمنين رجاء الثواب وعوالي الدرجات قَتَلُوا أو قُتِلُوا ولا يستحقون من الله إلا الهوان والخذلان .","part":2,"page":408},{"id":909,"text":"{ الئان خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله } لما أوجب على الواحد مقاومة العشرة والثبات لهم وثقل ذلك عليهم خفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين ، وقيل كان فيهم قلة فأمروا بذلك ثم لما كثروا خفف عنهم ، وتكرير المعنى الواحد بذكر الأعداد المتناسبة للدلالة على أن حكم القليل والكثير واحد والضعف ضعف البدن . وقيل ضعف البصيرة وكانوا متفاوتين فيها ، وفيه لغتان الفتح وهو قراءة عاصم وحمزة والضم وهو قراءة الباقين . { والله مَعَ الصابرين } بالنصر والمعونة فكيف لا يغلبون .\r{ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ } وقرىء «للنبي» على العهد . { أَن يَكُونَ لَهُ أسرى } وقرأ البصريان بالتاء . { حتى يُثْخِنَ فِي الأرض } يكثر القتل ويبالغ فيه حتى يذل الكفر ويقل حزبه ويعز الإِسلام ويستولي أهله ، من أثخنه المرض إذا أثقله وأصله الثخانة ، وقرىء { يُثْخِنَ } بالتشديد للمبالغة . { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدنيا } حطامها بأخذكم الفداء . { والله يُرِيدُ الأخرة } يريد لكم ثواب الآخرة أو سبب نيل ثواب الآخرة من إعزاز دينه وقمع أعدائه . وقرىء بجر \" الآخِرَةِ \" على إضمار المضاف كقوله :\rأَكُلَّ امْرِىءٍ تَحْسَبِينَ امْرَأ ... وَنَارٌ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نَاراً\r{ والله عَزِيزٌ } يغلب أولياءه على أعدائه . { حَكِيمٌ } يعلم ما يليق بكل حال ويخصه بها ، كما أمر بالإِثخان ومنع عن الافتداء حين كانت الشوكة للمشركين وخير بينه وبين المن لما تحولت الحال وصارت الغلبة للمؤمنين . روي أنه E أتى يوم بدر بسبعين أسيراً فيهم العباس وعقيل بن أبي طالب فاستشار فيهم فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : قومك وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم وخذ منهم فدية تقوي بها أصحابك ، وقال عمر رضي الله تعالى عنه : اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وإن الله أغناك عن الفداء ، مكني من فلان لنسيب له ومكن علياً وحمزة من أخويهما فنضرب أعناقهم ، فلم يهو ذلك رسول الله A وقال : إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين ، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة ، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال : { فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ومثلك يا عمر مثل نوح قال : { رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } فخير أصحابه فأخذوا الفداء ، فنزلت فدخل عمر رضي الله تعالى عنه على رسول الله A فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال : «يا رسول الله أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت فقال : \" ابك على أصحابك في أخذهم الفداء ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة ، لشجرة قريبة \"","part":2,"page":409},{"id":910,"text":"والآية دليل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجتهدون وأنه قد يكون خطأ ولكن لا يقرون عليه .\r{ لَّوْلاَ كتاب مّنَ الله سَبَقَ } لولا حكم من الله سبق إثباته في اللوح المحفوظ ، وهو أن لا يعاقب المخطىء في اجتهاده أو أن لا يعذب أهل بدر أو قوماً بما لم يصرح لهم بالنهي عنه ، أو أن الفدية التي أخذوها ستحل لهم . { لَمَسَّكُمْ } لنالكم . { فِيمَا أَخَذْتُمْ } من الفداء . { عَذَابٌ عظِيمٌ } روي أنه E قال : \" لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ \" وذلك لأنه أيضاً أشار بالإثخان .\r{ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ } من الفدية فإنها من جملة الغنائم . وقيل أمسكوا عن الغنائم فنزلت . والفاء للتسبب والسبب محذوف تقديره : أبحت لكم الغنائم فكلوا ، وبنحوه تشبث من زعم أن الأمر الوارد بعد الحظر للإباحة . { حلالا } حال من المغنوم أو صفة للمصدر أي أكلاً حلالاً ، وفائدته إزاحة ما وقع في نفوسهم منه بسبب تلك المعاتبة ، أو حرمتها على الأولين ولذلك وصفه بقوله : { طَيّباً واتقوا الله } في مخالفته . { إِنَّ الله غَفُورٌ } غفر لكم ذنبكم { رَّحِيمٌ } أباح لكم ما أخذتم .\r{ ياأيها النبى قُل لّمَن فِى أَيْدِيكُم مّنَ الأسرى } وقرأ أبو عمرو «من الأسارى» . { إِن يَعْلَمِ الله فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً } إيماناً وإخلاصاً . { يُؤْتِكُمْ خَيْراً مّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ } من الفداء . روي \" أنها نزلت في العباس Bه كلفه رسول الله A أن يفدي نفسه وابني أخويه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث فقال : يا محمد تركتني أتكفف قريشاً ما بقيت فقال : أين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك وقلت لها : إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم ، فقال العباس : وما يدريك ، قال : أخبرني به ربي تعالى ، قال : فأشهد أنك صادق وأن لا إله إلا الله وأنك رسوله والله لم يطلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل ، قال العباس فأبدلني الله خيراً من ذلك لي الآن عشرون عبداً إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفاً وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة وأنا أنتظر المغفرة من ربكم \" يعني الموعود بقوله : { وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .","part":2,"page":410},{"id":911,"text":"{ وَإِن يُرِيدُواْ } يعني الأسرى . { خِيَانَتَكَ } نقض ما عاهدوك . { فَقَدْ خَانُواْ الله } بالكفر ونقض ميثاقه المأخوذ بالعقل . { مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ } أي فأمكنك منهم كما فعل يوم بدر فإن أعادوا الخيانة فسيمكنك منهم . { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } .","part":2,"page":411},{"id":912,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ } هم المهاجرون هجروا أوطانهم حباً لله ولرسوله . { وجاهدوا بأموالهم } فصرفوها في الكراع والسلاح وأنفقوها على المحاويج . { وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } بمباشرة القتال . { والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ } هم الأنصار آووا المهاجرين إلى ديارهم ونصروهم على أعدائهم . { أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في الميراث ، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالهجرة والنصرة دون الأقارب حتى نسخ بقوله : { وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } أو بالنصرة والمظاهرة . { والذين ءامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مّن ولايتهم مّن شَىْء حتى يُهَاجِرُواْ } أي من توليهم في الميراث ، وقرأ حمزة { ولايتهم } بالكسر تشبيهاً لها بالعمل والصناعة كالكتابة والإمارة كأنه بتوليه صاحبه يزاول عملاً . { وَإِنِ استنصروكم فِى الدين فَعَلَيْكُمُ النصر } فواجب عليكم أن تنصروهم على المشركين . { إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مّيثَاقٌ } عهد فإنه لا ينقض عهدهم لنصرهم عليهم . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .","part":2,"page":412},{"id":913,"text":"{ والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في الميراث أو المؤازرة ، وهو بمفهومه يدل على منع التوارث أو المؤازرة بينهم وبين المسلمين . { إِلاَّ تَفْعَلُوهُ } إلا تفعلوا ما أمرتم به من التواصل بينكم وتولى بعضكم لبعض حتى في التوارث وقطع العلائق بينكم وبين الكفار . { تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الأرض } تحصل فتنة فيها عظيمة ، وهي ضعف الإيمان وظهور الكفر . { وَفَسَادٌ كَبِيرٌ } في الدين وقرىء كثير .","part":2,"page":413},{"id":914,"text":"{ والذين ءامَنُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين ءاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ المؤمنون حَقّاً } لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام بين أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم بتحصيل مقتضاه من الهجرة والجهاد وبذل المال ونصرة الحق ، ووعد لهم الموعد الكريم فقال . { لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لا تبعة له ولا منة فيه ، ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهن ويتسم بسمتهم فقال :","part":2,"page":414},{"id":915,"text":"{ والذين ءامَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار . { وَأُوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } في التوارث من الأجانب . { فِى كتاب الله } في حكمه ، أو في اللوح أو في القرآن واستدل به على توريث ذوي الأرحام . { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } من الموارث والحكمة في إناطتها بنسبة الإِسلام والمظاهرة ، أولاً واعتبار القرابة ثانياً . عن النبي A : « من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له يوم القيامة ، وشاهد أنه بريء من النفاق ، وأعطي حسنات بعدد كل منافق ومنافقة ، وكان العرش وحملته يستغفرون له أيام حياته » .","part":2,"page":415},{"id":916,"text":"{ بَرَاءةٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ } أي هذه براءة ، ومن ابتدائية متعلقة بمحذوف تقديره وأصله { مّنَ الله وَرَسُولِهِ } ، ويجوز أن تكون { بَرَاءةٌ } مبتدأ لتخصصها بصفتها والخبر { إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مّنَ المشركين } وقرىء بنصبها على اسمعوا براءة ، والمعنى : أن الله ورسوله برئا من العهد الذي عاهدتم به المشركين ، وإنما علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين للدلالة على أنه يجب عليهم نبذ عهود المشركين إليهم وإن كانت صادرة بإذن الله تعالى واتفاق الرسول فإنهما برئا منها ، وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا إلا أناساً منهم بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى الناكثين وأمهل المشركين أربعة أشهر ليسيروا أين شاءوا فقال : { فَسِيحُواْ فِى الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } شوال وذي القعدة وذي الحجة والمحرم لأنها نزلت في شوال . وقيل هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وعشر من ربيع الآخر لأن التبليغ كان يوم النحر لما روي ( أنها لما نزلت أرسل رسول الله A علياً Bه راكب العضباء ليقرأها على أهل الموسم ، وكان قد بعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه أميراً على الموسم فقيل له : لو بعثت بها إلى أبي بكر فقال : لا يؤدي عني إلا رجل مني ، فلما دنا علي رضي الله تعالى عنه سمع أبو بكر الرغاء فوقف وقال : هذا رغاء ناقة رسول الله A فلما لحقه قال : أمير أو مأمور قال مأمور ، فلما كان قبل التروية خطب أبو بكر رضي الله تعالى عنه وحدثهم عن مناسكهم وقام علي Bه يوم النحر عند جمرة العقبة فقال : أيها الناس إني رسول الله إليكم ، فقالوا بماذا فقرأ عليهم ثلاثين أو أربعين آية ثم قال : أمرت بأربع : أن لا يقرب البيت بعد هذا العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان ، ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة ، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده ) . ولعل قوله A « لا يؤدي عني إلا رجل مني » ليس على العموم ، فإنه A بعث لأن يؤدي عنه كثير لم يكونوا من عترته ، بل هو مخصوص بالعهود فإن عادة العرب أن لا يتولى العهد ونقضه على القبيلة إلا رجل منها ، ويدل عليه أنه في بعض الروايات « لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي » { واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله } لا تفوتونه وإن أمهلكم . { الله مُخْزِى الكافرين } بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة .","part":2,"page":416},{"id":917,"text":"{ وَأَذَانٌ مّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الناس } أي إعلام فعال بمعنى الإِفعال كالأمان والعطاء ، ورفعه كرفع { بَرَاءةٌ } على الوجهين . { يَوْمَ الحج الأكبر } يوم العيد لأن فيه تمام الحج معظم أفعاله ، ولأن الإِعلام كان فيه ولما روي أنه A وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال « هذا يوم الحج الأكبر » وقيل يوم عرفة لقوله A « الحج عرفة » ووصف الحج بالأكبر لأن العمرة تسمى الحج الأصغر ، أو لأن المراد بالحج ما يقع في ذلك اليوم من أعماله فإنه أكبر من باقي الأعمال ، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب ، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين . { إِنَّ الله } أي بأن الله . { بَرِىء مّنَ المشركين } أي من عهودهم . { وَرَسُولُهُ } عطف على المستكن في { بَرِىء } ، أو على محل { إِن } واسمها في قراءة من كسرها إجراء للأذان مجرى القول ، وقرىء بالنصب عطفاً على اسم إن أو لأن الواو بمعنى مع ولا تكرير فيه ، فإن قوله { بَرَاءةٌ مّنَ الله } إخبار بثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإِعلام بذلك ولذلك علقه بالناس ولم يخصه بالمعاهدين . { فَإِن تُبْتُمْ } من الكفر والغدر . { فَهُوَ } فالتوب { خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ } عن التوبة أو تبتم على التولي عن الإسلام والوفاء . { فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى الله } لا تفوتونه طلباً ولا تعجزونه هرباً في الدنيا . { وَبَشّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } في الآخرة .","part":2,"page":417},{"id":918,"text":"{ إِلاَّ الذين عاهدتم مّنَ المشركين } استثناء من المشركين ، أو استدراك فكأنه قيل لهم بعد أن أمروا بنبذ العهد إلى الناكثين ولكن الذين عاهدوا منهم . { ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً } من شروط العهد ولم ينكثوه أو لم يقتلوا منكم ولم يضروكم قط . { وَلَمْ يظاهروا عَلَيْكُمْ أَحَداً } من أعدائكم { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } إلى تمام مدتهم ولا تجروهم مجرى الناكثين . { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } تعليل وتنبيه على أن إتمام عهدهم من باب التقوى .","part":2,"page":418},{"id":919,"text":"{ فَإِذَا انسلخ } انقضى ، وأصل الانسلاخ خروج الشيء مما لابسه من سلخ الشاة . { الأشهر الحرم } التي أبيح للناكثين أن يسيحوا فيها . وقيل هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم وهذا مخل بالنظم مخالف للإِجماع فإنه يقتضي بقاء حرمة الأشهر الحرم إذ ليس فيما نزل بعد ما ينسخها . { فاقتلوا المشركين } الناكثين . { حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } من حل أو حرم . { وَخُذُوهُمْ } وأسروهم ، والأخيذ الأسير . { واحصروهم } واحبسوهم أو حيلوا بينهم وبين المسجد الحرام . { واقعدوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ } كل ممر لئلا يتبسطوا في البلاد ، وانتصابه على الظرف . { فَإِن تَابُواْ } عن الشرك بالإِيمان . { وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة } تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم . { فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } فدعوهم ولا تتعرضوا لهم بشيء من ذلك ، وفيه دليل على أن تارك الصلاة ومانع الزكاة لا يخلى سبيله . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليل للأمر أي فخلوهم لأن الله غفور رحيم غفر لهم ما قد سلف وعدلهم الثواب بالتوبة .","part":2,"page":419},{"id":920,"text":"{ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ المشركين } المأمور بالتعرض لهم . { استجارك } استأمنك وطلب منك جوارك . { فَأَجِرْهُ } فأمنه . { حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله } ويتدبره ويطلع على حقيقة الأمر . { ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ } موضع أمنه إن لم يسلم ، وأحدٌ رفع بفعل يفسره ما بعده لا بالابتداء لأن إن من عوامل الفعل . { ذلك } الأمن أو الأمر . { بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ } ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه فلا بد من أمانهم ريثما يسمعون ويتدبرون .","part":2,"page":420},{"id":921,"text":"{ كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ } استفهام بمعنى الإِنكار والاستبعاد لأن يكون لهم عهد ولا ينكثوه مع وغرة صدورهم ، أو لأن يفي الله ورسوله بالعهد وهم نكثوه ، وخبر يكون كيف وقدم للاستفهام أو للمشركين أو عند الله وهو على الأولين صفة لل { عهد } أو ظرف له أو ل { يَكُونَ } ، و { كَيْفَ } على الأخيرين حال من ال { عهد } و { لّلْمُشْرِكِينَ } إن لم يكن خبراً فتبيين . { إِلاَّ الذين عاهدتم عِندَ المسجد الحرام } هم المستثنون قبل ومحله النصب على الاستثناء أو الجر على البدل أو الرفع على أن الاستثناء منقطع أي : ولكن الذين عاهدتم منهم عند المسجد الحرام . { فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ } أي فتربصوا أمرهم فإن استقاموا على العهد فاستقيموا على الوفاء وهو كقوله { فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ } غير أنه مطلق وهذا مقيد وما تحتمل الشرطية والمصدرية { إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين } سبق بيانه .","part":2,"page":421},{"id":922,"text":"{ كَيْفَ } تكرار لاستبعاد ثباتهم على العهد أو بقاء حكمه مع التنبيه على العلة وحذف الفعل للعلم به كما في قوله :\rوَخَبَّرتماني أَنَّما الموْتُ بِالقُرَى ... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَةٌ وَقَلِيبُ\rأي فكيف مات . { وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ } أي وحالهم أنهم إن يظفروا بكم . { لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ } لا يراعوا فيكم . { إِلا } حلفاً وقيل قرابة قال حسان :\rلَعَمْرُكَ إِنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْش ... كَإِلَّ السَّقْبِ مِنْ رَأَلِ النَّعَامِ\rوقيل ربوبية ولعله اشتق للحلف من الإِل وهو الجؤار لأنهم كانوا إذا تحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه ، ثم استعير للقرابة لأنها تعقد بين الأقارب ما لا يعقده الحلف ، ثم للربوبية والتربية . وقيل اشتقاقه من ألل الشيء إذا حدده أو من آل البرق إذا لمع . وقيل إنه عبري بمعنى الإِله لأنه قرىء إيلا كجبرئل وجبرئيل . { وَلاَ ذِمَّةً } عهداً أو حقاً يعاب على إغفاله . { يُرْضُونَكُم بأفواههم } استئناف لبيان حالهم المنافية لثباتهم على العهد المؤدية إلى عدم مراقبتهم عند الظفر ، ولا يجوز جعله حالاً من فاعل لا يرقبوا فإنهم بعد ظهورهم لا يرضون ولأن المراد إثبات إرضائهم المؤمنين بوعد الإِيمان والطاعة والوفاء بالعهد في الحال ، واستبطان الكفر والمعاداة بحيث إن ظفروا لم يبقوا عليهم والحالية تنافيه { وتأبى قُلُوبُهُمْ } ما تتفوه به أفواههم . { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } متمردون لا عقيدة تزعهم ولا مروءة تردعهم ، وتخصيص الأكثر لما في بعض الكفرة من التفادي عن الغدر والتعفف عما يجر إلى أحدوثة السوء .","part":2,"page":422},{"id":923,"text":"{ اشتروا بئايات الله } استبدلوا بالقرآن . { ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً وهو اتباع الأهواء والشهوات . { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ } دينه الموصل إليه ، أو سبيل بيته بحصر الحجاج والعمار ، والفاء للدلالة على أن اشتراءهم أداهم إلى الصد . { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } عملهم هذا أو ما دل عليه قوله .\r{ لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } فهو تفسير لا تكرير . وقيل الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود ، أو الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون } في الشرارة .\r{ فَإِن تَابُواْ } عن الكفر . { وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } فهم إخوانكم في الدين لهم ما لكم وعليهم ما عليكم . { وَنُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } اعتراض للحث على تأمل ما فصل من أحكام المعاهدين أو خصال التائبين .\r{ وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } وإن نكثوا ما بايعوا عليه من الإِيمان أو الوفاء بالعهود . { وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } بصريح التكذيب وتقبيح الأحكام . { فقَاتَلُواْ أَئِمَّةَ الكفر } أي فقاتلوهم ، فوضع أئمة الكفر موضع الضمير للدلالة على أنهم صاروا بذلك ذوي الرئاسة والتقدم في الكفر أحقاء بالقتل . وقيل المراد بالأئمة رؤساء المشركين فالتخصيص إما لأن قتلهم أهم وهم أحق به أو للمنع من مراقبتهم . وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي و « رُوحُ » عن يعقوب أئمة بتحقيق الهمزتين على الأصل والتصريح بالياء لحن . { إِنَّهُمْ لا أيمان لَهُمْ } أي لا أيمان لهم على الحقيقة وإلا لما طعنوا ولم ينكثوا ، وفيه دليل على أن الذمي إذا طعن في الإِسلام فقد نكث عهده ، واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر ليست يميناً وهو ضعيف لأن المراد نفي الوثوق عليها لا أنها ليست بأيمان لقوله تعالى؛ { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم } وقرأ ابن عامر لا أيمان لهم بمعنى لا أمان أو لا إسلام ، وتشبث به من لم يقبل توبة المرتد وهو ضعيف لجواز أن يكون بمعنى لا يؤمنون على الإِخبار عن قوم معينين أو ليس لهم إيمان فيراقبوا لأجله . { لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ } متعلق ب « فقاتلوا » أي ليكن غرضكم في المقاتلة أن ينتهوا عما هم عليه لا إيصال الأذية بهم كما هو طريقة المؤذين .\r{ أَلاَ تقاتلون قَوْماً } تحريض على القتال لأن الهمزة دخلت على النفي للإنكار فأفادت المبالغة في الفعل . { نَّكَثُواْ أيمانهم } التي حلفوها مع الرسول E والمؤمنين على أن لا يعاونوا عليهم فعاونوا بني بكر على خزاعة . { وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرسول } حين تشاوروا في أمره بدار الندوة على ما مر ذكره في قوله : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ } وقيل هم اليهود نكثوا عهد الرسول وهموا بإخراجه من المدينة . { وَهُم بَدَءوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } بالمعاداة والمقاتلة لأنه E بدأهم بالدعوة وإلزام الحجة بالكتاب والتحدي به ، فعدلوا عن معارضته إلى المعاداة والمقاتلة فما يمنعكم أن تعارضوهم وتصادموهم .","part":2,"page":423},{"id":924,"text":"{ أَتَخْشَوْنَهُمْ } أتتركون قتالهم خشية أن ينالكم مكروه منهم . { فالله أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ } فقاتلوا أعداءكم ولا تتركوا أمره . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإن قضية الإِيمان أن لا يخشى إلا منه .\r{ قاتلوهم } أمر بالقتال بعد بيان موجبه والتوبيخ على تركه والتوعيد عليه . { يُعَذّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ } وعد لهم إن قاتلوهم بالنصر عليهم والتمكن من قتلهم وإذلالهم . { وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ } يعني بني خزاعة . وقيل بطوناً من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديداً فشكوا إلى رسول الله A فقال : « أبشروا فإن الفرج قريب » { وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } لما لقوا منهم وقد أوفى الله بما وعدهم والآية من المعجزات . { وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَاء } ابتداء إخبار بأن بعضهم يتوب عن كفره وقد كان ذلك أيضاً ، وقرىء { وَيَتُوبَ } بالنصب على إضمار أن على أنه من جملة ما أجيب به الأمر فإن القتال كما تسبب لتعذيب قوم تسبب لتوبة قوم آخرين . { والله عَلِيمٌ } بما كان وما سيكون . { حَكِيمٌ } لا يفعل ولا يحكم إلا على وفق الحكمة .","part":2,"page":424},{"id":925,"text":"{ أَمْ حَسِبْتُمْ } خطاب للمؤمنين حين كره بعضهم القتال . وقيل للمنافقين و { أَمْ } منقطعة ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على الحسبان . { أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } ولم يتبين الخلص منكم وهم الذين جاهدوا من غيرهم ، نفى العلم وأراد نفي المعلوم للمبالغة فإنه كالبرهان عليه من حيث إن تعلق العلم به مستلزم لوقوعه . { وَلَمْ يَتَّخِذُواْ } عطف على { جاهدوا } داخل في الصلة . { مِن دُونِ الله وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المؤمنين وَلِيجَةً } بطانة يوالونهم ويَفشون إليهم أسرارهم . وما في { لَّمّاً } من معنى التوقع منبه على أن تبين ذلك متوقع . { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } يعلم غرضكم منه وهو كالمزيج لما يتوهم من ظاهر قوله : { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله } .","part":2,"page":425},{"id":926,"text":"{ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ } ما صح لهم . { أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله } شيئاً من المساجد فضلاً عن المسجد الحرام وقيل هو المراد وإنما جمع لأنه قبلة المساجد وإمامها فعامره كعامر الجميع ويدل عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب بالتوحيد . { شَهِدِينَ على أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ } بإظهار الشرك وتكذيب الرسول ، وهو حال من الواو والمعنى ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافين عمارة بيت الله وعبادة غيره . روي ( أنه لما أسر العباس عيره المسلمون بالشرك وقطيعة الرحم وأغلظ له علي رضي الله تعالى عنه في القول فقال : ما بالكم تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني ) فنزلت . { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } التي يفتخرون بها بما قارنها من الشرك . { وَفِى النار هُمْ خالدون } لأجله .","part":2,"page":426},{"id":927,"text":"{ إِنَّمَا يَعْمُرُ مساجد الله مَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وَأَقَامَ الصلاة وَءاتَى الزكواة } أي إنما تستقيم عَمَارتها لهؤلاء الجامعين للكمالات العلمية والعملية ومن عمارتها تزيينها بالفرش وتنويرها بالسرج وإدامة العبادة والذكر ودروس العلم فيها وصيانتها مما لم تبن له كحديث الدنيا ، وعن النبي A « قال الله تعالى إن بيوتي في أرضي المساجد ، وإن زواري فيها عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فحق على المزور أن يكرم زائره » وإنما لم يذكر الإِيمان بالرسول A لما علم أن الإِيمان بالله قرينة وتمامه الإِيمان به ولدلالة قوله وأقام الصلاة وآتى الزكاة عليه . { وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله } أي في أبواب الدين فإن الخشية عن المحاذير جبلية لا يكاد العاقل يتمالك عنها . { فعسى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين } ذكره بصيغة التوقع قطعاً لأطماع المشركين في الاهتداء والانتفاع بأعمالهم وتوبيخاً لهم بالقطع بأنهم مهتدون ، فإن هؤلاء مع كمالهم إذا كان اهتداؤهم دائراً بين عسى ولعل فما ظنك بأضدادهم ، ومنعاً للمؤمنين أن يغتروا بأحوالهم ويتكلوا عليها .","part":2,"page":427},{"id":928,"text":"{ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ ءامَنَ بالله واليوم الآخر وجاهد فِى سَبِيلِ الله } السقاية والعمارة مصدر أسقى وعمر فلا يشبهان بالجثث بل لا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن ، أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن . ويؤيد الأول قراءة من قرأ «سقاة الحاج وعمرة المسجد» والمعنى إنكار أن يشبه المشركون وأعمالهم المحبطة بالمؤمنين وأعمالهم المثبتة ثم قرر ذلك بقوله : { لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله } وبين عدم تساويهم بقوله : { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } أي الكفرة ظلمة بالشرك ومعاداة الرسول E منهمكون في الضلالة فكيف يساوون الذين هداهم الله ووفقهم للحق والصواب ، وقيل المراد بالظالمين الذين يسوون بينهم وبين المؤمنين .","part":2,"page":428},{"id":929,"text":"{ الذين ءامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِى سَبِيلِ الله بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله } أعلى رتبة وأكثر كرامة ممن لم تستجمع فيه هذه الصفات أو من أهل السقاية والعمارة عندكم . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفائزون } بالثواب ونيل الحسنى عند الله دونكم .","part":2,"page":429},{"id":930,"text":"{ يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان وجنات لَّهُمْ فِيهَا } في الجنات . { نَعِيمٌ مُّقِيمٌ } دائم ، وقرأ حمزة { يُبَشّرُهُمْ } بالتخفيف ، وتنكير المبشر به إشعار بأنه وراء التعيين والتعريف .","part":2,"page":430},{"id":931,"text":"{ خالدين فِيهَا أَبَداً } أكد الخلود بالتأبيد لأنه قد يستعمل للمكث الطويل . { إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } يستحقر دونه ما استوجبوه لأجله أو نعيم الدنيا .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ ءابَاءكُمْ وإخوانكم أَوْلِيَاء } نزلت في المهاجرين فإنهم لما أمروا بالهجرة قالوا : إن هاجرنا قطعنا آباءنا وأبنائنا وعشائرنا وذهبت تجاراتنا وبقينا ضائعين . وقيل نزلت نهياً عن موالاة التسعة الذين ارتدوا ولحقوا بمكة ، والمعنى لا تتخذوهم أولياء يمنعونكم عن الإِيمان ويصدونكم عن الطاعة لقوله : { إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان } إن اختاروه وحرصوا عليه . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } بوضعهم الموالاة في غير موضعها .\r{ قُلْ إِن كَانَ ءابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وإخوانكم وأزواجكم وَعَشِيرَتُكُمْ } أقرباؤكم مأخوذ من العشرة . وقيل من العشرة فإن العشيرة جماعة ترجع إلى عقد كعقد العشرة . وقرأ أبو بكر «وعشيراتكم» وقرىء «وعشائركم» . { وأموال اقترفتموها } اكتسبتموها . { وتجارة تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } فوات وقت نفاقها . { ومساكن تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } الحب الاختياري دون الطبيعي فإنه لا يدخل تحت التكليف في التحفظ عنه . { فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ } جواب ووعيد والأمر عقوبة عاجلة أو آجلة . وقيل فتح مكة . { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } لا يرشدهم ، وفي الآية تشديد عظيم وقل من يتخلص منه .\r{ لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ } يعني مواطن الحرب وهي مواقفها . { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ } وموطن يوم حنين ويجوز أن يقدر في أيام مواطن أو يفسر الموطن بالوقت كمقتل الحسين ولا يمنع إبدال قوله : { إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ } منه أن يعطف على موضع في { مَوَاطِنَ } فإنه لا يقتضي تشاركهما فيما أضيف إليه المعطوف حتى يقتضي كثرتهم وإعجابها إياهم في جمع المواطن . و { حُنَيْنٍ } واد بين مكة والطائف حارب فيه رسول الله A والمسلمون وكانوا اثني عشر ألفاً ، العشرة الذين حضروا فتح مكة وألفان انضموا إليهم من الطلقاء هوازن وثقيفاً وكانوا أربعة آلاف فلما التقوا قال النبي A أو أبو بكر رضي الله تعالى عنه أو غيره من المسلمين : لن نغلب اليوم من قلة ، إعجاباً بكثرتهم واقتتلوا قتالاً شديداً فأدرك المسلمين إعجابهم واعتمادهم على كثرتهم فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله A في مركزه ليس معه إلا عمه العباس آخذاً بلجامه وابن عمه أبو سفيان بن الحارث ، وناهيك بهذا شهادة على تناهي شجاعته فقال للعباس وكان صيتاً «صح بالناس» ، فنادى : يا عباد الله يا أصحاب الشجرة يا أصحاب سورة البقرة ، فكروا عنقاً واحداً يقولون لبيك لبيك ونزلت الملائكة فالتقوا مع المشركين فقال A هذا حين حمي الوطيس ، ثم أخذ كفا من تراب فرماهم ثم قال :","part":2,"page":431},{"id":932,"text":"« انهزموا ورب الكعبة » فانهزموا . { فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ } أي الكثرة . { شَيْئاً } من الإِغناء أو من أمر العدو . { وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ } برحبها أي بسعتها لا تجدون فيها مفراً تطمئن إليه نفوسكم من شدة الرعب أو لا تثبتون فيها كمن لا يسعه مكانه . { ثُمَّ وَلَّيْتُم } الكفار ظهوركم . { مُّدْبِرِينَ } منهزمين والإِدبار الذهاب إلى خلف خلاف الإِقبال .\r{ ثُمَّ أَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } رحمته التي سكنوا بها وأمنوا . { على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } الذين انهزموا وإعادة الجار للتنبيه على اختلاف حاليهما . وقيل هم الذين ثبتوا مع الرسول E ولم يفروا . { وَأَنزَلَ جُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } بأعينكم أي الملائكة وكانوا خمسة آلاف أو ثمانية أو ستة عشر على اختلاف الأقوال . { وَعذَّبَ الذين كَفَرُواْ } بالقتل والأسر والسبي . { وذلك جَزَاء الكافرين } أي ما فعل بهم جزاء كفرهم في الدنيا .\r{ ثُمَّ يَتُوبُ الله مِن بَعْدِ ذلك على مَن يَشَاء } منهم بالتوفيق للإسلام . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتجاوز عنهم ويتفضل عليهم . روي ( أن ناساً جاءوا إلى رسول الله A وأسلموا وقالوا : يا رسول الله أنت خير الناس وأبرهم وقد سبي أهلونا وأولادنا وأخذت أموالنا وقد سبي يومئذ ستة آلاف نفس وأخذ من الابل والغنم ما لا يحصى فقال A : اختاروا إما سباياكم وإما أموالكم؟ فقالوا ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً فقام رسول الله A وقال : إن هؤلاء جاءوا مسلمين وإنا خيرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئاً فمن كان بيده سبي وطابت نفسه أن يرده فشأنه ومن لا فليعطنا وليكن قرضاً علينا حتى نصيب شيئاً فنعطيه مكانه فقالوا : رضينا وسلمنا فقال؛ إني لا أدري لعل فيكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا إلينا فرفعوا أنهم قد رضوا ) .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ } لخبث باطنهم أو لأنه يجب أن يجتنب عنهم كما يجتنب عن الأنجاس ، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يتجنبون عن النجاسات فهم ملابسون لها غالباً . وفيه دليل على أن ما الغالب نجاسته نجس . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أعيانهم نجسة كالكلاب . وقرىء { نَجْسٌ } بالسكون وكسر النون وهو ككبد في كبد وأكثر ما جاء تابعاً لرجس . { فَلاَ يَقْرَبُواْ المسجد الحرام } لنجاستهم ، وإنما نهى عن الاقتراب للمبالغة أو للمنع عن دخول الحرم . وقيل المراد به النهي عن الحج والعمرة لا عن الدخول مطلقاً وإليه ذهب أبو حنيفة C تعالى وقاس مالك سائر المساجد على المسجد الحرام في المنع ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع . { بَعْدَ عَامِهِمْ هذا } يعني سنة « بَرَاءة » وهي التاسعة . وقيل سنة حجة الوداع . { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } فقراً بسبب منعهم من الحرم وانقطاع ما كان لكم من قدومهم من المكاسب والأرفاق .","part":2,"page":432},{"id":933,"text":"{ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } من عطائه أو تفضله بوجه آخر وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدراراً ووفق أهل تبالة وجرش فأسلموا وامتاروا لهم ، ثم فتح عليهم البلاد والغنائم وتوجه إليهم الناس من أقطار الأرض . وقرىء «عائلة» على أنها مصدر كالعافية أو حال . { إِن شَاء } قيده بالمشيئة لتنقطع الآمال إلى الله تعالى ولينبه على أنه تعالى متفضل في ذلك وأن الغني الموعود يكون لبعض دون بعض وفي عام دون عام . { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بأحوالكم . { حَكِيمٌ } فيما يعطي ويمنع .\r{ قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الاخر } أي لا يؤمنون بهما على ما ينبغي كما بيناه في «أول البقرة» فإن إيمانهم كلا إيمان . { وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } ما ثبت تحريمه بالكتاب والسنة وقيل رسوله هو الذي يزعمون اتباعه والمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقاداً وعملاً . { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } الثابت الذي هو ناسخ سائر الأديان ومبطلها . { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } بيان للذين لا يؤمنون . { حتى يُعْطُواْ الجزية } ما تقرر عليهم أن يعطوه مشتق من جزى دينه إذا قضاه . { عَن يَدٍ } حال من الضمير أي عن يد مؤاتية بمعنى منقادين ، أو عن يدهم بمعنى مسلمين بأيديهم غير باعثين بأيدي غيرهم ولذلك منع من التوكيل فيه ، أو عن غنى ولذلك قيل : لا تؤخذ من الفقير ، أو عن يد قاهرة عليهم بمعنى عاجزين أذلاء أو من الجزية بمعنى نقداً مسلمة عن يد إلى يد أو عن إنعام عليهم فإن إبقاءهم بالجزية نعمة عظيمة . { وَهُمْ صاغرون } أذلاء وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : تؤخذ الجزية من الذمي وتوجأ عنقه . ومفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب ويؤيده أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يكن يأخذ الجزية من المجوس حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، أنه A أخذها من مجوس هجر . وأنه قال : \" سنوا بهم سنة أهل الكتاب \" وذلك لأنهم لهم شبهة كتاب فألحقوا بالكتابيين ، وأما سائر الكفرة فلا تؤخذ منهم الجزية عندنا ، وعند أبي حنيفة C تعالى تؤخذ منهم إلا مشركي العرب لما روى الزهري أنه A صالح عبدة الأوثان إلا من كان من العرب ، وعند مالك C تعالى تؤخذ من كل كافر إلا المرتد ، وأقلها في كل سنة دينار سواء فيه الغني والفقير ، وقال أبو حنيفة C تعالى على الغني ثمانية وأربعون درهماً وعلى المتوسط نصفها وعلى الفقير الكسوب ربعها ولا شيء على الفقير غير الكسوب .\r{ وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله } إنما قاله بعضهم من متقدميهم أو ممن كانوا بالمدينة ، وإنما قالوا ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة ، وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوراة حفظاً فتعجبوا من ذلك وقالوا : ما هذا إلا أنه ابن الله .","part":2,"page":433},{"id":934,"text":"والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب . وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب { عُزَيْرٌ } بالتنوين على أنه عربي مخبر عنه بابن غير موصوف به وحذفه في القراءة الأخرى إما لمنع صرفه للعجمة والتعريف ، أو لالتقاء الساكنين تشبيهاً للنون بحروف اللين أو لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل معبودنا أو صاحبنا وهو مزيف لأنه يؤدي إلى تسليم النسب وإنكار الخبر المقدر . { وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } هو أيضاً قول بعضهم ، وإنما قالوه استحالة لأن يكون ولد بلا أب أو لأن يفعل ما فعله من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء الموتى من لم يكن إلهاً . { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } إما تأكيد لنسبة هذا القول إليهم ونفي للتجوز عنها ، أو إشعار بأنه قول مجرد عن برهان وتحقيق مماثل للمهمل الذي يوجد في الأفواه ولا يوجد مفهومه في الأعيان . { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ } أي يضاهي قولهم قول الذين كفروا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . { مِن قَبْلُ } أي من قبلهم والمراد قدماؤهم على معنى أن الكفر قديم فيهم ، أو المشركون الذين قالوا الملائكة بنات الله ، أو اليهود على أن الضمير للنصارى ، والمضاهاة المشابهة والهمز لغة فيه . وقرأ به عاصم ومنه قولهم امرأة ضهيأ على فعيل للتي شابهت الرجال في أنها لا تحيض . { قاتلهم الله } دعاء عليهم بالإِهلاك فإن من قاتله الله هلك ، أو تعجب من شناعة قولهم . { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .","part":2,"page":434},{"id":935,"text":"{ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً مّن دُونِ الله } بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله أو بالسجود لهم . { والمسيح ابن مَرْيَمَ } بأن جعلوه ابناً لله . { وَمَا أُمِرُواْ } أي وما أمر المتخذون أو المتخذون أرباباً فيكون كالدليل على بطلان الاتخاذ . { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ } ليطيعوا . { إلها واحدا } وهو الله تعالى وأما طاعة الرسول وسائر من أمر الله بطاعته فهو في الحقيقة طاعة لله . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } صفة ثانية أو استئناف مقرر للتوحيد . { سبحانه عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه له عن أن يكون له شريك .","part":2,"page":435},{"id":936,"text":"{ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ } يخمدوا . { نُورَ الله } حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد ، أو القرآن أو نبوة محمد A . { بأفواههم } بشركهم أو بتكذيبهم . { ويأبى الله } أي لا يرضى . { إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } بإعلاء التوحيد وإعزاز الإِسلام . وقيل إنه تمثيل لحالهم في طلبهم إبطال نبوة محمد A بالتكذيب بحال من يطلب إطفاء نور عظيم منبث في الآفاق يريد الله أن يزيده بنفخه ، وإنما صح الاستثناء المفرغ والفعل موجب لأنه في معنى النفي . { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه .","part":2,"page":436},{"id":937,"text":"{ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } كالبيان لقوله : { ويأبى الله إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ } ولذلك كرر { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } غير أنه وضع المشركون موضع الكافرون للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الشرك بالله ، والضمير في { لِيُظْهِرَهُ } للدين الحق ، أو للرسول E واللام في { الدين } للجنس أي على سائر الأديان فينسخها ، أو على أهلها فيخذلهم .","part":2,"page":437},{"id":938,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل } يأخذونها بالرشا في الأحكام سمي أخذ المال أكلاً لأنه الغرض الأعظم منه . { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } دينه . { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله } يجوز أن يراد به الكثير من الأحبار والرهبان فيكون مبالغة في وصفهم بالحرص على المال والضن به وأن يراد المسلمون الذين يجمعون المال ويقتنونه ولا يؤدون حقه ويكون اقترانه بالمرتشين من أهل الكتاب للتغليظ ، ويدل عليه أنه لما نزل كبر على المسلمين فذكر عمر رضي الله تعالى عنه لرسول الله A فقال : « إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم » وقوله E : « ما أدى زكاته فليس بكنز » أي بكنز أوعد عليه ، فإن الوعيد على الكنز مع عدم الإِنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه ، وأما قوله A : « من ترك صفراء أو بيضاء كوي بها » ونحوه فالمراد منها ما لم يؤد حقها لقوله E فيما أورده الشيخان مروياً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه « ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره » { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } هو الكي بهما .","part":2,"page":438},{"id":939,"text":"{ يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ } أي يوم توقد النار ذات حمى شديد عليها ، وأصله تحمى بالنار فجعل الإِحماء للنار مبالغة ثم حذفت النار وأسند الفعل إلى الجار والمجرور تنبيهاً على المقصود فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير ، وإنما قال { عَلَيْهَا } والمذكور شيئان لأن المراد بهما دنانير ودراهم كثيرة كما قال علي رضي الله تعالى عنه : أربعة آلاف وما دونها وما فوقها كنز . وكذا قوله تعالى : { وَلاَ يُنفِقُونَهَا } وقيل الضمير فيهما للكنوز أو للأموال فإن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر لأنهما قانون التمول ، أو للفضة وتخصيصها لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم . { فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } لأن جمعهم وإمساكهم إياه كان لطلب الوجاهة بالغنى والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية ، أو لأنهم ازوروا عن السائل وأعرضوا عنه وولوه ظهورهم ، أو لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد ، أو لأنها أصول الجهات الأربع التي هى مقاديم البدن ومآخيره وجنباه . { هذا مَا كَنَزْتُمْ } على إرادة القول . { لأَنفُسِكُمْ } لمنفعتها وكان عين مضرتها وسبب تعذيبها . { فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ } أي وبال كنزكم أو ما تكنزونه وقرىء { تَكْنِزُونَ } بضم النون .","part":2,"page":439},{"id":940,"text":"{ إِنَّ عِدَّةَ الشهور } أي مبلغ عددها . { عَندَ الله } معمول عدة لأنها مصدر . { اثنا عَشَرَ شَهْراً فِي كتاب الله } في اللوح المحفوظ ، أو في حكمه وهو صفة لاثني عشر ، وقوله : { يَوْمَ خَلَقَ السموات والأرض } متعلق بما فيه من معنى الثبوت أو بالكتاب إن جعل مصدراً والمعنى : أن هذا أمر ثابت في نفس الأمر مذ خلق الله الأجرام والأزمنة . { مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } واحد فرد وهو رجب وثلاثة سرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . { ذلك الدين القيم } أي تحريم الأشهر الأربعة هو الدين القويم دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام والعرب ورثوه منهما . { فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ } بهتك حرمتها وارتكاب حرمها والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة ، وأولوا الظلم بارتكاب المعاصي فيهن فإنه أعظم وزراً كارتكابها في الحرم وحال الإِحرام ، وعن عطاء أنه لا يحل للناس أن يغزوا في الحرم وفي الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا ويؤيد الأول ما روي ( أنه E حاصر الطائف وغزا هوازن بحنين في شوال وذي القعدة ) . { وَقَاتِلُواْ المشركين كَافَّةً كَمَا يقاتلونكم كَافَّةً } جميعاً وهو مصدر كف عن الشيء فإن الجميع مكفوف عن الزيادة وقع موقع الحال . { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بشارة وضمان لهم بالنصرة بسبب تقواهم .","part":2,"page":440},{"id":941,"text":"{ إِنَّمَا النسىء } أي تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ، كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهراً آخر حتى رفضوا خصوص الأشهر واعتبروا مجرد العدد ، وعن نافع برواية ورش { إِنَّمَا النسي } بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء فيها . وقرىء « النسي » بحذفها والنسء والنساء وثلاثتها مصادر نسأه إذا أخره . { زِيَادَةٌ فِى الكفر } لأنه تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله فهو كفر آخر ضموه إلى كفرهم . { يُضَلُّ بِهِ الذين كَفَرُواْ } ضلالاً زائداً . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { يُضِلَّ } على البناء للمفعول ، وعن يعقوب { يُضِلَّ } على أن الفعل لله تعالى . { يُحِلُّونَهُ عَامًا } يحلون المنسي من الأشهر الحرم سنة ويحرمون مكانه شهراً آخر . { وَيُحَرّمُونَهُ عَامًا } فيتركونه على حرمته . قيل : أول من أحدث ذلك جنادة بن عوف الكناني كان يقوم على جمل في الموسم فينادي : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ثم ينادي في القبائل إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه . والجملتان تفسير للضلال أو حال . { لّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله } أي ليوافقوا عدة الأربعة المحرمة ، واللام متعلقة بيحرمونه أو بما دل عليه مجموع الفعلين { فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ الله } بمواطأة العدة وحدها من غير مراعاة الوقت . { زُيّنَ لَهُمْ سُوء أعمالهم } وقرىء على البناء للفاعل وهو الله تعالى ، والمعنى خذلهم وأضلهم حتى حسبوا قبيح أعمالهم حسناً . { والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } هداية موصلة إلى الاهتداء .","part":2,"page":441},{"id":942,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِى سَبِيلِ الله اثاقلتم } تباطأتم ، وقرىء « تثاقلتم » على الأصل و « أثَّاقَلْتُمْ » على الاستفهام للتوبيخ . { إِلَى الأرض } متعلق به كأنه ضمن معنى الإِخلاد والميل فعدى بإلى ، وكان ذلك في غزوة تبوك أمروا بها بعد رجوعهم من الطائف في وقت عسرة وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق عليهم . { أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا } وغرورها . { مِنَ الآخرة } بدل الآخرة ونعيمها . { فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا } فما التمتع بها . { فِى الآخرة } في جنب الآخرة . { إِلاَّ قَلِيلٌ } مستحقر .","part":2,"page":442},{"id":943,"text":"{ إِلاَّ تَنفِرُواْ } إن لا تنفروا إلى ما استنفرتم إليه . { يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } بالإهلاك بسبب فظيع كقحط وظهور عدو . { وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ } ويستبدل بكم آخرين مطيعين كأهل اليمن وأبناء فارس . { وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا } إذ لا يقدح تثاقلكم في نصر دينه شيئاً فإنه الغني عن كل شيء وفي كل أمر . وقيل الضمير للرسول A أي ولا تضروه فإن الله سبحانه وتعالى وعد له بالعصمة والنصر ووعده حق . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيقدر على التبديل وتغيير الأسباب والنصرة بلا مدد كما قال .\r{ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله } أي إن لم تنصروه فسينصره الله كما نصره . { إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ ثَانِيَ اثنين } ولم يكن معه إلا رجل واحد ، فحذف الجزاء وأقيم ما هو كالدليل عليه مقامه ، أو إن لم تنصروه فقد أوجب الله له النصر حتى نصره في مثل ذلك الوقت فلن يخذله في غيره ، وإسناد الإِخراج إلى الكفرة لأن همهم بإخراجه أو قتله تسبب لإذن الله له بالخروج . وقرىء { ثَانِيَ اثنين } بالسكون على لغة من يجري المنقوص مجرى المقصور في الإعراب ونصبه على الحال . { إِذْ هُمَا فِى الغار } بدل من إذ أخرجه بدل البعض إذ المراد به زمان متسع ، والغار نقب في أعلى ثور وهو جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة مكثا فيه ثلاثاً . { إِذْ يَقُولُ } بدل ثان أو ظرف لثاني . { لِصَاحِبِهِ } وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنَا } بالعصمة والمعونة . روي ( أن المشركين طلعوا فوق الغار فأشفق أبو بكر Bه على رسول الله A ، فقال رسول الله A : « ما ظنك باثنين الله ثالثهما » فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه ) . وقيل لما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله والعنكبوت فنسجت عليه . { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } أمنته التي تسكن عندها القلوب . { عَلَيْهِ } على النبي A ، أو على صاحبه وهو الأظهر لأنه كان منزعجاً . { وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا } يعني الملائكة أنزلهم ليحرسوه في الغار أو ليعينوه على العدو يوم بدر والأحزاب وحنين ، فتكون الجملة معطوفة على قوله { نَصَرَهُ الله } . { وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى } يعني الشرك أو دعوة الكفر . { وَكَلِمَةُ الله هِىَ العليا } يعني التوحيد أو دعوة الإِسلام ، والمعنى وجعل ذلك بتخليص الرسول A عن أيدي الكفار إلى المدينة فإنه المبدأ له ، أو بتأييده إياه بالملائكة في هذه المواطن أو بحفظه ونصره له حيث حضر . وقرأ يعقوب { وَكَلِمَةُ الله } بالنصب عطفاً على كلمة { الذين } ، والرفع أبلغ لما فيه من الإِشعار بأن { كَلِمَةَ الله } عالية في نفسها وإن فاق غيرها فلا ثبات لتفوقه ولا اعتبار ولذلك وسط الفصل .","part":2,"page":443},{"id":944,"text":"{ والله عَزِيزٌ حَكُيمٌ } في أمره وتدبيره .\r{ انفروا خِفَافًا } لنشاطكم له . { وَثِقَالاً } عنه لمشقته عليكم ، أو لقلة عيالكم ولكثرتها أو ركباناً ومشاة ، أو خفافاً وثقالاً من السلاح ، أو صحاحاً ومراضاً ولذلك لما قال ابن أم مكتوم لرسول الله A : أعلي أن أنفر قال \" نعم \" حتى نزل { لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ } { وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ الله } بما أمكن لكم منهما كليهما أو أحدهما . { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } من تركه . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } الخير علمتم أنه خير ، أو إن كنتم تعلمون أنه خير إذ إخبار الله تعالى به صدق فبادروا إليه .\r{ لَوْ كَانَ عَرَضًا } أي لو كان ما دعوا إليه نفعاً دنيوياً . { قَرِيبًا } سهل المأخذ . { وَسَفَرًا قَاصِدًا } متوسطاً . { لاَّتَّبَعُوكَ } لوافقوك . { ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة } أي المسافة التي تقطع بمشقة . وقرىء بكسر العين والشين . { وَسَيَحْلِفُونَ بالله } أي المتخلفون إذا رجعت من تبوك معتذرين . { لَوِ استطعنا } يقولون لو كان لنا استطاعة العدة أو البدن . وقرىء { لَوِ استطعنا } بضم الواو تشبيهاً لها بواو الضمير في قوله : { اشتروا الضلالة } . { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } ساد مسد جوابي القسم والشرط ، وهذا من المعجزات لأنه إخبار عما وقع قبل وقوعه . { يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بإيقاعها في العذاب ، وهو بدل من سيحلفون لأن الحلف الكاذب إيقاع للنفس في الهلاك أو حال من فاعله . { والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في ذاك لأنهم كانوا مستطيعين الخروج .\r{ عَفَا الله عَنكَ } كناية عن خطئه في الإِذن فإن العفو من روادفه . { لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } بيان لما كني عنه بالعفو ومعاتبة عليه ، والمعنى لأي شيء أذنت لهم في القعود حين استأذنوك واعتلوا بأكاذيب وهلا توقفت . { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ } في الاعتذار . { وَتَعْلَمَ الكاذبين } فيه . قيل إنما فعل رسول الله A شيئين لم يؤمر بهما ، أخذه للفداء وإذنه للمنافقين فعاتبه الله عليهما .\r{ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أي ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في أن يجاهدوا فإن الخلص منهم يبادرون إليه ولا يتوقفون على الاذن فيه فضلاً أن يستأذنوك في التخلف عنه ، أو أن يستأذنوك في التخلف كراهة أن يجاهدوا . { والله عَلِيمٌ بالمتقين } شهادة لهم بالتقوى وعده لهم بثوابه .\r{ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ } في التخلف . { الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر } تخصيص الإيمان بالله D واليوم الآخر في الموضعين للإِشعار بأن الباعث على الجهاد والوازع عنه الإِيمان وعدم الإِيمان بهما . { وارتابت قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } يتحيرون .\r{ وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لاعَدُّواْ لَهُ } للخروج . { عِدَّةَ } أهبة وقرىء «عد» بحذف التاء عند الإضافة كقوله :","part":2,"page":444},{"id":945,"text":"إِنَّ الخَلِيطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا ... وَأَخْلَفُوكَ عَدَّا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا\rوعده بكسر العين بالإضافة وعدة بغيرها . { ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم } استدراك عن مفهوم قوله : { وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج } كأنه قال ما خرجوا ولكن تثبطوا لأنه تعالى كره انبعاثهم أي نهوضهم للخروج . { فَثَبَّطَهُمْ } فحسبهم بالجبن والكسل . { وَقِيلَ اقعدوا مَعَ القاعدين } تمثيل لإِلقاء الله كراهة الخروج في قلوبهم ، أو وسوسة الشيطان بالأمر بالقعود ، أو حكاية قول بعضهم لبعض ، أو إذن الرسول عليه السلام لهم والقاعدين يحتمل المعذورين وغيرهم وعلى الوجهين لا يخلو عن ذم .\r{ لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ } بخروجهم شيئاً . { إِلاَّ خَبَالاً } فساداً وشراً ولا يستلزم ذلك أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء ، ولأجل هذا التوهم جعل الاستثناء منقطعاً وليس كذلك لأنه لا يكون مفرغاً . { ولأَوْضَعُواْ خلالكم } ولأسرعوا ركائبهم بينكم بالنميمة والتضريب ، أو الهزيمة والتخذيل من وضع البعير وضعاً إذا أسرع . { يَبْغُونَكُمُ الفتنة } يريدون أن يفتنوكم بإيقاع الخلاف فيما بينكم أو الرعب في قلوبكم ، والجملة حال من الضمير في «أوضعوا» . { وَفِيكُمْ سماعون لَهُمْ } ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم ، أو نمامون يسمعون حديثكم للنقل إليهم . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } فيعلم ضمائرهم وما يتأتى منهم .\r{ لَقَدِ ابتغوا الفتنة } تشتيت أمرك وتفريق أصحابك . { مِن قَبْلُ } يعني يوم أحد فإن ابن أبي وأصحابه كما تخلفوا عن تبوك بعدما خرجوا مع الرسول A إلى ذي جدة أسفل من ثنية الوداع انصرفوا يوم أحد . { وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور } ودبروا لك المكايد والحيل ودوروا الآراء في إبطال أمرك . { حتى جَاء الحق } بالنصر والتأييد الإلهي . { وَظَهَرَ أَمْرُ الله } وعلا دينه . { وَهُمْ كارهون } أي على رغم منهم ، والآيتان لتسلية الرسول A والمؤمنين على تخلفهم وبيان ما ثبطهم الله لأجله وكره انبعاثهم له وهتك أستارهم وكشف أسرارهم وإزاحة اعتذارهم تداركاً لما فوت الرسول A بالمبادرة إلى الأذن ولذلك عوتب عليه . { وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لّي } في القعود . { وَلاَ تَفْتِنّى } ولا توقعني في الفتنة أي في العصيان والمخالفة بأن لا تأذن لي ، وفيه إشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له أم لم يأذن ، أو في الفتنة بسبب ضياع المال والعيال إذ لا كافل لهم بعدي . أو في الفتنة بنساء الروم لما روي : أن جد بن قيس قال : قد علمت الأنصار أني مولع بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر ولكني أعينك بمالي فاتركني . { أَلا فِى الفتنة سَقَطُواْ } أي إن الفتنة هي التي سقطوا فيها وهي فتنة التخلف أو ظهور النفاق لا ما احترزوا عنه . { وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } جامعاً لهم يوم القيامة ، أو الآن لأن إحاطة أسبابها بهم كوجودها .","part":2,"page":445},{"id":946,"text":"{ إِن تُصِبْكَ } في بعض غزواتك . { حَسَنَةٌ } ظفر وغنيمة . { تَسُؤْهُمْ } لفرط حسدهم . { وَإِن تُصِبْكَ } في بعضها . { مُّصِيبَةٍ } كسر أو شدة كما أصاب يوم أحد . { يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ } تبجحوا بانصرافهم واستحمدوا رأيهم في التخلف . { وَيَتَوَلَّواْ } عن متحدثهم بذلك ومجتمعهم له ، أو عن الرسول A . { وَّهُمْ فَرِحُونَ } مسرورون .","part":2,"page":446},{"id":947,"text":"{ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } إلا ما اختصنا بإثباته وإيجابه من النصرة ، أو الشهادة أو ما كتب لأجلنا في اللوح المحفوظ لا يتغير بموافقتكم ولا بمخالفتكم . وقرىء «هل يصيبنا» و «هل يصيبنا» وهو من فيعل لا من فعل لأنه من بنات الواو لقولهم صاب السهم يصوب واشتقاقه من الصواب لأنه وقوع الشيء فيما قصد به . وقيل من الصواب . { هُوَ مولانا } ناصرنا ومتولي أمورنا . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } لأن حقهم أن لا يتوكلوا على غيره .","part":2,"page":447},{"id":948,"text":"{ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا } تنتظرون بنا . { إِلا إِحْدَى الحسنيين } إلا إحدى العاقبتين اللتين كل منهما حسنى العواقب : النصرة والشهادة . { وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ } أيضاً إحدى السوأيين { أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مّنْ عِندِهِ } بقارعة من السماء . { أَوْ بِأَيْدِينَا } أو بعذاب بأيدينا وهو القتل على الكفر . { فَتَرَبَّصُواْ } ما هو عاقبتنا { إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبّصُونَ } ما هو عاقبتكم .","part":2,"page":448},{"id":949,"text":"{ قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } أمر في معنى الخبر ، أي لن يتقبل منكم نفقاتكم أنفقتم طوعاً أو كرهاً . وفائدته المبالغة في تساوي الانفاقين في عدم القبول كأنهم أمروا بأن يمتحنوا فينفقوا وينظروا هل يتقبل منهم . وهو جواب قول جد بن قيس وأعينك بمالي . ونفي التقبل يحتمل أمرين أن لا يؤخذ منهم وأن لا يثابوا عليه وقوله : { إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْماً فاسقين } تعليل له على سبيل الاستئناف وما بعده بيان وتقرير له .","part":2,"page":449},{"id":950,"text":"{ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نفقاتهم إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَبِرَسُولِهِ } أي وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم . وقرأ حمزة والكسائي «أن يقبل» بالياء لأن تأنيث النفقات غير حقيقي . وقرىء «يقبل» على أن الفعل لله . { وَلاَ يَأْتُونَ الصلاة إِلاَّ وَهُمْ كسالى } متثاقلين . { وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارهون } لأنهم لا يرجون بهما ثواباً ولا يخافون على تركهما عقاباً .","part":2,"page":450},{"id":951,"text":"{ فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم } فإن ذلك استدراج ووبال لهم كما قال . { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا } بسبب ما يكابدون لجمعها وحفظها من المتاعب وما يرون فيها من الشدائد والمصائب . { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك استدراجاً لهم . وأصل الزهوق الخروج بصعوبة .","part":2,"page":451},{"id":952,"text":"{ وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ } إنهم لمن جملة المسلمين . { وَمَا هُم مّنكُمْ } لكفر قلوبهم . { ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ } يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين فيظهرون الإِسلام تقية .","part":2,"page":452},{"id":953,"text":"{ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأَ } حصناً يلجؤون إليه { أَوْ مغارات } غيراناً . { أَوْ مُدْخَلاً } نفقاً ينجحرون فيه مفتعل من الدخول وقرأ يعقوب { مُّدْخَلاً } من مدخل . وقرىء { مُّدْخَلاً } أي مكاناً يدخلون فيه أنفسهم و «متدخلاً» و «مندخلاً» من تدخل واندخل { لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ } لأقبلوا نحوه . { وَهُمْ * يَجْمَحُون } يسرعون إسراعاً لا يردهم شيء كالفرس الجموح . وقرىء «يجمزون» ومنه الجمازة .","part":2,"page":453},{"id":954,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ } يعيبك . وقرأ يعقوب { يَلْمِزُكَ } بالضم وابن كثير «يلامزك» . { فِي الصدقات } في قسمها . { فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } قيل إنها نزلت في أبي الجواظ المنافق فقال؛ ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ويزعم أنه يعدل . وقيل في ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج ، كان رسول الله A يقسم غنائم حنين فاستعطف قلوب أهل مكة بتوفير الغنائم عليهم فقال : اعدل يا رسول الله فقال : \" ويلك إن لم أعدلْ فمن يعدل \" و { إِذَا } للمفاجأة نائب مناب الفاء الجزائية .","part":2,"page":454},{"id":955,"text":"{ وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا ءاتاهم الله وَرَسُولُهُ } ما أعطاهم الرسول من الغنيمة أو الصدقة ، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول E كان بأمره . { وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله } كفانا فضله { سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ } صدقة أو غنيمة أخرى . { وَرَسُولُهُ } فيؤتينا أكثر مما آتانا . { إِنَّا إِلَى الله راغبون } في أن يغنينا من فضله ، والآية بأسرها في حيز الشرط ، والجواب محذوف تقديره { خَيْراً لَّهُمْ } . ثم بين مصارف الصدقات تصويباً وتحقيقاً لما فعله الرسول A فقال : { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاء والمساكين } أي الزكوات لهؤلاء المعدودين دون غيرهم ، وهو دليل على أن المراد باللمز لمزهم في قسم الزكوات دون الغنائم . والفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعاً من حاجته من الفقار كأنه أصيب فقاره . والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه من السكون كأن العجز أسكنه ، ويدل عليه قوله تعالى : { أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين } وأنه A كان يسأل المسكنة ويتعوذ من الفقر . وقيل بالعكس لقوله تعالى : { مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } { والعاملين عَلَيْهَا } الساعين في تحصيلها وجمعها . { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة فيه فيستأنف قلوبهم أو أشراف قد يترتب بإعطائهم ومراعاتهم إسلام نظرائهم ، وقد أعطى رسول الله A عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس لذلك . وقيل أشراف يستألفون على أن يسلموا فإن النبي A كان يعطيهم والأصح أنه كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله وقد عد منهم من يؤلف قلبه بشيء منها على قتال الكفار ومانعي الزكاة . وقيل كان سهم المؤلفة لتكثير سواد الإسلام فلما أعزه الله وأكثر أهله سقط . { وَفِي الرقاب } وللصرف في فك الرقاب بأن يعاون المكاتب بشيء منها على أداء النجوم . وقيل بأن تبتاع الرقاب فتعتق وبه قال مالك وأحمد أو بأن يفدي الأسارى . والعدول عن اللام إلى { فِى } للدلالة على أن الاستحقاق للجهة لا للرقاب . وقيل للايذان بأنهم أحق بها . { والغارمين } والمديونين لأنفسهم في غير معصية ومن غير إسراف إذا لم يكن لهم وفاء ، أو لإِصلاح ذات البين وإن كانوا أغنياء لقوله A : « لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة : لغازٍ في سبيل الله أو لغارم ، أو لرجل اشتراها بماله ، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغني أو لعامل عليها » { وَفِى سَبِيلِ الله } وللصرف في الجهاد بالإِنفاق على المتطوعة وابتياع الكراع والسلاح . وقيل وفي بناء القناطر والمصانع . { وابن السبيل } المسافر المنقطع عن ماله .","part":2,"page":455},{"id":956,"text":"{ فَرِيضَةً مّنَ الله } مصدر لما دل عليه الآية الكريمة أي فرض لهم الله الصدقات فريضة ، أو حال من الضمير المستكن في { لِلْفُقَرَاء } . وقرىء بالرفع على تلك { فَرِيضَةً } . { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يضع الأشياء في مواضعها ، وظاهر الآية يقتضي تخصيص استحقاق الزكاة بالأصناف الثمانية ووجوب الصرف إلى كل صنف وجد منهم ومراعاة التسوية بينهم قضية للاشتراك وإليه ذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه ، وعن عمر وحذيفة وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين جواز صرفها إلى صنف واحد وبه قال الأئمة الثلاثة واختاره بعض أصحابنا ، وبه كان يفتي شيخي ووالدي رحمهما الله تعالى على أن الآية بيان أن الصدقة لا تخرج منهم لا إيجاب قسمها عليهم .","part":2,"page":456},{"id":957,"text":"{ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } يسمع كل ما يقال له ويصدقه ، سمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط استماعه صار جملته آلة السماع كما سمي الجاسوس عيناً لذلك ، أو اشتق له فعل من أذن أذناً إذا استمع كأنف وشلل . روي أنهم قالوا محمد أذن سامعه نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول . { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } تصديق لهم بأنه أذن ولكن لا على الوجه الذي ذموا به بل من حيث أنه يسمع الخير ويقبله ، ثم فسر ذلك بقوله : { يُؤْمِنُ بالله } يصدق به لما قام عنده من الأدلة . { وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } ويصدقهم لما علم من خلوصهم ، واللام مزيدة للتفرقة بين إيمان التصديق فإنه بمعنى التسليم وإيمان الأمان . { وَرَحْمَةً } أي وهو رحمة . { لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } لمن أظهر الإِيمان حيث يقبله ولا يكشف سره ، وفيه تنبيه على أنه ليس يقبل قولكم جهلاً بحالكم بل رفقاً بكم وترحماً عليكم . وقرأ حمزة { وَرَحْمَةً } بالجر عطفاً على { خَيْرٌ } . وقرىء بالنصب على أنها علة فعل دل عليه { أُذُنُ خَيْرٍ } أي يأذن لكم رحمة . وقرأ نافع { أَذِنَ } بالتخفيف فيهما . وقرىء { أُذُنُ خَيْرٍ } على أن { خَيْرٌ } صفة له أو خبر ثان { والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بإِيذائه .","part":2,"page":457},{"id":958,"text":"{ يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ } على معاذيرهم فيما قالوا أو تخلفوا . { لِيُرْضُوكُمْ } لترضوا عنهم والخطاب للمؤمنين . { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } أحق بالإِرضاء بالطاعة والوفاق ، وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين أو لأن الكلام في إيذاء الرسول A وإرضائه ، أو لأن التقدير والله أحق أن يرضوه والرسول كذلك . { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } صدقاً .","part":2,"page":458},{"id":959,"text":"{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ } أن الشأن وقرىء بالتاء . { مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ } يشاقق مفاعلة من الحد . { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا } على حذف الخبر أي فحق أن له أو على تكرير أن للتأكيد ويحتمل أن يكون معطوفاً على أنه ويكون الجواب محذوفاً تقديره من يحادد الله ورسوله يهلك ، وقرىء { فَإن } بالكسر . { ذلك الخزى العظيم } يعني الهلاك الدائم .\r{ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } على المؤمنين . { سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } وتهتك عليهم أستارهم ، ويجوز أن يكون الضمائر للمنافقين فإن النازل فيهم كالنازل عليهم من حيث إنه مقروء ومحتج به عليهم ، وذلك يدل على ترددهم أيضاً في كفرهم وأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول A بشيء . وقيل إنه خبر في معنى الأمر . وقيل كانوا يقولونه فيما بينهم استهزاء لقوله : { قُلْ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ } مبرز أو مظهر . { مَّا تَحْذَرُونَ } أي ما تحذرونه من إنزال السورة فيكم ، أو ما تحذرون إظهاره من مساويكم .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } روي : أن ركب المنافقين مروا على رسول الله A في غزوة تبوك فقالوا : انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات ، فأخبر الله تعالى به نبيه فدعاهم فقال : «قلتم كذا وكذا» فقالوا لا والله ما كنا في شيء من أمرك وأمر أصحابك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر . { قُلْ أبالله وءاياته وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهزِؤون } توبيخاً على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به ، وإلزاماً للحجة عليهم ولا تعبأ باعتذارهم الكاذب .\r{ لاَ تَعْتَذِرُواْ } لا تشتغلوا باعتذارتكم فإنها معلومة الكذب . { قَدْ كَفَرْتُمْ } قد أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول A والطعن فيه . { بَعْدَ إيمانكم } بعد إظهاركم الإيمان . { إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } لتوبتهم وإخلاصهم ، أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء . { نُعَذّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } مصرين على النفاق أو مقدمين على الإِيذاء والاستهزاء . وقرأ عاصم بالنون فيهما . وقرىء بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله «وإن تعف» بالتاء والبناء على المفعول ذهاباً إلى المعنى كأنه قال : أن ترحم طائفة .\r{ المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي متشابهة في النفاق والبعد عن الإِيمان كأبعاض الشيء الواحد . وقيل إنه تكذيب لهم في حلفهم بالله إنهم لمنكم وتقرير لقولهم وما هم منكم وما بعده كالدليل عليه ، فإنه يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين وهو قوله : { يَأْمُرُونَ بالمنكر } بالكفر والمعاصي . { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } عن الإِيمان والطاعة . { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } عن المبار ، وقبض اليد كناية عن الشح . { نَسُواْ الله } غفلوا عن ذكر الله وتركوا طاعته .","part":2,"page":459},{"id":960,"text":"{ فَنَسِيَهُمْ } فتركهم من لطفه وفضله . { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } الكاملون في التمرد والفسوق عن دائرة الخير .\r{ وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } مقدرين الخلود . { هِىَ حَسْبُهُمْ } عقابًا وجزاء وفيه دليل على عظم عذابها . { وَلَعَنَهُمُ الله } أبعدهم من رحمته وأهانهم . { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } لا ينقطع والمراد به ما وعدوه أو ما يقاسونه من تعب النفاق .\r{ كالذين مِن قَبْلِكُمْ } أي أنتم مثل الذين ، أو فعلتم مثل فعل الذين من قبلكم . { كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا } بيان لتشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم . { فاستمتعوا بخلاقهم } نصيبهم من ملاذ الدنيا ، واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير فإنه ما قدر لصاحبه . { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بخلاقهم } ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم المخدجة من الشهوات الفانية والتهائهم بها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم . { وَخُضْتُمْ } ودخلتم في الباطل . { كالذي خَاضُواْ } كالذين خاضوا ، أو كالفوج الذي خاضوا ، أو كالخوض الذي خاضوه . { أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة } لم يستحقوا عليها ثواباً في الدارين . { وَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } الذين خسروا الدنيا والآخرة .\r{ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ } أغرقوا بالطوفان . { وَعَادٌ } أهلكوا بالريح . { وَثَمُودُ } أهلكوا بالرجفة . { وَقَوْمِ إبراهيم } أهلك نمروذ ببعوض وأهلك أصحابه . { وأصحاب مَدْيَنَ } وأهل مدين وهم قوم شعيب أهلكوا بالنار يوم الظلة . { والمؤتفكات } قريات قوم لوط ائتفكت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلها ، وأمطروا حجارة من سجيل ، وقيل قريات المكذبين المتمردين وائتفاكهن انقلاب أحوالهن من الخير إلى الشر . { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ } يعني الكل . { بالبينات فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } أي لم يك من عادته ما يشابه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث عرضوها للعقاب بالكفر والتكذيب .","part":2,"page":460},{"id":961,"text":"{ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } في مقابلة قوله المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض { يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَيُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ } في سائر الأمور . { أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ الله } لا محالة فإن السين مؤكدة للوقوع . { إِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده . { حَكِيمٌ } يضع الأشياء مواضعها .","part":2,"page":461},{"id":962,"text":"{ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ومساكن طَيّبَةً } تستطيبها النفس أو يطيب فيها العيش وفي الحديث أنها قصور من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت الأحمر . { فِى جنات عَدْنٍ } إقامة وخلود . وعنه E عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى : طوبى لمن دخلك . ومرجع العطف فيها يحتمل أن يكون إلى تعدد الموعود لكل واحد أو للجميع على سبيل التوزيع ، أو إلى تغاير وصفه فكأنه وصفه أولاً بأنه من جنس ما هو أبهى الأماكن التي يعرفونها لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم ، ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تخلو عن شيء منها أماكن الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ، ثم وصفه بأنه دار إقامة وثبات في جوار عليين لا يعتريهم فيها فناء ولا تغير ، ثم وعدهم بما هو أكبر من ذلك فقال تعالى : { ورضوان مّنَ الله أَكْبَرُ } لأنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء ، وعنه A : إن الله تعالى يقول لأهل الجنة هل رضيتم فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك ، فيقولون : وأي شيء من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً . { ذلك } أي الرضوان أو جميع ما تقدم . { هُوَ الفوز العظيم } الذي تستحقر دونه الدنيا وما فيها .","part":2,"page":462},{"id":963,"text":"{ يَا أَيُّهَا النبى جاهد الكفار } بالسيف . { والمنافقين } بإلزام الحجة وإقامة الحدود . { واغلظ عَلَيْهِمْ } في ذلك ولا تحابهم . { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } مصيرهم .","part":2,"page":463},{"id":964,"text":"{ يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ } روي أنه A أقام في غزوة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن ويعيب المتخلفين فقال الجلاس بن سويد : لئن كان ما يقول محمد لإخواننا حقاً لنحن شر من الحمير ، فبلغ ذلك رسول الله A فاستحضره فحلف بالله ما قاله فنزلت فتاب الجلاس وحسنت توبته . { وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } وأظهروا الكفر بعد إظهار الإِسلام . { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } من فتك الرسول ، وهو أن خمسة عشر منهم توافقوا عند مرجعه من تبوك أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذ تسنم العقبة بالليل ، فأخذ عمار بن ياسر بخطام راحلته يقودها وحذيفة خلفها يسوقها ، فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وقعقعة السلاح فقال إليكم إليكم يا أعداء الله فهربوا ، أو إخراجه وإخراج المؤمنين من المدينة أو بأن يتوجوا عبد الله بن أبي وإن لم يرض رسول الله A . { وَمَا نَقَمُواْ } وما أنكروا أو ماوجدوا ما يورث نقمتهم . { إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } فإن أكثر أهل المدينة كانوا محاويج في ضنك من العيش ، فلما قدمهم رسول الله A أثروا بالغنائم وقتل للجلاس مولى فأمر رسول الله A بديته اثني عشر ألفاً فاستغنى . والاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أو العلل . { فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } وهو الذي حمل الجلاس على التوبة والضمير في { يَكُ } للتوب . { وَإِن يَتَوَلَّوْا } بالإِصرار على النفاق . { يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا والأخرة } بالقتل والنار . { وَمَا لَهُمْ فِى الأرض مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } فينجيهم من العذاب .","part":2,"page":464},{"id":965,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } نزلت في ثعلبة بن حاطب أتى النبي A فقال : ادع الله أن يرزقني مالاً فقال E « يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه » فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه ، فدعا له فاتخذ غنماً ، فنمت كما ينمى الدود حتى ضاقت بها المدينة ، فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة ، فسأل عنه رسول الله A فقيل كثر ماله حتى لا يسعه واد فقال : يا ويح ثعلبة ، فبعث رسول الله A مصدقين لأخذ الصدقات فاستقبلهما الناس بصدقاتهم ومرا بثعلبة فسألاه الصدقة وأقرآه الكتاب الذي فيه الفرائض فقال : ما هذه إلا جزية ما هذه إلا أخت الجزية فارجعا حتى أرى رأيي فنزلت ، فجاء ثعلبة بالصدقة فقال النبي A : إن الله منعني أن أقبل منك فجعل يحثو التراب على رأسه فقال هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني ، فقبض رسول الله A فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها ، ثم جاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في زمان عثمان رضي الله تعالى عنه .","part":2,"page":465},{"id":966,"text":"{ فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ } منعوا حق الله منه . { وَتَوَلَّواْ } عن طاعة الله . { وَهُم مُّعْرِضُونَ } وهم قوم عادتهم الإِعراض عنها .\r{ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِى قُلُوبِهِمْ } أي فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك نفاقاً وسوء اعتقاد في قلوبهم ، ويجوز أن يكون الضمير للبخل والمعنى فأورثهم البخل نفاقاً متمكناً في قلوبهم . { إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } يلقون الله بالموت أو يلقون عملهم أي جزاءه وهو يوم القيامة { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ } بسبب إخلافهم ما وعدوه من التصدق والصلاح . { وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } وبكونهم كاذبين فيه فإن خلف الوعد متضمن للكذب مستقبح من الوجهين أو المقال مطلقاً وقرىء { يَكْذِبُونَ } بالتشديد .\r{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي المنافقون أو من عاهد الله وقرىء بالتاء على الالتفات . { أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ } ما أسروه في أنفسهم من النفاق أو العزم على الإخلاف . { ونجواهم } وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن ، أو تسمية الزكاة جزية . { وَأَنَّ الله علام الغيوب } فلا يخفى عليه ذلك .\r{ الذين يَلْمِزُونَ } ذم مرفوع أو منصوب أو بدل من الضمير في سرهم . وقرىء { يُلْمِزُونَ } بالضم . { المطوعين } المتطوعين . { مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصدقات } روي : أنه A حث على الصدقة ، فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال كان لي ثمانية آلاف درهم فأقرضت ربي أربعة وأمسكت لعيالي أربعة ، فقال رسول الله A « بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت » فبارك الله له حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم ، وتصدق عاصم بن عدي بمائة وسق من تمر ، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر فقال بت ليلتي أجر بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع ، فأمره رسول الله A أن ينثره على الصدقات فلمزهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ولقد كان الله ورسوله لغنيين عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات . فنزلت : { وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } إلا طاقتهم . وقرىء بالفتح وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه . { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } يستهزئون بهم . { سَخِرَ الله مِنْهُمْ } جازاهم على سخريتهم كقوله تعالى : { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } على كفرهم .\r{ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة لهم كما نص عليه بقوله : { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } . روي أن عبد الله بن عبد الله بن أبي وكان من المخلصين سأل رسول الله A في مرض أبيه أن يستغفر له ، ففعل E فنزلت ، فقال E : لأزيدن على السبعين فنزلت :","part":2,"page":466},{"id":967,"text":"{ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَوَ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } وذلك لأنه E فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجوز أن يكون ذلك حداً يخالفه حكم ما وراءه ، فبين له أن المراد به التكثير دون التحديد ، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة ونحوها في التكثير ، لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد فكأنّه العدد بأسره . { ذلك بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } إشارة إلى أن اليأس من المغفرة وعدم قبول استغفارك ليس لبخل منا ولا قصور فيك بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنها . { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } المتمردين في كفرهم ، وهو كالدليل على الحكم السابق فإن مغفرة الكافر بالإِقلاع عن الكفر والإِرشاد إلى الحق ، والمنهمك في كفره المطبوع عليه لا ينقلع ولا يهتدي ، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره وهو عدم يأسه من إيمانهم ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة ، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم لقوله تعالى : { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجَحِيم } { فَرِحَ المخلفون بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُولِ الله } بقعودهم عن الغزو خلفه يقال أقام خلاف الحي أي بعدهم ، ويجوز أن يكون بمعنى المخالفة فيكون انتصابه على العلة أو الحال . { وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } إيثاراً للدعة والخفض على طاعة الله ، وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ببذل الأموال والمهج . { وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر } أي قال بعضهم لبعض أو قالوه للمؤمنين تثبيطاً . { قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّا } وقد آثرتموها بهذه المخالفة . { لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } أن مآبهم إليها ، أو أنها كيف هي ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة .\r{ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة أخرجه على صيغة الأمر للدلالة على أنه حتم واجب ، ويجوز أن يكون الضحك والبكاء كنايتين عن السرور والغم والمراد من القلة العدم .","part":2,"page":467},{"id":968,"text":"{ فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } فإن ردك إلى المدينة وفيها طائفة من المتخلفين يعني منافقيهم فإن كلهم لم يكونوا منافقين ، أو من بقي منهم وكان المتخلفون اثني عشر رجلاً . { فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ } إلى غزوة أخرى بعد تبوك { فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا } إخبار في معنى النهي للمبالغة . { إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بالقعود أَوَّلَ مَرَّةٍ } تعليل له وكان إسقاطهم عن ديوان الغزاة عقوبة لهم على تخلفهم و { أَوَّلَ مَرَّةٍ } هي الخرجة إلى غزوة تبوك . { فاقعدوا مَعَ الخالفين } أي المتخلفين لعدم لياقتهم للجهاد كالنساء والصبيان . وقرىء مع «الخلفين» على قصر { الخالفين } .","part":2,"page":468},{"id":969,"text":"{ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَداً } روي : ( أن عبد الله بن أبي دعا رسول الله A في مرضه ، فلما دخل عليه سأله أن يستغفر له ويكفنه في شعاره الذي يلي جسده ويصلي عليه فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه وذهب ليصلي عليه ) فنزلت . وقيل صلى عليه ثم نزلت ، وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضن بالقميص كان مخلاً بالكرم ولأنه كان مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر ، والمراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له وهو ممنوع في حق الكافر ولذلك رتب النهي على قوله : { مَّاتَ أَبَداً } يعني الموت على الكفر فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع فكأنه لم يحيَ . { وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ } ولا تقف عند قبره للدفن أو الزيارة . { إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون } تعليل للنهي أو لتأبيد الموت .","part":2,"page":469},{"id":970,"text":"{ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } تكرير للتأكيد والأمر حقيق به فإن الأبصار طامحة إلى الأموال والأولاد والنفوس مغتبطة عليها . ويجوز أن تكون هذه في طريق غير الأول .","part":2,"page":470},{"id":971,"text":"{ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } من القرآن ويجوز أن يراد بها بعضها . { أَن آمِنُوا بِاللهِ } بأن آمنوا بالله ويجوز أن تكون أن المفسرة . { وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ } ذوو الفضل والسعة . { وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين } الذين قعدوا لعذر .\r{ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } مع النساء جمع خالفه وقد يقال الخالفة للذي لا خير فيه . { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } ما في الجهاد وموافقة الرسول من السعادة وما في التخلف عنه من الشقاوة .\r{ لكن الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أي إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فقد جاهد من هو خير منهم . { وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الخيرات } منافع الدارين النصر والغنيمة في الدنيا والجنة والكرامة في الآخرة . وقيل الحور لقوله تعالى؛ { فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ } وهي جمع خيرة تخفيف خيرة . { وأولئك هُمُ المفلحون } الفائزون بالمطالب .\r{ أَعَدَّ الله لَهُمْ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم } بيان لما لهم من الخيرات الأخروية .\r{ وَجَاء المعذرون مِنَ الأعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } يعني أسداً وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال . وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت طيىء على أهالينا ومواشينا . والمعذر إما من عذر في الأمر إذا قصر فيه موهماً أن له عذراً ولا عذر له ، أو من اعتذر إذا مهد العذر بادغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين ، ويجوز كسر العين لالتقاء الساكنين وضمها للاتباع لكن لم يقرأ بهما . وقرأ يعقوب { المعذرون } من أعذر إذا اجتهد في العذر . وقرىء { المعذرون } بتشديد العين والذال على أنه من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحن إذ التاء لا تدغم في العين ، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة فيكون قوله : { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } في غيرهم وهم منافقو الأعراب كذبوا الله ورسوله في إدعاء الإِيمان وإن كانوا هم الأولين فكذبهم بالاعتذار . { سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } من الأعراب أو من المعذرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره { عَذَابٌ أَلِيمٌ } بالقتل والنار .\r{ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } كالهرمى والزمنى . { وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } لفقرهم كجهينة ومزينة وبني عذرة . { حَرَجٌ } إثمٌ في التأخر . { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } بالإِيمان والطاعة في السر والعلانية كما يفعل الموالي الناصح ، أو بما قدروا عليه فعلاً أو قولاً يعود على الإِسلام والمسلمين بالصلاح { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } أي ليس عليهم جناح ولا إلى معاتبتهم سبيل وإنما وضع المحسنين موضع الضمير للدلالة على أنهم منخرطون في سلك المحسنين غير معاتبين لذلك . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لهم أو للمسيء فكيف للمحسن .","part":2,"page":471},{"id":972,"text":"{ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } عطف على { الضعفاء } أو على { المحسنين } ، وهم البكاؤون سبعة من الأنصار : معقل بن يسار وصخر بن خنساء وعبد الله بن كعب وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن مغفل وعلية ابن زيد ، أتوا رسول الله A وقالوا : قد نذرنا الخروج فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغز معك ، فقال عليه السلام : « لا أجد ما أحملكم » عليه فتولوا وهم يبكون . وقيل هم بنو مقرن معقل وسويد والنعمان . وقيل أبو موسى وأصحابه . { قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } حال من الكاف في { أَتَوْكَ } بإضمار قد . { تَوَلَّوْاْ } جواب إذا . { وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ } تسيل . { مِنَ الدمع } أي دمعاً فإن من للبيان وهي مع المجرور في محل النصب على التمييز وهو أبلغ من يفيض دمعها ، لأنه يدل على أن العين صارت دمعاً فياضاً . { حَزَناً } نصب على العلة أو الحال أو المصدر لفعل دل عليه ما قبله . { أَلاَّ يَجِدُواْ } لئلا يجدوا متعلق ب { حَزَناً } أو ب { تَفِيضُ } . { مَا يُنْفِقُونَ } في مغزاهم .","part":2,"page":472},{"id":973,"text":"{ إِنَّمَا السبيل } بالمعاتبة . { عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء } واجدون الأهبة . { رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } استئناف لبيان ما هو السبب لاستئذانهم من غير عذر وهو رضاهم بالدناءة والانتظام في جملة الخوالف إيثاراً للدعة . { وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } حتى غفلوا عن وخامة العاقبة . { فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } مغبته .","part":2,"page":473},{"id":974,"text":"{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } في التخلف . { إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ } من هذه السفرة . { قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ } بالمعاذير الكاذبة لأنه : { لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } لن نصدقكم لأنه : { قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } أعلمنا بالوحي إلى نبيه بعض أخباركم وهو ما في ضمائركم من الشر والفساد . { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ } أتتوبون عن الكفر أم تثبتون عليه فكأنه استتابة وإمهال للتوبة . { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } أي إليه فوضع الوصف موضع الضمير للدلالة على أنه مطلع على سرهم وعلنهم لا يفوت عن علمه شيء من ضمائرهم وأعمالهم . { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بالتوبيخ والعقاب عليه .","part":2,"page":474},{"id":975,"text":"{ سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ } فلا تعاتبوهم { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } ولا توبخوهم . { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } لا ينفع فيهم التأنيب فإن المقصود منه التطهير بالحمل على الإنابة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير فهو علة الإِعراض وترك المعاتبة . { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } من تمام التعليل وكأنه قال : إنهم أرجاس من أهل النار لا ينفع فيهم التوبيخ في الدنيا والآخرة ، أو تعليل ثان والمعنى : أن النار كفتهم عتاباً فلا تتكلفوا عتابهم . { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } يجوز أن يكون مصدراً وأن يكون علة .","part":2,"page":475},{"id":976,"text":"{ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } بحلفهم فتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم . { فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين } أي فإن رضاكم لا يستلزم رضا الله ورضاكم وحدكم لا ينفعهم إذا كانوا في سخط الله وبصدد عقابه ، وإن أمكنهم أن يلبسوا عليكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله فلا يهتك سترهم ولا ينزل الهوان بهم ، والمقصود من الآية النهي عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم بعد الأمر بالإعراض وعدم الالتفات نحوهم .","part":2,"page":476},{"id":977,"text":"{ الأعراب } أهل البدو . { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل الحضر لتوحشهم وقساوتهم وعدم مخالطتهم لأهل العلم وقلة استماعهم للكتاب والسنة . { وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ } وأحق بأن لا يعلموا . { حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } من الشرائع فرائضها وسنتها . { والله عَلِيمٌ } بعلم حال كل أحد من أهل الوبر والمدر . { حَكِيمٌ } فيما يصيب به مسيئهم ومحسنهم عقاباً وثواباً .","part":2,"page":477},{"id":978,"text":"{ وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ } يعْدُّ . { مَا يُنفِقُ } يصرفه في سبيل الله ويتصدق به . { مَغْرَمًا } غرامة وخسراناً إذ لا يحتسبه قربة عند الله ولا يرجو عليه ثواباً وإنما ينفق رياء أو تقية . { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر } دوائر الزمان ونوبه لينقلب الأمر عليكم فيتخلص من الانفاق . { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصون أو الإِخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم ، والدائرة في الأصل مصدر أو اسم فاعل من دار يدور وسمي به عقبة الزمان ، و { السوء } بالفتح مصدر أضيف إليه للمبالغة كقولك رجل صدق . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { السوء } هنا . وفي الفتح بضم السين . { والله سَمِيعٌ } لما يقولون عند الانفاق . { عَلِيمٌ } بما يضمرون .","part":2,"page":478},{"id":979,"text":"{ وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قربات عِندَ الله } سبب { قربات } وهي ثاني مفعولي { يَتَّخِذِ } ، وعند الله صفتها أو ظرف ل { يَتَّخِذِ } . { وصلوات الرسول } وسبب صلواته لأنه A كان يدعو للمتصدقين ويستغفر لهم ، ولذلك سن للمتصدق عليه أن يدعو للمصدق عند أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه كما قال A \" اللهم صِل على آل أبي أوفى \" لأنه منصبه فله أن يتفضل به على غيره . { أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } شهادة من الله بصحة معتقدهم وتصديق لرجائهم على الاستئناف مع حرف التنبيه وإن المحققة للنسبة والضمير لنفقتهم وقرأ ورش { قُرْبَةٌ } بضم الراء . { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِى رَحْمَتِهِ } وعدلهم بإحاطة الرحمة عليهم والسين لتحقيقه وقوله : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لتقريره . وقيل الأولى في أسد وغطفان وبني تميم والثانية في عبد الله ذي البجادين وقومه .\r{ والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين } هم الذين صلوا إلى القبلتين أو الذين شهدوا بدراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة . { والانصار } أهل بيعة العقبة الأولى . وكانوا سبعة وأهل بيعة العقبة الثانية وكانوا سبعين والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة صعب بن عمير . وقرىء بالرفع عطفاً على { والسابقون } . { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } اللاحقون بالسابقين من القبيلتين ، أو من اتبعوهم بالإِيمان والطاعة إلى يوم القيامة . { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم . { وَرَضُواْ عَنْهُ } بما نالوا من نعمه الدينية والدنيوية . { وَأَعَدَّ لَهُمْ جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار } وقرأ ابن كثير «من تحتها الأنهار» كما في سائر المواضع . { خالدين فِيهَا أَبَداً ذلك الفوز العظيم } .\r{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم } أي وممن حول بلدتكم يعني المدينة . { مّنَ الأعراب منافقون } هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار كانوا نازلين حولها . { وَمِنْ أَهْلِ المدينة } عطف على { مِمَّنْ حَوْلَكُم } أو خبر لمحذوف صفته . { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } ونظيره في حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه قوله :\rأَنَا ابنُ جَلا ... وَطَلاَّع الثنَايَا\rوعلى الأول صفة للمنافقين فصل بينها وبينه بالمعطوف على الخبر أو كلام مبتدأ لبيان تمرنهم وتمهرهم في النفاق . { لاَ تَعْلَمُهُمْ } لا تعرفهم بأعيانهم وهو تقرير لمهارتهم فيه وتنوقهم في تحامي مواقع التهم إلى حد أخفى عليك حالهم مع كمال فطنتك وصدق فراستك . { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } ونطلع على أسرارهم إن قدروا أن يلبسوا عليك لم يقدروا أن يلبسوا علينا . { سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } بالفضيحة والقتل أو بأحدهما وعذاب القبر ، أو بأخذ الزكاة ونهك الأبدان . { ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } إلى عذاب النار .\r{ وَءاخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } ولم يعتذروا عن تخلفهم بالمعاذير الكاذبة ، وهم طائفة من المتخلفين أوثقوا أنفسهم على سَوَاري المسجد لما بلغهم ما نزل في المتخلفين ، فقدم رسول الله A فدخل المسجد على عادته فصلى ركعتين فرآهم فسأل عنهم فذكر له أنهم أقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى تحلهم فقال : وأنا أقسم أن لا أحلهم حتى أومر فيهم فنزلت فأطلقهم . { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا وَءاخَرَ سَيّئاً } خلطوا الفعل الصالح الذي هو إظهار الندم والاعتراف بالذنب بآخر سيء هو التخلف وموافقة أهل النفاق ، والواو إما بمعنى الباء كما في قولهم بعت الشاء شاة ودرهماً . أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر . { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } أن يقبل توبتهم وهي مدلول عليها بقوله { اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه .","part":2,"page":479},{"id":980,"text":"{ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } روي : أنهم لما أُطْلِقُوا قالوا يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا فتصدق بها وطهرنا فقال : « ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً » فنزلت . { تُطَهّرُهُمْ } من الذنوب أو حب المال المؤدي بهم إلى مثله . وقرىء { تُطَهّرُهُمْ } من أطهره بمعنى طهره و { تُطَهّرُهُمْ } بالجزم جواباً للأمر . { وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } وتنمي بها حسناتهم وترفعهم إلى منازل المخلصين . { وَصَلّ عَلَيْهِمْ } واعطف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم . { إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ } تسكن إليها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم ، وجمعها لتعدد المدعو لهم وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتوحيد . { والله سَمِيعٌ } لاعترافهم . { عَلِيمٌ } بندامتهم .","part":2,"page":480},{"id":981,"text":"{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } الضمير إما للمتوب عليهم والمراد أن يمكن في قلوبهم قبول توبتهم والاعتداد بصدقاتهم ، أو لغيرهم والمراد به التحضيض عليهما . { أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } إذا صحت وتعديته ب { عَنْ } لتضمنه معنى التجاوز . { وَيَأْخُذُ الصدقات } يقبلها قبول من يأخذ شيئاً ليؤدي بدله . { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } وأن من شأنه قبول توبة التائبين والتفضل عليهم .","part":2,"page":481},{"id":982,"text":"{ وَقُلِ اعملوا } ما شئتم . { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } فإنه لا يخفى عليه خيراً كان أو شراً . { وَرَسُولُهُ والمؤمنون } فإنه تعالى لا يخفى عنهم كما رأيتم وتبين لكم . { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } بالموت . { فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمجازاة عليه .","part":2,"page":482},{"id":983,"text":"{ وَءاخَرُونَ } من المتخلفين . { مُرْجَونَ } مؤخرون أي موقوف أمرهم من أرجأته إذا أخرته . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص { مرجون } بالواو وهما لغتان . { لأَمْرِ الله } في شأنهم . { إِمَّا يُعَذّبُهُمْ } إن أصروا على النفاق . { وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } إن تابوا والترديد للعباد ، وفيه دليل على أن كلا الأمرين بإرادة الله تعالى . { والله عَلِيمٌ } بأحوالهم . { حَكِيمٌ } فيما يفعل بهم . وقرىء «والله غفور رحيم» ، والمراد بهؤلاء كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع ، أمر الرسول A أصحابه أن لا يسلموا عليهم ولا يكلموهم ، فلما رأوا ذلك أخلصوا نياتهم وفوضوا أمرهم إلى الله فرحمهم الله تعالى .","part":2,"page":483},{"id":984,"text":"{ والذين اتخذوا مَسْجِدًا } عطف على { وَءاخَرُونَ مُرْجَوْنَ } ، أو مبتدأ خبره محذوف أي وفيمن وصفنا الذين اتخذوا أو منصوب على الاختصاص . وقرأ نافع وابن عامر بغير الواو { ضِرَارًا } مضارة للمؤمنين . وروي : « أن بني عمرو بن عوف لما بنوا مسجد قباء سألوا رسول الله A أن يأتيهم فأتاهم فصلى فيه فحسدتهم إخوانهم بنو غنم بن عوف ، فبنوا مسجداً على قصد أن يؤمهم فيه أبو عامر الراهب إذا قدم من الشام فلما أتموه أتوا رسول الله A فقالوا : إنا قد بنينا مسجداً لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة والشاتية فصل فيه حتى نتخذه مصلى فأخذ ثوبه ليقوم معهم فنزلت ، فدعا بمالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي فقال لهم : انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه ففعل واتخذ مكانه كناسة » { وَكُفْراً } وتقوية للكفر الذي يضمرونه . { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين } يريد الذي كانوا يجتمعون للصلاة في مسجد قباء . { وَإِرْصَادًا } ترقباً . { لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ } يعني الراهب فإنه قال لرسول الله A يوم أحد : لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتك معهم ، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين حتى انهزم مع هوازن وهرب إلى الشام ليأتي من قيصر بجنود يحارب بهم رسول الله A ، ومات بقنسرين وحيداً ، وقيل كان يجمع الجيوش يوم الأحزاب فلما انهزموا خرج إلى الشام . و { مِن قَبْلُ } متعلق ب { حَارَبَ } أو ب { اتخذوا } أي اتخذوا مسجداً من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف ، لما روي أنه بني قبيل غزوة تبوك فسألوا رسول الله A أن يأتيه فقال : أنا على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه فلما قفل كرر عليه . فنزلت { وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الحسنى } ما أردنا ببنائه إلا الخصلة الحسنى أو الإرادة الحسنى وهي الصلاة والذكر والتوسعة على المصلين { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في حلفهم .","part":2,"page":484},{"id":985,"text":"{ لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا } للصلاة . { لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التقوى } يعني مسجد قباء أسسه رسول الله A وصلى فيه أيام مقامه بقباء من الاثنين إلى الجمعة لأنه أوفق للقصة ، أو مسجد رسول الله A لقول أبي سعيد Bه : «سألت رسول الله A عنه فقال \" هو مسجدكم هذا مسجد المدينة \" { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } من أيام وجوده ومن يعم الزمان والمكان كقوله :\rلِمَنِ الدِّيَارُ بِقُنةِ الحَجَر ... أَقَوَيْنَ مِنْ حجَجِ وَمِنْ دَهرٍ\r{ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } أولى بأن تصلي فيه . { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } من المعاصي والخصال المذمومة طلباً لمرضاة الله سبحانه وتعالى ، وقيل من الجنابة فلا ينامون عليها . { والله يُحِبُّ المطهرين } يرضى عنهم ويدنيهم من جنابه تعالى إدناء المحب حبيبه . قيل لما نزلت مشى رسول الله A ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال E : \" أمؤمنون أنتم \" فسكتوا . . فأعادها فقال عمر : إنهم مؤمنون وأنا معهم ، فقال E : \" أترضون بالقضاء \" قالوا : نعم . قال E : \" أتصبرون على البلاء \" قالوا : نعم ، قال : \" أتشكرون في الرخاء \" قالوا : نعم . فقال A : \" أنتم مؤمنون ورب الكعبة \" فجلس ثم قال : \" يا معشر الأنصار إن الله D قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط \" فقالوا : يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبي : { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } { أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } بنيان دينه . { على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ } على قاعدة محكمة هو التقوى من الله وطلب مرضاته بالطاعة . { أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها . { فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } فأدى به لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار ، وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلاً لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس ، ثم رشحه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيهاً على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى رضوان الله ومقتضياته التي الجنة أدناها ، وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة . وقرأ نافع وابن عامر { أَسَّسَ } على البناء للمفعول . وقرىء «أساس بنيانه» و { أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } على الإِضافة و { أَسَّسَ } و «آساس» بالفتح والمد و «إساس» بالكسر وثلاثتها جمع أس ، و { تَقْوَى } بالتنوين على أن الألف للإِلحاق لا للتأنيث كتترى ، وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر { جُرُفٍ } بالتخفيف . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } إلى ما فيه صلاحهم ونجاحهم .","part":2,"page":485},{"id":986,"text":"{ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ } بناؤهم الذي بنوه مصدر أريد به المفعول وليس بجمع ولذلك قد تدخله التاء ووصف بالمفرد وأخبر عنه بقوله : { رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } أي شكا ونفاقاً ، والمعنى أن بناءهم هذا لا يزال سبب شكهم وتزايد نفاقهم فإنه حملهم على ذلك ثم لما هدمه الرسول A رسخ ذلك في قلوبهم وازداد بحيث لا يزول وسمه عن قلوبهم . { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } قطعاً بحيث لا يبقى لها قابلية الإِدراك وهو في غاية المبالغة والاستثناء . من أعم الأزمنة . وقيل المراد بالتقطع ما هو كائن بالقتل أو في القبر أو في النار . وقيل التقطع بالتوبة ندماً وأسفاً . وقرأ يعقوب «إلى» بحرف الانتهاء و { تُقَطَّعَ } بمعنى تتقطع وهو قراءة ابن عامر وحمزة وحفص . وقرىء «يقطع» بالياء و { تُقَطَّعَ } بالتخفيف و { تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ } على خطاب الرسول ، أو كل مخاطب ولو قطعت على البناء للفاعل والمفعول . { والله عَلِيمٌ } بنياتهم . { حَكِيمٌ } فيما أمر بهدم بنيانهم .\r{ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } تمثيل لإثابة الله إياهم الجنة على بذل أنفسهم وأموالهم في سبيله . { يقاتلون فِى سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } استئناف ببيان ما لأجله الشراء . وقيل { يقاتلون } في معنى الأمر . وقرأ حمزة والكسائي بتقديم المبني للمفعول وقد عرفت أن الواو لا توجب الترتيب وأن فعل البعض قد يسند إلى الكل . { وَعْدًا عَلَيْهِ حَقّا } مصدر مؤكد لما دل عليه الشراء فإنه في معنى الوعد . { فِي التوراة والإنجيل والقرءان } مذكوراً فيهما كما أثبت في القرآن . { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } مبالغة في الإِنجاز وتقرير لكونه حقاً . { فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } فافرحوا به غاية الفرح فإنه أوجب لكم عظائم المطالب كما قال : { وذلك هُوَ الفوز العظيم } .\r{ التائبون } رفع على المدح أي هم التائبون ، والمراد بهم المؤمنون المذكورون ويجوز أن يكون مبتدأ خبره محذوف تقديره التائبون من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا لقوله : { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } أو خبره ما بعده أي التائبون عن الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال . وقرىء بالياء نصباً على المدح أو جراً صفة للمؤمنين . { العابدون } الذين عبدوا الله مخلصين له الدين . { الحامدون } لنعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء . { السائحون } الصائمون لقوله A \" سياحة أمتي الصوم \" شبه بها لأنه يعوق عن الشهوات أو لأنه رياضة نفسانية يتوصل بها إلى الاطلاع على خفايا الملك والملكوت ، أو السائحون للجهاد أو لطلب العلم . { الركعون الساجدون } في الصلاة . { الآمرون بالمعروف } بالإِيمان والطاعة . { والناهون عَنِ المنكر } عن الشرك والمعاصي ، والعاطف فيه للدلالة على أنه بما عطف عليه في حكم خصلة واحدة كأنه قال : الجامعون بين الوصفين ، وفي قوله تعالى : { والحافظون لِحُدُودِ الله } أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها . وقيل إنه للايذان بأن التعداد قد تم بالسابع من حيث أن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك سمي واو الثمانية . { وَبَشّرِ المؤمنين } يعني به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل ، ووضع { المؤمنين } موضع ضميرهم للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك ، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك وحذف المبشر به للتعظيم كأنه قيل : وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام وتعبير الكلام .","part":2,"page":486},{"id":987,"text":"{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } روي : أنه A قال لأبي طالب لما حضرته الوفاة : \" قل كلمة أحاج لك بها عند الله \" فأبى فقال E : \" لا أزال استغفر لك ما لم أنه عنه \" فنزلت وقيل لما افتتح مكة خرج إلى الأبواء فزار قبر أمه ثم قام مستعبراً فقال : \" إني استأذنت رب في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل علي الآيتين \" { وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِى قربى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أصحاب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر ، وفيه دليل على جواز الاستغفار لاحيائهم فإنه طلب توفيقهم للإِيمان وبه دفع النقيض باستغفار إبراهيم E لأَبيه الكفار فقال :\r{ وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لاِبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ } وعدها إبراهيم أباه بقوله : \" لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ \" أي لأطلبن مغفرتك بالتوفيق للإيمان فإنه يجب ما قبله ، ويدل عليه قراءة من قرأ «أباه» ، أو «وعدها إبراهيم أبوه» وهي الوعد بالإِيمان { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } بأن مات على الكفر ، أو أوحي إليه بأنه لن يؤمن { تَبَرَّأَ مِنْهُ } قطع استغفاره . { إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ } لكثير التأوه وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه . { حَلِيمٌ } صبور على الأذى ، والجملة لبيان ما حمله على الاستغفار له مع شكاسته عليه .\r{ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً } أي ليسميهم ضُلاَّلاً ويؤاخذهم مؤاخذتهم { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } للإِسلام . { حتى يُبَيّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ } حتى يبين لهم خطر ما يجب اتقاؤه ، وكأنه بيان عذر الرسول E في قوله لعمه أو لمن استغفر لأسلافه المشركين قبل المنع . وقيل إنه في قوم مضوا على الأمر الأول في القبلة والخمر ونحو ذلك ، وفي الجملة دليل على أن الغافل غير مكلف . { إَِنَّ الله بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فيعلم أمرهم في الحالين .","part":2,"page":487},{"id":988,"text":"{ إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } لما منعهم عن الاستغفارللمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبرؤ عنهم رأساً ، بين لهم أن الله مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصرة إلا منه ، ليتوجهوا بشراشرهم إليه ويتبرؤوا مما عداه حتى لا يبقى لهم مقصود فيما يأتون ويذرون سواه .","part":2,"page":488},{"id":989,"text":"{ لَقَدْ تَابَ الله على النبى والمهاجرين والأنصار } من إذن المنافقين في التخلف أو برأهم عن علقة الذنوب كقوله تعالى : { لّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } وقيل : هو بعث على التوبة والمعنى : ما من أحد إلا وهو محتاج إلى التوبة حتى النبي A والمهاجرون والأنصار لقوله تعالى : { وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً } إذ ما من أحد إلا وله مقام يستنقص دونه ما هو فيه والترقي إليه توبة من تلك النقيصة وإظهار لفضلها بأنها مقام الأنبياء والصالحين من عباده . { الذين اتبعوه فِى سَاعَةِ العسرة } في وقتها هي حالهم في غزوة تبوك كانوا في عسرة الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد والزاد حتى قيل إن الرجلين كانا يقتسمان تمرة والماء حتى شربوا القيظ . { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } عن الثبات على الإيمان أو اتباع الرسول E وفي { كَادَ } ضمير الشأن أو ضمير القوم والعائد إليه الضمير في { مِنْهُمْ } . وقرأ حمزة وحفص { يَزِيغُ } بالياء لأن تأنيث القلوب غير حقيقي . وقرىء «من بعد ما زاغت قلوب فريق منهم» يعني المتخلفين . { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تكرير للتأكيد وتنبيه على أنه تاب عليهم من أجل ما كابدوا من العسرة ، أو المراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم . { إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } .","part":2,"page":489},{"id":990,"text":"{ وَعَلَى الثلاثة } وتاب على الثلاثة كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع . { الذين خُلّفُواْ } تخلفوا عن الغزو أو خلف أمرهم فإنهم المرجئون . { حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ } أي برحبها لإِعراض الناس عنهم بالكلية وهو مثل لشدة الحيرة . { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } قلوبهم من فرط الوحشة والغم بحيث لا يسعها أنس ولا سرور . { وَظَنُّواْ } وعلموا . { أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله } من سخطه . { إِلاَّ إِلَيْهِ } إلا إلى استغفاره . { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } بالتوفيق للتوبة . { لِيَتُوبُواْ } أو أنزل قبول توبتهم ليعدوا من جملة التائبين ، أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم . { إِنَّ الله هُوَ التواب } لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة . { الرحيم } المتفضل عليهم بالنعم .","part":2,"page":490},{"id":991,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله } فيما لا يرضاه { وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } في إيمانهم وعهودهم ، أو في دين الله نية وقولاً وعملاً . وقرىء «من الصادقين» أي في توبتهم وإنابتهم فيكون المراد به هؤلاء الثلاثة وأضرابهم .","part":2,"page":491},{"id":992,"text":"{ مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله } نهي عبر به بصيغة النفي للمبالغة . { وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } ولا يصونوا أنفسهم عما لم يصن نفسه عنه ويكابدوا معه ما يكابده من الأهوال . روي : ( أن أبا خيثمة بلغ بستانه ، وكانت له زوجة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد ، فنظر فقال : ظل ظليل ، ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله A في الضح والريح ما هذا بخير ، فقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح ، فمد رسول الله A طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال : كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله A واستغفر له ) وفي { لا يَرْغَبُواْ } يجوز النصب والجزم . { ذلك } إشارة إلى ما دل عليه قوله ما كان من النهي عن التخلف أو وجوب المشايعة . { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم . { لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } شيء من العطش . { وَلاَ نَصَبٌ } تعب . { وَلاَ مَخْمَصَةٌ } مجاعة . { فِى سَبِيلِ الله وَلاَ يَطَئُونَ } ولا يدوسون . { مَوْطِئًا } مكاناً . { يَغِيظُ الكفار } يغضبهم وطؤه . { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } كالقتل والأسر والنهب . { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } إلا استوجبوا به الثواب وذلك مما يوجب المشايعة . { إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } على إحسانهم ، وهو تعليل ل { كتاب } وتنبيه على أن الجهاد إحسان ، أما في حق الكفار فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن كضرب المداوي للمجنون ، وأما في حق المؤمنين فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم .","part":2,"page":492},{"id":993,"text":"{ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً } ولو علاَّقة . { وَلاَ كَبِيرَةً } مثل ما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة . { وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا } في مسيرهم وهو كل منعرج ينفذ فيه السيل اسم فاعل من ودي إذا سال فشاع بمعنى الأرض . { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } أثبت لهم ذلك . { لِيَجْزِيَهُمُ الله } بذلك . { أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } جزاء أحسن أعمالهم أو أحسن جزاء أعمالهم .","part":2,"page":493},{"id":994,"text":"{ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } وما استقام لهم أن ينفروا جميعاً لنحو غزو أو طلب علم كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً فإنه يخل بأمر المعاش . { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل بلدة جماعة قليلة . { لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين } ليتكلفوا الفقاهة فيه ويتجشموا مشاق تحصيلها . { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ } وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من الفقاهة إرشاد القوم وإنذارهم ، وتخصيصه بالذكر لأنه أهم وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد . { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } إرادة أن يحذروا عما ينذرون منه ، واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا ، فلو لم يعتبر الأخبار ما لم يتواتر لم يفد ذلك ، وقد أشبعت القول فيه تقريراً واعتراضاً في كتابي ( المرصاد ) . وقد قيل للآية معنى آخر وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل سبق المؤمنون إلى النفير وانقطعوا عن التفقه ، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ويبقى أعقابهم يتفقهون حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر ، لأن الجدال بالحجة هو الأصل والمقصود من البعثة فيكون الضمير في ليتفقهوا ولينذروا لبواقي الفرق بعد الطوائف النافرة للغزو ، وفي رجعوا للطوائف أي ولينذروا لبواقي قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصلوا أيام غيبتهم من العلوم .","part":2,"page":494},{"id":995,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } أمروا بقتال الأقرب منهم فالأقرب كما أمر رسول الله A أولاً بإنذار عشيرته الأقربين ، فإن الأقرب أحق بالشفقة والاستصلاح . وقيل هم يهود حوالي المدينة كقريظة والنضير وخيبر . وقيل الروم فإنهم كانوا يسكنون الشأم وهو قريب من المدينة . { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } شدة وصبراً على القتال . وقرىء بفتح الغين وضمها وهما لغتان فيها . { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالحراسة والاعانة .","part":2,"page":495},{"id":996,"text":"{ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ } فمن المنافقين . { مَن يِقُولُ } انكار واستهزاء . { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه } السورة . { إيمانا } وقرىء { أَيُّكُمْ } بالنصب على إضمار فعل يفسره { زَادَتْهُ } . { فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً } بزيادة العلم الحاصل من تدبر السورة وانضمام الإِيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم . { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } بنزولها لأنه سبب لزيادة كمالهم وارتفاع درجاتهم .","part":2,"page":496},{"id":997,"text":"{ وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } كفر . { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } كفراً بها مضموماً إلى الكفر بغيرها . { وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون } واستحكم ذلك فيهم حتى ماتوا عليه .","part":2,"page":497},{"id":998,"text":"{ أَوْ لاَ يَرَوْنَ } يعني المنافقين وقرىء بالتاء . { أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ } يبتلون بأصناف البليات ، أو بالجهاد مع رسول الله A فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات . { فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } لا ينتهون ولا يتوبون من نفاقهم . { وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } ولا يعتبرون .","part":2,"page":498},{"id":999,"text":"{ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } تغامزوا بالعيون إنكاراً لها وسخرية ، أو غيظاً لما فيها من عيوبهم . { هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ } أي يقولون هل يراكم أحد إن قمتم من حضرة الرسول A ، فإن لم يرهم أحد قاموا وإن يرهم أحد أقاموا . { ثُمَّ انصرفوا } عن حضرته مخافة الفضيحة . { صَرَفَ الله قُلُوبَهُم } عن الإِيمان وهو يحتمل الإخبار والدعاء . { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم . { قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم .","part":2,"page":499},{"id":1000,"text":"{ لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم عربي مثلكم . وقرىء من أَنفُسِكُمْ « أي من أشرفكم . { عَزِيزٌ عَلَيْهِ } شديد شاق . { مَا عَنِتُّمْ } عنتكم ولقاؤكم المكروه . { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } أي على إيمانكم وصلاح شأنكم . { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم . { رَءوفٌ رَّحِيمٌ } قدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف لأن الرأفة شدة الرحمة محافظة على الفواصل .","part":2,"page":500},{"id":1001,"text":"{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن الإِيمان بك . { فَقُلْ حَسْبِىَ الله } فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } كالدليل عليه . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه . { وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } الملك العظيم ، أو الجسم العظيم المحيط الذي تنزل منه الأحكام والمقادير . وقرىء { العظيم } بالرفع . وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه : أن آخر ما نزل هاتان الآيتان وعن النبي A : « ما نزل القرآن علي إلا آية آية وحرفاً حرفاً ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد ، فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة » والله أعلم .","part":3,"page":1},{"id":1002,"text":"{ الر } فخمها ابن كثير ونافع برواية قالون وحفص وقرأ ورش بين اللفظين ، وأمالها الباقون إجراء لألف الراء مجرى المنقلبة من الياء . { تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } إشارة إلى ما تضمنته السورة أو القرآن من الآي والمراد من الكتاب أحدهما ، ووصفه بالحكيم لاشتماله على الحكم أو لأنه كلام حكيم ، أو محكم آياته لم ينسخ شيء منها . { أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } استفهام إنكار للتعجب و { عَجَبًا } خبر كان واسمه : { أَنْ أَوْحَيْنَا } وقرىء بالرفع على أن الأمر بالعكس أو على «أن كان» تامة و { أَنْ أَوْحَيْنَا } بدل من عجب ، واللام للدلالة على أنهم جعلوه أعجوبة لهم يوجهون نحوه إنكارهم واستهزاءهم . { إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } من أبناء رجالهم دون عظيم من عظمائهم . قيل كانوا يقولون العجب أن الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب ، وهو من فرط حماقتهم وقصور نظرهم على الأمور العاجلة وجهلهم بحقيقة الوحي والنبوة . هذا وأنه E لم يكن يقصر عن عظمائهم فيما يعتبرونه إلا في المال وخفة الحال أعون شيء في هذا الباب ، ولذلك كان أكثر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله كذلك . وقيل تعجبوا من أنه بعث بشراً رسولاً كما سبق ذكره في سورة «الأنعام» . { أَنْ أَنذِرِ الناس } أن هي المفسرة أو المخففة من الثقيلة فتكون في موقع مفعول أوحينا . { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } عمم الإنذار إذ قلما من أحد ليس فيه ما ينبغي أن ينذر منه ، وخصص البشارة بالمؤمنين إذ ليس للكفار ما يصح أن يبشروا به حقيقة { أَنَّ لَهُمْ } بأن لهم { قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبّهِمْ } سابقة ومنزلة رفيعة وسميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يداً لأنها تعطى باليد ، وإضافتها إلى الصدق لتحققها والتنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول والنية . { قَالَ الكافرون إِنَّ هذا } يعنون الكتاب وما جاء به الرسول E . { لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } وقرأ ابن كثير والكوفيون «لساحر» على أن الإِشارة إلى الرسول A ، وفيه اعتراف بأنهم صادفوا من الرسول A أموراً خارقة للعادة معجزة إياهم عن المعارضة . وقرىء «ما هذا إلا سحر مبين» .","part":3,"page":2},{"id":1003,"text":"{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } التي هي أصول الممكنات . { فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يُدَبّرُ الأمر } يقدر أمر الكائنات على ما اقتضته حكمته وسبقت به كلمته ويهيىء بتحريكه أسبابها وينزلها منه ، والتدبير النظر في أدبار الأمور لتجيء محمودة العاقبة . { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } تقرير لعظمته وعز جلاله ، ورد على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله وفيه إثبات الشفاعة لمن أذن له { ذَلِكُمُ الله } أي الموصوف بتلك الصفات المقتضية للألوهية والربوبية . { رَبُّكُمْ } لا غير إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك . { فاعبدوه } وحدوه بالعبادة . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } تتفكرون أدنى تفكر فينبهكم على أنه المستحق للربوبية والعبادة لا ما تعبدونه .\r{ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } بالموت أو النشور لا إلى غيره فاستعدوا للقائه . { وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لنفسه لأن قوله { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } وعد من الله . { حَقّاً } مصدر آخر مؤكد لغيره وهو ما دل عليه { وَعَدَ الله } { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد بدئه وإهلاكه . { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } أي بعدله أو بعدالتهم وقيامهم على العدل في أمورهم أو بإيمانهم لأنه العدل القويم كما أن الشرك ظلم عظيم وهو الأوجه لمقابلة قوله : { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } فإن معناه ليجزي الذين كفروا بشراب من حميم وعذاب أليم بسبب كفرهم ، لكنه غير النظم للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإِبداء والإعادة هو الإثابة والعقاب واقع بالعرض ، وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه ولذلك لم يعينه ، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم . والآية كالتعليل لقوله تعالى : { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً } فإنه لما كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة الله المكلفين على أعمالهم كان مرجع الجميع إليه لا محالة ، ويؤيده قراءة من قرأ « أَِنَّهُ يَبْدَأُ » بالفتح أي لأنه ويجوز أن يكون منصوباً أو مرفوعاً بما نصب { وَعَدَ الله } أو بما نصب { حَقّاً } .","part":3,"page":3},{"id":1004,"text":"{ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاءً } أي ذات ضياء وهو مصدر كقيام أو جمع ضوء كسياط وسوط والياء فيه منقلبة عن الواو . وقرأ ابن كثير برواية قنبل هنا وفي «الأنبياء» وفي «القصص» «ضئاء» بهمزتين على القلب بتقديم اللام على العين . { والقمر نُوراً } أي ذا نور أو سمي نوراً للمبالغة وهو أعم من الضوء كما عرفت ، وقيل ما بالذات ضوء وما بالعرض نور ، وقد نبه سبحانه وتعالى بذلك على أنه خلق الشمس نيرة في ذاتها والقمر نيراً بعرض مقابلة الشمس والاكتساب منها . { وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } الضمير لكل واحد أي قدر مسير كل واحد منهما منازل ، أو قدره ذا منازل أو للقمر وتخصيصه بالذكر لسرعة سيره ومعاينة منازله وإناطة أحكام الشرع به ولذلك علله بقوله : { لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب } حساب الأوقات من الأشهر والأيام في معاملاتكم وتصرفاتكم . { مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق } إلا ملتبساً بالحق مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة . { يُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها وقرأ ابن كثير والبصريان وحفص «يفصل» بالياء .\r{ إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِى السموات والأرض } من أنواع الكائنات . { لأَيَاتٍ } على وجود الصانع ووحدته وكمال علمه وقدرته . { لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } العواقب فإنه يحملهم على التفكر والتدبر .\r{ إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } لا يتوقعونه لإنكارهم البعث وذهولهم بالمحسوسات عما وراءها . { وَرَضُواْ بالحياة الدنيا } من الآخرة لغفلتهم عنها . { واطمأنوا بِهَا } وسكنوا إليها مقصرين هممهم على لذائذها وزخارفها ، أو سكنوا فيها سكون من لا يزعج عنها . { والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا غافلون } لا يتفكرون فيها لانهماكهم فيما يضادها والعطف إما لتغاير الوصفين والتنبيه على أن الوعيد على الجمع بين الذهول عن الآيات رأساً والانهماك في الشهوات بحيث لا تخطر الآخرة ببالهم أصلاً ، وإما لتغاير الفريقين والمراد بالأولين من أنكر البعث ولم ير إلاَّ الحياة الدنيا وبالآخرين من أَلهاه حب العاجل عن التأمل في الآجل والاعداد له .\r{ أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النار بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بما واظبوا عليه وتمرنوا به من المعاصي .\r{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ } بسبب إيمانهم إلى سلوك سبيل يؤدي إلى الجنة ، أو لإدراك الحقائق كما قال E \" من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم \" أو لما يريدونه في الجنة ، ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية هو الإِيمان والعمل الصالح لكن دل منطوق قوله : { بِإِيمَانِهِمْ } على استقلال الإِيمان بالسببية وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له . { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } استئناف أو خبر ثان أو حال من الضمير المنصوب على المعنى الأخير ، وقوله : { فِي جنات النعيم } خبر أو حال أخرى منه ، أو من { الأنهار } أو متعلق ب { تَجْرِى } أو بيهدي .\r{ دعواهم فِيهَا } أي دعاؤهم . { سبحانك اللهم } اللهم إنا نسبحك تسبيحاً . { وَتَحِيَّتُهُمْ } ما يحيي به بعضهم بعضاً ، أو تحية الملائكة إياهم . { فِيهَا سَلاَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَاهُمْ } وآخر دعائهم . { أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أي أن يقولوا ذلك ، ولعل المعنى أنهم إذا دخلوا الجنة وعاينوا عظمة الله وكبرياءه مجدوه ونعتوه بنعوت الجلال ، ثم حياهم الملائكة بالسلامة عن الآفات والفوز بأصناف الكرامات أو الله تعالى فحمدوه وأثنوا عليه بصفات الإِكرام ، و { أن } هي المخففة من الثقيلة وقد قرىء بها وبنصب { الحمد } .","part":3,"page":4},{"id":1005,"text":"{ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر } ولو يسرعه إليهم . { استعجالهم بالخير } وضع موضع تعجيله لهم بالخير إشعاراً بسرعة إجابته لهم في الخير حتى كأن استعجالهم به تعجيل لهم أو بأن المراد شر استعجلوه كقولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } وتقدير الكلام ، ولو يعجل الله للناس الشر تعجيله للخير حين استعجلوه استعجالاً كاستعجالهم بالخير ، فحذف منه ما حذف لدلالة الباقي عليه . { لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأميتوا وأهلكوا وقرأ ابن عامر ويعقوب \" لَقضى \" على البناء للفاعل وهو الله تعالى وقرىء «لقضينا» . { فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِى طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ } عطف على فعل محذوف دلت عليه الشرطية كأنه قيل؛ ولكن لا نعجل ولا نقضي فنذرهم إمهالاً لهم واستدراجاً .","part":3,"page":5},{"id":1006,"text":"{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا } لإزالته مخلصاً فيه . { لِجَنبِهِ } ملقى لجنبه أي مضطجعاً . { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } وفائدة الترديد تعميم الدعاء لجميع الأحوال أو لأصناف المضار . { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ } يعني مضى على طريقته واستمر على كفره أو مر عن موقف الدعاء لا يرجع إليه . { كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا } كأنه لم يدعنا فخفف وحذف ضمير الشأن كما قال :\rوَنَحْرٌ مُشْرِقُ اللَّوْن ... كَأْن ثَدْيَاهُ حُقَّان\r{ إلى ضُرّ مَّسَّهُ } إلى كشف ضر . { كذلك } مثل ذلك التزيين . { زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الانهماك في الشهوات والإِعراض عن العبادات .","part":3,"page":6},{"id":1007,"text":"{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ } يا أهل مكة . { لَمَّا ظَلَمُواْ } حين ظلموا بالتكذيب واستعمال القوى والجوارح لا على ما ينبغي { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالحجج الدالة على صدقهم وهو حال من الواو بإضمار قد أو عطف على ظلموا . { وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادهم وخذلان الله لهم وعلمه بأنهم يموتون على كفرهم ، واللام لتأكيد النفي . { كذلك } مثل ذلك الجزاء وهو إهلاكهم بسبب تكذيبهم للرسل وإصرارهم عليه بحيث تحقق أنه لا فائدة في إمهالهم { نَجْزِي القوم المجرمين } نجزي كل مجرم أو نجزيكم فوضع المظهر موضع الضمير للدلالة على كمال جرمهم وأنهم أعلام فيه .","part":3,"page":7},{"id":1008,"text":"{ ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الأرض مِن بَعْدِهِم } استخلفناكم فيها بعد القرون التي أهلكناها استخلاف من يختبر . { لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أتعملون خيراً أو شراً فنعاملكم على مقتضى أعمالكم ، وكيف معمول تعملون فإن معنى الاستفهام يحجب أن يعمل فيه ما قبله ، وفائدته الدلالة على أن المعتبر في الجزاء جهات الأفعال وكيفياتها لا هي من حيث ذاتها ولذلك يحسن الفعل تارة ويقبح أخرى .","part":3,"page":8},{"id":1009,"text":"{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } يعني المشركين . { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا } بكتاب آخر نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والثواب والعقاب بعد الموت ، أو ما نكرهه من معايب آلهتنا . { أَوْ بَدّلْهُ } بأن تجعل مكان الآية المشتملة على ذلك آية أخرى ولعلهم سألوا ذلك كي يسعفهم إليه فيلزموه . { قُلْ مَا يَكُونُ لِى } ما يصح لي . { أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } من قبل نفسي وهو مصدر استعمل ظرفاً ، وإنما اكتفي بالجواب عن التبديل لاستلزام امتناعه الإتيان بقرآن آخر . { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } تعليل لما يكون فإن المتبع لغيره في أمر لا يستبد بالتصرف فيه ، وجواب للنقض بنسخ بعض الآيات ببعض ورد لما عرضوا له بهذا السؤال من أن القرآن كلامه واختراعه ولذلك قيد التبديل في الجواب وسماه عصياناً فقال : { إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } أي بالتبديل . { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } وفيه إيماء بأنهم استوجبوا العذاب بهذا الاقتراح .","part":3,"page":9},{"id":1010,"text":"{ قُل لَّوْ شَاء الله } غير ذلك . { مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } ولا أعلمكم به على لساني ، وعن ابن كثير «ولأدراكم» بلام التأكيد أي لو شاء الله ما تلوته عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري . والمعنى أنه الحق الذي لا محيص عنه لو لم أرسل به لأرسل به غيري . وقرىء «ولا أدرأكم» «ولا أدرأتكم» بالهمز فيهما على لغة من يقلب الألف المبدلة من الياء همزة ، أو على أنه من الدرء بمعنى الدفع أي ولا جعلتكم بتلاوته خصماء تدرؤنني بالجدال ، والمعنى أن الأمر بمشيئة الله تعالى لا بمشيئتي حتى اجعله على نحو ما تشتهونه ثم قرر ذلك بقوله : { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً } مقداراً عمر أربعين سنة . { مِن قَبْلِهِ } من قبل القرآن لا أتلوه ولا أعلمه ، فإنه إشارة إلى أن القرآن معجز خارق للعادة فإن من عاش بين أظهرهم أربعين سنة لم يمارس فيها علماً ولم يشاهد عالماً ولم ينشىء قريضاً ولا خطبة ، ثم قرأ عليهم كتاباً بزت فصاحته فصاحة كل منطيق وعلا عن كل منثور ومنظوم ، واحتوى على قواعد علمي الأصول والفروع وأعرب عن أقاصيص الأولين وأحاديث الآخرين على ما هي عليه علم أنه معلم به من الله تعالى . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي أفلا تستعملون عقلوكم بالتدبر والتفكر فيه لتعلموا أنه ليس إلا من الله .","part":3,"page":10},{"id":1011,"text":"{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } تفاد مما أضافوه إليه كناية ، أو تظليم للمشركين بافترائهم على الله تعالى في قولهم إنه لذو شريك وذو ولد . { أَوْ كَذَّبَ بآيَاتِهِ } فكفر بها . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ المجرمون } { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } فإنه جماد لا يقدر على نفع ولا ضر ، والمعبود ينبغي أن يكون مثيباً ومعاقباً حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر . { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء } الأوثان . { شفعاؤنا عِندَ الله } تشفع لنا فيما يهمنا من أمور الدنيا أو في الآخرة إن يكن بعث ، وكأنهم كانوا شاكين فيه وهذا من فرط جهالتهم حيث تركوا عبادة الموجد الضار النافع إلى عبادة ما يعلم قطعاً أنه لا يضر ولا ينفع على توهم أنه ربما يشفع لهم عنده . { قُلْ أَتُنَبّئُونَ الله } أتخبرونه . { بِمَا لاَ يَعْلَمُ } وهو أن له شريكاً أو هؤلاء شفعاء عنده وما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له تحقق ما وفيه تقريع وتهكم بهم . { فِي السموات وَلاَ فِى الأرض } حال من العائد المحذوف مؤكدة للنفي منبهة على أن ما يعبدون من دون الله إما سماوي وإما أرضي ، ولا شيء من الموجودات فيهما إلا وهو حادث مقهور مثلهم لا يليق أن يشرك به . { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم أو عن الشركاء الذين يشركونهم به . وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الموضعين في أول «النحل» و «الروم» بالتاء . { وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } موحدين على الفطرة أو متفقين على الحق ، وذلك في عهد آدم عليه السلام إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ أو بعد الطوفان ، أو على الضلال في فترة من الرسل . { فاختلفوا } باتباع الهوى والأباطيل ، أو ببعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام فتبعتهم طائفة وأصرت أخرى . { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } بتأخير الحكم بينهم أو العذاب الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يوم الفصل والجزاء . { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } عاجلاً . { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بإهلاك المبطل وإبقاء المحق .\r{ وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أي من الآيات التي اقترحوها . { فَقُلْ إِنَّمَا الغيب للَّهِ } هو المختص بعلمه فلعله يعلم في إنزال الآيات المقترحة من مفاسد تصرف عن إنزالها . { فانتظروا } لنزول ما اقترحتموه . { إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين } لما يفعل الله بكم بجحودكم ما نزل علي من الآيات العظام واقتراحكم غيره .\r{ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } صحة وسعة . { مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } كقحط ومرض . { إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا } بالطعن فيها والاحتيال في دفعها . قيل قحط أهل مكة سبع سنين حتى كادوا يهلكون ثم رحمهم الله بالحيا فطفقوا يقدحون في آيات الله ويكيدون رسوله . { قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا } منكم قد دبر عقابكم قبل أن تدبروا كيدهم ، وإنما دل على سرعتهم المفضل عليها كلمة المفاجأة الواقعة جواباً لإذا الشرطية والمكر اخفاء الكيد ، وهو من الله تعالى أما الاستدراج أو الجزاء على المكر .","part":3,"page":11},{"id":1012,"text":"{ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } تحقيق للانتقام وتنبيه على أن ما دبروا في إخفائه لم يخف على الحفظة فضلاً أن يخفى على الله تعالى ، وعن يعقوب يمكرون بالياء ليوافق ما قبله .\r{ هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ } يحملكم على السير ويمكنكم منه . وقرأ ابن عامر «ينشركم» بالنون والشين من النشر . { فِى البر والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } في السفن ، { وَجَرَيْنَ بِهِم } بمن فيها ، عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة كأنه تذكرة لغيرهم ليتعجب من حالهم وينكر عليهم . { بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } لينة الهبوب . { وَفَرِحُواْ بِهَا } بتلك الريح . { جَاءتْهَا } جواب إذا والضمير للفلك أو للريح الطيبة ، بمعنى تلقتها . { رِيحٌ عَاصِفٌ } ذات عصف شديدة الهبوب . { وَجَاءهُمُ الموج مِن كُلّ مَكَانٍ } يجيء الموج منه . { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أهلكوا وسدت عليهم مسالك الخلاص كمن أحاط به العدو . { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من غير اشتراك لتراجع الفطرة وزوال المعارض من شدة الخوف ، وهو بدل من { ظَنُّواْ } بدل اشتمال لأن دعاءهم من لوازم ظنهم . { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هذه لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } على إرادة القول أو مفعول { دَّعَوَا } لأنه من جملة القول .\r{ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ } إجابة لدعائهم . { إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأرض } فاجئوا الفساد فيها وسارعوا إلى ما كانوا عليه . { بِغَيْرِ الحق } مبطلين فيه وهو احتراز عن تخريب المسلمين ديار الكفرة واحتراق زروعهم وقلع أشجارهم فإنها إفساد بحق . { ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } فإن وباله عليكم أو أنه على أمثالكم أبناء جنسكم . { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } منفعة الحياة الدنيا لا تبقى ويبقى عقابها ، ورفعه على أنه خبر { بَغْيُكُمْ } و { على أَنفُسِكُمْ } صلته ، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك متاع الحياة الدنيا و { على أَنفُسِكُمْ } خبر { بَغْيُكُمْ } ، ونصبه حفص عى أنه مصدر مؤكد أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا أو مفعول البغي لأنه بمعنى الطلب فيكون الجار من صلته والخبر محذوف تقديره بغيكم متاع الحياة الدنيا محذور أو ضلال ، أو مفعول فعل دل عليه البغي وعلى أنفسكم خبره . { ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ } في القِيامة . { فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالجزاء عليه .","part":3,"page":12},{"id":1013,"text":"{ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا } حالها العجيبة في سرعة تقضيها وذهاب نعيمها بعد إقبالها واغترار الناس بها . { كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض } فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضاً . { مِمَّا يَأْكُلُ الناس والأنعام } من الزروع والبقول والحشيش . { حتى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا } حسنها وبهجتها . { وازينت } تزينت بأصناف النبات وأشكالها وألوانها المختلفة كعروس أخذت من ألوان الثياب والزين فتزينت بها ، { وازينت } أصله تزينت فأدغم وقد قرىء على الأصل { وازينت } على أفعلت من غير اعلال كاغيلت ، والمعنى صارت ذات زينة «وازيانت» كابياضت . { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من حصدها ورفع غلتها . { أَتَاهَا أَمْرُنَا } ضرب زرعها ما يحتاجه . { لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا } فجعلنا زرعها . { حَصِيداً } شبيهاً بما حصد من أصله . { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } كأن لم يغن زرعها أي لم يلبث ، والمضاف محذوف في الموضعين للمبالغة وقرىء بالياء على الأصل . { بالأمس } فيما قبيله وهو مثل في الوقت القريب والممثل به مضمون الحكاية وهو زوال خضرة النبات فجأة وذهابه حطاماً بعدما كان غضاً والتف ، وزين الأرض حتى طمع فيه أهله وظنوا أنه قد سلم من الجوائح لا الماء وإن وليه حرف التشبيه لأنه من التشبيه المركب . { كذلك نُفَصّلُ الآيات لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإنهم المنتفعون به .","part":3,"page":13},{"id":1014,"text":"{ والله يَدْعُو إِلَى دَارُ السلام } دار السلام من التقضي والآفة ، أو دار الله وتخصيص هذا الاسم أيضاً للتنبيه على ذلك ، أو دار يسلم الله والملائكة فيها على من يدخلها والمراد الجنة . { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } بالتوفيق . { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو طريقها وذلك الإسلام والتدرع بلباس التقوى ، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة وأن المصر على الضلالة لم يرد الله رشده .","part":3,"page":14},{"id":1015,"text":"{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } المثوبة الحسنى . { وَزِيَادَةٌ } وما يزيد على المثوبة تفضلاً لقوله : { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } وقيل الحسنى مثل حسناتهم والزيادة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر ، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان ، وقيل الحسنى الجنة والزيادة هي اللقاء . { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ } لا يغشاها . { قَتَرٌ } غبرة فيها سواد . { وَلاَ ذِلَّةٌ } هوان ، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من حزن وسوء حال . { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون لا زوال فيها ولا انقراض لنعيمها بخلاف الدنيا وزخارفها .\r{ والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } عطف على قوله { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى } على مذهب من يجوز : في الدار زيد والحجرة عمرو ، أو { لّلَّذِينَ } مبتدأ والخبر { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } على تقدير : وجزاء الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها ، أي أن تجازى سيئة بسيئة مثلها لا يزاد عليها ، وفيه تنبيه على أن الزيادة هي الفضل أو التضعيف أو { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ } ، أو أولئك أصحاب النار وما بينهما اعتراض ف { جَزَاء سَيّئَةٍ } مبتدأ وخبره محذوف أي فجزاء سيئة بمثلها واقع ، أو بمثلها على زيادة الباء أو تقدير مقدر بمثلها . { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } وقرىء بالياء . { مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } ما من أحد يعصمهم من سخط الله ، أو من جهة الله ومن عنده كما يكون للمؤمنين . { كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ } غطيت . { وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اليل مُظْلِماً } لفرط سوادها وظلمتها ومظلماً حال من الليل والعامل فيه { أُغْشِيَتْ } لأنه العامل في { قِطَعًا } وهو موصوف بالجار والمجرور ، والعامل في الموصوف عامل في الصفة أو معنى الفعل في { مِّنَ اليل } . وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب « قِطَعًا » بالسكون فعلى هذا يصح أن يكون { مُظْلِماً } صفة له أو حالاً منه . { أُولَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } مما يحتج به الوعيدية . والجواب أن الآية في الكفار لاشتمال السيئات على الكفر والشرك ولأن الذين أحسنوا يتناول أصحاب الكبيرة من أهل القبلة فلا يتناولهم قسيمة .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } يعني الفريقين جميعاً . { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ } ألزموا مكانكم حتى تنظروا ما يفعل بكم . { أَنتُمْ } تأكيد للضمير المنتقل إليه من عامله . { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطف عليه وقرىء بالنصب على المفعول معه . { فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ } ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم . { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } مجاز عن براءة ما عبدوه من عبادتهم فإنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءهم لأنها الآمرة بالإِشراك لا ما أشركوا به . وقيل ينطق الله الأصنام فتشافههم بذلك مكان الشفاعة التي يتوقعون منها . وقيل المراد بالشركاء الملائكة والمسيح وقيل الشياطين .\r{ فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } فإنه العالم بكنه الحال . { إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين } { إِن } هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة .","part":3,"page":15},{"id":1016,"text":"{ هُنَالِكَ } في ذلك المقام . { تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ } تختبر ما قدمت من عمل فتعاين نفعه وضره . وقرأ حمزة والكسائي «تتلو» من التلاوة أي تقرأ ذكر ما قدمت ، أو من التلو أي تتبع عملها فيقودها إلى الجنة أو إلى النار . وقرىء «نبلو» بالنون ونصب { كُلٌّ } وإبدال { مَا } منه والمعنى نختبرها أي نفعل بها فعل المختبر لحالها المتعرف لسعادتها وشقاوتها بتعرف ما أسلفت من أعمالها ، ويجوز أن يراد به نصيب بالبلاء أي بالعذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر فتكون { مَا } منصوبة بنزع الخافض . { وَرُدُّواْ إِلَى الله } إلى جزائه إياهم بما أسلفوا . { مولاهم الحق } ربهم ومتولي أمرهم على الحقيقة لا ما اتخذوه مولى ، وقرىء { الحق } بالنصب على المدح أو المصدر المؤكد . { وَضَلَّ عَنْهُم } وضاع عنهم . { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن آلهتهم تشفع لهم ، أو ما كانوا يدعون أنها آلهة .","part":3,"page":16},{"id":1017,"text":"{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والأرض } أي منهما جميعاً فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو { مِنْ } كل واحد منهما توسعة عليكم . وقيل من لبيان من على حذف المضاف أي من أهل السماء والأرض . { أَمَّن يَمْلِكُ السمع والأبصار } أم من يستطيع خلقهما وتسويتهما ، أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالها من أدنى شيء . { وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } ومن يحيي ويميت ، أو من ينشىء الحيوان من النطفة والنطفة منه . { وَمَن يُدَبّرُ الأمر } ومن يلي تدبير أمر العالم وهو تعميم بعد تخصيص . { فَسَيَقُولُونَ الله } إذ لا يقدرون على المكابرة والعناد في ذلك لفرط وضوحه . { فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أنفسكم عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك .","part":3,"page":17},{"id":1018,"text":"{ فَذَلِكُمُ الله رَبُّكُمُ الحق } أي المتولي لهذه الأمور المستحق للعبادة هو ربكم الثابت ربوبيته لأنه الذي أنشأكم وأحياكم ورزقكم ودبر أموركم . { فَمَاذَا بَعْدَ الحق إِلاَّ الضلال } استفهام إنكار أي ليس بعد الحق إلا الضلال فمن تخطى الحق الذي هو عبادة الله تعالى وقع في الضلال . { فأنى تُصْرَفُونَ } عن الحق إلى الضلال .","part":3,"page":18},{"id":1019,"text":"{ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أي كما حقت الربوبية لله أو إن الحق بعده الضلال ، أو أنهم مصروفون عن الحق كذلك حقت كلمة الله وحكمه . وقرأ نافع وابن عامر «كلمات» هنا وفي آخر السورة وفي «غافر» { عَلَى الذين فَسَقُواْ } تمردوا في كفرهم وخرجوا عن حد الاستصلاح . { أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدل من الكلمة ، أو تعليل لحقيتها والمراد بها العدة بالعذاب .","part":3,"page":19},{"id":1020,"text":"{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } جعل الإعادة كالإبداء في الإلزام بها لظهور برهانها وإن لم يساعدوا عليها ، ولذلك أمر الرسول A أن ينوب عنهم في الجواب فقال { قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } لأن لجاجهم لا يدعهم أن يعترفوا بها . { فأنى تُؤْفَكُونَ } تصرفون عن قصد السبيل .","part":3,"page":20},{"id":1021,"text":"{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَهْدِى إِلَى الحق } بنصب الحجج وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام والتوفيق للنظر والتدبر ، وهدى كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء يعدى باللام للدلالة على أن المنتهي غاية الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك عدى بها ما أسند إلى الله تعالى . { قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى } أم الذي لا يهتدي إلا أن يهدى من قولهم : أهدى بنفسه إذا اهتدى ، أو لا يهدي غيره إلا أن يهديه الله وهذا حال أشراف شركائهم كالملائكة والمسيح وعزير ، وقرأ ابن كثير وورش عن نافع وابن عامر « يهدِّى » بفتح الهاء وتشديد الدال . ويعقوب وحفص بالكسر والتشديد والأصل يهتدي فأدغم وفتحت الهاء بحركة التاء أو كسرت لالتقاء الساكنين . وروى أبو بكر « يهدي » بإتباع الياء الهاء . وقرأ أبو عمرو بالإدغام المجرد ولم يبال بالتقاء الساكنين لأن المدغم في حكم المتحرك . وعن نافع برواية قالون مثله وقرىء { إِلا أَنْ يَهْدِى } للمبالغة { فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } بما يقتضي صريح العقل بطلانه . { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ } فيما يعتقدونه . { إِلاَّ ظَنَاً } مستنداً إلى خيالات فارغة وأقيسة فاسدة كقياس الغائب على الشاهد والخالق على المخلوق بأدنى مشاركة موهومة ، والمراد بالأكثر الجميع أو من ينتمي منهم إلى تمييز ونظر ولا يرضى بالتقليد الصرف . { إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق } من العلم والاعتقاد الحق . { شَيْئاً } من الإِغناء ويجوز أن يكون مفعولاً به و { مِنَ الحق } حالاً منه ، وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز . { إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } وعيد على اتباعهم للظن وإعراضهم عن البرهان .\r{ وَمَا كَانَ هذا القرءان أَن يفترى مِن دُونِ الله } افتراء من الخلق . { ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } مطابقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية المشهود على صدقها ولا يكون كذباً كيف وهو لكونه معجزاً دونها عيَّارٌ عليها شاهد على صحتها ، ونصبه بأنه خبر لكان مقدراً أو علة لفعل محذوف تقديره : ولكن أنزله الله تصديق الذي . وقرىء بالرفع على تقدير ولكن هو تصديق . { وَتَفْصِيلَ الكتاب } وتفصيل ما حقق وأثبت من العقائد والشرائع . { لاَ رَيْبَ فِيهِ } منتفياً عنه الريب وهو خبر ثالث داخل في حكم الاستدراك ، ويجوز أن يكون حالاً من الكتاب فإنه مفعول في المعنى وأن يكون استئنافاً . { مِن رَّبّ العالمين } خبر آخر تقديره كائناً من رب العالمين أو متعلق بتصديق أو تفصيل ، و { لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض أو بالفعل المعلل وبهما أن يكون حالاً من الكتاب أو من الضمير في { فِيهِ } ، ومساق الآية بعد المنع عن اتباع الظن لبيان ما يجب اتباعه والبرهان عليه .","part":3,"page":21},{"id":1022,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ } بل أيقولون . { افتراه } محمد A ومعنى الهمزة فيه للإنكار . { قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } في البلاغة وحسن النظم وقوة المعنى على وجه الافتراء فإنكم مثلي في العربية والفصاحة وأشد تمرناً في النظم والعبارة . { وادعوا مَنِ استطعتم } ومع ذلك فاستعينوا بمن أمكنكم أن تستعينوا به . { مِن دُونِ الله } سوى الله تعالى فإنه وحده قادر على ذلك . { إِن كُنتُمْ صادقين } أنه اختلقه .\r{ بَلْ كَذَّبُواْ } بل سارعوا إلى التكذيب . { بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } بالقرآن أول ما سمعوه قبل أن يتدبروا آياته ويحيطوا بالعلم بشأنه ، أو بما جهلوه ولم يحيطوا به علماً من ذكر البعث والجزاء وسائر ما يخالف دينهم . { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } ولم يقفوا بعد على تأويله ولم تبلغ أذهانهم معانيه ، أو ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإِخبار بالغيوب حتى يتبين لهم أنه صدق أم كذب ، والمعنى أن القرآن معجز من جهة اللفظ والمعنى ثم إنهم فاجئوا تكذيبه قبل أن يتدبروا نظمه ويتفحصوا معناه ومعنى التوقع في لما أنه قد ظهر لهم بالآخرة إعجازه لما كرر عليهم التحدي فزادوا قواهم في معارضته فتضاءلت دونها ، أو لما شاهدوا وقوع ما أخبر به طبقاً لأخباره مراراً فلم يقلعوا عن التكذيب تمرداً وعناداً . { كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أنبياءهم . { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } فيه وعيد لهم بمثل ما عوقب به من قبلهم .\r{ وَمِنْهُمُ } ومن المكذبين . { مَن يُؤْمِنُ بِهِ } من يصدق به في نفسه ويعلم أنه حق ولكن يعاند ، أو من سيؤمن به ويتوب عن الكفر . { وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } في نفسه لفرط غباوته وقلة تدبره ، أو فيما يستقبل بل يموت على الكفر ، { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين } بالمعاندين أو المصرين .","part":3,"page":22},{"id":1023,"text":"{ وَإِن كَذَّبُوكَ } وإن أصروا على تكذيبك بعد إلزام الحجة . { فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } فتبرأ منهم فقد أعذرت ، والمعنى لي جزاء عملي ولكم جزاء عملكم حقاً كان أو باطلاً . { أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } لا تؤاخذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ، ولما فيه من إيهام الإِعراض عنهم وتخلية سبيلهم قيل إنه منسوخ بآية السيف .","part":3,"page":23},{"id":1024,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } إذا قرأت القرآن وعلمت الشرائع ولكن لا يقبلون كالأصم الذي لا يسمع أصلاً . { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم } تقدر على إسماعهم . { وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } ولو انضم إلى صممهم عدم تعقلهم . وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم ، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره وعقولهم لما كانت مؤفة بمعارضة الوهم ومشايعة الإلف ، والتقليد تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق .","part":3,"page":24},{"id":1025,"text":"{ وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ } يعاينون دلائل نبوتك ولكن لا يصدقونك . { أَفَأَنْتَ تَهْدِى العمى } تقدر على هدايتهم . { وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } وإن انضم إلى عدم البصر عدم البصيرة فإن المقصود من الإبصار هو الاعتبار والاستبصار والعمدة في ذلك البصيرة ، ولذلك يحدس الأعمى المستبصر ويتفطن لما لا يدركه البصير الأحمق . والآية كالتعليل للأمر بالتبري والإعراض عنهم .","part":3,"page":25},{"id":1026,"text":"{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا } بسلب حواسهم وعقولهم . { ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بإفسادها وتفويت منافعها عليهم ، وفيه دليل على أن للعبد كسباً وأنه ليس بمسلوب الاختيار بالكلية كما زعمت المجبرة ، ويجوز أن يكون وعيداً لهم بمعنى أن ما يحيق بهم يوم القيامة من العذاب عدل من الله لا يظلمهم به ولكنهم ظلموا أنفسهم باقتراف أسبابه . وقرأ أبو عمرو والكسائي بالتخفيف ورفع { الناس } .","part":3,"page":26},{"id":1027,"text":"{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار } يستقصرون مدة لبثهم في الدنيا أو في القبور لهول ما يرون ، والجملة التشبيهية في موضع الحال أي يحشرهم مشبهين بمن لم يلبث إلا ساعة ، أو صفة ليوم والعائد محذوف تقديره : كأن لم يلبثوا قبله أو لمصدر محذوف ، أي : حشراً كأن لم يلبثوا قبله . { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً ، وهذا أول ما نشروا ثم ينقطع التعارف لشدة الأمر عليهم وهي حال أخرى مقدرة ، أو بيان لقوله : { كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } أو متعلق الظرف والتقدير يتعارفون يوم يحشرهم . { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } استئناف للشهادة على خسرانهم والتعجب منه ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في يتعارفون على إرادة القول . { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لطرق استعمال ما منحوا من المعاون في تحصيل المعارف فاستكسبوا بها جهالات أدت بهم إلى الردى والعذاب الدائم .","part":3,"page":27},{"id":1028,"text":"{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } نبصرنك . { بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ } من العذاب في حياتك كما أراه يوم بدر . { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل أن نريك . { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } فنريكه في الآخرة وهو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } وجواب { نُرِيَنَّكَ } محذوف مثل فداك . { ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ } مجاز عليه ذكر الشهادة وأراد نتيجتها ومقتضاها ولذلك رتبها على الرجوع ب { ثُمَّ } ، أو مؤد شهادته على أفعالهم يوم القيامة .\r{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم الماضية . { رَّسُولٍ } يبعث إليهم ليدعوهم إلى الحق . { فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } بالبينات فكذبوه . { قُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين الرسول ومكذبيه . { بالقسط } بالعدل فأنجي الرسول وأهلك المكذبون . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } وقيل معناه لكل أمة يوم القيامة رسول تنسب إليه فإذا جاء رسولهم الموقف ليشهد عليهم بالكفر والإيمان قضى بينهم بإنجاء المؤمنين وعقاب الكفار لقوله : { وَجِىء بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } استبعاداً له واستهزاء به . { إِن كُنتُمْ صادقين } خطاب منهم للنبي A والمؤمنين .\r{ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا } فكيف أملك لكم فأستعجل في جلب العذاب إليكم . { إِلاَّ مَا شَاء الله } أن أملكه أو ولكن ما شاء الله من ذلك كائن . { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } مضروب لهلاكهم . { إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } لا يتأخرون ولا يتقدمون فلا تستعجلون فسيحين وقتكم وينجز وعدكم .\r{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } الذي تستعجلون به . { بَيَاتًا } وقت بيات واشتغال بالنوم . { أَوْ نَهَارًا } حين كنتم مشتغلين بطلب معاشكم . { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } أي شيء من العذاب يستعجلونه ، وكله مكروه لا يلائم الاستعجال وهو متعلق ب { أَرَءيْتُمْ } لأنه بمعنى أخبروني ، والمجرمون وضع موضع الضمير للدلالة على أنهم لجرمهم ينبغي أن يفزعوا من مجيء العذاب لا أن يستعجلوه ، وجواب الشرط محذوف وهو تندموا على الاستعجال ، أو تعرفوا خطأه ، ويجوز أن يكون الجواب ماذا كقولك إن أتيتك ماذا تعطيني وتكون الجملة متعلقة ب { أَرَءيْتُمْ } أو بقوله :\r{ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } بمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإِيمان ، وماذا يستعجل اعتراض ودخول حرف الاستفهام على «ثم» لانكار التأخير . { الئان } على إرادة القول أي قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به . وعن نافع { الئان } بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام . { وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } تكذيباً واستهزاء .","part":3,"page":28},{"id":1029,"text":"{ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } عطف على قيل المقدر . { ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد } المؤلم على الدوام . { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } من الكفر والمعاصي .","part":3,"page":29},{"id":1030,"text":"{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } ويستخبرونك . { أَحَقٌّ هُوَ أحق ما تقول من الوعد أو ادعاء النبوة تقوله بجد أم باطل تهزل به قاله حيي بن أخطب لما قدم مكة ، والأظهر أن الاستفهام فيه على أصله لقوله : { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } وقيل إنه للإنكار ويؤيده أنه قرىء «آلحق هو» فإن فيه تعريضاً بأنه باطل ، وأحق مبتدأ والضمير مرتفع به ساد مسد الخبر أو خبر مقدم والجملة في موضع النصب { يستنبئونك } . { قُلْ إِى وَرَبّى إِنَّهُ لَحَقٌّ } إن العذاب لكائن أو ما ادعيته لثابت . وقيل كلا الضميرين للقرآن ، وإي بمعنى نعم وهو من لوازم القسم ولذلك يوصل بواوه في التصديق فيقال إي والله ولا يقال إي وحده . { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بفائتين العذاب .","part":3,"page":30},{"id":1031,"text":"{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } بالشرك أو التعدي على الغير { مَّا فِى الأرض } من خزائنها وأموالها . { لاَفْتَدَتْ بِهِ } لجعلته فدية لها من العذاب ، من قولهم افتداه بمعنى فداه . { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } لأنهم بهتوا بما عاينوا مما لم يحتسبوه من فظاعة الأمر وهوله فلم يقدروا أن ينطقوا . وقيل { أَسَرُّواْ الندامة } أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها ، أو لأنه يقال سر الشيء لخالصته من حيث إنها تخفى ويضن بها . وقيل أظهروها من قولهم أسر الشيء وأسره إذا أظهره . { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } ليس تكريراً لأن الأول قضاء بين الأنبياء ومكذبيهم والثاني مجازاة المشركين على الشرك أو الحكومة بين الظالمين والمظلومين ، والضمير إنما يتناولهم لدلالة الظلم عليهم .","part":3,"page":31},{"id":1032,"text":"{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } تقرير لقدرته تعالى على الإثابة والعقاب . { أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } ما وعده من الثواب والعقاب كائن لا خلف فيه . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } لأنهم لا يعلمون لقصور عقولهم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا .","part":3,"page":32},{"id":1033,"text":"{ هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ } في الدنيا فهو يقدر عليهما في العقبى لأن القادر لذاته لا تزول قدرته ، والمادة القابلة بالذات للحياة والموت لهما أبداً . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالموت أو النشور .\r{ ياأيها الناس قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِى الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } أي قد جاءكم كتاب جامع للحكمة العملية الكاشفة عن محاسن الأعمال ومقابحها المرغبة في المحاسن والزاجرة عن المقابح ، والحكمة النظرية التي هي شفاء لما في الصدور من الشكوك وسوء الاعتقاد وهدى إلى الحق واليقين ورحمة للمؤمنين ، حيث أنزلت عليهم فنجوا بها من ظلمات الضلال إلى نور الإِيمان ، وتبدلت مقاعدهم من طبقات النيران بمصاعد من درجات الجنان ، والتنكير فيها للتعظيم .\r{ قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } بإنزال القرآن ، والباء متعلقة بفعل يفسره قوله : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } فإن اسم الإشارة بمنزلة الضمير تقديره بفضل الله وبرحمته فليعتنوا أو فليفرحوا فبذلك فليفرحوا ، وفائدة ذلك التكرير التأكيد والبيان بعد الإجمال وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح أو بفعل دل عليه { قَدْ جَاءتْكُم } ، وذلك إشارة إلى مصدره أي فبمجيئها فليفرحوا والفاء بمعنى الشرط كأنه قيل : إن فرحوا بشيء فيهما فليفرحوا أو للربط بما قبلها ، والدلالة على أن مجيء الكتاب الجامع بين هذه الصفات موجب للفرح وتكريرها للتأكيد كقوله :\rوَإِذَا هَلَكْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ فَاجْزَعِي ... وعن يعقوب «فلتفرحوا» بالتاء على الأصل المرفوض ، وقد روي مرفوعاً ويؤيده أنه قرىء «فافرحوا» . { هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من حطام الدنيا فإنها إلى الزوال قريب وهو ضمير ذلك . وقرأ ابن عامر تجمعون بالتاء على معنى فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعونه أيها المخاطبون .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ } جعل الرزق منزلاً لأنه مقدر في السماء محصل بأسباب منها ، وما في موضع النصب ب { أَنَزلَ } أو ب { أَرَءيْتُمْ } فإنه بمعنى أخبروني ، ولكم دل على أن المراد منه ما حل ولذلك وبخ على التبعيض فقال : { فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً } مثل : { هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ } { مَا فِى بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } { قُلِ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ } في التحريم والتحليل فتقولون ذلك بحكمه . { أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ } في نسبة ذلك إليه ويجوز أن تكون المنفصلة متصلة ب { أَرَءيْتُمْ } وقل مكرر للتأكيد وأن يكون الاستفهام للإِنكار ، و { أَمْ } منقطعة ومعنى الهمزة فيها تقرير لافترائهم على الله .\r{ وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } أي شيء ظنهم . { يَوْمُ القيامة } أيحسبون أن لا يجازوا عليه ، وهو منصوب بالظن ويدل عليه أنه قرىء بلفظ الماضي لأنه كائن ، وفي إبهام الوعيد تهديد عظيم { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } حيث أنعم عليهم بالعقل وهداهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } هذه النعمة .","part":3,"page":33},{"id":1034,"text":"{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } ولا تكون في أمر ، وأصله الهمز من شأنت شأنه إذا قصدت قصده والضمير في { وَمَا تَتْلُو مِنْهُ } له لأن تلاوة القرآن معظم شأن الرسول ، أو لأن القراءة تكون لشأن فيكون التقدير من أجله ومفعول تتلو { مِن قُرْءانٍ } على أن { مِنْ } تبعيضية أو مزيدة لتأكيد النفي أو لل { قُرْءانَ } ، وإضماره قبل الذكر ثم بيانه تفخيم له أو لله . { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } تعميم للخطاب بعد تخصيصه بمن هو رأسهم ، ولذلك ذكر حيث خص ما فيه فخامة وذكر حيث عم ما يتناول الجليل والحقير . { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } رقباء مطلعين عليه . { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } تخوضون فيه وتندفعون . { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } ولا يبعد عنه ولا يغيب عن علمه ، وقرأ الكسائي بكسر الزاي هنا وفي «سبأ» . { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } موازن نملة صغيرة أو هباء . { فِي الأرض وَلاَ فِى السماء } أي في الوجود والإمكان فإن العامة لا تعرف ممكناً غيرهما ليس فيهما ولا متعلقاً بهما ، وتقديم الأرض لأن الكلام في حال أهلها والمقصود منه البرهان على إحاطة علمه بها . { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } كلام برأسه مقرر لما قبله { وَلاَ } نافية و { أَصْغَرَ } اسمها { وَفِى كِتَابٍ } خبرها . وقرأ حمزة ويعقوب بالرفع على الابتداء والخبر ، ومن عطف على لفظ { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وجعل الفتح بدل الكسر لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعل الاستثناء منقطعاً ، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ .","part":3,"page":34},{"id":1035,"text":"{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله } الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة . { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من لحوق مكروه . { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } لفوات مأمول . والآية كمجمل فسره قوله :\r{ الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } وقيل الذين آمنوا وكانوا يتقون بيان لتوليهم إياه .\r{ لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } وهو ما بشر به المتقين في كتابه وعلى لسان نبيه A وما يريهم من الرؤيا الصالحة وما يسنح لهم من المكاشفات ، وبشرى الملائكة عند النزع . { وَفِي الأخرة } بتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة بيان لتوليه لهم ، ومحل { الذين كَفَرُواْ } النصب أو الرفع على المدح أو على وصف الأولياء أو على الابتداء وخبره { لَهُمُ البشرى } . { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } أي لا تغيير لأقواله ولا إخلاف لمواعيده . { ذلك } إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين . { هُوَ الفوز العظيم } هذه الجملة والتي قبلها اعتراض لتحقيق المبشر به وتعظيم شأنه ، وليس من شرطه أن يقع بعده كلام يتصل بما قبله .\r{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } إشراكهم وتكذيبهم وتهديدهم . وقرأ نافع { يَحْزُنكَ } من أحزنه وكلاهما بمعنى . { إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً } استئناف بمعنى التعليل ويدل عليه القراءة بالفتح كأنه قيل لا تحزن بقولهم ولا تبال بهم لأن الغلبة لله جميعاً لا يملك غيره شيئاً منها فهو يقهرهم وينصرك عليهم . { هُوَ السميع } لأقوالهم . { العليم } بعزماتهم فيكافئهم عليها .","part":3,"page":35},{"id":1036,"text":"{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض } من الملائكة والثقلين ، وإذا كان هؤلاء الذين هم أشرف الممكنات عبيداً لا يصلح أحد منهم للربوبية فما لا يعقل منها أحق أن لا يكون له نداً أو شريكاً فهو كالدليل على قوله : { وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء } أي شركاء على الحقيقة وإن كان يسمونها شركاء ، ويجوز أن يكون { شُرَكَاء } مفعول { يَدَّعُونَ } ومفعول { يَتَّبِعُ } محذوف دل عليه . { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } أي ما يتبعون يقيناً وإنما يتبعون ظنهم أنها شركاء ، ويجوز أن تكون { مَا } استفهامية منصوبة ب { يَتَّبِعُ } أو موصولة معطوفة على من وقرىء «تدعون» بالتاء الخطابية والمعنى : أي شيء يتبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين ، أي أنهم لا يتبعون إلا الله ولا يعبدون غيره فما لكم لا تتبعونهم فيه كقوله : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } فيكون إلزاماً بعد برهان وما بعده مصروف عن خطابهم لبيان سندهم ومنشأ رأيهم . { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون فيما ينسبون إلى الله أو يحزرون ويقدرون أنها شركاء تقديراً باطلاً .","part":3,"page":36},{"id":1037,"text":"{ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } تنبيه على كمال قدرته وعظم نعمته المتوحد هو بهما ليدلهم على تفرده باستحقاق العبادة ، وإنما قال { مُبْصِراً } ولم يقل لتبصروا فيه تفرقة بين الظرف المجرد والظرف الذي هو سبب . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر واعتبار .","part":3,"page":37},{"id":1038,"text":"{ قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } أي تبناه . { سبحانه } تنزيه له عن التبني فإنه لا يصح إلا ممن يتصور له الولد وتعجب من كلمتهم الحمقاء . { هُوَ الغنى } علة لتنزيهه فإن اتخاذ الولد مسبب عن الحاجة . { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } تقرير لغناه . { إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ بهذا } نفي لمعارض ما أقامه من البرهان مبالغة في تجهيلهم وتحقيقاً لبطلان قولهم ، و { بهذا } متعلق ب { سلطان } أو نعت { لَهُ } أو ب { عِندَكُمْ } كأنه قيل : إن عندكم في هذا من سلطان . { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } توبيخ وتقريع على اختلافهم وجهلهم . وفيه دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو جهالة وأن العقائد لا بد لها من قاطع وأن التقليد فيها غير سائغ .","part":3,"page":38},{"id":1039,"text":"{ قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه . { لاَ يُفْلِحُونَ } لا ينجون من النار ولا يفوزون بالجنة .","part":3,"page":39},{"id":1040,"text":"{ متاع فِى الدنيا } خبر مبتدأ محذوف أي افتراؤهم متاع في الدنيا يقيمون به رئاستهم في الكفر أو حياتهم أو تقلبهم ، { متاع } مبتدأ خبره محذوف أي لهم تمتع في الدنيا . { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } بالموت فيلقون الشقاء المؤبد . { ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } بسبب كفرهم .","part":3,"page":40},{"id":1041,"text":"{ واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ } خبره مع قومه . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ ياقوم إَِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ } عظم عليكم وشق . { مَّقَامِى } نفسي كقولك فعلت كذا لمكان فلان ، أو كوني وإقامتي بينكم مدة مديدة أو قيامي على الدعوة . { وَتَذْكِيرِى } إياكم . { بِآيَاتِ الله فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } وثقت به . { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } فأعزموا عليه . { وَشُرَكَاءكُمْ } أي مع شركائكم ويؤيده القراءة بالرفع عطفاً على الضمير المتصل ، وجاز من غير أن يؤكد للفصل وقيل إنه معطوف على { أَمَرَكُمُ } بحذف المضاف أي وأمر شركائكم . وقيل إنه منصوب بفعل محذوف تقديره وادعوا شركاءكم وقد قرىء به ، وعن نافع { فَأَجْمِعُواْ } من الجمع ، والمعنى أمرهم بالعزم أو الاجتماع على قصده والسعي في إهلاكه على أي وجه يمكنهم ثقة بالله وقلة مبالاة بهم . { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ } في قصدي . { عَلَيْكُمْ غُمَّةً } مستوراً واجعلوه ظاهراً مكشوفاً ، من غمه إذا ستره أو ثم لا يكن حالكم عليكم غماً إذا أهلكتموني وتخلصتم من ثقل مقامي وتذكيري . { ثُمَّ اقضوا } أدوا . { إِلَىَّ } ذلك الأمر الذي تريدون بي ، وقرىء «ثم أفضوا إليَّ» بالفاء أي انتهوا إلي بشركم أو ابرزوا إلي ، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء . { وَلاَ تُنظِرُونَ } ولا تمهلوني .","part":3,"page":41},{"id":1042,"text":"{ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } أعرضتم عن تذكيري . { فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } يوجب توليكم لثقله عليكم واتهامكم إياي لأجله ، أو يفوتني لتوليكم . { إِنْ أَجْرِىَ } ما ثوابي على الدعوة والتذكير . { إِلاَّ عَلَى الله } لا تعلق له بكم يثيبني به آمنتم أو توليتم . { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } المنقادين لحكمه لا أخالف أمره ولا أرجو غيره .","part":3,"page":42},{"id":1043,"text":"{ فَكَذَّبُوهُ } فأصروا على تكذيبه بعدما ألزمهم الحجة وبين أن توليهم ليس إلا لعنادهم وتمردهم لا جرم حقت عليهم كلمة العذاب . { فنجيناه } من الغرق . { وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك } وكانوا ثمانين . { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } من الهالكين به . { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } بالطوفان . { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } تعظيم لما جرى عليهم وتحذير لمن كذب الرسول A وتسلية له .","part":3,"page":43},{"id":1044,"text":"{ ثُمَّ بَعَثْنَا } أرسلنا . { مِن بَعْدِهِ } من بعد نوح . { رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ } كل رسول إلى قومه . { فَجَاءوهُم بالبينات } بالمعجزات الواضحة المثبتة لدعواهم . { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } فما استقام لهم أن يؤمنوا لشدة شكيمتهم في الكفر وخذلان الله إياهم . { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } أي بسبب تعودهم تكذيب الحق وتمرنهم عليه قبل بعثه الرسل عليهم الصلاة والسلام . { كَذَلِكَ نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين } بخذلانهم لانهماكهم في الضلال واتباع المألوف ، وفي أمثال ذلك دليل على أن الأفعال واقعة بقدرة الله تعالى وكسب العبد وقد مر تحقيق ذلك .","part":3,"page":44},{"id":1045,"text":"{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم } من بعد هؤلاء الرسل . { موسى وهارون إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بآياتنا } بالآيات التسع . { فاستكبروا } عن اتباعهما . { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } معتادين الإجرام فلذلك تهاونوا برسالة ربهم واجترؤوا على ردها .","part":3,"page":45},{"id":1046,"text":"{ فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا } وعرفوه بتظاهر المعجزات الباهرة المزيلة للشك . { قَالُواْ } من فرط تمردهم . { إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر أنه سحر ، أو فائق في فنه واضح فيما بين إخوته .","part":3,"page":46},{"id":1047,"text":"{ قَالَ موسى أَتقُولُونَ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءكُمْ } إنه لسحر فحذف المحكي المقول لدلالة ما قبله عليه ، ولا يجوز أن يكون . { أَسِحْرٌ هذا } لأنهم بتوا القول بل هو استئناف بإنكار ما قالوه اللهم إلا أن يكون الاستفهام فيه للتقرير والمحكي مفهوم قولهم ، ويجوز أن يكون معنى { أَتقُولُونَ لِلْحَقّ } أتعيبونه من قولهم فلان يخاف القالة كقوله تعالى : { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } فيستغني عن المفعول .\r{ وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } من تمام كلام موسى للدلالة على أنه ليس بسحر فإنه لو كان سحراً لاضمحل ولم يبطل سحر السحرة ، ولأن العالم بأنه لا يفلح الساحر لا يسحر ، أو من تمام قولهم إن جعل أسحر هذا محكياً كأنهم قالوا أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح ولا يفلح الساحرون .\r{ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا } لتصرفنا واللفت والفتل أخوان . { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } من عبادة الأصنام . { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء فِى الأرض } الملك فيها سمي بها لاتصاف الملوك بالكبر ، أو التكبر على الناس باستتباعهم . { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين فيما جئتما به .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتونى بِكُلّ ساحر } وقرأ حمزة والكسائي «بكل سحار» . { عَلِيمٌ } حاذق فيه . { فَلَمَّا جَاء السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } .\r{ فَلَمَّا أَلْقُواْ قَالَ موسى مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } أي الذي جئتم به هو السحر لا ما سماه فرعون وقومه سحراً . وقرأ أبو عمرو { السحر } على أن { مَا } استفهامية مرفوعة بالابتداء وجئتم به خبرها و { السحر } بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره أهو السحر ، أو مبتدأ خبره محذوف أي السحر هو . ويجوز أن ينتصب ما يفعل يفسره ما بعده وتقديره أي شيء أتيتم . { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } سيمحقه أو سيظهر بطلانه . { إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } لا يثبته ولا يقويه وفيه دليل على أن السحر إفساد وتمويه لا حقيقة له .","part":3,"page":47},{"id":1048,"text":"{ وَيُحِقُّ الله الحق } ويثبته . { بكلماته } بأوامره وقضاياه وقرىء «بكلمته» . { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ذلك .","part":3,"page":48},{"id":1049,"text":"{ فَمَا ءامَنَ لموسى } أي في مبدأ أمره . { إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } إلا أولاد من أولاد قومه بني إسرائيل دعاهم فلم يجيبوه خوفاً من فرعون إلا طائفة من شبانهم ، وقيل الضمير ل { فِرْعَوْنُ } والذرية طائفة من شبانهم آمنوا به ، أو مؤمن آل فرعون وامرأته آسية وخازنه وزوجته وماشطته { على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ } أي مع خوف منهم ، والضمير ل { فِرْعَوْنُ } وجمعه على ما هو المعتاد في ضمير العظماء ، أو على أن المراد ب { فِرْعَوْنُ } آله كما يقال : ربيعة ومضر ، أو للذُريةِ أو للقوم . { أَن يَفْتِنَهُمْ } أن يعذبهم فرعون ، وهو بدل منه أو مفعول خوف وإفراده بالضمير للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسببه . { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض } لغالب فيها . { وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء .","part":3,"page":49},{"id":1050,"text":"{ وَقَالَ مُوسَى } لما رأى تخوف المؤمنين به . { ياقوم إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا } فثقوا به واعتمدوا عليه . { إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } مستسلمين لقضاء الله مخلصين له ، وليس هذا من تعليق الحكم بشرطين ، فإن المعلق بالإيمان وجوب التوكل فإنه المقتضي له ، والمشروط بالإسلام حصوله فإنه لا يوجد مع التخليط ونظيره إن دعاك زيد فأجبه إن قدرت .","part":3,"page":50},{"id":1051,"text":"{ فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا } لأنهم كانوا مؤمنين مخلصين ولذلك أجيبت دعوتهم . { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } موضع فتنة . { لّلْقَوْمِ الظالمين } أي لا تسلطهم علينا فيفتنونا .","part":3,"page":51},{"id":1052,"text":"{ وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين } من كيدهم ومن شؤم مشاهدتهم ، وفي تقديم التوكل على الدعاء تنبيه على أن الداعي ينبغي له أن يتوكل أولاً لتجاب دعوته .","part":3,"page":52},{"id":1053,"text":"{ وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا } أي اتخذا مباءة . { لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } تسكنون فيها أو ترجعون إليها للعبادة . { واجعلوا } أنتما وقومكما . { بُيُوتِكُمْ } تلك البيوت . { قِبْلَةَ } مصلى وقيل مساجد متوجهة نحو القبلة يعني الكعبة ، وكان موسى A يصلي إليها . { وَأَقِيمُواْ الصلاة } فيها ، أمروا بذلك أول أمرهم لئلا يظهر عليهم الكفرة فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم . { وَبَشّرِ المؤمنين } بالنصرة في الدنيا والجنة في العقبى ، وإنما ثنى الضمير أولاً لأن التبوأ للقوم واتخاذ المعابد مما يتعاطاه رؤوس القوم بتشاور ، ثم جمع لأن جعل البيوت مساجد والصلاة فيها مما ينبغي أن يفعله كل أحد ، ثم وحد لأن البشارة في الأصل وظيفة صاحب الشريعة .","part":3,"page":53},{"id":1054,"text":"{ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً } ما يتزين به من الملابس والمراكب ونحوهما . { وَأَمْوَالاً فِى الحياة الدنيا } وأنواعاً من المال . { رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ } دعاء عليهم بلفظ الأمر بما علم من ممارسة أحوالهم أنه لا يكون غيره كقولك : لعن الله إبليس . وقيل اللام للعاقبة وهي متعلقة ب { ءاتَيْتَ } ويحتمل أن تكون للعلة لأن إيتاء النعم على الكفر استدراج وتثبيت على الضلال ، ولأنهم لما جعلوها سبباً للضلال فكأنهم أوتوها ليضلوا فيكون { رَبَّنَا } تكريراً للأول تأكيداً وتنبيهاً على أن المقصود عرض ضلالهم وكفرانهم تقدمة لقوله : { رَبَّنَا اطمس على أموالهم } أي أهلكها ، والطمس المحق وقرىء «اطْمِس» بالضم . { واشدد على قُلُوبِهِمْ } أي وأقسها عليها حتى لا تنشرح للإيمان . { فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } جواب للدعاء أو دعاء بلفظ النهي ، أو عطف على { لِيُضِلُّواْ } وما بينهم دعاء معترض .\r{ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } يعني موسى وهارون لأنه كان يؤمن . { فاستقيما } فاثبتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجة ، ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائن ولكن في وقته . روي : أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة . { وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } طريق الجهلة في الاستعجال أو عدم الوثوق والاطمئنان بوعد الله تعالى ، وعن ابن عامر برواية ابن ذكوان ولا تتبعان بالنون الخفيفة وكسرها لالتقاء الساكنين ، { وَلاَ تَتَّبِعَانّ } من تبع { وَلاَ تَتَّبِعَانّ } أيضاً .\r{ وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } أي جوزناهم في البحر حتى بلغوا الشط حافظين لهم ، وقرىء «جوزنا» وهو من فعل المرادف لفاعل كضعف وضاعف . { فَأَتْبَعَهُمْ } فأدركهم يقال اتبعته حتى أتبعته . { فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا } باغين وعادين ، أو للبغي والعدو وقرىء «وعدوا» . { حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق } لحقه . { قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ } أي بأنه . { لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين } وقرأ حمزة والكسائي أنه بالكسر على إضمار القول أو الاستئناف بدلاً وتفسيراً ل { لآمنت } فنكب عن الإيمان أوان القبول وبالغ فيه حين لا يقبل .\r{ الئان } أتؤمن الآن وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار . { وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } قبل ذلك مدة عمرك . { وَكُنتَ مِنَ المفسدين } الضالين المضلين عن الإيمان .\r{ فاليوم نُنَجّيكَ } ننقذك مما وقع فيه قومك من قعر البحر ونجعلك طافياً ، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيل . وقرأ يعقوب { نُنَجّيكَ } من أنجى ، وقرأ «ننحيك» بالحاء أي نلقيك بناحية من الساحل . { بِبَدَنِكَ } في موضع الحال أي ببدنك عارياً عن الروح ، أو كاملاً سوياً أو عرياناً من غير لباس . أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها . وقرىء «بأبدانك» أي بأجزاء البدن كلها كقولهم هوى بإجرامه أو بدروعك كأنه كان مظاهراً بينها . { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن وراءك علامة وهم بنو إسرائيل إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خيل إليهم أنه لا يهلك ، حتى كذبوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بفرقة إلى أن عاينوه مطرحاً على ممرهم من الساحل ، أو لمن يأتي بعدك من القرون إذا سمعوا مآل أمرك ممن شاهدك عبرة ونكالاً عن الطغيان ، أو حجة تدلهم على أن الإنسان على ما كان عليه من عظم الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور بعيد عن مظان الربوبية .","part":3,"page":54},{"id":1055,"text":"وقرىء لمن «خلقك» أي لخالقك آية أي كسائر الآيات فإن إفراده إياك بالإِلقاء إلى الساحل دليل على أن تعمد منه لكشف تزويرك وإماطة الشبهة في أمرك . وذلك دليل على كمال قدرته وعلمه وإرادته ، وهذا الوجه أيضاً محتمل على المشهور . { وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الناس عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها .","part":3,"page":55},{"id":1056,"text":"{ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا } أنزلنا . { بَنِى إسراءيل مُبَوَّأَ صِدْقٍ } منزلاً صالحاً مرضياً وهو الشأم ومصر . { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } من اللذائذ . { فَمَا اختلفوا حتى جَاءهُمُ العلم } فما اختلفوا في أمر دينهم إلا من بعد ما قرؤوا التوراة وعلموا أحكامها ، أو في أمر محمد A إلا من بعد ما علموا صدقه بنعوته وتظاهر معجزاته . { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيميز المحق من المبطل بالإِنجاء والإِهلاك .","part":3,"page":56},{"id":1057,"text":"{ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } من القصص على سبيل الفرض والتقدير . { فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ } فإنه محقق عندهم ثابت في كتبهم على نحو ما ألقينا إليك ، والمراد تحقيق ذلك والاستشهاد بما في الكتب المتقدمة وأن القرآن مصدق لما فيها ، أو وصف أهل الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة ما أنزل إليه ، أو تهييج الرسول A وزيادة تثبيته لا إمكان وقوع الشك له ولذلك قال E : { لا أشك ولا أسأل } وقيل الخطاب للنبي A والمراد أمته أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامع في شك مما نزلنا على لسان نبينا إليك ، وفيه تنبيه على أن كل من خالجته شبهة في الدين ينبغي أن يسارع إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلم . { لَقَدْ جَاءكَ الحق مِن رَّبّكَ } واضحاً أنه لا مدخل للمرية فيه بالآيات القاطعة . { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقين .","part":3,"page":57},{"id":1058,"text":"{ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله فَتَكُونَ مِنَ الخاسرين } أيضاً من باب التهييج والتثبيت وقطع الأطماع عنه كقوله { فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً للكافرين . }","part":3,"page":58},{"id":1059,"text":"{ إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ } ثبتت عليهم . { كَلِمَةُ رَبِّكَ } بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في العذاب . { لاَ يُؤْمِنُونَ } إذ لا يكذب كلامه ولا ينتقض قضاؤه .\r{ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ } فإن السبب الأصلي لإِيمانهم وهو تعلق إرادة الله تعالى به مفقود . { حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } وحينئذ لا ينفعهم كما لا ينفع فرعون .\r{ فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ ءامَنَتْ } فهلا كانت قرية من القرى التي أهلكناها آمنت قبل معاينة العذاب ، ولم تؤخر إليها كما أخر فرعون . { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } بأن يقبله الله منها ويكشف العذاب عنها . { إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } لكن قوم يونس عليه السلام . { لَمَّا ءامَنُواْ } أول ما رأوا أمارة العذاب ولم يؤخروه إلى حلوله . { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا } ويجوز أن تكون الجملة في معنى النفي لتضمن حرف التحضيض معناه ، فيكون الاستثناء متصلاً لأن المراد من القرى أهاليها كأنه قال : ما آمن أهل قرية من القرى العاصية فنفعهم إيمانهم إلا قوم يونس ، ويؤيده قراءة الرفع على البدل . { وَمَتَّعْنَاهُمْ إلى حِينٍ } إلى آجالهم . روي : ( أن يونس عليه السلام بعث إلى أهل نينوى من الموصل ، فكذبوه وأصروا عليه فوعدهم بالعذاب إلى ثلاث . وقيل إلى ثلاثين . وقيل إلى أربعين ، فلما دنا الموعد أغامت السماء غيماً أسود ذا دخان شديد فهبط حتى غشي مدينتهم ، فهابوا فطلبوا يونس فلم يجدوه فأيقنوا صدقه ، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم ، وفرقوا بين كل والدة وولدها فحن بعضها إلى بعض وعلت الأصوات والعجيج وأخلصوا التوبة وأظهروا الإِيمان وتضرعوا إلى الله تعالى ، فرحمهم وكشف عنهم وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة ) .\r{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ } بحيث لا يشد منهم أحد . { جَمِيعاً } مجتمعين على الإِيمان لا يختلفون فيه ، وهو دليل على القدرية في أنه تعالى لم يشأ إيمانهم أجمعين ، وأن من شاء إيمانه يؤمن لا محالة ، والتقييد بمشيئة الإلجاء خلاف الظاهر . { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس } بما لم يشأ منهم . { حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } وترتيب الإكراه على المشيئة بالفاء وإيلاؤها حرف الاستفهام للإنكار ، وتقديم الضمير على الفعل للدلالة على أن خلاف المشيئة مستحيل فلا يمكن تحصيله بالإكراه عليه فضلاً عن الحث والتحريض عليه؛ إذ روي أنه كان حريصاً على إيمان قومه شديد الاهتمام به فنزلت . ولذلك قرره بقوله :\r{ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ } بالله . { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } إلا بإرادته وألطافه وتوفيقه فلا تجهد نفسك في هداها فإنه إلى الله . { وَيَجْعَلُ الرجس } العذاب أو الخذلان فإن سببه . وقرىء بالزاي وقرأ أبو بكر «ونجعل» بالنون . { عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات ، أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع ويؤيد الأول قوله :\r{ قُلِ انظروا } أي تفكروا .","part":3,"page":59},{"id":1060,"text":"{ مَاذَا فِى السموات والأرض } من عجائب صنعه لتدلكم على وحدته وكمال قدرته ، و { مَاذَا } إن جعلت استفهامية علقت { انظروا } عن العمل . { وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } في علم الله وحكمته { وَمَا } نافية أو استفهامية في موضع النصب .\r{ فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ } مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها . { قُلْ فانتظروا إِنَّى مَعَكُمْ مّنَ المنتظرين } لذلك أو فانتظروا هلاكي إني معكم من المنتظرين هلاككم .\r{ ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } عطف على محذوف دل عليه { إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ } كأنه قيل؛ نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا ومن آمن بهم ، على حكاية الحال الماضية . { كَذَلِكَ حَقّا عَلَيْنَا نُنجِ المؤمنين } كذلك الإِنجاء أو إنجاء كذلك ننجي محمداً وصحبه حين نهلك المشركين ، و { حَقّاً عَلَيْنَا } اعتراض ونصبه بفعله المقدر . وقيل بدل من كذلك . وقرأ حفص والكسائي { نُنَجّى } مخففاً .\r{ قُلْ يا أَيُّهَا الناس } خطاب لأهل مكة . { إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } وصحته . { فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ولكن أَعْبُدُ الله الذى يَتَوَفَّاكُمْ } فهذا خلاصة ديني اعتقاداً وعملاً فاعرضوها على العقل الصرف وانظروا فيها بعين الإِنصاف لتعلموا صحتها وهو أني لا أعبد ما تخلقونه وتعبدونه ، ولكن أعبد خالقكم الذي هو يوجدكم ويتوفاكم . وإنما خص التوفي بالذكر للتهديد . { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } بما دل عليه العقل ونطق به الوحي ، وحذف الجار من أن يجوز أن يكون من المطرد مع أن وأن يكون من غيره كقوله :\rأَمَرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِه ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَسَبِ\r{ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ } عطف على { أَنْ أَكُونَ } غير { أَن } صلة { أن } محكية بصيغة الأمر ، ولا فرق بينهما في الغرض لأن المقصود وصلها بما يتضمن معنى المصدر لتدل معه عليه ، وصيغ الأفعال كلها كذلك سواء الخبر منها والطلب ، والمعنى وأمرت بالاستقامة في الدين والاستبداد فيه بأداء الفرائض ، والانتهاء عن القبائح ، أو في الصلاة باستقبال القبلة . { حَنِيفاً } حال من الدين أو الوجه . { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } .","part":3,"page":60},{"id":1061,"text":"{ وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ } بنفسه إن دعوته أو خذلته . { فَإِن فَعَلْتَ } فإن دعوته { فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين } جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر عن تبعة الدعاء .","part":3,"page":61},{"id":1062,"text":"{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } وإن يصبك به . { فَلاَ كاشف لَهُ } يرفعه . { إِلاَّ هُوَ } إلا الله . { وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ } فلا دافع . { لِفَضْلِهِ } الذي أرادك به ولعله ذكر الإرادة مع الخير والمس مع الضر مع تلازم الأمرين للتنبيه على أن الخير مراد بالذات وأن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول ، ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه ، ولم يستثن لأن مراد الله لا يمكن رده . { يُصَيبُ بِهِ } بالخير . { مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغفور الرحيم } فتعرضوا لرحمته بالطاعة ولا تيأسوا من غفرانه بالمعصية .","part":3,"page":62},{"id":1063,"text":"{ قُلْ يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ } رسوله أو القرآن ولم يبق لكم عذر . { فَمَنُ اهتدى } بالإِيمان والمتابعة . { فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } لأن نفعه لها . { وَمَن ضَلَّ } بالكفر بهما . { فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لأن وبال الضلال عليها . { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ موكول إلى أمركم ، وإنما أنا بشير ونذير .","part":3,"page":63},{"id":1064,"text":"{ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ } بالامتثال والتبليغ . { واصبر } على دعوتهم وتحمل أذيتهم . { حتى يَحْكُمَ الله } بالنصرة أو بالأمر بالقتال . { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطلاعه على السرائر اطلاعه على الظواهر . عن النبي A « من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بيونس وكذب به وبعدد من غرق مع فرعون » .","part":3,"page":64},{"id":1065,"text":"{ الر كِتَابٌ } مبتدأ وخبر أو { كِتَابٌ } خبر مبتدأ محذوف . { أُحكِمَتْ آيَاتُهُ } نظمت نظماً محكماً لا يعتريه إخلال من جهة اللفظ والمعنى ، أو منعت من الفساد والنسخ فإن المراد آيات السورة وليس فيها منسوخ ، أو أحكمت بالحجج والدلائل أو جعلت حكمية منقول من حكم بالضم إذا صار حكيماً لأنها مشتملة على أمهات الحكم النظرية والعملية . { ثُمَّ فُصّلَتْ } بالفوائد من العقائد والأحكام والمواعظ والأخبار ، أو بجعلها سوراً أو بالانزال نجماً نجماً ، أو فصل فيها ولخص ما يحتاج إليه . وقرىء { ثُمَّ فُصّلَتْ } أي فرقت بين الحق والباطل وأحكمت آياته { ثُمَّ فُصّلَتْ } على البناء للمتكلم ، و { ثُمَّ } للتفاوت في الحكم أو للتراخي في الأخبار . { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفة أخرى ل { كِتَابٌ } ، أو خبر بعد خبر أو صلة ل { أُحْكِمَتْ } أو { فُصّلَتْ } ، وهو تقرير لأحكامها وتفصيلها على أكمل ما ينبغي باعتبار ما ظهر أمره وما خفي .\r{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } لأن لا تعبدوا . وقيل أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول ، ويجوز أن يكون كلاماً مبتدأ للاغراء على التوحيد أو الأمر بالتبري من عبادة الغير كأنه قيل : ترك عبادة غير الله بمعنى الزموه أو اتركوها تركاً . { إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ } من الله . { نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ } بالعقاب على الشرك والثواب على التوحيد . { وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ } عطف على ألا تعبدوا . { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } ثم توسلوا إلى مطلوبكم بالتوبة فإن المعرض عن طريق الحق لا بد له من الرجوع . وقيل استغفروا من الشرك ثم توبوا إلى الله بالطاعة ، ويجوز أن يكون ثم لتفاوت ما بين الأمرين . { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } يعيشكم في أمن ودعة . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو آخر أعماركم المقدرة ، أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال والأرزاق والآجال ، وإن كانت متعلقة بالأعمار لكنها مسماة بالإِضافة إلى كل أحد فلا تتغير . { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ } ويعط كل ذي فضل في دينه جزاء فضله في الدنيا والآخرة ، وهو وعد للموحد التائب بخير الدارين . { وَإِن تَوَلَّوْاْ } وإن تتولوا . { فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } يوم القيامة ، وقيل يوم الشدائد وقد ابتلوا بالقحط حتى أكلوا الجيف . وقرىء { وَإِن تَوَلَّوْاْ } من ولي .\r{ إلى الله مَرْجِعُكُمْ } رجوعكم في ذلك اليوم وهو شاذ عن القياس . { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيقدر على تعذيبكم أشد عذاب وكأنه تقدير لكبر اليوم .\r{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يثنونها عن الحق وينحرفون عنه ، أو يعطفونها على الكفر وعداوة النبي A ، أو يولون ظهورهم . وقرىء «يثنوني» بالياء والتاء من اثنوني ، وهو بناء مبالغة و «تثنون» ، وأصله تثنونن من الثن وهو الكلأ الضعيف أراد به ضعف قلوبهم أو مطاوعة صدورهم للثني ، و «تثنئن» من اثنأن كأبياض بالهمزة و «تثنوي» . { لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } من الله بسرهم فلا يطلع رسوله والمؤمنين عليه . قيل إنها نزلت في طائفة من المشركين قالوا : إذا أرخينا ستورنا واستغشينا ثيابنا وطوينا صدورنا على عداوة محمد كيف يعلم . وقيل نزلت في المنافقين وفيه نظر إذ الآية مكية والنفاق حدث بالمدينة . { أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } ألا حين يأوون إلى فراشهم ويتغطون بثيابهم . { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } في قلوبهم . { وَمَا يُعْلِنُونَ } بأفواههم يستوي في علمه سرهم وعلنهم فكيف يخفي عليه ما عسى يظهرونه . { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بالأسرار ذات الصدور أو بالقلوب وأحوالها .","part":3,"page":65},{"id":1066,"text":"{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } غذاؤها ومعاشها لتكفله إياه تفضلاً ورحمة ، وإنما أتى بلفظ الوجوب تحقيقاً لوصوله وحملاً على التوكل فيه . { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا } أماكنها في الحياة والممات ، أو الأصلاب والأرحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة . { كُلٌّ } كل واحد من الدواب وأحوالها . { فِى كتاب مُّبِينٍ } مذكور في اللوح المحفوظ ، وكأنه أريد بالآية بيان كونه عالماً بالمعلومات كلها وبما بعدها بيان كونه قادراً على الممكنات بأسرها تقريراً للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد .","part":3,"page":66},{"id":1067,"text":"{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي خلقهما وما فيهما كما مر بيانه في «الأعراف» ، أو ما في جهتي العلو والسفل وجمع السموات دون الأرض لاختلاف العلويات بالأصل والذات دون السفليات . { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الماء } قبل خلقهما لم يكن حائل بينهما لأنه كان موضوعاً على متن الماء ، واستدل به على إمكان الخلاء وأن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم . وقيل كان الماء على متن الريح ، والله أعلم بذلك . { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } متعلق ب { خُلِقَ } أي خلق ذلك كخلق من خلق ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون ، فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم وما تحتاج إليه أعمالكم ودلائل وأمارات تستدلون بها وتستنبطون منها ، وإنما جاز تعليق فعل البلوى لما فيه من معنى العلم من حيث إنه طريق إليه كالنظر والاستماع ، وإنما ذكر صيغة التفضيل والاختبار شامل لفرق المكلفين باعتبار الحسن والقبح للتحريض على أحاسن المحاسن ، والتحضيض على الترقي دائماً في مراتب العلم والعمل فإن المراد بالعمل ما يعم عمل القلب والجوارح ولذلك قال النبي A \" أيكم أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله \" والمعنى أيكم أكمل علماً وعملاً . { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت لَيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ما البعث أو القول به أو القرآن المتضمن لذكره إلا كالسحر في الخديعة أو البطلان . وقرأ حمزة والكسائي «إلا ساحر» على أن الإشارة إلى القائل . وقرىء { إِنَّكُمْ } بالفتح على تضمن قلت معنى ذكرت أو أن يكون أن بمعنى على أي ولئن قلت علَّكم مبعوثون ، بمعنى توقعوا بعثكم ولا تبتوا بإنكاره لعدوه من قبيل ما لا حقيقة له مبالغة في إنكاره .\r{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب } الموعود . { إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } إلى جماعة من الأوقات قليلة . { لَّيَقُولَنَّ } استهزاء . { مَا يَحْبِسُهُ } ما يمنعه من الوقوع . { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } كيوم بدر . { لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ } ليس العذاب مدفوعاً عنهم ، و { يَوْمٍ } منصوب بخبر { لَّيْسَ } مقدم عليه وهو دليل على جواز تقديم خبرها عليها . { وَحَاقَ بِهِم } وأحاط بهم وضع الماضي موضع المستقبل تحقيقاً ومبالغة في التهديد . { مَّا كَانُوا بِهِ } أي العذاب الذي كانوا به يستعجلون ، فوضع { يستهزؤون } موضع يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء .","part":3,"page":67},{"id":1068,"text":"{ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } ولئن أعطيناه نعمة بحيث يجد لذتها . { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } ثم سلبنا تلك النعمة منه . { إِنَّهُ لَيُؤُوسٌ } قطوع رجاءه من فضل الله تعالى لقلة صبره وعدم ثقته به . { كَفُورٌ } مبالغ في كفران ما سلف له من النعمة .","part":3,"page":68},{"id":1069,"text":"{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } كصحة بعد سقم وغنى بعد عدم ، وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى . { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي } أي المصائب التي ساءتني . { إِنَّهُ لَفَرِحٌ } بطر بالنعم مغتر بها . { فَخُورٌ } على الناس مشغول عن الشكر والقيام بحقها ، وفي لفظ الاذاقة والمس تنبيه على أن ما يجده الإنسان في الدنيا من النعم والمحن كالأنموذج لما يجده في الآخرة ، وأنه يقع في الكفران والبطر بأدنى شيء لأن الذوق إدراك الطعم والمس مبتدأ الوصول .","part":3,"page":69},{"id":1070,"text":"{ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } على الضراء إيماناً بالله تعالى واستسلاماً لقضائه . { وَعَمِلُواْ الصالحات } شكراً لآلائه سابقها ولاحقها . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم . { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } أقله الجنة والاستثناء من الإنسان لأن المراد به الجنس فإذا كان محلى باللام أفاد الاستغراق ومن حمله على الكافر لسبق ذكرهم جعل الاستثناء منقطعاً .","part":3,"page":70},{"id":1071,"text":"{ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } تترك تبليغ بعض ما يوحى إليك وهو ما يخالف رأي المشركين مخافة ردهم واستهزائهم به ، ولا يلزم من توقع الشيء لوجود ما يدعو إليه وقوعه لجواز أن يكون ما يصرف عنه وهو عصمة الرسل عن الخيانة في الوحي والثقة في التبليغ ها هنا . { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } وعارض لك أحياناً ضيق صدرك بأن تتلوه عليهم مخافة . { أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ } ينفقه في الاستتباع كالملوك . { أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } يصدقه وقيل الضمير في { بِهِ } مبهم يفسره { أَن يَقُولُواْ } . { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا الإِنذار بما أوحي إليك ولا عليك ردوا أو اقترحوا فما بالك يضيق به صدرك . { والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } فتوكل عليه فإنه عالم بحالهم وفاعل بهم جزاء أقوالهم وأفعالهم .","part":3,"page":71},{"id":1072,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } { أَمْ } منقطعة والهاء { لِمَا يُوحَى } . { قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } في البيان وحسن النظم تحداهم أولاً بعشر سور ثم لما عجزوا عنها سهل الأمر عليهم وتحداهم بسورة ، وتوحيد المثل باعتبار كل واحدة . { مُفْتَرَيَاتٍ } مختلقات من عند أنفسكم إن صح أني اختلقته من عند نفسي فإنكم عرب فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه بل أنتم لتعلمكم القصص والأشعار وتعودكم القريض والنظم . { وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله } إلى المعاونة على المعارضة . { إِن كُنتُمْ صادقين } أنه مفترى { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } بإتيان ما دعوتم إليه ، وجمع الضمير إما لتعظيم الرسول A أو لأن المؤمنين كانوا أيضاً يتحدونهم ، وكان أمر الرسول A متناولاً لهم من حيث إنه يجب أتباعه عليهم في كل أمر إلا ما خصه الدليل ، وللتنبيه على أن التحدي مما يوجب رسوخ إيمانهم وقوة يقينهم فلا يغفلون عنه ولذلك رتب عليه قوله : { فاعلموا أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ الله } ملتبساً بما لا يعلمه إلا الله ولا يقدر عليه سواه . { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } واعلموا أن لا إله إلا الله لأنه العالم القادر بما لا يعلم ولا يقدر عليه غيره ، ولظهور عجز آلهتهم ولتنصيص هذا الكلام الثابت صدقة بإعجازه عليه ، وفيه تهديد وإقناط من أن يجيرهم من بأس الله آلهتهم . { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون إذا تحقق عندكم إعجازه مطلقاً ، ويجوز أن يكون الكل خطاباً للمشركين والضمير في { لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ } لمن استطعتم أي فإن لم يستجيبوا لكم إلى المظاهرة لعجزهم وقد عرفتم من أنفسكم القصور عن المعاوضة فاعلموا أنه نظم لا يعلمه إلا الله ، وأنه منزل من عنده وأن ما دعاكم إليه من التوحيد حق فهل أنتم داخلون في الإِسلام بعد قيام الحجة القاطعة ، وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر .","part":3,"page":72},{"id":1073,"text":"{ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } بإحسانه وبره . { نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } نوصل إليهم جزاء أعمالهم في الدنيا من الصحة والرئاسة وسعة الرزق وكثرة الأولاد . وقرىء «يوف» بالياء أي يوف الله و { نُوَفّ } على البناء للمفعول و «نُوَفّ» بالتخفيف والرفع لأن الشرط ماض كقوله :\rوَإِنْ أَتَاهُ كَرِيمٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرَمُ\r{ وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } لا ينقصون شيئاً من أجورهم . والآية في أهل الرياء . وقيل في المنافقين . وقيل في الكفرة وغرضهم وبرهم .","part":3,"page":73},{"id":1074,"text":"{ أُوْلَئِكَ الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخرة إِلاَّ النار } مطلقاً في مقابلة ما عملوا لأنهم استوفوا ما تقتضيه صور أعمالهم الحسنة وبقيت لهم أوزار العزائم السيئة . { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } لأنه لم يبق لهم ثواب في الآخرة ، أو لم يكن لأنهم لم يريدوا به وجه الله والعمدة في اقتضاء ثوابها هو الإِخلاص ، ويجوز تعليق الظرف ب { صَنَعُواْ } على أن الضمير ل { الدنيا } . { وباطل } في نفسه . { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } لأنه لم يعمل على ما ينبغي ، وكأن كل واحدة من الجملتين علة لما قبلها . وقرىء «باطلاً» على أنه مفعول يعملون و { مَا } إبهامية أو في معنى المصدر كقوله :\rوَلاَ خَارِجاً منْ في زُور كَلاَم ... وبطل على الفعل { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } برهان من الله يدله على الحق والصواب فيما يأتيه ويذره ، والهمزة لإنكار أن يعقب من هذا شأنه هؤلاء المقصرين هممهم وأفكارهم على الدنيا وأن يقارب بينهم في المنزلة ، وهو الذي أغنى عن ذكر الخبر وتقديره أفمن كان على بينة كمن كان يريد الحياة الدنيا ، وهو حكم يعم كل مؤمن مخلص . وقيل المراد به النبي A وقيل مؤمنو أهل الكتاب . { وَيَتْلُوهُ } ويتبع ذلك البرهان الذي هو دليل العقل . { شَاهِدٌ مّنْهُ } شاهد من الله يشهد بصحته وهو القرآن . { وَمِن قَبْلِهِ } ومن قبل القرآن . { كِتَابُ موسى } يعني التوراة فإنها أيضاً تتلوه في التصديق ، أو البينة هو القرآن { وَيَتْلُوهُ } من التلاوة والشاهد جبريل ، أو لسان الرسول A على أن الضمير له أو من التلو والشاهد ملك يحفظه . والضمير في { يتلوه } إما لمن أو للبينة باعتبار المعنى { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } جملة مبتدأة . وقرىء { كِتَابٌ } بالنصب عطفاً على الضمير في { يتلوه } أي يتلو القرآن شاهد ممن كان على بينة دالة على أنه حق كقوله : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } ويقرأ من قبل القرآن التوراة . { إِمَاماً } كتاباً مؤتماً به في الدين . { وَرَحْمَةً } على المنزل عليهم لأنه الوصلة إلى الفوز بخير الدارين . { أولئك } إشارة إلى من كان على بينة . { يُؤْمِنُونَ بِهِ } بالقرآن . { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحزاب } من أهل مكة ومن تحزب معهم على رسول الله A . { فالنار مَوْعِدُهُ } يردها لا محالة . { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } من الموعد ، أو القرآن وقرىء «مُرْيَةٍ» بالضم وهما الشك . { إِنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } لقلة نظرهم واختلال فكرهم .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } كأن أسند إليه ما لم ينزله أو نفى عنه ما أنزله . { أولئك } أي الكاذبون . { يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } في الموقف بأن يحبسوا وتعرض أعمالهم .","part":3,"page":74},{"id":1075,"text":"{ وَيَقُولُ الأشهاد } من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم ، وهو جمع شاهد كأصحاب أو شهيد كأشراف جمع شريف . { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } تهويل عظيم مما يحيق بهم حينئذ لظلمهم بالكذب على الله .\r{ الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } عن دينه . { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } يصفونها بالانحراف عن الحق والصواب أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة . { وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون } والحال أنهم كافرون بالآخرة وتكريرهم لتأكيد كفرهم واختصاصهم به .\r{ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الأرض } أي ما كانوا معجزين الله في الدنيا أن يعاقبهم . { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } يمنعونهم من العقاب ولكنه أخر عقابهم إلى هذا اليوم ليكون أشد وأدوم . { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } استئناف وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يُضَّعف» بالتشديد . { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } لتصامهم عن الحق وبغضهم له . { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } لتعاميهم عن آيات الله ، وكأنه العلة لمضاعفة العذاب . وقيل هو بيان ما نفاه من ولاية الآلهة بقوله : { وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } فإن ما لا يسمع ولا يبصر لا يصلح للولاية وقوله : { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } اعتراض .\r{ أُوْلَئِكَ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } باشتراء عبادة الآلهة بعبادة الله تعالى . . { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتها ، أو خسروا بما بدلوا وضاع عنهم ما حصلوا فلم يبق معهم سوى الحسرة والندامة . { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرة هُمُ الأخسرون } لا أحد أبين وأكثر خسراناً منهم .","part":3,"page":75},{"id":1076,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ } اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت وهو الأرض المطمئنة . { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون .","part":3,"page":76},{"id":1077,"text":"{ مَثَلُ الفريقين } الكافر والمؤمن . { كالأعمى والأصم والبصير والسميع } يجوز أن يراد به تشبيه الكافر بالأعمى لتعاميه عن آيات الله ، وبالأصم لتصامه عن إسماع كلام الله تعالى وتأبيه عن تدبر معانيه ، وتشبيه المؤمن بالسميع والبصير لأن أمره بالضد فيكون كل واحد منهما مشبهاً باثنين باعتبار وصفين ، أو تشبيه الكافر بالجامع بين العمى والصمم والمؤمن بالجامع بين ضديهما والعاطف لعطف الصفة على الصفة كقوله :\rالصَّابِح فَالغَانِم فَالآيِب ... وهذا من باب اللف والطباق . { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } هل يستوي الفريقان . { مَثَلاً } أي تمثيلاً أو صفة أو حالاً . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } بضرب الأمثال والتأمل فيها .","part":3,"page":77},{"id":1078,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إِنَّى لَكُمْ } بأني لكم . قرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة بالكسر على إرادة القول . { نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أبين لكم موجبات العذاب ووجه الخلاص .","part":3,"page":78},{"id":1079,"text":"{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } بدل من { إِنِّي لَكُمْ } ، أو مفعول مبين ، ويجوز أن تكون أن مفسرة متعلقة ب { أَرْسَلْنَا } أو ب { نَّذِيرٍ } . { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } مؤلم وهو في الحقيقة صفة المعذب لكن يوصف به العذاب وزمانه على طريقة جد جده ونهاره صائم للمبالغة .","part":3,"page":79},{"id":1080,"text":"{ فَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } لا مزية لك علينا تخصك بالنبوة ووجوب الطاعة . { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } أخساؤنا جمع أرذل فإنه بالغلبة صار مثل الاسم كالأكبر ، أو أرذل جمع رذل . { بَادِيَ الرأي } ظاهر الرأي من غير تعمق من البدو ، أو أول الرأي من البدء ، والياء مبدلة من الهمزة لانكسار ما قبلها . وقرأ أبو عمرو بالهمزة وانتصابه بالظرف على حذف المضاف أي : وقت حدوث بادي الرأي ، والعامل فيه { اتبعك } . وإنما استرذلوهم لذلك أو لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهراً من الحياة الدنيا كان الأحظ بها أشرف عندهم والمحروم منها أرذل . { وَمَا نرى لَكُمْ } لك ولمتبعيك . { عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } يؤهلكم للنبوة واستحقاق المتابعة . { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } إياي في دعوى النبوة وإياهم في دعوى العلم بصدقك فغلب المخاطب على الغائبين .","part":3,"page":80},{"id":1081,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمٌ أَرَءيْتُمْ } أخبروني . { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّي } حجة شاهدة بصحة دعواي . { وَآتَانِي رَحمةً مِن عِندِه } بإيتاء البينة أو النبوة . { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } فخفيت عليكم فلم تهدكم وتوحيد الضمير لأن البينة في نفسها هي الرحمة ، أو لأن خفاءها يوجب خفاء النبوة ، أو على تقدير فعميت بعد البينة وحذفها للاختصار أو لأنه لكل واحدة منهما . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { فَعُمّيَتْ } أي أخفيت . وقرىء «فعماها» على أن الفعل لله . { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أنكرهكم على الاهتداء بها . { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } لا تختارونها ولا تتأملون فيها ، وحيث اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعاً وقدم الأعرف منهما جاز في الثاني الفصل والوصل .","part":3,"page":81},{"id":1082,"text":"{ وَيَا لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على التبليغ وهو وإن لم يذكر فمعلوم مما ذكر . { مَالاً } جعلا : { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } فإنه المأمول منه . { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } جواب لهم حين سألوا طردهم . { أَنَّهُم ملاقوا رَبّهِمْ } فيخاصمون طاردهم عنده ، أو أنهم يلاقونه ويفوزون بقربه فكيف أطردهم . { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } بلقاء ربكم أو بأقدارهم أو في التماس طردهم ، أو تتسفهون عليهم بأن تدعوهم أراذل .","part":3,"page":82},{"id":1083,"text":"{ وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } بدفع انتقامه . { إِن طَرَدتُّهُمْ } وهم بتلك الصفة والمثابة . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } لتعرفوا أن التماس طردهم وتوقيف الإيمان عليه ليس بصواب .","part":3,"page":83},{"id":1084,"text":"{ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ الله } رزقه وأمواله حتى جحدتم فضلي . { وَلا أَعْلَمُ الغيب } عطف على { عِندِي خَزَائِنُ الله } أي : ولا أقول لكم أنا أعلم الغيب حتى تكذبوني استبعاداً ، أو حتى أعلم أن هؤلاء اتبعوني بادي الرأي من غير بصيرة وعقد قلب ، وعلى الثاني يجوز عطفه على أقول . { وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا ما أنت إلا بشر مثلنا . { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } ولا أقول في شأن من استرذلتموهم لفقرهم . { لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا } فإن ما أعده الله لهم في الآخرة خير مما آتاكم في الدنيا . { الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ إِنّى إِذًا لَّمِنَ الظالمين } إن قلت شيئاً من ذلك ، والازدراء به افتعال من زرى عليه إذا عابه قلبت تاؤه دالاً لتجانس الراء في الجهر وإسناده إلى الأعين للمبالغة ، والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادي الرؤية من غير روية بما عاينوا من رثاثة حالهم وقلة منالهم دون تأمل في معانيهم وكمالاتهم .","part":3,"page":84},{"id":1085,"text":"{ قَالُواْ يا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا } خاصمتنا . { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } فأطلته أو أتيت بأنواعه . { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب . { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في الدعوى والوعيد فإن مناظرتك لا تؤثر فينا .","part":3,"page":85},{"id":1086,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } عاجلاً أو آجلاً . { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بدفع العذاب أو الهرب منه .","part":3,"page":86},{"id":1087,"text":"{ وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } شرط ودليل وجواب والجملة دليل جواب قوله : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } وتقدير الكلام إن كان الله يريد أن يغويكم ، فإن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم نصحي ، ولذلك تقول لو قال الرجل أنت طالق إن دخلت الدار إن كلمت زيداً فدخلت ثم كلمت لم تطلق ، وهو جواب لما أوهموا من جداله كلام بلا طائل . وهو دليل على أن إرادة الله تعالى يصح تعلقها بالإِغواء وأن خلاف مراده محال . وقيل { أَن يُغْوِيَكُمْ } أن يهلككم من غوى الفصيل غوى إذا بشم فهلك . { هُوَ رَبُّكُمْ } هو خالقكم والمتصرف فيكم وفق إرادته . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أعمالكم .","part":3,"page":87},{"id":1088,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي } وباله وقرىء «أَجْرامي»على الجمع . { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراء إلي .\r{ وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ ءامَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن ولا تتأسف . { بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أقنطه الله تعالى من إيمانهم ونهاه أن يغتم بما فعلوه من التكذيب والإِيذاء .\r{ واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } ملتبساً بأعيننا ، عبر بكثرة آلة الحس الذي يحفظ به الشيء ويراعى عن الاختلال والزيغ عن المبالغة في الحفظ والرعاية على طريق التمثيل . { وَوَحْيِنَا } إليك كيف تصنعها . { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } ولا تراجعني فيهم ولا تدعني باستدفاع العذاب عنهم . { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } محكوم عليهم بالإِغراق فلا سبيل إلى كفه .\r{ وَيَصْنَعُ الفلك } حكاية حال ماضية . { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } استهزؤوا به لعمله السفينة فإنه كان يعملها في برية بعيدة من الماء أوان عزته ، وكانوا يضحكون منه ويقولون له : صرت نجاراً بعدما كنت نبياً . { قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } إذا أخذكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة . وقيل المراد بالسخرية الاستجهال .\r{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } يعني به إياهم وبالعذاب الغرق . { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } وينزل عليه ، أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه . { عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم وهو عذاب النار .\r{ حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا } غاية لقوله { وَيَصْنَعُ الفلك } وما بينهما حال من الضمير فيه أو حتى هي التي يبتدأ بعدها الكلام . { وَفَارَ التنور } نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور ، و { التنور } تنور الخبز ابتدأ منه النبوع على خرق العادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها ، أو في الهند أو بعين وردة من أرض الجزيرة وقيل التنور وجه الأرض أو أشرف موضع فيها . { قُلْنَا احمل فِيهَا } في السفينة . { مِن كُلّ } من كل نوع من الحيوانات المنتفع بها . { زَوْجَيْنِ اثنين } ذكراً وأنثى هذا على قراءة حفص والباقون أضافوا على معنى احمل اثنين من كل صنف ذكر وصنف أنثى . { وَأَهْلَكَ } عطف على { زَوْجَيْنِ } أو { اثنين } ، والمراد امرأته وبنوه ونساؤهم . { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } بأنه من المغرقين يريد ابنه كنعان وأمه واعلة فإنهما كانا كافرين . { وَمَنْ ءامَنَ } والمؤمنين من غيرهم . { وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قيل كانوا تسعة وسبعين زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم وثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم . روي أنه E اتخذ السفينة في سنتين من الساج وكان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين وسمكها ثلاثين ، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في أسفلها الدواب والوحش وفي أوسطها الإِنس وفي أعلاها الطير .","part":3,"page":88},{"id":1089,"text":"{ وَقَالَ اركبوا فِيهَا } أي صيروا فيها وجعل ذلك ركوباً لأنها في الماء كالمركوب في الأرض . { بِسْمِ الله مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } متصل ب { اركبوا } حال من الواو أي اركبوا فيها مسمين الله أو قائلين باسم الله وقت إجرائها وإرسائها ، أو مكانهما على أن المجرى والمرسى للوقت أو المكان أو المصدر ، والمضاف محذوف كقولهم : آتيك خفوق النجم ، وانتصابهما بما قدرناه حالاً ويجوز رفعهما ب { بِسْمِ اللَّهِ } على أن المراد بهما المصدر أو جملة من مبتدأ وخبر ، أي إجراؤها { بِسْمِ اللَّهِ } على أن { بِسْمِ اللَّهِ } خبر أو صلة والخبر محذوف وهي إما جملة مقتضية لا تعلق لها بما قبلها أو حال مقدرة من الواو أو الهاء . وروي أنه كان إذا أراد أن تجري قال بسم الله فجرت ، وإذا أراد أن ترسو قال بسم الله فرست . ويجوز أن يكون الاسم مقحماً كقوله :\rثُمَّ اسْمُ السَّلاَم عَلَيْكُمَا ... وقرأ حمزة والكسائي وعاصم برواية حفص { مَجْرَاهَا } بالفتح من جرى وقرىء { مرساها } أيضاً من رسا وكلاهما يحتمل الثلاثة و «مجريها ومرسيها» بلفظ الفاعل صفتين لله . { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لولا مغفرته لفرطاتكم ورحمته إياكم لما نجاكم .","part":3,"page":89},{"id":1090,"text":"{ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } متصل بمحذوف دل عليه { اركبوا } فركبوا مسمين وهي تجري وهم فيها . { فِى مَوْجٍ كالجبال } في موج من الطوفان ، وهو ما يرتفع من الماء عند اضطرابه كل موجة منها كجبل في تراكمها وارتفاعها ، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه ليس بثابت ، والمشهور أنه علا شوامخ الجبال خمسة عشر ذراعاً وإن صح فلعل ذلك قبل التطبيق . { ونادى نُوحٌ ابنه } كنعان ، وقرىء «ابناها» و { ابنه } بحذف الألف على أن الضمير لامرأته ، وكان ربيبه وقيل كان لغير رشدة لقوله تعالى : { فَخَانَتَاهُمَا } وهو خطأ إذ الأنبياء عصمن من ذلك والمراد بالخيانة الخيانة في الدين ، وقرىء «ابناه» على الندبة ولكونها حكاية سوغ حذف الحرف . { وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } عزل فيه نفسه عن أبيه أو عن دينه مفعل للمكان من عزله عنه إذا أبعده . { يابنى اركب مَّعَنَا } في السفينة ، والجمهور كسروا الياء ليدل على ياء الإِضافة المحذوفة في جميع القرآن ، غير ابن كثير فإنه وقف عليها في «لقمان» في الموضع الأول باتفاق الرواة وفي الثالث في رواية قنبل وعاصم فإنه فتح ها هنا اقتصاراً على الفتح من الألف المبدلة من ياء الإِضافة ، واختلفت الرواية عنه في سائر المواضع وقد أدغم الباء في الميم أبو عمرو والكسائي وحفص لتقاربهما . { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } في الدين والانعزال .","part":3,"page":90},{"id":1091,"text":"{ قَالَ سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } أن يغرقني { قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } إلا الراحم وهو الله تعالى أو الإِمكان من رحمهم الله وهم المؤمنون ، رد بذلك أن يكون اليوم معتصم من جبل ونحوه يعصم اللائذ به إلا معتصم المؤمنين وهو السفينة . وقيل لا عاصم بمعنى لا ذا عصمة كقوله : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } وقيل الاستثناء منقطع أي لكن من C يعصمه . { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج } بين نوح وابنه أو بين ابنه والجبل . { فَكَانَ مِنَ المغرقين } فصار من المهلكين بالماء .","part":3,"page":91},{"id":1092,"text":"{ وَقِيلَ ياأرض ابلعى مَاءكِ وياسماء أَقْلِعِى } نوديا بما ينادي به أولو العلم وأمرا بما يؤمرون به ، تمثيلاً لكمال قدرته وانقيادهما لما يشاء تكوينه فيهما بالأمر المطاع الذي يأمر المنقاد لحكمه المبادر إلى امتثال أمره ، مهابة من عظمته وخشية من أليم عقابه ، والبلع النشف والإِقلاع والإِمساك . { وَغِيضَ الماء } نقص . { وَقُضِيَ الأمر } وأنجز ما وعد من إهلاك الكافرين وإنجاء المؤمنين . { واستوت } واستقرت السفينة . { عَلَى الجودى } جبل بالموصل وقيل بالشام وقيل بآمل . روي أنه ركب السفينة عاشر رجب ونزل عنها عاشر المحرم فصام ذلك اليوم فصار ذلك سنة . { وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين } هلاكاً لهم يقال بعد بعداً وبعداً إذا أبعد بعداً بعيداً بحيث لا يرجى عوده ، ثم استعير للهلاك وخص بدعاء السوء ، والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحسن نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإِيجاز الخالي عن الإِخلال ، وفي إيراد الأخبار على البناء للمفعول دلالة على تعظيم الفاعل ، وأنه متعين في نفسه مستغن عن ذكره ، إذ لا يذهب الوهم إلى غيره للعلم بأن مثل هذه الأفعال لا يقدر عليها سوى الواحد القهار .","part":3,"page":92},{"id":1093,"text":"{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ } وأراد نداءه بدليل عطف قوله : { فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } فإنه النداء . { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } وإن كل وعد تعده حق لا يتطرق إليه الخلف ، وقد وعدت أن تنجي أهلي فما حاله ، أو فما له لم ينج ، ويجوز أن يكون هذا النداء قبل غرقه . { وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } لأنك أعلمهم وأعدلهم ، أو لأنك أكثر حكمة من ذوي الحكم على أن الحاكم من الحكمة كالدارع من الدرع .","part":3,"page":93},{"id":1094,"text":"{ قَالَ يَا نُوحٍ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } لقطع الولاية بين المؤمن والكافر وأشار إليه بقوله : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } فإنه تعليل لنفي كونه من أهله ، وأصله إنه ذو عمل فاسد فجعل ذاته ذات العمل للمبالغة كقول الخنساء تصف ناقة :\rترتع مَا رتعت حَتى إِذَا ادْكَّرَت ... فإِنَّمَا هي إقبالٌ وإِدْبَارٌ\rثم بدل الفاسد بغير الصالح تصريحاً بالمناقضة بين وصفيهما وانتفاء ما أوجب النجاة لمن نجا من أهله عنه . وقرأ الكسائي ويعقوب { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } أي عمل عملاً غير صالح . { فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ما لا تعلم أصواب هو أم ليس كذلك ، وإنما سمي نداءه سؤالاً لتضمن ذكر الوعد بنجاة أهله استنجازه في شأن ولده أو استفسار المانع للانجاز في حقه ، وإنما سماه جهلاً وزجر عنه بقوله : { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } لأن استثناء من سبق عليه القول من أهله قد دله على الحال وأغناه عن السؤال ، لكن أشغله حب الولد عنه حتى اشتبه عليه الأمر . وقرأ ابن كثير بفتح اللام والنون الشديدة وكذلك نافع وابن عامر غير أنهما كسرا النون على أن أصله تسألنني فحذفت نون الوقاية لاجتماع النونات وكسرت الشديدة للياء ، ثم حذفت اكتفاء بالكسرة وعن نافع برواية رويس إثباتها في الوصل .","part":3,"page":94},{"id":1095,"text":"{ قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ } فيما يستقبل . { مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } ما لا علم لي بصحته . { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى } وإن لم تغفر لي ما فرط مني في السؤال . { وَتَرْحَمْنِى } بالتوبة والتفضل علي . { أَكُن مّنَ الخاسرين } أعمالاً .","part":3,"page":95},{"id":1096,"text":"{ قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا } انزل من السفينة مسلماً من المكاره من جهتنا أو مسلماً عليك . { وبركات عَلَيْكَ } ومباركاً عليك أو زيادات في نسلك حتى تصير آدماً ثانياً . وقرىء { اهبط } بالضم «وبركة» على التوحيد وهو الخير النامي . { وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } وعلى أمم هم الذين معك ، سموا أمماً لتحزبهم أو لتشعب الأمم منهم ، أو وعلى أمم ناشئة ممن معك والمراد بهم المؤمنون لقوله : { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } أي وممن معك سنمتعهم في الدنيا . { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة والمراد بهم الكفار من ذرية من معه . وقيل هم قوم هود وصالح ولوط وشعيب ، والعذاب ما نزل بهم .","part":3,"page":96},{"id":1097,"text":"{ تِلْكَ } إشارة إلى قصة نوح ومحلها الرفع بالابتداء وخبرها : { مِنْ أَنبَاء الغيب } أي بعضها . { نُوحِيهَا إِلَيْكَ } خبر ثان والضمير لها أي موحاة إليك ، أو حال من ال { أَنْبَاء } أو هو الخبر و { مِنْ أَنْبَاء } متعلق به أو حال من الهاء في { نُوحِيهَا } . { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا } خبر آخر أي مجهولة عندك وعند قومك من قبل ايحائنا إليك ، أو حال من الهاء في نوحيها أو الكاف في { إِلَيْكَ } أي : جاهلاً أنت وقومك بها ، وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمها إذ لم يخالط غيرهم وأنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوها فكيف بواحد منهم . { فاصبر } على مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح . { إِنَّ العاقبة } في الدنيا بالظفر وفي الآخرة بالفوز . { لّلْمُتَّقِينَ } عن الشرك والمعاصي .","part":3,"page":97},{"id":1098,"text":"{ وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } عطف على قوله { نُوحاً إلى قَوْمِهِ } و { هُودًا } عطف بيان { قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله } وحده . { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } وقرىء بالجر حملاً على المجرور وحده . { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } على الله باتخاذ الأوثان شركاء وجعلها شفعاء .\r{ ياقوم لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الذى فَطَرَنِى } خاطب كل رسول به قومه إزاحة للتهمة وتمحيضاً للنصيحة فإنها لا تنجع ما دامت مشوبة بالمطامع . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أفلا تستعملون عقولكم فتعرفوا المحق من المبطل والصواب من الخطأ .\r{ وَيَا قَوْمِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } اطلبوا مغفرة الله بالإِيمان ثم توسلوا إليها بالتوبة وأيضاً التبري من الغير إنما يكون بعد الإِيمان بالله والرغبة فيما عنده . { يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } كثير الدر . { وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ } ويضاعف قوتكم ، وإنما رغبهم بكثرة المطر وزيادة القوة لأنهم كانوا أصحاب زروع وعمارات . وقيل حبس الله عنهم القطر وأعقم أرحام نسائهم ثلاثين سنة فوعدهم هود عليه السلام على الإِيمان والتوبة بكثرة الأمطار وتضاعف القوة بالتناسل . { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } ولا تعرضوا عما أدعوكم إليه . { مُّجْرِمِينَ } مصرين على إجرامكم .\r{ قَالُواْ يا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ } بحجة تدل على صحة دعواك وهو لفرط عنادهم وعدم اعتدادهم بما جاءهم من المعجزات . { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِى ءالِهَتِنَا } بتاركي عبادتهم . { عَن قَوْلِكَ } صادرين عن قولك حال من الضمير في تاركي . { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } إقناط له من الإِجابة والتصديق .\r{ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعتراك } ما نقول إلا قولنا { اعتراك } أي أصابك من عراه يعروه إذا أصابه . { بَعْضُ ءالِهَتِنَا بِسُوء } بجنون لسبك إياها وصدك عنها ومن ذلك تهذي وتتكلم لخرافات ، والجملة مقول القول وإلا لغو لأن الاستثناء مفرغ . { قَالَ إِنِى أُشْهِدُ الله واشهدوا أَنّى بَرِىء مّمَّا تُشْرِكُونَ } .\r{ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ } أجاب به عن مقالتهم الحمقاء بأن أشهد الله تعالى على براءته من آلهتهم وفراغه عن إضرارهم تأكيداً لذلك وتثبيتاً له ، وأمرهم بأن يشهدوا عليه استهانة بهم ، وأن يجتمعوا على الكيد في إهلاكه من غير إنظار حتى إذا اجتهدوا فيه ورأوا أنهم عجزوا عن آخرهم وهم الأقوياء الأشداء أن يضروه لم يبق لهم شبهة أن آلهتهم التي هي جماد لا يضر ولا ينفع لا تتمكن من إضراره انتقاماً منه ، وهذا من جملة معجزاته فإن مواجهة الواحد الجم الغفير من الجبابرة الفتاك العطاش إلى إراقة دمه بهذا الكلام ليس إلا لثقته بالله وتثبطهم عن إضراره ليس إلا بعصمته إياه ولذلك عقبه بقوله :\r{ إِنّى تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبّي وَرَبّكُمْ } تقريراً له والمعنى أنكم وإن بذلتم غاية وسعكم لن تضروني فإني متوكل على الله واثق بكلاءته وهو مالكي ومالككم لا يحيق بي ما لم يرده ، ولا يقدرون على ما لم يقدره ثم برهن عليه بقوله : { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } أي إلا وهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها والأخذ بالنواصي تمثيل لذلك . { إِنَّ رَبّى على صراط مُّسْتَقِيمٍ } أي أنه على الحق والعدل لا يضيع عنده معتصم ولا يفوته ظالم .","part":3,"page":98},{"id":1099,"text":"{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } فإن تتولوا . { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } فقد أديت ما علي من الإبلاغ وإلزام الحجة فلا تفريط مني ولا عذر لكم فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم . { وَيَسْتَخْلِفُ رَبّى قَوْمًا غَيْرَكُمْ } استئناف بالوعيد لهم بأن الله يهلكهم ويستخلف قوماً آخرين في ديارهم وأموالهم ، أو عطف على الجواب بالفاء ويؤيده القراءة بالجزم على الموضع كأنه قيل : وإن تتولوا يعذرني ربي ويستخلف . { وَلاَ تَضُرُّونَهُ } لتوليكم . { شَيْئاً } من الضرر ومن جزم يستخلف أسقط النون منه . { إِنَّ رَبّى على كُلّ شَىْء حَفِيظٌ } رقيب فلا تخفى عليه أعمالكم ولا يغفل عن مجازاتكم ، أو حافظ مستول عليه فلا يمكن أن يضره شيء .","part":3,"page":99},{"id":1100,"text":"{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } عذابنا أو أمرنا العذاب . { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } وكانوا أربعة آلاف . { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تكرير لبيان ما نجاهم منه وهو السموم ، كانت تدخل أنوف الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطع أعضاءهم ، أو المراد به تنجيتهم من عذاب الآخرة أيضاً ، والتعريض بأن المهلكين كما عذبوا في الدنيا بالسموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ .","part":3,"page":100},{"id":1101,"text":"{ وَتلكَ عَادٌ } أنث اسم الإِشارة باعتبار القبيلة أو لأن الإِشارة إلى قبورهم وآثارهم . { جَحَدُواْ بآيات رَبّهِمْ } كفروا بها . { وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ } لأنهم عصوا رسولهم ومن عصى رسولاً فكأنما عصي الكل لأنهم أمروا بطاعة كل رسول . { واتبعوا أَمْرَ كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } يعني كبراءهم الطاغين و { عَنِيدٍ } من عند عنداً وعنداً وعنوداً إذا طغى ، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإِيمان وما ينجيهم وأطاعوا من دعاهم إلى الكفر وما يرديهم .","part":3,"page":101},{"id":1102,"text":"{ وَأُتْبِعُواْ فِى هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } أي جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم في العذاب . { أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ } جحدوه أو كفروا نعمه أو كفروا به فحذف الجار . { أَلاَ بُعْدًا لّعَادٍ } دعاء عليهم بالهلاك ، والمراد به الدلالة على أنهم كانوا مستوجبين لما نزل عليهم بسبب ما حكي عنهم ، وإنما كرر ألا وأعاد ذكرهم تفظيعاً لأمرهم وحثاً على الاعتبار بحالهم . { قَوْمِ هُودٍ } عطف بيان لعاد ، وفائدته تمييزهم عن عاد الثانية عاد إرم ، والإِيماء إلى أن استحقاقهم للبعد بما جرى بينهم وبين هود .","part":3,"page":102},{"id":1103,"text":"{ وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض } هو كونكم منها لا غيره فإنه خلق آدم ومواد النطف التي خلق نسله منها من التراب . { واستعمركم فِيهَا } عمركم فيها واستبقاكم من العمر ، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها ، وقيل هو من العمري بمعنى أعمركم فيها دياركم ويرثها منكم بعد انصرام أعماركم ، أو جعلكم معمرين دياركم تسكنونها مدة عمركم ثم تتركونها لغيركم . { فاستغفروه ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبّى قَرِيبٌ } قريب الرحمة . { مُّجِيبٌ } لداعيه .","part":3,"page":103},{"id":1104,"text":"{ قَالُواْ يا صالح قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور ، أو أن توافقنا في الدين فلما سمعنا هذا القول منك انقطع رجاؤنا عنك . { أَتَنْهَانَآ أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا } على حكاية الحال الماضية . { وَإِنَّنَا لَفِى شَكّ مّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ } من التوحيد والتبري عن الأوثان . { مُرِيبٍ } موقع في الريبة من أرابه ، أو ذي ريبة على الإِسناد المجازي من أراب في الأمر .","part":3,"page":104},{"id":1105,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمٌ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى } بيان وبصيرة وحرف الشك باعتبار المخاطبين . { وَءَاتَانِى مِنْهُ رَحْمَةً } نبوة . { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } فمن يمنعني من عذابه { إِنْ عَصَيْتُهُ } في تبليغ رسالته والمنع عن الإِشراك به . { فَمَا تَزِيدُونَنِي } إذن باستتباعكم إياي . { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } غير أن تخسروني بإبطال ما منحني الله به والتعرض لعذابه ، أو فما تزيدونني بما تقولون لي غير أن أنسبكم إلى الخسران .","part":3,"page":105},{"id":1106,"text":"{ ويا قوم هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ ءايَةً } انتصب آية على الحال وعاملها معنى الإِشارة ، ولكم حال منها تقدمت عليها لتنكيرها . { فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } ترع نباتها وتشرب ماءها . { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } عاجل لا يتراخى عن مسكم لها بالسوء إلا يسيراً وهو ثلاثة أيام .","part":3,"page":106},{"id":1107,"text":"{ فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ } عيشوا في منازلكم أو في داركم الدنيا . { ثلاثة أَيَّامٍ } الأربعاء والخميس والجمعة ثم تهلكون . { ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غير مكذوب فيه فاتسع فيه بإجرائه مجرى المفعول به كقوله :\rوَيَوْمَ شَهِدْنَاهُ سُلِيمَاً وَعَامِراً ... أو غير مكذوب على المجاز ، وكأن الواعد قال له أفي بك فإن وفى به صدقة وإلا كذبه ، أو وعد غير كذب على أنه مصدر كالمجلود والمعقول .","part":3,"page":107},{"id":1108,"text":"{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صالحا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } أي ونجيناهم من خزي يومئذ وهو هلاكهم بالصيحة أو ذلهم وفضيحتهم يوم القيامة . وعن نافع { يَوْمَئِذٍ } بالفتح على اكتساب المضاف البناء من المضاف إليه هنا وفي «المعارج» في قوله : { مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ القوي العزيز } القادر على كل شيء والغالب عليه .\r{ وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } قد سبق تفسير ذلك في سورة «الأعراف» .\r{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ } نَوَنَّهُ أبو بكر ها هنا وفي «النجم» والكسائي في جميع القرآن وابن كثير ونافع وابن عامر وأبو عمرو في قوله : { أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } ذهاباً إلى الحي أو الأب الأكبر .\r{ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم } يعني الملائكة ، قيل : كانوا تسعة ، وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل . { بالبشرى } ببشارة الولد . وقيل بهلاك قوم لوط . { قَالُواْ سَلاَماً } سلمنا عليك سلاماً ويجوز نصبه ب { قَالُواْ } على معنى ذكروا سلاماً . { قَالَ سلام } أي أمركم أو جوابي سلام أو وعليكم سلام ، رفعه إجابة بأحسن من تحيتهم . وقرأ حمزة والكسائي «سلم» وكذلك في «الذاريات» وهما لغتان كحرم وحرام وقيل المراد به الصلح . { فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } فما أبطأ مجيئه به ، أو فما أبطأ في المجيء به ، أو فما تأخر عنه والجار في { أن } مقدر أو محذوف والحنيذ المشوي بالرضف . وقيل الذي يقطر ودكه من حنذت الفرس إذا عرفته بالجلال لقوله : { بِعِجْلٍ سَمِينٍ } { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } لا يمدون إليه أيديهم . { نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } أنكر ذلك منهم وخاف أن يريدوا به مكروهاً ، ونكر وأنكر واستنكر بمعنى والإِيجاس الإِدراك وقيل الإِضمار { قَالُواْ } له لما أحسوا منه أثر الخوف . { لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } إنا ملائكة مرسلة إليهم بالعذاب ، وإنما لم نمد إليه أيدينا لأنا لا نأكل .\r{ وامرأته قَائِمَةٌ } وراء الستر تسمع محاورتهم أو على رؤوسهم للخدمة . { فَضَحِكَتْ } سروراً بزوال الخيفة أو بهلاك أهل الفساد أو بإصابة رأيها فإنها كانت تقول لإِبراهيم : اضمم إليك لوطاً فإني أعلم أن العذاب ينزل بهؤلاء القوم . وقيل فضحكت فحاضت قال الشاعر :\rوَعَهْدِي بِسَلْمَى ضَاحِكَاً فِي لُبَابَة ... وَلَمْ يَعْدُ حُقَاً ثَدْيُهَا أَنْ تَحَلَّمَا\rومنه ضحكت السمرة إذا سال صمغها وقرىء بفتح الحاء . { فبشرناها بإسحاق وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } نصبه ابن عامر وحمزة وحفص بفعل يفسره ما دل عليه الكلام وتقديره : ووهبناها من وراء إسحاق يعقوب . وقيل إنه معطوف على موضع { بإسحاق } أو على لفظ { إسحاق } ، وفتحته للجر فإنه غير مصروف ورد للفصل بينه وبين ما عطف عليه بالظرف . وقرأ الباقون بالرفع على أنه مبتدأ .\rوخبره الظرف أي و { يَعْقُوبَ } مولود من بعده . وقيل الوراء ولد الولد ولعله سمي به لأنه بعد الولد وعلى هذا تكون إضافته إلى { إسحاق } ليس من حيث أن يعقوب E وراءه ، بل من حيث أنه وراء إبراهيم من جهته وفيه نظر . والاسمان يحتمل وقوعهما في البشارة كيحيى ، ويحتمل وقوعهما في الحكاية بعد أن ولدا فسميا به ، وتوجيه البشارة إليها للدلالة على أن الولد المبشر به يكون منها لا من هاجر ولأنها كانت عقيمة حريصة على الولد .","part":3,"page":108},{"id":1109,"text":"{ قَالَتْ يَا وَيْلَتِي } يا عجباً ، وأصله في الشر فأطلق على كل أمر فظيع . وقرىء بالياء على الأصل . { ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا } ابنة تسعين أو تسع وتسعين . { وهذا بَعْلِى } زوجي وأصله القائم بالأمر . { شَيْخًا } ابن مائة أو مائة وعشرين ، ونصبه على الحال والعامل فيها معنى اسم الإِشارة . وقرىء بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ ، أو خبر بعد خبر أو هو الخبر و { بَعْلِى } بدل . { إِنَّ هذا لَشَىْء عَجِيبٌ } يعني الولد من هرمين ، وهو استعجاب من حيث العادة دون القدرة ولذلك :\r{ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَتُ الله وبركاته عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت } منكرين عليها فإِن خوارق العادات باعتبار أهل بيت النبوة ومهبط المعجزات ، وتخصيصهم بمزيد النعم والكرامات ليس ببدع ولا حقيق بأن يستغربه عاقل فضلاً عمن نشأت وشابت في ملاحظة الآيات ، وأهل البيت نصب على المدح أو النداء لقصد التخصيص كقولهم : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة . { إِنَّهُ حَمِيدٌ } فاعل ما يستوجب به الحمد . { مَّجِيدٌ } كثير الخير والإِحسان .\r{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع } أي ما أوجس من الخيفة واطمأن قلبه بعرفانهم . { وَجَاءتْهُ البشرى } بدل الورع . { يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ } يجادل رسلنا في شأنهم ومجادلته إياهم قوله : { إِنَّ فِيهَا لُوطاً } وهو إما جواب لما جيء به مضارعاً على حكاية الحال أو لأنه في سياق الجواب بمعنى الماضي كجواب لو ، أو دليل جوابه المحذوف مثل اجترأ على خطابنا أو شرع في جدالنا ، أو متعلق به أقيم مقامه مثل أخذ أو أقبل يجادلنا .\r{ إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ } غير عجول على الانتقام من المسيء إليه . { أَوَّاهٌ } كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس . { مُّنِيبٌ } راجع إلى الله ، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة وهو رقة قلبه وفرط ترحمه .\r{ يَا إِبْرَاهِيمَ } على إرادة القول أي قالت الملائكة { يَا إِبْرَاهِيمَ } . { أَعْرِضْ عَنْ هذا } الجدال { إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } قدره بمقتضى قضائه الأزلي بعذابهم وهو أعلم بحالهم . { وَإِنَّهُمْ اتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } مصروف بجدال ولا دعاء ولا غير ذلك .\r{ وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيْءَ بِهِمُ } ساءه مجيئهم لأنهم جاؤوه في صورة غلمان فظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم . { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } وضاق بمكانهم صدره ، وهو كناية عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروه والاحتيال فيه . { وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديد من عصبه إذا شده .\r{ وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } يسرعون إليه كأنهم يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه . { وَمِن قَبْلُ } أي ومن قبل ذلك الوقت . { كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } الفواحش فتمرنوا بها ولم يستحيوا منها حتى جاؤوا يهرعون لها مجاهرين . { قَالَ يَا قَوْمِ هؤلاءآء بَنَاتِى } فدى بهن أضيافه كرماً وحمية ، والمعنى هؤلاء بناتي فتزوجوهن ، وكانوا يطلبونهن قبل فلا يجيبهم لخبثهم وعدم كفاءتهم لا لحرمة المسلمات على الكفار فإنه شرع طارىء أو مبالغة في تناهي خبث ما يرومونه حتى إن ذلك أهون منه ، أو إظهاراً لشدة امتعاضه من ذلك كي يرقوا له .","part":3,"page":109},{"id":1110,"text":"وقيل المراد بالبنات نساؤهم فإن كل نبي أبو أمته من حيث الشفقة والتربية وفي حرف ابن مسعود { وأزواجه أمهاتهم } وهو أب لهم { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } أنظف فعلاً وأقل فحشاً كقولك : الميتة أطيب من المغصوب وأحل منه . وقرىء { أَطْهَرُ } بالنصب على الحال على أن هن خبر بناتي كقولك : هذا أخي هو الأفضل فإنه لا يقع بين الحال وصاحبها . { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم . { وَلاَ تُخْزُونِ } ولا تفضحوني من الخزي ، أو ولا تخجلوني من الخزاية بمعنى الحياء . { فِى ضَيْفِى } في شأنهم فإن إخزاء ضيف الرجل إخزاؤه . { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يهتدي إلى الحق ويرعوي عن القبيح .\r{ قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } من حاجة { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } وهو إتيان الذكران .\r{ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } لو قويت بنفسي على دفعكم . { أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } إلى قوي أبلغ به عنكم . شبهه بركن الجبل في شدته . وعن النبي A « رحم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد » وقرىء { أَوْ آوِى } بالنصب بإضمار أن كأنه قال : لو أن لي بكم قوة أو أوياً وجواب لو محذوف تقديره لدفعتكم روي أنه أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوروا الجدار ، فلما رأت الملائكة ما على لوط من الكرب .","part":3,"page":110},{"id":1111,"text":"{ قَالُواْ يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } لن يصلوا إلى إضرارك بإضرارنا فهون عليك ودعنا وإياهم ، فخلاهم أن يدخلوا فضرب جبريل عليه السلام بجناحه وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم ، فخرجوا يقولون النجاء النجاء فإن في بيت لوط سحرة . { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } بالقطع من الإِسراء ، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث وقع في القرآن من السرى . { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } بطائفة منه . { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } ولا يتخلف أو لا ينظر إلى ورائه والنهي في اللفظ لأحد وفي المعنى للوط . { إِلاَّ امرأتك } استثناء من قوله : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } ويدل عليه أنه قرىء فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك ، وهذا إنما يصح على تأويل الالتفات بالتخلف فإنه إن فسر بالنظر إلى الوراء في الذهاب ناقض ذلك قراءة ابن كثير وأبي عمرو بالرفع على البدل من أحد ، ولا يجوز حمل القراءتين على الروايتين في أنه خلفها مع قومها أو أخرجها فلما سمعت صوت العذاب التفتت وقالت يا قوماه فأدركها حجر فقتلها ، لأن القواطع لا يصح حملها على المعاني المتناقضة ، والأولى جعل الاستثناء في القراءتين من قوله : { وَلاَ يَلْتَفِتْ } مثله في قوله تعالى : { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } ولا يبعد أن يكون أكثر القراء على غير الأفصح ، ولا يلزم من ذلك أمرها بالالتفات بل عدم نهيها عنه استصلاحاً ولذلك علل طريقة الاستئناف بقوله : { إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } ولا يحسن جعل الاستثناء منقطعاً على قراءة الرفع . { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } كأنه علة الأمر بالإِسراء . { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ } جواب لاستعجال لوط واستبطائه العذاب .","part":3,"page":111},{"id":1112,"text":"{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } عذابنا أو أمرنا به ، ويؤيده الأصل وجعل التعذيب مسبباً عنه بقوله : { جَعَلْنَا عاليها سَافِلَهَا } فإنه جواب لما وكان حقه : جعلوا عاليها سافلها أي الملائكة المأمورون به ، فأسند إلى نفسه من حيث إنه المسبب تعظيماً للأمر فإنه روي : ( أن جبريل عليه السلام أدخل جناحه تحت مدائنهم ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة ثم قلبها عليهم ) . { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا } على المدن أو على شذاذها . { حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } من طين متحجر لقوله : { حِجَارَةً مّن طِينٍ } وأصله سنك كل فعرب . وقيل إنه من أسجله إذا أرسله أو أدر عطيته ، والمعنى من مثل الشيء المرسل أو من مثل العطية في الإِدرار ، أو من السجل أي مما كتب الله أن يعذبهم به وقيل أصله من سجين أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً . { مَّنْضُودٍ } نضد معداً لعذابهم ، أو نضد في الإِرسال بتتابع بعضه بعضاً كقطار الأمطار ، أو نضد بعضه على بعض وألصق به .","part":3,"page":112},{"id":1113,"text":"{ مُّسَوَّمَةً } معلمة للعذاب . وقيل معلمة ببياض وحمرةً . أو بسيما تتميز به عن حجارة الأرض ، أو باسم من يرمى بها . { عِندَ رَبّكَ } في خزائنه . { وَمَا هِى مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ } فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم ، وفيه وعيد لكل ظالم . وعنه E « أنه سأل جبريل عليه السلام فقال : يعني ظالمي أمتك ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة » وقيل الضمير للقرى أي هي قريبة من ظالمي مكة يمرون بها في أسفارهم إلى الشام ، وتذكير البعيد على تأويل الحجر أو المكان .","part":3,"page":113},{"id":1114,"text":"{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } أراد أولاد مدين بن إبراهيم E ، أو أهل مدين وهو بلد بناه فسمي باسمه . { قَالَ يَا قَوْمِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } أمرهم بالتوحيد أولاً فإنه ملاك الأمر ثم نهاهم عما اعتادوه من البخس المنافي للعدل المخل بحكمة التعاوض . { إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } بسعة تغنيكم عن البخس ، أو بنعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكراً عليها لا أن تنقصوا حقوقهم ، أو بسعة فلا تزيلوها بما أنتم عليه وهو في الجملة علة للنهي . { وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } لا يشذ منه أحد منكم . وقيل عذاب مهلك من قوله : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الاستئصال ، ووصف اليوم بالإِحاطة وهي صفة العذاب لاشتماله عليه .","part":3,"page":114},{"id":1115,"text":"{ وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان } صرح بالأمر بالإِيفاء بعد النهي عن ضده مبالغة وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم الكف عن تعمدهم التطفيف ، بل يلزمهم السعي في الإِيفاء ولو بزيادة لا يتأتى بدونها . { بالقسط } بالعدل والسوية من غير زيادة ولا نقصان ، فإن الازدياد إيفاء وهو مندوب غير مأمور به وقد يكون محظوراً . { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } تعميم بعد تخصيص فإنه أعم من أن يكون في المقدار ، أو في غيره وكذا قوله : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } فإن العثو يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد . وقيل المراد بالبخس المكس كأخذ العشور في المعاملات ، والعثو السرقة وقطع الطريق والغارة . وفائدة الحال إخراج ما يقصد به الإِصلاح كما فعله الخضر E . وقيل معناه ولا تعثوا في الأرض مفسدين في أمر دينكم ومصالح آخرتكم .","part":3,"page":115},{"id":1116,"text":"{ بَقِيَّتُ الله } ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عما حرم عليكم . { خَيْرٌ لَّكُمْ } مما تجمعون بالتطفيف . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإِيمان . أو إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم . وقيل البقية الطاعة كقوله : { والباقيات الصالحات } وقرىء «تقية» الله بالتاء وهي تقواه التي تكف عن المعاصي .\r{ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظكم عن القبائح ، أو أحفظ عليكم أعمالكم فأجازيكم عليها وإنما أنا ناصح مبلغ وقد أعذرت حين أنذرت ، أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم .","part":3,"page":116},{"id":1117,"text":"{ قَالُواْ يا شُعَيْبٌ أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } من الأصنام ، أجابوا به آمرهم بالتوحيد على الاستهزاء به والتهكم بصلواته والإِشعار بأن مثله لا يدعو إليه داع عقلي ، وإنما دعاك إليه خطرات ووساوس من جنس ما تواظب عليه . وكان شعيب كثير الصلاة فلذلك جمعوا وخصوا الصلاة بالذكر . وقرأ حمزة والكسائي وحفص على الإفراد والمعنى : أصلاتك تأمرك بتكليف أن نترك ، فحذف المضاف لأن الرجل لا يؤمر بفعل غيره . { أَوْ أَنْ نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ } عطف على ما أي وأن نترك فعلنا ما نشاء في أموالنا . وقرىء بالتاء فيهما على أن العطف على { أَن نَّتْرُكَ } وهو جواب النهي عن التطفيف والأمر بالإِيفاء . وقيل كان ينهاهم عن تقطيع الدراهم والدنانير فأرادوا به ذلك . { إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد } تهكموا به وقصدوا وصفه بضد ذلك ، أو عللوا إنكار ما سمعوا منه واستبعاده بأنه موسوم بالحلم والرشد المانعين عن المبادرة إلى أمثال ذلك .","part":3,"page":117},{"id":1118,"text":"{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّي } إشارة إلى ما آتاه الله من العلم والنبوة . { وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا } إشارة إلى ما آتاه الله من المال الحلال ، وجواب الشرط محذوف تقديره فهل يسع مع هذا الإِنعام الجامع للسعادات الروحانية والجسمانية أن أخون في وحيه ، وأخالفه في أمره ونهيه . وهو اعتذار عما أنكروا عليه من تغيير المألوف والنهي عن دين الآباء ، والضمير في { مِنْهُ } لله أي من عنده وبإعانته بلا كد مني في تحصيله . { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } أي وما أريد أن آتي ما أنهاكم عنه لأستبد به دونكم ، فلو كان صواباً لآثرته ولم أعرض عنه فضلاً عن أن أنهى عنه ، يقال خالفت زيداً إلى كذا إذا قصدته وهو مول عنه ، وخالفته عنه إذا كان الأمر بالعكس ، { إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت } ما أريد إلا أن أصلحكم بأمري بالمعروف ونهيي عن المنكر ما دمت أستطيع الإِصلاح ، فلو وجدت الصلاح فيما أنتم عليه لما نهيتكم عنه ، ولهذه الأجوبة الثلاثة على هذا النسق شأن : وهو التنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله تعالى ، وثانيها حق النفس ، وثالثها حق الناس . وكل ذلك يقتضي أن آمركم بما أمرتكم به وأنهاكم عما نهيتكم عنه . و { مَا } مصدرية واقعة موقع الظرف وقيل خبرية بدل من { الإصلاح } أي المقدار الذي استطعته ، أو إصلاح ما استطعته فحذف المضاف . { وَمَا تَوْفِيقِى إِلاَّ بالله } وما توفيقي لإصابة الحق والصواب إلا بهدايته ومعونته . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فإنه القادر المتمكن من كل شيء وما عداه عاجز في حد ذاته ، بل معدوم ساقط عن درجة الاعتبار ، وفيه إشارة إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ . { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } إشارة إلى معرفة المعاد ، وهو أيضاً يفيد الحصر بتقديم الصلة على الفعل . وفي هذه الكلمات طلب التوفيق لإِصابة الحق فيما يأتيه ويذره من الله تعالى ، والاستعانة به في مجامع أمره والإِقبال عليه بشراشره ، وحسم أطماع الكفار وإظهار الفراغ عنهم وعدم المبالاة بمعاداتهم وتهديدهم بالرجوع إلى الله للجزاء .","part":3,"page":118},{"id":1119,"text":"{ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } لا يكسبنكم . { شِقَاقِى } معاداتي . { أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } من الغرق . { أَوْ قَوْمَ هُودٍ } من الريح . { أَوْ قَوْمَ صالح } من الرجفة و { أن } بصلتها ثاني مفعولي جزم ، فإنه يعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب . وعن ابن كثير { يَجْرِمَنَّكُمْ } بالضم وهو منقول من المتعدي إلى مفعول واحد ، والأول أفصح فإن أجرم أقل دوراناً على ألسنة الفصحاء . وقرىء { مَثَلُ } بالفتح لإِضافته إلى المبنى كقوله :\rلَمْ يُمْنع الشُّرْبَ مِنْهَا غَيْرَ أَنْ نَطَقَت ... حَمَامَةٌ فِي غُصُون ذات ارْقَالِ\r{ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } زماناً أو مكاناً فإن لم تعتبروا بمن قبلهم فاعتبروا بهم ، أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمساوي فلا يبعد عنكم ما أصابهم ، وإفراد البعيد لأن المراد وما إهلاكهم أو وما هم بشيء بعيد ، ولا يبعد أن يسوي في أمثاله بين المذكر والمؤنث لأنها على زنة المصادر كالصهيل والشهيق .\r{ واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } عما أنتم عليه . { إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ } عظيم الرحمة للتائبين . { وَدُودٌ } فاعل بهم من اللطف والإحسان ما يفعل البليغ المودة بمن يوده ، وهو وعد على التوبة بعد الوعيد على الإصرار .\r{ قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ } ما نفهم . { كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } كوجوب التوحيد وحرمة البخس وما ذكرت دليلاً عليهما ، وذلك لقصور عقولهم وعدم تفكرهم . وقيل قالوا ذلك استهانة بكلامه ، أو لأنهم لم يلقوا إليه أذهانهم لشدة نفرتهم عنه . { وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا } لا قوة لك فتمتنع منا إن أردنا بك سوءاً ، أو مهيناً لاعِزَّ لك ، وقيل أعمى بلغة حمير وهو مع عدم مناسبته يرده التقييد بالظرف ، ومنع بعض المعتزلة استنباء الأعمى قياساً على القضاء والشهادة والفرق بين . { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } قومك وعزتهم عندنا لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم ، فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى التسعة . { لرجمناك } لقتلناك برمي الأحجار أو بأصعب وجه . { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } فتمنعنا عزتك عن الرجم ، وهذا ديدن السفيه المحجوج يقابل الحجج والآيات بالسب ، والتهديد وفي إيلاء ضميره حرف النفي تنبيه على أن الكلام فيه لا في ثبوت العزة ، وأن المانع لهم عن إيذائه عزة قومه ولذلك .\r{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله واتخذتموه وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } وجعلتموه كالمنسي المنبوذ وراء الظهر بإشراككم به والإِهانة برسوله فلا تبقون علي لله وتبقون علي لرهطي ، وهو يحتمل الإِنكار والتوبيخ والرد والتكذيب ، و { ظِهْرِيّاً } منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب . { إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ } فلا يخفى عليه شيء منها فيجازي عليها .\r{ وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ إِنّى عامل سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } سبق مثله في سورة «الأنعام» والفاء في ف { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } ثمة للتصريح بأن الإِصرار والتمكن فيما هم عليه سبب لذلك ، وحذفها ها هنا لأنه جواب سائل قال : فماذا يكون بعد ذلك؟ فهو أبلغ في التهويل .","part":3,"page":119},{"id":1120,"text":"{ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } عطف على من يأتيه لا لأنه قسيم له كقولك : ستعلم الكاذب والصادق ، بل لأنهم لما أو عدوه وكذبوه قال : سوف تعلمون من المعذب والكاذب مني ومنكم . وقيل كان قياسه ومن هو صادق لينصرف الأول إليهم والثاني إليه لكنهم لما كانوا يدعونه كاذباً قال : ومن هو كاذب على زعمهم . { وارتقبوا } وانتظروا ما أقول لكم . { إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظر فعيل بمعنى الراقب كالصريم ، أو المراقب كالعشير أو المرتقب كالرفيع .\r{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } إنما ذكره بالواو كما في قصة عاد إذ لم يسبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب له بخلاف قصتي صالح ولوط فإنه ذكر بعد الوعد وذلك قوله : { وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } وقوله : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } فلذلك جاء بفاء السببية . { وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } قيل صاح بهم جبريل عليه السلام فهلكوا . { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } ميتين ، وأصل الجثوم اللزوم في المكان .\r{ كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } كأن لم يقيموا فيها . { أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } شبههم بهم لأن عذابهم كان أيضاً بالصيحة ، غير أن صيحتهم كانت من تحتهم وصيحة مدين كانت من فوقهم . وقرىء { بَعُدَتْ } بالضم على الأصل فإن الكسر تغيير لتخصيص معنى البعد بما يكون بسبب الهلاك ، والبعد مصدر لهما والبعد مصدر المكسور .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } بالتوراة أو المعجزات . { وسلطان مُّبِينٍ } وهو المعجزات القاهرة أو العصا ، وإفرادها بالذكر لأنها أبهرها ، ويجوز أن يراد بهما واحد أي : ولقد أرسلناه بالجامع بين كونه آياتنا وسلطاناً له على نبوته واضحاً في نفسه أو موضحاً إياها ، فإن أبان جاء لازماً ومتعدياً ، والفرق بينهما أن الآية تعم الأمارة ، والدليل القاطع والسلطان يخص بالقاطع والمبين يخص بما فيه جلاء .\r{ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } فاتبعوا أمره بالكفر بموسى أو فما تبعوا موسى الهادي إلى الحق المؤيد بالمعجزات القاهرة الباهرة ، واتبعوا طريقة فرعون المنهمك في الضلال والطغيان الداعي إلى ما لا يخفى فساده على من له أدنى مسكة من العقل لفرط جهالتهم وعدم استبصارهم . { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } مرشد أو ذي رشد ، وإنما هو غي محض وضلال صريح .\r{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة } إلى النار كما كان يقدمهم في الدنيا إلى الضلال يقال قدم بمعنى تقدم . { فَأَوْرَدَهُمُ النار } ذكره بلفظ الماضي مبالغة في تحقيقه ونزل النار لهم منزلة الماء فسمى إتيانها مورداً ثم قال : { وَبِئْسَ الورد المورود } أي بئس المورد الذي وردوه فإنه يراد لتبريد الأكباد وتسكين العطش والنار بالضد ، والآية كالدليل على قوله :","part":3,"page":120},{"id":1121,"text":"{ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } فإن من كان هذه عاقبته لم يكن في أمره رشد ، أو تفسير له على أن المراد بالرشيد ما يكون مأمون العاقبة حميدها .\r{ وَأُتْبِعُواْ فِى هذه } الدنيا . { لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة } أي يلعنون في الدنيا والآخرة . { بِئْسَ الرفد المرفود } بئس العون المعان أو العطاء المعطى ، وأصل الرفد ما يضاف إلى غيره ليعمده ، والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة في الدارين .\r{ ذلك } أي ذلك النبأ . { مِنْ أَنْبَاء القرى } المهلكة . { نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } مقصوص عليك . { مِنْهَا قَائِمٌ } من تلك القرى باق كالزرع القائم . { وَحَصِيدٌ } ومنها عافي الأثر كالزرع المحصود ، والجملة مستأنفة وقيل حال من الهاء في نقصه وليس بصحيح إذ لا واو ولا ضمير .\r{ وَمَا ظلمناهم } بإهلاكنا إياهم . { ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بأن عرضوها له بارتكاب ما يوجبه . { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ } فما نفعتهم ولا قدرت أن تدفع عنهم بل ضرتهم . { آلِهَتُهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَىْء لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } حين جاءهم عذابه ونقمته . { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } هلاك أو تخسير .\r{ وكذلك } ومثل ذلك الأخذ . { أَخْذُ رَبّكَ } وقرىء { أَخْذُ رَبّكَ } بالفعل وعلى هذا يكون محل الكاف النصب على المصدر . { إِذَا أَخَذَ القرى } أي أهلها وقرىء »إِذ« لأن المعنى على المضي . { وَهِىَ ظالمة } حال من { القرى } وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أقيمت مقامه أجريت عليها ، وفائدتها الإِشعار بأنهم أخذوا بظلمهم وإنذار كل ظالم ظلم نفسه ، أو غيره من وخامة العاقبة . { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } وجيع غير مرجو الخلاص منه ، وهو مبالغة في التهديد والتحذير .\r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما نزل بالأمم الهالكة أو فيما قصه الله تعالى من قصصهم . { لآيَةً } لعبرة . { لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الأخرة } يعتبر به عظمته لعلمه بأن ما حاق بهم أنموذج مما أعد الله للمجرمين في الآخرة ، أو ينزجر به عن موجباته لعلمه بأنها من إله مختار يعذب من يشاء ويرحم من يشاء . فإن من أنكر الآخرة وأحال فناء هذا العالم لم يقل بالفاعل المختار ، وجعل تلك الوقائع لأسباب فلكية اتفقت في تلك الأيام لا لذنوب المهلكين بها . { ذلك } إشارة إلى يوم القيامة وعذاب الآخرة دل عليه . { يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } أي يجمع له الناس ، والتغيير للدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم وأنه من شأنه لا محالة وأن الناس لا ينفكون عنه فهو أبلغ من قوله : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } ومعنى الجمع له الجمع لما فيه من المحاسبة والمجازاة . { وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه أهل السموات والأرضين فاتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به كقوله :\rفي مَحفَلِ مِنْ نَوَاصِي النَّاس مَشْهُود ... أي كثير شاهدوه ، ولو جعل اليوم مشهوداً في نفسه لبطل الغرض من تعظيم اليوم وتمييزه فإن سائر الأيام كذلك .","part":3,"page":121},{"id":1122,"text":"{ وَمَا نُؤَخّرُهُ } أي اليوم . { إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ } إلا لانتهاء مدة معدودة متناهية على حذف المضاف وإرادة مدة التأجيل كلها بالأجل لا منتهاها فإنه غير معدود .\r{ يَوْمَ يَأْتِى } أي الجزاء أو اليوم كقوله : { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة } على أن { يَوْمٍ } بمعنى حين أو الله D كقوله تعالى : { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ } ونحوه . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { يَأْتِ } بحذف الياء اجتزاء عنها بالكسر . { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } لا تتكلم بما ينفع وينجي من جواب أو شفاعة ، وهو الناصب للظرف ويحتمل نصبه بإضمار اذكر أو بالانتهاء المحذوف . { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إلا بإذن الله كقوله : { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } وهذا في موقف وقوله : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } في موقف آخر أو المأذون فيه هي الجوابات الحقة والممنوع عنه هي الأعذار الباطلة . { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ } وجبت له النار بمقتضى الوعيد . { وَسَعِيدٌ } وجبت له الجنة بموجب الوعد الضمير لأهل الموقف وإن لم يذكر لأنه معلوم مدلول عليه بقوله : { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أو للناس .\r{ فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِى النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } الزفير إخراج النفس والشهيق رده ، واستعمالها في أول النهيق وآخره والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه ، أو تشبيه صراخهم بأصوات الحمير وقرىء { شَقُواْ } بالضم .\r{ خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض } ليس لارتباط دوامهم في النار بدوامهما فإن النصوص دالة على تأبيد دوامهم وانقطاع دوامهما . بل التعبير عن التأبيد والمبالغة بما كانت العرب يعبرون به عنه على سبيل التمثيل ، ولو كان للارتباط لم يلزم أيضاً من زوال السموات والأرض زوال عذابهم ولا من دوامه دوامهما إلا من قبيل المفهوم ، لأن دوامهما كالملزوم لدوامه ، وقد عرفت أن المفهوم لا يقاوم المنطوق . وقيل المراد سموات الآخرة وأرضها ويدل عليه قوله تعالى : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } وإن أهل الآخرة لا بد لهم من مظل ومقل ، وفيه نظر لأنه تشبيه بما لا يعرف أكثر الخلق وجوده ودوامه ، ومن عرفه فإنما يعرفه بما يدل على دوام الثواب والعقاب فلا يجدي له التشبيه . { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها ، وذلك كاف في صحة الاستثناء لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض ، وهم المراد بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم ، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقض باعتبار الابتداء كما ينتقض باعتبار الانتهاء ، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم ، ولا يقال فعلى هذا لم يكن قوله : { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } تقسيماً صحيحاً لأن من شرطه أن تكون صفة كل قسم منتفية عن قسيمه ، لأن ذلك الشرط حيث التقسيم لانفصال حقيقي أو مانع من الجمع وها هنا المراد أن أهل الموقف لا يخرجون عن القسمين ، وأن حالهم لا يخلو عن السعادة والشقاوة وذلك لا يمنع اجتماع الأمرين في شخص باعتبارين ، أو لأن أهل النار ينقلون منها إلى الزمهرير وغيره من العذاب أحياناً ، وكذلك أهل الجنة ينعمون بما هو أعلى من الجنة كالاتصال بجناب القدس والفوز برضوان الله ولقائه ، أو من أصل الحكم والمستثنى زمان توقفهم في الموقف للحساب لأن ظاهره يقتضي أن يكونوا في النار حين يأتي اليوم ، أو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ إن كان الحكم مطلقاً غير مقيد باليوم ، وعلى هذا التأويل يحتمل أن يكون الاستثناء من الخلود على ما عرفت .","part":3,"page":122},{"id":1123,"text":"وقيل هو من قوله : { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } وقيل إلا ها هنا بمعنى سوى كقولك على ألف إلا الألفان القديمان والمعنى سوى ما شاء ربك من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السموات والأرض . { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } من غير اعتراض .\r{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } غير مقطوع ، وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ، ولأجله فرق بين الثواب والعقاب بالتأبيد . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { سُعِدُواْ } على البناء للمفعول من سعده الله بمعنى أسعده ، و { عَطَاء } نصب على المصدر المؤكد أي أعطوا عطاء أو الحال من الجنة .\r{ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } شك بعد ما أنزل عليك من مآل أمر الناس . { مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء } من عبادة هؤلاء المشركين في أنها ضلال مؤد إلى مثل ما حل بمن قبلهم ممن قصصت عليك سوء عاقبة عبادتهم ، أو من حال ما يعبدونه في أنه يضر ولا ينفع . { مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم مّن قَبْلُ } استئناف معناه تعليل النهي عن المرية أي هم وآباؤهم سواء في الشرك ، أي ما يعبدون عبادة إلا كعبادة آبائهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثل ما عبدوه من الأوثان ، وقد بلغك ما لحق آباءهم من ذلك فسيلحقهم مثله ، لأن التماثل في الأسباب يقتضي التماثل في المسببات ، ومعنى { كَمَا يَعْبُدُ } كما كان يعبد فحذف للدلالة من قبل عليه . { وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ } حظهم من العذاب كآبائهم ، أو من الرزق فيكون عذراً لتأخير العذاب عنهم مع قيام ما يوجبه . { غَيْرَ مَنقُوصٍ } حال من النصيب لتقييد التوفية فإنك تقول : وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازاً .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ } فآمن به قوم وكفر به قوم كما اختلف هؤلاء في القرآن . { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } يعني كلمة الإِنظار إلى يوم القيامة . { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بإنزال ما يستحقه المبطل ليتميز به عن المحق .","part":3,"page":123},{"id":1124,"text":"{ وَإِنَّهُمْ } وإن كفار قومك . { لَفِى شَكّ مّنْهُ } من القرآن . { مُرِيبٍ } موقع في الريبة .\r{ وَإِنَّ كُلاًّ } وإن كل المختلفين المؤمنين منهم والكافرين ، والتنوين بدل من المضاف إليه . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو بكر بالتخفيف مع الإِعمال اعتباراً للأصل . { لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } اللام الأولى موطئة لقسم والثانية للتأكيد أو بالعكس وما مزيدة بينهما للفصل . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { لَّمّاً } بالتشديد على أن أصله لمن ما فقلبت النون ميماً للادغام ، فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أولاهن ، والمعنى لمن الذين يوفينهم ربك جزاء أعمالهم . وقرىء لما بالتنوين أي جميعاً كقوله : { أَكْلاً لَّمّاً } { وَإِن كُلٌّ لَّمَّا } على إن { إن } نافية و { لَّمّاً } بمعنى إلا وقد قرىء به . { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فلا يفوته شيء منه وإن خفي .\r{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } لما بين أمر المختلفين في التوحيد والنبوة ، وأطنب في شرح الوعد والوعيد أمر رسوله A بالاستقامة مثل ما أمر بها وهي شاملة للاستقامة في العقائد كالتوسط بين التشبيه والتعطيل بحيث يبقى العقل مصوناً من الطرفين ، والأعمال من تبليغ الوحي وبيان الشرائع كما أنزل ، والقيام بوظائف العبادات من غير تفريط وإفراط مفوت للحقوق ونحوها وهي في غاية العسر ولذلك قال E \" شيبتني هود \" { وَمَن تَابَ مَعَكَ } أي تاب من الشرك والكفر وآمن معك ، وهو عطف على المستكن في استقم وإن لم يؤكد بمنفصل لقيام الفاصل مقامه . { وَلاَ تَطْغَوْاْ } ولا تخرجوا عما حد لكم . { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فهو مجازيكم عليه ، وهو في معنى التعليل للأمر والنهي . وفي الآية دليل على وجوب اتباع النصوص من غير تصرف وانحراف بنحو قياس واستحسان .\r{ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ } ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامته . { فَتَمَسَّكُمُ النار } بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلماً كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ، ثم بالميل إليهم كل الميل ، ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه ، ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه ، وخطاب الرسول A ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل ، فإن الزوال عنها بالميل إلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه . وقرىء { تِرْكَنُواْ } » فَتِمَسَّكُمُ« بكسر التاء على لغة تميم و { تَرْكَنُواْ } على البناء للمفعول من أركنه . { وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال . { ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } أي ثم لا ينصركم الله إذ سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم ، وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم ، ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد ، فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلاً .","part":3,"page":124},{"id":1125,"text":"{ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار } غدوة وعشية وانتصابه على الظرف لأنه مضاف إليه . { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } وساعات منه قريبة من النهار ، فإنه من أزلفه إذا قربه وهو جمع زلفة ، وصلاة الغداة صلاة الصبح لأنها أقرب الصلاة من أول النهار ، وصلاة العشية صلاة العصر ، وقيل الظهر والعصر لأن ما بعد الزوال عشي وصلاة الزلف المغرب والعشاء . وقرىء »زُلُفا« بضمتين وضمة وسكون كبسر وبسر في بسرة و { زلفى } بمعنى زلفة كقربي وقربة . { إِنَّ الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات } يكفرنها . وفي الحديث \" إن الصلاة إلى الصلاة كفارة ما بينهما ما اجتنبت الكبائر \" وفي سبب النزول «أن رجلاً أتى النبي A فقال إني قد أصبت من امرأة غير أني لم آتها فنزلت» . { ذلك } إشارة إلى قوله { فاستقم } وما بعده وقيل إلى القرآن . { ذكرى لِلذكِرِينَ } عظة للمتعظين .\r{ واصبر } على الطاعات وعن المعاصي . { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } عدول عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود ودليلاً على أن الصلاة والصبر إحسان وإيماء بأنه لا يعتد بهما دون الإِخلاص .\r{ فَلَوْلاَ كَانَ } فهلا كان . { مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ } من الرأي والعقل ، أو أولو فضل وإنما سمي { بَقِيَّتُ } لأن الرجل يستبقي أفضل ما يخرجه ، ومنه يقال فلان من بقية القوم أي من خيارهم ، ويجوز أن يكون مصدراً كالتقية أي ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من العذاب ، ويؤيده أنه قرىء { بَقِيَّتُ } وهي المرة من مصدر بقاه يبقيه إذا راقبه . { يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الأرض إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } لكن قليلاً منهم أنجيناهم لأنهم كانوا كذلك ، ولا يصح اتصاله إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض . { واتبع الذين ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } ما أنعموا فيه من الشهوات واهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك . { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } كافرين كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم السالفة ، وهو فشو الظلم فيهم واتباعهم للهوى وترك النهي عن المنكرات مع الكفر ، وقوله واتبع على معطوف مضمر دل عليه الكلام إذ المعنى : فلم ينهوا عن الفساد واتبع الذين ظلموا وكانوا مجرمين عطف على { أَتَّبِعُ } أو اعترض . وقرىء »واتبع« أي وأتبعوا جزاء ما أترفوا فتكون الواو للحال ، ويجوز أن تفسر به المشهورة ويعضده تقدم الإِنجاء .\r{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ } بشرك . { وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } فيما بينهم لا يضمون إلى شركهم فساداً وتباغياً ، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد .","part":3,"page":125},{"id":1126,"text":"وقيل الملك يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم .\r{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً } مسلمين كلهم ، وهو دليل ظاهر على أن الأمر غير الإِرادة وأنه تعالى لم يرد الإِيمان من كل أحد وأن ما أراده يجب وقوعه . { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } بعضهم على الحق وبعضهم على الباطل لا تكاد تجد اثنين يتفقان مطلقاً .\r{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } إلا ناساً هداهم الله من فضله فاتفقوا على ما هو أصول دين الحق والعمدة فيه . { ولذلك خَلَقَهُمْ } إن كان الضمير ل { الناس } فالإِشارة إلى الاختلاف ، واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة ، وإن كان لمن فإلى الرحمة . { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وعيد أو قوله للملائكة . { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس } أي من عصاتهما { أَجْمَعِينَ } أو منهما أجمعين لا من أحدهما .\r{ وَكُلاًّ } وكل نبأ . { نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاء الرسل } نخبرك به . { مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } بيان لكلا أو بدل منه ، وفائدته التنبيه على المقصود من الاقتصاص وهو زيادة يقينه وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذى الكفار ، أو مفعول { وَكُلاًّ } منصوب على المصدر بمعنى كل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك ما نثبت به فؤادك من أنباء الرسل . { وَجَاءكَ فِى هذه } السورة أو الأنباء المقتصة عليك . { الحق } ما هو حق . { وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } إشارة إلى سائر فوائده العامة .\r{ وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على حالكم . { إِنَّا عَامِلُونَ } على حالنا .\r{ وانتظروا } بنا الدوائر . { إِنَّا مُنتَظِرُونَ } أن ينزل بكم نحو ما نزل على أمثالكم .","part":3,"page":126},{"id":1127,"text":"{ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض } خاصة لا يخفى عليه خافية مما فيهما . { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمر كُلُّهُ } فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه . وقرأ نافع وحفص و«يُرْجَعُ» على البناء للمفعول . { فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك . وفي تقديم الأمر بالعبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع العابد . { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } أنت وهم فيجازي كلاً ما يستحقه . وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء هنا وفي آخر «النمل» . عن رسول الله A : \" من قرأ سورة هود أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح ومن كذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى وكان يوم القيامة من السعداء إن شاء الله تعالى \" .","part":3,"page":127},{"id":1128,"text":"{ الر تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين } { تِلْكَ } إشارة إلى آيات السورة وهي المراد ب { الكتاب } ، أي تلك الآيات آيات السورة الظاهرة أمرها في الإِعجاز أو الواضحة معانيها ، أو المبينة لمن تدبرها أنها من عند الله ، أو لليهود ما سألوا إذ روي أن علماءهم قالوا لكبراء المشركين سلوا محمداً لم أنتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر وعن قصة يوسف عليه السلام فنزلت :\r{ إِنَّا أنزلناه } أي الكتاب . { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } سمى البعض { قُرْءاناً } لأنه في الأصل اسم جنس يقع على الكل والبعض وصار علماً للكل بالغلبة ، ونصبه على الحال وهو في نفسه إما توطئة للحال التي هي { عَرَبِيّاً } أو حال لأنه مصدر بمعنى مفعول ، و { عَرَبِيّاً } صفة له أو حال من الضمير فيه أو حال بعد حال وفي كل ذلك خلاف . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } علة لإنزاله بهذه الصفة أي أنزلناه مجموعاً أو مقروءاً بلغتكم كي تفهموه وتحيطوا بمعانيه ، أو تستعملوا فيه عقولكم فتعلموا أن اقتصاصه كذلك ممن لم يتعلم القصص معجز لا يتصور إلا بالإِيحاء .\r{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص } أحسن الاقتصاص لأن اقتص على أبدع الأساليب ، أو أحسن ما يقص لاشتماله على العجائب والحكم والآيات والعبر فعل بمعنى مفعول كالنقص والسلب ، واشتقاقه من قص أثره إذا أتبعه { بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } أي بإيحائنا . { هذا القرءان } يعني السورة ، ويجوز أن يجعل هذا مفعول نقص على أن أحسن نصب على المصدر . { وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين } عن هذه القصة لم تخطر ببالك ولم تقرع سمعك قط ، وهو تعليل لكونه موحى وإن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة .\r{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ } بدل من { أَحْسَنَ القصص } إن جعل مفعولاً بدل الاشتمال ، أو منصوب باضمار اذكر و { يُوسُفَ } عبري ولو كان عربياً لصرف . وقرىء بفتح السين وكسرها على التلعب به لا على أنه مضارع بني للمفعول أو الفاعل من آسف لأن المشهورة شهدت بعجمته . { لأَبِيهِ } يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وعنه عليه الصلاة السلام \" الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم \" { يَا أَبَتِ } أصله يا أبي فوض عن الياء تاء التأنيث لتناسبهما في الزيادة ولذلك قلبها هاء في الوقف ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكسرها لأنها عوض حرف يناسبها ، وفتحها ابن عامر في كل القرآن لأنها حركة أصلها أو لأنه كان يا أبتا فحذف الألف وبقي الفتحة ، وإنما جاز «يا أبتا» ولم يجز يا أبتي لأنه جمع بين العوض والمعوض . وقرىء بالضم إجراء لها مجرى الأسماء المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويض ، وإنما لم تسكن كأصلها لأنها حرف صحيح منزل منزلة الاسم فيجب تحريكها ككاف الخطاب .","part":3,"page":128},{"id":1129,"text":"{ إِنّى رَأَيْتُ } من الرؤيا لا من الرؤية لقوله : { لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ } ولقوله : { هذا تَأْوِيلُ رؤياى مِن قَبْلُ } { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر } . روي عن جابر رضي الله تعالى عنه ( أن يهودياً جاء إلى رسول الله A فقال أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسف ، فسكت فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك فقال إذا أخبرتك هل تسلم قال نعم ، قال جريان والطارق والذيال وقابس وعمودان والفليق والمصبح والضروح والفرغ ووثاب وذو الكتفين رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء وسجدن له فقال اليهودي إي والله إنها لأسماؤها ) { رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } استئناف لبيان حالهم التي رآهم عليها فلا تكرير وإنما أجريت مجرى العقلاء لوصفها بصفاتهم .\r{ قَالَ يَا بُنَيَّ } تصغير ابن صغرهَ للشفقة أو لصغر السن لأنه كان ابن اثنتي عشرة سنة . وقرأ حفص هنا وفي «الصافات» بفتح الياء . { لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } فيحتالوا لإِهلاكك حيلة ، فهم يعقوب عليه السلام من رؤياه أن الله يصطفيه لرسالته ويفوقه على إخوته ، فخاف عليه حسدهم وبغيهم والرؤيا كالرؤية غير أنها مختصة بما يكون في النوم ، فرق بينهما بحرفي التأنيث كالقربة والقربى وهي انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحس المشترك ، والصادقة منها إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ ، فتتصور بما فيها مما يليق بها من المعاني الحاصلة هناك ، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك فتصير مشاهدة ، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه ، وإنما عدى كاد باللام وهو متعد بنفسه لتضمنه معنى فعل يتعدى به تأكيداً ولذلك أكد بالمصدر وعلله بقوله : { إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة لما فعل بآدم عليه السلام وحواء فلا يألوا جهداً في تسويلهم وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد .","part":3,"page":129},{"id":1130,"text":"{ وكذلك } أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالة على شرف وعز وكمال نفس . { يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } للنبوة والملك أو لأمور عظام ، والاجتباء من جبيب الشيء إذا حصلته لنفسك . { وَيُعَلّمُكَ } كلام مبتدأ خارج عن التشبيه كأنه قيل وهو يعلمك . { مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } من تعبير الرؤيا لأنها أحاديث الملك إن كانت صادقة ، وأحاديث النفس أو الشيطان إن كانت كاذبة . أو من تأويل غوامض كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وكلمات الحكماء ، وهو اسم جمع للحديث كأباطيل اسم جمع للباطل . { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بالنبوة أو بأن يصل نعمة الدنيا بنعمة الآخرة . { وعلى ءالِ يَعْقُوبَ } يريد به سائر بنيه ، ولعله استدل على نبوتهم بضوء الكواكب أو نسله . { كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ } بالرسالة وقيل على إبراهيم بالخلة والإِنجاء من النار وعلى إسحاق بانقاذه من الذبح وفدائه بذبح عظيم . { مِن قَبْلُ } أي من قبلك أو من قبل هذا الوقت . { إبراهيم وإسحاق } عطف بيان لأبويك . { إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ } بمن يستحق الاجتباء . { حَكِيمٌ } يفعل الأشياء على ما ينبغي .","part":3,"page":130},{"id":1131,"text":"{ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصتهم . { ءايات } دلائل قدرة الله تعالى وحكمته ، أو علامات نبوتك وقرأ ابن كثير «آية» . { لّلسَّائِلِينَ } لمن سأل عن قصتهم ، والمراد بإخوته بنو علاته العشرة وهم : يهوذا وروبيل وشمعون ولاوى وزبالون ويشخر ودينة من بنت خالته ليا تزوجها يعقوب أولاً فلما توفيت تزوج أختها راحيل فولدت له بنيامين ويوسف . وقيل جمع بينهما ولم يكن الجمع محرماً حينئذ وأربعة آخرون : دان ونفتالي وجاد وأشر من سريتين زلفة وبلهة .","part":3,"page":131},{"id":1132,"text":"{ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } بنيامين وتخصيصه بالإِضافة لاختصاصه بالاخوة من الطرفين . { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } وحده لأن أفعل من لا يفرق فيه بين الواحد وما فوقه ، والمذكر وما يقابله بخلاف أخويه فإن الفرق واجب في المحلي جائز في المضاف . { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } والحال أنا جماعة أقوياء أحق بالمحبة من صغيرين لا كفاية فيهما ، والعصبة والعصابة العشرة فصاعداً سمواً بذلك لأن الأمور تعصب بهم . { إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضلال مُّبِينٍ } لتفضيله المفضول أو لترك التعديل في المحبة . روي أنه كان أحب إليه لما يرى فيه من المخايل وكان إخوته يحسدونه ، فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبر عنه ، فتبالغ حسدهم حتى حملهم على التعرض له .","part":3,"page":132},{"id":1133,"text":"{ اقتلوا يُوسُفَ } من جملة المحكي بعد قوله إذ قالوا كأنهم اتفقوا على ذلك الأمر إلا من قال «لا تقتلوا يوسف» . وقيل إنما قاله شمعون أو دان ورضي به الآخرون .\r{ أَوِ اطرحوه أَرْضًا } منكورة بعيدة من العمران ، وهو معنى تنكيرها وإبهامها ولذلك نصبت كالظروف المبهمة . { يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } جواب الأمر . والمعنى يصف لكم وجه أبيكم فيقبل بكليته عليكم ولا يلتفت عنكم إلى غيركم ولا ينازعكم في محبته أحد . { وَتَكُونُواْ } جزم بالعطف على { يَخْلُ } أو نصب بإضمار أن . { مِن بَعْدِهِ } من بعد يوسف أو الفراغ من أمره أو قتله أو طرحه . { قَوْمًا صالحين } تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بصلح ما بينكم وبينه بعذر تمهدونه ، أو صالحين في أمر دنياكم فإنه ينتظم لكم بعده بخلو وجه أبيكم .\r{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } يعني يهوذا وكان أحسنهم فيه رأياً . وقيل روبيل . { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } فإن القتل عظيم . { وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } في قعره ، سمي بها لغيبويته عن أعين الناظرين . وقرأ نافع في «غيابات» في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب غيابات . وقرىء «غيبة» و «غيابات» بالتشديد . { يَلْتَقِطْهُ } يأخذه . { بَعْضُ السيارة } بعض الذين يسيرون في الأَرض . { إِن كُنتُمْ فاعلين } بمشورتي أو إن كنتم على أن تفعلوا ما يفرق بينه وبين أبيه .\r{ قَالُواْ يأَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا على يُوسُفَ } لم تخافنا عليه . { وَإِنَّا لَهُ لناصحون } ونحن نشفق عليه ونريد له الخير ، أرادوا به استنزاله عن رأيه في حفظه منهم لما تنسم من حسدهم ، والمشهور { تَأْمَنَّا } بالإدغام بإشمام . وعن نافع بترك الإِشمام ومن الشواذ ترك الإِدغام لأنهما من كلمتين وتيمناً بكسر التاء .\r{ أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً } إلى الصحراء . { يَرْتَعَ } نتسع في أكل الفواكه ونحوها من الرتعة وهي الخصب . { وَيََلْعَبُ } بالاستباق والانتضال . وقرأ ابن كثير نرتع بكسر العين على أنه من ارتعى يرتعي ونافع بالكسر والياء فيه وفي { يلعب } . وقرأ الكوفيون ويعقوب بالياء والسكون على إسناد الفعل إلى يوسف . وقرىء { يَرْتَعْ } من أرتع ماشيته و { يَرْتَعِ } بكسر العين و { يلعب } بالرفع على الابتداء . { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يناله مكروه .\r{ قَالَ إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } لشدة مفارقته علي وقلة صبري عنه . { وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب } لأن الأرض كانت مذأبة . وقيل رأى في المنام أن الذئب قد شد على يوسف وكان يحذره عليه ، وقد همزها على الأصل ابن كثير ونافع في رواية قالون ، وفي رواية اليزيدي وأبو عمرو وقفاً وعاصم وابن عامر وحمزة درجاً واشتقاقه من تذاءبت الريح إذا هبت من كل جهة . { وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون } لاشتغالكم بالرتع واللعب أو لقلة اهتمامكم بحفظه .","part":3,"page":133},{"id":1134,"text":"{ قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } اللام موطئة للقسم وجوابه : { إِنَّا إِذَا لخاسرون } ضعفاء مغبونون ، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والواو في { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } للحال .\r{ فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } وعزموا على إلقائه فيها ، والبئر بئر بيت المقدس أو بئر بأرض الأردن أو بين مصر ومدين ، أو على ثلاثة فراسخ من مقام يعقوب وجواب لما محذوف مثل فعلوا به ما فعلوا من الأذى . فقد روي ( أنهم لما بروزا به إلى الصحراء أخذوا يؤذونه ويضربونه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويستغيث فقال يهوذا : أما عاهدتموني أن لا تقتلوه فأتوا به إلى البئر ، فدلوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ونزعوا قميصه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم ، فقال : يا إخوتاه ردوا علي قميصي أتوارى به فقالوا : ادع الأحد عشر كوكباً والشمس والقمر يلبسوك ويؤنسوك فلما بلغ نصفها ألقوه وكان فيها ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة كانت فيها فقام عليها يبكي فجاءه جبريل بالوحي ) كما قال : { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } وكان ابن سبع عشرة سنة . وقيل كان مراهقاً أوحي إليه في صغره كما أوحي إلى يحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام . وفي القصص : أن إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار جرد عن ثيابه فأتاه جبريل عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحاق إلى يعقوب فجعله في تميمة علقها بيوسف فأخرجه جبريل عليه السلام وألبسه إياه { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا } لتحدثتهم بما فعلوا بك { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنك يوسف لعلو شأنك وبعده عن أوهامهم وطول العهد المغير للحلى والهيئات ، وذلك إشارة إلى ما قال لهم بمصر حين دخلوا عليه ممتارين { فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } . بشره بما يؤول إليه أمره إيناساً له وتطييباً لقلبه . وقيل { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } متصل ب { أَوْحَيْنَا } أي آنسناه بالوحي وهم لا يشعرون ذلك .","part":3,"page":134},{"id":1135,"text":"{ وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاء } أي آخر النهار . وقرىء «عشياً» وهو تصغير عشي وعشي بالضم والقصر جمع أعشى أي عشوا من البكاء . { يَبْكُونَ } متباكين . روي أنه لما سمع بكاءهم فزع وقال ما لكم يا بني وأين يوسف .","part":3,"page":135},{"id":1136,"text":"{ قَالُواْ يأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } نتسابق في العدو أو في الرمي ، وقد يشترك الافتعال والتفاعل كانتضال والتناضل . { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا فَأَكَلَهُ الذئب وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدق لنا { وَلَوْ كُنَّا صادقين } لسوء ظنك بنا وفرط محبتك ليوسف .","part":3,"page":136},{"id":1137,"text":"{ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ } أي ذي كذب بمعنى مكذوب فيه ، ويجوز أن يكون وصفاً بالمصدر للمبالغة وقرىء بالنصب على الحال من الواو أي جاؤوا كاذبين و { كَذَّبَ } بالدال غير المعجمة أي كدر أو طري . وقيل : أصله البياض الخارج على أظفار الأحداث فشبه به الدم اللاصق على القميص ، وعلى قميصه في موضع النصب على الظرف أي فوق قميصه أو على الحال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور . روي : أنه لما سمع بخبر يوسف صاح وسأل عن قميصه فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال : ما رأيت كاليوم ذئباً أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه . ولذلك { قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أي سهلت لكم أنفسكم وهونت في أعينكم أمراً عظيماً من السول وهو الاسترخاء . { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أجمل ، وفي الحديث \" الصبر الجميل الذي لا شكوى فيه إلى الخلق \" { والله المستعان على مَا تَصِفُونَ } على احتمال ما تصفونه من إهلاك يوسف وهذه الجريمة كانت قبل استنبائهم إن صح .\r{ وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ } رفقة يسيرون من مدين إلى مصر فنزلوا قريباً من الجب وكان ذلك بعد ثلاث من إلقائه فيه . { فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } الذي يرد الماء ويستقي لهم وكان مالك بن ذعر الخزاعي . { فأدلى دَلْوَهُ } فأرسلها في الجب ليملأها فتدلى بها يوسف فلما رآه . { قَالَ يَا بُشْرىً هذا غُلاَمٌ } نادى البشرى بشارة لنفسه أو لقومه كأنه قال تعالى فهذا أوانك . وقيل هو اسم لصاحب له ناداه ليعينه على إخراجه . وقرأ غير الكوفيين «يا بشراي» بالإِضافة ، وأمال فتحة الراء حمزة والكسائي . وقرأ ورش بين اللفظين وقرىء { يَا بُشْرى } بالإِدغام وهو لغة و «بشراي» بالسكون على قصد الوقف . { وَأَسَرُّوهُ } أي الوارد وأصحابه من سائر الرفقة . وقيل أخفوا أمره وقالوا لهم دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر . وقيل الضمير لإخوة يوسف وذلك أن يهوذا كان يأتيه كل يوم بالطعام فأتاه يومئذ فلم يجده فيها فأخبر إخوته فأتوا الرفقة وقالوا : هذا غلامنا أبق منا فاشتروه ، فسكت يوسف مخافة أن يقتلوه . { بضاعة } نصب على الحال أي أخفوه متاعاً للتجارة ، واشتقاقه من البضع فإنه ما بضع من المال للتجارة . { والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } لم يخف عليه أسرارهم أو صنيع إخوة يوسف بأبيهم وأخيهم .","part":3,"page":137},{"id":1138,"text":"{ وَشَرَوْهُ } وباعوه ، وفي مرجع الضمير الوجهان أو اشتروه من اخوته . { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } مبخوس لزيفه أو نقصانه . { دراهم } بدل من الثمن . { مَّعْدُودَةً } قليلة فإنهم يزنون ما بلغ الأوقية ويعدون ما دونها . قيل كان عشرين درهماً وقيل كان اثنين وعشرين درهماً . { وَكَانُواْ فِيهِ } في يوسف . { مِنَ الزهدين } الراغبين عنه والضمير في { وَكَانُواْ } إن كان للإِخوة فظاهر وإن كان للرفقة وكانوا بائعين فزهدهم فيه ، لأنهم التقطوه والملتقط للشيء متهاون به خائف من انتزاعه مستعجل في بيعه ، وإن كانوا مبتاعين فلأنهم اعتقدوا أنه آبق وفيه متعلق بالزاهدين إن جعل اللام للتعريف ، وإن جعل بمعنى الذي فهو متعلق بمحذوف بينه الزاهدين لأن متعلق الصلة لا يتقدم على الموصول .","part":3,"page":138},{"id":1139,"text":"{ وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ } وهو العزيز الذي كان على خزائن مصر واسمه قطفير أو إطفير ، وكان الملك يومئذ ريان بن الوليد العمليقي وقد آمن بيوسف عليه السلام ومات في حياته . وقيل كان فرعون موسى عاش أربعمائة سنة بدليل قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات } والمشهور أنه من أولاد فرعون يوسف . والآية من قبيل خطاب الأولاد بأحوال الآباء . روي : أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة ولبث في منزله ثلاث عشرة سنة واستوزره الريان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة . واختلف فيما اشتراه به من جعل شراءه به غير الأول : عشرون ديناراً وزوجا نعل وثوبان أبيضان . وقيل ملؤه فضة وقيل ذهباً . { لاِمْرَأَتِهِ } راعيل أو زليخا . { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } اجعلي مقامه عندنا كريماً أي حسناً والمعنى أحسني تعهده . { عسى أَن يَنفَعَنَا } في ضياعنا وأموالنا ونستظهر به في مصالحنا . { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } نتبناه وكان عقيماً لما تفرس فيه من الرشد ، ولذلك قيل : أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر ، وابنة شعيب التي قالت { ياأبت استجره } وأبو بكر حين استخلف عمر رضي الله تعالى عنهما . { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأرض } وكما مكنا محبته في قلب العزيز أو كما مكناه في منزله أو كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز مكنا له فيها . { وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } عطف على مضمر تقديره ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه أي كان القصد في إنجائه وتمكينه إلى أن يقيم العدل ويدبر أمور الناس ، ويعلم معاني كتب الله تعالى وأحكامه فينفذها ، أو تعبير المنامات المنبهة على الحوادث الكائنة ليستعد لها ويشتغل بتدبيرها قبل أن تحل كما فعل لسنيه . { والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ } لا يرده شيء ولا ينازعه فيما يشاء أو على أمر يوسف أراد به إخوته شيئاً وأراد الله غيره فلم يكن إلا ما أراده . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن الأمر كله بيده ، أو لطائف صنعه وخفايا لطفه .","part":3,"page":139},{"id":1140,"text":"{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } منتهى اشتداد جسمه وقوته وهو سن الوقوف ما بين الثلاثين والأربعين ، وقيل سن الشباب ومبدؤه بلوغ الحلم . { آتَيْنَاهُ حُكْمًا } حكمة وهو العلم المؤيد بالعمل ، أو حكماً بين الناس . { وَعِلْماً } يعني علم تأويل الأحاديث . { وَكَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } تنبيه على أنه تعالى إنما آتاه ذلك جزاء على إحسانه في عمله وإتقانه في عنفوان أمره .","part":3,"page":140},{"id":1141,"text":"{ وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ } طلبت منه وتمحلت أن يواقعها ، من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيء ومنه الرائد . { وَغَلَّقَتِ الأبواب } قيل كانت سبعة والتشديد للتكثير أو للمبالغة في الإِيثاق . { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } أي أقبل وبادر ، أو تهيأت والكلمة على الوجهين اسم فعل بني على الفتح كأين واللام للتبيين كالتي في سقيا لك . وقرأ ابن كثير بالضم وفتح الهاء تشبيهاً له بحيث ، ونافع وابن عامر بالفتح وكسر الهاء كعيط . وقرأ هشام كذلك إلا أنه يهمز . وقد روي عنه ضم التاء وهو لغة فيه . وقرىء { هَيْتَ } كجير و «هئت» كجئت من هاء يهيىء إذا تهيأ وقرىء هيئت وعلى هذا فاللام من صلته . { قَالَ مَعَاذَ الله } أعوذ بالله معاذاً . { إِنَّهُ } إن الشأن . { رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ } سيدي قطفير أحسن تعهدي إذ قال لك في { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } فما جزاؤه أن أخونه في أهله . وقيل الضمير لله تعالى أي إنه خالقي أحسن منزلتي بأن عطف على قلبه فلا أعصيه . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } المجازون الحسن بالسيء . وقيل الزناة فإن الزنا ظلم على الزاني والمزني بأهله .","part":3,"page":141},{"id":1142,"text":"{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا } وقصدت مخالطته وقصد مخالطتها ، والهم بالشيء قصده والعزم عليه ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بالشيء أمضاه ، والمراد بهمه E ميل الطبع ومنازعة الشهوة لا القصد الاختياري ، وذلك مما لا يدخل تحت التكليف بل الحقيق بالمدح والأجر الجزيل من الله من يكف نفسه عن الفعل عند قيام هذا الهم ، أو مشارفة الهم كقولك قتلته لو لم أخف الله . { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } في قبح الزنا وسوء مغبته لخالطها لشبق الغلمة وكثرة المغالبة ، ولا يجوز أن يجعل { وَهَمَّ بِهَا } جواب { لَوْلاَ } فإنها في حكم أدوات الشرط فلا يتقدم عليها جوابها ، بل الجواب محذوف يدل عليه . وقيل رأى جبريل E . وقيل تمثل له يعقوب عاضاً على أنامله . وقيل قطفير . وقيل نودي يا يوسف أنت مكتوب في الأنبياء وتعمل عمل السفهاء . { كذلك } أي مثل التثبيت ثبتناه ، أو الأمر مثل ذلك . { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } خيانة السيد . { والفحشاء } الزنا . { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } الذين أخلصهم الله لطاعته . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب بالكسر في كل القرآن إذا كان في أوله الألف واللام أي الذين أخلصوا دينهم لله .","part":3,"page":142},{"id":1143,"text":"{ واستبقا الباب } أي تسابقا إلى الباب ، فحذف الجار أو ضمن الفعل معنى الابتدار . وذلك أن يوسف فرَّ منها ليخرج وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج . { وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } اجتذبته من ورائه فانقد قميصه والقد الشق طولاً والقط الشق عرضاً . { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } وصادفا زوجها . { لدى الباب قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إيهاماً بأنها فرت منه تبرئة لساحتها عند زوجها وتغييره على يوسف وإغراءه به انتقاماً منه ، و { مَا } نافية أو استفهامية بمعنى أي شيء جزاءه إلا السجن .","part":3,"page":143},{"id":1144,"text":"{ قَالَ هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } طالبتني بالمؤاتاة ، وإنما قال ذلك دفعاً لما عرضته له من السجن أو العذاب الأليم ، ولو لم تكذب عليه لما قاله . { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } قيل ابن عم لها . وقيل ابن خال لها صبياً في المهد . وعن النبي A « تكلم أربعة صغاراً ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف وصاحب جريج ، وعيسى ابن مريم E » وإنما ألقى الله الشهادة على لسان أهلها لتكون ألزم عليها . { إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكاذبين } لأنه يدل على أنها قدت قميصه من قدامه بالدفع عن نفسها ، أو أنه أسرع خلفها فتعثر بذيله فانقد جيبه .","part":3,"page":144},{"id":1145,"text":"{ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين } لأنه يدل على أنها تبعته فاجتذبت ثوبه فقدته . والشرطية محكية على إرادة القول أو على أن فعل الشهادة من القول ، وتسميتها شهادة لأنها أدت مؤداها والجمع بين إن وكان على تأويل أن يعلم أنه كان ونحوه ونظيره قولك : إن أحسنت إلى اليوم فقد أحسنت إليك من قبل ، فإن معناه أن تمنن علي بإحسانك أمنن عليك بإحساني لك السابق . وقرىء { مِن قَبْلُ } { وَمِنْ دُبُرٍ } بالضم لأنهما قطعا عن الإِضافة كقبل وبعد ، وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرف وبسكون العين .","part":3,"page":145},{"id":1146,"text":"{ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ } إن قولك { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا } أو إن السوء أو إن هذا الأمر . { مِن كَيْدِكُنَّ } من حيلتكن والخطاب لها ولأمثالها أو لسائر النساء . { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } فإن كيد النساء ألطف وأعلق بالقلب وأشد تأثيراً في النفس ولأنهن يواجهن به الرجال والشيطان يوسوس به مسارقة .\r{ يُوسُفَ } حذف منه حرف النداء لقربه وتفطنه للحديث . { أَعْرِضْ عَنْ هذا } اكتمه ولا تذكره . { واستغفرى لِذَنبِكِ } يا راعيل . { إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الخاطئين } من القوم المذنبين من خطىء إذا أذنب متعمداً والتذكير للتغليب .\r{ وَقَالَ نِسْوَةٌ } هي اسم لجمع امرأة وتأنيثه بهذا الاعتبار غير حقيقي ولذلك جرد فعله وضم النون لغة فيها . { فِى المدينة } ظرف لقال أي أشعن الحكاية في مصر ، أو صفة نسوة وكن خمساً وزوجة الحاجب والساقي والخباز والسجان وصاحب الدواب . { امرأت العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَّفْسِهِ } تطلب مواقعة غلامها إياها . و { العزيز } بلسان العرب الملك وأصل فتى فتي لقولهم فتيان والفتوة شاذة . { قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } شق شغاف قلبها وهو حجابه حتى وصل إلى فؤادها حباً ، ونصبه على التمييز لصرف الفعل عنه . وقرىء«شعفها» من شعف البعير إذا هنأه بالقطران فأحرقه . { إِنَّا لَنَرَاهَا فِى ضلال مُّبِينٍ } في ضلال عن الرشد وبعد عن الصواب .\r{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } باغتيابهن ، وإنما سماه مكراً لأنهن أخفينه كما يخفي الماكر مكره ، أو قلن ذلك لتريهن يوسف أو لأنها استكتمتهن سرها فأفشينه عليها . { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } تدعوهن قيل دعت أربعين امرأة فيهن الخمس المذكورات . { وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ } ما يتكئن عليه من الوسائد . { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً } حتى يتكئن والسكاكين بأيديهن فإذا خرج عليهن يبهتن ويشغلن عن نفوسهن فتقع أيديهن على أيديهن فيقطعنها فيبكتن بالحجة ، أو يهاب يوسف مكرها إذا خرج وحده على أربعين امرأة في أيديهن الخناجر . وقيل متكأ طعاماً أو مجلس طعام فإنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب ترفاً ولذلك نهى عنه . قال جميل :\rفَظَللنا بِنِعْمَةٍ وَاتَكَأْنَا ... وَشَرِبْنَا الحَلاَلَ مِنْ قُللِهْ\rوقيل المتكأ طعام يحز حزاً كأن القاطع يتكىء عليه بالسكين . وقرىء «متكأ» بحذف الهمزة و«متكاء» بإشباع الفتحة كمنتزاح و «متكا» وهو الأترج أو ما يقطع من متك الشيء إذا بتكه و { متكأ } من تكىء يتكأ إذا اتكأ . { وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ } عظمنه وهبن حسنه الفائق . وعن النبي A \" رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر \" وقيل كان يرى تلألؤ وجهه على الجدران . وقيل أكبرن بمعنى حضن من أكبرت المرأة إذا حاضت لأنها تدخل الكبر بالحيض ، والهاء ضمير للمصدر أو ليوسف E على حذف اللام أي حضن له من شدة الشبق كما قال المتنبي :","part":3,"page":146},{"id":1147,"text":"خَفِ اللّهَ وَاسْتُرْ ذَا الجَمَالَ بِبرقع ... فَإِنَ لحتَ حَاضَتْ فِي الخُدُورِ العَواتِقُ\r{ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } جرحنها بالسكاكين من فرط الدهشة . { وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تنزيهاً له من صفات العجز وتعجباً من قدرته على خلق مثله ، وأصله «حاشا» كما قرأ أبو عمرو في الدرج فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفاً وهو حرف يفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء ، فوضع موضع التنزيه واللام للبيان كما في قولك سقيا لك . وقرىء «حاش الله» بغير لام بمعنى براءة الله ، و «حاشا لله» بالتنوين على تنزيله منزلة المصدر . وقيل «حاشا» فاعل من الحشا الذي هو الناحية وفاعله ضمير يوسف أي صار في ناحية الله مما يتوهم فيه . { مَا هذا بَشَرًا } لأن هذا الجمال غير معهود للبشر ، وهو على لغة الحجاز في إعمال ما عمل ليس لمشاركتها في نفي الحال . وقرىء بَشَرٌ بالرفع على لغة تميم و بشرى أي بعبد مشترى لئيم . { إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } فإن الجمع بين الجمال الرائق والكمال الفائق والعصمة البالغة من خواص الملائكة ، أو لأن جماله فوق جمال البشر ولا يفوقه فيه إِلا الملك .\r{ قَالَتْ فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } أي فهو ذلك العبد الكنعاني الذي لمتنني في الافتنان به قبل أن تتصورنه حق تصوره ، ولو تصورتنه بما عاينتن لعذرتنني أو فهذا هو الذي لمتني فيه فوضع ذلك موضع هذا رفعاً لمنزلة المشار إليه . { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم } فامتنع طلباً للعصمة ، أقرت لهن حين عرفت أنهن يعذرنها كي يعاونها على إلانة عريكته . { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ } أي ما آمر به ، فحذف الجار أو أمري إياه بمعنى موجب أمري فيكون الضمير ليوسف . { لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين } من الإذلاء وهو من صغر بالكسر يصغر صغراً وصغاراً والصغير من صغر بالضم صغراً . وقرىء «لَّيَكُونُنَّ» وهو يخالف خط المصحف لأن النون كتبت فيه بالألف «نسفعاً» على حكم الوقف وذلك في الخفيفة لشبهها بالتنوين .\r{ قَالَ رَبّ السجن } وقرأ يعقوب بالفتح على المصدر . { أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } أي آثر عندي من مؤاتاتها زناً نظراً إلى العاقبة وإن كان هذا مما تشتهيه النفس وذلك مما تكرهه ، وإسناد الدعوة إليهن جميعاً لأنهن خوفنه من مخالفتها وزين له مطاوعتها . أو دعونه إلى أنفسهن ، وقيل إنما ابتلي بالسجن لقوله هذا وإنما كان الأولى به أن يسأل الله العافية ولذلك رد رسول الله A على من كان يسأل الصبر . { وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنّى } وإن لم تصرف عني . { كَيْدَهُنَّ } في تحبيب ذلك إلي وتحسينه عندي بالتثبيت على العصمة . { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أمل إلى جانبهن أو إلى أنفسهن بطبعي ومقتضى شهوتي ، والصبوة الميل إلى الهوى ومنه الصبا لأن النفوس تستطيبها وتميل إليها . وقرىء { أَصْبُ } من الصبابة وهي الشوق . { وَأَكُن مّنَ الجاهلين } من السفهاء بارتكاب ما يدعونني إليه فإن الحكيم لا يفعل القبيح ، أو من الذين لا يعملون بما يعلمون فإنهم والجهال سواء .","part":3,"page":147},{"id":1148,"text":"{ فاستجاب لَهُ رَبُّهُ } فأجاب الله دعاءه الذي تضمنه قوله : { وَإِلاَّ تَصْرِفْ } { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } فثبته بالعصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن وآثرها على اللذة المتضمنة للعصيان . { إِنَّهُ هُوَ السميع } لدعاء الملتجئين إليه . { العليم } بأحوالهم وما يصلحهم .","part":3,"page":148},{"id":1149,"text":"{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات } ثم ظهر للعزيز وأهله من بعد ما رأوا الشواهد الدالة على براءة يوسف كشهادة الصبي وقد القميص وقطع النساء أيديهن واستعصامه عنهن وفاعل { بَدَا } مضمر يفسره . { لَيَسْجُنُنَّهُ حتى حِينٍ } وذلك لأنها خدعت زوجها وحملته على سجنه زماناً حتى تبصر ما يكون منه ، أو يحسب الناس أنه المجرم فلبث في السجن سبع سنين . وقرىء بالتاء على أن بعضهم خاطب به العزيز على التعظيم أو العزيز ومن يليه ، وعتى بلغة هذيل .","part":3,"page":149},{"id":1150,"text":"{ وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانَ } أي أدخل يوسف السجن واتفق أنه أدخل حينئذ آخران من عبيد الملك شرابيه وخبازه للاتهام بأنهما يريدان أن يسماه . { قَالَ أَحَدُهُمَا } يعني الشرابي . { إِنّى أَرَانِى } أي في المنام وهي حكاية حال ماضية . { أَعْصِرُ خَمْرًا } أي عنباً وسماه خمراً باعتبارِ ما يؤول إليه . { وَقَالَ الآخر } أي الخباز . { إِنّى أَرَانِى أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِى خُبْزًا تَأْكُلُ الطير مِنْهُ } تنهش منه . { نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } من الذين يحسنون تأويل الرؤيا ، أو من العالمين وإنما قالا ذلك لأنهما رأياه في السجن يذكر الناس ويعبر رؤياهم ، أو من المحسنين إلى أهل السجن فأحسن إلينا بتأويل ما رأينا إن كنت تعرفه .","part":3,"page":150},{"id":1151,"text":"{ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } أي بتأويل ما قصصتما علي ، أو بتأويل الطعام يعني بيان ماهيته وكيفيته فإنه يشبه تفسير المشكل ، كأنه أراد أن يدعوهما إلى التوحيد ويرشدهما إلى الطريق القويم قبل أن يسعف إلى ما سألاه منه كما هو طريقة الأنبياء والنازلين منازلهم من العلماء في الهداية والإرشاد ، فقدم ما يكون معجزة له من الإِخبار بالغيب ليدلهما على صدقه في الدعوة والتعبير . { قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذلكما } أي ذلك التأويل . { مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } بالإلهام والوحي وليس من قبيل التكهن أو التنجيم . { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } تعليل لما قبله أي علمني ذلك لأني تركت ملة أولئك .","part":3,"page":151},{"id":1152,"text":"{ واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } أو كلام مبتدأ لتمهيد الدعوة وإظهار أنه من بيت النبوة لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه والوثوق عليه ، ولذلك جوز للخامل أن يصف نفسه حتى يعرف فيقتبس منه ، وتكرير الضمير للدلالة على اختصاصهم وتأكيد كفرهم بالآخرة . { مَا كَانَ لَنَا } ما صح لنا معشر الأنبياء . { أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } أي شيء كان . { ذلك } أي التوحيد . { مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا } بالوحي . { وَعَلَى الناس } وعلى سائر الناس يبعثنا لإرشادهم وتثبيتهم عليه . { ولكن أَكْثَرَ الناس } المبعوث إليهم . { لاَ يَشْكُرُونَ } هذا الفضل فيعرضون عنه ولا يتنبهون ، أو من فضل الله علينا وعليهم بنصب الدلائل وإنزال الآيات ولكن أكثرهم لا ينظرون إليها ولا يستدلون بها فيلغونها كمن يكفر النعمة ولا يشكرها .","part":3,"page":152},{"id":1153,"text":"{ ياصاحبى السجن } أي يا ساكنيه ، أو يا صاحبي فيه فأضافهما إليه على الاتساع كقوله :\rيَا سَارِقَ اللْيلَةَ أَهْلَ الدَّارِ ... { أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ } شتى متعددة متساوية الأقدام . { خَيْرٌ أَمِ الله الواحد } المتوحد بالألوهية . { القهار } الغالب الذي لا يعادله ولا يقاومه غيره .","part":3,"page":153},{"id":1154,"text":"{ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ } خطاب لهما ولمن على دينهما من أهل مصر . { إِلآَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ اللهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } أي إلا أشياء باعتبار أسام أطلقتم عليها من غير حجة تدل على تحقق مسمياتها فيها فكأنكم لا تعبدون إلا الأسماء المجردة . والمعنى أنكم سميتم ما لم يدل على استحقاقه الألوهية عقل ولا نقل آلهة ، ثم أخذتم تعبدونها باعتبار ما تطلقون عليها . { إِنِ الحكم } ما الحكم في أمر العبادة . { إلا لِلَّهِ } لأنه المستحق لها بالذات من حيث إنه الواجب لذاته الموجد للكل والمالك لأمره . { أَمرَ } على لسان أنبيائه . { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } الذي دلت عليه الحجج . { ذلك الدين القيم } الحق وأنتم لا تميزون المعوج عن القويم ، وهذا من التدرج في الدعوة وإلزام الحجة ، بين لهم أولاً رجحان التوحيد على اتخاذ الآلهة على طريق الخطابة ، ثم برهن على أن ما يسمونها آلهة ويعبدونها لا تستحق الالهية فإن استحقاق العبادة إما بالذات وإما بالغير وكلا القسمين منتف عنها ، ثم نص على ما هو الحق القويم والدين المستقيم الذي لا يقتضي العقل غيره ولا يرتضي العلم دونه . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } فيخبطون في جهالاتهم .","part":3,"page":154},{"id":1155,"text":"{ ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا } يعني الشرابي . { فَيَسْقِى رَبَّهُ خَمْرًا } كما كان يسقيه قبل ويعود إلى ما كان عليه . { وَأَمَّا الأخر } يريد به الخباز . { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ } فقالا كذبنا فقال { قُضِىَ الأمر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } أي قطع الأمر الذي تستفتيان فيه ، وهو ما يؤول إليه أمركما ولذلك وحده ، فإنهما وإن استفتيا في أمرين لكنهما أرادا استبانة عاقبة ما نزل بهما .","part":3,"page":155},{"id":1156,"text":"{ وَقَالَ لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا } الظان يوسف إن ذكر ذلك عن اجتهاد وإن ذكره عن وحي فهو الناجي إلا أن يؤول الظن باليقين . { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } اذكر حالي عند الملك كي يخلصني . { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبّهِ } فأنسى الشرابي أن يذكره لربه ، فأضاف إليه المصدر لملابسته له أو على تقدير ذكر أخبار ربه ، أو أنسي يوسف ذكر الله حتى استعان بغيره ، ويؤيده قوله E « رحم الله أخي يوسف لو لم يقل { اذكرنى عِندَ رَبّكَ } لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس » والاستعانة بالعباد في كشف الشدائد وإن كانت محمودة في الجملة لكنها لا تليق بمنصب الأنبياء . { فَلَبِثَ فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } البضع ما بين الثلاث إلى التسع من البضع وهو القطع .","part":3,"page":156},{"id":1157,"text":"{ وَقَالَ الملك إِنّى أرى سَبْعَ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ } لما دنا فَرَجه رأى الملك سبع بقرات سمان خرجن من نهر يابس وسبع بقرات مهازيل فابتلعت المهازيل السمان . { وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ } قد انعقد حبها . { وَأُخَرَ يابسات } وسبعاً أخر يابسات قد أدركت فالْتَوَتِ اليابسات على الخضر حتى غلبت عليها ، وإنما استغنى عن بيان حالها بما قص من حال البقرات ، وأجرى السمان على المميز دون المميز لأن التمييز بها ووصف السبع الثاني بالعجاف لتعذر التمييز بها مجرداً عن الموصوف فإنه لبيان الجنس ، وقياسه عجف لأنه جمع عجفاء لكنه حمل على { سِمَانٍ } لأنه نقيضه . { يأَيُّهَا الملأ أَفْتُونِى فِى رؤياى } عبروها . { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } إن كنتم عالمين بعبارة الرؤيا وهي الانتقال من الصور الخيالية إلى المعاني النفسانية التي هي مثالها من العبور وهي المجاوزة ، وعبرت الرؤيا عبارة أثبت من عبرتها تعبيراً واللام للبيان أو لتقوية العامل فإن الفعل لما أخر عن مفعوله ضعف فقوي باللام كاسم الفاعل ، أو لتضمن { تَعْبُرُونَ } معنى فعل يعدى باللام كأنه قيل : إن كنتم تنتدبون لعبارة الرؤيا .","part":3,"page":157},{"id":1158,"text":"{ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ } أي هذه أضغاث أحلام وهي تخاليطها جمع ضغث وأصله ما جمع من أخلاط النبات وحزم فاستعير للرؤيا الكاذبة ، وإنما جمعوا للمبالغة في وصف الحلم بالبطلان كقولهم : فلان يركب الخيل ، أو لتضمنه أشياء مختلفة . { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام بعالمين } يريدون بالأحلام المنامات الباطلة خاصة أي ليس لها تأويل عندنا ، وإنما التأويل للمنامات الصادقة فهو كأنه مقدمة ثانية للعذر في جهلهم بتأويله .","part":3,"page":158},{"id":1159,"text":"{ وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا } من صاحبي السجن وهو الشرابي . { وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ } وتذكر يوسف بعد جماعة من الزمان مجتمعة أي مدة طويلة . وقرىء «إمة» بكسر الهمزة وهي النعمة أي بعدما أنعم عليه بالنجاة ، وأمه أي نسيان يقال أمه يأمه أمها إذا نسي ، والجملة اعتراض ومقول القول . { أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } أي إلى من عنده علمه أو إلى السجن .","part":3,"page":159},{"id":1160,"text":"{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } أي فأرسل إلى يوسف فجاءه فقال يا يوسف ، وإنما وصفه بالصديق وهو المبالغ في الصدق لأنه جرب أحواله وعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه . { أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات } أي في رؤيا ذلك . { لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس } أعود إلى الملك ومن عنده ، أو إلى أهل البلد إذا قيل إن السجن لم يكن فيه . { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } تأويلها أو فضلك ومكانك ، وإنما لم يبت الكلام فيهما لأنه لم يكن جازماً بالرجوع فربما اخترم دونه ولا يعلمهم .","part":3,"page":160},{"id":1161,"text":"{ قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } أي على عادتكم المستمرة وانتصابه على الحال بمعنى دائبين ، أو المصدر بإضمار فعله أي تدأبون دأباً وتكون الجملة حالاً . وقرأ حفص { دَأَبًا } بفتح الهمزة وكلاهما مصدر دأب في العمل . وقيل { تَزْرَعُونَ } أمر أخرجه في صورة الخبر مبالغة لقوله : { فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } لئلا يأكله السوس ، وهو على الأول نصيحة خارجة عن العبارة . { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } في تلك السنين .","part":3,"page":161},{"id":1162,"text":"{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } أي يأكل أهلهن ما ادخرتم لأجلهن فأسند إليهن على المجاز تطبيقاً بين المعبر والمعبر به . { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } تحرزون لبذور الزراعة .\r{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس } يمطرون من الغيث أو يغاثون من القحط من الغوث . { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } ما يعصر كالعنب والزيتون لكثرة الثمار . وقيل يحلبون الضروع . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي ، وقرىء على بناء المفعول من عصره إذا أنجاه ويحتمل أن يكون المبني للفاعل منه أي يغيثهم الله ويغيث بعضهم بعضاً ، أو من أعصرت السحابة عليهم فعدي بنزع الخافض أو بتضمينه معنى المطر . وهذه بشارة بشرهم بها بعد أن أول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة والعجاف واليابسات بسنين مجدبة ، وابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة ، ولعله علم ذلك بالوحي أو بأن انتهاء الجدب بالخصب ، أو بأن السنة الإِلهية على أن يوسع على عباده بعدما ضيق عليهم : { وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ } بعد ما جاءه الرسول بالتعبير { فَلَمَّا جَاءهُ الرسول } ليخرجه . { قَالَ ارجع إلى رَبّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة الاتى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } إنما تأنى في الخروج وقدم سؤال النسوة وفحص حالهن لتظهر براءة ساحته ويعلم أنه سجن ظلماً فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره . وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها . وعن النبي A « لو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبث لأسرعت الإِجابة » وإنما قال فاسأله ما بال النسوة ولم يقل فاسأله أن يفتش عن حالهن تهييجاً له على البحث وتحقيق الحال ، وإنما لم يتعرض لسيدته مع ما صنعت به كرماً ومراعاة للأدب وقرىء { النسوة } بضم النون . { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } حين قلن لي أطع مولاتك ، وفيه تعظيم كيدهن والاستشهاد بعلم الله عليه وعلى أنه بريء مما قذف به والوعيد لهن على كيدهن .\r{ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ } قال الملك لهن ما شأنكن والخطب أمر يحق أن يخاطب فيه صاحبه . { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تنزيه له وتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله . { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } من ذنب . { قَالَتِ امرأة العزيز الئن حَصْحَصَ الحق } ثبت واستقر من حصحص البعير إذا ألقى مباركهُ ليناخ قال :\rفَحَصْحَصَ فِي صُمَ الصفَا ثَفَنَاتِه ... وَنَاءَ بِسَلْمَى نَوأَة ثُمَّ صَمَّمَا\rأو ظهر من حص شعره إذا استأصله بحيث ظهرت بشرة رأسه . وقرىء على البناء للمفعول .","part":3,"page":162},{"id":1163,"text":"{ أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } في قولهِ : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } { ذلك لِيَعْلَمَ } قاله يوسف لما عاد إليه الرسول وأخبره بكلامهن أي ذلك التثبت ليعلم العزيز . { أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } بظهر الغيب وهو حال من الفاعل أو المفعول أي لم أخنه وأنا غائب عنه ، أو وهو غائب عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراء الأستار والأبواب المغلقة . { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } لا ينفذه ولا يسدده ، أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة . وفيه تعريض براعيل في خيانتها زوجها وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله :\r{ وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِى } أي لا أنزهها تنبيهاً على أنه لم يرد بذلك تزكية نفسه والعجب بحاله ، بل إظهار ما أنعم الله عليه من العصمة والتوفيق . وعن ابن عباس أنه لما قال : { لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } قال له جبريل ولا حين هممت فقال : ذلك . { إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء } من حيث إنها بالطبع مائلة إلى الشهوات فتهم بها ، وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات . { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } إلا وقت رحمة ربي ، أو إلا ما C من النفوس فعصمه من ذلك . وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن رحمة ربي هي التي تصرف الإِساءة . وقيل الآية حكاية قول راعيل والمستثنى نفس يوسف وأضرابه . وعن ابن كثير ونافع { بالسّو } على قلب الهمزة واواً ثم الادغام . { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يغفر هَمَّ النفس ويرحم من يشاء بالعصمة أو يغفر للمستغفر لذنبه المعترف على نفسه ويرحمه ما استغفره واسترحمه مما ارتكبه .\r{ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِى } أجعله خالصاً لنفسي . { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } أي فلما أتوا به فكلمه وشاهد منه الرشد والدهاء . { قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ } ذو مكانة ومنزلة . { أَمِينٌ } مؤتمن على كل شيء . روي أنه لما خرج من السجن اغتسل وتنظف ولبس ثياباً جدداً ، فلما دخل على الملك قال : اللهم إني أسألك من خيره وأعوذ بعزتك وقدرتك من شره ، ثم سلم عليه ودعا له بالعبرية فقال الملك : ما هذا اللسان قال : لسان آبائي ، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلمه بها فأجابه بجميعها فتعجب منه فقال : أحب أن أسمع رؤياي منك ، فحكاها ونعت له البقرات والسنابل وأماكنها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوض إليه أمره . وقيل توفي قطفير في تلك الليالي فنصبه منصبه وزوج منه راعيل فوجدها عذراء وولد له منها أفرائيم وميشا .","part":3,"page":163},{"id":1164,"text":"{ قَالَ اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض } ولني أمرها والأرض أرض مصر . { إِنّي حَفِيظٌ } لها ممن لا يستحقها . { عَلِيمٌ } بوجوه التصرف فيه ، ولعله عليه السلام لما رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة آثر ما تعم فوائده وتجل عوائده ، وفيه دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به . وعن مجاهد أن الملك أسلم على يده .","part":3,"page":164},{"id":1165,"text":"{ وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الأرض } في أرض مصر . { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } ينزل من بلادها حيث يهوى وقرأ ابن كثير «نشاء» بالنون . { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء } في الدنيا والآخرة . { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } بل نوفي أَجورهم عاجلاً وآجلاً . { وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الشرك والفواحش لعظمه ودوامه .\r{ وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ } روي : أنه لما استوزره الملك أقام العدل واجتهد في تكثير الزراعات وضبط الغلات ، حتى دخلت السنون المجدبة وعم القحط مصر والشأم ونواحيهما ، وتوجه إليه الناس فباعها أولاً بالدراهم والدنانير حتى لم يبق معهم شيء منها ، ثم بالحلي والجواهر ثم بالدواب ثم بالضياع والعقار ، ثم برقابهم حتى استرقهم جميعاً ثم عرض الأمر على الملك فقال : الرأي رأيك فأعتقهم ورد عليهم أموالهم ، وكان قد أصاب كنعان ما أصاب سائر البلاد فأرسل يعقوب بنيه غير بنيامين إليه للميرة . { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي عرفهم يوسف ولم يعرفوه لطول العهد ومفارقتهم إياه في سن الحداثة ونسيانهم إياه ، وتوهمهم أنه هلك وبعد حاله التي رأوه عليها من حاله حين فارقوه وقلة تأملهم في حلاه من التهيب والاستعظام .\r{ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما جاؤوا لأجله ، والجهاز ما يعد من الأمتعة للنقلة كعدد السفر وما يحمل من بلدة إلى أخرى وما تزف به المرأة إلى زوجها وقرىء { بِجَهَازِهِمْ } بالكسر . { قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } روي : أنهم لما دخلوا عليه قال : من أنتم وما أمركم لعلكم عيون؟ قالوا : معاذ الله إنما نحن بنو أب واحد وهو شيخ كبير صديق نبي من الأنبياء اسمه يعقوب ، قال كم أنتم؟ قالوا كنا اثني عشر فذهب أحدنا إلى البرية فهلك ، قال : فكم أنتم ها هنا قالوا عشرة ، قال : فأين الحادي عشر؟ قالوا : عند أبينا يتسلى به عن الهالك ، قال : فمن يشهد لكم . قالوا : لا يعرفنا أحد ها هنا فيشهد لنا قال : فدعوا بعضكم عندي رهينة وائتوني بأخيكم من أبيكم حتى أصدقكم ، فاقترعوا فأصابت شمعون . وقيل كان يوسف يعطي لكل نفر حملاً فسألوه حملاً زائداً لأخ لهم من أبيهم فأعطاهم وشرط عليهم أن يأتوه به ليعلم صدقهم . { أَلاَ تَرَوْنَ أَنّي أُوفِى الكيل } أتمه . { وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } للضيف والمضيفين لهم وكان أحسن إنزالهم وضيافتهم .\r{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } أي ولا تقربوني ولا تدخلوا دياري ، وهو إما نهي أو نفي معطوف على الجزاء .","part":3,"page":165},{"id":1166,"text":"{ قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ } سنجتهد في طلبه من أبيه . { وَإِنَّا لفاعلون } ذلك لا نتوانى فيه .","part":3,"page":166},{"id":1167,"text":"{ وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ } لغلمانه الكيالين جمع فتى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص«لِفِتْيَانِهِ» على أنه جمع الكثرة ليوافق قوله : { اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } فإنه وكل بكل رحل واحداً يعني فيه بضاعتهم التي شروا بها الطعام ، وكانت نعالاً وأدماً وإنما فعل ذلك توسيعاً وتفضلاً عليهم وترفعاً من أن يأخذ ثمن الطعام منهم ، وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجعون به . { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } لعلهم يعرفون حق ردها . أو لكي يعرفوها . { إِذَا انقلبوا } انصرفوا ورجعوا . { إلى أَهْلِهِمْ } وفتحوا أوعيتهم . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } لعل معرفتهم ذلك تدعوهم إلى الرجوع .","part":3,"page":167},{"id":1168,"text":"{ فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } حكم بمنعه بعد هذا إن لم نذهب ببنيامين . { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ } نرفع المانع من الكيل ونكتل ما نحتاج إليه . وقرأ حمزة والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ أي يكتل لنفسه فينضم اكتياله إلى اكتيالنا . { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يناله مكروه .","part":3,"page":168},{"id":1169,"text":"{ قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ } وقد قلتم في يوسف : { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } . { فالله خَيْرٌ حافظا } فأتوكل عليه وأفوض أمري إليه ، وانتصاب «حفظاً» على التمييز و { حافظا } على قراءة حمزة والكسائي وحفص يحتمله والحال كقوله : لله دره فارساً ، وقرىء { خَيْرٌ حافظا } و «خير الحافظين» . { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } فارجوا أن يرحمني بحفظه ولا يجمع على مصيبتين .","part":3,"page":169},{"id":1170,"text":"{ وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } وقرىء { رُدَّتْ } بنقل كسرة الدال المدغمة إلى الراء نقلها في بيع وقيل . { قَالُواْ يأَبَانَا مَا نَبْغِي } ماذا نطلب هل من مزيد على ذلك أكرمنا وأحسن مثوانا وباع منا ورد علينا متاعنا . أو لا نطلب وراء ذلك إحساناً أو لا نبغي في القول ولا نزيد فيما حكينا لك من إحسانه . وقرىء «ما تبغي» على الخطاب أي : أي شيء تطلب وراء هذا من الإِحسان ، أو من الدليل على صدقنا؟ { هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا } استئناف موضح لقوله { مَا نَبْغِى } . { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } معطوف على محذوف أي ردت إلينا فنستظهر بها ونمير أهلنا بالرجوع إلى الملك . { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } عن المخاوف في ذهابنا وإيابنا . { وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ } وسق بعير باستصحاب أخينا ، هذا إذا كانت { مَا } استفهامية فأما إذا كانت نافية احتمل ذلك واحتمل أن تكون الجمل معطوفة على { مَا نَبْغِى } ، أي لا نبغي فيما نقول { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا } . { ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي مكيل قليل لا يكفينا ، استقلوا ما كيل لهم فأرادوا أن يضاعفوه بالرجوع إلى الملك ويزدادوا إليه ما يكال لأخيهم ، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى كيل بعير أي ذلك شيء قليل لا يضايقنا فيه الملك ولا يتعاظمه ، وقيل إنه من كلام يعقوب ومعناه ، إن حمل بعير شيء يسير لا يخاطر لمثله بالولد .","part":3,"page":170},{"id":1171,"text":"{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } إذ رأيت منكم ما رأيت . { حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله } حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله أي عهداً مؤكداً بذكر الله . { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جواب القسم إذ المعنى حتى تحلفوا بالله لتأتنني به . { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } إلا أن تغلبوا فلا تطيقوا ذلك أو إلا أن تهلكوا جميعاً وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال والتقدير : لتأتنني به على كل حال إلا حال الإحاطة بكم ، أو من أعم العلل على أن قوله لتأتنني به ، في تأويل النفي أي لا تمتنعون من الإتيان به إلا للإحاطة بكم كقولهم : أقسمت بالله إلا فعلت ، أي ما أطلب إلا فعلك . { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم . { قَالَ الله على مَا نَقُولُ } من طلب الموثق وإتيانه . { وَكِيلٌ } رقيب مطلع .\r{ وَقَالَ يَا بَنِى لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } لأنهم كانوا ذوي جمال وأبهة مشتهرين في مصر بالقربة والكرامة عند الملك ، فخاف عليهم أن يدخلوا كوكبة واحدة فيعانوا ، ولعله لم يوصهم بذلك في الكرة الأولى لأنهم كانوا مجهولين حينئذ ، أو كان الداعي إليها خوفه على بنيامين . وللنفس آثار منها العين والذي يدل عليه قوله E في عوذته « اللهم إني أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة » { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } مما قضى عليكم بما أشرت به إليكم فإن الحذر لا يمنع القدر . { إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ } يصيبكم لا محالة إن قضي عليكم سوء ولا ينفعكم ذلك . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } جمع بين الحرفين في عطف الجملة على الجملة لتقدم الصلة للاختصاص كأن الواو للعطف والفاء لإفادة التسبب ، فإن فعل الأنبياء سبب لأن يقتدى بهم .\r{ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } أي من أبواب متفرقة في البلد . { مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُمْ } رأي يعقوب واتباعهم له . { مّنَ الله مِن شَىْء } مما قضاه عليهم كما قال يعقوب عليه السلام . فسُرِقُوا وَأخذ بنيامين بوجدان الصواع في رحله وتضاعفت المصيبة على يعقوب . { إِلاَّ حَاجَةً فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ } استثناء منقطع أي ولكن حاجة في نفسه ، يعني شفقته عليهم وحرازته من أن يعانوا . { قَضَاهَا } أظهرها ووصى بها . { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلَّمْنَاهُ } بالوحي ونصب الحجج ، ولذلك قال { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ مّنَ الله مِن شَىْء } ولم يغتر بتدبيره . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } سر القدر وأنه لا يغني عنه الحذر .\r{ وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } ضم إليه بنيامين على الطعام أو في المنزل روي : ( أنه أضافهم فأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال : لو كان أخي يوسف حياً لجلس معي ، فأجلسه معه على مائدته ثم قال : لينزل كل اثنين منكم بيتاً وهذا لا ثاني له فيكون معي فبات عنده وقال له : أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك ، قال : من يجد أخاً مثلك ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه و { قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ } فلا تحزن افتعال من البؤس .","part":3,"page":171},{"id":1172,"text":"{ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في حقنا فيما مضى .\r{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية } المشربة . { فِى رَحْلِ أَخِيهِ } قيل كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به وقيل : كانت تسقى الدواب بها ويكال بها وكانت من فضة . وقيل من ذهب وقرىء و «جعل» على حذف جواب فلما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا . { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى مناد . { أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } لعله لم يقله بأمر يوسف E أو كان تعبية السقاية والنداء عليها برضا بنيامين . وقيل معناه إنكم لسارقون يوسف من أبيه أو أئنكم لسارقون ، والعير القافلة وهو اسم الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير أي تتردد ، فقيل لأصحابها كقوله E \" يا خيل الله اركبي \" وقيل جمع عير وأصله فعل كسقف فعل به ما فعل ببيض تجوز به لقافلة الحمير ، ثم استعير لكل قافلة .\r{ قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ } أي شيء ضاع منكم ، والفقد غيبة الشيء عن الحس بحيث لا يعرف مكانه ، وقرىء { تَفْقِدُونَ } من أفقدته إذا وجدته فقيداً .\r{ قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك } وقرىء «صاع» و «صوع» بالفتح والضم والعين والغين و «صواغ» من الصياغة . { وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ } من الطعام جعلاً له . { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } كفيل أؤديه إلى من رده . وفيه دليل على جواز الجعالة وضمان الجعل قبل تمام العمل .\r{ قَالُواْ تالله } قسم فيه معنى التعجب ، التاء بدل من الباء مختصة باسم الله تعالى : { لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِى الأرض وَمَا كُنَّا سارقين } استشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم لما عرفوا منهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك مما يدل على فرط أمانتهم كرد البضاعة التي جعلت في رحالهم وكعم الدواب لئلا تتناول زرعاً أو طعاماً لأحد .","part":3,"page":172},{"id":1173,"text":"{ قَالُواْ فَمَا جَزَاؤُهُ } فما جزاء السارق أو السرق أو ال { صُوَاعَ } على حذف المضاف . { إِن كُنتُمْ كاذبين } في ادعاء البراءة .","part":3,"page":173},{"id":1174,"text":"{ قَالُواْ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ فِى رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ } أي جزاء سرقته أخذ من وجد في رحله واسترقاقه ، هكذا كان شرع يعقوب E . وقوله { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقرير للحكم وإلزام له ، أو خبر { مِنْ } والفاء لتضمنها معنى الشرط أو جواب لها على أنها شرطية . والجملة كما هي خبر { جَزَاؤُهُ } على إقامة الظاهر فيها مقام الضمير كأنه قيل : جزاؤه من وجد في رحله فهو هو . { كذلك نَجْزِى الظالمين } بالسرقة .","part":3,"page":174},{"id":1175,"text":"{ فبدأ بأوعيتهم } فبدأ المؤذن وقيل يوسف لأنهم ردوا إلى مصر { قبل وعاء أخيه } بنيامين نفيا للتهمة { ثم استخرجها } أي السقاية أو الصواع لأنه يذكر ويؤنث { من وعاء أخيه } وقرئ بضم الواو وبقلبها همزة { كذلك } مثل ذلك الكيد { كدنا ليوسف } بأن علمناه إياه وأوحينا به إليه { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } ملك مصر لأن دينه الضرب وتغريم ضعف ما أخذ دون الاسترقاق وهو بيان للكيد { إلا أن يشاء الله } أن جعل ذلك الحكم حكم الملك فالاستثناء من أعم الأحوال ويجوز أن يكون منقطعا أي لكن أخذه بمشيئة الله تعالى وإذنه { نرفع درجات من نشاء } بالعلم كما رفعنا درجته { وفوق كل ذي علم عليم } أرفع درجة منه واحتج به من زعم أنه تعالى عالم بذاته إذ لو كان ذا علم لكان فوقه من هو أعلم منه والجواب أن المراد كل ذي علم من الخلق لأن الكلام فيهم ولأن العليم هو الله سبحانه وتعالى ومعناه الذي له العلم البالغ لغة ولأنه لا فرق بينه وبين قولنا فوق كل العلماء عليم وهو مخصوص","part":3,"page":175},{"id":1176,"text":"{ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ } بنيامين . { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ } يعنون يوسف . قيل ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم عليه السلام وكانت تحضن يوسف وتحبه ، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها فشدت المنطقة على وسطه ، ثم أظهرت ضياعها فتفحصُ عنها فوجدت محزومة عليه فصارت أحق به في حكمهم . وقيل كان لأبي أمه صنم فسرقه وكسره وألقاه في الجيف . وقيل كان في البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل . وقيل دخل كنيسة وأخذ تمثالاً صغيراً من الذهب . { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } أكنها ولم يظهرها لهم ، والضمير للإجابة أو المقالة أو نسبة السرقة إليه وقيل إنها كناية بشريطة التفسير يفسرها قوله : { قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } فإنه بدل من أسرها . والمعنى قال في نفسه أنتم شر مكاناً أي منزلة في السرقة لسرقتكم أخاكم ، أو في سوء الصنيع مما كنتم عليه ، وتأنيثها باعتبار الكلمة أو الجملة ، وفيه نظر إذ المفسر بالجملة لا يكون إلا ضمير الشأن . { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } وهو يعلم أن الأمر ليس كما تصفون .","part":3,"page":176},{"id":1177,"text":"{ قَالُواْ يا أَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا } أي في السن أو القدر ، ذكروا له حاله استعطافاً له عليه . { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } بدله فإن أباه ثكلان على أخيه الهالك مستأنس به . { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إلينا فأتمم إحسانك ، أو من المتعودين بالإِحسان فلا تغير عاداتك .","part":3,"page":177},{"id":1178,"text":"{ قَالَ مَعَاذَ الله أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } فإن أخذ غيره ظلم على فتواكم فلو أخذنا أحدكم مكانه . { إِنَّا إِذًا لظالمون } في مذهبكم هذا ، وإن مراده إن الله أذن في أخذ من وجدنا الصاع في رحله لمصلحته ورضاه عليه فلو أخذت غيره كنت ظالماً .","part":3,"page":178},{"id":1179,"text":"{ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ } يئسوا من يوسف وإجابته إياهم ، وزيادة السين والتاء للمبالغة . { خَلَصُواْ } انفردوا واعتزلوا . { نَجِيّاً } متناجين ، وإنما وحده لأنه مصدر أو بزنته كما قيل هو صديق ، وجمعه أنجيه كندي وأندية . { قَالَ كَبِيرُهُمْ } في السن وهو روبيل ، أو في الرأي وهو شمعون وقيل يهوذا . { أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله } عهداً وثيقاً ، وأنما جعل حلفهم بالله موثقاً منه لأنه بإذن منه وتأكيد من جهته . { وَمِن قَبْلُ } ومن قبل هذا . { مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } قصرتم في شأنه ، و { مَا } مزيدة ويجوز أن تكون مصدرية في موضع النصب بالعطف على مفعول تعلموا ، ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف ، أو على اسم { أن } وخبره في { يُوسُفَ } أو { مِن قَبْلُ } أو الرفع بالابتداء والخبر { مِن قَبْلُ } وفيه نظر ، لأن { قَبْلُ } إذا كان خبراً أو صلة لا يقطع عن الإِضافة حتى لا ينقص وأن تكون موصولة أي : ما فرطتموه بمعنى ما قدمتوه في حقه من الجناية ومحله ما تقدم . { فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض } فلن أفارق أرض مصر . { حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى } في الرجوع . { أَوْ يَحْكُمَ الله لِى } أو يقضي لي بالخروج منها ، أو بخلاص أخي منهم أو بالمقاتلة معهم لتخليصه . روي : أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيل : أيها الملك والله لتتركنا أو لأصيحن صيحة تضع منها الحوامل ، ووقفت شعور جسده فخرجت من ثيابه فقال يوسف عليه السلام لابنه : قم إلى جنبه فمسه ، وكان بنو يعقوب عليه السلام إذا غضب أحدهم فمسه الآخر ذهب غضبه . فقال روبيل من هذا إن في هذا البلد لبزراً من بزر يعقوب . { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } لأن حكمه لا يكون إلا بالحق .","part":3,"page":179},{"id":1180,"text":"{ ارجعوا إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابنك سَرَقَ } على ما شاهدناه من ظاهر الأمر . وقرىء { سَرَقَ } أي نسب إلى السرقة . { وَمَا شَهِدْنَا } عليه . { إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } بأن رأينا أن الصواع استخرج من وعائه . { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ } لباطن الحال . { حافظين } فلا ندري أنه سرق أو سرق الصواع في رحله ، أو وما كنا للعواقب عالمين فلم ندر حين أعطيناك الموثق أنه سيسرق ، أو أنك تصاب به كما أصبت بيوسف .","part":3,"page":180},{"id":1181,"text":"{ واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا } يعنون مصر أو قرية بقربها لحقهم المنادي فيها ، والمعنى أرسل إلى أهلها واسألهم عن القصة . { والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا } وأصحاب العير التي توجهنا فيهم وكنا معهم . { وِإِنَّا لصادقون } تأكيد في محل القسم .","part":3,"page":181},{"id":1182,"text":"{ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ } أي فلما رجعوا إلى أبيهم وقالوا له ما قال لهم أخوهم قال : { بَلْ سَوَّلَتْ } أي سولت وسهلت . { لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } أردتموه فقدرتموه ، وإلا فما أدرى الملك أن السارق يؤخذ بسرقته . { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري صبر جميل ، أو فصبر جميل أجمل . { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وبنيامين وأخيهما الذي توقف بمصر . { إِنَّهُ هُوَ العليم } بحالي وحالهم . { الحكيم } في تدبيرهما .","part":3,"page":182},{"id":1183,"text":"{ وتولى عَنْهُمْ } وأعرض عنهم كراهة لما صادف منهم . { وَقَالَ يا أَسَفاً على يُوسُفَ } أي يا أسفاً تعالي فهذا أوانك ، والأسف أشد الحزن والحسرة ، والألف بدل من ياء المتكلم ، وإنما تأسف على يوسف دون أخويه والحادث رزؤهما لأن رزأه كان قاعدة المصيبات وكان غضاً آخذاً بمجامع قلبه ، ولأنه كان واثقاً بحياتهما دون حياته ، وفي الحديث : « لم تعط أمة من الأمم » { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } « عند المصيبة إلا أمة محمد A » ألا ترى إلى يعقوب E حين أصابه ما أصابه لم يسترجع وقال { يَا أَسَفاً } . { وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } لكثرة بكائه من الحزن كأن العبرة محقت سوادهما . وقيل ضعف بصره . وقيل عمي ، وقرىء { مِنَ الحزن } وفيه دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع ، ولعل أمثال ذلك لا تدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ، ولقد بكى رسول الله A على ولده إبراهيم وقال : « القلب يجزع والعين تدمع ، ولا نقول ما يسخط الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون » { فَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء من الغيظ على أولاده ممسك له في قلبه لا يظهره ، فعيل بمعنى مفعول كقوله تعالى : { وَهُوَ مَكْظُومٌ } من كظم السقاء إذا شده على ملئه ، أو بمعنى فاعل كقوله : { والكاظمين الغيظ } من كظم الغيظ إذا اجترعه ، وأصله كظم البعير جرته إذا ردها في جوفه .","part":3,"page":183},{"id":1184,"text":"{ قَالُواْ تالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ } أي لا تفتأ ولا تزال تذكره تفجعاً عليه ، فحذف لا كما في قوله :\rفَقُلْتُ يَمينَ اللّه أَبْرَح قَاعِداً ... لأنه لا يلتبس بالإثبات ، فإن القسم إذا لم يكن معه علامات الإثبات كان على النفي . { حتى تَكُونَ حَرَضاً } مريضاً مشفياً على الهلاك . وقيل الحرض الذي أذابه هم أو مرض ، وهو في الأصل مصدر ولذلك لا يؤنث ولا يجمع والنعت بالكسر كدنف ودنف . وقد قرىء به وبضمتين كجنب . { أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين } من الميتين .","part":3,"page":184},{"id":1185,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى وَحُزْنِى } همي الذي لا أقدر الصبر عليه من البث بمعنى النشر . { إِلَى الله } لا إلى أحد منكم ومن غيركم ، فخلوني وشكايتي . { وَأَعْلَمُ مِنَ الله } من صنعه ورحمته فإنه لا يخيب داعيه ولا يدع الملتجىء إليه ، أو من الله بنوع من الإِلهام . { مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من حياة يوسف . قيل رأى ملك الموت في المنام فسأله عنه فقال هو حي . وقيل علم من رؤيا يوسف أنه لا يموت حتى يخر له إخوته سجداً .","part":3,"page":185},{"id":1186,"text":"{ يا بَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } فتعرفوا منهما وتفحصوا عن حالهما والتحسس تطلب الإحساس . { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } ولا تقنطوا من فرجه وتنفيسه . وقرىء { مِن رَّوْحِ الله } أي من رحمته التي يحيا بها العباد . { إِنَّهُ لاَ يَيْأََسُ مِن رَّوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } بالله وصفاته فإن العارف المؤمن لا يقنط من رحمته في شيء من الأحوال .","part":3,"page":186},{"id":1187,"text":"{ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا العزيز } بعدما رجعوا إلى مصر رجعة ثانية . { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } شدة الجوع . { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } رديئة أو قليلة ترد وتدفع رغبة عنها ، من أزجيته إذا دفعته ومنه تزجية الزمان . قيل كانت دراهم زيوفاً وقيل صوفاً وسمناً . وقيل الصنوبر والحبة الخضراء . وقيل الأقط وسويق المقل . { فَأَوْفِ لَنَا الكيل } فأتمم لنا الكيل . { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } برد أخينا أو بالمسامحة وقبول المزجاة ، أو بالزيادة على ما يساويها . واختلف في أن حرمة الصدقة تعم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أو تختص بنبينا A . { إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } أحسن الجزاء والتصدق التفضل مطلقاً ، ومنه قوله E في القصر « هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته » لكنه اختص عرفاً بما يبتغي به ثواب من الله تعالى .","part":3,"page":187},{"id":1188,"text":"{ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } أي هل علمتم قبحه فتبتم عنه وفعلهم بأخيه إفراده عن يوسف وإذلاله حتى لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذلة . { إِذْ أَنتُمْ جاهلون } قبحه فلذلك أقدمتم عليه أو عاقبته ، وإنما قال ذلك تنصيحاً لهم وتحريضاً على التوبة ، وشفقة عليهم لما رأى من عجزهم وتمسكنهم لا معاتبة وتثريباً . وقيل أعطوه كتاب يعقوب في تخليص بنيامين وذكروا له ما هو فيه من الحزن على فقد يوسف وأخيه فقال لهم ذلك ، وإنما جهلهم لأن فعلهم كان فعل الجهال ، أو لأنهم كانوا حينئذ صبياناً شياطين .","part":3,"page":188},{"id":1189,"text":"{ قَالُواْ أَءنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ } استفهام تقرير ولذلك حقق بأن ودخول اللام عليه . وقرأ ابن كثير على الإِيجاب . قيل عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به ، وقيل تبسم فعرفوه بثناياه . وقيل رفع التاج عن رأسه فرأوا علامة بقرنه تشبه الشامة البيضاء وكانت لسارة ويعقوب مثلها . { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وهذا أَخِى } من أبي وأمي ذكره تعريفاً لنفسه به ، وتفخيماً لشأنه وإدخالاً له في قوله : { قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا } أي بالسلامة والكرامة . { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ } أي يتق الله . { وَيِصْبِرْ } على البليات أو على الطاعات وعن المعاصي . { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } وضع المحسنين موضع الضمير للتنبيه على أن المحسن من جمع بين التقوى والصبر .","part":3,"page":189},{"id":1190,"text":"{ قَالُواْ تالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنَا } اختارك علينا بحسن الصورة وكمال السيرة . { وَإِن كُنَّا لخاطئين } والحال أن شأننا إنا كنا مذنبين بما فعلنا معك .","part":3,"page":190},{"id":1191,"text":"{ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } لا تأنيب عليكم تفعيل من الثرب وهو الشحم الذي يغشى الكرش للإِزالة كالتجليد ، فاستعير للتقريع الذي يمزق العرض ويذهب ماء الوجه . { اليوم } متعلق بال { تَثْرَيبَ } أو بالمقدر للجار الواقع خبراً لل { لاَ تثريبَ } والمعنى لا أثربكم اليوم الذي هو مظنته فما ظنكم بسائر الأيام أو بقوله : { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } لأنه صفح عن جريمتهم حينئذ واعترفوا بها . { وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين } فإنه يغفر الصغائر والكبائر ويتفضل على التائب ، ومن كرم يوسف E أنهم لما عرفوه أرسلوا إليه وقالوا : إنك تدعونا بالبكرة والعشي إلى الطعام ونحن نستحي منك لما فرط منا فيك ، فقال إن أهل مصر كانوا ينظرون إلي بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت بكم وعظمت في عيونهم حيث علموا أنكم اخوتي وأني من حفدة إبراهيم E .","part":3,"page":191},{"id":1192,"text":"{ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } القميص الذي كان عليه . وقيل القميص المتوارث الذي كان في التعويذ . { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } أي يرجع بصيراً أي ذا بصر . { وَائْتُوني } أنتم وأبي . { بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } بنسائكم وذراريكم ومواليكم .","part":3,"page":192},{"id":1193,"text":"{ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } من مصر وخرجت من عمرانها . { قَالَ أَبُوهُمْ } لمن حضره . { إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوجده الله ريح ما عبق بقميصه من ريحه حين أقبل به إليه يهوذا من ثمانين فرسخاً . { لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } تنسبوني إلى الفند وهو نقصان عقل يحدث من هرم ، ولذلك لا يقال عجوز مفندة لأن نقصان عقلها ذاتي . وجواب { لَوْلاَ } محذوف تقديره لصدقتموني أو لقلت إنه قريب .","part":3,"page":193},{"id":1194,"text":"{ قَالُواْ } أي الحاضرون . { تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم } لفي ذهابك عن الصواب قدماً بالإِفراط في محبة يوسف وإكثار ذكره والتوقع للقائه .\r{ فَلَمَّا أَن جَاء البشير } يهوذا . روي : أنه قال كما أحزنته بحمل قميصه الملطخ بالدم إليه فأفرحه بحمل هذا إليه . { أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ } طرح البشير القميص على وجه يعقوب عليه السلام أو يعقوب نفسه . { فارتد بَصِيرًا } عاد بصيراً لما انتعش فيه من القوة . { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من حياة يوسف E ، وإنزال الفرح . وقيل إني أعلم كلام مبتدأ والمقول { تَيْأَسُوا مِّنْ رَّوْحِ اللهِ } ، أو { إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } .","part":3,"page":194},{"id":1195,"text":"{ قَالُواْ ياأَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين } ومن حق المعترف بذنبه أن يصفح عنه ويسأله المفغرة .","part":3,"page":195},{"id":1196,"text":"{ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } اخره إلى السحر أو إلى صلاة الليل أو إلى ليلة الجمعة تحرياً لوقت الإِجابة ، أو إلى أن يستحل لهم من يوسف أو يعلم أنه عفا عنهم فإن عفو المظلوم شرط المغفرة . ويؤيده ما روي أنه استقبل القبلة قائما إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة وهو إن صح فدليل على نبوتهم وأن ما صدر عنهم كان قبل استنبائهم { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } روي أنه وجه إليه رواحل وأموالاً ليتجهز إليه بمن معه ، واستقبله يوسف والملك بأهل مصر وكان أولاده الذين دخلوا معه مصر اثنين وسبعين رجلاً وامرأة ، وكانوا حين خرجوا مع موسى E ستمائة ألف وخمسمائة وبضعة وسبعين رجلاً سوى الذرية والهرمى . { ءَاوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } ضم إليه أباه وخالته واعتنقهما نزلها منزلة الأم تنزيل العم منزلة الأب في قوله تعالى : { وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } أو لأن يعقوب E تزوجها بعد أمه والرابة تدعى أماً { وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَاء الله ءامِنِينَ } من القحط وأصناف المكاره ، والمشيئة متعلقة بالدخول المكيف بالأمن والدخول الأول كان في موضع خارج البلد حين استقبلهم .","part":3,"page":196},{"id":1197,"text":"{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } تحية وتكرمة له فإن السجود كان عندهم يجري مجراها . وقيل معناه خروا لأجله سجداً لله شكراً . وقيل الضمير لله تعالى والواو لأبويه وإخوته والرفع مؤخر عن الخرور وإن قدم لفظاً للاهتمام بتعظيمه لهما . { وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ } التى رأيتها أيام الصبا . { قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } صدقاً . { وَقَدْ أَحْسَنَ بَى إِذَا أَخْرَجَنِى مِنَ السجن } ولم يذكر الجب لئلا يكون تثريباً عليهم . { وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو } من البادية لأنهم كانوا أصحاب المواشي وأهل البدو . { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أفسد بيننا وحرش ، من نزغ الرائض الدابة إذا نخسها وحملها على الجري . { إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته ويتسهل دونها . { إِنَّهُ هُوَ العليم } بوجود المصالح والتدابير . { الحكيم } الذي يفعل كل شيء في وقته وعلى وجه يقتضي الحكمة . روي : أن يوسف طاف بأبيه عليهما الصلاة والسلام في خزائنه فلما أدخله خزانة القراطيس قال : يا بني ما أعقك عندك هذه القراطيس وما كتبت إلي على ثمان مراحل قال : أمرني جبريل عليه السلام قال : أو ما تسأله قال : أنت أبسط مني إليه فاسأله فقال جبريل : الله أمرني بذلك . لقولك : { وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذئب } قال فهلا خفتني .","part":3,"page":197},{"id":1198,"text":"{ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك } بعض الملك وهو ملك مصر . { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث } الكتب أو الرؤيا ، ومن أيضاً للتبعيض لأنه لم يؤت كل التأويل . { فَاطِرَ السموات والأرض } مبدعهما وانتصابه على أنه صفة المنادى أو منادى برأسه . { أَنتَ وَلِىِّ } ناصري ومتولي أمري . { فِى الدنيا والاخرة } أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما . { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } اقبضني . { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة . روي أن يعقوب E أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم توفي وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه ، فذهب به ودفنه ثمة ثم عاد وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة ، ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله طيباً طاهراً ، فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال ، فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء ، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعاً فيه ، ثم نقله موسى E إلى مدفن آبائه وكان عمره مائة وعشرين سنة ، وقد ولد له من راعيل افراثيم وميشا وهو جد يوشع بن نون ، ورحمة امرأة أيوب E .","part":3,"page":198},{"id":1199,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما ذكر من نبأ يوسف E ، والخطاب فيه للرسول A وهو مبتدأ . { مِنْ أَنبَاء الغيب نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبران له . { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ } كالدليل عليهما والمعنى : أن هذا النبأ غيب لم تعرفه إلا بالوحي لأنك لم تحضر إخوة يوسف حين عزموا على ما هموا به من أن يجعلوه في غيابة الجب ، وهم يمكرون به وبأبيه ليرسله معهم ، ومن المعلوم الذي لا يخفى على مكذبيك أنك ما لقيت أحداً سمع ذلك فتعلمته منه ، وإنما حذف هذا الشق استغناء بذكره في غير هذه القصة كقوله : { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا . }","part":3,"page":199},{"id":1200,"text":"{ وَمَا أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ } على إيمانهم وبالغت في إظهار الآيات عليهم . { بِمُؤْمِنِينَ } لعنادهم وتصميمهم على الكفر .","part":3,"page":200},{"id":1201,"text":"{ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } على الإنباء أو القرآن . { مِنْ أَجْرٍ } من جعل كما يفعله حملة الأخبار . { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة من الله تعالى . { للعالمين } عامة .","part":3,"page":201},{"id":1202,"text":"{ وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } وكم من آية . والمعنى وكأي عدد شئت من الدلائل الدالة على وجود الصانع وحكمته وكمال قدرته وتوحيده . { فِي السموات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } على الآيات ويشاهدونها . { وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها . وقرىء { والأرض } بالرفع على أنه مبتدأ خبره { يَمُرُّونَ } ، فيكون لها الضمير في { عَلَيْهَا } وبالنصب على ويطؤون الأرض . وقرىء و «الأرض يمشون عليها» أي يترددون فيها فيرون آثار الأمم الهالكة .","part":3,"page":202},{"id":1203,"text":"{ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله } في إقرارهم بوجوده وخالقيته . { إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } بعبادة غيره أو باتخاذ الأحبار أرباباً . ونسبة التبني إليه تعالى ، أو القول بالنور والظلمة أو النظر إلى الأسباب ونحو ذلك . وقيل الآية في مشركي مكة . وقيل في المنافقين . وقيل في أهل الكتاب .","part":3,"page":203},{"id":1204,"text":"{ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ الله } عقوبة تغشاهم وتشملهم . { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } فجأة من غير سابقة علامة . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها غير مستعدين لها .","part":3,"page":204},{"id":1205,"text":"{ قُلْ هذه سَبِيلِى } يعني الدعوة إلى التوحيد والإِعداد للمعاد ولذلك فسر السبيل بقوله : { ادعوا إِلَى الله } وقيل هو حال من الياء . { على بَصِيرَةٍ } بيان وحجة واضحة غير عمياء . { أَنَاْ } تأكيد للمستتر في { أَدْعُو } أو { على بَصِيرَةٍ } لأنه حال منه أو مبتدأ خبره { على بَصِيرَةٍ } . { وَمَنِ اتبعنى } عطف عليه . { وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } وأنزهه تنزيهاً من الشركاء .","part":3,"page":205},{"id":1206,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم { لَوْ شَاء رَبُّنَا لأَنزَلَ ملائكة } وقيل معناه نفي استنباء النساء { يُوحِي إِلَيْهِمُ } كما يوحي إليك ويميزون بذلك عن غيرهم . وقرأ حفص «نُوحِي» في كل القرآن ووافقه حمزة والكسائي في سورة «الأنبياء» . { مّنْ أَهْلِ القرى } لأن أهلها أعلم وأحلم من أهل البدو . { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } من المكذبين بالرسل والآيات فيحذروا تكذيبك ، أومن المشغوفين بالدنيا المتهالكين عليها فيقلعوا عن حبها . { وَلَدَارُ الآخرة } ولدار الحال أو الساعة أو الحياة الآخرة . { خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا } الشرك والمعاصي . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم ليعرفوا أنها خير . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ويعقوب بالتاء حملاً على قوله : { قُلْ هذه سَبِيلِى } أي قل لهم أفلا تعقلون .","part":3,"page":206},{"id":1207,"text":"{ حتى إِذَا استيئس الرسل } غاية محذوف دل عليه الكلام أي لا يغررهم تمادي أيامهم فإن من قبلهم أمهلوا حتى أيس الرسل عن النصر عليهم في الدنيا ، أو عن إيمانهم لانهماكهم في الكفر مترفهين متمادين فيه من غير وازع . { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } أي كذبتم أنفسهم حين حدثتهم بأنهم ينصرون ، أو كذبهم القوم بوعد الإِيمان . وقيل الضمير للمرسل إليهم أي وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم بالدعوة والوعيد . وقيل الأول للمرسل إليهم والثاني للرسل أي وظنوا أن الرسل قد كذبوا وأخلفوا فيما وعد لهم من النصر وخلط الأمر عليهم . وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن الرسل ظنوا أنهم أخلفوا ما وعدهم الله من النصر ، إن صح فقد أراد بالظن ما يهجس في القلب على طريق الوسوسة . هذا وأن المراد به المبالغة في التراخي والإِمهال على سبيل التمثيل . وقرأ غير الكوفيين بالتشديد أي وظن الرسل أن القوم قد كذبوهم فيما أوعدوهم . وقرىء { كَذَّبُواْ } بالتخفيف وبناء الفاعل أي وظنوا أنهم قد كذبوا فيما حدثوا به عند قومهم لما تراخى عنهم ولم يروا له أثراً . { جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَاء } النبي والمؤمنين وإنما لم يعينهم للدلالة على أنهم الذين يستأهلون أن يشاء نجاتهم لايشاركهم فيه غيرهم وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب على لفظ الماضي المبني للمفعول . وقرىء فنجا . { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين } إذا نزل بهم وفيه بيانه للمشيئين { لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } في قصص الأنبياء وأممهم أو في قصة يوسف وإخوته . { عِبْرَةٌ لأُوْلِي الألباب } لذوي العقول المبرأة من شوائب الإِلف والركون إلى الحس . { مَا كَانَ حَدِيثًا يفترى } ما كان القرآن حديثاً يفترى . { ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب الإِلهية . { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَيْء } يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر ديني إلا وله سند من القرآن بوسط أو بغير وسط . { وهدى } من الضلال . { وَرَحْمَةً } ينال بها خير الدارين . { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } يصدقونه . وعن النبي A « علموا أرقاءكم سورة يوسف ، فإنه أيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلماً » .","part":3,"page":207},{"id":1208,"text":"وقيل مكية إلا قوله : { ويقول الذين كفروا . . . الآية } وهي ثلاث وأربعون آية .\r{ المر } قيل معناه أنا الله أعلم وأرى . { تِلْكَ آيات الكتاب } يعني بالكتاب السورة و { تِلْكَ } إشارة إلى آياتها أي : تلك الآيات آيات السورة الكاملة أو القرآن . { والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ } هو القرآن كله ومحله الجر بالعطف على { الكتاب } عطف العام على الخاص أو إحدى الصفتين على الأخرى ، أو الرفع بالابتداء وخبره { الحق } والجملة كالحجة على الجملة الأولى ، وتعريف الخبر وإن دل على اختصاص المنزل بكونه حقاً فهو أعم من المنزل صريحاً أو ضمناً ، كالمثبت بالقياس وغيره مما نطق المنزل بحسن اتباعه . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } لإِخلالهم بالنظر والتأمل فيه .","part":3,"page":208},{"id":1209,"text":"{ الله الذى رَفَعَ السموات } مبتدأ وخبر ويجوز أن يكون الموصول صفة والخبر { يُدَبّرُ الأمر } . { بِغَيْرِ عَمَدٍ } أساطين جمع عماد كإهاب وأهب ، أو عمود كأديم وأدم وقرىء { عَمَدٍ } كرسل . { تَرَوْنَهَا } صفة ل { عَمَدٍ } أو استئناف للاستشهاد برؤيتهم السموات كذلك ، وهو دليل على وجود الصانع الحكيم فإن ارتفاعها على سائر الأجسام السماوية لها في حقيقة الجرمية ، واختصاصها بما يقتضي ذلك لا بد وأن يكون بمخصص ليس بجسم ولا جسماني يرجح بعض الممكنات على بعض بإرادته وعلى هذا المنهاج سائر ما ذكر من الآيات . { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } بالحفظ والتدبير . { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } ذللهما لما أراد منهما كالحركة المستمرة على حد من السرعة ينفع في حدوث الكائنات وبقائها . { كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى } لمدة معينة يتم فيها أدواره ، أو لغاية مضروبة ينقطع دونها سيره وهي { إِذَا الشمس كُوّرَتْ وَإِذَا النجوم انكدرت } { يُدَبِّرُ الأمر } أمر ملكوته من الايجاد والإِعدام والإِحياء والإِماتة وغير ذلك . { يُفَصِّلُ الآيات } ينزلها ويبينها مفصلة أو يحدث الدلائل واحداً بعد واحد . { لَعَلَّكُمْ بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ } لكي تتفكروا فيها وتتحققوا كمال قدرته فتعلموا أن من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قدر على الإِعادة والجزاء .","part":3,"page":209},{"id":1210,"text":"{ وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض } بسطها طولاً وعرضاً لتثبت عليها الأقدام ويتقلب عليها الحيوان . { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت من رسا الشيء إذا ثبت ، جمع راسيه والتاء للتأنيث على أنها صفة أجبل أو للمبالغة . { وأنهارا } ضمها إلى الجبال وعلق بهما فعلاً واحداً من حيث إن الجبال أسباب لتولدها . { وَمِن كُلِّ الثمرات } متعلق بقوله : { جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين } أي وجعل فيها من جمع أنواع الثمرات صنفين اثنين كالحلو والحامض ، والأسود والأبيض والصغير والكبير . { يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارَ } يلبسه مكانه فيصير الجو مظلماً بعدما كان مضيئاً ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر «يُغَّشِي» بالتشديد . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيها فإن تكونها وتخصصها بوجه دون وجه دليل على وجود صانع حكيم دبر أمرها وهيأ أسبابها .","part":3,"page":210},{"id":1211,"text":"{ وَفِى الأرض قِطَعٌ متجاورات } بعضها طيبة وبعضها سبخة ، وبعضها رخوة وبعضها صلبة ، وبعضها تصلح للزرع دون الشجر وبعضها بالعكس . ولولا تخصيص قادر موقع لأفعاله على وجه دون وجه لم تكن كذلك ، لاشتراك تلك القطع في الطبيعة الأرضية وما يلزمها ويعرض لها بتوسط ما يعرض من الأسباب السماوية ، من حيث أنها متضامة متشاركة في النسب والأوضاع . { وجنات مّنْ أعناب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } وبساتين فيها أنواع الأشجار والزروع ، وتوحيد الزرع لأنه مصدر في أصله . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وحفص { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } بالرفع عطفاً على { وجنات } . { صنوان } نخلات أصلها واحد . { وَغَيْرُ صنوان } متفرقات مختلفات الأصول . وقرأ حفص بالضم وهو لغة بني تميم ك { قنوان } في جمع قنو . { تُسْقَى بِمَاء واحد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا على بَعْضٍ فِى الأكل } في التمر شكلاً وقدراً ورائحة وطعماً ، وذلك أيضاً مما يدل على الصانع الحكيم ، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول والأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار . وقرأ ابن عامر وعاصم ويعقوب «يسقى» بالتذكير على تأويل ما ذكر ، وحمزة والكسائي يفضل بالياء ليطابق قوله { يُدَبّرُ الأمر } { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم بالتفكر { وَإِن تَعْجَبْ } يا محمد من إنكارهم البعث . { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } حقيق بأن يتعجب منه فإن من قدر على إنشاء ما قص عليك كانت الإِعادة أيسر شيء عليه ، والآيات المعدودة كما هي دالة على وجود المبدأ فهي دالة على إمكان الإِعادة من حيث إنها تدل على كمال علمه وقدرته وقبول المواد لأنواع تصرفاته . { أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } بدل من قولهم أو مفعول له ، والعامل في إذا محذوف دل عليه : { أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } . { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } لأنهم كفروا بقدرته على البعث . { وَأُوْلَئِكَ الأغلال فِى أعناقهم } مقيدون بالضلال لا يرجى خلاصهم أو يغلون يوم القيامة . { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } لا ينفكون عنها ، وتوسيط الفصل لتخصيص الخلود بالكفار .","part":3,"page":211},{"id":1212,"text":"{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة قَبْلَ الحسنة } بالعقوبة قبل العافية ، وذلك لأنهم استعجلوا ما هددوا به من عذاب الدنيا استهزاء . { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات } عقوبات أمثالهم من المكذبين فما لهم لم يعتبروا بها ولم يجوزوا حلول مثلها عليهم ، والمثلة بفتح الثاء وضمها كالصَدُقَة والصُدْقَة ، العقوبة لأنها مثل المعاقب عليه ، ومنه المثال للقصاص وأمثلت الرجل من صاحبه إذا اقتصصته منه . وقرىء { المثلات } بالتخفيف و { المثلات } بإتباع الفاء العين و { المثلات } بالتخفيف بعد الاتباع ، و { المثلات } بفتح الثاء على أنها جمع مثلة كركبة وركبات . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ } مع ظلمهم أنفسهم ، ومحله النصب على الحال والعامل فيه المغفرة والتقييد به دليل على جواز العفو قبل التوبة ، فإن التائب ليس على ظلمه ، ومن منع ذلك خص الظلم بالصغائر المكفرة لمجتنب الكبائر ، أو أول المغفرة بالستر والإِمهال . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب } للكفار أو لمن شاء ، وعن النبي A : « لولا عفو الله وتجاوزه لما هنأ أحد العيش ، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد » .","part":3,"page":212},{"id":1213,"text":"{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ } لعدم اعتدادهم بالآيات المنزلة عليه واقتراحاً لنحو ما أوتي موسى وعيسى عليهما السلام . { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ } مرسل للإنذار كغيرك من الرسل وما عليك إلا الإِتيان بما تصح به نبوتك من جنس المعجزات لا بما يقترح عليك . { وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } نبي مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم يهديهم إلى الحق ويدعوهم إلى الصواب ، أو قادر على هدايتهم وهو الله تعالى لكن لا يهدي إلا من يشاء هدايته بما ينزل عليك من الآيات . ثم أردف ذلك بما يدل على كمال علمه وقدرته وشمول قضائه وقدره ، تنبيهاً على أنه تعالى قادر على إنزال ما اقترحوه وإنما لم ينزل لعلمه بأن اقتراحهم للعناد دون الاسترشاد ، وأنه قادر على هدايتهم وإنما لم يهدهم لسبق قضائه بالكفر فقال :\r{ الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى } أي حملها أو ما تحمله على أي حال هو من الأحوال الحاضرة والمترقبة . { وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ } وما تنقصه وما تزداده في الجنة والمدة والعدد ، وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة . روي أن الضحاك ولد لسنتين وهرم بن حيان لأربع سنين وأعلى عدده لا حد له . وقيل نهاية ما عرف به أربعة وإليه ذهب أبو حنيفة Bه ، وقال الشافعي C أخبرني شيخ باليمن أن امرأته ولدت بطوناً في كل بطن خمسة . وقيل المراد نقصان دم الحيض وازدياده ، وغاض جاء متعدياً ولازماً وكذا ازداد قال تعالى : { وازدادوا تِسْعًا } فإن جعلتهما لازمين تعين إما أن تكون مصدرية . وإسنادهما إلى الأرحام على المجاز فإنهما لله تعالى أو لما فيها . { وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ } بقدر لا يجاوزه ولا ينقص عنه كقوله تعالى : { إِنَّا كُلَّ شَىْء خلقناه بِقَدَرٍ } فإنه تعالى خص كل حادث بوقت وحال معينين ، وهيأ له أسباباً مسوفة إليه تقتضي ذلك . وقرأ ابن كثير { هَادٍ } { ووالٍ } و { وواق } { وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } بالتنوين في الوصل فإذا وقف وقف بالياء في هذه الأحرف الأربعة حيث وقعت لا غير ، والباقون يصلون ويقفون بغير ياء .","part":3,"page":213},{"id":1214,"text":"{ عالم الغيب } الغائب عن الحس . { والشهادة } الحاضر له . { الكبير } العظيم الشأن الذي لا يخرج عن علمه شيء . { المتعال } المستعلي على كل شيء بقدرته ، أو الذي كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه .","part":3,"page":214},{"id":1215,"text":"{ سَوَاءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول } في نفسه . { وَمَنْ جَهَرَ بِهِ } لغيره . { وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِالَّليْلِ } طالب للخفاء في مختبأ بالليل . { وَسَارِبٌ } بارز . { بالنهار } يراه كل أحد من سرب سروباً إذا برز ، وهو عطف على من أو مستخف على أَن من في معنى الإثنين كقوله :\rنكن مثل من يا ذئب يصطحبان ... كأنه قال سواء منكم اثنان مستخف بالليل وسارب بالنهار ، والآية متصلة بما قبلها مقررة لكمال علمه وشموله .","part":3,"page":215},{"id":1216,"text":"{ لَهُ } لمن أسر أو جهر أو استخفى أو سرب . { معقبات } ملائكة تعتقب في حفظه ، جمع معقبة من عقبه مبالغة عقبه إذا جاء على عقبه كأن بعضهم يعقب بعضاً ، أو لأنهم يعقبون أقواله وأفعاله فيكتبونها ، أو اعتقب فأدغمت التاء في القاف والتاء للمبالغة ، أو لأن المراد بالمعقبات جماعات . وقرىء «مَعَاقِيبُ» جمع معقب أو معقبة على تعويض الياء من حذف إحدى القافين . { مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } من جوانبه أو من الأعمال ما قدم وأخر . { يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله } من بأسه متى أذنب بالاستمهال أو الاستغفار له ، أو يحفظونه من المضار أو يراقبون أحواله من أجل أمر الله تعالى . وقد قرىء به وقيل من بمعنى الباء . وقيل من أمر الله صفة ثانية ل { معقبات } . وقيل المعقبات الحرس والجلاوزة حول السلطان يحفظونه في توهمه من قضاء الله تعالى . { إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ } من العافية والنعمة . { حتى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ } من الأحوال الجميلة بالأحوال القبيحة { وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ } فلا راد له فالعامل في { إِذَا } ما دل عليه الجواب . { وَمَا لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ مِن وَالٍ } ممن يلي أمرهم فيدفع عنهم السوء ، وفيه دليل على أن خلاف مراد الله تعالى محال .","part":3,"page":216},{"id":1217,"text":"{ هُوَ الذى يُرِيكُمُ البرق خَوْفًا } من أذاه . { وَطَمَعًا } في الغيث وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف ، أي إرادة خوف وطمع أو التأويل بالإِخافة والإِطماع ، أو الحال من { البرق } أو المخاطبين على إضمار ذو ، أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل للمبالغة . وقيل يخاف المطر من يضره ويطمع فيه من ينفعه . { وَيُنْشِىءُ السحاب } الغيم المنسحب في الهواء . { الثقال } وهو جمع ثقيلة وإنما وصف به السحاب لأنه اسم جنس في معنى الجمع .","part":3,"page":217},{"id":1218,"text":"{ وَيُسَبِّحُ الرعد } ويسبح سامعوه . { بِحَمْدِهِ } ملتبسين به فيضجون بسبحان الله والحمد لله ، أو يدل الرعد بنفسه على وحدانية الله وكمال قدرته ملتبساً بالدلالة على فضله ونزول رحمته . وعن ابن عباس Bهما . سئل النبي A عن الرعد فقال : « ملك موكل بالسحاب معه مخازين من نار يسوق بها السحاب » { والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ } من خوف الله تعالى وإجلاله وقيل الضمير ل { الرعد } . { وَيُرْسِلُ الصواعق فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ } فيهلكه . { وَهُمْ يجادلون فِى الله } حيث يكذبون رسول الله A فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة والتفرد بالألوهية وإعادة الناس ومجازاتهم ، والجدال التشدد في الخصومة من الجدل وهو الفتل ، والواو إما لعطف الجملة على الجملة أو للحال فإنه روي أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أخا لبيد وفدا على رسول الله A قاصدين لقتله ، فأخذه عامر بالمجادلة ودار أربد من خلفه ليضربه بالسيف ، فتنبه له رسول الله A وقال : اللهم اكفنيهما بما شئت فأرسل الله على أربد صاعقة فقتلته ، ورمى عامراً بغدة فمات في بيت سلولية ، وكان يقول غدة كغدة البعير وموت في بيت سلولية ، فنزلت . { وَهُوَ شَدِيدُ المحال } المماحلة المكايدة لأعدائه ، من محل فلان بفلان إذا كايده وعرضه للهلاك ، ومنه تمحل إذا تكلف استعمال الحيلة ، ولعل أصله المحل بمعنى القحط . وقيل فعال من المحل بمعنى القوة . وقيل مفعل من الحول أو الحيلة أعل على غير قياس ويعضده أنه قرىء بفتح الميم على أنه مفعل من حال يحول إذا احتال ، ويجوز أن يكون بمعنى الفقار فيكون مثلاً في القوة والقدرة كقولهم : فساعد الله أشد وموساه أحد .","part":3,"page":218},{"id":1219,"text":"{ لَهُ دَعْوَةُ الحق } الدعاء الحق فإنه الذي يحق أن يعبد ويدعى إلى عبادته دون غيره ، أو له الدعوة المجابة فإن من دعاه أجابه ، ويؤيده ما بعده و { الحق } على الوجهين ما يناقض الباطل وإضافة ال { دَعْوَةُ } لما بينهما من الملابسة ، أو على تأويل دعوة المدعو الحق . وقيل { الحق } هو الله تعالى وكل دعاء إليه دعوة الحق ، والمراد بالجملتين إن كانت الآية في أربد وعامر أن إهلاكهما من حيث لم يشعرا به محال من الله إجابة لدعوة رسوله A أو دلالة على أنه على الحق ، وإن كانت عامة فالمراد وعيد الكفرة على مجادلة رسول الله A بحلول محاله بهم وتهديدهم بإجابة دعاء الرسول A عليهم ، أو بيان ضلالهم وفساد رأيهم . { والذين يَدْعُونَ } أي والأصنام الذين يدعوهم المشركون ، فحذف الراجع أو والمشركون الذين يدعون الأصنام فحذف المفعول لدلالة . { مِن دُونِهِ } عليه . { لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءِ } من الطلبات . { إِلاَّ كباسط كَفَّيْهِ } إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه . { إِلَى الماء لِيَبْلُغَ فَاهُ } يطلب منه أن يبلغه . { وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } لأنه جماد لا يشعر بدعائه ولا يقدر على إجابته والإِتيان بغير ما جبل عليه وكذلك آلهتهم . وقيل شبهوا في قلة جدوى دعائهم لها بمن أراد أن يغترف الماء ليشربه فبسط كفيه ليشربه . وقرىء «تدعون» بالتاء وباسط بالتنوين . { وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } في ضياع وخسار وباطل .","part":3,"page":219},{"id":1220,"text":"{ وَللَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِى السموات والأرض طَوْعًا وَكَرْهًا } يحتمل أن يكون السجود على حقيقته فإنه يسجد له الملائكة والمؤمنون من الثقلين ، طوعاً حالتي الشدة والرخاء والكفرة كرهاً حال الشدة والضرورة . { وظلالهم } بالعرض وأن يراد به انقيادهم لإِحداث ما أراده منهم شاؤوا أو كرهوا ، وانقياد ظلالهم لتصريفه إياها بالمد والتقليص وانتصاب { طَوْعًا وَكَرْهًا } بالحال أو العلة وقوله : { بالغدو والآصال } ظرف ل { يَسْجُدُ } والمراد بهما الدوام أو حال من الظلال ، وتخصيص الوقتين لأن الظلال إنما تعظم وتكثر فيهما ، والغدو جمع غداة كقنى جمع قناة ، و { الآصال } جمع أصيل وهو ما بين العصر والمغرب . وقيل الغدو مصدر ويؤيده أنه قد قرىء و { الإِيصال } وهو الدخول في الأصيل .","part":3,"page":220},{"id":1221,"text":"{ قُلْ مَن رَّبُّ السموات والأرض } خالقهما ومتولي أمرهما . { قُلِ الله } أجب عنهم بذلك إذ لا جواب لهم سواه ، ولأنه البين الذي لا يمكن المراء فيه أو لقنهم الجواب به . { قُلْ أفاتخذتم مّن دُونِهِ } ثم ألزمهم بذلك لأن اتخاذهم منكر بعيد عن مقتضى العقل . { أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرّاً } لا يقدرون على أن يجلبوا إليها نفعاً أو يدفعوا عنها ضراً فكيف يستطيعون إنفاع الغير ودفع الضر عنه ، وهو دليل ثان على ضلالهم وفساد رأيهم في اتخاذهم أولياء رجاء أن يشفعوا لهم . { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الأعمى والبصير } المشرك الجاهل بحقيقة العبادة والموجب لها والموحد العالم بذلك . وقيل المعبود الغافل عنكم والمعبود المطلع على أحوالكم . { أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور } الشرك والتوحيد . وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالياء . { أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } بل أجعلوا والهمزة للإنكار وقوله : { خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ } صفة لشركاء داخلة في حكم الإِنكار . { فَتَشَابَهَ الخلق عَلَيْهِمْ } خلق الله وخلقهم ، والمعنى أنهم ما اتخذوا لله شركاء خالقين مثله حتى يتشابه عليهم الخلق فيقولوا هؤلاء خلقوا كما خلق الله فاستحقوا العبادة كما استحقها ، ولكنهم اتخذوا شركاء عاجزين لا يقدرون على ما يقدر عليه الخلق فضلاً عما يقدر عليه الخالق . { قُلِ الله خالق كُلِّ شَىْءٍ } أي لا خالق غيره فيشاركه في العبادة ، جعل الخلق موجب العبادة ولازم استحقاقها ثم نفاه عمن سواه ليدل على قوله : { وَهُوَ الواحد } المتوحد بالألوهية . { القهار } الغالب على كل شيء .","part":3,"page":221},{"id":1222,"text":"{ أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً } من السحاب أو من جانب السماء أو من السماء نفسها فإن المبادىء منها . { فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ } أنهار جمع واد وهو الموضع الذي يسيل الماء فيه بكثرة فاتسع فيه ، واستعمل للماء الجاري فيه وتنكيرها لأن المطر يأتي على تناوب بين البقاع . { بِقَدَرِهَا } بمقدارها الذي علم الله تعالى أنه نافع غير ضار أو بمقدارها في الصغر والكبر . { فاحتمل السيل زَبَدًا } رفعه والزبد وضر الغليان . { رَّابِيًا } عالياً . { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِى النار } يعم الفلزات كالذهب والفضة والحديد والنحاس على وجه التهاون بها إظهاراً لكبريائه . { ابتغاء حِلْيَةٍ } أي طلب حلى . { أَوْ متاع } كالأواني وآلات الحرب والحرث ، والمقصود من ذلك بيان منافعها . { زَبَدٌ مّثْلُهُ } أي ومما يوقدون عليه زبد مثل زبد الماء وهو خبثه ، و { مِنْ } للابتداء أو للتبعيض وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالياء على أن الضمير للناس وإضماره للعمل به . { كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل } مثل الحق والباطل فإنه مثل الحق في إفادته وثباته بالماء الذي ينزل من السماء فتسيل به الأودية على قدر الحاجة والمصلحة فينتفع به أنواع المنافع ، ويمكث في الأرض بأن يثبت بعضه في منافعه ويسلك بعضه في عروق الأرض إلى العيون والقنى والآبار ، وبالفلز الذي ينتفع به في صوغ الحلى واتخاذ الأمتعة المختلفة ويدوم ذلك مدة متطاولة ، والباطل في قلة نفعه وسرعة زواله بزبدهما وبين ذلك بقوله : { فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاءً } يجفأ به أي يرمي به السبيل والفلز المذاب وانتصابه على الحال وقرىء جفالاً والمعنى واحد . { وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } كالماء وخلاصة الفلز . { فَيَمْكُثُ فِى الأرض } ينتفع به أهلها . { كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال } لايضاح المشتبهات .","part":3,"page":222},{"id":1223,"text":"{ لِلَّذِينَ استجابوا } للمؤمنين الذين استجابوا . { لِرَبِّهِمُ الحسنى } الإستجابة الحسنى . { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } وهم الكفرة واللام متعلقة بيضرب على أنه جعل ضرب المثل لشأن الفريقين ضرب المثل لهما . وقيل للذين استجابوا خبر الحسنى وهي المثوبة أو الجنة والذين لم يستجيبوا مبتدأ خبره . { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } وهو على الأول كلام مبتدأ لبيان مآل غير المستجيبين . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الحساب } وهو المناقشة فيه بأن يحاسب الرجل بذنبه لا يغفر منه شيء . { وَمَأْوَاهُمْ } مرجعهم . { جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المهاد } المستقر والمخصوص بالذم محذوف .","part":3,"page":223},{"id":1224,"text":"{ أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق } فيستجيب . { كَمَنْ هُوَ أعمى } عمى القلب لا يستبصر فيستجيب ، والهمزة لإِنكار أن تقع شبهة في تشابههما بعدما ضرب من المثل . { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الألباب } ذوو العقول المبرأة عن مشايعة الألف ومعارضة الوهم .","part":3,"page":224},{"id":1225,"text":"{ الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله } ما عقدوه على أنفسهم من الاعتراف بربوبيته حين قالوا بلى ، أو ما عهد الله تعالى عليهم في كتبه . { وَلاَ يِنقُضُونَ الميثاق } ما وثقوه من المواثيق بينهم وبين الله تعالى وبين العباد وهو تعميم بعد تخصيص .","part":3,"page":225},{"id":1226,"text":"{ والذين يَصِلُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ } من الرحم وموالاة المؤمنين والإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ويندرج في ذلك مراعاة جميع حقوق الناس . { وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } وعيده عموماً . { وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ } خصوصاً فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا .","part":3,"page":226},{"id":1227,"text":"{ وَالَّذِينَ صَبَرُواْ } على ما تكرهه النفس ويخالفه الهوى . { ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } طلباً لرضاه لا لجزاء وسمعة ونحوهما . { وَأَقَامُواْ الصلاة } المفروضة . { وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } بعضه الذي وجب عليهم إنفاقه . { سِرّا } لمن لم يعرف بالمال . { وَعَلاَنِيَةً } لمن عرف به . { وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة } ويدفعونها بها فيجازون الإِساءة بالإِحسان ، أو يتبعون السيئة الحسنة فتمحوها . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عقبى الدار } عاقبة الدنيا وما ينبغي أن يكون مآل أهلها وهي الجنة ، والجملة خبر الموصولات إن رفعت بالابتداء وإن جعلت صفات لأولي الألباب فاستئناف بذكر ما استوجبوا بتلك الصفات .","part":3,"page":227},{"id":1228,"text":"{ جنات عَدْنٍ } بدل من { عقبى الدار } أو مبتدأ خبر . { يَدْخُلُونَهَا } والعدن الإِقامة أي جنات يقيمون فيها ، وقيل هو بطنان الجنة . { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ } عطف على المرفوع في يدخلون ، وإنما ساغ للفصل بالضمير الآخر أو مفعول معه والمعنى أنه يلحق بهم من صلح من أهلهم وإن لم يبلغ مبلغ فضلهم تبعاً لهم وتعظيماً لشأنهم ، وهو دليل على أن الدرجة تعلو بالشفاعة أو أن الموصوفين بتلك الصفات يقرن بعضهم ببعض لما بينهم من القرابة والوصلة في دخول الجنة زيادة في أنسهم ، وفي التقييد بالصلاح دلالة على أن مجرد الأنساب لا تنفع . { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ } من أبواب المنازل أو من أبواب الفتوح والتحف قائلين .","part":3,"page":228},{"id":1229,"text":"{ سلام عَلَيْكُمُ } بشارة بدوام السلامة . { بِمَا صَبَرْتُمْ } متعلق ب { عَلَيْكُمْ } أو بمحذوف أي هذا بما صبرتم لا ب { سلام } ، فإن الخبر فاصل والباء للسببية أو للبدلية . { فَنِعْمَ عقبى الدار } وقرىء { فَنِعْمَ } بفتح النون والأصل نعم فسكن العين بنقل كسرتها إلى الفاء وبغيره .","part":3,"page":229},{"id":1230,"text":"{ والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله } يعني مقابلي الأولين . { مِن بَعْدِ ميثاقه } من بعد ما أوثقوه به من الإقرار والقبول . { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض } بالظلم وتهييج الفتن . { أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سُوءُ الدار } عذاب جهنم أو سوء عاقبة الدنيا لأنه في مقابلة { عقبى الدار } .","part":3,"page":230},{"id":1231,"text":"{ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ } يوسعه ويضيقه . { وَفَرِحُواْ } أي أهل مكة . { بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بما بسط لهم في الدنيا . { وَمَا الحياة الدنيا فِى الآخرة } أي في جنب الآخرة . { إِلاَّ متاع } إلا متعة لا تدوم كعجالة الراكب وزاد الراعي ، والمعنى أنهم أشروا بما نالوا من الدنيا ولم يصرفوه فيما يستوجبون به نعيم الآخرة واغتروا بما هو في جنبه نزر قليل النفع سريع الزوال .","part":3,"page":231},{"id":1232,"text":"{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبّهِ قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ } باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات . { وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ } أقبل إلى الحق ورجَع عن العناد ، وهو جواب يجري مجرى التعجب من قولهم كأنه قال قل لهم ما أعظم عنادكم إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم ، فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ، ويهدي إليه من أناب بما جئت به بل بأدنى منه من الآيات .","part":3,"page":232},{"id":1233,"text":"{ الذين ءَامَنُواْ } بدل { من } أو خبر مبتدأ محذوف . { وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله } أنساً به واعتماداً عليه ورجاء منه ، أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته ، أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه يعني القرآن الذي هو أقوى المعجزات . { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } تسكن إليه .","part":3,"page":233},{"id":1234,"text":"{ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } مبتدأ خبره . { طوبى لَهُمْ } وهو فعلى من الطيب قلبت ياؤه واواً لضمة ما قبلها مصدر لطاب كبشرى وزلفى ، ويجوز فيه الرفع والنصب ولذلك قرىء . { وَحُسْنُ مَئَابٍ } بالنصب .","part":3,"page":234},{"id":1235,"text":"{ كذلك } مثل ذلك يعني إرسال الرسل قبلك . { أَرْسَلْنَاكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا } تقدمتها . { أُمَمٌ } أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليهم . { لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } لتقرأ عليهم الكتاب الذي أوحيناه إليك . { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } وحالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته ، فلم يشكروا نعمه وخصوصاً ما أنعم عليهم بإرسالك إليهم ، وإنزال القرآن الذي هو مناط المنافع الدينية والدنيوية عليهم . وقيل نزلت في مشركي أهل مكة حين قيل لهم { اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن } { قُلْ هُوَ رَبّى } أي الرحمن خالقي ومتولي أمري . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } لا مستحق للعبادة سواه . { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في نصرتي عليكم . { وَإِلَيْهِ مَتَابِ } مرجعي ومرجعكم .\r{ وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجبال } شرط حذف جوابه والمراد منه تعظيم شأن القرآن ، أو المبالغة في عناد الكفرة وتصميمهم أي : ولو أن كتاباً زعزعت به الجبال عن مقارها . { أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض } تصدعت من خشية الله عند قراءته أو شققت فجعلت أنهاراً وعيوناً . { أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى } فتسمع فتقرؤه ، أو فتسمع وتجيب عند قراءته لكان هذا القرآن لأنه الغاية في الإِعجاز والنهاية في التذكير والإِنذار ، أو لما آمنوا به كقوله : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الملئكة } الآية . وقيل إن قريشاً قالوا يا محمد إن سرك أن نتبعك فسير بقرآنك الجبال عن مكة حتى تتسع لنا فنتخذ فيها بساتين وقطائع ، أو سخر لنا به الريح لنركبها ونتجر إلى الشام ، أو ابعث لنا به قصي بن كلاب وغيره من آبائنا ليكلمونا فيك ، فنزلت . وعلى هذا فتقطيع الأرض قطعها بالسير . وقيل الجواب مقدم وهو قوله : { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن } وما بينهما اعتراض وتذكير { كلام } خاصة لاشتمال الموتى على المذكر الحقيقي . { بَل للَّهِ الأمر جَمِيعًا } بل لله القدرة على كل شيءٍ وهو إضراب عما تضمنته { لَوْ } من معنى النفي أي : بل الله قادر على الإتيان بما اقترحوه من الآيات إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك ، لعلمه بأنه لا تلين له شكيمتهم ويؤيد ذلك قوله : { أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا } عن إيمانهم مع ما رأوا من أحوالهم ، وذهب أكثرهم إلى أن معناه أفلم يعلم لما روي أن علياً وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين قرؤوا «أفلم يتبين» ، وهو تفسيره وإنما استعمل اليأس بمعنى العلم لأنه مسبب عن العلم ، فإن الميئوس عنه لا يكون إلا معلوماً ولذلك علقه بقوله : { أَن لَّوْ يَشَاءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا } فإن معناه نفي هدى بعض الناس لعدم تعلق المشيئة باهتدائهم ، وهو على الأول متعلق بمحذوف تقديره أفلم ييأس الذين آمنوا عن إيمانهم علماً منهم أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً أو { بآمنوا } .","part":3,"page":235},{"id":1236,"text":"{ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ } من الكفر وسوء الأعمال . { قَارِعَةٌ } داهية تقرعهم وتقلقهم . { أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مّن دَارِهِمْ } ليفزعون منها ويتطاير إليهم شررها . وقيل الآية في كفار مكة فإنهم لا يزالون مصابين بما صنعوا برسول الله A ، فإنه E كان لا يزال يبعث السرايا عليهم فتغير حواليهم وتختطف مواشيهم ، وعلى هذا يجوز أن يكون تحل خطاباً للرسول E فإنه حل بجيشه قريباً من دارهم عام الحديبية . { حتى يَأْتِىَ وَعْدُ الله } الموت أو القيامة أو فتح مكة . { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } لامتناع الكذب في كلامه .\r{ وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } تسلية لرسول الله A . ووعيد للمستهزئين به والمقترحين عليه ، والإملاء أن يترك ملاوة من الزمان في دعة وأمن . { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } أي عقابي إياهم .\r{ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ } رقيب عليها { بِمَا كَسَبَتْ } من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من أعمالهم ولا يفوت عنده شيء من جزائهم ، والخبر محذوف تقديره كمن ليس كذلك . { وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاءَ } استئناف أو عطف على { كَسَبَتْ } إن جعلت «ما» مصدرية ، أو لم يوحدوه وجعلوا عطف عليه ويكون الظاهر فيه موضع الضمير للتنبيه على أنه المستحق للعبادة وقوله : { قُلْ سَمُّوهُمْ } تنبيه على أن هؤلاء الشركاء لا يستحقونها ، والمعنى صفوهم فانظروا هل لهم ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة . { أَمْ تُنَبِّئُونَهُ } بل أتنبئونه . وقرىء «تنبئونه» بالتخفيف . { بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى الأرض } بشركاء يستحقون العبادة لا يعلمهم ، أو بصفات لهم يستحقونها لأجلها لا يعلمها وهو العالم بكل شيء . { أَم بظاهر مِّنَ القول } أم تسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير حقيقة واعتبار معنى كتسمية الزنجي كافوراً وهذا احتجاج بليغ على أسلوب عجيب ينادي على نفسه بالإِعجاز . { بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ } تمويههم فتخيلوا أباطيل ثم خالوها حقاً ، أو كيدهم للإسلام بشركهم . { وَصُدُّواْ عَنِ السبيل } سبيل الحق ، وقرأ ابن كثير . ونافع وأبو عمرو وابن عامر { وَصَدُّواْ } بالفتح أي وصدوا الناس عن الإِيمان ، وقرىء بالكسر «وَصَدُ» بالتنوين . { وَمَن يُضْلِلِ الله } يخذله . { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يوفقه للهدى .\r{ لَّهُمْ عَذَابٌ فِى الحياة الدنيا } بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب . { وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ } لشدته ودوامه . { وَمَا لَهُم مِّنَ الله } من عذابه أو من رحمته . { مِن وَاقٍ } حافظ .\r{ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } صفتها التي هي مثل في الغرابة ، وهو مبتدأ خبره محذوف عند سيبويه أي فيما قصصنا عليكم مثل الجنة وقيل خبره .","part":3,"page":236},{"id":1237,"text":"{ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } على طريقة قولك صفة زيد أسمر ، أو على حذف موصوف أي مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار ، أو على زيادة المثل وهو على قول سيبويه حال من العائد أو المحذوف أو من الصلة . { أُكُلُهَا دَائِمٌ } لا ينقطع ثمرها . { وِظِلُّهَا } أي وظلها كذلك لا ينسخ في الدنيا بالشمس { تِلْكَ } أي الجنة الموصوفة . { عقبى الذين اتقوا } مآلهم ومنتهى أمرهم . { وَّعُقْبَى الكافرين النار } لا غير ، وفي ترتيب النظمين إطماع للمتقين وإقناط للكافرين .\r{ والذين اتيناهم الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ } يعني المسلمين من أهل الكتاب كابن سلام وأصحابه ومن آمن من النصارى وهم ثمانون رجلاً أربعون بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة ، أو عامتهم فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم . { وَمِنَ الأحزاب } يعني كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله A بالعداوة ككعب بن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب وأشياعهما . { مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ } وهو ما يخالف شرائعهم أو ما يوافق ما حرفوه منها . { قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله وَلا أُشْرِكَ بِهِ } جواب المنكرين أي قل لهم إني أمرت فيما أنزل إلي بأن أعبد الله وأوحده ، وهو العمدة في الدين ولا سبيل لكم إلى إنكاره ، وأما ما تنكرونه لما يخالف شرائعكم فليس ببدع مخالفة الشرائع والكتب الإِلهية في جزئيات الأحكام . وقرىء { وَلاَ أُشْرِكُ } بالرفع على الاستئناف . { إِلَيْهِ ادعوا } لا إلى غيره . { وَإِلَيْهِ مَآبِ } وإليه مرجعي للجزاء لا إلى غيره ، وهذا هو القدر المتفق عليه بين الأنبياء ، وأما ما عدا ذلك من التفاريع فمما يختلف بالأعصار والأمم فلا معنى لإنكاركم المخالفة فيه .","part":3,"page":237},{"id":1238,"text":"{ وكذلك } ومثل ذلك الإنزال المشتمل على أصول الديانات المجمع عليها . { أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا } يحكم في القضايا والوقائع بما تقتضيه الحكمة . { عَرَبِيّاً } مترجماً بلسان العرب ليسهل لهم فهمه وحفظه وانتصابه على الحال . { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم } التي يدعونك إليها ، كتقرير دينهم والصلاة إلى قبلتهم بعدما حولت عنها . { بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العلم } بنسخ ذلك . { مَالَكَ مِنَ الله مِن وَلِىّ وَلاَ وَاقٍ } ينصرك ويمنع العقاب عنك وهو حسم لأطماعهم وتهييج للمؤمنين على الثبات في دينهم .","part":3,"page":238},{"id":1239,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ } بشراً مثلك . { وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرّيَّةً } نساء وأولاداً كما هي لك . { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ } وما يصح له ولم يكن في وسعه . { أَن يَأْتِىَ بِآيَةٍ } تقترح عليه وحكم يلتمس منه . { إِلاَّ بِإِذْنِ الله } فإنه المليء بذلك . { لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ } لكل وقت وأمد حكم يكتب على العباد على ما يقتضيه استصلاحهم .","part":3,"page":239},{"id":1240,"text":"{ يَمْحُو الله مَا يَشَاءُ } ينسخ ما يستصوب نسخه . { وَيُثْبِتُ } ما تقتضيه حكمته . وقيل يمحو سيئات التائب ويثبت الحسنات مكانها . وقيل يمحو من كتاب الحفظة ما لا يتعلق به جزاء ويترك غيره مثبتاً أو يثبت ما رآه وحده في صميم قلبه . وقيل يمحو قرناً ويثبت آخرين . وقيل يمحو الفاسدات الكائنات . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي { وَيُثَّبتُ } بالتشديد . { وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب } أصل الكتاب وهو اللوح المحفوظ إذ ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه .","part":3,"page":240},{"id":1241,"text":"{ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } وكيفما دارت الحال أريناك بعض ما أوعدناهم أو توفيناك قبله . { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ } لا غير . { وَعَلَيْنَا الحساب } للمجازاة لا عليك فلا تحتفل بإعراضهم ولا تستعجل بعذابهم فإنا فاعلون له وهذا طلائعه .","part":3,"page":241},{"id":1242,"text":"{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى الأرض } أرض الكفرة . { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بما نفتحه على المسلمين منها . { والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ } لا راد له وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإِبطال ، ومنه قيل لصاحب الحق معقب لأنه يقفو غريمه بالاقتضاء ، والمعنى أنه حكم للإِسلام بالاقبال وعلى الكفر بالإِدبار وذلك كائن لا يمكن تغييره ، ومحل { لا } مع المنفي النصب على الحال أي يحكم نافذاً حكمه . { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب } فيحاسبهم عما قليل في الآخرة بعدما عذبهم بالقتل والاجلاء في الدنيا .\r{ وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } بأنبيائهم والمؤمنين به منهم . { فَلِلَّهِ المكر جَمِيعًا } إذ لا يؤبه بمكر دون مكره فإنه القادر على ما هو المقصود منه دون غيره . { يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } فيعد جزاءها . { وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار } من الحزبين حيثما يأتيهم العذاب المعد لهم وهم في غفلة منه ، وهذا كالتفسير لمكر الله تعالى بهم ، واللام تدل على أن المراد بالعقبى العاقبة المحمودة . مع ما في الإضافة إلى الدار كما عرفت . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكافر على إرادة الجنس ، وقرىء «الكافرون» و «الذين كفروا» و «الكفر» أي أهله وسيعلم من أعلمه إذا أخبره .\r{ وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً } قيل المراد بهم رؤساء اليهود . { قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فإنه أظهر من الأدلة على رسالتي ما يغني عن شاهد يشهد عليها . { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز ، أو علم التوراة وهو ابن سلام وأضرابه ، أو علم اللوح المحفوظ وهو الله تعالى ، أي كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم ما في اللوح المحفوظ إلا هو شهيداً بيننا فيخزي الكاذب منا ، ويؤيده قراءة من قرأ { وَمَنْ عِندَهُ } بالكسر و { عِلْمِ الكتاب } وعلى الأول مرتفع بالظرف فإنه معتمد على الموصول ، ويجوز أن يكون مبتدأ والظرف خبره وهو متعين على الثاني . وقرىء { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب } على الحرف والبناء للمفعول . عن رسول الله A \" من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بوزن كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة من الموفين بعهد الله \" .","part":3,"page":242},{"id":1243,"text":"وهي آياتها اثنتان وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الر كِتَابٌ } أي هو كتاب . { أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس } بدعائك إياهم إلى ما تضمنه . { مِنَ الظلمات } من أنواع الضلال . { إِلَى النور } إلى الهدى . { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } بتوفيقه وتسهيله مستعار من الاذن الذي هو تسهيل الحجاب ، وهو صلة { لِتُخْرِجَ } أو حال من فاعله أو مفعوله . { إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } بدل من قوله : { إِلَى النور } بتكرير العامل أو استئناف على أنه جواب لمن يسأل عنه ، وإضافة الصراط إلى الله تعالى إما لأنه مقصده أو المظهر له وتخصيص الوصفين للتنبيه على أنه لا يذل سالكه ولا يخيب سابله .","part":3,"page":243},{"id":1244,"text":"{ الله الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } على قراءة نافع وابن عامر مبتدأ وخبر ، أو { الله } خبر مبتدأ محذوف والذي صفته وعلى قراءة الباقين عطف بيان ل { العزيز } لأنه كالعلم لاختصاصه بالمعبود على الحق . { وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور ، والويل نقيض الوأل وهو النجاة ، وأصله النصب لأنه مصدر إلا أنه لم يشتق منه فعل لكنه رفع لافادة الثبات .","part":3,"page":244},{"id":1245,"text":"{ الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة } يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره . { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } بتعويق الناس عن الإِيمان . وقرىء { ويصدون } من أصده وهو منقول من صد صدوداً إذا تنكب وليس فصيحاً ، لأن في صده مندوحة عن تكلف التعدية بالهمزة . { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } ويبغون لها زيغاً ونكوباً عن الحق ليقدحوا فيه ، فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير والموصول بصلته يحتمل الجر صفة للكافرين والنصب على الذم والرفع عليه أو على أنه مبتدأ خبره . { أُوْلَئِكَ فِى ضلال بَعِيدٍ } أي ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل ، والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله للمبالغة ، أو للأمر الذي به الضلال فوصف به لملابسته .","part":3,"page":245},{"id":1246,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ } إلا بلغة قومه الذي هو منهم وبعث فيهم . { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } ما أمروا به فيفقهوه عنه بيسر وسرعة ، ثم ينقلوه ويترجموه إلى غيرهم فإنهم أولى الناس إليه بأن يدعوهم وأحق بأن ينذرهم ، ولذلك أمر النبي A بإنذار عشيرته أولاً ، ولو نزل على من بعث إلى أمم مختلفة كتب على ألسنتهم استقل ذلك بنوع من الاعجاز ، لكن أدى إلى إختلاف الكلمة وإضاعة فضل الاجتهاد في تعلم الألفاظ ومعانيها ، والعلوم المتشعبة منها وما في اتعاب القرائح وكد النفوس من القرب المقتضية لجزيل الثواب . وقرىء «بلسن» وهو لغة فيه كريش ورياش ، ولسن بضمتين وضمة وسكون على الجمع كعمد وعمد . وقيل الضمير في قومه لمحمد A وأن الله تعالى أنزل الكتب كلها بالعربية ، ثم ترجمها جبريل عليه السلام أو كل نبي بلغة المنزل عليهم وذلك ليس بصحيح يرده قوله : { لِيُبَيِّنَ لَهُمْ } فإنه ضمير القوم ، والتوراة والإنجيل ونحوهما لم تنزل لتبين للعرب . { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ } فيخذله عن الإِيمان . { وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } بالتوفيق له . { وَهُوَ العزيز } فلا يغلب على مشيئته . { الحكيم } الذي لا يضل ولا يهدي إلا لحكمه .","part":3,"page":246},{"id":1247,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } يعني اليد والعصا وسائر معجزاته . { أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور } بمعنى أي أخرج لأن في الإرسال معنى القول ، أو بأن أخرج فإن صيغ الأفعال سواء في الدلالة على المصدر فيصح أن توصل بها أن الناصبة . { وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله } بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة وأيام العرب حروبها . وقيل بنعمائه وبلائه . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } يصبر على بلائه ويشكر على نعمائه ، فإنه إذا سمع بما أنزل على من قبل من البلاء وأفيض عليهم من النعماء اعتبر وتنبه لما يجب عليه من الصبر والشكر . وقيل المراد لكل مؤمن وإنما عبر عنه بذلك تنبيهاً على أن الصبر والشكر عنوان المؤمن .","part":3,"page":247},{"id":1248,"text":"{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } أي اذكروا نعمته عليكم وقت إنجائه إياكم ، ويجوز أن ينتصب ب { عَلَيْكُمْ } إن جعلت مستقرة غير صلة للنعمة ، وذلك إذا أريد به العطية دون الأنعام ، ويجوز أن يكون بدلاً من { نِعْمَةَ اللهِ } بدل الاشتمال . { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } أحوال من آل فرعون ، أو من ضمير المخاطبين والمراد بالعذاب ها هنا غير المراد به في سورة «البقرة» و «الأعراف» لأنه مفسر بالتذبيح والقتل ثمة ومعطوف عليه التذبيح ها هنا ، وهو إما جنس العذاب أو استعبادهم أو استعمالهم بالأعمال الشاقة . { وَفِى ذلكم } من حيث إنه بإقدار الله إياهم وإمهالهم فيه . { بَلاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ } ابتلاء منه ، ويجوز أن تكون الإشارة إلى الانجاء والمراد بالبلاء النعمة .\r{ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ } أيضاً من كلام موسى A ، و { تَأَذَّنَ } بمعنى آذن كتوعد وأوعد غير أنه أبلغ لما في التفعل من معنى التكلف والمبالغة . { لَئِنْ شَكَرْتُمْ } يا بني إسرائيل ما أنعمت عليكم من الانجاء وغيره بالإِيمان والعمل الصالح . { لأَزِيدَنَّكُمْ } نعمة إلى نعمة . { وَلَئِن كَفَرْتُمْ } ما أنعمت عليكم . { إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيد } فلعلي أعذبكم على الكفران عذاباً شديداً ومن عادة أكرم الأكرمين أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد ، والجملة مقول قول مقدر أو مفعول { تَأَذَّنَ } على أنه جار مجرى «قَالَ» لأنه ضرب منه .\r{ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِى الأرض جَمِيعًا } من الثقلين . { فَإِنَّ الله لَغَنِىٌّ } عن شكركم . { حَمِيدٌ } مستحق للحمد في ذاته ، محمود تحمده الملائكة وتنطق بنعمته ذرات المخلوقات ، فما ضررتم بالكفر إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الأنعام وعرضتموها للعذاب الشديد .\r{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } من كلام موسى E أو كلام مبتدأ من الله . { والذين مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله } جملة وقعت اعتراضاً ، أو الذين من بعدهم عطف على ما قبله ولا يعلمهم اعتراض ، والمعنى أنهم لكثرتهم لا يعلم عددهم إلا الله ، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كذب النسابون . { جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِى أَفْوَاهِهِمْ } فعضوها غيظاً مما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام كقوله تعالى : { عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ } أو وضعوها عليها تعجباً منه أو استهزاء عليه كمن غلبه الضحك ، أو إسكاتاً للأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأمراً لهم باطباق الأفواه ، أو أشاروا بها إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم : { إِنَّا كَفَرْنَا } تنبيهاً على أن لا جواب لهم سواه أو ردوها في أفواه الأنبياء يمنعونهم من التكلم ، وعلى هذا يحتمل أن يكون تمثيلاً .","part":3,"page":248},{"id":1249,"text":"وقيل الأيدي بمعنى الأيادي أي ردوا أيادي الأنبياء التي هي مواعظهم وما أوحى إليهم من الحكم والشرائع في أفواههم ، لأنهم إذا كذبوها ولم يقبلوها فكأنهم ردوها إلى حيث جاءت منه . { وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } على زعمكم . { وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ } من الإِيمان وقرىء «تدعونا» بالادغام . { مُرِيبٍ } موقع في الريبة أو ذي ريبة وهي قلق النفس وأن لا تطمئن إلى الشي .\r{ قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى الله شَكٌّ } أدخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه لا في الشك . أي إنما ندعوكم إلى الله وهو لا يحتمل الشك لكثرة الأدلة وظهور دلالتها عليه . وأشاروا إلى ذلك بقولهم : { فَاطِرِ السموات والأرض } وهو صفة أو بدل ، و { شَكٌّ } مرتفع بالظرف . { يَدْعُوكُمْ } إلى الإِيمان ببعثه إيانا . { لِيَغْفِرَ لَكُمْ } أو يدعوكم إلى المغفرة كقولك : دعوته لينصرني ، على إقامة المفعول له مقام المفعول به . { مِّن ذُنُوبِكُمْ } بعض ذنوبكم وهو ما بينكم وبينه تعالى ، فإن الإسلام يجبه دون المظالم ، وقيل جيء بمن في خطاب الكفرة دون المؤمنين في جميع القرآن تفرقة بين الخطابين ، ولعل المعنى فيه أن المغفرة حيث جاءت في خطاب الكفار مرتبة على الإِيمان وحيث جاءت في خطاب المؤمنين مشفوعة بالطاعة والتجنب عن المعاصي ونحو ذلك فتتناول الخروج عن المظالم . { وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى وقت سماه الله تعالى وجعله آخر أعماركم . { قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا } لا فضل لكم علينا فلم تخصون بالنبوة دوننا ولو شاء الله أن يبعث إلى البشر رسلاً لبعث من جنس أفضل . { تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا } بهذه الدعوى . { فَأْتُونَا بسلطان مُّبِينٍ } يدل على فضلكم واستحقاقكم لهذه المزية ، أو على صحة ادعائكم النبوة كأنهم لم يعتبروا ما جاءوا به من البينات والحجج واقترحوا عليهم آية أخرى تعنتاً ولجاجاً .","part":3,"page":249},{"id":1250,"text":"{ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } سلموا مشاركتهم في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة فضل الله ومنه عليهم ، وفيه دليل على أن النبوة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئة الله تعالى . { وَمَا كَانَ لَنَا نَّأْتِيَكُمْ بسلطان إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي ليس إلينا الإِتيان بالآيات ولا تستبد به استطاعتنا حتى نأتي بما اقترحتموه ، وإنما هو أمر يتعلق بمشيئة الله تعالى فيخص كل نبي بنوع من الآيات . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } فلنتوكل عليه في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم ، عمموا الأمر للاشعار بما يوجب التوكل وقصدوا به أنفسهم قصداً أولياً ألا ترى قوله تعالى :","part":3,"page":250},{"id":1251,"text":"{ وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله } أي : أي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه . { وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا } التي بها نعرفه ونعلم أن الأمور كلها بيده . وقرأ أبو عمرو بالتخفيف ههنا وفي «العنكبوت» . { وَلَنَصْبِرَنَّ على مَا آذَيْتُمُونَا } جواب قسم محذوف أكدوا به توكلهم وعدم مبالاتهم بما يجري من الكفار عليهم . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } فليثبت المتوكلون على ما استحدثوه من توكلهم المسبب عن إيمانهم .","part":3,"page":251},{"id":1252,"text":"{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } حلفوا على أن يكون أحد الأمرين ، إما إخراجهم للرسل أو عودهم إلى ملتهم ، وهو بمعنى الصيرورة لأنهم لم يكونوا على ملتهم قط ، ويجوز أن يكون الخطاب لكل رسول ومن آمن معه فغلبوا الجماعة على الواحد . { فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } أي إلى رسلهم . { لَنُهْلِكَنَّ الظالمين } على إضمار القول ، أو إجراء الايحاء مجراه لأنه نوع منه .","part":3,"page":252},{"id":1253,"text":"{ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ } أي أرضهم وديارهم كقوله تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الأرض ومغاربها } وقرىء «ليهلكن» «وليسكننكم» بالياء اعتباراً لأوحى كقولك : أقسم زيد ليخرجن . { ذلك } إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين . { لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } موقفي وهو الموقف الذي يقيم فيه العباد للحكومة يوم القيامة ، أو قيامي عليه وحفظي لا عمله وقيل المقام مقحم . { وَخَافَ وَعِيدِ } أي وعيدي بالعذاب أو عذابي الموعود للكفار .","part":3,"page":253},{"id":1254,"text":"{ واستفتحوا } سألوا من الله الفتح على أعدائهم ، أو القضاء بينهم وبين أعدائهم من الفتاحة كقولِه : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } وهو معطوف على { فأوحى } والضمير للأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقيل للكفرة وقيل للفريقين . فإن كلهم سألوه أن ينصر المحق ويهلك المبطل . وقرىء بلفظ الأمر عطفاً على «ليهلكن» . { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } أي ففتح لهم فأفلح المؤمنون وخاب كل جبار عات متكبر على الله معاند للحق فلم يفلح ، ومعنى الخيبة إذا كان الاستفتاح من الكفرة أو من القبيلين كان أوقع .","part":3,"page":254},{"id":1255,"text":"{ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي من بين يديه فإنه مرصد بها واقف على شفيرها في الدنيا مبعوث إليها في الآخرة . وقيل من وراء حياته وحقيقته ما توارى عنك . { ويسقى مِن مَّاء } عطف على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى { ويسقى مِن مَّاء } . { صَدِيدٍ } عطف بيان ل { مَاء } وهو ما يسيل من جلود أهل النار .","part":3,"page":255},{"id":1256,"text":"{ يَتَجَرَّعُهُ } يتكلف جرعه وهو صفة لماء ، أو حال من الضمير في { يسقى } { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } ولا يقارب أن يسيغه فكيف يسيغه بل يغص به فيطول عذابه ، والسوغ جواز الشراب على الحلق بسهولة وقبول نفس . { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ } أي أسبابه من الشدائد فتحيط به من جميع الجهات . وقيل من كل مكان من جسده حتى من أصول شعره وإبهام رجله . { وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ } فيستريح . { وَمِن وَرَائِهِ } ومن بين يديه . { عَذَابٌ غَلِيظٌ } أي يستقبل في كل وقت عذاباً أشد مما هو عليه . وقيل هو الخلود في النار . وقيل حبس الأنفاس . وقيل الآية منقطعة عن قصة الرسل نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنيهم التي أرسل الله تعالى عليهم بدعوة رسوله ، فخيب رجاءهم فلم يسقهم ووعد لهم أن يسقيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار .\r{ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ } مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي مثل في الغرابة ، أو قوله { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } وهو على الأول جملة مستأنفة لبيان مثلهم . وقيل { أعمالهم } بدل من ال { مَثَلُ } والخبر { كَرَمَادٍ } . { اشتدت بِهِ الريح } حملته وأسرعت الذهاب به وقرأ نافع «الرياح» . { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } العصف اشتداد الريح وصف به زمانه للمبالغة كقولهم : نهاره صائم وليله قائم ، شبه صنائعهم من الصدقة وصلة الرحم وإغاثة الملهوف وعتق الرقاب ونحو ذلك من مكارمهم في حبوطها وذهابها هباء منثوراً ، لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والتوجه بها إليه ، أو أعمالهم للأصنام برماد طيرته الريح العاصف . { لاَّ يَقْدِرُونَ } يوم القيامة . { مِمَّا كَسَبُواْ } من أعمالهم . { على شَىْءٍ } لحبوطه فلا يرون له أثراً من الثواب وهو فذلكة التمثيل . { ذلك } إشارة إلى ضلالهم مع حسبانهم أنهم محسنون . { هُوَ الضلال البعيد } فإنه الغاية في البعد عن طريق الحق .\r{ أَلَمْ تَرَ } خطاب للنبي A ، والمراد به أمته . وقيل لكل واحد من الكفرة على التلوين . { أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض بالحق } والحكمة والوجه الذي يحق أن تخلق عليه ، وقرأ حمزة والكسائي «خالق السموات» . { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } يعدمكم ويخلق خلقاً آخر مكانكم ، رتب ذلك على كونه خالقاً للسموات والأرض استدلالاً به عليه ، فإن من خلق أصولهم وما يتوقف عليه تخليقهم ثم كونهم بتبديل الصور وتغيير الطبائع قدر أن يبدلهم بخلق آخر ولم يمتنع عليه ذلك كما قال :\r{ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بمتعذر أو متعسر فإنه قادر لذاته لا اختصاص له بمقدور دون مقدور ، ومن كان هذا شأنه كان حقيقاً بأن يؤمن به ويعبد رجاء لثوابه وخوفاً من عقابه يوم الجزاء .","part":3,"page":256},{"id":1257,"text":"{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } أي يبرزون من قبورهم يوم القيامة لأمر الله تعالى ومحاسبته ، أو { لِلَّهِ } على ظنهم فإنهم كانوا يخفون ارتكاب الفواحش ويظنون أنها تخفى على الله تعالى ، فإذا كان يوم القيامة انكشفوا لله تعالى عند أنفسهم ، وإنما ذكر بلفظ الماضي لتحقق وقوعه . { فَقَالَ الضعفاء } الأتباع جمع ضعيف يريد به ضعاف الرأي ، وإنما كتبت بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو . { لِلَّذِينَ استكبروا } لرؤوسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم . { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } في تكذيب الرسل والاعراض عن نصائحهم ، وهو جمع تابع كغائب وغيب ، أو مصدر نعت به للمبالغة أو على إضمار مضاف . { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا } دافعون عنا . { مِنْ عَذَابِ الله مِنْ شَىْءٍ } من الأولى للبيان واقعة موقع الحال ، والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله ، ويجوز أن تكونا للتبعيض أي بعض شيء هو بعض عذاب الله ، والإِعراب ما سبق ويحتمل أن تكون الأولى مفعولاً والثانية مصدراً ، أي فهل أنتم مغنون بعض العذاب بعض الإِغناء . { قَالُواْ } أي الذين استكبروا جواباً عن معاتبة الأتباع واعتذاراً عما فعلوا بهم . { لَوْ هَدَانَا الله } للإيمان ووفقنا له . { لَهَدَيْنَاكُمْ } ولكن ضللنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، أو لو هدانا الله طريق النجاة من العذاب لهديناكم وأغنيناه عنكم كما عرضناكم له ، لكن سد دوننا طريق الخلاص . { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا } مستويان علينا الجزع والصبر . { مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } منجى ومهرب من العذاب ، من الحيص وهو العدل على جهة الفرار ، وهو يحتمل أن يكون مكاناً كالمبيت ومصدراً كالمغيب ، ويجوز أن يكون قوله { سَوَاء عَلَيْنَا } من كلام الفريقين ويؤيده ما روي أنهم يقولون : تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم ، فيقولون تعالوا نصبر فيصبرون كذلك ثم يقولون { سَوَاء عَلَيْنَا } .","part":3,"page":257},{"id":1258,"text":"{ وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِىَ الأمر } أحكم وفرغ منه ودخل أهل الجنة الجنّة وأهل النار النار خطيباً في الأشقياء من الثقلين . { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } وعداً من حقه أن ينجزه أو وعداً أنجزه وهو الوعد بالبعث والجزاء . { وَوَعَدتُّكُمْ } وعد الباطل وهو أن ألا بعث ولا حساب وإن كانا فالأصنام تشفع لكم . { فَأَخْلَفْتُكُمْ } جعل تبين خلف وعده كالاخلاف منه . { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّنْ سلطان } تسلط فألجئكم إلى الكفر والمعاصي . { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } إلا دعائي إياكم إليها بتسويلي وهو ليس من جنس السلطان ولكنه على طريقة قولهم :\rتحية بينهم ضرب وجيع ... ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً . { فاستجبتم لِى } أسرعتم إجابتي . { فَلاَ تَلُومُونِى } بوسوستي فإن من صرح العداوة لا يلام بأمثال ذلك . { وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث أطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم لما دعاكم ، واحتجت المعتزلة بأمثال ذلك على استقلال العبد بأفعاله وليس فيها ما يدل عليه ، إذ يكفي لصحتها أن يكون لقدرة العبد مدخل ما في فعله وهو الكسب الذي يقوله أصحابنا . { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } بمغيثكم من العذاب . { وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } بمغيثي وقرأ حمزة بكسر الياء على الأصل في التقاء الساكنين ، وهو أصل مرفوض في مثله لما فيه . من اجتماع ياءين وثلاث كسرات مع أن حركة ياء الإضافة الفتح ، فإذا لم تكسر وقبلها ألف فبالحري أن لا تكسر وقبلها ياء ، أو على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراء لها مجرى الهاء والكاف في : ضربته ، وأعطيتكه ، وحذف الياء اكتفاء بالكسرة . { إِنِّى كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ } «ما» إما مصدرية و { مِنْ } متعلقة بأشركتموني أي كفرت اليوم بإشراككم إياي من قبل هذا اليوم أي في الدنيا بمعنى تبرأت منه واستنكرته كقوله : { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } أو موصولة بمعنى من نحو ما في قولهم : سبحان ما سخركن لنا ، و { مِنْ } متعلقة ب { كَفَرْتُ } أي كفرت بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى بطاعتكم إياي فيما دعوتكم إليه من عبادة الأصنام وغيرها من قبل إشراككم ، حين رددت أمره بالسجود لآدم E وأشرك منقول من شركت زيداً للتعدية إلى مفعول ثان . { إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تتمة كلامه أو ابتداء كلام من الله تعالى وفي حكاية أمثال ذلك لطف للسامعين وإيقاظ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبروا عواقبهم .","part":3,"page":258},{"id":1259,"text":"{ وَأُدْخِلَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } بإذن الله تعالى وأمره والمدخلون هم الملائكة . وقرىء { وَأُدْخِلَ } على التكلم فيكون قوله : { بِإِذْنِ رَبِّهِمْ } متعلقاً بقوله : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } أي تحييهم الملائكة فيها بالسلام بإذن ربهم .","part":3,"page":259},{"id":1260,"text":"{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً } كيف اعتمده ووضعه . { كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ } أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة ، وهو تفسير لقوله { ضَرَبَ الله مَثَلاً } ، ويجوز أن تكون { كَلِمَةَ } بدلاً من { مَثَلاً } و { كَشَجَرَةٍ } صفتها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي { كَشَجَرَةٍ } ، وأن تكون أول مفعولي ضرب إجراء له مجرى جعل وقد قرئت بالرفع على الابتداء . { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } في الأرض ضارب بعروقه فيها . { وَفَرْعُهَا } وأعلاها . { فِى السماء } ويجوز أن يريد وفروعها أي أفنائها على الاكتفاء بلفظ الجنس لاكتسابه الاستغراق من الإضافة . وقرىء «ثابت أصلها» والأول على أصله ولذلك قيل إنه أقوى ولعل الثاني أبلغ .","part":3,"page":260},{"id":1261,"text":"{ تُؤْتِى أُكُلَهَا } تعطي ثمرها . { كُلَّ حِينٍ } وقته الله تعالى لإِثمارها . { بِإِذْنِ رَبِّهَا } بإرادة خالقها وتكوينه . { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير ، فإنه تصوير للمعاني وإدناء لها من الحس .","part":3,"page":261},{"id":1262,"text":"{ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ } كمثل شجرة خبيثة { اجتثت } استؤصلت وأخذت جثتها بالكلية . { مِن فَوْقِ الأرض } لأن عروقها قريبة منه . { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } استقرار . واختلف في الكلمة والشجرة ففسرت الكلمة الطيبة : بكلمة التوحيد ودعوة الإسلام والقرآن ، والكلمة الخبيثة بالشرك بالله تعالى والدعاء إلى الكفر وتكذيب الحق ، ولعل المراد بهما ما يعم ذلك فالكلمة الطيبة ما أعرب عن حق أو دعا إلى صلاح ، والكلمة الخبيثة ما كان على خلاف ذلك وفسرت الشجرة الطيبة بالنخلة . وروي ذلك مرفوعاً وبشجرة في الجنة ، والخبيثة بالحنظلة والكشوث ، ولعل المراد بهما أيضاً ما يعم ذلك . { يُثَبِّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم { فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فلا يزالون إذا فتنوا في دينهم كزكريا ويحيى عليهما السلام وجرجيس وشمعون والذين فتنهم أصحاب الأخدود . { وَفِي الأخرة } فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف ، ولا تدهشهم أهوال يوم القيامة . وروي ( « أنه A ذكر قبض روح المؤمن فقال : ثم تعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه في قبره ويقولان له : من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلام ، ونبيي محمد A ، فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي » فذلك قوله : { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } . { وَيُضِلُّ الله الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالاقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق ولا يثبتون في مواقف الفتن . { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاءُ } من تثبيت بعض وإضلال آخرين من غير اعتراض عليه .","part":3,"page":262},{"id":1263,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَتَ الله كُفْرًا } أي شكر نعمته كفراً بأن وضعوه مكانه ، أو بدلوا نفس النعمة كفراً ، فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين للكفر بدلها كأهل مكة ، خلقهم الله تعالى وأسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته ووسع عليهم أبواب رزقه وشرفهم بمحمد A ، فكفروا ذلك فقحطوا سبع سنين وأسروا وقتلوا يوم بدر وصاروا أذلاء ، فبقوا مسلوبي النعمة وموصوفين بالكفر ، وعن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما : هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية ، فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين . { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ } الذين شايعوهم في الكفر . { دَارَ البوار } دار الهلاك بحملهم على الكفر .","part":3,"page":263},{"id":1264,"text":"{ جَهَنَّمَ } عطف بيان لها . { يَصْلَوْنَهَا } حال منها أو من القوم ، أي داخلين فيها مقاسين لحرها ، أو مفسر لفعل مقدر ناصب لجهنم . { وَبِئْسَ القرار } أي وبئس المقر جهنم .","part":3,"page":264},{"id":1265,"text":"{ وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ } الذي هو التوحيد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب بفتح الياء ، وليس الضلال ولا الاضلال غرضهم في اتخاذ الأنداد لكن لما كان نتيجته جعل كالغرض . { قُلْ تَمَتَّعُواْ } بشهواتكم أو بعبادة الأوثان فإنها من قبيل الشهوات التي يتمتع بها ، وفي التهديد بصيغة الأمر إيذان بأن المهدد عليه كالمطلوب لافضائه إلى المهدد به ، وأن الأمرين كائنان لا محالة ولذلك علله بقوله : { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } وأن المخاطب لانهماكه فيه كالمأمور به من آمر مطاع .","part":3,"page":265},{"id":1266,"text":"{ قُل لِّعِبَادِىَ الذين ءَامَنُواْ } خصهم بالإضافة تنويهاً لهم وتنبيهاً على أنهم المقيمون لحقوق العبودية ، ومفعول { قُلْ } محذوف يدل عليه جوابه : أي قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا . { يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } فيكون إيذاناً بأنهم لفرط مطاوعتهم للرسول A بحيث لا ينفك فعلهم عن أمره ، وأنه كالسبب الموجب له ، ويجوز أن يقدرا بلام الأمر ليصح تعلق القول بهما وإنما حسن ذلك ها هنا ولم يحسن في قوله :\rمُحَمَّدٌ تفد نَفْسَكَ كُلُّ نَفْس ... إِذَا مَا خفت مِنْ أَمْرٍ تَبَالاَ\rلدلالة قل عليه . وقيل هما جواباً أقيموا وأنفقوا مقامين مقامهما ، وهو ضعيف لأنه لا بد من مخالفة ما بين الشرط وجوابه ولأن أمر المواجهة لا يجاب بلفظ الغيبة إذا كان الفاعل واحداً . { سِرًّا وَعَلاَنِيَةً } منتصبان على المصدر أي إنفاق سر وعلانية ، أو على الحال أي ذوي سر وعلانية ، أو على الظرف أي وقتي سر وعلانية ، والأحب إعلان الواجب وإخفاء المتطوع به . { مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدى به نفسه . { وَلاَ خلال } ولا مخالة فيشفع لك خليل ، أو من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه بمبايعة ولا مخالة وإنما ينتفع فيه بالانفاق لوجه الله تعالى . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بالفتح فيهما على النفي العام .\r{ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض } مبتدأ وخبر { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَكُمْ } تعيشون به وهو يشمل المطعوم والملبوس مفعول لأخرج و { مِنَ الثمرات } بيان له وحال منه ويحتمل عكس ذلك ويجوز أن يراد به المصدر فينتصب بالعلة ، أو المصدر لأن أخرج في معنى رزق . { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِى البحر بِأَمْرِهِ } بمشيئته إلى حيث توجهتم . { وَسَخَّرَ لَكُمْ الأنهار } فجعلها معدة لانتفاعكم وتصرفكم وقيل تسخير هذه الأشياء تعليم كيفية اتخاذها .\r{ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَين } يدأبان في سيرهما وإنارتهما وإصلاح ما يصلحانه من المكونات . { وَسَخَّر لَكُمُ اليل والنهار } يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم . { وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي بعض جميع ما سألتموه يعني من كل شيء سألتموه شيئاً ، فإن الموجود من كل صنف بعض ما في قدرة الله تعالى ، ولعل المراد ب { مَا سَأَلْتُمُوهُ } ما كان حقيقاً بأن يسأل لاحتياج الناس إليه سئل أو لم يسأل ، وما يحتمل أن تكون موصولة وموصوفة ومصدرية ويكون المصدر بمعنى المفعول . وقرىء { مِنْ كُلِّ } بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال ، ويجوز أن تكون «ما» نافية في موقع الحال أي وآتاكم من كل شيء غير سائليه .","part":3,"page":266},{"id":1267,"text":"{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا } لا تحصروها ولا تطيقوا عد أنواعها فضلاً عن أفرادها ، فإنها غير متناهية . وفيه دليل على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإِضافة . { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ } يظلم النعمة بإغفال شكرها ، أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان . { كَفَّارٌ } شديد الكفران . وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع كفار في النعمة يجمع ويمنع .\r{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبِّ اجعل هذا البلد } بلدة مكة . { آمِناً } ذا أمن لمن فيها ، والفرق بينه وبين قوله : { اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } أن المسؤول في الأول إزالة الخوف عنه وتصييره آمناً ، وفي الثاني جعله من البلاد الآمنة . { واجنبنى وَبَنِىَّ } بعدني وإياهم ، { أَن نَّعْبُدَ الأصنام } واجعلنا منها في جانب وقرىء { واجنبنى } وهما على لغة نجد وأما أهل الحجاز فيقولون جنبني شره . وفيه دليل على أن عصمة الأنبياء بتوفيق الله وحفظه إياهم وهو بظاهره ، لا يتناول أحفاده وجميع ذريته . وزعم ابن عيينة أن أولاد إسماعيل E لم يعبدوا الصنم محتجاً به وإنما كانت لهم حجارة يدورون بها ويسمونها الدوار ويقولون البيت حجر فحيثما نصبنا حجراً فهو بمنزلته .\r{ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ الناس } فلذلك سألت منك العصمة واستعذت بك من إضلالهن ، وإسناد الإِضلال إليهن باعتبار السببية كقوله تعالى : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } . { فَمَن تَبِعَنِى } على ديني . { فَإِنَّهُ مِنِّى } أي بعضي لا ينفك في أمر الدين . { وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تقدر أن تغفر له وترحمه ابتداء ، أو بعد التوفيق للتوبة . وفيه دليل على أن كل ذنب فلِلَّهِ أن يغفره حتى الشرك إلا أن الوعيد فرق بينه وبين غيره .\r{ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى } أي بعض ذريتي أو ذرية من ذريتي فحذف المفعول وهم إسماعيل ومن ولد منه قال إسكانه متضمن لإسكانهم . { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } يعني وادي مكة فإنها حجرية لا تنبت . { عِندَ بَيْتِكَ المحرم } الذي حرمت التعرض له والتهاون به ، أو لم يزل معظماً ممنعاً يهابه الجبابرة ، أو منع منه الطوفان فلم يستول عليه ولذلك سمي عتيقاً أي أعتق منه . ولو دعا بهذا الدعاء أول ما قدم فلعله قال ذلك باعتبار ما كان أو ما سيؤول إليه . روي أن هاجر كانت لسارة Bها فوهبتها لإبراهيم عليه السلام فولدت منه إسماعيل عليه السلام ، فغارت عليهما فناشدته أن يخرجهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكة فأظهر الله عين زمزم ، ثم إن جرهم رأوا ثم طيوراً فقالوا لا طير إلا على الماء ، فقصدوه فرأوهما وعندهما عين فقالوا أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ففعلت . { رَّبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ } اللام لام كي وهي متعلقة ب { أَسْكَنتُ } أي ما أسكنتهم بهذا الوادي البلقع من كل مرتفق ومرتزق إلا لإقامة الصلاة عند بيتك المحرم . وتكرير النداء وتوسيطه للاشعار بأنها المقصودة بالذات من إسكانهم ثمة ، والمقصود من الدعاء توفيقهم لها .","part":3,"page":267},{"id":1268,"text":"وقيل لام الأمر والمراد هو الدعاء لهم بإقامة الصلاة كأنه طلب منهم الإِقامة وسأل من الله تعالى أن يوفقهم لها . { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس } أي أفئدة من أفئدة الناس ، و { مِنْ } للتبعيض ولذلك قيل لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس والروم ولحجت اليهود والنصارى ، أو للابتداء كقولك : القلب مني سقيم أي أفئدة ناس . وقرأ هشام «أفئيدة» بخلف عنه بياء بعد الهمزة . وقرىء «آفدة» وهو يحتمل أن يكون مقلوب «أفئدة» كآدر في أدؤر وأن يكون اسم فاعل من أفدت الرحلة إذا عجلت أي جماعة يعجلون نحوهم «وأفدة» بطرح الهمزة للتخفيف ، وإن كان الوجه فيه إخراجهما بين ويجوز أن يكون من أفد . { تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تسرع إليهم شوقاً ووداداً . وقرىء { تهوى } على البناء للمفعول من أهوى إليه غيره و { تهوى } من هوى يهوي إذا أحب ، وتعديته بإلى لتضمنه معنى النزوع . { وارزقهم مِّنَ الثمرات } مع سكناهم وادياً لا نبات فيه . { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } تلك النعمة ، فأجاب الله D دعوته فجعله حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء حتى توجد فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد .","part":3,"page":268},{"id":1269,"text":"{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } تعلم سرنا كما تعلم علننا ، والمعنى إنك أعلم بأحوالنا ومصالحنا وأرحم بنا منا بأنفسنا ، فلا حاجة لنا إلى الطلب لكنا ندعوك إظهاراً لعبوديتك وافتقاراً إلى رحمتك واستعجالاً لنيل ما عندك . وقيل ما نخفي من وجد الفرقة وما نعلن من التضرع إليك والتوكل عليك ، وتكرير النداء للمبالغة في التضرع واللجأ إلى الله تعالى . { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْءٍ فَى الأرض وَلاَ فِى السماء } لأنه العالم بعلم ذاتي يستوي نسبته إلى كل معلوم ، ومن للاستغراق .","part":3,"page":269},{"id":1270,"text":"{ الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر } أي وهب لي وأنا كبير آيس من الولد ، قيد الهبة بحال الكبر استعظاماً للنعمة وإظهاراً لما فيها من آلائه . { إسماعيل وإسحاق } . روي أنه ولد له إسماعيل لتسع وتسعين سنة وإسحاق لمائة واثنتي عشرة سنة . { إِنَّ رَبِّى لَسَمِيعُ الدعاء } أي لمجيبه من قولك سمع الملك كلامي إذا اعتد به ، وهو من أبنية المبالغة العاملة عمل الفعل أضيف إلى مفعوله أو فاعله على إسناد السماع إلى دعاء الله تعالى على المجاز ، وفيه إشعار بأنه دعا ربه وسأل منه الولد فأجابه ووهب له سؤله حين ما وقع اليأس منه ليكون من أجل النعم وأجلاها .","part":3,"page":270},{"id":1271,"text":"{ رَبِّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة } معدلاً لها موَاظباً عليها . { وَمِن ذُرِّيَّتِى } عطف على المنصوب في { اجعلنى } ، والتبعيض لعلمه بإعلام الله أو استقراء عادته في الأمم الماضية أن يكون في ذريته كفار . { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء } واستجب دعائي أو وتقبل عبادتي .","part":3,"page":271},{"id":1272,"text":"{ رَبَّنَا اغفر لِى وَلِوَالِدَىَّ } وقرىء «ولأبويّ» ، وقد تقدم عذر استغفاره لهما . وقيل أراد بهما آدم وحواء . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب } يثبت مستعار من القيام على الرجل كقولهم : قامت الحرب على ساق ، أو يقوم إليه أهله فحذف المضاف أو أسند إليه قيامهم مجازاً .","part":3,"page":272},{"id":1273,"text":"{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } خطاب لرسول الله A ، والمراد به تثبيته على ما هو عليه من أنه تعالى مطلع على أحوالهم وأفعالهم لا يخفى عليه خافية ، والوعيد بأنه معاقبهم على قليله وكثيره لا محالة ، أو لكل من توهم غفلته جهلاً بصفاته واغتراراً بإمهاله . وقيل إنه تسلية للمظلوم وتهديد للظالم . { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ } يؤخر عذابهم وعن أبي عمرو بالنون . { لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } أي تشخص فيه أبصارهم فلا تقر في أماكنها من هول ما ترى .\r{ مُهْطِعِينَ } أي مسرعين إلى الداعي ، أو مقبلين بأبصارهم لا يطرفون هيبة وخوفاً ، وأصل الكلمة هو الإِقبال على الشيء . { مُقْنِعِى رُؤُوسِهِمْ } رافعيها . { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } بل تثبت عيونهم شاخصة لا تطرف ، أو لا يرجع إليهم نظرهم فينظروا إلى أنفسهم . { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ } خلاء أي خالية عن الفهم لفرط الحيرة والدهشة ، ومنه يقال للأحمق وللجبان قلبه هواء أي لا رأي فيه ولا قوة قال زهير :\rمن الظلمان جؤجؤه هواء ... وقيل خالية عن الخير خاوية عن الحق . { وَأَنذِرِ الناس } يا محمد . { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } يعني يوم القيامة ، أو يوم الموت فإنه أول أيام عذابهم ، وهو مفعول ثان ل { أُنذر } . { فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ } بالشرك والتكذيب . { رَبَّنَا أَخِّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أخر العذاب عنا أو ردنا إلى الدنيا وأمهلنا إلى حد من الزمان قريب ، أو أخر آجالنا وأبقنا مقدار ما نؤمن بك ونجيب دعوتك . { نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل } جواب للأمر ونظيره { لَوْلا أَخَّرْتَنِى إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين } { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّنْ زَوَالٍ } على إرادة القول و { مَا لَكُمْ } جواب القسم جاء بلفظ الخطاب على المطابقة دون الحكاية ، والمعنى أقسمتم أنكم باقون في الدنيا لا تزالون بالموت ، ولعلهم أقسموا بطراً وغروراً أو دل عليه حالهم حيث بنوا شديداً وأملوا بعيداً . وقيل أقسموا أنهم لا ينتقلون إلى دار أخرى وأنهم إذا ماتوا لا يزالون على تلك الحالة إلى حالة أخرى كقوله : { وَأَقْسَمُواْ بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت } { وَسَكَنتُمْ فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر والمعاصي كعاد وثمود ، وأصل سكن أن يعدى بفي كقرَّ وغني وأقام ، وقد يستعمل بمعنى التبوّء فيجري مجراه كقولك سكنت الدار . { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } بما تشاهدونه في منازلهم من آثار ما نزل بهم وما تواتر عندكم من أخبارهم . { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال } من أحوالهم أي بينا لكم أنكم مثلهم في الكفر واستحقاق العذاب ، أو صفات ما فعلوا وفعل بهم التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبة .\r{ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } المستفرغ فيه جهدهم إبطال الحق وتقرير الباطل .","part":3,"page":273},{"id":1274,"text":"{ وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } ومكتوب عنده فعلهم فهو مجازيهم عليه ، أو عنده ما يمكرهم به جزاء لمكرهم وإبطالاً له . { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } في العظم والشدة . { لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } مسوى لإزالة الجبال . وقيل إن نافية واللام مؤكدة لها كقوله : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ } على أن الجبال مثل لأمر النبي A ونحوه . وقيل مخففة من الثقيلة والمعنى أنهم مكروا ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتاً وتمكناً من آيات الله تعالى وشرائعه . وقرأ الكسائي { لَتَزُولَ } بالفتح والرفع على أنها المخففة واللام هي الفاصلة ، ومعناه تعظيم مكرهم . وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرىء و «إن كاد مكرهم» .\r{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } مثل قوله : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } { كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } وأصله مخلف رسله وعده فقدم المفعول الثاني إيذاناً بأنه لا يخلف الوعد أصلاً كقوله : { إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد } وإذا لم يخلف وعده أحداً فكيف يخلف رسله . { إِنَّ الله عَزِيزٌ } غالب لا يماكر قادر لا يدافع . { ذُو انتقام } لأوليائه من أعدائه .","part":3,"page":274},{"id":1275,"text":"{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } بدل من { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ } أو ظرف للانتقام ، أو مقدر باذكر أو لا يخلف وعده . ولا يجوز أن ينتصب بمخلف لأن ما قبل أن لا يعمل فيما بعده . { وَالسَّمَواتِ } عطف على الأرض وتقديره والسموات غير السموات ، والتبديل يكون في الذات كقولك : بدلت الدراهم دنانير وعليه قوله : { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } وفي الصفة كقولك بدلت الحلقة خاتماً إذا أذبتها وغيرت شكلها ، وعليه قوله : { يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } والآية تحتملهما ، فعن علي رضي الله تعالى عنه : تبدل أرضاً من فضة وسموات من ذهب ، وعن ابن مسعود وأنس رضي الله تعالى عنهما : يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطىء عليها أحد خطيئة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها . ويدل عليه ما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه E قال : « تبدل الأرض غير الأرض فتبسط وتمد مد الأديم العكاظي » { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } اعلم أنه لا يلزم على الوجه الأول أن يكون الحاصل بالتبديل أرضاً وسماء على الحقيقة ، ولا يبعد على الثاني أن يجعل الله الأرض جهنم والسموات الجنة على ما أشعر به قوله تعالى : { كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ } وقوله : { إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ } { وَبَرَزُواْ } من أجداثهم { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } لمحاسبته ومجازاته ، وتوصيفه بالوصفين للدلالة على أن الأمر في غاية الصعوبة كقوله : { لمنِ الملك اليوم للهِ الواحد القهار } فإن الأمر إذا كان لواحد غلاب لا يغالب فلا مستغاث لأحد إلى غيره ولا مستجار .","part":3,"page":275},{"id":1276,"text":"{ وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ } قرن بعضهم مع بعض بحسب مشاركتهم في العقائد والأعمال كقوله : { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } أو قرنوا مع الشياطين أو مع ما اكتسبوا من العقائد الزائغة والملكات الباطلة ، أو قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وهو يحتمل أن يكون تمثيلاً لمؤاخذتهم على ما اقترفته أيديهم وأرجلهم . { فِى الأصفاد } متعلق ب { مُقْرِنِينَ } أو حال من ضميره ، والصفد القيد . وقيل الغل قال سلامة بن جندل :\rوَزَيْدُ الخَيْل قَدْ لاَقَى صِفَاداً ... يَعضُّ بِسَاعِدٍ وَبِعَظْمٍ سَاقَ\rوأصله الشد","part":3,"page":276},{"id":1277,"text":"{ سَرَابِيلُهُم } قمصانهم . { مِّن قَطِرَانٍ } وجاء قطران لغتين فيه ، وهو ما يتحلب من الأبهل فيطبخ فتهنأ به الإِبل الجربى فيحرق الجرب بحدته ، وهو أسود منتن تشتعل فيه النار بسرعة تطلى به جلود أهل النار حتى يكون طلاؤه لهم كالقمص ، ليجتمع عليهم لذع القطران ووحشة لونه ونتن ريحه مع إسراع النار في جلودهم ، على أن التفاوت بين القطرانين كالتفاوت بين النارين ، ويحتمل أن يكون تمثيلاً لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديئة والهيئات الوحشية فيجلب إليها أنواعاً من الغموم والآلام ، وعن يعقوب { قطرآن } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره ، والجملة حال ثانية أو حال من الضمير في { مُقْرِنِينَ } . { وتغشى وُجُوهَهُمُ النار } وتتغشاها لأنهم لم يتوجهوا بها إلى الحق ولم يستعملوا في تدبره مشاعرهم وحواسهم التي خلقت فيها لأجله ، كما تطلع على أفئدتهم لأنها فارغة عن المعرفة مملوءة بالجهالات ونظيره قوله تعالى : { أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة } وقوله تعالى : { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِم } { لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ } أي يفعل بهم ذلك ليجزي كل نفس مجرمة . { مَّا كَسَبَتْ } أو كل نفس من مجرمة أو مطيعة لأنه إذا بين أن المجرمين يعاقبون لإجرامهم علم أن المطيعين يثابون لطاعتهم ، ويتعين ذلك أن علق اللام ب { بَرَزُواْ } . { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } لأنه لا يشغله حساب عن حساب .\r{ هذا } إشارة إلى القرآن أو السورة أو ما فيه العظة والتذكير أو ما وصفه من قوله : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله } { بلاغ لّلنَّاسِ } كفاية لهم في الموعظة . { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } عطف على محذوف أي لينصحوا ولينذروا بهذا البلاغ ، فتكون اللام متعلقة بالبلاغ ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف تقديره : ولينذروا به أنزل أو تلي . وقرىء بفتح الياء من نذر به إذا علمه واستعدله .\r{ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } بالنظر والتأمل فيما فيه من الآيات الدالة عليه أو المبهة على ما يدل عليه { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } فيرتدعوا عما يرديهم ويتدرعوا بما يحظيهم ، واعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر لهذا البلاغ ثلاث فوائد هي الغاية والحكمة في إنزال الكتب ، تكميل الرسل للناس ، واستكمال القوة النظرية التي منتهى كمالها التوحيد ، واستصلاح القوة العملية الذي هو التدرع بلباس التقوى ، جعلنا الله تعالى من الفائزين بهما . وعن النبي A « من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وعدد من لم يعبدها » .","part":3,"page":277},{"id":1278,"text":"وهي تسع وتسعون\rآية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ الرَ تِلْكَ ءايات الكتاب وَقُرْءانٍ مُّبِينٍ } الإِشارة إلى آيات السورة و { الكتاب } هو السورة ، وكذا القرآن وتنكيره للتفخيم أي آيات الجامع لكونه كتاباً كاملاً وقُرآناً يبين الرشد من الغي بياناً غريباً .","part":3,"page":278},{"id":1279,"text":"{ رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } حين عاينوا حال المسلمين عند نزول النصر أو حلول الموت أو يوم القيامة . وقرأ نافع وعاصم { ربما } بالتخفيف ، وقرىء { ربما } بالفتح والتخفيف وفيه ثمان لغات ضم الراء وفتحها مع التشديد والتخفيف وبتاء التأنيث ودونها ، وما كافة تكفه عن الجر فيجوز دخوله على الفعل وحقه أن يدخل الماضي لكن لما كان المترقب في أخبار الله تعالى كالماضي في تحققه أجرى مجراه . وقيل : ما نكرة موصوفة كقوله :\rرُبَّمَا تَكْرَهُ النُّفُوسُ مِنَ الأَمْ ... ر لَهُ فُرْجَةً كَحلِّ العِقَالِ\rومعنى التقليل فيه بالإِيذان بأنهم لو كانوا يودون الإِسلام مرة فبالحري أن يسارعوا إليه ، فكيف وهم يودونه كل ساعة . وقيل تدهشهم أهوال القيامة فإن حانت منهم إفاقة في بعض الأوقات تمنوا ذلك ، والغيبة في حكاية ودادتهم كالغيبة في قولك : حلف بالله ليفعلن .","part":3,"page":279},{"id":1280,"text":"{ ذَرْهُمْ } دعهم . { يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } بدنياهم . { وَيُلْهِهِمُ الأمل } ويشغلهم توقعهم لطول الأعمار واستقامة الأحوال عن الاستعداد للمعاد . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } سوء صنيعهم إذا عاينوا جزاءه ، والغرض إقناط الرسول A من ارعوائهم وإيذانه بأنهم من أهل الخذلان ، وإن نصحهم بعد اشتغال بما لا طائل تحته ، وفيه إلزام للحجة وتحذير عن ايثار التنعم وما يؤدي إليه طول الأمل .","part":3,"page":280},{"id":1281,"text":"{ وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كتاب مَّعْلُومٌ } أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ ، والمستثنى جملة واقعة صفة لقرية ، والأصل أن لا تدخلها الواو كقوله : { إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } ولكن لما شابهت صورتها الحال أدخلت تأكيداً للصوقها بالموصوف .","part":3,"page":281},{"id":1282,"text":"{ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأخِرُونَ } أي وما يستأخرون عنه ، وتذكير ضمير { أُمَّةٍ } فيه للحمل على المعنى .\r{ وَقَالُواْ يا أَيُّهَا الذى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر } نادوا به النبي A على التهكم ، ألا ترى إلى ما نادوه له وهو قولهم . { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } ونظير ذلك قول فرعون : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } والمعنى إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر ، أي القرآن .\r{ لَّوْ مَا تَأْتِينَا } ركب { لَوْ } مع { مَا } كما ركبت مع لا لمعنيين امتناع الشيء لوجود غيره والتحضيض . { بالملئكة } ليصدقوك ويعضدوك على الدعوة كقوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } أو للعقاب على تكذيبنا لك كما أتت الأمم المكذبة قبل . { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك .\r{ مَا يُنَزِّلُ الملائكة } بالياء ونصب { الملائكة } على أن الضمير لله تعالى . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون وأبو بكر بالتاء والبناء للمفعول ورفع { الملائكة } . وقرىء { تنَزل } بمعنى تتنزل . { إِلاَّ بالحق } إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق أي بالوجه الذي قدره واقتضته حكمته ، ولا حكمة في أن تأتيكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لبساً ، ولا في معاجلتكم بالعقوبة فإن منكم ومن ذراريكم من سبقت كلمتنا له بالإِيمان . وقيل الحق الوحي أو العذاب . { وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } { إِذَاً } جواب لهم وجزاء لشرط مقدر أي ولو نزلنا الملائكة ما كانوا منظرين .\r{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } رد لإِنكارهم واستهزائهم ولذلك أكده من وجوه وقرره بقوله : { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } أي من التحريف والزيادة والنقص بأن جعلناه معجزاً مبايناً لكلام البشر ، بحيث لا يخفى تغيير نظمه على أهل اللسان ، أو نفي تطرق الخلل إليه في الدوام بضمان الحفظ له كما نفى أن يطعن فيه بأنه المنزل له . وقيل الضمير في { لَهُ } للنبي A .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى شِيَعِ الأولين } في فرقهم ، جمع شيعة وهي الفرقة المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه ، وأصله الشياع وهو الحطب الصغار توقد به الكبار ، والمعنى نبأنا رجالاً فيهم وجعلناهم رسلاً فيما بينهم .","part":3,"page":282},{"id":1283,"text":"{ وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } كما يفعل هؤلاء ، وهو تسلية للنبي E و { مَا } للحال لا يدخل إلا مضارعاً بمعنى الحال ، أو ماضياً قريباً منه وهذا على حكاية الحال الماضية .","part":3,"page":283},{"id":1284,"text":"{ كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ } ندخله . { فِى قُلُوبِ المجرمين } والسلك إدخال الشيء في الشيء كالخيط في المخيط ، والرمح في المطعون والضمير للاستهزاء . وفيه دليل على أن الله يوجد الباطل في قلوبهم . وقيل ل { الذكر } فإن الضمير الآخر في قوله :","part":3,"page":284},{"id":1285,"text":"{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } له وهو خال من هذا الضمير ، والمعنى مثل ذلك السلك نسلك الذكر في قلوب المجرمين مكذباً غير مؤمن به ، أو بيان للجملة المتضمنة له ، وهذا الاحتجاج ضعيف إذ لا يلزم من تعاقب الضمائر توافقها في المرجوع إليه ولا يتعين أن تكون الجملة حالاً من المجرمين ، ولا ينافي كونها مفسرة للمعنى الأول بل يقويه . { وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الاولين } أي سنة الله فيهم بأن خذلهم وسلك الكفر في قلوبهم ، أو بإهلاك من كذب الرسل منهم فيكون وعيداً لأهل مكة .","part":3,"page":285},{"id":1286,"text":"{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } أي على هؤلاء المقترحين . { بَاباً مِنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ } يصعدون إليها ويرون عجائبها طول نهارهم مستوضحين لما يرون ، أو تصعد الملائكة وهم يشاهدونهم .","part":3,"page":286},{"id":1287,"text":"{ لَقَالُواْ } من غلوهم في العناد وتشكيكهم في الحق . { إِنَّمَا سُكِّرَتْ أبصارنا } سدت عن الأبصار بالسحر من السكر ، ويدل عليه قراءة ابن كثير بالتخفيف ، أو حيرت من السكر ويدل عليه قراءة من قرأ { سكرت } . { بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحرنا محمد بذلك كما قالوه عند ظهور غيره من الآيات ، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالة على البت بأن ما يرونه لا حقيقة له بل هو باطل خيل إليهم بنوع من السحر .","part":3,"page":287},{"id":1288,"text":"{ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا } اثني عشر مختلفة الهيئات والخواص على ما دل عليه الرصد والتجربة مع بساطة السماء . { وزيناها } بالأشكال والهيئات البهية . { للناظرين } المعتبرين المستدلين بها على قدرة مبدعها وتوحيد صانعها .","part":3,"page":288},{"id":1289,"text":"{ وحفظناها مِن كُلِّ شيطان رَّجِيمٍ } فلا يقدر أن يصعد إليها ويوسوس إلى أهلها ويتصرف في أمرها ويطلع على أحوالها .","part":3,"page":289},{"id":1290,"text":"{ إِلاَّ مَنِ استرق السمع } بدل من كل شيطان واستراق السمع اختلاسه سراً ، شبه به خطفتهم اليسيرة من قطان السموات لما بينهم من المناسبة في الجوهر أو بالاستدلال من أوضاع الكواكب وحركاتها . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات ، فلما ولد عيسى E منعوا من ثلاث سموات ، فلما ولد محمد A منعوا من كلها بالشهب . ولا يقدح فيه تكونها قبل المولد لجواز أن يكون لها أسباب أخر . وقيل الاستثناء منقطع أي ولكن من استرق السمع . { فَأَتْبَعَهُ } فتبعه ولحقه . { شِهَابٌ مُّبِينٌ } ظاهر للمبصرين ، والشهاب شعلة نار ساطعة ، وقد يطلق للكوكب والسنان لما فيهما من البريق .","part":3,"page":290},{"id":1291,"text":"{ والأرض مددناها } بسطناها . { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } جبالاً ثوابت . { وَأَنبَتْنَا فِيهَا } في الأرض أو فيها وفي الجبال . { مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْزُونٍ } مقدر بمقدار معين تقتضيه حكمته ، أو مستحسن ، مناسب من قولهم كلام موزون ، أو ما يوزن ويقدر أو له وزن أبواب النعمة والمنفعة .","part":3,"page":291},{"id":1292,"text":"{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } تعيشون بها من المطاعم والملابس . وقرىء «معائش» بالهمزة الى التشبيه بشمائل : { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } عطف على { معايش } أو على محل { لَكُمْ } ، ويريد به العيال والخدم والمماليك وسائر ما يظنون أنهم يرزقونهم ظناً كاذباً ، فإن الله يرزقهم وإياهم ، وفذلكة الآية الاستدلال يجعل الأرض ممدودة بمقدار وشكل معينين مختلفة الأجزاء في الوضع محدثة فيها أنواع النبات والحيوان المختلفة خلقة وطبيعة ، مع جواز أن لا تكون كذلك على كمال قدرته وتناهي حكمته ، والتفرد في الألوهية والامتنان على العباد بما أنعم عليهم في ذلك ليوحدوه ويعبدوه ، ثم بالغ في ذلك وقال :\r{ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } أي وما من شيء إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه أضعاف ما وجد منه ، فضرب الخزائن مثلاً لاقتداره أو شبه مقدوراته بالأشياء المخزونة التي لا يحوج إخراجها إلى كلفة واجتهاد . { وَمَا نُنَزِّلُهُ } من بقاع القدرة . { إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } حده الحكمة وتعلقت به المشيئة ، فإن تخصيص بعضها بالإِيجاد في بعض الأوقات مشتملاً على بعض الصفات والحالات لا بد له من مخصص حكيم .\r{ وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ } حوامل ، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم ، أو ملقحات للشجر ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله :\rوَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَوَائِحُ ... وقرىء { وَأَرْسَلْنَا الرياح } على تأويل الجنس . { فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } فجعلناه لكم سقيا . { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين } قادرين متمكنين من إخراجه ، نفى عنهم ما أثبته لنفسه ، أو حافظين في الغدران والعيون والآبار ، وذلك أيضاً يدل على المدبر الحكيم كما تدل حركة الهواء في بعض الأوقات من بعض الجهات على وجه ينتفع به الناس ، فإن طبيعة الماء تقتضي الغور فوقوفه دون حد لا بد له من سبب مخصص .\r{ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِِي } بإيجاد الحياة في بعض الأجسام القابلة لها . { وَنُمِيتُ } بإزالتها وقد أول الحياة بما يعم الحيوان والنبات وتكرير الضمير للدلالة على الحصر . { وَنَحْنُ الوارثون } الباقون إذا مات الخلائق كلها .\r{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين } من استقدم ولادة وموتاً ومن استأخر ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم في الإِسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ، أو تأخر لا يخفى علينا شيء من أحوالكم ، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ، فإن ما يدل على قدرته دليل على علمه . وقيل رغب رسول الله A في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت . وقيل إن امرأة حسناء كانت تصلي خلف رسول الله A فتقدم بعض القوم لئلا ينظر إليها وتأخر بعض ليبصرها فنزلت .","part":3,"page":292},{"id":1293,"text":"{ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } لا محالة للجزاء ، وتوسيط الضمير للدلالة على أنه القادر والمتولي لحشرهم لا غير ، وتصدير الجملة ب { إِنَّ } لتحقيق الوعد والتنبيه على أن ما سبق من الدلالة على كمال قدرته وعلمه بتفاصيل الأشياء يدل على صحة الحكم كما صرح به بقوله : { إِنَّهُ حَكِيمٌ } باهر الحكمة متقن في أفعاله . { عَلِيمٌ } وسع علمه كل شيء .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صلصال } من طين يابس يصلصل أي يصوت إذا نقر . وقيل هو من صلصل إذا أنتن تضعيف صل . { مّنْ حَمَإٍ } طين تغير وأسود من طول مجاورة الماء ، وهو صفة صلصال أي كائن { مِّنْ حَمَإٍ } . { مَّسْنُونٍ } مصور من سنه الوجه ، أو منصوب لييبس ويتصور كالجواهر المذابة تصب في القوالب ، من السن وهو الصب كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف ، فيبس حتى إذا نقر صلصل ، ثم غير ذلك طوراً بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه ، أو منتن من سننت الحجر على الحجر إذا حككته به ، فإن ما يسيل بينهما يكون منتناً ويسمى السنين .\r{ والجآن } أبا الجن . وقيل ابليس ويجوز أن يراد به الجنس كما هو الظاهر من الإِنسان ، لأن تشعب الجنس لما كان من شخص واحد خلق من مادة واحدة كان الجنس بأسره مخلوقاً منها وانتصابه بفعل يفسره . { خلقناه مِن قَبْلُ } من قبل خلق الإنسان . { مِن نَّارِ السموم } من نار الحر الشديد النافذ في المسام ، ولا يمتنع خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا يمتنع خلقها في الجواهر المجردة ، فضلاً عن الأجساد المؤلفة التي الغالب فيها الجزء الناري ، فإنها أقبل لها من التي الغالب فيها الجزء الأرضي ، وقوله : { مّن نَّارٍ } باعتبار الغالب كقوله : { خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } ومساق الآية كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر ، وهو قبول للجمع والإِحياء .\r{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } واذكر وقت قوله : { للملائكة إِنّى خالق بَشَرًا مِّن صلصال مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } . { فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } عدلت خلقته وهيأته لنفخ الروح فيه . { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } حتى جرى آثاره في تجاويف أعضائه فحيي ، وأصل النفخ إجراء الريح في تجويف جسم آخر ، ولما كان الروح يتعلق أولاً بالبخار اللطيف المنبعث من القلب وتفيض عليه الحيوانية فيسري حاملاً لها في تجاويف الشرايين إلى أعماق البدن ، جعل تعلقه بالبدن نفخاً وإضافة الروح إلى نفسه لما مر في «النساء» . { فَقَعُواْ لَهُ } فاسقطوا له . { ساجدين } أمر من وقع يقع .","part":3,"page":293},{"id":1294,"text":"{ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } أكد بتأكيدين للمبالغة في التعميم ومنع التخصيص ، وقيل أكد بالكل للإِحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة ، وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالاً لا تأكيداً .","part":3,"page":294},{"id":1295,"text":"{ إِلاَّ إِبْلِيسَ } إن جعل منقطعاً اتصل به قوله : { أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين } أي ولكن ابليس أبى وإن جعل متصلاً كان استئنافاً على أنه جواب سائل قال هلا سجد .","part":3,"page":295},{"id":1296,"text":"{ قَالَ يَا إِبْلِيسَ مالك أَلاَّ تَكُونَ } أي غرض لك في أن لا تكون . { مَعَ الساجدين } لآدم .","part":3,"page":296},{"id":1297,"text":"{ قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ } اللام لتأكيد النفي أي لا يصح مني وينافي حالي أن أسجد . { لِبَشَرٍ } جسماني كثيف وأنا ملك روحاني . { خَلَقْتَهُ مِن صلصال مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } وهو أخس العناصر وخلقتني من نار وهي أشرفها ، استنقص آدم عليه السلام باعتبار النوع والأصل وقد سبق الجواب عنه في سورة «الأعراف» .","part":3,"page":297},{"id":1298,"text":"{ قَالَ فاخرج مِنْهَا } من السماء أو الجنة أو زمر الملائكة . { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود من الخير والكرامة ، فإن من يطرد يرجم بالحجر أو شيطان يرجم بالشهب ، وهو وعيد يتضمن الجواب عن شبهته .\r{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة } هذا الطرد والإِبعاد . { إلى يَوْمِ الدين } فإنه منتهى أمد اللعن ، فإنه يناسب أيام التكليف ومنه زمان الجزاء وما في قوله : { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } بمعنى آخر ينسى عنده هذه . وقيل إنما حد اللعن به لأنه أبعد غاية يضر بها الناس ، أو لأنه يعذب فيه بما ينسى اللعن معه فيصير كالزائل .\r{ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِى } فأخرني ، والفاء متعلقة بمحذوف دل عليه { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أراد أن يجد فسحة في الإِغواء أو نجاة من الموت ، إذ لا موت بعد وقت البعث فأجابه إلى الأول دون الثاني .\r{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين } { إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } المسمى فيه أجلك عند الله ، أو انقراض الناس كلهم وهو النفخة الأولى عند الجمهور ، ويجوز أن يكون المراد بالأيام الثلاثة يوم القيامة ، واختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات فعبر عنه أولاً بيوم الجزاء لما عرفته وثانياً بيوم البعث ، إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف واليأس عن التضليل ، وثالثاً بالمعلوم لوقوعه في الكلامين ، ولا يلزم من ذلك أن لا يموت فلعله يموت أول اليوم ويبعث مع الخلائق في تضاعيفه ، وهذه المخاطبة وإن لم تكن بواسطة لم تدل على منصب إبليس لأن خطاب الله له على سبيل الإِهانة والإِذلال .\r{ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الباء للقسم وما مصدرية وجوابه . { لأُزَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الأرض } والمعنى أقسم بإغوائك إياي لأزينن لهم المعاصي في الدنيا التي هي دار الغرور كقوله : { أَخْلَدَ إِلَى الأرض } وفي انعقاد القسم بأفعال لله تعالى خلاف . وقيل للسببية والمعتزلة أَوَلُو الاغواء بالنسبة إلى الغي ، أو التسبب له بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام ، أو بالإِضلال عن طريق الجنة واعتذروا عن إمهال الله له ، وهو سبب لزيادة غيه وتسليط له على إغواء بني آدم بأن الله تعالى علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار أمهل أو لم يمهل ، وأن في إمهاله تعريضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب ، وضعف ذلك لا يخفى على ذوي الألباب . { وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } ولأحملنهم أجمعين على الغواية .\r{ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } الذين أخلصتهم لطاعتك وطهرتهم من الشوائب فلا يعمل فيهم كيدي . وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بالكسر في كل القرآن أي الذين أخلصوا نفوسهم لله تعالى .\r{ قَالَ هَذَا صراط عَلَىَّ } حقٌ علي أن أراعيه . { مُّسْتَقِيم } لا انحراف عنه ، والإِشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو تخليص المخلصين من إغوائه ، أو الإِخلاص على معنى أنه طريق { عَلَىَّ } يؤدي إِلى الوصول إليَّ من غير اعوجاج وضلال .","part":3,"page":298},{"id":1299,"text":"وقرىء { على } من علو الشرف .\r{ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } تصديق لإِبليس فيما استثناه وتغيير الوضع لتعظيم { المخلصين } ، ولأن المقصود بيان عصمتهم وانقطاع مخالب الشيطان عنهم ، أو تكذيب له فيما أوهم أن له سلطاناً على من ليس بمخلص من عباده ، فإن منتهى تزيينه التحريض والتدليس كما قال : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } وعلى هذا يكون الاستثناء منقطعاً ، وعلى الأول يدفع قول من شرط أن يكون المستثني أقل من الباقي لإِفضائه إلى تناقض الاستثناءين .\r{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ } لموعد الغاوين أو المتبعين . { أَجْمَعِينَ } تأكيد للضمير أو حال والعامل فيها الموعد إن جعلته مصدراً على تقدير مضاف ، ومعنى الإضافة إن جعلته اسم مكان فإنه لا يعمل .\r{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } يدخلون منها لكثرتهم ، أو طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في المتابعة وهي : جهنم ثم لظى ، ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية ، ولعل تخصيص العدد لانحصار مجامع المهلكات في الركون إلى المحسوسات ومتابعة القوة الشهوية والغضبية ، أو لأن أهلها سبع فرق . { لِكُلّ بَابٍ مِّنْهُمْ } من الأتباع . { جُزْءٌ مَّقْسُومٌ } أفرز له ، فأعلاها للموحدين العصاة ، والثاني لليهود والثالث للنصارى والرابع للصابئين والخامس للمجوس والسادس للمشركين والسابع للمنافقين ، وقرأ أبو بكر { جُزْء } بالتثقيل . وقرىء { جز } على حذف الهمزة وإلقاء حركتها على الزاي ، ثم الوقف عليه بالتشديد ثم إجراء الوصل مجرى الوقف ، ومنهم حال منه أو من المستكن في الظرف لا في { مَّقْسُومٌ } لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفها .\r{ إِنَّ المتقين } من أتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفرة . { فِى جنات وَعُيُونٍ } لكل واحد جنة وعين أو لكل عدة منهما كقوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } ثم قوله : { وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } وقوله : { مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ } الآية ، وقرأ نافع وحفص وأبو عمرو وهشام { وَعُيُونٍ } بضم العين حيث وقع والباقون بكسر العين . { ادخلوها } على إرادة القول ، وقرىء بقطع الهمزة وكسر الخاء على أنه ماض فلا يكسر التنوين . { بِسَلامٍ } سالمين أو مسلماً عليكم . { ءامِنِينَ } من الآفة والزوال .","part":3,"page":299},{"id":1300,"text":"{ وَنَزَعْنَا } في الدنيا بما ألف بين قلوبهم ، أو في الجنة بتطييب نفوسهم . { مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ } من حقد كان في الدنيا وعن علي رضي الله تعالى عنه : أرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير منهم ، أو من التحاسد على درجات الجنة ومراتب القرب . { إِخْوَانًا } حال من الضمير في جنات ، أو فاعل ادخلوها أو الضمير في آمنين أو الضمير المضاف إليه ، والعامل فيها معنى الإِضافة وكذا قوله : { على سُرُرٍ متقابلين } ويجوز أن يكونا صفتين لإِخواناً أو حال من ضميره لأنه بمعنى متصافين ، وأن يكون متقابلين حالاً من المستقر في على سرر .","part":3,"page":300},{"id":1301,"text":"{ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } استئناف أو حال بعد حال ، أو حال من الضمير في متقابلين . { وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } فإن تمام النعمة بالخلود .","part":3,"page":301},{"id":1302,"text":"{ نَبّىءْ عِبَادِى أَنِّى أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الاليم } فذلكة ما سبق من الوعد والوعيد وتقرير له ، وفي ذكر المغفرة دليل على أنه لم يرد بالمتقين من يتقي الذنوب بأسرها كبيرها وصغيرها ، وفي توصيف ذاته بالغفران والرحمة دون التعذيب ترجيح الوعد وتأكيده وفي عطف . { وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } على { نَبِّئ عِبَادِى } تحقيق لهما بما يعتبرون به .\r{ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً أو سلمنا سلاماً . { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } خائفون وذلك لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت ، ولأنهم امتنعوا من الأكل والوجل اضطراب النفس لتوقع ما تكره .","part":3,"page":302},{"id":1303,"text":"{ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } وقرىء «لا تأجل» من أوجله و «لا توجل» من أوجله «ولا تواجل» من واجله بمعنى أوجله . { إِنَّا نُبَشِّرُكَ } استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل ، فإن المبشر لا يخاف منه . وقرأ حمزة نبشرك بفتح النون والتخفيف من البشر . { بغلام } هو إسحاق عليه السلام لقوله : { وبشرناه بإسحاق } { عَلِيمٍ } إذا بلغ .","part":3,"page":303},{"id":1304,"text":"{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى على أَن مَّسَّنِىَ الكبر } تعجب من أن يولد له مع مس الكبر إياه ، أو إنكار لأن يبشر به في مثل هذه الحالة وكذا قوله : { فَبِمَ تُبَشِّرُونَ } أي فبأي أعجوبة تبشرون ، أو فبأي شيء تبشرون فإن البشارة بما لا يتصور وقوعه عادة بشارة بغير شيء ، وقرأ ابن كثير بكسر النون مشددة في كل القرآن على إدغام نون الجمع في نون الوقاية وكسرها وقرأ نافع بكسرها مخففة على حذف نون الجمع استثقالاً لإِجتماع المثلين ودلالة بإبقاء نون الوقاية وكسرها على الياء . { قَالُواْ بشرناك بالحق } بما يكون لا محالة ، أو باليقين الذي لا لبس فيه أو بطريقة هي حق وهو قول الله تعالى وأمره . { فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين } من الآيسين من ذلك فإنه تعالى قادر على أن يخلق بشراً من غير أبوين فكيف من شيخ فان وعجوز عاقر ، وكان استعجاب إبراهيم عليه السلام باعتبار العادة دون القدرة ولذلك :\r{ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون } المخطئون طريق المعرفة فلا يعرفون سعة رحمة الله تعالى وكمال علمه وقدرته كما قال تعالى : { إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلا القَوْمُ الكَافِرُونَ } وقرأ أبو عمرو والكسائي يقنط بالكسر ، وقرىء بالضم وماضيهما قنط بالفتح .\r{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } أي فما شأنكم الذي أرسلتم لأجله سوى البشارة ، ولعله علم أن كمال المقصود ليس البشارة لأنهم كانوا عدداً والبشارة لا تحتاج إلى العدد ، ولذلك اكتفى بالواحد في بشارة زكريا ومريم عليهما السلام ، أو لأنهم بشروه في تضاعيف الحال لإزالة الوجل ولو كانت تمام المقصود لابتدؤوا بها .\r{ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } يعني قوم لوط .\r{ إِلا ءَالَ لُوطٍ } إن كان استثناء من { قَوْمٌ } كان منقطعاً إذ ال { قَوْمٌ } مقيد بالإِجرام وإن كان استثناء من الضمير في { مُّجْرِمِينَ } كان متصلاً ، والقوم والإِرسال شاملين للمجرمين ، و { آلَ لُوطٍ } المؤمنين به وكأن المعنى : إنا أرسلنا إلى قوم أجرم كلهم إلا آل لوط منهم لنهلك المجرمين وننجي آل لوط منهم ، ويدل عليه قوله : { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ } أي مما يعذب به القوم ، وهو استئناف إذا اتصل الاستثناء ومتصل بآل لوط جار مجرى خبر لكن إذا انقطع وعلى هذا جاز أن يكون قوله :\r{ إِلاَّ امرأته } استثناء من { آلًَ لُوطٍ } ، أو من ضميرهم ، وعلى الأول لا يكون إلا من ضميرهم لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يجعل { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } اعتراضاً ، وقرأ حمزة والكسائي { لَمُنْجُوهُمْ } مخففاً . { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } الباقين مع الكفرة لتهلك معهم . وقرأ أبو بكر عن عاصم { قََدَرْنا } هنا وفي «النمل» بالتخفيف ، وإنما علق والتعليق من خواص أفعال القلوب لتضمنه معنى العلم .","part":3,"page":304},{"id":1305,"text":"ويجوز أن يكون { قَدَّرْنَآ } أجري مجرى قلنا لأن التقدير بمعنى القضاء قول ، وأصله جعل الشيء على مقدار غيره وإسنادهم إياه إلى أنفسهم . وهو فعل الله سبحانه وتعالى لما لهم من القرب والاختصاص به .\r{ فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ المرسلون قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } تنكركم نفسي وتنفر عنكم مخافة أن تطرقوني بِشَرٍ .\r{ قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي ما جئناك بما تنكرنا لأجله بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوك ، وهو العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه .\r{ وآتيناك بالحق } باليقين من عذابهم . { وِإِنَّا لصادقون } فيما أخبرناك به .\r{ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } فاذهب بهم في الليل ، وقرأ الحجازيان بوصل الهمزة من السرى وهما بمعنى وقرىء «فسر» من السير . { بِقِطْعٍ مِّنَ اليل } في طائفة من الليل وقيل في آخره قال :\rافتَحِي البَابَ وَانْظُرِي فِي النُّجُوم ... كَمْ عَلَيْنَا مِنْ قِطَعٍ لَيْلٍ بَهِيمِ\r{ واتبع أدبارهم } وكن على أثرهم تذودهم وتسرع بهم وتطلع على حالهم . { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ } لينظر ما وراءه فيرى من الهول ما لا يطيقه أو فيصيبه ما أصابهم أو ولا ينصرف أحدكم ولا يتخلف امرؤ لغرض فيصيبه العذاب . وقيل نهوا عن الالتفات ليوطنوا نفوسهم على المهاجرة . { وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } إلى حيث أمركم الله بالمضي إليه ، وهو الشام أو مصر فعدي { وامضوا } إلى «حَيْثُ تُؤْمَرُون» إلى ضميره المحذوف على الاتساع .\r{ تُؤْمَرُونَ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ } أي وأوحينا إليه مقضياً ، ولذلك عدي بإلى . { ذَلِكَ الامر } مبهم يفسره . { إِنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ } ومحله النصب على البدل منه وفي ذلك تفخيم للآمر وتعظيم له . وقرىء بالكسر على الاستئناف والمعنى : أنهم يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد . { مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصبح وهو حال من هؤلاء ، أو من الضمير في مقطوع وجمعه للحمل على المعنى . ف { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء } في معنى مدبري هؤلاء .","part":3,"page":305},{"id":1306,"text":"{ وَجَآء أَهْلُ المدينة } سدوم . { يَسْتَبْشِرُونَ } بأضياف لوط طمعاً فيهم .","part":3,"page":306},{"id":1307,"text":"{ قَالَ إِنَّ هَؤُلآء ضَيْفِى فَلاَ تَفْضَحُونِ } بفضيحة ضيفي فإن من أسيء إلى ضيفه فقد أسيء إليه .","part":3,"page":307},{"id":1308,"text":"{ واتقوا الله } في ركوب الفاحشة . { وَلاَ تُخْزُونِ } ولا تذلوني بسببهم من الخزي وهو الهوان ، أو لا تخجلوني فيهم من الخزاية وهو الحياء .","part":3,"page":308},{"id":1309,"text":"{ قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين } على أن تجير منهم أحداً أو تمنع بيننا وبينهم ، فإنهم كانوا يتعرضون لكل احد وكان لوط يمنعهم عنه بقدر وسعه ، أو عن ضيافة الناس وإنزالهم .","part":3,"page":309},{"id":1310,"text":"{ قَالَ هؤلاءآء بَنَاتِى } يعني نساء القوم فإن نبي كل أُمة بمنزلة أبيهم ، وفيه وجوه ذكرت في سورة «هود» . { إِن كُنتُمْ فاعلين } قضاء الوطر أو ما أقول لكم .","part":3,"page":310},{"id":1311,"text":"{ لَعَمْرُكَ } قسم بحياة المخاطب والمخاطب في هذا القسم هو النبي E وقيل لوط عليه السلام قالت الملائكة له ذلك ، والتقدير لعمرك قسمي ، وهو لغة في العمر يختص به القسم لإِيثار الأخف فيه لأنه كثير الدور على ألسنتهم . { إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ } لفي غوايتهم أو شدة غلمتهم التي أزالت عقولهم وتمييزهم بين خطئهم والصواب الذي يشار به إليهم . { يَعْمَهُونَ } يتحيرون فكيف يسمعون نصحك . وقيل الضمير لقريش والجملة اعتراض .","part":3,"page":311},{"id":1312,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } يعني صيحة هائلة مهلكة . وقيل صيحة جبريل عليه السلام . { مُشْرِقِينَ } داخلين في وقت شروق الشمس .","part":3,"page":312},{"id":1313,"text":"{ فَجَعَلْنَا عاليها } عالي المدينة أو عالي قراهم . { سَافِلَهَا } وصارت منقلبة بهم . { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ } من طين متحجر أو طين عليه كتاب من السجل ، وقد تقدم مزيد بيان لهذه القصة في سورة «هود» .","part":3,"page":313},{"id":1314,"text":"{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيات لِلْمُتَوَسِّمِينَ } للمتفكرين المتفرسين الذين يتشبثون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة الشيء بسمته .\r{ وَإِنَّهَا } وإن المدينة أو القرى . { لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها .\r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ } بالله ورسله .\r{ وَإِن كَانَ أصحاب الأيكة لظالمين } هم قوم شعيب كانوا يسكنون الغيضة فبعثه الله إليهم فكذبوه فأهلكوا بالظلة ، و { الأَيكة } الشجرة المتكاثفة .\r{ فانتقمنا مِنْهُمْ } بالإِهلاك . { وَإِنَّهُمَا } يعني سدوم والأيكة . وقيل الأيكة ومدين فإنه كان مبعوثاً إليهما فكان ذكر إحداهما منبهاً على الأخرى . { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } لبطريق واضح ، والإِمام اسم ما يؤتم به فسمي به الطريق ومطمر البناء واللوح لأنها مما يؤتم به .\r{ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر المرسلين } يعني ثمود كذبوا صالحاً ومن كذب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع ، ويجوز أن يكون المراد بالمرسلين صالحاً ومن معه من المؤمنين ، و { الحجر } واد بين المدينة والشأم يسكنونه .\r{ وءاتيناهم ءاياتنا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } يعني آيات الكتاب المنزل على نبيهم ، أو معجزاته كالناقة وسقيها وشربها ودرها ، أو ما نصب لهم من الأدلة .\r{ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا ءَامِنِينَ } من الانهدام ونقب اللصوص وتخريب الأعداء لوثاقتها ، أو من العذاب لفرط غفلتهم أو حسبانهم أن الجبال تحميهم منه .\r{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من بناء البيوت الوثيقة واستكثار الأموال والعدد .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } إلا خلقاً ملتبساً بالحق لا يلائم استمرار الفساد ودوام الشرور ، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء وإزاحة فسادهم من الأرض . { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } فينتقم الله لك فيها ممن كذبك . { فاصفح الصفح الجميل } ولا تعجل بانتقام منهم وعاملهم معاملة الصفوح الحليم . وقيل هو منسوخ بآية السيف .\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق } الذي خلقك وخلقهم وبيده أمرك وأمرهم . { العليم } بحالك وحالهم فهو حقيق بأن تكل ذلك إليه ليحكم بينكم ، أو هو الذي خلقكم وعلم الأصلح لكم ، وقد علم أن الصفح اليوم أصلح ، وفي مصحف عثمان وأبَيِّ Bهما هو «الخالق» ، وهو يصلح للقليل والكثير و { الخلاق } يختص بالكثير .","part":3,"page":314},{"id":1315,"text":"{ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا } سبع آيات وهي الفاتحة . وقيل سبع سور وهي الطوال وسابعتها «الأنفال» و «التوبة» فإنهما في حكم سورة ولذلك لم يفصل بينهما بالتسمية . وقيل «التوبة» وقيل «يونس» أو الحواميم السبع . وقيل سبع صحائف وهي الأسباع . { مِّنَ المثاني } بيان للسبع والمثاني من التثنية ، أو الثناء فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته ، أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه أو مشى عليه بالبلاغة والاعجاز ، أو مثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى ، ويجوز أن يراد ب { المثاني } القرآن أو كتب الله كلها فتكون { مِنْ } للتبعيض . { وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ } إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص ، وإن أريد به الأسباغ فمن عطف أحد الوصفين على الآخر .","part":3,"page":315},{"id":1316,"text":"{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } لا تطمح ببصرك طموح راغب . { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ } أصنافاً من الكفار ، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات . وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه \" من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيماً وعظم صغيرا \" وروي «أنه E وافى بأذرعات سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها وأنفقناها في سبيل الله فقال لهم : \" لقد أعطيتم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع \" { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أنهم لم يؤمنوا . وقيل إنهم المتمتعون به . { واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وتواضع لهم وارفق بهم .","part":3,"page":316},{"id":1317,"text":"{ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النذير المبين } أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم إن لم تؤمنوا .","part":3,"page":317},{"id":1318,"text":"{ كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } مثل العذاب الذي أنزلناه عليهم ، فهو وصف لمفعول النذير أقيم مقامه والمقتسمون هم الإثنا عشر الذين اقتسموا أي تقاسموا مداخل مكة أيام الموسم لينفروا الناس عن الإِيمان بالرسول A فأهلكهم الله تعالى يوم بدر أو الرهط الذين اقتسموا على أن يبيتوا صالحاً E وقيل هو صفة مصدر محذوف يدل عليه . { وَلَقَدْ ءاتيناك } فإنه بمعنى أنزلنا إليك ، والمقتسمون هم الذين جعلوا القرآن عضين حيث قالوا عناداً : بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما ، أو قسموه إلى شعر وسحر وكهانة وأساطير الأولين ، أو أهل الكتاب آمنوا ببعض كتبهم وكفروا ببعض على أن القرآن ما يقرؤون من كتبهم ، فيكون ذلك تسلية لرسول الله A ، وقوله { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } الخ اعتراضاً ممداً لها .","part":3,"page":318},{"id":1319,"text":"{ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } أجزاء جمع عضة ، وأصلها عضوة من عضى الشاة إذا جعلها أعضاء . وقيل فعلة من عضهته إذا بهته ، وفي الحديث « لعن رسول الله A العاضهة والمستعضهة » وقيل أسحاراً وعن عكرمة العضة السحر ، وإنما جمع جمع السلامة جبراً لما حذف منه والموصول بصلته صفة للمقتسمين أو مبتدأ خبره .","part":3,"page":319},{"id":1320,"text":"{ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } . { عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من التقسيم أو النسب إلى السحر فنجازيهم عليه . وقيل هو عام في كل ما فعلوا من الكفر والمعاصي .\r{ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } فاجهر به ، من صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً ، أو فافرق به بين الحق والباطل ، وأصله الإِبانة والتمييز وما مصدرية أو موصولة ، والراجع محذوف أي بما تؤمر به من الشرائع . { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } ولا تلتفت إلى ما يقولون .\r{ إِنَّا كفيناك المستهزءين } بقمعهم وإهلاكهم . قيل كانوا خمسة من أشراف قريش : الوليد بن المغيرة ، والعاص ابن وائل ، وعدي بن قيس ، والأسود بن عبد يغوث ، والأسود بن المطلب ، يبالغون في إيذاء النبي A والاستهزاء به فقال جبريل عليه السلام لرسول الله A : أمرت أن أكفيكهم ، فأومأ إلى ساق الوليد فمر بنبال فتعلق بثوبه سهم فلم ينعطف تعظماً لاخذه ، فأصاب عرقاً في عقبه فقطعه فمات ، وأومأ إلى أخمص العاص فدخلت فيه شوكة فانتفخت رجله حتى صارت كالرحى ومات ، وأشار إلى أنف عدي بن قيس فامتخط قيحاً فمات ، وإلى الأسود بن عبد يغوث وهو قاعد في أصل شجرة فجعل ينطح برأسه الشجرة ويضرب وجهه بالشوك حتى مات ، وإلى عيني الأسود ابن المطلب فعمي .\r{ الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة أمرهم في الدارين .\r{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من الشرك والطعن في القرآن والاستهزاء بك .\r{ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } فافزع إلى الله تعالى فيما نابك بالتسبيح والتحميد يكفك ويكشف الغم عنك ، أو فنزهه عما يقولون حامداً له على أن هداك للحق . { وَكُنْ مِّنَ الساجدين } من المصلين ، وعنه E « أنه كان إذا حَزبه أمر فزع إلى الصلاة » { واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموت فإنه متيقن لحاقه كل حي مخلوق ، والمعنى فاعبده ما دمت حياً ولا تخلّ بالعبادة لحظة . عن رسول الله A « من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد A » والله أعلم .","part":3,"page":320},{"id":1321,"text":"غير ثلاث آيات في آخرها وهي مائة وثمان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } كانوا يستعجلون ما أوعدهم الرسول A من قيام الساعة ، أو إهلاك الله تعالى إياهم كما فعل يوم بدر استهزاءً وتكذيباً ، ويقولون إن صح ما تقوله فالأصنام تشفع لنا وتخلصنا منه فنزلت ، والمعنى أن الأمر الموعود به بمنزلة الآتي المتحقق من حيث إنه واجب الوقوع ، فلا تستعجلوا وقوعه فإنه لا خير لكم فيه ولا خلاص لكم منه . { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } تبرأ وجل عن أن يكون له شريك فيدفع ما أراد بهم . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على وفق قوله : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } والباقون بالياء على تلوين الخطاب ، أو على أن الخطاب للمؤمنين أو لهم ولغيرهم ، لما روي أنه لما نزلت أتى أمر الله فوثب النبي A ورفع الناس رؤوسهم فنزلت { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } .","part":3,"page":321},{"id":1322,"text":"{ يُنَزّلُ الملائكة بالروح } بالوحي أو القرآن ، فإنه يحيي به القلوب الميتة بالجهل ، أو يقوم في الدين مقام الروح في الجسد ، وذكره عقيب ذلك إشارة إلى الطريق الذي به علم الرسول A ما تحقق موعدهم به ودنوه وإزاحة لاستبعادهم اختصاصه بالعلم به . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّلٍ } من أنزل ، وعن يعقوب مثله وعنه «تنزل» بمعنى تتنزل . وقرأ أبو بكر «تنزل» على المضارع المبني للمفعول من التنزيل . { مِنْ أَمْرِهِ } بأمره أو من أجله . { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أن يتخذه رسولاً . { أَنْ أَنْذِرُواْ } بأن أنذروا أي اعلموا من نذرت بكذا إذا علمته . { أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } أن الشأن { لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } ، أو خوفوا أهل الكفر والمعاصي بأنه { لا إله إِلا أَنَاْ } وقوله { فاتقون } رجوع إلى مخاطبتهم بما هو المقصود ، و { أَن } مفسرة لأن الروح بمعنى الوحي الدال على القول ، أو مصدرية في موضع الجر بدلاً من الروح أو النصب بنزع الخافض ، أو مخففة من الثقيلة . والآية تدل على أن نزول الوحي بواسطة الملائكة وأن حاصله التنبيه على التوحيد الذي هو منتهى كمال القوة العلمية ، والأمر بالتقوى الذي هو أقصى كمال القوة العملية . وأن النبوة عطائية والآيات التي بعدها دليل على وحدانيته من حيث إنها تدل على أنه تعالى هو الموجد لأصول العالم وفروعه على وفق الحكمة والمصلحة ، ولو كان له شريك لقدر على ذلك فيلزم التمانع .","part":3,"page":322},{"id":1323,"text":"{ خَلَقَ السموات والأرض بالحق } أوجدهما على مقدار وشكل وأوضاع وصفات مختلفة قدرها وخصصها بحكمته . { تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } منهما أو مما يفتقر في وجوده أو بقائه إليهما ومما لا يقدر على خلقهما . وفيه دليل على أنه تعالى ليس من قبيل الأجرام .","part":3,"page":323},{"id":1324,"text":"{ خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل . { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ } منطيق مجادل . { مُّبِينٌ } للحجة أو خصيم مكافح لخالقه قائل : { مِنْ يحيى العظام وَهِيَ رَمِيمٌ } روي أن أُبَي بن خلف أتى النبي A بعظم رميم وقال : يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمَّ . فنزلت .\r{ والأنعام } الإِبل والبقر والغنم وانتصابها بمضمر يفسره . { خَلَقَهَا لَكُمْ } أو بالعطف على الإِنسان ، وخلقها لكم بيان ما خلقت لأجله وما بعده تفصيل له . { فِيهَا دِفْءٌ } ما يدفأ به فيقي البرد . { ومنافع } نسلها ودرها وظهورها ، وإنما عبر عنها بالمنافع ليتناول عوضها . { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي تأكلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم والألبان ، وتقديم الظرف للمحافظة على رؤوس الآي ، أو لأن الأكل منها هو المعتاد المعتمد عليه في المعاش ، وأما الأكل من سائر الحيوانات المأكولة فعلى سبيل التداوي أو التفكه .\r{ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ } زينة . { حِينَ تُرِيحُونَ } تردونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي . { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تخرجونها بالغداة إلى المراعي فإن الأفنية تتزين بها في الوقتين ويجل أهلها في أعين الناظرين إليها ، وتقديم الاراحة لأن الجمال فيها أظهر فإنها تقبل ملأى البطون حافلة الضروع ، ثم تأوي إلى الحظائر حاضرة لأهلها . وقرىء «حيناً» على أن { تُرِيحُونَ } { وتسرحون } وصفان له بمعنى { تُرِيحُونَ } فيه { وتسرحون } فيه .\r{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } أحمالكم . { إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه } أي إن لم تكن الأنعام ولم تخلق فضلاً أن تحملوها على ظهوركم إليه . { إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس } إلا بكلفة ومشقة . وقرىء بالفتح وهو لغة فيه . وقيل المفتوح مصدر شق الأمر عليه وأصله الصدع والمكسور بمعنى النصف ، كأنه ذهب نصف قوته بالتعب . { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث رحمكم بخلقها لانتفاعكم وتيسير الأمر عليكم .\r{ والخيل والبغال والحمير } عطف على { الأنعام } . { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } أي لتركبوها وتتزينوا بها زينة . وقيل هي معطوفة على محل { لِتَرْكَبُوهَا } وتغيير النظم لأن الزينة بفعل الخالق والركوب ليس بفعله ، ولأن المقصود مِنْ خَلْقِهَا الركوب وأما التزين بها فحاصل بالعرض . وقرىء بغير واو وعلى هذا يحتمل أن يكون علة { لِتَرْكَبُوهَا } أو مصدراً في موضع الحال من أحد الضميرين أي : متزينين أو متزيناً بها ، واستدل به على حرمة لحومها ولا دليل فيه إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالباً أن لا يقصد منه غيره أصلاً ، ويدل عليه أن الآية مكية وعامة المفسرين والمحدثين على أن الحمر الأهلية حرمت عام خيبر . { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } لما فصل الحيوانات التي يحتاج إليها غالباً احتياجاً ضرورياً أو غير ضروري أجمل غيرها ، ويجوز أن يكون إخباراً بأن له من الخلائق ما لا علم لنا به ، وأن يراد به ما خلق في الجنة والنار مما لم يخطر على قلب بشر .","part":3,"page":324},{"id":1325,"text":"{ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } بيان مستقيم الطريق الموصل إلى الحق ، أو إقامة السبيل وتعديلها رحمة وفضلاً ، أو عليه قصد السبيل يصل إليه من يسلكه لا محالة يقال سبيل قصد وقاصد أي مستقيم ، كأنه يقصد الوجه الذي يقصده السالك لا يميل عنه ، والمراد من { السبيل } الجنس ولذلك أضاف إليه ال { قَصْدُ } وقال : { وَمِنْهَا جَائِرٌ } حائد عن القصد أو عن الله ، وتغيير الأسلوب لأنه ليس بحق على الله تعالى أن يبين طرق الضلالة ، أو لأن المقصود بيان سبيله وتقسيم السبيل إلى القصد والجائر إنما جاء بالعرض . وقرىء و «منكم جائر» أي عن القصد . { وَلَوْ شَاء } الله . { لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي ولو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم إلى قصد السبيل هداية مستلزمة للاهتداء .\r{ هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء } من السحاب أو من جانب السماء . { مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } ما تشربونه ، { وَلَكُمْ } صلة { أَنَزلَ } أو خبر { شَرَابٌ } و { مِنْ } تبعيضية متعلقة به ، وتقديمها يوهم حصر المشروب فيه ولا بأس به لأن مياه العيون والآبار منه لقوله : { فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ } وقوله : { فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرض } { وَمِنْهُ شَجَرٌ } ومنه يكون شجر يعني الشجر الذي ترعاه المواشي . وقيل كل ما نبت على الأرض شجر قال :\rيَعْلِفُهَا اللَّحْمَ إِذَا عَزَّ الشَّجَر ... وَالخَيْلُ فِي إِطْعَامِهَا اللَّحْم ضَرَر\r{ فِيهِ تُسِيمُونَ } ترعون ، من سامت الماشية وأسامها صاحبها ، وأصله السومة وهي العلامة لأنها تؤثر بالرعي علامات .\r{ يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع } وقرأ أبو بكر بالنون على التفخيم . { والزيتون والنخيل والاعناب وَمِن كُلّ الثمرات } وبعض كلها إذا لم ينبت في الأرض كل ما يمكن من الثمار ، ولعل تقديم ما يسام فيه على ما يؤكل منه لأنه سيصير غذاء حيوانياً هو أشرف الأغذية ، ومن هذا تقديم الزرع والتصريح بالأجناس الثلاثة وترتيبها . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } على وجود الصانع وحكمته ، فإن من تأمل أن الحبة تقع في الأرض وتصل إليها نداوة تنفذ فيها ، فينشق أعلاها ويخرج منه ساق الشجرة ، وينشق أسفلها فيخرج منه عروقها . ثم ينمو ويخرج منه الأوراق والأزهار والأكمام والثمار ، ويشتمل كل منها على أجسام مختلفة الأشكال والطباع مع اتحاد المواد ونسبة الطبائع السفلية والتأثيرات الفلكية إلى الكل ، علم أن ذلك ليس إلا بفعل فاعل مختار مقدس عن منازعة الأضداد والأنداد ولعل فصل الآية به لذلك .\r{ وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر والنجوم } بأن هيأها لمنافعكم . { مسخرات بِأَمْرِهِ } حال من الجميع أي نفعكم بها حال كونها مسخرات لله تعالى خلقها ودبرها كيف شاء ، أو لما خلقن له بإيجاده وتقديره أو لحكمه ، وفيه إيذان بالجواب عما عسى أن يقال إن المؤثر في تكوين النبات حركات الكواكب وأوضاعها ، فإن ذلك إن سلم فلا ريب في أنها أيضاً ممكنة الذات والصفات واقعة على بعض الوجود المحتملة ، فلا بد لها من موجد مخصص مختار واجب الوجود دفعاً للدور والتسلسل ، أو مصدر ميمي جمع لاختلاف الأنواع .","part":3,"page":325},{"id":1326,"text":"وقرأ حفص { والنجوم مسخرات } على الابتداء والخبر فيكون تعميماً للحكم بعد تخصيصه ورفع ابن عامر { الشمس والقمر } أيضاً . { إِنَّ فِي ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } جمع الآية ، وذكر العقل لأنها تدل أنواعاً من الدلالة ظاهرة لذوي العقول السليمة غير محوجة إلى استيفاء فكر كأحوال النبات .\r{ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض } عطف على { اليل } ، أي وسخر لكم ما خلق لكم فيها من حيوان ونبات . { مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } أصنافه فإنها تتخالف باللون غالباً . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } إن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانع حكيم .\r{ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر } جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به بالركوب والاصطياد والغوص . { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّاً } هو السمك ، ووصفه بالطراوة لأنه أرطب اللحوم يسرع إليه الفساد فيسارع إلى أكله ، ولإِظهار قدرته في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق ، وتمسك به مالك والثوري على أن من حلف أن لا يأكل لحماً حنث بأكل السمك . وأجيب عنه بأن مبنى الإِيمان على العرف وهو لا يفهم منه عند الإِطلاق ألا ترى أن الله تعالى سمى الكافر دابة ولا يحنث الخالق على أن لا يركب دابة بركوبه . { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } كاللؤلؤ والمرجان أي تلبسها نساؤكم ، فأسند إليهم لأنهن من جملتهم ولأنهن يتزين بها لأجلهم . { وَتَرَى الفلك } السفن . { مَوَاخِرَ فِيهِ } جواري فيه تشقه بحيزومها ، من المخر وهو شق الماء . وقيل صوت جري الفلك . { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من سعة رزقه بركوبها للتجارة . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي تعرفون نعم الله تعالى فتقومون بحقها ، ولعل تخصيصه بتعقيب الشكر لأنه أقوى في باب الأنعام من حيث أنه جعل المهالك سبباً للانتفاع وتحصيل المعاش .\r{ وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ } جبالاً رواسي . { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهة أن تميل بكم وتضطرب ، وذلك لأن الأرض قبل أن تخلق فيها الجبال كانت كرة خفيفة بسيطة الطبع ، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك ، أو أن تتحرك بأدنى سبب للتحريك فلما خلقت الجبال على وجهها تفاوتت جوانبها وتوجهت الجبال بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد التي تمنعها عن الحركة . وقيل لما خلق الله الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : ما هي بمقر أحد على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال . { وأنهارا } وجعل فيها أنهاراً لأن ألقى فيه معناه . { وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لمقاصدكم ، أو إلى معرفة الله سبحانه وتعالى .\r{ وعلامات } معالم يستدل بها السابلة من جبل وسهل وريح ونحو ذلك . { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } بالليل في البراري والبحار ، والمراد بالنجم الجنس ويدل عليه قراءة «وبالنجم» بضمتين وضمة وسكون على الجمع . وقيل الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي ، ولعل الضمير لقريش لأنهم كانوا كثيري الأسفار للتجارة مشهورين بالاهتداء في مسايرهم بالنجوم ، وإخراج الكلام عن سنن الخطاب وتقديم النجم وإقحام الضمير للتخصيص كأنه قيل : وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون ، فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم .","part":3,"page":326},{"id":1327,"text":"{ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } إنكار بعد إقامة الدلائل المتكاثرة على كمال قدرته وتناهي حكمته ، والتفرد بخلق ما عدد من مبدعاته لأن يساويه ويستحق مشاركته ما لا يقدر على خلق شيء من ذلك بل على إيجاد شيء ما ، وكان حق الكلام أفمن لا يخلق كمن يخلق ، لكنه عكس تنبيهاً على أنهم بالإشراك بالله سبحانه وتعالى جعلوه من جنس المخلوقات العجزة شبيهاً بها ، والمراد بمن لا يخلق كل ما عبد من دون الله سبحانه وتعالى مغلباً فيه أولو العلم منهم أو الأصنام ، وأجروها مجرى أولي العلم لأنهم سموها آلهة ومن حق الإِله أن يعلم ، أو للمشاكلة بينه وبين من يخلق أو للمبالغة وكأنه قيل : إن من يخلق ليس كمن لا يخلق من أولي العلم فكيف بما لا علم عنده ، { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعرفوا فساد ذلك فإنه لجلائه كالحاصل للعقل الذي يحضر عنده بأدنى تذكر والتفات .","part":3,"page":327},{"id":1328,"text":"{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا } لا تضبطوا عددها فضلاً أن يطيقوا القيام بشكرها ، أتبع ذلك تعداد النعم وإلزام الحجة على تفرده باستحقاق العبادة تنبيهاً على أن وراء ما عَدَّدَ نعماً لا تنحصر ، وأن حق عبادته تعالى غير مقدور . { إِنَّ الله لَغَفُورٌ } حيث يتجاوز عن التقصير في أداء شكرها . { رَّحِيمٌ } لا يقطعها لتفريطكم فيه ولا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها .","part":3,"page":328},{"id":1329,"text":"{ والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } من عقائدكم وأعمالكم ، وهو وعيد وتزييف للشرك باعتبار العلم بعد تزييفه باعتبار القدرة .","part":3,"page":329},{"id":1330,"text":"{ والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي والآلهة الذين تعبدونهم من دونه . وقرأ أبو بكر «يدعون» بالياء . وقرأ حفص ثلاثتها بالياء . { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا } لما نفى المشاركة بين من يخلق ومن لا يخلق بين أنهم لا يخلقون شيئاً لينتج أنهم لا يشاركونه ، ثم أكد ذلك بأن أثبت لهم صفات تنافي الألوهية فقال : { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } لأنهم ذوات ممكنة مفتقرة الوجود إلى التخليق ، والإِله ينبغي أن يكون واجب الوجود .","part":3,"page":330},{"id":1331,"text":"{ أَمْوَاتٌ } هم أموات لا تعتريهم الحياة ، أو أموات حالاً أو مآلاً . { غَيْرُ أَحْيَاء } بالذات ليتناول كل معبود ، والإِله ينبغي أن يكون حياً بالذات لا يعتريه الممات . { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } ولا يعلمون وقت بعثهم ، أو بعث عبدتهم فكيف يكون لهم وقت جزاء على عبادتهم ، والإِله ينبغي أن يكون عالماً بالغيوب مقدراً للثواب والعقاب ، وفيه تنبيه على أن البعث من توابع التكليف .","part":3,"page":331},{"id":1332,"text":"{ إلهكم إله واحد } تكرير للمدعى بعد إقامة الحجج . { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } . بيان لما اقتضى إصرارهم بعد وضوح الحق وذلك عدم إيمانهم بالآخرة ، فإن المؤمن بها يكون طالباً للدلائل متأملاً فيما يسمع فينتفع به ، والكافر بها يكون حاله بالعكس وإنكار قلوبهم ما لا يعرف إلا بالبرهان إتباعاً للأسلاف وركوناً إلى المألوف ، فإنه ينافي النظر والاستكبار عن اتباع الرسول وتصديقه والالتفات إلى قوله ، والأول هو العمدة في الباب ولذلك رتب عليه ثبوت الآخرين .","part":3,"page":332},{"id":1333,"text":"{ لاَ جَرَمَ } حقاً . { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فيجازيهم ، وهو في موضع الرفع ب { جَرَمَ } لأنه مصدر أو فعل . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين } فضلاً عن الذين استكبروا عن توحيده أو اتباع الرسول .","part":3,"page":333},{"id":1334,"text":"{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } القائل بعضهم على التهكم أو الوافدون عليهم أو المسلمون . { قَالُواْ أساطير الأولين } أي ما تدعون نزوله ، أو المنزل أساطير الأولين ، وإنما سموه منزلاً على التهكم أو على الفرض أي على تقدير أنه منزل فهو أساطير الأولين لا تحقيق فيه ، والقائلون قيل هم المقتسمون .","part":3,"page":334},{"id":1335,"text":"{ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة } أي قالوا ذلك إضلالاً للناس فحملوا أوزار ضلالهم كاملة فإن إضلالهم نتيجة رسوخهم في الضلال . { وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } وبعض أوزار ضلال من يضلونهم وهو حصة التسبب . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضلال ، وفائدتها الدلالة على أن جهلهم لا يعذرهم ، إذ كان عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين المحق والمبطل . { أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ } بئس شيئاً يزرونه فعلهم .","part":3,"page":335},{"id":1336,"text":"{ قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ } أي سووا منصوبات ليمكروا بها رسل الله عليهم الصلاة والسلام . { فَأَتَى الله بنيانهم مِّنَ القواعد } فأتاها أمره من جهة العمد التي بنوا عليها بأن ضعضعت . { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ } وصار سبب هلاكهم . { وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } لا يحتسبون ولا يتوقعون ، وهو على سبيل التمثيل . وقيل المراد به نمروذ بن كنعان بنى الصرح ببابل سمكه خمسة آلاف ذراع ليترصد أمر السماء ، فأهب الله الريح فخر عليه وعلى قومه فهلكوا .","part":3,"page":336},{"id":1337,"text":"{ ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ } يذلهم أو يعذبهم بالنار كقوله تعالى : { رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ } { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ } أضاف إلى نفسه استهزاء ، أو حكاية لإِضافتهم زيادة في توبيخهم . { الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ } تعادون المؤمنين في شأنهم . وقرأ نافع بكسر النون بمعنى تشاقونني فإن مشاقة المؤمنين كمشاقة الله D . { وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم } أي الأَنبياء و العلماء الذين كانوا يدعونهم إلى التوحيد فيشاقونهم ويتكبرون عليهم ، أو الملائكة . { إِنَّ الخزي اليوم والسوء } الذلة والعذاب . { عَلَى الكافرين } وفائدة قولهم إظهار الشماتة بهم وزيادة الإِهانة ، وحكايته لأن يكون لطفاً ووعظاً لمن سمعه .","part":3,"page":337},{"id":1338,"text":"{ الذين تتوفاهم الملائكة } وقرأ حمزة بالياء . وقرىء بإدغام في التاء وموضع الموصول يحتمل الأوجه الثلاثة { ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } بأن عرضوها للعذاب المخلد . { فَأَلْقَوُاْ السلم } فسالموا وأخبتوا حين عاينوا الموت . { مَا كُنَّا } قائلين ما كنا . { نَعْمَلُ مِن سُوء } كفر وعدوان ، ويجوز أن يكون تفسيراً ل { السلم } على أن المراد به القول الدال على الاستسلام . { بلى } أي فتجيبهم الملائكة بلى . { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه ، وقيل قوله : { فَأَلْقَوُاْ السلم } إلى آخر الآية استئناف ورجوع إلى شرح حالهم يوم القيامة ، وعلى هذا أول من لم يجوز الكذب يومئذ { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } بأنا لم نكن في زعمنا واعتقادنا عاملين سوءاً ، ويحتمل أن يكون الراد عليهم هو الله تعالى ، أو أولوا العلم .","part":3,"page":338},{"id":1339,"text":"{ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } كل صنف بابها المعد له . وقيل أبواب جهنم أصناف عذابها . { خالدين فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } جهنم .\r{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا } يعني المؤمنين . { مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } أي أنزل خيراً ، وفي نصبه دليل على أنهم لم يتلعثموا في الجواب ، وأطبقوه على السؤال معترفين بالإِنزال على خلاف الكفرة . روي أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي A ، فإذا جاء الوافد المقتسمين قالوا له ما قالوا وإذا جاء المؤمنين قالوا لهم ذلك . { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ } مكافأة في الدنيا . { وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ } أي ولثوابهم في الآخرة خير منها ، وهو عدة للذين اتقوا على قولهم ، ويجوز أن يكون بما بعده حكاية لقولهم بدلاً وتفسيراً ل { خَيْرًا } على أنه منتصب ب { قَالُواْ } . { وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } دار الآخرة فحذفت لتقدم ذكرها وقولِه :\r{ جنات عَدْنٍ } خبر مبتدأ محذوف ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح . { يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } من أنواع المشتهيات ، وفي تقديم الظرف تنبيه على أن الإِنسان لا يجد جميع ما يريده إلا في الجنة . { كَذَلِكَ يَجْزِي الله المتقين } مثل هذا الجزاء يجزيهم وهو يؤيد الوجه الأول .\r{ الذين تتوفاهم الملائكة طَيّبِينَ } طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي لأنه في مقابلة { ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ } . وقيل فرحين ببشارة الملائكة إياهم بالجنة ، أو طيبين بقبض أرواحهم لتوجه نفوسهم بالكلية إلى حضرة القدس . { يَقُولُونَ سلام عَلَيْكُمُ } لا يحيقكم بعد مكروه . { ادخلوا الجنة بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } حين تبعثون فإنها معدة لكم على أعمالكم . وقيل هذا التوفي وفاة الحشر لأن الأمر بالدخول حينئذ .\r{ هَلْ يَنظُرُونَ } ما ينتظر الكفار المار ذكرهم . { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } لقبض أرواحهم . وقرأ حمزة والكسائي بالياء . { أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبّكَ } القيامة أو العذاب المستأصل . { كذلك } مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب . { فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } فأصابهم ما أصابوا . { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } بتدميرهم . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بكفرهم ومعاصيهم المؤدية إليه . { فَأَصَابَهُمْ سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي جزاء سيئات أعمالهم على حذف المضاف ، أو تسمية الجزاء باسمها . { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وأحاط بهم جزاؤه والحيق لا يستعمل إلا في الشر .\r{ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْء نَّحْنُ وَلا ءَابَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ من شيء } إنما قالوا ذلك استهزاء أو منعاً للبعثة والتكليف متمسكين بأن ما شاء الله يجب وما لم يشأ يمتنع فما الفائدة فيها ، أو إنكاراً لقبح ما أنكر عليهم من الشرك وتحريم البحائر ونحوها محتجين بأنها لو كانت مستقبحة لما شاء الله صدورها عنهم ولشاء خلافه ، ملجئاً إليه لا اعتذاراً إذ لم يعتقدوا قبح أعمالهم ، وفيما بعده تنبيه على الجواب عن الشبهتين .","part":3,"page":339},{"id":1340,"text":"{ كَذَلِكَ فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } فأشركوا بالله وحرموا حله وردوا رسله . { فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين } إلا الإِبلاغ الموضح للحق وهو لا يؤثر في هدى من شاء الله هداه لكنه يؤدي إليه على سبيل التوسط ، وما شاء الله وقوعه إنما يجب وقوعه لا مطلقاً بل بأسباب قدرها له ، ثم بين أن البعثة أمر جرت به السنة الإِلهية في الأمم كلها سبباً لهدى من أراد اهتداءه وزيادة لضلال من أراد ضلاله ، كالغذاء الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه ويضر المنحرف ويفنيه بقوله تعالى :\r{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت } يأمر بعبادة الله تعالى واجتناب الطاغوت . { فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله } وفقهم للإِيمان بإرشادهم . { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } إذ لم يوفقهم ولم يرد هداهم ، وفيه تنبيه على فساد الشبهة الثانية لما فيه من الدلالة على أن تحقق الضلال وثباته بفعل الله تعالى وإرادته من حيث أنه قسم من هدى الله ، وقد صرح به في الآية الأخرى . { فَسِيرُواْ فِى الأرض } يا معشر قريش . { فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } من عاد وثمود وغيرهم لعلكم تعتبرون .\r{ إِن تَحْرِصْ } يا محمد . { على هُدَاهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } من يريد ضلاله وهو المعني بمن حقت عليه الضلالة . وقرأ غير الكوفيين { لاَّ يَهِدِّي } على البناء للمفعول وهو أبلغ . { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } من ينصرهم بدفع العذاب عنهم .\r{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } عطف على { وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ } إيذاناً بأنهم كما أنكروا التوحيد أنكروا البعث مقسمين عليه زيادة في البيت على فساده ، ولقد رد الله عليهم أبلغ رد فقال : { بلى } يبعثهم . { وَعْداً } مصدر مؤكد لنفسه وهو ما دل عليه { بلى } فإن يبعث موعد من الله . { عَلَيْهِ } إنجازه لامتناع الخلف في وعده ، أو لأن البعث مقتضى حكمته . { حَقّاً } صفة أخرى للوعد . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أنهم يبعثون وإما لعدم علمهم بأنه من مواجب الحكمة التي جرت عادته بمراعاتها ، وإما لقصور نظرهم بالمألوف فيتوهمون امتناعه ، ثم إنه تعالى بين الأمرين فقال :\r{ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } أي يبعثهم { لِيُبَيّنَ لَهُمُ } . { الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو الحق . { وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين } فيما يزعمون ، وهو إشارة إلى السبب الداعي إلى البعث المقتضي له من حيث الحكمة ، وهو المميز بين الحق والباطل والمحق والمبطل بالثواب والعقاب ثم قال :\r{ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } وهو بيان إمكانية وتقريره أن تكوين الله بمحض قدرته ومشيئته لا توقف له على سبق المواد والمدد ، وإلاَّ لزم التسلسل فكما أمكن له تكوين الأشياء ابتداء بلا سبق مادة ومثال أمكن له تكوينها إعادة بعده ، ونصب ابن عامر والكسائي ها هنا وفي «يس» فيكون عطفاً على نقول أو جواباً للأمر .","part":3,"page":340},{"id":1341,"text":"{ والذين هاجروا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } هم رسول الله A وأصحابه المهاجرون ظلمهم قريش فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم إلى المدينة وبعضهم إلى المدينة ، أو المحبوسون المعذبون بمكة بعد هجرة رسول الله A وهم بلال وصهيب وخباب وعمار وعابس وأبو جندل وسهيل رضي الله تعالى عنهم ، وقوله . { فِي الله } أي في حقه ولوجهه . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةًً } مباءة حسنة وهي المدينة أو تبوئة حسنة . { وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ } مما يعجل لهم في الدنيا . وعن عمر رضي الله تعالى عنه : أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاء قال له خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الضمير للكفار أي لو علموا أن الله يجمع لهؤلاء المهاجرين خير الدارين لوافقوهم ، أو للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم .","part":3,"page":341},{"id":1342,"text":"{ الذين صَبَرُواْ } على الشدائد كأذى الكفار ومفارقة الوطن ، ومحله النصب أو الرفع على المدح . { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } منقطعين إلى الله مفوضين إليه الأمر كله .","part":3,"page":342},{"id":1343,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ } رد لقول قريش : الله أعظم من أن يكون رسوله بشراً ، أي جرت السنة الإِلهية بأن لا يبعث للدعوة العامة إلا بشراً يوحي إليه على ألسنة الملائكة ، والحكمة في ذلك وقد ذكرت في سورة «الأنعام» فإن شككتم فيه . { فاسألوا أَهْلَ الذكر } أهل الكتاب أو علماء الأخبار ليعلموكم . { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } وفي الآية دليل على أنه تعالى لم يرسل امرأة ولا ملكاً للدعوة العامة وقوله : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } معناه رسلاً إلى الملائكة أو إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقيل لم يبعثوا إلى الأنبياء إلا متمثلين بصورة الرجال . ورد بما روي \" أنه E رأى جبريل صلوات الله عليه على صورته التي هو عليها مرتين \" . وعلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يعلم .","part":3,"page":343},{"id":1344,"text":"{ بالبينات والزبر } أي أرسلناهم بالبينات والزبر أي المعجزات والكتب ، كأنه جواب : قائل قال : بم أرسلوا؟ ويجوز أن يتعلق بما أرسلنا داخلاً في الاستثناء مع رجالاً أي : وما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك : ما ضربت إلا زيداً بالسوط ، أو صفة لهم أي رجالاً ملتبسين بالبينات ، أو بيوحي على المفعولية أو الحال من القائم مقام فاعله على أن قوله فاسألوا اعتراض ، أو بلا تعلمون على أن الشرط للتبكيت والإِلزام . { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } أي القرآن وإنما سمي ذكراً لأنه موعظة وتنبيه . { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } في الذكر بتوسط إنزاله إليك مما أمروا به ونهوا عنه ، أو مما تشابه عليهم والتبيين أعم من أن ينص بالمقصود ، أو يرشد إلى ما يدل عليه كالقياس . ودليل العقل . { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وإرادة أن يتأملوا فيه فيتنبهوا للحقائق .","part":3,"page":344},{"id":1345,"text":"{ أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات } أي المكرات السيئات وهم الذين احتالوا لهلاك الأنبياء ، أو الذين مكروا برسول الله A وراموا صد أصحابه عن الإِيمان . { أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض } كما خسف بقارون { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } بغتة من جانب السماء كما فعل بقوم لوط .","part":3,"page":345},{"id":1346,"text":"{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ } أي متقلبين في مسايرهم ومتاجرهم . { فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } .","part":3,"page":346},{"id":1347,"text":"{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } على مخافة بأن يهلك قوماً قبلهم فيتخوفوا فيأتيهم العذاب وهم متخوفون ، أو على أن ينقصهم شيئاً بعد شيء في أنفسهم وأحوالهم حتى يهلكوا من تخوفته إذا تنقصته . روي أن عمر رضي الله تعالى عنه قال على المنبر : ما تقولون فيها فسكتوا فقام شيخ من هذيل فقال : هذه لغتنا التخوف التنقص ، فقال هل تعرف العرب ذلك في أشعارها قال نعم ، قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته :\rتَخَوَّفَ الرَحْلُ مِنْهَا بَامكاً قَرَداً ... كَمَا تَخَوِّفَ عُود النَبْعَةِ السُّفُنُ\rفقال عمر عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا : وما ديواننا قال : شعر الجاهلية ، فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم . { فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة .","part":3,"page":347},{"id":1348,"text":"{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ } استفهام إنكار أي قد رأوا أمثال هذه الصنائع فما بالهم لم يتفكروا فيها ليظهر لهم كمال قدرته وقهره فيخافوا منه ، وما موصولة مبهمة بيانها . { يَتَفَيَّؤُا ظلاله } أي أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة . وقرأ حمزة والكسائي «تَروْا» بالتاء وأبو عمرو «تتفيؤ» بالتاء . { عَنِ اليمين والشمآئل } عن أيمانها وعن شمائلها أي عن جانبي كل واحد منها ، استعارة من يمين الإِنسان وشماله ، ولعل توحيد اليمين وجمع الشمائل باعتبار اللفظ والمعنى كتوحيد الضمير في ظلاله وجمعه في قوله : { سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخرون } وهما حالان من الضمير في ظلاله ، والمراد من السجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار ، يقال سجدت النخلة إذا مالت لكثرة الحمل وسجد البعير إذا طأطأ رأسه ليركب وسجدا حال من الظلال { وَهُمْ داخرون } حال من الضمير . والمعنى يرجع الظلال بارتفاع الشمس وانحدارها ، أو باختلاف مشارقها ومغاربها بتقدير الله تعالى من جانب إلى جانب منقادة لما قدر لها من التفيؤ ، أو واقعة على الأرض ملتصقة بها على هيئة الساجد والأجرام في أنفسها أيضاً داخرة أي صاغرة منقادة لأفعال الله تعالى فيها ، وجمع { داخرون } بالواو لأن من جملتها من يعقل ، أو لأن الدخور من أوصاف العقلاء . وقيل المراد ب { اليمين والشمآئل } يمين الفلك وهو جانبه الشرقي لأن الكواكب تظهر منه آخذة في الارتفاع والسطوع وشماله هو الجانب الغربي المقابل له من الأرض ، فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من المشرق واقعة على الربع الغربي من الأرض ، وعند الزوال تبتدىء من المغرب واقعة على الربع الشرقي من الأرض .","part":3,"page":348},{"id":1349,"text":"{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } أي ينقاد انقياداً يعم الانقياد لإرادته وتأثيره طبعاً والانقياد لتكليفه وأمره طوعاً ليصح إسناده إلى عامة أهل السموات والأرض وقوله : { مِن دَابَّةٍ } بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كانت في أرض أو سماء . { والملائكة } عطف على المبين به عطف جبريل على الملائكة للتعظيم ، أو عطف المجردات على الجسمانيات ، وبه احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في الأرض والملائكة تكرير لما في السموات وتعيين له إجلالاً وتعظيماً ، أو المراد بها ملائكتها من الحفظة وغيرهم ، وما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليباً للعقلاء . { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن عبادته .","part":3,"page":349},{"id":1350,"text":"{ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } يخافونه أن يرسل عذاباً من فوقهم ، أو يخافونه وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } والجملة حال من الضمير في { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } ، أو بيان له وتقرير لأن من خاف الله تعالى لم يستكبر عن عبادته . { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } من الطاعة والتدبير ، وفيه دليل على أَنَّ الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف والرجاء .","part":3,"page":350},{"id":1351,"text":"{ وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } ذكر العدد مع أن المعدود يدل عليه دلالة على أن مساق النهي إليه ، أو إيماءِ بأن الاثنينية تنافي الألوهية كما ذكر الواحد في قوله : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } للدلالة على أن المقصود إثبات الوحدانية دون الإِلهية ، أو للتنبيه على أن الوحدة من لوازم الإِلهية . { فإياي فارهبون } نقل من الغيبة إلى التكلم مبالغة في الترهيب وتصريحاً بالمقصود فكأنه قال : فأنا ذلك الإِله الواحد فإياي فارهبون لا غير .","part":3,"page":351},{"id":1352,"text":"{ وَلَهُ مَا فِي السموات والأرض } خلقاً وملكاً . { وَلَهُ الدين } أي الطاعة . { وَاصِبًا } لازماً لما تقرر من أنه الإله وحده والحقيق بأن يرهب منه . وقيل { وَاصِبًا } من الوصب أي وله الدين ذا كلفة . وقيل الدين الجزاء أي وله الجزاء دائماً لا ينقطع ثوابه لمن آمن وعقابه لمن كفر . { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } ولا ضار سواه كما لا نافع غيره كما قال تعالى .","part":3,"page":352},{"id":1353,"text":"{ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله } أي وأي شيء اتصل بكم من نعمة فهو من الله ، { وَمَا } شرطية أو موصولة متضمنة معنى الشرط باعتبار الإِخبار دون الحصول ، فإن استقرار النعمة بهم يكون سبباً للإِخبار بأنها من الله لا لحصولها منه . { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } فما تتضرعون إلا إليه ، والجؤار رفع الصوت في الدعاء والاستغاثة .\r{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم } وهم كفاركم . { بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } بعبادة غيره ، هذا إذا كان الخطاب عاماً ، فإن كان خاصاً بالمشركين كان من للبيان كأنه قال : إذا فريق وهم أنتم ، ويجوز أن تكون من للتبعيض على أن يعتبر بعضهم كقوله تعالى : { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من نعمة الكشف عنهم كأنهم قصدوا بشركهم كفران النعمة ، أو إنكار كونها من الله تعالى . { فَتَمَتَّعُواْ } أمر تهديد . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أغلظ وعيده ، وقرىء «فيمتعوا» مبنياً للمفعول عطفاً على { لِيَكْفُرُواْ } ، وعلى هذا جاز أن تكون اللام لام الأمر الوارد للتهديد والفاء للجواب .\r{ وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } أي لآلهتهم التي لا علم لها لأنها جماد فيكون الضمير { لِمَا } ، أو التي لا يعلمونها فيعتقدون فيها جهالات مثل أنها تنفعهم وتشفع لهم على أن العائد إلى ما محذوف ، أو لجهلهم على أن ما مصدرية والمجعول له محذوف للعلم به . { نَصِيبًا مّمّا رزقناهم } من الزروع والأنعام . { تالله لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } من أنها آلهة حقيقة بالتقرب إليها وهو وعيد لهم عليه .\r{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات } كانت خزاعة وكنانة يقولون الملائكة بنات الله . { سبحانه } تنزيه له من قولهم ، أو تعجب منه . { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } يعني البنين ، ويجوز فيما يشتهون الرفع بالابتداء والنصب بالعطف على البنات على أن الجعل بمعنى الاختيار ، وهو وإن أفضى إلى أن يكون ضمير الفاعل والمفعول لشيء واحد لكنه لا يبعد تجويزه في المعطوف .\r{ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى } أخبر بولادتها . { ظَلَّ وَجْهُهُ } صار أو دام النهار كله . { مُسْوَدّا } من الكآبة والحياء من الناس . واسوداد الوجه كناية عن الاغتمام والتشوير . { وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء غيظاً من المرأة .\r{ يتوارى مِنَ القوم } يستخفى منهم . { مِن سُوء مَا بُشِّرَ بِهِ } . من سوء المبشر به عرفاً . { أَيُمْسِكُهُ } محدثاً نفسه متفكراً في أن يتركه . { على هُونٍ } ذل { أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب } أي يخفيه فيه ويئده ، وتذكير الضمير للفظ { مَا } وقرىء بالتأنيث فيهما . { أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون لمن تعالى عن الولد ما هذا محله عندهم .\r{ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء } صفة السوء وهي الحاجة إلى الولد المنادية بالموت واستبقاء الذكور استظهاراً بهم وكراهة الإِناث ووأدهن خشية الإِملاق .","part":3,"page":353},{"id":1354,"text":"{ وَلِلَّهِ المثل الأعلى } وهو الوجوب الذاتي والغنى المطلق والجود الفائق والنزاهة عن صفات المخلوقين . { وَهُوَ العزيز الحكيم } المنفرد بكمال القدرة والحكمة .\r{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ } بكفرهم ومعاصيهم . { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } على الأرض ، وإنما أضمرها من غير ذكر للدلالة الناس والدابة عليها . { مِن دَابَّةٍ } قط بشؤم ظلمهم . وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم أو من دابة ظالمة . وقيل لو أهلك الآباء بكفرهم لم يكن الأبناء . { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } سماه لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا . { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } بل هلكوا أو عذبوا حينئذ لا محالة ، ولا يلزم من عموم الناس وإضافة الظلم إليهم أن يكونوا كلهم ظالمين حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لجواز أن يضاف إليهم ما شاع فيهم وصدر عن أكثرهم .\r{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ } أي ما يكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء في الرياسة ، والاستخفاف بالرسل وأراذل الأموال . { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } مع ذلك وهو . { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } أي عند الله كقوله : { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى } وقرىء { الكذب } جمع كذوب صفة للألسنة . { لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار } رد لكلامهم وإثبات لضده . { وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } مقدمون إلى النار من أفرطته في طلب الماء إذا قدمته . وقرأ نافع بكسر الراء على أنه من الإِفراط في المعاصي . وقرىء بالتشديد مفتوحاً من فرطته في طلب الماء ومكسوراً من التفريط في الطاعات .\r{ تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ } فأصروا على قبائحها وكفروا بالمرسلين . { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم } أي في الدنيا ، وعبر باليوم عن زمانها أو فهو وليهم حين كان يزين لهم ، أو يوم القيامة على أنه حكاية حال ماضية أو آتية ، ويجوز أن يكون الضمير لقريش أي زين الشيطان للكفرة المتقدمين أعمالهم وهو ولي هؤلاء اليوم يغريهم ويغويهم ، وإن يقدر مضاف أي فهو ولي أمثالهم ، والولي القرين أو الناصر فيكون نفياً للناصر لهم على أبلغ الوجوه . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في القيامة .\r{ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ } للناس . { الذي اختلفوا فِيهِ } من التوحيد والقدر وأحوال المعاد وأحكام الأفعال . { وَهُدَىً وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } معطوفان على محل لتبين فإنهما فعلا المنزل بخلاف التبيين .\r{ والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } أنبت فيها أنواع النبات بعد يبسها . { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر وإنصاف .\r{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً } دلالة يعبر بها من الجهل إلى العلم . { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهِ } استئناف لبيان العبرة ، وإنما ذكر الضمير ووحده ها هنا للفظ وأنثه في سورة «المؤمنين» للمعنى ، فإن { الأنعام } اسم جمع ولذلك عده سيبويه في المفردات المبنية على أفعال كأخلاق وأكياس ، ومن قال إنه جمع نعم جعل الضمير للبعض فإن اللبن لبعضها دون جميعها أو لواحده أو له على المعنى ، فإن المراد به الجنس .","part":3,"page":354},{"id":1355,"text":"وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب { نُّسْقِيكُمْ } بالفتح هنا وفي «المؤمنين» . { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } فإنه يخلق من بعض أجزاء الدم المتولد من الأجزاء اللطيفة التي في الفرث ، وهو الأشياء المأكولة المنهضمة بعض الانهضام في الكرش . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن البهيمة إذا اعتلفت وانطبخ العلف في كرشها كان أسفله فرثاً وأوسطه لبناً وأعلاه دماً ، ولعله إن صح فالمراد أن أوسطه يكون مادة اللبن وأعلاه مادة الدم الذي يغذي البدن ، لأنهما لا يتكونان في الكرش بل الكبد يجذب صفارة الطعام المنهضم في الكرش ، ويبقي ثفله وهو الفرث ثم يمسكها ريثما يهضمها هضماً ثانياً فيحدث أخلاطاً أربعة معها مائية ، فتميز القوة المميزة تلك المائية بما زاد على قدر الحاجة من المرتين وتدفعها إلى الكلية والمرارة والطحال ، ثم يوزع الباقي على الأعضاء بحسبها فيجري إلى كل حقه على ما يليق به بتقدير الحكيم العليم ، ثم إن كان الحيوان أنثى زاد أخلاطها على قدر غذائها لاستيلاء البرد والرطوبة على مزاجها ، فيندفع الزائد أولاً إلى الرحم لأجل الجنين فإذا انفصل انصب ذلك الزائد أو بعضه إلى الضروع ، فيبيض بمجاورة لحومها الغددية البيض فيصير لبناً ، ومن تدبر صنع الله تعالى في إحداث الأخلاط والألبان وإعداد مقارها ومجاريها والأسباب المولدة لها والقوى المتصرفة فيها كل وقت على ما يليق به ، اضطر إلى الإقرار بكمال حكمته وتناهي رحمته ، و { مِنْ } الأولى تبعيضية لأن اللبن بعض ما في بطونها والثانية ابتدائية كقولك : سقيت من الحوض ، لأن بين الفرث والدم المحل الذي يبتدأ منه الإِسقاء وهي متعلقة ب { نُّسْقِيكُمْ } أو حال من { لَّبَنًا } قدم عليه لتنكيره وللتنبيه على أنه موضع العبرة . { خَالِصًا } صافياً لا يستصحب لون الدم ولا رائحة الفرث ، أو مصفى عما يصحبه من الأجزاء الكثيفة بتضييق مخرجه . { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهل المرور في حلقهم ، وقرىء «سِّيغاً» بالتشديد والتخفيف .","part":3,"page":355},{"id":1356,"text":"{ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب } متعلق بمحذوف أي ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرهما ، وقوله : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } استئناف لبيان الإِسقاء أو ب { تَتَّخِذُونَ } ، ومنه تكرير للظرف تأكيداً أو خبر لمحذوف صفته { تَتَّخِذُونَ } ، أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه ، وتذكير الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوف الذي هو العصير ، أو لأن ال { ثمرات } بمعنى الثمر وال { سكر } مصدر سمي به الخمر . { وَرِزْقًا حَسَنًا } كالتمر والزبيب والدبس والخل ، والآية إن كانت سابقة على تحريم الخمر فدالة على كراهتها وإلا فجامعة بين العتاب والمنة . وقيل ال { سكر } النبيذ وقيل الطعم قال :\rجَعَلْتُ أَعْرَاضَ الكِرَامِ سُكْراً ... أي تنقلت بأعراضهم . وقيل ما يسد الجوع من السكر فيكون الرزق ما يحصل من أثمانه . { إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم بالنظر والتأمل في الآيات .\r{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } ألهمها وقذف في قلوبها ، وقرىء { إلى النحل } بفتحتين . { أَنِ اتخذي } بأن اتخذي ويجوز أن تكون { أن } مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول ، وتأنيث الضمير على المعنى فإن النحل مذكر . { مِنَ الجبال بُيُوتًا وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } ذكر بحرف التبعيض لأنها لا تبني في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش من كرم أو سقف ، ولا في كل مكان منها وإنما سمي ما تبنيه لتتعسل فيه بيتاً تشبيهاً ببناء الإنسان ، لما فيه من حسن الصنعة وصحة القسمة التي لا يقوى عليها أحذق المهندسين إلا بآلات وأنظار دقيقة ، ولعل ذكره للتنبيه على ذلك وقرىء { بُيُوتًا } بكسر الباء ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر { يَعْرُِشُونَ } بضم الراء .\r{ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات } من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها . { فاسلكي } ما أكلت . { سُبُلَ رَبّكِ } في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً من أجوافك ، أو { فاسلكي } الطرق التي ألهمك في عمل العسل ، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك { سُبُلَ رَبّكِ } لا تتوعر عليك . ولا تلتبس . { ذُلُلاً } جمع ذلول وهي حال من السبل ، أي مذللة ذللها الله تعالى وسهلها لك ، أو من الضمير في أسلكي أي وأنت ذلل منقادة لما أمرت به . { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس ، لأنه محل الإِنعام عليهم والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم . { شَرَابٌ } يعني العسل لأنه مما يشرب ، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلاً ، ثم تقىء ادخاراً للشتاء ، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار ، وتضعها في بيوتها ادخاراً فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل فسر البطون بالأفواه .","part":3,"page":356},{"id":1357,"text":"{ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } أبيض وأصفر وأحمر وأسود بحسب اختلاف سن النحل والفصل . { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية ، أو مع غيره كما في سائر الأمراض ، إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه ، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض ، ويجوز أن يكون للتعظيم . وعن قتادة أن رجلاً جاء إلى رسول الله A فقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال : « اسقه العسل » فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع فقال : « اذهب واسقه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطن أخيك » فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال . وقيل الضمير للقرآن أو لما بين الله من أحوال النحل . { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر علم قطعاً أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه .\r{ والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يتوفاكم } بآجال مختلفة . { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ } يعاد . { إلى أَرْذَلِ العمر } أخسه يعني الهرم الذي يشابه الطفولية في نقصان القوة والعقل . وقيل هو خمس وتسعون سنة وقيل خمس وسبعون . { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا } ليصير إلى حالة شبيهة بحالة الطفولية في النسيان وسوء الفهم . { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بمقادير أعماركم . { قَدِيرٌ } يميت الشاب النشيط ويبقى الهرم الفاني ، وفيه تنبيه على أن تفاوت آجال الناس ليس إلا بتقدير قادر حكيم ، ركب أبنيتهم وعدَّل أمزجتهم على قدر معلوم ، ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لم يبلغ التفاوت هذا المبلغ .","part":3,"page":357},{"id":1358,"text":"{ والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق } فمنكم غني ومنكم فقير ، ومنكم موال يتولون رزقهم ورزق غيرهم ومنكم مماليك حالهم على خلاف ذلك . { فَمَا الذين فُضِّلُواْ بِرَآدّي رِزْقِهِمْ } بمعطي رزقهم . { على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } على مماليكهم فإنما يردون عليهم رزقهم الذي جعله الله في أيديهم . { فَهُمْ فِيهِ سَوَآء } فالموالي والمماليك سواء في أن الله رزقهم ، فالجملة لازمة للجملة المنفية أو مقررة لها ، ويجوز أن تكون واقعة موقع الجواب كأنه قيل : فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فيستووا في الرزق ، على أنه رد وإنكار على المشركين فإنهم يشركون بالله بعض مخلوقاته في الألوهية ولا يرضون أن يشاركهم عبيدهم . فيما أنعم الله عليهم فيساورهم فيه . { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } حيث يتخذون له شركاء ، فإنه يقتضي أن يضاف إليهم بعض ما أنعم الله عليهم ويجحدوا أنه من عند الله ، أو حيث أنكروا أمثال هذه الحجج بعدما أنعم الله عليهم بإيضاحهم ، والباء لتضمن الجحود معنى الكفر . وقرأ أبو بكر «تجحدون» بالتاء لقوله : { خَلَقَكُمْ } و { فَضَّلَ بَعْضَكُمْ } .","part":3,"page":358},{"id":1359,"text":"{ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } أي من جنسكم لتأنسوا بها ولتكون أولادكم مثلكم . وقيل هو خلق حواء من آدم . { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أزواجكم بَنِينَ وَحَفَدَةً } وأولاد أولاد أو بنات ، فإن الحافد هو المسرع في الخدمة والبنات يخدمن في البيوت أتم خدمة . وقيل هم الأختان على البنات . وقيل الربائب ويجوز أن يراد بها البنون أنفسهم والعطف لتغاير الوصفين . { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } من اللذائذ أو الحلالات و { مِنْ } للتبعيض فإن المرزوق في الدنيا أنموذج منها . { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } وهو أن الأصنام تنفعهم ، أو أن من الطيبات ما يحرم كالبحائر والسوائب . { وَبِنِعْمَتِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُونَ } حيث أضافوا نعمه إلى الأصنام ، أو حرموا ما أحل الله لهم ، وتقديم الصلة على الفعل إما للاهتمام أو لإِيهام التخصيص مبالغة ، أو للمحافظة على الفواصل .","part":3,"page":359},{"id":1360,"text":"{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السموات والأرض شَيْئاً } من مطر ونبات ، و { رِزْقاً } إن جعلته مصدراً فشيئاً منصوب به وإلا فبدل منه . { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } أن يتملكوه أو لا استطاعة لهم أصلاً ، وجمع الضمير فيه وتوحيده في { لاَ يَمْلِكُ } لأن { مَا } مفرد في معنى الألهة ، ويجوز أن يعود إلى الكفار أي ولا يستطيع هؤلاء مع أنهم أحياء متصرفون شيئاً من ذلك فكيف بالجماد .","part":3,"page":360},{"id":1361,"text":"{ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال } فلا تجعلوا له مثلاً تشركونه به ، أو تقيسونه عليه فإن ضرب المثل تشبيه حال بحال . { أَنَّ الله يَعْلَمُ } فساد ما تعولون عليه من القياس على أن عبادة عبيد الملك أدخل في التعظيم من عبادته وعظم جرمكم فيما تفعلون . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك ولو علمتموه لما جرأتم عليه فهو عليم للنهي ، أو أنه يعلم كنه الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيكم دون نصه ، ويجوز أن يراد فلا تضربوا لله الأمثال فإنه يعلم كيف تضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون . ثم علمهم كيف يضرب فضرب مثلاً لنفسه ولمن عبد دونه","part":3,"page":361},{"id":1362,"text":"{ ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرًا هَلْ يستوُون } مثل ما يشرك به بالمملوك العاجز عن التصرف رأساً ومثل نفسه بالحر المالك الذي رزقه الله مالاً كثيراً فهو يتصرف فيه وينفق منه كيف يشاء ، واحتج بامتناع الاشتراك والتسوية بينهما مع تشاركهما في الجنسية والمخلوقية على امتناع التسوية بين الأصنام التي هي أعجز المخلوقات وبين الله الغني القادر على الإِطلاق . وقيل هو تمثيل للكافر المخذول والمؤمن الموفق ، وتقييد العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر فإنه أيضاً عبد الله وبسلب القدرة للتمييز عن المكاتب والمأذون وجعله قسيماً للمالك المتصرف يدل على أن المملوك لا يملك ، والأظهر أن { مِنْ } نكرة موصوفة ليطابق { عَبْداً } ، وجمع الضمير في { يَسْتَوُونَ } لأنه للجنسين فإن المعنى هل يستوي الأحرار والعبيد؟ . { الحمد للَّهِ } كل الحمد له ، لا يستحقه غيره فضلاً عن العبادة لأنه مولى النعم كلها . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيضيفون نعمة إلى غيره ويعبدونه لأجلها .","part":3,"page":362},{"id":1363,"text":"{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } ولد أخرس لا يَفْهمُ وَلا يُفْهِمُ . { لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ } من الصنائع والتدابير لنقصان عقله . { وَهُوَ كَلٌّ على مَوْلاهُ } عيال وثقل على من يلي أمره . { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ } حيثما يرسله مولاه في أمر ، وقرىء { يوجه } على البناء للمفعول و { يوجه } بمعنى يتوجه كقوله أينما أوجه ألق سعداً وتوجه بلفظ الماضي . { لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } ينجح وكفاية مهم . { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } ومن هو فهم منطيق ذو كفاية ورشد ينفع الناس بحثهم على العدل الشامل لمجامع الفضائل . { وَهُوَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو في نفسه على طريق مستقيم لا يتوجه إلى مطلب إلا ويبلغه بأقرب سعي ، وإنما قابل تلك الصفات بهذين الوصفين لأنهما كمال ما يقابلهما ، وهذا تمثيل ثان ضربه الله تعالى لنفسه وللأصنام لإِبطال المشاركة بينه وبينها أو للمؤمن والكافر .","part":3,"page":363},{"id":1364,"text":"{ وَللَّهِ غَيْبُ السموات والأرض } يختص به علمه لا يعلمه غيره ، وهو ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً ولم يدل عليه محسوس . وقيل يوم القيامة فإن علمه غائب عن أهل السموات والأرض . { وَمَا أَمْرُ الساعة } وما أمر قيام الساعة في سرعته وسهولته . { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها . { أَوْ هُوَ أَقْرَبُ } أو أمرها أقرب منه بأن يكون في زمان نصف تلك الحركة بل في الآن الذي تبتدىء فيه ، فإنه تعالى يحيي الخلائق دفعة وما يوجد دفعة كان في آن ، و { أَوْ } للتخيير أو بمعنى بل . وقيل معناه أن قيام الساعة وإن تراخى فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة في استقرابه . { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيقدر أن يحيي الخلائق دفعة كما قدر أن أحياهم متدرجاً ، ثم دل على قدرته فقال : { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } وقرأ الكسائي بكسر الهمزة على أنه لغة أو إتباع لما قبلها ، وحمزة بكسرها وكسر الميم والهاء مزيدة مثلها في أهراق . { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } جهالاً مستصحبين جهل الجمادية . { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } أداة تتعلمون بها فتحسون بمشاعركم جزئيات الأشياء فتدركونها ثم تتنبهون بقلوبكم لمشاركات ومباينات بينها بتكرر الإِحساس حتى تتحصل لكم العلوم البديهية ، وتتمكنوا من تحصيل المعالم الكسبية بالنظر فيها . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كي تعرفوا ما أنعم عليكم طوراً بعد طور فتشكروه .","part":3,"page":364},{"id":1365,"text":"{ أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير } قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالتاء على أنه خطاب للعامة . { مسخرات } مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية له . { فِي جَوّ السمآء } في الهواء المتباعد من الأرض . { مَا يُمْسِكُهُنَّ } فيه . { إِلاَّ الله } فإن ثقل جسدها يقتضي سقوطها ولا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها تمسكها . { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ } تسخير الطير للطيران بأن خلقها خلقة يمكن معها الطيران ، وخلق الجو بحيث يمكن الطيران فيه وإمساكها في الهواء على خلاف طبعها . { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم هم المنتفعون بها .","part":3,"page":365},{"id":1366,"text":"{ والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتكم كالبيوت المتخذة من الحجر والمدر ، فعل بمعنى مفعول . { وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتًا } هي القباب المتخذة من الأدم ، ويجوز أن يتناول المتخذة من الوبر والصوف والشعر فإنها من حيث إنها نابتة على جلودها يصدق عليها أنها من جلودها . { تَسْتَخِفُّونَهَا } تجدونها خفيفة يخف عليكم حملها ونقلها . { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } وقت ترحالكم . { وَيَوْمَ إِقََامَتِكُمْ } ووضعها أو ضربها وقت الحضر أو النزول . وقرأ الحجازيان والبصريان «يَوْمَ ظَعْنِكُمْ» بالفتح وهو لغة فيه . { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } الصوف للضائنة والوبر للإبل والشعر للمعز ، وإضافتها إلى ضمير { الأنعام } لأنها من جملتها . { أَثَاثاً } ما يلبس ويفرش . { ومتاعا } ما يتجر به . { إلى حِينٍ } إلى مدة من الزمان فإنها لصلابتها تبقى مدة مديدة ، أو إلى حين ، مماتكم أو إلى أن تقضوا منه أوطاركم .","part":3,"page":366},{"id":1367,"text":"{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ } من الشجر والجبل والأبنية وغيرها . { ظلالا } تتقون بها حر الشمس . { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } مواضع تسكنون بها من الكهوف والبيوت المنحوتة فيها جمع كن . { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } ثياباً من الصوف والكتان والقطن وغيرها . { تَقِيكُمُ الحر } خصه بالذكر اكتفاء بأحد الضدين أو لأن وقاية الحر كانت أهم عندهم . { وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } يعني الدروع والجواشن ، والسربال يعم كل ما يلبس . { كذلك } كإتمام هذه النعم التي تقدمت . { يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي تنظرون في نعمه فتؤمنون به وتنقادون لحكمه . وقرىء «تُسْلِمُونَ» من السلامة أي تشكرون فتسلمون من العذاب ، أو تنظرون فيها فتسلمون من الشرك . وقيل { تُسْلِمُونَ } من الجراح بلبس الدروع .","part":3,"page":367},{"id":1368,"text":"{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } أعرضوا ولم يقبلوا منك . { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين } فلا يضرك فإنما عليك البلاغ وقد بلغت ، وهذا من إقامة السبب مقام المسبب .","part":3,"page":368},{"id":1369,"text":"{ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } أي يعرف المشركون نعمة الله التي عددها عليهم وغيرها حيث يعترفون بها وبأنها من الله تعالى . { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بعبادتهم غير المنعم بها وقولهم إنها بشفاعة آلهتنا ، أو بسبب كذا أو بأعراضهم عن أداء حقوقها . وقيل نعمة الله نبوة محمد A عرفوها بالمعجزات ثم أنكروها عناداً ومعنى ثم استبعاد الإنكار بعد المعرفة . { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } الجاحدون عناداً ، وذكر الأكثر إما لأن بعضهم لم يعرف الحق لنقصان العقل أو التفريط في النظر ، أو لم تقم عليه الحجة لأنه لم يبلغ حد التكليف وإما لأنه يقام مقام الكل كما في قوله : { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ }","part":3,"page":369},{"id":1370,"text":"{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } وهو نبيها يشهد لهم وعليهم بالإيمان والكفر . { ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } في الاعتذار إذ لا عذر لهم . وقيل في الرجوع إلى الدنيا . و { ثُمَّ } لزيادة ما يحيق بهم من شدة المنع عن الاعتذار لما فيه من الإقناط الكلي على ما يمنون به من شهادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } ولا هم يسترضون ، من العتبى وهي الرضا وانتصاب يوم بمحذوف تقديره اذكر ، أو خوفهم أو يحيق بهم ما يحيق وكذا قوله :\r{ وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب } عذاب جهنم . { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ } أي العذاب . { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يمهلون . { وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءَهُمْ } أوثانهم التي ادعوها شركاء ، أو الشياطين الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه . { قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } نعبدهم أو نطيعهم ، وهو اعتراف بأنهم كانوا مخطئين في ذلك ، أو التماس لأن يشطر عذابهم . { فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } أي أجابوهم بالتكذيب في أنهم شركاء الله ، أو أنهم ما عبدوهم حقيقة وإنما عبدوا أهواءهم كقوله تعالى : { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } ولا يمتنع إنطاق الله الأصنام به حينئذ ، أو في أنهم حملوهم على الكفر وألزموهم إياه كقوله : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي } { وَأَلْقَوْاْ } وألقى الذين ظلموا . { إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } الاستسلام لحكمه بعد الاستكبار في الدنيا . { وَضَلَّ عَنْهُم } وضاع عنهم وبطل . { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن آلهتهم ينصرونهم ويشفعون لهم حين كذبوهم وتبرؤوا منهم .\r{ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر . { زدناهم عَذَابًا } لصدهم . { فَوْقَ العذاب } المستحق بكفرهم . { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } بكونهم مفسدين بصدهم .\r{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مّنْ أَنفُسِهِمْ } يعني نبيهم فإن نبي كل أمة بعث منهم . { وَجِئْنَا بِكَ } يا محمد . { شَهِيدًا على هَؤُلآء } على أمتك . { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } استئناف أو حال بإضمار قد . { تِبْيَانًا } بياناً بليغاً . { لّكُلِّ شَيْءٍ } من أمور الدين على التفصيل أو الإجمال بالإحالة إلى السنة أو القياس . { وَهُدًى وَرَحْمَةً } للجميع وإنما حرمان المحروم من تفريطه . { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة .\r{ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل } بالتوسط في الأمور اعتقاداً كالتوحيد المتوسط بين التعطيل والتشريك ، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر ، وعملاً كالتعبد بأداء الواجبات المتوسط بين البطالة والترهب ، وخلقاً كالجود المتوسط بين البخل والتبذير . { والإحسان } إحسان الطاعات ، وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفية كما قال E « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك »","part":3,"page":370},{"id":1371,"text":"{ وَإِيتَآء ذِي القربى } وإعطاء الأقارب ما يحتاجون إليه وهو تخصيص بعد تعميم للمبالغة . { وينهى عَنِ الفحشاء } عن الإِفراط في متابعة القوة الشهوية كالزنا فإنه أقبح أحوال الإنسان وأشنعها . { والمنكر } ما ينكر على متعاطيه في إثارة القوة الغضبية . { والبغي } والاستعلاء والاستيلاء على الناس والتجبر عليهم ، فإنها الشيطنة التي هي مقتضى القوة الوهمية ، ولا يوجد من الإنسان شر إلا وهو مندرج في هذه الأقسام صادر بتوسط إحدى هذه القوى الثلاث ، ولذلك قال ابن مسعود Bه : هي أجمع آية في القرآن للخير والشر . وصارت سبب إسلام عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه ، ولو لم يكن في القرآن غير هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل إيرادها عقب قوله : { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } للتنبيه عليه . { يَعِظُكُمُ } بالأمر والنهي والميز بين الخير والشر . { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تتعظون .","part":3,"page":371},{"id":1372,"text":"{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } يعني البيعة لرسول الله A لقوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } وقيل كل أمر يجب الوفاء به ولا يلائمه قوله : { إِذَا عاهدتم } وقيل النذور . وقيل الإِيمان بالله { وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان } أي أيمان البيعة أو مطلق الأيمان . { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } بعد توثيقها بذكر الله تعالى ، ومنه أكد بقلب الواو همزة { وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } شاهداً بتلك البيعة فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من نقض الأيمان والعهود .","part":3,"page":372},{"id":1373,"text":"{ وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا } ما غزلته ، مصدر بمعنى المفعول . { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } متعلق ب { نَقَضَتْ } أي نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام . { أنكاثا } طاقات نكث فتلها جمع نكث ، وانتصابه على الحال من { غَزْلَهَا } أو المفعول الثاني لنقضت فإنه بمعنى صيرت ، والمراد به تشبيه الناقض بمن هذا شأنه . وقيل هي ريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك . { تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } حال من الضمير في { وَلاَ تَكُونُواْ } ، أو في الجار الواقع موقع الخبر أي لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها ، متخذي أيمانكم مفسدة ودخلاً بينكم ، وأصل الدخل ما يدخل الشيء ولم يكن منه . { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ } لأن تكون جماعة أزيد عدداً وأوفر مالاً من جماعة ، والمعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة منابذتهم وقوتهم كقريش ، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم وحالفوا أعداءهم . { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } الضمير لأنه تكون أمة لأن بمعنى المصدر أي يختبركم بكونهم أربى لينظر . أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله وبيعة رسوله أم تغترون بكثرة قريش وشوكتهم وقلة المؤمنين وضعفهم . وقيل الضمير للرياء وقيل للأمر بالوفاء . { وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب والعقاب .","part":3,"page":373},{"id":1374,"text":"{ وَلَوْ شَاء الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } متفقة على الإِسلام . { ولكن يُضِلُّ مَن يَشَآء } بالخذلان . { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } بالتوفيق . { وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } سؤال تبكيت ومجازاة .","part":3,"page":374},{"id":1375,"text":"{ وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغة في قبح المنهي . { فَتَزِلَّ قَدَمٌ } أي عن محجة الإسلام . { بَعْدَ ثُبُوتِهَا } عليها والمراد أقدامهم ، وإنما وحد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بأقدام كثيرة . { وَتَذُوقُواْ السوء } العذاب في الدنيا . { بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ الله } بصدكم عن الوفاء أو صدكم غيركم عنه ، فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره . { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة .","part":3,"page":375},{"id":1376,"text":"{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله } ولا تستبدلوا عهد الله وبيعة رسوله A . { ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً ، وهو ما كانت قريش يعدون لضعفاء المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد . { إِنَّمَا عَندَ الله } من النصر والتغنيم في الدنيا والثواب في الآخرة . { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } مما يعدونكم . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كنتم من أهل العلم والتمييز .","part":3,"page":376},{"id":1377,"text":"{ مَا عِندَكُمْ } من أعراض الدنيا . { يَنْفَدُ } ينقضي ويفنى . { وَمَا عِندَ الله } من خزائن رحمته . { بَاقٍ } لا ينفد ، وهو تعليل للحكم السابق ودليل على أن نعيم أهل الجنة باق . { وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ } على الفاقة وأذى الكفار ، أو على مشاق التكاليف . وقرأ ابن كثير وعاصم بالنون . { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بما يرجح فعله من أعمالهم كالواجبات والمندوبات ، أو بجزاء أحسن من أعمالهم .","part":3,"page":377},{"id":1378,"text":"{ مَنْ عَمِلَ صالحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } بينه بالنوعين دفعاً للتخصيص . { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إذ لا اعتداد بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب ، وإنما المتوقع عليها تخفيف العذاب . { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } في الدنيا يعيش عيشاً طيباً فإنه إن كان موسراً فظاهر وإن كان معسراً يطيب بالقناعة والرضا بالقسمة وتوقع الأجر العظيم في الآخرة ، بخلاف الكافر فإنه إن كان معسراً فظاهر وإن كان موسراً لم يدعه الحرص وخوف الفوات أن يتهنأ بعيشه . وقيل في الآخرة . { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الطاعة .","part":3,"page":378},{"id":1379,"text":"{ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } إذا أردت قراءته كقوله تعالى : { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ } { فاستعذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم } فاسأل الله أن يعيذك من وساوسه لئلا يوسوسك في القراءة ، والجمهور على أنه للاستحباب . وفيه دليل على أن المصلي يستعيذ في كل ركعة لأن الحكم المترتب على شرط يتكرر بتكرره قياساً ، وتعقيبه لذكر العمل الصالح والوعد عليه إيذان بأن الاستعاذة عند القراءة من هذا القبيل . وعن ابن مسعود ( قرأت على رسول الله A فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم فقال : « قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ » { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } تسلط وولاية { على الذين ءَامَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } على أولياء الله تعالى المؤمنين به والمتوكلين عليه فإنهم لا يطيعون أوامره ولا يقبلون وساوسه إلا فيما يحتقرون على ندور وغفلة ولذلك أمروا بالاستعاذة فذكر السلطنة بعد الأمر باستعاذة لئلا يتوهم منه أن له سلطاناً .\r{ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } يحبونه ويطيعونه . { والذين هُم بِهِ } بالله أو بسبب الشيطان . { مُّشْرِكُونَ } .","part":3,"page":379},{"id":1380,"text":"{ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } بالنسخ فجعلنا الآية الناسخة مكان المنسوخة لفظاً أو حكماً . { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ } من المصالح فلعل ما يكون مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه ، وما لا يكون مصلحة حينئذ يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو«يُنَزل» بالتخفيف . { قَالُواْ } أي الكفرة . { إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } متقول على الله تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه ، وجواب { إِذَا } { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } ، اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالاً . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من الصواب .","part":3,"page":380},{"id":1381,"text":"{ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس } يعني جبريل E ، وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم : حاتم الجود وقرأ ابن كثير «رُوحُ القدس» بالتخفيف وفي { ينزل } و { نزله } تنبيه على أن إنزاله مدرجاً على حسب المصالح بما يقتضي التبديل . { مّن رَّبِّكَ بالحق } ملتبساً بالحكمة . { لِيُثَبِّتَ الذين ءَامَنُواْ } ليثبت الله الذين آمنوا على الإيمان بأنه كلامه ، وأنهم إذا سمعوا الناسخ وتدبروا ما فيه من رعاية الصلاح والحكمة رسخت عقائدهم واطمأنت قلوبهم . { وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } المنقادين لحكمه ، وهما معطوفان على محل { لِيُثَبِّتَ } أي تثبيتاً وهداية وبشارة ، وفيه تعريض بحصول أضداد ذلك لغيرهم وقرىء { لِيُثَبّتَ } بالتخفيف .","part":3,"page":381},{"id":1382,"text":"{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } يعنون جبراً الرومي غلام عامر بن الحضرمي . وقيل جبراً ويساراً كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل ، وكان الرسول A يمر عليهما ويسمع ما يقرآنه . وقيل عائشاً غلام حويطب بن عبد العزى قد أسلم وكان صاحب كتب . وقيل سلمان الفارسي . { لّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ } لغة الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه ، مأخوذ من لحد القبر . وقرأ حمزة والكسائي يلحدون بفتح الياء والحاء ، لسان أعجمي غير بين . { وهذا } وهذا القرآن . { لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ } ذو بيان وفصاحة ، والجملتان مستأنفتان لإِبطال طعنهم ، وتقريره يحتمل وجهين أحدهما : أن ما سمعه منه كلام أعجمي لا يفهمه هو ولا أنتم والقرآن عربي تفهمونه بأدنى تأمل ، فكيف يكون ما تلقفه منه . وثانيهما : هب أنه تعلم منه المعنى باستماع كلامه لكن لم يتلقف منه اللفظ ، لأن ذلك أعجمي وهذا عربي والقرآن كما هو معجز باعتبار المعنى فهو معجز من حيث اللفظ ، مع أن العلوم الكثيرة التي في القرآن لا يمكن تعلمها إلا بملازمة معلم فائق في تلك العلوم مدة متطاولة ، فكيف تعلم جميع ذلك من غلام سوقي سمع منه في بعض أوقات مروره عليه كلمات أعجمية لعلهما لم يعرفا معناها ، وطعنهم في القرآن بأمثال هذه الكلمات الركيكة دليل على غاية عجزهم .","part":3,"page":382},{"id":1383,"text":"{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } لا يصدقون أنها من عند الله . { لاَ يَهْدِيهِمُ الله } إلى الحق أو إلى سبيل النجاة . وقيل إلى الجنة . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة ، هددهم على كفرهم بالقرآن بعدما أماط شبهتهم ورد طعنهم فيه ، ثم قلب الأمر عليهم فقال :\r{ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } لأنهم لا يخافون عقاباً يردعهم عنه . { وأولئك } إشارة إلى الذين كفروا أو إلى قريش . { هُمُ الكاذبون } أي الكاذبون على الحقيقة ، أو الكاملون في الكذب لأن تكذيب آيات الله والطعن فيها بهذه الخرافات أعظم الكذب ، أو الذين عادتهم الكذب لا يصرفهم عنه دين ولا مروءة ، أو الكاذبون في قولهم : { إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } .\r{ مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمانه } بدل من الذين لا يؤمنون وما بينهما اعتراض ، أو من { أولئك } أو من { الكاذبون } ، أو مبتدأ خبره محذوف دل عليه قوله : { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } ويجوز أن ينتصب بالذم وأن تكون من شرطية محذوفة الجواب دل عليه قوله : { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } على الافتراء أو كلمة الكفر ، استثناء متصل لأن الكفر لغة يعم القول والعقد كالإِيمان . { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } لم تتغير عقيدته ، وفيه دليل على أن الإِيمان هو التصديق بالقلب . { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } اعتقده وطاب به نفساً . { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } إذ لا أعظم من جرمه . روي « أن قريشاً أكرهوا عماراً وأبويه ياسراً وسمية على الارتداد ، فربطوا سمية بين بعيرين وجيء بحربة في قبلها وقالوا : أنك أسلمت من أجل الرجال فقتلت ، وقتلوا ياسراً وهما أول قتيلين في الإِسلام ، وأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا مكرهاً فقيل : يا رسول الله إن عماراً كفر فقال : كلا إن عماراً ملىء إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه ، فأتى عمار : رسول الله A وهو يبكي ، فجعل رسول الله A يمسح عينيه ويقول : ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت » . وهو دليل على جواز التكلم بالكفر عند الإكراه وإن كان الأفضل أن يتجنب عنه إعزازاً للدين كما فعله أبواه لما روي ( أن مسيلمة أخذ رجلين فقال لأحدهما : ما تقول في محمد؟ قال : رسول الله A قال : فما تقول فيَّ فقال : أنت أيضاً فخلاه ، وقال للآخر ما تقول في محمد قال : رسول الله A ؟ قال فما تقول في؟ قال : أنا أصم ، فأعاد عليه ثلاثاً فأعاد جوابه فقتله ، فبلغ ذلك رسول الله A فقال :","part":3,"page":383},{"id":1384,"text":"« أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئاً له » { ذلك } إشارة إلى الكفر بعد الإِيمان أو الوعيد . { بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على } بسبب أنهم آثروها عليها . { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين } أي الكافرين في علمه إلى ما يوجب ثبات الإيمان ولا يعصمهم من الزيغ .\r{ أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم } فأبت عن إدراك الحق والتأمل فيه . { وأولئك هُمُ الغافلون } الكاملون في الغفلة إذ أغفلتهم الحالة الراهنة عن تدبر العواقب .\r{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الخاسرون } إذ ضيعوا أعمارهم وصرفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلد .\r{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } أي عذبوا كعمار رضي الله تعالى عنه بالولاية والنصر ، و { ثُمَّ } لتباعد حال هؤلاء عن حال أولئك ، وقرأ ابن عامر فتنوا بالفتح أي من بعد ما عذبوا المؤمنين كالحضرمي أكره مولاه جبراً حتى ارتد ثم أسلم وهاجر . { ثُمَّ جاهدوا وَصَبَرُواْ } على الجهاد وما أصابهم من المشاق . { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد الهجرة والجهاد والصبر . { لَغَفُورٌ } ، لما فعلوا قبل . { رَّحِيمٌ } منعم عليهم مجازاة على ما صنعوا بعد .","part":3,"page":384},{"id":1385,"text":"{ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ } منصوب ب { رَّحِيمٌ } أو باذكر . { تجادل عَن نَّفْسِهَا } تجادل عن ذاتها وتسعى في خلاصها لا يهمها شأن غيرها فتقول نفسي نفسي . { وتوفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } جزاء ما عملت . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا ينقصون أجورهم .","part":3,"page":385},{"id":1386,"text":"{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً } أي جعلها مثلاً لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا ، فأنزل الله بهم نقمته ، أو لمكة . { كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً } لا يزعج أهلها خوف . { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } أقواتها . { رَغَدًا } واسعاً . { مِّن كُلِّ مَكَانٍ } من نواحيها . { فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله } بنعمه جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع ، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس . { فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف } استعار الذوق لإدراك أثر الضرر ، واللباس لما غشيهم واشتمل عليهم من الجوع والخوف ، وأوقع الإذاقة عليه بالنظر إلى المستعار له كقول كثير :\rغمرُ الرِّدَاءِ إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكَا ... غلقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَابُ المال\rفإنه استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لمَّا يلقى عليه ، وأضاف إليه الغمر الذي هو وصف المعروف والنوال لا وصف الرداء نظراً إلى المستعار له ، وقد ينظر إلى المستعار كقوله :\rيُنَازِعْني رِدَائي عَبْدُ عَمْرو ... رُوَيْدَكَ يَا أَخَا عَمْرُو بن بَكْرِ\rلِي الشَّطرُ الَّذِي مَلَكت يَمِيني ... وَدُونَكَ فَاعْتَجِرْ مِنْهُ بِشَطْرٍ\rاستعار الرداء لسيفه ثم قال فاعتجر نظراً إلى المستعار . { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } بصنيعهم .","part":3,"page":386},{"id":1387,"text":"{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مّنْهُمْ } يعني محمداً A ، والضمير لأهل مكة عاد إلى ذكرهم بعد ما ذكر مثلهم . { فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظالمون } أي حال التباسهم بالظلم والعذاب ما أصابهم من الجدب الشديد ، أو وقعة بدر .","part":3,"page":387},{"id":1388,"text":"{ فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حَلَلاً طَيّباً } أمرهم بأكل ما أحل الله لهم وشكر ما أنعم عليهم بعدما زجرهم عن الكفر وهددهم عليه بما ذكر من التمثيل والعذاب الذي حل بهم ، صداً لهم عن صنيع الجاهلية ومذاهبها الفاسدة . { واشكروا نِعْمَتَ الله إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } تطيعون ، أو إن صح زعمكم أنكم تقصدون بعبادة الآلهة عبادته .\r{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما أمرهم بتناول ما أحل لهم عدد عليهم محرماته ليعلم أن ما عداها حل لهم ، ثم أكد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال :\r{ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حلال وهذا حَرَامٌ } كما قالوا { مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا } الآية ، ومقتضى سياق الكلام وتصدير الجملة بإنما حصر المحرمات في الأجناس الأربعة إلا ما ضم إليه دليل : كالسباع والحمر الأهلية ، وانتصاب { الكذب } ب { لاَ تَقُولُواْ } و { هذا حلال وهذا حَرَامٌ } بدل منه أو متعلق بتصف على إرادة القول أي : ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم فتقولوا هذا حلال وهذا حرام ، أو مفعول { لاَ تَقُولُواْ } ، و { الكذب } منتصب ب { تَصِفُ } وما مصدرية أي ولا تقولوا هذا حلال وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب أي : لا تحرموا ولا تحللوا بمجرد قول تنطق به ألسنتكم من غير دليل ، ووصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب كأن حقيقة الكذب كانت مجهولة وألسنتكم تصفها وتعرفها بكلامهم هذا ، ولذلك عد من تصحيح الكلام كقولهم : وجهها يصف الجمال وعينها تصف السحر . وقرىء { الكذب } بالجر بدلاً من «ما» ، و { الكذب } جمع كذوب أو كذاب بالرفع صفة للألسنة وبالنصب على الذم أو بمعنى الكلم الكواذب . { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } تعليل لا يتضمن الغرض . { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب لاَ يُفْلِحُونَ } لما كان المفتري يفتري لتحصيل مطلوب نفي عنهم الفلاح وبينه بقوله :\r{ متاع قَلِيلٌ } أي ما يفترون لأجله أو ما هم فيه منفعة قليلة تنقطع عن قريب . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة .\r{ وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ } أي في سورة «الأنعام» في قوله : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } { مِن قَبْلُ } متعلق ب { قَصَصْنَا } أو ب { حَرَّمْنَا } . { وَمَا ظلمناهم } بالتحريم . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما عوقبوا به عليه ، وفيه تنبيه على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم وأنه كما يكون للمضرة يكون للعقوبة .\r{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة } بسببها أو ملتبسين بها ليعم الجهل بالله وبعقابه وعدم التدبر في العواقب لغلبة الشهوة ، والسوء يعم الافتراء على الله وغيره .","part":3,"page":388},{"id":1389,"text":"{ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة . { لَغَفُورٌ } لذلك السوء . { رَّحِيمٌ } يثيب على الإنابة .\r{ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } لكماله واستجماعه فضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة كقوله :\rلَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يَجْمَعَ العَالَمَ فِي وَاحِدٍ\rوهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي جادل فرق المشركين ، وأبطل مذاهبهم الزائغة بالحجج الدامغة ، ولذلك عقب ذكره بتزييف مذاهب المشركين من الشرك والطعن في النبوة وتحريم ما أحله ، أو لأنه كان وحده مؤمناً وكان سائر الناس كفاراً . وقيل هي فعلة بمعنى مفعول كالرحلة والنخبة من أمه إذا قصده ، أو اقتدى به فإن الناس كانوا يؤمونه للاستفادة ويقتدون بسيرته كقوله : { إِنّي جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } { قانتا لِلَّهِ } مطيعاً له قائماً بأوامره . { حَنِيفاً } مائلاً عن الباطل . { وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } كما زعموا فإن قريشاً كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم .","part":3,"page":389},{"id":1390,"text":"{ شَاكِراً لأَنْعُمِهِ } ذكر بلفظ القلة للتنبيه على أنه كان لا يخل بشكر النعم القليلة فكيف بالكثيرة . { اجتباه } للنبوة . { وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } في الدعوة إلى الله . { وءاتيناه فِي الدنيا حَسَنَةً } يأن حببه إلى الناس حتى أن أرباب الملل يتولونه ويثنون عليه ، ورزقه أولاداً طيبة وعمراً طويلاً في السعة والطاعة . { وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين } لمن أهل الجنة كما سأله بقوله : { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين . }","part":3,"page":390},{"id":1391,"text":"{ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } يا محمد ، و { ثُمَّ } إما لتعظيمه والتنبيه على أن أَجَلَّ ما أوتي إبراهيم اتباع الرسول E ملته ، أو لتراخي أيامه . { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } في التوحيد والدعوة إليه بالرفق وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى والمجادلة مع كل أحد حسب فهمه { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } بل كان قدوة الموحدين .","part":3,"page":391},{"id":1392,"text":"{ إِنَّمَا جُعِلَ السبت } تعظيم السبت ، أو التخلي فيه للعبادة . { على الذين اختلفوا فِيهِ } أي على نبيهم ، وهم اليهود أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادة يوم الجمعة فأبوا وقالوا : نريد يوم السبت لأنه تعالى فرغ فيه من خلق السموات والأرض ، فألزمهم الله السبت وشدد الأمر عليهم . وقيل معناه إنما جعل وبال السبت وهو المسخ على الذين اختلفوا فيه ، فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموه أخرى واحتالوا له الحيل ، وذكرهم هنا لتهديد المشركين كذكر القرية التي كفرت بأنعم الله . { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بالمجازاة على الاختلاف ، أو بمجازاة كل فريق بما يستحقه .","part":3,"page":392},{"id":1393,"text":"{ ادع } من بعثت إليهم . { إلى سَبِيلِ رَبِّكَ } إلى الإسلام . { بالحكمة } بالمقالة المحكمة ، وهو الدليل الموضح للحق المزيح للشبهة . { والموعظة الحسنة } الخطابات المقنعة والعبر النافعة ، فالأولى لدعوة خواص الأمة الطالبين للحقائق والثانية لدعوة عوامهم . { وجادلهم } وجادل معانديهم . { بالتي هِيَ أَحْسَنُ } بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين وإيثار الوجه الأيسر ، والمقدمات التي هي أشهر فإن ذلك أنفع في تسكين لهبهم وتبيين شغبهم . { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } أي إنما عليك البلاغ والدعوة ، وأما حصول الهداية والضلال والمجازاة عليهما فلا إليك بل الله أعلم بالضالين والمهتدين وهو المجازي لهم .","part":3,"page":393},{"id":1394,"text":"{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } لما أمره بالدعوة وبين له طرقها أشار إليه وإلى من يتابعه بترك المخالفة ، ومراعاة العدل مع من يناصبهم ، فإن الدعوة لا تنفك عنه من حيث إنها تتضمن رفض العادات ، وترك الشهوات والقدح في دين الأسلاف والحكم عليهم بالكفر والضلال . وقيل إنه E لما رأى حمزة وقد مثل به فقال : « والله لئن أظفرني الله بهم لأمثلن بسبعين مكانك » فنزلت . فكفر عن يمينه ، وفيه دليل على أن للمقتص أن يماثل الجاني وليس له أن يجاوزه ، وحث على العفو تعريضاً بقوله : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } وتصريحاً على الوجه الآكد بقوله : { وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ } أي الصبر . { خَيْرٌ للصابرين } من الانتقام للمنتقمين ، ثم صرح بالأمر به لرسوله لأنه أولى الناس به لزيادة علمه بالله ووثوقه عليه فقال :","part":3,"page":394},{"id":1395,"text":"{ واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله } إلا بتوفيقه وتثبيته . { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } على الكافرين أو على المؤمنين وما فعل بهم . { وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمَّا يَمْكُرُونَ } في ضيق صدر من مكرهم ، وقرأ ابن كثير في { ضَيْقٍ } بالكسر هنا وفي «النمل» وهما لغتان كالقول والقيل ، ويجوز أن يكون الضيق تخفيف ضيق .","part":3,"page":395},{"id":1396,"text":"{ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا } المعاصي . { والذين هُم مُّحْسِنُونَ } في أعمالهم بالولاية والفضل ، أو مع الذين اتقوا الله بتعظيم أمره والذين هم محسنون بالشفقة على خلقه . عن النبي A « من قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بما أنعم عليه في دار الدنيا وإن مات في يوم تلاها أو ليلة كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية »","part":3,"page":396},{"id":1397,"text":"وقيل إلا قوله تعالى : { وإن كادوا ليفتنونك } إلى آخر ثمان آيات وهي مائة وإحدى عشرة آية\r{ سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً } سبحان اسم بمعنى التسبيح { الذى } هو التنزيه يستعمل علماً له فيقطع عن الإِضافة ويمنع عن الصرف قال :\rقَدْ قُلْتُ لَمَّا جَاءَني فَخْرُهُ ... سبحان من علقمة الفاخر\rوانتصابه بفعل متروك إظهاره ، وتصدير الكلام به للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد . و { أسرى } وسرى بمعنى ، و { لَيْلاً } نصب على الظرف . وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء ، ولذلك قرىء : من «الليل» . أي بعضه كقوله : { وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ } { مّنَ المسجد الحرام } بعينه لما روي أنه E قال : \" بينا أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل بالبراق \" أو «من الحرم» وسماه المسجد الحرام لأنه كله مسجد أو لأنه محيط به ، أو ليطابق المبدأ المنتهى . لما روي أنه A كان نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاء فأسرى به ورجع من ليلته ، وقص القصة عليها وقال : \" مثل لي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فصليت بهم \" ثم خرج إلى المسجد الحرام وأخبر به قريشاً فتعجبوا منه استحالة ، وارتد ناس ممن آمن به ، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : إن كان قال لقد صدق ، فقالوا : أتصدقه على ذلك ، قال : إني لأصدقه على أبعد من ذلك فسمي الصديق ، واستنعته طائفة سافروا إلى بيت المقدس فجلى له فطفق ينظر إليه وينعته لهم ، فقالوا : أما النعت فقد أصاب فقالوا أخبرنا عن عيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها وقال تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق ، فخرجوا يشتدون إلى الثنية فصادفوا العير كما أخبر ، ثم لم يؤمنوا وقالوا ما هذا إلا سحر مبين وكان ذلك قبل الهجرة بسنة . واختلف في أنه كان في المنام أو في اليقظة بروحه أو بجسده ، والأكثر على أنه أسرى بجسده إلى بيت المقدس ، ثم عرج به إلى السموات حتى انتهى إلى سدرة المنتهى ، ولذلك تعجب قريش واستحالوه ، والاستحالة مدفوعة بما ثبت في الهندسة أن ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ، ثم إن طرفها الأسفل يصل موضع طرفها الأعلى في أقل من ثانية ، وقد برهن في الكلام أن الأجسام متساوية في قبول الأعراض وأن الله قادر على كل الممكنات فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي A ، أو فيما يحمله ، والتعجب من لوازم المعجزات . { إلى المسجد الأقصى } بيت المقدس لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد . { الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } ببركات الدين والدنيا لأنه مهبط الوحي ومتعبد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من لدن موسى E ، ومحفوف بالأنهار والأشجار . { لِنُرِيَهُ مِنْ ءاياتنا } كذهابه في برهة من الليل مسيرة شهر ومشاهدته بيت المقدس وتمثل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له ، ووقوفه على مقاماتهم ، وصرف الكلام من الغيبة إلى التكلم لتعظيم تلك البركات والآيات . وقرىء «ليريه» بالياء . { إِنَّهُ هُوَ السميع } لأقوال محمد A . { البصير } بأفعاله فيكرمه ويقربه على حسب ذلك .","part":3,"page":397},{"id":1398,"text":"{ وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لّبَنِى إسراءيل أَلاَّ تَتَّخِذُواْ } على أن لا تتخذوا كقولك : كتبت إليك أن أفعل كذا . وقرأ أبو عمرو بالياء على «أن لا يتخذوا» . { مِن دُونِى وَكِيلاً } رباً تكلون إليه أموركم غيري .","part":3,"page":398},{"id":1399,"text":"{ ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } نصب على الاختصاص أو النداء أن قرىء «أن لا تتخذوا» بالتاء على النهي يعني : قلنا لهم لا تتخذوا من دوني وكيلاً ، أو على أنه أحد مفعولي { لاَ تَتَّخِذُواْ } و { مِن دُونِى } حال من { وَكِيلاً } فيكون كقوله : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو بدل من واو { تَتَّخِذُواْ } ، و { ذُرّيَّةِ } بكسر الذال . وفيه تذكير بأنعام الله تعالى عليهم في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم مع نوح عليه السلام في السفينة . { إِنَّهُ } إن نوحاً عليه السلام . { كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } يحمد الله تعالى على مجامع حالاته ، وفيه إيماء بأن إنجاءه ومن معه كان ببركة شكره ، وحث للذرية على الاقتداء به . وقيل الضمير لموسى E .","part":3,"page":399},{"id":1400,"text":"{ وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل } وأوحينا إليهم وحياً مقضياً مبتوتاً . { فِى الكتاب } في التوراة . { لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض } جواب قسم محذوف ، أو قضينا على إجراء القضاء المبتوت مجرى القسم . { مَّرَّتَيْنِ } إفسادتين أولاهما مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وقيل أرمياء . وثانيهما قتل زكريا ويحيى وقَصْدُ قتل عيسى عليهم السلام . { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } ولتستكبرن عن طاعة الله تعالى أو لتظلمن الناس .","part":3,"page":400},{"id":1401,"text":"{ فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما } وعد عقاب أولاهما . { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا } بختنصر عامل لهراسف على بابل وجنوده . وقيل جالوت الجزري . وقيل سنحاريب من أهل نينوى . { أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } ذوي قوة وبطش في الحرب شديد . { فَجَاسُواْ } فترددوا لطلبكم . وقرىء بالحاء المهملة وهما أخوان . { خلال الديار } وسطها للقتل والغارة فقتلوا كبارهم وسبوا صغارهم وحرقوا التوراة وخربوا المسجد . والمعتزلة لما منعوا تسليط الله الكافر على ذلك أولوا البعث بالتخلية وعدم المنع . { وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً } وكان وعد عقابهم لا بد أن يفعل .","part":3,"page":401},{"id":1402,"text":"{ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة } أي الدولة والغلبة . { عَلَيْهِمْ } على الذين بعثوا عليكم ، وذلك بأن ألقى الله في قلوب بهمن بن اسفنديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن لهراسف شفقة عليهم ، فرد أسراهم إلى الشام وملك دانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها من أتباع بختنصر ، أو بأن سلط الله داود E على جالوت فقتله { وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا } مما كنتم ، والنفير من ينفر مع الرجل من قومه وقيل جمع نفروهم المجتمعون للذهاب إلى العدو .","part":3,"page":402},{"id":1403,"text":"{ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ } لأن ثوابه لها . { وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } فإن وباله عليها ، وإنما ذكرها باللام ازدواجاً . { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخرة } وعد عقوبة المرة الآخرة . { فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ } أي بعثناهم { لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ } أي يجعلوها بادية آثار المساءة فيها ، فحذف لدلالة ذكره أولاً عليه . وقرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر «ليسوء» على التوحيد ، والضمير فيه للوعد أو للبعث أو لله ، ويعضده قراءة الكسائي بالنون . وقرىء «لنسوأن» بالنون والياء والنون المخففة والمثقلة ، و «لنسوأن» بفتح اللام على الأوجه الأربعة على أنه جواب إذا واللام في قوله : { وَلِيَدْخُلُواْ المسجد } متعلق بمحذوف هو بعثناهم . { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبّرُواْ } ليهلكوا . { مَا عَلَوْاْ } ما غلبوه واستولوا عليه أو مدة علوهم . { تَتْبِيرًا } ذلك بأن سلط الله عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف اسمه جودرز ، وقيل حردوس قيل دخل صاحب الجيش مذبح قرابينهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه فقالوا : دم قربان لم يقبل منا فقال : ما صدقوني فقتل عليه ألوفاً منهم فلم يهدأ الدم ، ثم قال إن لم تصدقوني ما تركت منكم أحداً ، فقالوا : إنه دم يحيى فقال لمثل هذا ينتقم ربكم منكم ، ثم قال يا يحيى قد علم ربي وربك ما أصاب قومك من أجلك ، فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أبقي أحداً منهم فهدأ .","part":3,"page":403},{"id":1404,"text":"{ عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } بعد المرة الآخرة . { وَإِنْ عُدتُّمْ } نوبة أخرى . { عُدْنَا } مرة ثالثة إلى عقوبتكم وقد عادوا بتكذيب محمد A ، وقصد قتله فعاد الله تعالى بتسليطه عليهم فقتل قريظة وأجلى بني النضير ، وضرب الجزية على الباقين هذا لهم في الدنيا . { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا } محبساً لا يقدرون على الخروج منها أبد الآباد . وقيل بساطاً كما يبسط الحصير .","part":3,"page":404},{"id":1405,"text":"{ إِنَّ هذا القرءان يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ } للحالة أو الطريقة التي هي أقوم الحالات أو الطرق . { وَيُبَشّرُ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } وقرأ حمزة والكسائي { وَيُبَشّرُ } بالتخفيف .","part":3,"page":405},{"id":1406,"text":"{ وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } عطف على { أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا } ، والمعنى أنه يبشر المؤمنين ببشارتين ثوابهم وعقاب أعدائهم ، أو على { يُبَشّرُ } بإضمار يخبر .","part":3,"page":406},{"id":1407,"text":"{ وَيَدْعُ الإنسان بالشر } ويدعو الله تعالى عند غضبه بالشر على نفسه وأهله وماله ، أو يدعوه بما يحسبه خيراً وهو شر . { دُعَاءهُ بالخير } مثل دعائه بالخير . { وَكَانَ الإنسان عَجُولاً } يسارع إلى كل ما يخطر بباله لا ينظر عاقبته . وقيل المراد آدم E فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط . روي : أنه عليه السلام دفع أسيراً إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت كتافه ، فهرب فدعا عليها بقطع اليد ثم ندم فقال عليه السلام : اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت . ويجوز أن يريد بالإِنسان الكافر وبالدعاء استعجاله بالعذاب استهزاء كقول النضر بن الحارث : اللهم انصر خير الحزبين ، { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } الآية . فأجيب له فضرب عنقه صبراً يوم بدر .","part":3,"page":407},{"id":1408,"text":"{ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } تدلان على القادر الحكيم بتعاقبهما على نسق واحد بإمكان غيره . { فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل } أي الآية التي هي الليل ، بالإِشراق والإِضافة فيهما للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود . { وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النهار مُبْصِرَةً } مضيئة أو مبصرة للناس من أبصره فبصر ، أو مبصراً أهله كقولهم : أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء . وقيل الآيتان القمر والشمس ، وتقدير الكلام وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين ، أو جعلنا الليل والنهار ذوي آيتين ومحو آية الليل التي هي القمر جعلها مظلمة في نفسها مطموسة النور ، أو نقص نورها شيئاً فشيئاً إلى المحاق ، وجعل آية النهار التي هي الشمس مبصرة جعلها ذات شعاع تبصر الأشياء بضوئها . { لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } لتطلبوا في بياض النهار أسباب معاشكم وتتوصلوا به إلى استبانة أعمالكم . { وَلِتَعْلَمُواْ } باختلافهما أو بحركاتهما . { عَدَدَ السنين والحساب } وجنس الحساب . { وَكُلَّ شىْء } تفتقرون إليه في أمر الدين والدنيا . { فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } بيناه بياناً غير ملتبس .\r{ وَكُلَّ إنسان ألزمناه طَئِرَهُ } عمله وما قدر له كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر ، لما كانوا يتيمنون ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروحه ، استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر الله تعالى وعمل العبد . { فِى عُنُقِهِ } لزوم الطوق في عنقه . { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَابًا } هي صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله ، فإن الأعمال الاختيارية تحدث في النفس أحوالاً ولذلك يفيد تكريرها لها ملكات ، ونصبه بأنه مفعول أو حال من مفعول محذوف ، وهو ضمير الطائر ويعضده قراءة يعقوب ، و «يخرح» من خرج و «يخرج» وقرىء و «يخرج» أي الله D { يلقاه مَنْشُوراً } لكشف الغطاء ، وهما صفتان للكتاب ، أو { يلقاه } صفة و { مَنْشُوراً } حال من مفعوله . وقرأ ابن عامر«يلقاه» على البناء للمفعول من لقيته كذا .","part":3,"page":408},{"id":1409,"text":"{ اقرأ كتابك } على إرادة القول . { كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } أي كفى نفسك ، والباء مزيدة و { حَسِيباً } تمييز وعلى صلته لأنه إما بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم وضريب القداح بمعنى ضاربها من حسب عليه كذا أو بمعنى الكافي فوضع موضع الشهيد ، لأنه يكفي المدعي ما أهمه ، وتذكيره على أن الحساب والشهادة مما يتولاه الرجال أو على تأويل النفس بالشخص .","part":3,"page":409},{"id":1410,"text":"{ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } لا ينجي اهتداؤه غيره ولا يردي ضلاله سواه . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا تحمل نفس حاملة وزراً وزر نفس أخرى ، بل إنما تحمل وزرها . { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } يبين الحجج ويمهد الشرائع فيلزمهم الحجة ، وفيه دليل على أن لا وجوب قبل الشرع .","part":3,"page":410},{"id":1411,"text":"{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً } وإذا تعلقت إرادتنا بإهلاك قوم لإنفاذ قضائنا السابق ، أو دنا وقته المقدر كقولهم : إذا أراد المريض أن يموت ازداد مرضه شدة . { أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا } متنعميها بالطاعة على لسان رسول بعثناه إليهم ، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده ، فإن الفسق هو الخروج عن الطاعة والتمرد في العصيان ، فيدل على الطاعة من طريق المقابلة ، وقيل أمرناهم بالفسق لقوله : { فَفَسَقُواْ فِيهَا } كقولك أمرته فقرأ ، فإنه لا يفهم منه إلا الأمر بالقراءة على أن الأمر مجاز من الحمل عليه ، أو التسبب له بأن صب عليهم من النعم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق ، ويحتمل أن لا يكون له مفعول منوي كقولهم : أمرته فعصاني . وقيل معناه كثرنا يقال : أمرت الشيء وآمرته فأمر إذا كثرته ، وفي الحديث \" خير المال سكة مأبورة ، ومهرة مأمورة \" أي كثيرة النتاج . وهو أيضاً مجاز من معنى الطلب ، ويؤيده قراءة يعقوب «آمرنا» ورواية { أَمْرُنَا } عن أبي عمرو ، ويحتمل أن يكون منقولاً من أمر بالضم أمارة أي جعلناهم أمراء ، وتخصيص المترفين لأن غيرهم يتبعهم ولأنهم أسرع إلى الحماقة وأقدر على الفجور . { فَحَقَّ عَلَيْهَا القول } يعني كلمة العذاب السابقة بحلوله ، أو بظهور معاصيهم أو بانهماكهم في المعاصي . { فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا } أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم .","part":3,"page":411},{"id":1412,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا } وكثيراً أهلكنا . { مّنَ القرون } بيان لكم وتمييز له . { مِن بَعْدِ نُوحٍ } كعاد وثمود . { وكفى بِرَبّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا } يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها ، وتقديم الخبير لتقدم متعلقه .","part":3,"page":412},{"id":1413,"text":"{ مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة } مقصوراً عليها همه . { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإِرادة لأنه لا يجد كل متمن ما يتمناه ، ولا كل واجد جميع ما يهواه وليعلم أن الأمر بالمشيئة والهم فضل . { وَلَمَنِ نُرِيدُ } بدل من له بدل البعض . وقرىء «ما يشاء» والضمير فيه لله تعالى حتى يطابق المشهورة . وقيل { لِمَنْ } فيكون مخصوصاً بمن أراد الله تعالى به ذلك . وقيل الآية في المنافقين كانوا يراءون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضهم إلا مساهمتهم في الغنائم ونحوها . { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يصلاها مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من رحمة الله تعالى .","part":3,"page":413},{"id":1414,"text":"{ وَمَنْ أَرَادَ الأخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا } حقها من السعي وهو الإِتيان بما أمر به ، والانتهاء عما نهى عنه لا التقرب بما يخترعون بآرائهم . وفائدة اللام اعتبار النية والإِخلاص . { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إيماناً صحيحاً لا شرك معه ولا تكذيب فإنه العمدة . { فَأُوْلَئِكَ } الجامعون للشروط الثلاثة . { كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } من الله تعالى أي مقبولاً عنده مثاباً عليه ، فإن شكر الله الثواب على الطاعة .\r{ كُلاًّ } كل واحد من الفريقين ، والتنوين بدل من المضاف إليه . { نُّمِدُّ } بالعطاء مرة بعد أخرى ونجعل آنفه مدداً لسالفه . { هَؤُلاء وَهَؤُلاء } بدل من { كُلاًّ } . { مِنْ عَطَاء رَبّكَ } من معطاه متعلق ب { نُّمِدُّ } . { وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ مَحْظُورًا } ممنوعاً لا يمنعه في الدنيا من مؤمن ولا كافر تفضلاً .\r{ انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } في الرزق ، وانتصاب { كَيْفَ } ب { فَضَّلْنَا } على الحال . { وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } أي التفاوت في الآخرة أكبر ، لأن التفاوت فيها بالجنة ودرجاتها والنار ودركاتها .\r{ لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ } الخطاب للرسول A والمراد به أمته أو لكل أحد . { فَتَقْعُدَ } فتصير من قولهم شحذ الشفرة حتى قعدت كأنها حربة ، أو فتعجز من قولهم قعد عن الشيء إذا عجز عنه . { مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } جامعاً على نفسك الذم من الملائكة والمؤمنين والخذلان من الله تعالى ، ومفهومه أن الموحد يكون ممدوحاً منصوراً .\r{ وقضى رَبُّكَ } وأمر أمراً مقطوعاً به . { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } بأن لا تعبدوا . { إِلاَّ إِيَّاهُ } لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإِنعام ، وهو كالتفصيل لسعي الآخرة . ويجوز أن تكون { ءانٍ } مفسرة و { لا } ناهية . { وبالوالدين إحسانا } وبأن تحسنوا ، أو وأحسنوا بالوالدين إحساناً لأنهما السبب الظاهر للوجود والتعيش ، ولا يجوز أن تتعلق الباء بالإِحسان لأن صلته لا تتقدم عليه . { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } { أَمَّا } هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيداً ولذلك صح لحوق النون المؤكدة للفعل ، وأحدهما فاعل { يَبْلُغَنَّ } ويدل على قراءة حمزة والكسائي من ألف «يبلغان» الراجع إلى «الوالدين» ، وكلاهما عطف على أحدهما فاعلاً أو بدلاً ولذلك لم يجز أن يكون تأكيداً للألف ، ومعنى { عِندَكَ } أن يكونا في كنفك وكفالتك . { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } فلا تتضجر مما يستقذر منهما وتستثقل من مؤنتهما ، وهو صوت يدل على تضجر . وقيل هو اسم الفعل الذي هو أتضجر ، وهو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين وتنوينه في قراءة نافعٍ وحفص للتنكير . وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف . وقرىء به منوناً وبالضم للاتباع كمنذ منوناً وغير منون ، والنهي عن ذلك يدل على المنع من سائر أنواع الايذاء قياساً بطريق الأولى .","part":3,"page":414},{"id":1415,"text":"وقيل عرفاً كقولك : فلان لا يملك النقير والقطمير ، ولذلك منع رسول الله A حذيفة من قتل أبيه وهو في صف المشركين ، نهى عما يؤذيهما بعد الأمر بالإِحسان بهما . { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } ولا تزجرهما عما لا يعجبك بإغلاظ . وقيل النهي والنهر والنهم أخوات . { وَقُل لَّهُمَا } بدل التأفيف والنهر . { قَوْلاً كَرِيمًا } جميلاً لا شراسة فيه .\r{ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل } تذلل لهما وتواضع فيهما ، وجعل للذل جناحاً كما جعل لبيد في قوله :\rوَغَدَاةَ رِيحٍ قَدْ كشفت وَقرة ... إِذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمَالِ زِمَامُهَا\rللشمال يداً أو للقرة زماماً ، وأمره بخفضه مبالغة أو أراد جناحه كقوله تعالى : { واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } وإضافته إلى الذل للبيان والمبالغة كما أضيف حاتم إلى الجود ، والمعنى واخفض لهما جناحك الذليل . وقرىء «الذل» بالكسر وهو الانقياد والنعت منه ذلول . { مِنَ الرحمة } من فرط رحمتك عليهما لافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس . { وَقُل رَّبّ ارحمهما } وادع الله تعالى أن يرحمهما برحمته الباقية ، ولا تكتف برحمتك الفانية وإن كانا كافرين لأن من الرحمة أن يهديهما : { كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } رحمة مثل رحمتهما علي وتربيتهما وإرشادهما لي في صغري وفاء بوعدك للراحمين . روي : أن رجلاً قال لرسول الله A : إن أبوي بلغا من الكبر أني أَلي منهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما حقهما . قال : لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل ذلك وتريد موتهما ) .","part":3,"page":415},{"id":1416,"text":"{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } من قصد البر إليهما واعتقاد ما يجب لهما من التوقير ، وكأنه تهديد على أن يضمر لهما كراهة واستثقالاً . { إِن تَكُونُواْ صالحين } قاصدين للصلاح . { فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ } للتوابين . { غَفُوراً } ما فرط منهم عند حرج الصدر من أذية أو تقصير ، وفيه تشديد عظيم ، ويجوز أن يكون عاماً لكل تائب ، ويندرج فيه الجاني على أبويه التائب من جنايته لوروده على أثره .","part":3,"page":416},{"id":1417,"text":"{ وَءاتِ ذَا القربى حَقَّهُ } من صلة الرحم وحسن المعاشرة والبر عليهم . وقال أبو حنيفة : حقهم إذا كانوا محارم فقراء أن ينفق عليهم . وقيل المراد بذي القربى أقارب الرسول A . { والمسكين وابن السبيل وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } بصرف المال فيما لا ينبغي وإنفاقه على وجه الإِسراف ، وأصل التبذير التفريق . « وعن النبي A أنه قال لسعد وهو يتوضأ : ما هذا السرف قال؛ أو في الوضوء سرف قال : نعم وإن كنت على نهر جار » .","part":3,"page":417},{"id":1418,"text":"{ إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } أمثالهم في الشرارة فإن التضييع والاتلاف شر ، أو أصدقاءهم وأتباعهم لأنهم يطيعونهم في الإِسراف والصرف في المعاصي . روي : أنهم كانوا ينحرون الإِبل ويتياسرون عليها ويبذرون أموالهم في السمعة ، فنهاهم الله عن ذلك وأمرهم بالإِنفاق في القربات . { وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا } مبالغاً في الكفر به فينبغي أن لا يطاع .","part":3,"page":418},{"id":1419,"text":"{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ } وإن أعرضت عن ذي القربى والمسكين وابن السبيل حياء من الرد ، ويجوز أن يراد بالإِعراض عنهم أن لا ينفعهم على سبيل الكناية . { ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ تَرْجُوهَا } لانتظار رزق من الله ترجوه أن يأتيك فتعطيه ، أو منتظرين له وقيل معناه لفقد رزق من ربك ترجوه أن يفتح لك فوضع الابتغاء موضعه لأنه مسبب عنه ، ويجوز أن يتعلق بالجواب الذي هو قوله : { فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } أي فقل لهم قولاً ليناً ابتغاء رحمة الله برحمتك عليهم بإجمال القول لهم ، والميسور من يسر الأمر مثل سَعُدَ الرَّجل ونحس ، وقيل القول الميسور الدعاء لهم بالميسور وهو اليسر مثل أغناكم الله تعالى ورزقنا الله وإياكم .\r{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر ، نهى عنهما آمراً بالاقتصاد بينهما الذي هو الكرم . { فَتَقْعُدَ مَلُومًا } فتصير ملوماً عند الله وعند الناس بالإِسراف وسوء التدبير . { مَّحْسُوراً } نادماً أو منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر إذا بلغ منه . وعن جابر ( بينا رسول الله A جالس أتاه صبي فقال : إن أمي تستكسيك درعاً ، فقال A من ساعة إلى ساعة فعد إلينا ، فذهب إلى أمه فقالت : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك ، فدخل A داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظروه للصلاة فلم يخرج فأنزل الله ذلك ) ثم سلاه بقوله : { إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } يوسعه ويضيقه بمشيئته التابعة للحكمة البالغة فليس ما يرهقك من الإِضافة إلا لمصلحتك . { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } يعلم سرهم وعلنهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ، ويجوز أن يراد أن البسط والقبض من أمر الله تعالى العالم بالسرائر والظواهر ، فأما العباد فعليهم أن يقتصدوا ، أو أنه تعالى يبسط تارة ويقبض أخرى فاستنوا بسنته ولا تقبضوا كل القبض ولا تبسطوا كل البسط ، وأن يكون تمهيداً لقوله تعالى :\r{ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } مخافة الفاقة ، وقتلهم أولادهم هو وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه وضمن لهم أرزاقهم فقال : { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ حُوباً كَبِيراً } ذنباً كبيراً لما فيه من قطع التناسل وانقطاع النوع ، وال { خطأ } الاثم يقال خطىء خطأ كأثم إثماً ، وقرأ ابن عامر «خطأ»وهو اسم من اخطأ يضاد الصواب ، وقيل لغة فيه كمثل ومثل وحذر وحذر . وقرأ ابن كثير «خطاء» بالمد والكسر وهو إما لغة فيه أو مصدر خاطأ وهو وإن لم يسمع لكنه جاء تخاطأ في قوله :\rتَخَاطَأَهُ القَناصُ حَتَّى وَجَدْتُه ... وَخَرْطُومُهُ فِي مَنْقعِ المَاءِ رَاسِب","part":3,"page":419},{"id":1420,"text":"وهو مبني عليه وقرىء «خطاء» بالفتح والمد وخطا بحذف الهمزة مفتوحاً ومكسوراً .\r{ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا } بالعزم والإِتيان بالمقدمات فضلاً عن أن تباشروه . { إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } فعلة ظاهرة القبح زائدته . { وَسَاء سَبِيلاً } وبئس طريقاً طريقه ، وهو الغصب على الابضاع المؤدي إلى قطع الأنساب وهيج الفتن .\r{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان : وزنا بعد إحصان ، وقتل مؤمن معصوم عمداً . { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } غير مستوجب للقتل . { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ } للذي يلي أمره بعد وفاته وهو الوارث . { سلطانا } تسلطاً بالمؤاخذة بمقتضى القتل على من عليه ، أو بالقصاص على القاتل فإن قوله تعالى { مَظْلُومًا } بدل على أن القتل عمد عدوان فإن الخطأ لا يسمى ظلماً . { فَلاَ يُسْرِف } أي القاتل . { فّى القتل } بأن يقتل من لا يستحق قتله ، فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة ، أو قتل غير القاتل ويؤيد الأول قراءة أبي «فلا تسرفوا» . وقرأ حمزة والكسائي «فلا تسرف» على خطاب أحدهما . { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } علة النهي على الاستئناف والضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله وفي الآخرة بالثواب ، وإما لوليه فإن الله تعالى نصره حيث أوجب القصاص له وأمر الولاة بمعونته ، وإما للذي يقتله الولي إسرافاً بإيجاب القصاص أو التعزير والوزر على المسرف .\r{ وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } فضلاً أن تتصرفوا فيه . { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } إلا بالطريقة التي هي أحسن . { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } غاية لجواز التصرف الذي دل عليه الاستثناء . { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } بما عاهدكم الله من تكاليفه ، أو ما عاهدتموه وغيره . { إِنَّ العهد كَانَ مَّسْئُولاً } مطلوباً يطلب من المعاهد أن لا يضيعه ويفي به ، أو مسؤولاً عنه يسأل الناكث ويعاتب عليه لم نكثت ، أو يسأل العهد تبكيتاً للناكث كما يقال للموءودة { بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } فيكون تخييلاً ويجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسؤولاً .\r{ وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ } ولا تبخسوا فيه { وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي ، وهو رومي عرب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن ، لأن العجمي إذا استعملته العرب وأجرته مجرى كلامهم في الإِعراب والتعريف والتنكير ونحوها صار عربياً . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف هنا وفي «الشعراء» . { ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } وأحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع .\r{ وَلاَ تَقْفُ } ولا تتبع وقرىء { وَلاَ تَقْفُ } من قاف أثره إذا قفاه ومنه القافة . { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } ما لم يتعلق به علمك تقليداً أو رجماً بالغيب ، واحتج به من منع اتباع الظن وجوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند ، سواء كان قطعاً أو ظناً واستعماله بهذا المعنى سائغ وشائع . وقيل إنه مخصوص بالعقائد . وقيل بالرمي وشهادة الزور ويؤيده قوله E","part":3,"page":420},{"id":1421,"text":"« من قفا مؤمناً بما ليس فيه حبسه الله في ردغة الخبال حتى يأتي بالمخرج » وقول الكميت :\rوَلاَ أَرْمِي البَرِيء بِغَيْرِ ذَنْب ... وَلاَ أَقْفُو الحَواصِنَ إِنْ قفينا\r{ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك } أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسؤولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها ، هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا وهو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله :\rوَالعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأَيَامِ ... { كَانَ عَنْهُ مَّسْئُولاً } في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسؤولاً عن نفسه ، يعني عما فعل به صاحبه ، ويجوز أن يكون الضمير في عنه لمصدر { لا تَقْفُ } أو لصاحب السمع والبصر . وقيل { مَسْؤُولاً } مسند إلى { عَنْهُ } كقوله تعالى : { غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِمْ } والمعنى يسأل صاحبه عنه ، وهو خطأ لأن الفاعل وما يقوم مقامه لا يتقدم ، وفيه دليل على أن العبد مؤاخذ بعزمه على المعصية . وقرىء { والفؤاد } بقلب الهمزة واواً بعد الضمة ثم إبدالها بالفتح .\r{ وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا } أي ذا مرح وهو الاختيال . وقرىء { مَرَحاً } وهو باعتبار الحكم أبلغ وإن كان المصدر آكد من صريح النعت . { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض } لن تجعل فيها خرقاً بشدة وطأتك . { وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً } بتطاولك وهو تهكم بالمختال ، وتعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل .\r{ كُلُّ ذلك } إشارة إلى الخصال الخمس والعشرين المذكورة . من قوله تعالى : { لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ } وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنها المكتوبة في ألواح موسى عليه السلام . { كَانَ سَيّئُهُ } يعني المنهي عنه فإن المذكورات مأمورات ومناه . وقرأ الحجازيان والبصريان { سَيّئُهُ } على أنها خبر { كَانَ } والاسم ضمير { كُلٌّ } ، و { ذلك } إشارة إلى ما نهى عنه خاصة وعلى هذا قوله : { عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } بدل من { سَيّئُهُ } أو صفة لها محمولة على المعنى ، فإنه بمعنى سيئاً وقد قرىء به ، ويجوز أن ينتصب مكروهاً على الحال من المستكن في { كَانَ } أو في الظرف على أنه صفة { سَيّئُهُ } ، والمراد به المبغوض المقابل للمرضى لا ما يقابل المراد لقيام القاطع على أن الحوادث كلها واقعة بإرادته تعالى .\r{ ذلك } إشارة إلى الأحكام المتقدمة . { مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة } التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به . { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه ، فإن من لا قصد له بطل عمله ومن قصد يفعله أو تركه غيره ضاع سعيه ، وأنه رأس الحكمة وملاكها ، ورتب عليه أولاً ما هو عائده الشرك في الدنيا وثانياً ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى : { فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا } تلوم نفسك . { مَّدْحُورًا } مبعدًا من رحمة الله تعالى .","part":3,"page":421},{"id":1422,"text":"{ أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين } خطاب لمن قالوا الملائكة بنات الله ، والهمزة للإنكار والمعنى : أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون . { واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا } بنات لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم . { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا } بإضافة الأولاد إليه ، وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها ، ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ثم يجعل الملائكة الذين هم من أشرف خلق الله أدونهم .","part":3,"page":422},{"id":1423,"text":"{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } كررنا هذا المعنى بوجوه من التقرير . { فِي هَذَا الْقُرْءَانِ } في مواضع منه ، ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات إليه على تقدير : ولقد صرفنا هذا القول في هذا المعنى أو أوقعنا التصريف فيه ، وقرىء { صَرَفْنَا } بالتخفيف . { لّيَذْكُرُواْ } ليتذكروا وقرأ حمزة والكسائي هنا وفي الفرقان { لّيَذْكُرُواْ } من الذكر الذي هو بمعنى التذكر . { وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا } عن الحق وقلة طمأنينة إليه . { قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ ءالِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ } أيها المشركون ، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بالياء فيه وفيما بعده على أن الكلام مع الرسول A ، ووافقهما نافع وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب في الثانية على أن الأولى مما أمر الرسول A ، أن يخاطب به المشركين ، والثانية مما نزه به نفسه عن مقالتهم . { إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلاً } جواب عن قولهم وجزاء للو والمعنى : لطلبوا إلى من هو مالك الملك سبيلاً بالمعازة كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض ، أو بالتقرب إليه والطاعة لعلمهم بقدرته وعجزهم كقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة }","part":3,"page":423},{"id":1424,"text":"{ سبحانه } ينزه تنزيهاً . { وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّا } تعالياً . { كَبِيراً } متباعداً غاية البعد عما يقولون ، فإنه في أعلى مراتب الوجود وهو كونه واجب الوجود والبقاء لذاته ، واتخاذ الولد من أدنى مراتبه فإنه من خواص ما يمتنع بقاؤه .","part":3,"page":424},{"id":1425,"text":"{ تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ } ينزهه عما هو من لوازم الإِمكان وتوابع الحدوث بلسان الحال حيث تدل بإمكانها وحدوثها على الصانع القديم الواجب لذاته . { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أيها المشركون لإِخلالكم بالنظر الصحيح الذي به يفهم تسبيحهم ، ويجوز أن يحمل التسبيح على المشترك بين اللفظ والدلالة لإسناده إلى ما يتصور منه اللفظ وإلى ما لا يتصور منه وعليهما عند من جوز إطلاق اللفظ على معنييه . وقرأ ابن كثير وابن عامر ونافع وأبو بكر «يسبح» بالياء . { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } حيث لم يعاجلكم بالعقوبة على غفلتكم وشرككم . { غَفُوراً } لمن تاب منكم .","part":3,"page":425},{"id":1426,"text":"{ وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَابًا } يحجبهم عن فهم ما تقرؤه عليهم . { مَّسْتُورًا } ذا ستر كقوله تعالى : { وَعْدُهُ مَأْتِيّا } وقولهم سيل مفعم ، أو مستوراً عن الحس ، أو بحجاب آخر لا يفهمون ولا يفهمون أنهم لا يفهمون نفى عنهم أن يفهموا ما أنزل عليهم من الآيات بعدما نفي عنهم التفقه للدلالات المنصوبة في الأنفس والآفاق تقريراً له وبياناً لكونهم مطبوعين على الضلالة كما صرح به بقوله :","part":3,"page":426},{"id":1427,"text":"{ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } تكنها وتحول دونها عن إدراك الحق وقبوله . { أَن يَفْقَهُوهُ } كراهة أن يفقهوه ، ويجوز أن يكون مفعولاً لما دل عليه قوله : { وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أي منعناهم أن يفقهوه . { وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا } يمنعهم عن استماعه . ولما كان القرآن معجزاً من حيث اللفظ والمعنى أثبت لمنكريه ما يمنع عن فهم المعنى وإدراك اللفظ . { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِى الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ } واحداً غير مشفوع به آلهتهم ، مصدر وقع موقع الحال وأصله يحد وحده بمعنى واحداً وحده . { وَلَّوْاْ على أدبارهم نُفُوراً } هرباً من استماع التوحيد ونفرة أو تولية ، ويجوز أن يكون جمع نافر كقاعد وقعود .","part":3,"page":427},{"id":1428,"text":"{ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } بسببه ولأجله من الهزء بك وبالقرآن . { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ظرف ل { أَعْلَمُ } وكذا . { وَإِذْ هُمْ نجوى } أي نحن أعلم بغرضهم من الاستماع حين هم مستمعون إليك مضمرون له وحين هم ذوو نجوى يتناجون به ، و { نجوى } مصدر ويحتمل أن يكون جمع نجى . { إِذْ يَقُولُ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } مقدر باذكر ، أو بدل من { إِذْ هُمْ نجوى } على وضع { الظالمون } موضع الضمير للدلالة على أن تناجيهم بقولهم هذا من باب الظلم ، والمسحور هو الذي سُحِرَ فزال عقله . وقيل الذي له سحر وهو الرئة أي إلا رجلاً يتنفس ويأكل ويشرب مثلكم .","part":3,"page":428},{"id":1429,"text":"{ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال } مثلوك بالشاعر والساحر والكاهن والمجنون . { فُضّلُواْ } عن الحق في جميع ذلك . { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى طعن موجه فيتهافتون ويخبطون كالمتحير في أمره لا يدري ما يصنع أو إلى الرشاد . { وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا } حطاماً . { أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } على الإِنكار والاستبعاد لما بين غضاضة الحي ويبوسة الرميم ، من المباعدة والمنافاة ، والعامل في إذا ما دل عليه مبعوثون لا نفسه لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها و { خَلْقاً } مصدر أو حال .\r{ قُلْ } جواباً لهم . { كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } .\r{ أَوْ خَلْقًا مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي مما يكبر عندكم عن قبول الحياة لكونه أبعد شيء منها ، فإن قدرته تعالى لا تقصر عن إحيائكم لاشتراك الأجسام في قبول الأعراض ، فكيف إذا كنتم عظاماً مرفوتة وقد كانت غضة موصوفة بالحياة قبل والشيء أقبل لما عهد فيه مما لم يعهد . { فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الذى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } وَكُنتم تراباً وما هو أبعد منه من الحياة . { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ } فسيحركونها نحوك تعجباً واستهزاء . { وَيَقُولُونَ متى هُوَ قُلْ عسى أَن يَكُونَ قَرِيبًا } فإن كل ما هو آت قريب ، وانتصابه على الخبر أو الظرف أي يكون في زمان قريب ، و { أَن يَكُونَ } اسم { عَسَى } أو خبره والاسم مضمر .\r{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ } أي يوم يبعثكم فتنبعثون ، استعار لهما الدعاء والاستجابة للتنبيه على سرعتهما وتيسر أمرهما ، وأن المقصود منهما الإحضار للمحاسبة والجزاء . { بِحَمْدِهِ } حال منهم أي حامدين الله تعالى على كمال قدرته كما قيل إنهم ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : سبحانك اللهم وبحمدك ، أو منقادين لبعثه انقياد الحامدين عليه . { وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً } وتستقصرون مدة لبثكم في القبور كالذي مر على قرية ، أو مدة حياتكم لما ترون من الهول .\r{ وَقُل لِّعِبَادِى } يعني المؤمنين . { يَقُولُواْ التى هِىَ أَحْسَنُ } الكلمة التي هي أحسن ولا يخاشنوا المشركين . { إِنَّ الشيطان يَنزِعُ بَيْنَهُمْ } يهيج بينهم المراء والشر فلعل المخاشنة بهم تفضي إلى العناد وازدياد الفساد . { إِنَّ الشيطان كَانَ للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا } ظاهر العداوة .\r{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } تفسير ل { التى هِىَ أَحْسَنُ } وما بينهما اعتراض أي قولوا لهم هذه الكلمة ونحوها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار ، فإنه يهيجهم على الشر مع أن ختام أمرهم غيب لا يعلمه إلا الله . { وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } موكولاً إليك أمرهم تقسرهم على الإِيمان وإنما أرسلناك مبشراً ونذيراً فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم . وروي أن المشركين أفرطوا في إيذائهم فشكوا إلى رسول الله A فنزلت .","part":3,"page":429},{"id":1430,"text":"وقيل شتم عمر رضي الله تعالى عنه رجل منهم فهم به فأمره الله بالعفو .\r{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السموات والأرض } وبأحوالهم فيختار منهم لنبوته وولايته من يشاء ، وهو رد لاستبعاد قريش أن يكون يتيم أبي طالب نبياً ، وأن يكون العراة الجوع أصحابه . { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ } بالفضائل النفسانية والتبري عن العلائق الجسمانية ، لا بكثرة الأموال والأتباع حتى داود E فإن شرفه بما أوحى إليه من الكتاب لا بما أوتيه من الملك . قيل هو إشارة إلى تفضيل رسول الله A وقوله : { وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } تنبيه على وجه تفضيله وهو أنه خاتم الأنبياء وأمته خير الأمم المدلول عليه بما كتب في الزبور من أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ، وتنكيره ها هنا وتعريفه في قوله تعالى : { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور } لأنه في الأصل فعول للمفعول كالحلوب ، أو المصدر كالقبول ويؤيده قراءة حمزة بالضم وهو كالعباس أو الفضل ، أو لأن المراد وآتينا داود بعض الزبر ، أو بعضاً من الزبور فيه ذكر الرسول E .","part":3,"page":430},{"id":1431,"text":"{ قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم } أنها آلهة . { مِن دُونِهِ } كالملائكة والمسيح وعزير . { فَلاَ يَمْلِكُونَ } فلا يستطيعون . { كَشَفَ الضر عَنْكُمْ } كالمرض والفقر والقحط . { وَلاَ تَحْوِيلاً } ولا تحويل ذلك منكم إلى غيركم .","part":3,"page":431},{"id":1432,"text":"{ أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } هؤلاء الآلهة يبتغون إلى الله القرابة بالطاعة . { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } بدل من واو { يَبْتَغُونَ } أي يبتغي من هو أقرب منهم إلى الله الوسيلة فكيف بغير الأقرب . { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ } كسائر العباد فكيف تزعمون أنهم آلهة . { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } حقيقاً بأن يحذره كل أحد حتى الرسل والملائكة .","part":3,"page":432},{"id":1433,"text":"{ وَإِن مّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ القيامة } بالموت والاستئصال . { أَوْ مُعَذّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا } بالقتل وأنواع البلية . { كَانَ ذلك فِى الكتاب } في اللوح المحفوظ . { مَسْطُورًا } مكتوباً .","part":3,"page":433},{"id":1434,"text":"{ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالآيات } ما صرفنا عن إرسال الآيات التي اقترحها قريش . { إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون } إلا تكذيب الأولين الذين هم أمثالهم في الطبع كعاد وثمود ، وأنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ، واستوجبوا الاستئصال على ما مضت به سنتنا وقد قضينا أن لا نستأصلهم ، لأن منهم من يؤمن أو يلد من يؤمن . ثم ذكر بعض الأمم المهلكة بتكذيب الآيات المقترحة فقال :\r{ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ } بسؤالهم . { مُبْصِرَةً } بينة ذات أبصار أو بصائر ، أو جاعلتهم ذوي بصائر وقرىء بالفتح . { فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بها ، أو فظلموا أنفسهم بسبب عقرها . { وَمَا نُرْسِلُ بالآيات } أي بالآيات المقترحة . { إِلاَّ تَخْوِيفًا } من نزول العذاب المستأصل ، فإن لم يخافوا نزل أو بغير المقترحة كالمعجزات وآيات القرآن إلا تخويفاً بعذاب الآخرة ، فإن أمر من بعثت إليهم مؤخر إلى يوم القيامة ، والباء مزيدة أو في موقع الحال والمفعول محذوف .\r{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ } واذكر إذ أوحينا إليك . { إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس } فهم في قبضة قدرته ، أو أحاط بقريش بمعنى أهلكهم من أحاط بهم العدو ، فهي بشارة بوقعة بدر والتعبير بلفظ الماضي لتحقق وقوعه . { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك } ليلة المعراج وتعلق به من قال إنه كان في المنام ، ومن قال إنه كان في اليقظة فسر الرؤيا بالرؤية . أو عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة . وفيه أن الآية مكية إلا أن يقال رآها بمكة وحكاها حينئذ ، ولعله رؤيا رآها في وقعة بدر لقوله تعالى : { إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً } ولما روي \" أنه لما ورد ماءه قال لكأني أنظر إلى مصارع القوم هذا مصرع فلان وهذا مصرع فلان ، فتسامعت به قريش واستسخروا منه \" وقيل رأى قوماً من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القردة فقال : «هذا حظهم من الدنيا يعطونه بإسلامهم» ، وعلى هذا كان المراد بقوله : { إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } ما حدث في أيامهم . { والشجرة الملعونة فِى القرءان } عطف على { الرءيا } وهي شجرة الزقوم ، لما سمع المشركون ذكرها قالوا إن محمداً يزعم أن الجحيم تحرق الحجارة ثم يقول ينبت فيها الشجر ، ولم يعلموا أن من قدر أن يحمي وبر السَمَنْدَل من أن تأكله النار ، وأحشاء النعامة من أذى الجمر وقطع الحديد المحماة الحمر التي تبتلعها ، قدر أن يخلق في النار شجرة لا تحرقها . ولعنها في القرآن لعن طاعميها وصفت به على المجاز للمبالغة ، أو وصفها بأنها في أصل الجحيم فإنه أبعد مكان من الرحمة ، أو بأنها مكروهة مؤذية من قولهم طعام ملعون لما كان ضاراً ، وقد أولت بالشيطان وأبي جهل والحكم بن أبي العاصي ، وقرأت بالرفع على الابتداء والخبر محذوف أي والشجرة الملعونة في القرآن كذلك .","part":3,"page":434},{"id":1435,"text":"{ وَنُخَوّفُهُمْ } بأنواع التخويف . { فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } إلا عتواً متجاوز الحد .\r{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } لمن خلقته من طين ، فنصب بنزع الخافض ، ويجوز أن يكون حالاً من الراجع إلى الموصول أي خلقته وهو طين ، أو منه أي أأسجد له وأصله طين . وفيه على الوجوه الثلاثة إيماء بعلة الإنكار .\r{ قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَيَّ } الكاف لتأكيد الخطاب لا محل له من الإِعراب ، وهذا مفعول أول والذي صفته والمفعول الثاني محذوف للدلالة صلته عليه ، والمعنى أخبرني عن هذا الذي كرمته علي بأمري بالسجود له لم كرمته علي . { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القيامة } كلام مبتدأ واللام موطئة للقسم وجوابه : { لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً } أي لأستأصلنهم بالاغواء إلا قليلاً لا أقدر أن أقاوم شكيمتهم ، من أحتنك الجراد الأرض إذا جرد ما عليها أكلاً ، مأخوذ من الحنك وإنما علم أن ذلك يتسهل له إما استنباطاً من قول الملائكة { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } مع التقرير ، أو تفرساً من خلقه ذا وهم وشهوة وغضب .\r{ قَالَ اذهب } امض لما قصدته وهو طرد وتخلية بينه وبين ما سولت له نفسه . { فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } جزاؤك وجزاؤهم فغلب المخاطب على الغائب ، ويجوز أن يكون الخطاب للتابعين على الالتفات . { جَزَاء مَّوفُورًا } مكملاً من قولهم فر لصاحبك عرضه ، وانتصاب جزاء على المصدر بإضمار فعله أو بما في { جَزَاؤُكُمْ } من معنى تجازون ، أو حال موطئة لقوله { مَّوفُورًا } .\r{ واستفزز } واستخفف . { مَنِ استطعت مِنْهُمْ } أن تستفزه والفز الخفيف . { بِصَوْتِكَ } بدعائك إلى الفساد . { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } وصح عليهم من الجلبة وهي الصياح . { بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } بأعوانك من راكب وراجل ، والخيل الخيالة ومنه قوله E \" يا خيل الله اركبي \" والرجل اسم جمع للراجل كالصحب والركب ، ويجوز أن يكون تمثيلاً لتسلطه على من يغويه بمغوار صوت على قوم فاستفزهم من أماكنهم وأجلب عليهم بجنده حتى استأصلهم . وقرأ حفص { وَرَجِلِكَ } بالكسر وغيره بالضم وهما لغتان كندس وندس ومعناه : وجمعك الرجل . وقرىء و «رجالك» و «رجالك» . { وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال } بحملهم على كسبها وجمعها من الحرام والتصرف فيها على ما لا ينبغي . { والأولاد } بالحث على التوصل إلى الولد بالسبب المحرم ، والإِشراك فيه بتسميته عبد العزى ، والتضليل بالحمل على الأديان الزائغة والحرف الذميمة والأفعال القبيحة . { وَعِدْهُمْ } المواعيد الباطلة كشفاعة الآلهة والاتكال على كرامة الآباء وتأخير التوبة لطول الأمل . { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } اعتراض لبيان مواعيده الباطلة ، والغرور تزيين الخطأ بما يوهم أنه صواب .","part":3,"page":435},{"id":1436,"text":"{ إِنَّ عِبَادِى } يعني المخلصين ، وتعظيم الإِضافة والتقييد في قوله : { إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } يخصصهم { لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } أي على إغوائهم قدرة . { وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً } يتوكلون عليه في الاستعاذة منك على الحقيقة .","part":3,"page":436},{"id":1437,"text":"{ رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى } هو الذي يجري . { لَكُمُ الفلك فِى البحر لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } الريح وأنواع الأمتعة التي لا تكون عندكم . { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهل عليكم ما تعسر من أسبابه .","part":3,"page":437},{"id":1438,"text":"{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر } خوف الغرق . { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ } ذهب عن خواطركم كل من تدعونه في حوادثكم . { إِلاَّ إِيَّاهُ } وحده فإنكم حينئذ لا يخطر ببالكم سواه فلا تدعون لكشفه إلا إياه ، أو ضل كل من تعبدونه عن إغاثتكم إلا الله . { فَلَمَّا نجاكم } من الغرق . { إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ } عن التوحيد . وقيل اتسعتم في كفران النعمة كقول ذي الرمة :\rعَطَاء فَتَى تَمَكَّنَ فِي المَعَالي ... فَأَعْرَضَ فِي المَكَارِمِ وَاسْتَطَالاَ\r{ وَكَانَ الإنسان كَفُورًا } كالتعليل للإعراض .","part":3,"page":438},{"id":1439,"text":"{ أَفَأَمِنتُمْ } الهمزة فيه للإِنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره : أنجوتم فأمنتم فحملكم ذلك على الإِعراض ، فإن من قدر أن يهلككم في البحر بالغرق قادر أن يهلككم في البر بالخسف وغيره . { أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر } أن يقلبه الله وأنتم عليه ، أو يقلبه بسببكم فبكم حال أو صلة ليخسف ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالنون فيه وفي الأربعة التي بعده ، وفي ذكر الجانب تنبيه على أنهم لما وصلوا الساحل كفروا وأعرضوا وأن الجوانب والجهات في قدرته سواء لا معقل يؤمن فيه من أسباب الهلاك . { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } ريحاً تحصب أي ترمي بالحصباء { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } يحفظكم من ذلك فإنه لا راد لفضله .\r{ أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ } في البحر . { تَارَةً أخرى } بخلق دواع تلجئكم إلى أن ترجعوا فتركبوه . { فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مّنَ الريح } لا تمر بشيء إلا قصفته أي كسرته . { فَيُغْرِقَكُم } وعن يعقوب بالتاء على إسناده إلى ضمير { الريح } . { بِمَا كَفَرْتُمْ } بسبب إشراككم أو كفرانكم نعمة الإِنجاء . { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } مطالباً يتبعنا بانتصار أو صرف .\r{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } بحسن الصورة والمزاج الأعدل واعتدال القامة والتمييز بالعقل والإِفهام بالنطق والإِشارة والخط والتهدي ، أو أسباب المعاش والمعاد والتسلط على ما في الأرض والتمكن من الصناعات وانسياق الأسباب والمسببات العلوية والسفلية إلى ما يعود عليهم بالمنافع إلى غير ذلك مما يقف الحضر دون إحصائه ومن ذلك ما ذكره ابن عباس : وهو أن كل حيوان يتناول طعامه بفيه إلا الإنسان فإنه يرفعه إليه بيده . { وحملناهم فِى البر والبحر } على الدواب والسفن من حملته حملا إذا جعلت له ما يركبه ، أو حملناهم فيهما حتى لم تخسف بهم الأرض ولم يغرقهم الماء . { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } المستلذات مما يحصل بفعلهم وبغير فعلهم . { وفضلناهم على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } بالغلبة والاستيلاء أو بالشرف والكرامة ، والمستثنى جنس الملائكة عليهم الصلاة والسلام أو الخواص منهم ، ولا يلزم من عدم تفضيل الجنس عدم تفضيل بعض أفراده والمسألة موضع نظر ، وقد أول الكثير بالكل وفيه تعسف .\r{ يَوْمَ نَدْعُو } نصب بإضمار اذكر أو ظرف لما دل عليه { وَلاَ يُظْلَمُونَ } ، وقرىء «يدعو» و «يدعي» و «يدعو» على قلب الألف واواً في لغة من يقول أفعو في أفعى ، أو على أن الواو علامة الجمع كما في قوله : { وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ } أو ضميره وكل بدل منه والنون محذوفة لقلة المبالاة بها فإنها ليست إلا علامة الرفع ، وهو قد يقدر كما في «يدعي» . { كُلَّ أُنَاسٍ بإمامهم } بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين أو كتاب أو دين .","part":3,"page":439},{"id":1440,"text":"وقيل بكتاب أعمالهم التي قدموها فيقال يا صاحب كتاب كذا ، أي تنقطع علقة الأنساب وتبقى نسبة الأعمال . وقيل بالقوى الحاملة لهم على عقائدهم وأفعالهم . وقيل بأمهاتهم جمع أم كخف وخفاف ، والحكمة في ذلك ، إجلال عيسى عليه السلام وإظهار شرف الحسن والحسين Bهما ، وأن لا يفتضح أولاد الزنا . { فَمَنْ أُوتِىَ } من المدعوين . { كتابه بِيَمِينِهِ } أي كتاب عمله . { فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم } ابتهاجاً وتبجحاً بما يرون فيه . { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } ولا ينقصون من أجورهم أدنى شيء ، وجمع اسم الإشارة والضمير لأن من أوتي في معنى الجمع ، وتعليق القراءة بإيتاء الكتاب باليمين يدل على أن من أوتي كتابه بشماله إذا اطلع ما فيه غشيهم من الخجل والحيرة ما يحبس ألسنتهم عن القراءة ، ولذلك لم يذكرهم مع أن قوله :\r{ وَمَن كَانَ فِى هذه أعمى فَهُوَ فِى الأخرة أعمى } أيضاً مشعر بذلك فإن الأعمى لا يقرأ الكتاب ، والمعنى ومن كان في هذه الدنيا أعمى القلب لا يبصر رشده كان في الآخرة أعمى لا يرى طريق النجاة . { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } منه في الدنيا لزوال الاستعداد وفقدان الآلة والمهلة . وقيل لأن الاهتداء بعد لا ينفعه والأعمى مستعار من فاقد الحاسة . وقيل الثاني للتفضيل من عمي بقلبه كالأجهل والأبله ولذلك لم يمله أبو عمرو ويعقوب ، فإن أفعل التفضيل تمامه بمن فكانت ألفه في حكم المتوسطة كما في أعمالكم بخلاف النعت ، فإن ألفه واقعة في الطرف لفظاً وحكماً فكانت معرضة للامالة من حيث إنها تصير ياء في التثنية ، وقد أمالهما حمزة والكسائي وأبو بكر ، وقرأ ورش بين بين فيهما .\r{ وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } نزلت في ثقيف قالوا لا ندخل في أمرك حتى تعطينا خصالاً نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا نجبى في صلاتنا ، وكل رباً لنا فهو لنا وكل رباً علينا فهو موضوع عنا ، وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة ، فإن قالت العرب لم فعلت ذلك فقل إن الله أمرني . وقيل في قريش قالوا لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بآلهتنا وتمسها بيدك . وإن هي المخففة واللام هي الفارقة والمعنى : أن الشأن قاربوا بمبالغتهم أن يوقعوك في الفتنة بالاستنزال . { عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من الأحكام { لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } غير ما أوحينا إليك . { وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } ولو اتبعت مرادهم لاتخذوك بافتتانك ولياً لهم بريئاً من ولايتي .\r{ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك } ولولا تثبيتنا إياك . { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } لقاربت أن تميل إلى اتباع مرادهم ، والمعنى أنك كنت على صدد الركون إليهم لقوة خدعهم وشدة احتيالهم لكن أدركتك عصمتنا فمنعت أن تقرب من الركون فضلاً أن تركن إليهم ، وهو صريح في أنه E ما هَمَّ بإجابتهم مع قوة الدواعي . إليها ، ودليل على أن العصمة بتوفيق الله وحفظه .","part":3,"page":440},{"id":1441,"text":"{ إِذًا لأذقناك } أي لو قاربت لأذقناك . { ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ الممات } أي عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ضعف ما نعذب به في الدارين بمثل هذا الفعل غيرك لأن خطأ الخطير أخطر ، وكان أصل الكلام عذاباً ضعفاً في الحياة وعذاباً ضعفاً في الممات بمعنى مضاعفاً ، ثم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، ثم أضيفت كما يضاف موصوفها . وقيل الضعف من أسماء العذاب . وقيل المراد ب { ضِعْفَ الحياة } عذاب الآخرة { وَضِعْفَ الممات } عذاب القبر . { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } يدفع العذاب عنك .","part":3,"page":441},{"id":1442,"text":"{ وَإِن كَادُواْ } وإن كاد أهل مكة . { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } ليزعجوك بمعاداتهم . { مّنَ الأرض } أرض مكة . { لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك } ولو خرجت لا يبقون بعد خروجك . { إِلاَّ قَلِيلاً } إلا زماناً قليلاً ، وقد كان كذلك فإنهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة . وقيل الآية : نزلت في اليهود حسدوا مقام النبي بالمدينة فقالوا : الشام مقام الأنبياء فإن كنت نبياً فالحق بها حتى نؤمن بك ، فوقع ذلك في قلبه فخرج مرحلة فنزلت ، فرجع ثم قتل منهم بنو قريظة وأجلي بنو النضير بقليل . وقرىء «لا يلبثوا» منصوباً ب { إِذَا } على أنه معطوف على جملة قوله : { وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ } لا على خبر كاد فإن إذا لا تعمل إذا كان معتمد ما بعدها على ما قبلها وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وحفص { خلافك } وهو لغة فيه قال الشاعر :\rعفت الدَّيَار خِلافَهُمْ فَكَأَنَّمَا ... بسط الشَّوَاطِبَ بَيْنَهُنَّ حَصِيراً\r{ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } نصب على المصدر أي سن الله ذلك سنة ، وهو أن يهلك كل أمة لله أخرجوا رسولهم من بين أظهرهم ، فالسنة لله وإضافتها إلى الرسل لأنها من أجلهم ويدل عليه . { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } أي تغييراً .","part":3,"page":442},{"id":1443,"text":"{ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } لزوالها ويدل عليه قوله E « أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلى بي الظهر » وقيل لغروبها وأصل التركيب للانتقال ومنه الدلك فإن الدلك لا تستقر يده ، وكذا كل ما تركب من الدال واللام : كدلج ودلح ودلع ودلف ودله . وقيل الدلوك من الدلك لأن الناظر إليها يدلك عينيه ليدفع شعاعها ، واللام للتأنيث مثلها في : لثلاث خلون { إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ } إلى ظلمته وهو وقت صلاة العشاء الأخيرة . { وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ } وصلاة الصبح ، سميت قرآناً لأنه ركنها كما سميت ركوعاً وسجوداً ، واستدل به على وجوب القراءة فيها ولا دليل فيه لجواز أن يكون التجوز لكونها مندوبة فيها ، نعم لو فسر بالقراءة في صلاة الفجر دل الأمر بإقامتها على الوجوب فيها نصاً وفي غيرها قياساً . { إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً } تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار ، أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء والنوم الذي هو أخو الموت بالانتباه أو كثير من المصلين أو من حقه أن يشهده الجم الغفير ، والآية جامعة للصلوات الخمس إن فسر الدلوك بالزوال ولصلوات الليل وحدها إن فسر بالغروب . وقيل المراد بالصلاة صلاة المغرب وقوله { لِدُلُوكِ الشمس إلى غَسَقِ اليل } بيان لمبدأ الوقت ومنتهاه ، واستدل به على أن الوقت يمتد إلى غروب الشفق .","part":3,"page":443},{"id":1444,"text":"{ وَمِنَ اليل فَتَهَجَّدْ بِهِ } وبعض الليل فاترك الهجود للصلاة والضمير لل { قُرْءانَ } . { نَافِلَةً لَّكَ } فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة ، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك . { عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } مقاماً يحمده القائم فيه وكل من عرفه ، وهو مطلق في كل مكان يتضمن كرامة والمشهور أنه مقام الشفاعة . لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أنه E قال : « هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي » ولإِشعاره بأن الناس يحمدونه لقيامه فيه وما ذاك إلا مقام الشفاعة ، وانتصابه على الظرف بإضمار فعله أي فيقيمك مقاماً أو بتضمين { يَبْعَثَكَ } معناه ، أو الحال بمعنى أن يبعثك ذا مقام .","part":3,"page":444},{"id":1445,"text":"{ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } أي في القبر . { مُدْخَلَ صِدْقٍ } إِدخالاً مرضياً . { وَأَخْرِجْنِى } أي منه عند البعث . { مُخْرَجَ صِدْقٍ } إخراجاً ملقى بالكرامة . وقيل المراد إدخال المدينة والإخراج من مكة . وقيل إدخاله مكة ظاهراً عليها وإخراجه منها آمناً من المشركين . وقيل إدخاله الغار وإخراجه منه سالماً . وقيل إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة وإخراجه منه مؤدياً حقه . وقيل إدخاله في كل ما يلابسه من مكان أو أمر وإخراجه منه . وقرىء { مُدْخَلَ } و { مُخْرَجَ } بالفتح على معنى أدخلني فأدخل دخولاً وأخرجني فأخرج خروجاً . { واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا } حجة تنصرني على من خالفني أو ملكاً ينصر الإِسلام على الكفر ، فاستجاب له بقوله : { فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الغالبون } { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض } { وَقُلْ جَاء الحق } الإسلام { وَزَهَقَ الباطل } وذهب وهلك الشرك من زهق روحه إذا خرج . { إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقًا } مضمحلاً غير ثابت ، عن ابن مسعود Bه ( أنه E دخل مكة يوم الفتح وفيها ثلثمائة وستون صنماً ينكت بمخصرته في عين كل واحد منها فيقول جاء الحق وزهق الباطل ، فينكب لوجهه حتى ألقى جميعها وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من صفر فقال : يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره ) .\r{ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } ما هو في تقويم دينهم واستصلاح نفوسهم كالدواء الشافي للمرضى ، و { مِنْ } للبيان فإن كله كذلك . وقيل إنه للتبعيض والمعنى أن منه ما يشفي من المرض كالفاتحة وآيات الشفاء . وقرأ البصريان { نُنَزّلُ } بالتخفيف . { وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا } لتكذيبهم وكفرهم به .\r{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان } بالصحة والسعة { أَعْرَضَ } عن ذكر الله . { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } لوى عطفه وبعد بنفسه عنه كأنه مستغن مستبد بأمره ، ويجوز أن يكون كناية عن الاستكبار لأنه من عادة المستكبرين ، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان هنا وفي «فصلت» { وناء } على القلب أو على أنه بمعنى نهض . { وَإِذَا مَسَّهُ الشر } من مرض أو فقر . { كَانَ يَئُوساً } شديد اليأس من روح الله .\r{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ } قل كل أحد يعمل على طريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة ، أو جوهر روحه وأحواله التابعة لمزاج بدنه . { فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً } أسد طريقاً وأبين منهجاً ، وقد فسرت الشاكلة بالطبيعة والعادة والدين .","part":3,"page":445},{"id":1446,"text":"{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح } الذي يحيا به بدن الإنسان ويدبره . { قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبّى } من الإبداعيات الكائنة ب { كُنَّ } من غير مادة وتولد من أصل كأعضاء جسده ، أو وجد بأمره وحدث بتكوينه على أن السؤال عن قدمه وحدوثه . وقيل مما استأثر الله بعلمه . لما روي : أن اليهود قالوا لقريش سلوه عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح ، فإن أجاب عنها أو سكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبي ، فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة . وقيل الروح جبريل وقيل خلق أعظم من الملك وقيل القرآن ، ومن أمر ربي معناه من وحيه . { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } تستفيدونه بتوسط حواسكم ، فإن اكتساب العقل للمعارف النظرية . إنما هو من الضروريات المستفادة من إحساس الجزئيات ، ولذلك قيل من فقد حساً فقد فقد علماً . ولعل أكثر الأشياء لا يدركه الحس ولا شيئاً من أحواله المعروفة لذاته ، وهو إشارة إلى أن الروح مما لا يمكن معرفة ذاته إلا بعوارض تميزه عما يلتبس به ، فلذلك اقتصر على هذا الجواب كما اقتصر موسى في جواب : وما رب العالمين بذكر بعض صفاته . روي : أنه E لما قال لهم ذلك قالوا : أنحن مختصون بهذا الخطاب؟ فقال : بل نحن وأنتم ، فقالوا : ما أعجب شأنك ساعة تقول { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } وساعة تقول هذا فنزلت { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } وما قالوا لسوء فهمهم لأن الحكمة الإنسانية أن يعلم من الخير والحق ما تسعه القوة البشرية بل ما ينتظم به معاشه ومعاده ، وهو بالإضافة إلى معلومات الله التي لا نهاية لها قليل ينال به خير الدارين وهو بالإضافة إليه كثيراً .","part":3,"page":446},{"id":1447,"text":"{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } اللام الأولى موطئة للقسم و { لنذهبن } جوابه النائب مناب جزاء الشرط . والمعنى إن شئنا ذهبنا بالقرآن ومحوناه من المصاحف والصدور { ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً } من يتوكل علينا استرداده مسطوراً محفوظاً .\r{ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } فإنها إن نالتك فلعلهما تسترده عليك ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به ، فيكون امتناناً بابقائه بعد المنة في تنزيله . { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } كإرساله وإنزال الكتاب عليه وإبقائه في حفظه .\r{ قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان } في البلاغة وحسن النظم وكمال المعنى . { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } وفيهم العرب العرباء وأَرباب البيان وأهل التحقيق ، وهو جواب قسم محذوف دل عليه اللام الموطئة ، ولولا هي لكان جواب الشرط بلا جزم لكون الشرط ماضياً كقول زهير :\rوَإِنْ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْأَلَة ... يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالي وَلاَ حَرَمُ\r{ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } ولو تظاهروا على الإِتيان به ، ولعله لم يذكر الملائكة لأن إتيانهم بمثله لا يخرجه عن كونه معجزاً ، ولأنهم كانوا وسائط في إتيانه ، ويجوز أن تكون الآية تقريراً لقوله : { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } .\r{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } كررنا بوجوه مختلفة زيادة في التقرير والبيان . { لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ } من كل معنى كالمثل في غرابته ووقوعه موقعها في الأنفس . { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } إلا جحوداً ، وإنما جاز ذلك ولم يجز : ضربت إلا زيداً لأنه متأول بالنفي .\r{ وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعًا } تعنتاً واقتراحاً بعد ما لزمتهم الحجة بيان إعجاز القرآن وانضمام غيره من المعجزات إليه . وقرأ الكوفيون ويعقوب { تَفْجُرَ } بالتخفيف والأرض أرض مكة والينبوع عين لا ينضب ماؤها يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر .\r{ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأنهار خلالها تَفْجِيرًا } أو يكون لك بستان يشتمل على ذلك .\r{ أَوْ نُسْقِطْ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } يعنون قوله تعالى : { أَوْ تُسْقِطَ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء } وهو كقطع لفظاً ومعنى ، وقد سكنه ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي ويعقوب في جميع القرآن إلا في «الروم» وابن عامر إلا في هذه السورة ، وأبو بكر ونافع في غيرهما وحفص فيما عدا «الطور» ، وهو إما مخفف من المفتوح كسدرة وسدر أو فعل بمعنى مفعول كالطحن . { أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } كفيلاً بما تدعيه أي شاهداً على صحته ضامناً لدركه ، أو مقابلاً كالعشير بمعنى المعاشر وهو حال من الله وحال الملائكة محذوفة لدلالتها عليها كما حذف الخبر في قوله :\r( فإني وقيار بها لغريب )\rأو جماعة فيكون حالا من { الملائكة }\r{ أو يكون لك بيت من زخرف } من ذهب وقد قرئ به وأصله الزينة { أو ترقى في السماء } في معارجها { ولن نؤمن لرقيك } وحده { حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه } وكان فيه تصديقك { قل سبحان ربي } تعجبا من اقتراحاتهم أو تنزيها لله من أن يأتي أو يتحكم عليه أو يشاركه أحد في القدرة وقرأ ابن كثير و ابن عامر : قال سبحان ربي أي قال الرسول : { هل كنت إلا بشرا } كسائر الناس { رسولا } كسائر الرسل وكانوا لا يأتون قومهم إلا بما يظهره الله عليهم على ما يلائم حال قومهم ولم يكن أمر الآيات إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله حتى يتخيروها علي هذا هو الجواب المجمل وأما التفصيل فقد ذكر في آيات أخر كقوله : { ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس } { ولو فتحنا عليهم بابا }","part":3,"page":447},{"id":1448,"text":"{ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الهدى } أي وما منعهم الإيمان بعد نزول الوحي وظهور الحق . { إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } إلا قولهم هذا ، والمعنى أنه لم يبق لهم شبهة تمنعهم عن الإيمان بمحمد A والقرآن إلا أنكارهم أن يرسل الله بشراً .","part":3,"page":448},{"id":1449,"text":"{ قُلْ } جواباً لشبهتهم . { لَوْ كَانَ فِى الأرض ملائكة يَمْشُونَ } كما يمشي بنو آدم . { مُطْمَئِنّينَ } ساكنين فيها . { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } لتمكنهم من الاجتماع به والتلقي منه ، وأما الإِنس فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه ، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس ، وملكاً يحتمل أن يكون حالاً من رسولاً وأن يكون موصوفاً به وكذلك بشراً والأول أوفق .","part":3,"page":449},{"id":1450,"text":"{ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } على أني رسول الله إليكم بإظهاره المعجزة على وفق دعواي ، أو على أني بلغت ما أرسلت به إليكم وأنكم عاندتم وشهيداً نصب على الحال أو التمييز . { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } يعلم أحوالهم الباطنة منها والظاهرة فيجازيهم عليها ، وفيه تسلية للرسول A وتهديد للكفار .\r{ وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ } يهدونه . { وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ } يسحبون عليها أو يمشون بها . روي ( أنه قيل لرسول الله A كيف يمشون على وجوههم قال : « إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم » { عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمّا } لا يبصرون ما يقر أعينهم ولا يسمعون ما يلذ مسامعهم ولا ينطقون بما يقبل منهم ، لأنهم في دنياهم لم يستبصروا بالآيات والعبر وتصاموا عن استماع الحق وأبوا أن ينطقوا بالصدق ، ويجوز أن يحشروا بعد الحساب من الموقف إلى النار مؤفي القوى والحواس . { مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ } سكن لهبها بأن أكلت جلودهم ولحومهم . { زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } توقداً بأن نبدل جلودهم ولحومهم فتعود ملتهبة مستعرة ، كأنهم لما كذبوا بالإِعادة بعد الإِفناء جزاهم الله بأن لا يزالوا على الإِعادة والإِفناء وإليه أشار بقوله :\r{ ذَلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بئاياتنا وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } لأن الإِشارة إلى ما تقدم من عذابهم .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } أو لم يعلموا . { أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } فإنهم ليسوا أشد خلقاً منهن ولا الإعادة أصعب عليه من الإبداء . { وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ } هو الموت أو القيامة . { فأبى الظالمون } مع وضوح الحق . { إِلاَّ كُفُورًا } إلا جحوداً .\r{ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى } خزائن رزقه وسائر نعمه ، وأنتم مرفوع بفعل يفسره ما بعده كقول خاتم : لو ذات سوار لطمتني . وفائدة هذا الحذف والتفسير المبالغة مع الإِيجاز والدلالة على الاختصاص . { إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق } لبخلتم مخافة النفاد بالإنفاق إذ لا أحد إلا ويختار النفع لنفسه ولو آثر غيره بشيء فإنما يؤثره لعوض يفوقه فهو إذن بخيل بالإضافة إلى جود الله تعالى وكرمه هذا وإن البخلاء أغلب فيهم . { وَكَانَ الإنسان قَتُورًا } بخيلاً لأن بناء أمره على الحاجة والضنة بما يحتاج إليه وملاحظة العوض فيما يبذله .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ } هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم وانفجار الماء من الحجر وانفلاق البحر ونتق الطور على بني إسرائيل . وقيل الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الثلاثة الأخيرة . وعن صفوان أن يهودياً سأل النبي A عنها فقال : أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة ولا تفروا من الزحف ، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا في السبت ، فقبل اليهودي يده ورجله .","part":3,"page":450},{"id":1451,"text":"فعلى هذا المراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة في كل الشرائع ، سميت بذلك لأنها تدل على حال من يتعاطى متعلقها في الآخرة من السعادة أو الشقاوة . وقوله وعليكم خاصة اليهود أن لا تعدوا ، حكم مستأنف زائد على الجواب ولذلك غير فيه سياق الكلام . { فاسأل بَنِى إسراءيل إِذْ جَاءهُمْ } فقلنا له سلهم من فرعون ليرسلهم معك ، أو سلهم عن حال دينهم ويؤيده قراءة رسول الله A «فسأَل» على لفظ المضي بغير همز وهو لغة قريش و { إِذْ } متعلق بقلنا أو سأل على هذه القراءة أو فاسأل يا محمد بني إسرائيل عما جرى بين موسى وفرعون إذ جاءهم ، أو عن الآيات ليظهر للمشركين صدقك أو لتتسلى نفسك ، أو لتعلم أنه تعالى لو أتى بما اقترحوا لأصروا على العناد والمكابرة كمن قبلهم ، أو ليزداد يقينك لأن تظاهر الأدلة يوجب قوة اليقين وطمأنينة القلب وعلى هذا كان { إِذْ } نصباً بآيتنا أو بإضمار يخبروك على أنه جواب الأمر ، أو بإضمار اذكر على الاستئناف . { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنّى لأَظُنُّكَ ياموسى مَّسْحُورًا } سحرت فتخبط عقلك .","part":3,"page":451},{"id":1452,"text":"{ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ } يا فرعون وقرأ الكسائي بالضم على إخباره عن نفسه . { مَا أَنزَلَ هَؤُلاء } يعني الآيات . { إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ } بينات تبصرك صدقي ولكنك تعاند وانتصابه على الحال . { وَإِنّى لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا } مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر من قولهم : ما ثبرك عن هذا ، أي ما صرفك أو هالكاً قارع ظنه بظنه وشتان ما بين الظنين فإن ظن فرعون كذب بحت وظن موسى يحوم حول اليقين من تظاهر أماراته . وقرىء «وإن أخالك يا فرعون لمثبوراً» على إن المخففة واللام هي الفارقة .","part":3,"page":452},{"id":1453,"text":"{ فَأَرَادَ } فرعون . { أَن يَسْتَفِزَّهُم } أن يستخف موسى وقومه وينفيهم . { مّنَ الأرض } أرض مصر أو الأرض مطلقاً بالقتل والاستئصال . { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } فعكسنا عليه مكره فاستفززناه وقومه بالإِغراق .","part":3,"page":453},{"id":1454,"text":"{ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ } من بعد فرعون أو إغراقه . { لِبَنِى إسراءيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزكم منها . { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة } الكرة أو الحياة أو الساعة أو الدار الآخرة يعني قيام القيامة . { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكم بينكم ونميز سعداءكم من أشقيائكم ، واللفيف الجماعات من قبائل شتى .","part":3,"page":454},{"id":1455,"text":"{ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } أي وما أنزلنا القرآن إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله ، وما نزل على الرسول إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه . وقيل وما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً بالرصد من الملائكة ، وما نزل على الرسول إلا محفوظاً بهم من تخليط الشياطين . ولعله أراد به نفي اعتراء البطلان له أول الأمر وآخره { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا } للمطيع بالثواب . { وَنَذِيرًا } للعاصي بالعقاب فلا عليك إلا التبشير والإنذار .","part":3,"page":455},{"id":1456,"text":"{ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ } نزلناه مفرقاً منجماً . وقيل فرقنا فيه الحق من الباطل فحذف الجار كما في قوله : ويوماً شهدناه ، وقرىء بالتشديد لكثرة نجومه فإنه نزل في تضاعيف عشرين سنة . { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ } على مهل وتؤدة فإنه أيسر للحفظ وأعون في الفهم وقرىء بالفتح وهو لغة فيه . { ونزلناه تَنْزِيلاً } على حسب الحوادث .","part":3,"page":456},{"id":1457,"text":"{ قُلْ ءامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } فإن إيمانكم بالقرآن لا يزيده كمالاً وامتناعكم عنه لا يورثه نقصاً وقوله : { إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ } تعليل له أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به من هو خير منكم وهم العلماء الذين قرؤوا الكتب السابقة وعرفوا حقيقة الوحي وأمارات النبوة ، وتمكنوا من الميز بين المحق والمبطل ، أو رأوا نعتك وصفة ما أنزل إليك في تلك الكتب ، ويجوز أن يكون تعليلاً ل { قُلْ } على سبيل التسلية كأنه قيل : تسل بإيمان العلماء عن إيمان الجهلة ولا تكترث بإيمانهم وإعراضهم . { إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ } القرآن . { يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا } يسقطون على وجوههم تعظيماً لأمر الله أو شكراً لإِنجاز وعده في تلك الكتب ببعثه محمد A على فترة من الرسل وإنزال القرآن عليه .","part":3,"page":457},{"id":1458,"text":"{ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبّنَا } عن خلف الموعد . { إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } إنه كان وعده كائناً لا محالة .","part":3,"page":458},{"id":1459,"text":"{ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ } كرره لاختلاف الحال والسبب فإن الأول للشكر عند إنجاز الوعد والثاني لما أثر فيهم من مواعظ القرآن حال كونهم باكين من خشية الله ، وذكر الذقن لأنه أول ما يلقى الأرض من وجه الساجد ، واللام فيه لاختصاص الخرور به . { وَيَزِيدُهُمْ } سماع القرآن { خُشُوعًا } كما يزيدهم علماً ويقيناً بالله\r{ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } نزلت حين سمع المشركون رسول الله يقول : يا الله يا رحمن فقالوا إنه ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهاً آخر . أو قالت اليهود : إنك لتقل ذكر الرحمن وقد أكثره الله في التوراة ، والمراد على الأول هو التسوية بين اللفظين بأنهما يطلقان على ذات واحدة وإن اختلف اعتبار إطلاقهما ، والتوحيد إنما هو للذات الذي هو المعبود المطلق وعلى الثاني أنهما سيان في حسن الإطلاق والإفضاء إلى المقصود وهو أجود لقوله : { أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى } والدعاء في الآية بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حذف أولهما استغناء عنه وأو للتخيير والتنوين في { أَيّا } عوض عن المضاف إليه ، و { مَا } صلة لتأكيد ما في { أَيّا } من الإِبهام ، والضمير في { فَلَهُ } للمسمى لأن التسمية له لا للاسم ، وكان أصل الكلام { أَيّا مَّا تَدْعُواْ } فهو حسن ، فوضع موضعه فله الأسماء الحسنى للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه وكونها حسنى لدلالتها على صفات الجلال والإكرام . { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } بقراءة صلاتك حتى تسمع المشركين ، فإن ذلك يحملهم على السب واللغو فيها . { وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } حتى لا تسمع من خلفك من المؤمنين . { وابتغ بَيْنَ ذلك } بين الجهر والمخافتة . { سَبِيلاً } وسطاً فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب . روي أن أبا بكر Bه كان يخفت ويقول : أناجي ربي وقد علم حاجتي ، وعمر Bه كان يجهر ويقول أطرد الشيطان وأوقظ الوسنان ، فلما نزلت أمر رسول الله A أبا بكر أن يرفع قليلاً وعمر أن يخفض قليلاً . وقيل معناه لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بها بأسرها وابتغ بين ذلك سبيلاً بالإِخفات نهاراً والجهر ليلاً .\r{ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } في الألوهية . { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل } ولي يواليه من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته نفي عنه أن يكون له ما يشاركه من جنسه ومن غير جنسه اختياراً واضطراراً ، وما يعاونه ويقويه ، ورتب الحمد عليه للدلالة على أنه الذي يستحق جنس الحمد لأنه الكامل الذات المنفرد بالإِيجاد ، المنعم على الإطلاق وما عداه ناقص مملوك نعمة ، أو منعم عليه ولذلك عطف عليه قوله : { وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } وفيه تنبيه على أن العبد وإن بالغ في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد ينبغي أن يعترف بالقصور عن حقه في ذلك .\rروي أنه A كان إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه هذه الآية ، وعنه عليه السلام « من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين ، كان له قنطار في الجنة » والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية ، والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .","part":3,"page":459},{"id":1460,"text":"{ الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب } يعني القرآن ، رتب استحقاق الحمد على إنزاله تنبيهاً على أنه أعظم نعمائه ، وذلك لأنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والمعاد . { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } شيئاً من العوج باختلال في اللفظ وتناف في المعنى ، أو انحراف من الدعوة إلى جانب الحق وهو في المعاني كالعوج في الأعيان .","part":3,"page":460},{"id":1461,"text":"{ قَيِّماً } مستقيماً معتدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط ، أو { قَيِّماً } بمصالح العباد فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفه بالكمال ، أو على الكتب السابقة يشهد بصحتها ، وانتصابه بمضمر تقديره جعله قيماً أو على الحال من الضمير في { لَهُ } ، أو من { الكتاب } على أن الواو { وَلَمْ يَجْعَل } للحال دون العطف ، إذ لو كان للعطف لكان المعطوف فاصلاً بين أبعاض المعطوف عليه ولذلك قيل فيه تقديم وتأخير { قَيِّماً } . { لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا } أي لينذر الذين كفروا عذاباً شديداً ، فحذف المفعول الأول اكتفاء بدلالة القرينة واقتصاراً على الغرض المسوق إليه . { مِن لَّدُنْهُ } صادراً من عنده ، وقرأ أبو بكر بإسكان الدال كإسكان الباء من سبع مع الإشمام ليدل على أصله ، وكسر النون لالتقاء الساكنين وكسر الهاء للإِتباع . { وَيُبَشّرَ المؤمنين الذين يَعْمَلُونَ الصالحات أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا } هو الجنة .","part":3,"page":461},{"id":1462,"text":"{ مَّاكِثِينَ فِيهِ } في الأجر . { أَبَدًا } بلا انقطاع .","part":3,"page":462},{"id":1463,"text":"{ وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } خصهم بالذكر وكرر الإنذار متعلقاً بهم استعظاماً لكفرهم ، وإنما لم يذكر المنذر به استغناء بتقدم ذكره .","part":3,"page":463},{"id":1464,"text":"{ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بالولد أو باتخاذه أو بالقول ، والمعنى أنهم يقولونه عن جهل مفرط وتوهم كاذب ، أو تقليد لما سمعوه من أوائلهم من غير علم بالمعنى الذي أرادوا به ، فإنهم كانوا يطلقون الأب والابن بمعنى المؤثر والأثر . أو بالله إذ لو علموه لما جوزوا نسبة الاتخاذ إليه . { وَلاَ لآَبَائِهِمْ } الذين تقولوه بمعنى التبني . { كَبُرَتْ كَلِمَةً } عظمت مقالتهم هذه في الكفر لما فيها من التشبيه والتشريك ، وإيهام احتياجه تعالى إلى ولد يعينه ويخلفه إلى غير ذلك من الزيغ ، و { كَلِمَةَ } نصب على التمييز وقرىء بالرفع على الفاعلية والأول أبلغ وأدل على المقصود . { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفة لها تفيد استعظام اجترائهم على إخراجها من أفواهم ، والخارج بالذات هو الهواء الحامل لها . وقيل صفة محذوف هو المخصوص بالذم لأن كبرها هنا بمعنى بئس وقرىء { كَبُرَتْ } بالسكون مع الإِشمام . { إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا } .","part":3,"page":464},{"id":1465,"text":"{ فَلَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } قاتلها . { على ءاثارهم } إذا ولوا عن الإِيمان ، لما يداخله من الوجد على توليهم بمن فارقته أعزته فهو يتحسر على آثارهم ويبخع نفسه وجداً عليهم . وقرىء { باخع نَّفْسَكَ } على الإِضافة . { إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث } بهذا القرآن . { أَسَفاً } للتأسف عليهم أو متأسفاً عليهم ، والأسف فرط الحزن والغضب . وقرىء «أن» بالفتح على لأن فلا يجوز إعمال «باخع» إلا إذا جعل حكاية حال ماضية .","part":3,"page":465},{"id":1466,"text":"{ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض } من الحيوان والنبات والمعادن . { زِينَةً لَّهَا } ولأهلها { لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } في تعاطيه ، وهو من زهد فيه ولم يغتر به وقنع منه بما يزجي به أيامه وصرفه على ما ينبغي ، وفيه تسكين لرسول الله A .","part":3,"page":466},{"id":1467,"text":"{ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً } تزهيد فيه ، والجرز الأرض التي قطع نباتها . مأخوذ من الجرز وهو القطع ، والمعنى إنا لنعيد ما عليها من الزينة تراباً مستوياً بالأرض ونجعله كصعيد أملس لا نبات فيه .","part":3,"page":467},{"id":1468,"text":"{ أَمْ حَسِبْتَ } بل أحسبت . { أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم } في إبقاء حياتهم مدة مديدة . { كَانُواْ مِنْ ءاياتنا عَجَبًا } وقصتهم بالإِضافة إلى خلق ما على الأرض من الأجناس والأنواع الفائتة للحصر على طبائع متباعدة وهيئات متخالفة تعجب الناظرين من مادة واحدة ، ثم ردها إليها ليس بعجيب مع أنه من آيات الله كالنزر الحقير . و { الكهف } الغار الواسع في الجبل . و { الرقيم } اسم الجبل أو الوادي الذي فيه كهفهم ، أو اسم قريتهم أو كلبهم . قال أمية بن أبي الصلت :\rوَلَيْسَ بِهَا إِلاَّ الرَّقِيمُ مُجَاوِرا ... وَصَيْدَهُمُو وَالقَوْمُ فِي الكَهْفِ هُجّدٌ\rأو لوح رصاصي أو حجري رقمت فيه أسماؤهم وجعل على باب الكهف . وقيل أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثة خرجوا يرتادون لأهلهم ، فأخذتهم السماء فأووا إلى الكهف فانحطت صخرة وسدت بابه . فقال أحدهم اذكروا أيكم عمل حسنة لعل الله يرحمنا ببركته ، فقال أحدهم : استعملت أجراء ذات يوم فجاء رجل وسط النهار وعمل في بقيته مثل عملهم فأعطيته مثل أجرهم ، فغضب أحدهم وترك أجره فوضعته في جانب البيت ، ثم مر بي بقر فاشتريت به فصيلة فبلغت ما شاء الله ، فرجع إلي بعد حين شيخاً ضعيفاً لا أعرفه وقال : إنه لي عندك حقاً وذكره لي حتى عرفته فدفعتها إليه جميعاً ، اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا ، فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء . وقال آخر : كان فِيَّ فضل وأصابت الناس شدة ، فجاءتني امرأة فطلبت مني معروفاً فقلت : والله ما هو دون نفسك فأبت وعادت ثم رجعت ثلاثاً ، ثم ذكرت لزوجها فقال أجيبي له وأغيثي عيالك ، فأتت وسلمت إلي نفسها فلما تكشفتها وهممت بها ارْتَعَدَتْ فقلت : ما لكِ قالت أخاف الله ، فقلت لها : خفته في الشدة ولم أخفه في الرخاء فتركتها وأعطيتها ملتمسها ، اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا ، فانصدع حتى تعارفوا . وقال الثالث كان لي أبوان هرمان وكانت لي غنم وكنت أطعمهما وأسقيهما ثم أرجع إلى غنمي فحبسني ذات يوم غيث فلم أبرح حتى أمسيت ، فأتيت أهلي وأخذت محلبي فحلبت فيه ومضيت إليهما ، فوجدتهما نائمين فشق علي أن أوقظهما ، فتوقعت جالساً ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما . اللهم إن كنت فعلته لوجهك فافرج عنا . ففرج الله عنهم فخرجوا وقد رفع ذلك نعمان بن بشير .","part":3,"page":468},{"id":1469,"text":"{ إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف } يعني فتية من أشراف الروم أرادهم دقيانوس على الشرك فأبوا وهربوا إلى الكهف ، { فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً } توجب لنا المغفرة والرزق والأمن من العدو . { وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا } من الأمر الذي نحن عليه من مفارقة الكفار . { رَشَدًا } نصير بسببه راشدين مهتدين ، أو اجعل أمرنا كله رشداً كقولك : رأيت منك أسداً وأصل التهيئة إحداث هيئة الشيء .","part":3,"page":469},{"id":1470,"text":"{ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ } أي ضربنا عليهم حجاباً يمنع السماع بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات ، فحذف المفعول كما حذف في قولهم : بنى على امرأته . { فِى الكهف سِنِينَ } ظرفان لضربنا . { عَدَدًا } أي ذوات عدد ، ووصف السنين به يحتمل التكثير والتقليل ، فإن مدة لبثهم كبعض يوم عنده .","part":3,"page":470},{"id":1471,"text":"{ ثُمَّ بعثناهم } أيقظناهم . { لِنَعْلَمَ } ليتعلق علمنا تعلقاً حالياً مطابقاً لتعلقه أولاً تعلقاً استقبالياً . { أَيُّ الحِزْبَيْنِ } المختلفين منهم أو من غيرهم في مدة لبثهم . { أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } ضبط أمد الزمان لبثهم وما في أي من معنى الاستفهام علق عنه لنعلم ، فهو مبتدأ و { أحصى } خبره . وهو فعل ماضٍ و { أَمَدًا } مفعول له و { لِمَا لَبِثُواْ } حال منه أو مفعول له ، وقيل إنه المفعول واللام مزيدة وما موصولة و { أَمَدًا } تمييز ، وقيل { أحصى } اسم تفضيل من الإِحصاء بحذف الزوائد كقولهم : هو أحصى للمال وأفلس من ابن المذلق ، و { أَمَدًا } نصب بفعل دل عليه { أحصى } كقوله :\rوَأضرب مِنَّا بِالسُّيُوفِ القَوَانِسَا ... { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بالحق } بالصدق . { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } شبان جمع فتى كصبي وصبية . { ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ وزدناهم هُدًى } بالتثبيت .\r{ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ } وقويناها بالصبر على هجر الوطن والأهل والمال ، والجراءة على إظهار الحق والرد على دقيانوس الجبار . { إِذْ قَامُواْ } بين يديه . { فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إلها لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } والله لقد قلنا قولاً ذا شطط أي ذا بعد عن الحق مفرط في الظلم .\r{ هَؤُلاء } مبتدأ . { قَوْمُنَا } عطف بيان . { اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً } خبره ، وهو إخبار في معنى إنكار . { لَّوْلاَ يَأْتُونَ } هلا يأتون . { عَلَيْهِمْ } على عبادتهم . { بسلطان بَيّنٍ } ببرهان ظاهر فإن الدين لا يؤخذ إلا به ، وفيه دليل على أن ما لا دليل عليه من الديانات مردود وأن التقليد فيه غير جائز . { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } بنسبة الشريك إليه .\r{ وَإِذِ اعتزلتموهم } خطاب بعضهم لبعض . { وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله } عطف على الضمير المنصوب ، أي وإذا اعتزلتم القوم ومعبوديهم إلا الله ، فإنهم كانوا يعبدون الله ويعبدون الأصنام كسائر المشركين . ويجوز أن تكون { مَا } مصدرية على تقدير وإذ اعتزلتموهم وعبادتهم إلا عبادة الله ، وأن تكون نافية على أنه إخبار من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترض بين { إِذْ } وجوابه لتحقيق اعتزالهم . { فَأْوُواْ إِلَى الكهف يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم } يبسط الرزق لكم ويوسع عليكم . { مّن رَّحْمَتِهِ } في الدارين . { وَيُهَيّىء لَكُمْ مّنْ أَمْرِكُمْ مّرْفَقًا } ما ترتفقون به أي تنتفعون ، وجزمهم بذلك لنصوع يقينهم وقوة وثوقهم بفضل الله تعالى ، وقرأ نافع وابن عامر { مّرْفَقًا } بفتح الميم وكسر الفاء وهو مصدر جاء شاذاً كالمرجع والمحيض فإن قياسه الفتح .\r{ وَتَرَى الشمس } لو رأيتهم ، والخطاب لرسول الله A ، أو لكل أحد . { إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ } تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم ، لأن الكهف كان جنوبياً ، أو لأن الله تعالى زورها عنهم .","part":3,"page":471},{"id":1472,"text":"وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي ، وقرأ الكوفيون بحذفها وابن عامر ويعقوب «تزور» كتحمر ، وقرىء «تزوار» كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل . { ذَاتَ اليمين } جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين . { وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ } تقطعهم وتصرم عنهم . { ذَاتَ الشمال } يعني يمين الكهف وشماله لقوله : { وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } أي وهم في متسع من الكهف ، يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس ، وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش ، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه ، والشمس إذا كان مدارها مداره تطلع مائلة عنه مقابلة لجانبه الأبيض وهو الذي يلي المغرب ، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه ، ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم . { ذلك مِنْ آيات الله } أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك ، أو إخبارك قصتهم ، أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغاربة من آيات الله . { مَن يَهْدِ الله } بالتوفيق . { فَهُوَ المهتد } الذي أصاب الفلاح ، والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها والاستبصار بها . { وَمَن يُضْلِلِ } ومن يخذله . { فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُّرْشِدًا } من يليه ويرشده :\r{ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا } لانفتاح عيونهم أو لكثرة تقلبهم . { وَهُمْ رُقُودٌ } نيام . { وَنُقَلّبُهُمْ } في رقدتهم . { ذَاتَ اليمين وَذَاتَ الشمال } كيلا تأكل الأرض ما يليها من أبدانهم على طول الزمان . وقرىء «ويقلبهم» بالياء والضمير لله تعالى ، و «تَقَلُبَهُمْ» على المصدر منصوباً بفعل يدل عليه تحسبهم أي وترى تقلبهم . { وَكَلْبُهُمْ } هو كلب مروا به فتبعهم فطردوه فأنطقه الله تعالى فقال : أنا أحب أحباء الله فناموا وأنا أحرسكم . أو كلب راع مروا به فتبعهم وتبعه الكلب ، ويؤيده قراءة من قرأ : و «كالبهم» أي وصاحب كلبهم . { باسط ذِرَاعَيْهِ } حكاية حال ماضية ولذلك أعمل اسم الفاعل . { بالوصيد } بفناء الكهف ، وقيل الوصيد الباب ، وقيل العتبة . { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ } فنظرت إليهم ، وقرىء { لَو اطلعت } بضم الواو . { لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } لهربت منهم ، و { فِرَاراً } يحتمل المصدر لأنه نوع من التولية والعلة والحال . { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } خوفاً يملأ صدرك بما ألبسهم الله من الهيبة أو لعظم أجرامهم وانفتاح عيونهم . وقيل لوحشة مكانهم . وعن معاوية Bه أنه غزا الروم فمر بالكهف فقال : لو كشفت لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ، فقال له ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ليس لك ذلك قد منع الله تعالى منه من هو خير منك فقال { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } فلم يسمع وبعث ناساً فلما دخلوا جاءت ريح فأحرقتهم .","part":3,"page":472},{"id":1473,"text":"وقرأ الحجازيان { لَمُلِئْتَ } بالتشديد للمبالغة وابن عامر والكسائي ويعقوب { رُعْبًا } بالتثقيل .\r{ وكذلك بعثناهم } وكما أنمناهم آية بعثناهم آية على كمال قدرتنا . { لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } ليسأل بعضهم بعضاً فتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم فيزدادوا يقيناً على كمال قدرة الله تعالى ، ويستبصروا به أمر البعث ويشكروا ما أنعم الله به عليهم . { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } بناء على غالب ظنهم لأن النائم لا يحصي مدة نومه ولذلك أحالوا العلم إلى الله تعالى . { قَالُواْ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } ويجوز أن يكون ذلك قول بعضهم وهذا إنكار الآخرين عليهم . وقيل إنهم دخلوا الكهف غدوة وانتبهوا ظهيرة وظنوا أنهم في يومهم أو اليوم الذي بعده قالوا ذلك ، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وأشعارهم قالوا هذا ثم لما علموا أن الأمر ملتبس لا طريق لهم إلى علمه أخذوا فيما يهمهم وقالوا : { فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة } والورق الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وحمزة وروح عن يعقوب بالتخفيف . وقرىء بالتثقيل وإدغام القاف في الكاف وبالتخفيف مكسور الواو مدغماً وغير مدغم ، ورد المدغم لالتقاء الساكنين على غير حده ، وحملهم له دليل على أن التزود رأي المتوكلين والمدينة طرسوس . { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا } أي أهلها . { أزكى طَعَامًا } أحل وأطيب أو أكثر وأرخص . { فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ } وليتكلف اللطف في المعاملة حتى لا يغبن ، أو في التخفي حتى لا يعرف . { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } ولا يفعلن ما يؤدي إلى الشعور .\r{ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي يطلعوا عليكم أو يظفروا بكم ، والضمير للأهل المقدر في { أَيُّهَا } . { يَرْجُمُوكُمْ } يقتلوكم بالرجم . { أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ } أو يصيروكم إليها كرهاً من العود بمعنى الصيرورة . وقيل كانوا أولاً على دينهم فآمنوا . { وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا أَبَدًا } إن دخلتم في ملتهم .","part":3,"page":473},{"id":1474,"text":"{ وكذلك أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ } وكما أنمناهم وبعثناهم لتزداد بصيرتهم أطلعنا عليهم . { لِيَعْلَمُواْ } ليعلم الذين أطلعناهم على حالهم . { أَنَّ وَعْدَ الله } بالبعث أو الموعود الذي هو البعث . { حَقّ } لأن نومهم وانتباهم كحال من يموت ثم يبعث . { وَأَنَّ الساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } وأن القيامة لا ريب في إمكانها ، فإن من توفى نفوسهم وأمسكها ثلاثمائة سنين حافظاً أبدانها عن التحلل والتفتت ، ثم أرسلها إليها قدر أن يتوفى نفوس جميع الناس ممسكاً إياها إلى أن يحشر أبدانهم فيردها عليها . { إِذْ يتنازعون } ظرف ل { أَعْثَرْنَا } أي أعثرنا عليهم حين يتنازعون . { بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } أمر دينهم ، وكان بعضهم يقول تبعث الأرواح مجردة وبعضهم يقول يبعثان معاً ليرتفع الخلاف ويتبين أنهما يبعثان معاً ، أو أمر الفتية حين أماتهم الله ثانياً بالموت فقال بعضهم ، ماتوا وقال آخرون ناموا نومهم أول مرة ، أو قالت طائفة نبني عليهم بنياناً يسكنه الناس ويتخذونه قربة ، وقال آخرون لنتخذن عليهم مسجداً يصلى فيه كما قال تعالى : { فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بنيانا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } وقوله { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } اعتراض إما من الله رداً على الخائضين في أمرهم من أولئك المتنازعين أو من المتنازعين في زمانهم ، أو من المتنازعين فيهم على عهد الرسول A ، أو من المتنازعين للرد إلى الله بعد ما تذكروا أمرهم وتناقلوا الكلام في أنسابهم وأحوالهم فلم يتحقق لهم ذلك . حكي أن المبعوث لما دخل السوق وأخرج الدراهم وكان عليها اسم دقيانوس اتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملك وكان نصرانياً موحداً فقص عليه القصص ، فقال بعضهم : إن آباءنا أخبرونا أن فتية فروا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاء ، فانطلق الملك وأهل المدينة من مؤمن وكافر وأبصروهم وكلموهم ، ثم قالت الفتية للملك نستودعك الله ونعيذك به من شر الجن والإِنس ثم ارجعوا إلى مضاجعهم فماتوا فدفنهم الملك في الكهف وبني عليهم مسجداً . وقيل لما انتهوا إلى الكهف قال لهم الفتى مكانكم حتى أدخل أولاً لئلا يفزعوا ، فدخل فعمي عليهم المدخل فبنوا ثم مسجداً .","part":3,"page":474},{"id":1475,"text":"{ سَيَقُولُونَ } أي الخائضون في قصتهم في عهد الرسول A من أهل الكتاب والمؤمنين . { ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } أي هم ثلاثة رجال يربعهم كلبهم بانضمامه إليهم . قيل هو قول اليهود وقيل هو قول السيد من نصارى نجران وكان يعقوبياً . { وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } قاله النصارى أو العاقب منهم وكان نسطورياً . { رَجْماً بالغيب } يرمون رمياً بالخبر الخفي الذي لا مطلع لهم عليه وإتياناً به ، أو ظناً بالغيب من قولهم رجم بالظن إذا ظن وإنما لم يذكر بالسين اكتفاء بعطفه على ما هو فيه . { وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } إنما قاله المسلمون بإخبار الرسول لهم عن جبريل عليهما الصلاة والسلام وإيماء الله تعالى إليه بأن أتبعه قوله { قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ } وأتبع الأولين قوله رجماً بالغيب وبأن أثبت العلم بهم لطائفة بعد ما حصر أقوال الطوائف في الثلاثة المذكورة ، فإن عدم إيراد رابع في نحو هذا المحل دليل العدم مع أن الأصل ينفيه ، ثم رد الأولين بأن أتبعهما قوله { رَجْماً بالغيب } ليتعين الثالث وبأن أدخل فيه الواو على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيهاً لها بالواقعة حالاً من المعرفة ، لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت . وعن علي Bه هم سبعة وثامنهم كلبهم وأسماؤهم : يمليخا ومكشلينيا ومشلينيا هؤلاء أصحاب يمين الملك ، ومرنوش ودبرنوش وشاذنوش أصحاب يساره وكان يستشيرهم ، والسابع الراعي الذي وافقهم واسم كلبهم قطمير واسم مدينتهم أفسوس . وقيل الأقوال الثلاثة لأهل الكتاب والقليل منهم . { فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظاهرا } فلا تجادل في شأن الفتية إلاَّ جدالاً ظاهراً غير متعمق فيه ، وهو أن تقص عليهم ما في القرآن من غير تجهيل لهم والرد عليهم . { وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً } ولا تسأل أحداً منهم عن قصتهم سؤال مسترشد فإن فيما أوحي إليك لمندوحة من غيره ، مع أنه لا علم لهم بها ولا سؤال متعنت تريد تفضيح المسؤول وتزييف ما عنده فإنه مخل بمكارم الأخلاق .","part":3,"page":475},{"id":1476,"text":"{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله } نهي تأديب من الله تعالى لنبيه حين قالت اليهود لقريش : سلوه عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين ، فسألوه فقال : «ائتوني غداً أخبركم» ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي بضعة عشر يوماً حتى شق عليه وكذبه قريش . والاستثناء من النهي أي ولا تقولن لأجل شيء تعزم عليه إني فاعله فيما يستقبل إلا ب { أَن يَشَاء الله } أي إلا ملتبساً بمشيئته قائلاً إن شاء الله أو إلا وقت أن يشاء الله أن تقوله بمعنى أن يأذن لك فيه ، ولا يجوز تعليقه بفاعل لأن استثناء اقتران المشيئة بالفعل غير سديد واستثناء اعتراضها دونه لا يناسب النهي { واذكر رَّبَّكَ } مشيئة ربك وقل إن شاء الله . كما روي أنه لما نزل قال E : \" إن شاء الله \" { إِذَا نَسِيتَ } إذا فرط منك نسيان لذلك ثم تذكرته . وعن ابن عباس ولو بعد سنة ما لم يحنث ، ولذلك جوز تأخير الاستثناء عنه . وعامة الفقهاء على خلافه لأنه لو صح ذلك لم يتقرر إقرار ولا طلاق ولا عتاق ولم يعلم صدق ولا كذب ، وليس في الآية والخبر أن الاستثناء المتدارك به من القول السابق بل هو من مقدر مدلول به عليه ، ويجوز أن يكون المعنى واذكر ربك بالتسبيح والاستغفار إذا نسيت الاستثناء مبالغة في الحث عليه ، أو اذكر ربك وعقابه إذا تركت بعض ما أمرك به ليبعثك على التدارك ، أو اذكره إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي . { وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِ رَبّى } يدلني . { لأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا } لأقرب رشداً وأظهر دلالة على أني نبي من نبأ أصحاب الكهف . وقد هداه لأعظم من ذلك كقصص الأنبياء المتباعدة عنه أيامهم ، والإِخبار بالغيوب والحوادث النازلة في الأعصار المستقبلة إلى قيام الساعة ، أو لأقرب رشداً وأدنى خيراً من المنسي .","part":3,"page":476},{"id":1477,"text":"{ وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِاْئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا } يعني لبثهم فيه أحياء مضروباً على آذانهم ، وهو بيان لماأجمل قبل . وقيل إنه حكاية كلام أهل الكتاب فإنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فقال بعضهم ثلاثمائة وقال بعضهم ثلثمائة وتسع سنين . وقرأ حمزة والكسائي «ثَلاَثمائَة سنين» بالإِضافة على وضع الجمع موضع الواحد ، ويحسنه ها هنا أن علامة الجمع فيه جبر لما حذف من الواحد وأن الأصل في العدد إضافته إلى الجمع ومن لم يضف أبدل السنين من ثلثمائة .","part":3,"page":477},{"id":1478,"text":"{ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيْبُ السموات والأرض } له ما غاب فيهما وخفي من أحوال أهلهما ، فلا خلق يخفى عليه علماً . { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } ذكر بصيغة التعجب للدلالة على أن أمره في الإِدراك خارج عما عليه إدراك السامعين والمبصرين ، إذ لا يحجبه شيء ولا يتفاوت دونه لطيف وكثيف وصغير وكبير وخفي وجلي ، والهاء تعود إلى الله ومحله الرفع على الفاعليه والباء مزيده عند سيبويه وكان أصله أبصر أي صار ذا بصر ، ثم نقل إلى صيغة الأمر بمعنى الإنشاء ، فبرز الضمير لعدم لياق الصيغة له أو لزيادة الباء كما في قوله تعالى { وكفى بِهِ } والنصب على المفعولية عند الأخفش والفاعل ضمير المأمور وهو كل أحد والباء مزيدة إن كانت الهمزة للتعدية ومعدية إن كانت للصيرورة . { مَّا لَهُم } الضمير لأهل السموات والأرض . { مّن دُونِهِ مِن وَلِىّ } من يتولى أمورهم . { وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه . { أَحَدًا } منهم ولا بجعل له فيه مدخلاً . وقرأ ابن عامر وقالون عن يعقوب بالتاء والجزم على نهي كل أحد عن الإِشراك ، ثم لما دل اشتمال القرآن على قصة أصحاب الكهف من حيث إنها من المغيبات بالإِضافة إلى رسول الله على أنه وحي معجز أمره أن يداوم درسه ويلازم أصحابه فقال :","part":3,"page":478},{"id":1479,"text":"{ واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ } من القرآن ، ولا تسمع لقولهم { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدّلْهُ } . { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } لا أحد يقدر على تبديلها وتغييرها غيره . { وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملتجأ عليه إن هممت به .","part":3,"page":479},{"id":1480,"text":"{ واصبر نَفْسَكَ } واحبسها وثبتها . { مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى } في مجامع أوقاتهم ، أو في طرفي النهار . وقرأ ابن عامر «بالغدوة» وفيه أن غدوة علم في الأكثر فتكون اللام فيه على تأويل التنكير . { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } رضا الله وطاعته . { وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } ولا يجاوزهم نظرك إلى غيرهم ، وتعديته بعن لتضمينه معنى نبأ . وقرىء «ولا تعد عينيك» { وَلاَ تَعْدُ } من أعداه وعداه . والمراد نهي الرسول A أن يزدري بفقراء المؤمنين وتعلو عينه عن رثاثة زيهم طموحاً إلى طراوة زي الأغنياء . { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } حال من الكاف في المشهورة ومن المستكن في الفعل في غيرها . { وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } من جعلنا قلبه غافلاً . { عَن ذِكْرِنَا } كأمية بن خلف في دعائك إلى طرد الفقراء عن مجلسك لصناديد قريش . وفيه تنبيه على أن الداعي له إلى هذا الاستدعاء غفلة قلبه عن المعقولات وانهماكه في المحسوسات ، حتى خفي عليه أن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد ، وأنه لو أطاعه كان مثله في الغباوة . والمعتزلة لما غاظهم إسناد الإِغفال إلى الله تعالى قالوا : إنه مثل أجبنته إذا وجدته كذلك أو نسبته إليه ، أو من أغفل إبله إذا تركها بغير سمة أي لم نسمه بذكرنا كقلوب الذين كتبنا في قلوبهم الإِيمان ، واحتجوا على أن المراد ليس ظاهر ما ذكر أولاً بقوله : { واتبع هَوَاهُ } وجوابه ما مر غير مرة . وقرىء { أَغْفَلْنَا } بإسناد الفعل إلى القلب على معنى حسبنا قلبه غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة . { وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } أي تقدماً على الحق ونبذاً له وراء ظهره يقال : فرس فرط أي متقدم للخيل ومنه الفرط .","part":3,"page":480},{"id":1481,"text":"{ وَقُلِ الحق مِن رَّبّكُمْ } الحق ما يكون من جهة الله لا ما يقتضيه الهوى ، ويجوز أن يكون الخبر خبر مبتدأ محذوف و { مّن رَّبّكُمْ } حالاً . { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } لا أبالي بإيمان من آمن ولا كفر من كفر ، وهو لا يقتضي استقلال العبد بفعله فإنه وإن كان بمشيئته فمشيئته ليست بمشيئته . { إِنَّا أَعْتَدْنَا } هيأنا . { لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا } فسطاطها ، شبه به ما يحيط بهم من النار . وقيل السرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط . وقيل سرادقها دخانها وقيل حائط من نار { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من العطش . { يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل } كالجسد المذاب . وقيل كدرديّ الزيت وهو على طريقة قوله : فأعتبوا بالصيلم . { يَشْوِى الوجوه } إذا قدم ليشرب من فرط حرارته ، وهو صفة ثانية لماء أو حال من المهل أو الضمير في الكاف . { بِئْسَ الشراب } المهل . { وَسَاءتْ } النار . { مُرْتَفَقًا } متكأ وأصل الارتفاق نصب المرفق تحت الخد ، وهو لمقابلة قوله وحسنت مرتفقاً وإلا فلا ارتفاق لأهل النار .","part":3,"page":481},{"id":1482,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } خبر إن الأولى وهي الثانية بما في حيزها ، والراجع محذوف تقديره من أحسن عملاً منهم أو مستغنى عنه بعموم من أحسن عملاً كما هو مستغنى عنه في قولك : نعم الرجل زيد ، أو واقع موقعه الظاهر فإن من أحسن عملاً لا يحسن اطلاقه على الحقيقة إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات .\r{ أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } وما بينهما اعتراض وعلى الأول استئناف لبيان الأجر أو خبر ثان . { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } من الأولى للابتداء والثانية للبيان صفة ل { أَسَاوِرَ } ، وتنكيره لتعظيم حسنها من الإِحاطة به وهو جمع أسورة أو أسوار في جمع سوار . { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا } لأن الخضرة أحسن الألوان وأكثرها طراوة . { مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } مما رقّ من الديباج وما غلظ منه جمع بين النوعين للدلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين . { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك } على السرر كما هو هيئة المتنعمين . { نِعْمَ الثواب } الجنة ونعيمها . { وَحَسُنَتْ } الأَرَائك { مُرْتَفَقتً } متكأ .\r{ واضرب لَهُمْ مَّثَلاً } للكافر والمؤمن . { رَّجُلَيْنِ } حال رجلين مقدرين أو موجودين هما أخوان من بني إسرائيل كافر اسمه قطروس ومؤمن اسمه يهوذا ، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار فتشاطرا ، فاشترى الكافر بها ضياعاً وعقاراً وصرفها المؤمن في وجوه الخير ، وآل أمرهما إلى ما حكاه الله تعالى . وقيل الممثل بهما أخوان من بني مخزوم كافر وهو الأسود بن عبد الأشد ومؤمن وهو أبو سلمة عبد الله زوج أم سلمة قبل رسول الله A { جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ } بستانين . { مّنْ أعناب } من كروم والجملة بتمامها بيان للتمثيل أو صفة للرجلين . { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } وجعلنا النخل محيطة بهما مؤزراً بها كرومهما ، يقال حفه القوم إذا أطافوا به وحففته بهم إذا جعلتهم حافين حوله فتزيده الباء مفعولاً ثانياً كقولك : غشيته به . { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا } وسطهما . { زَرْعًا } ليكون كل منهما جامعاً للأقوات والفواكه متواصل العمارة على الشكل الحسن والترتيب الأنيق .\r{ كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا } ثمرها ، وإفراد الضمير لإِفراد { كِلْتَا } وقرىء «كل الجنتين آتى أكله» . { وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ } ولم تنقص من أكلها . { شَيْئاً } يعهد في سائر البساتين فإن الثمار تتم في عام وتنقص في عام غالباً . { وَفَجَّرْنَا خلالهما نَهَراً } ليدوم شربهما فإنه الأصل ويزيد بهاؤهما ، وعن يعقوب «وَفَجرنَا» بالتخفيف .\r{ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ } أنواع من المال سوى الجنتين من ثمر ماله إذا كثره . وقرأ عاصم بفتح الثاء والميم ، وأبو عمرو بضم الثاء وإسكان الميم والباقون بضمهما وكذلك في قوله { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } { فَقَالَ لصاحبه وَهُوَ يُحَاوِرُهُ } يراجعه في الكلام من حار إذا رجع .","part":3,"page":482},{"id":1483,"text":"{ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } حَشَماً وأعواناً . وقيل أولاداً ذكوراً لأنهم الذين ينفرون معه .\r{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } بصاحبه يطوف به فيها ويفاخره بها ، وإفراد الجنة لأن المراد ما هو جنته وما متع به من الدنيا تنبيهاً على أن لا جنة له غيرها ولا حظ له في الجنة التي وعد المتقون ، أو لاتصال كل واحد من جنتيه بالأخرى ، أو لأن الدخول يكون في واحدة واحدة . { وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } ضار لها بعجبه وكفره { قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ } أن تفنى . { هذه } الجنة . { أَبَدًا } لطول أمله وتمادي غفلته واغتراره بمهلته .\r{ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } كائنة . { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى } بالبعث كما زعمت . { لأَجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا } من جنته ، وقرأ الحجازيان والشامي «منهما» أي من الجنتين . { مُنْقَلَباً } مرجعاً وعاقبة لأنها فانية وتلك باقية ، وإنما أقسم على ذلك لاعتقاده أنه تعالى إنما أولاه لاستئهاله واستحقاقه إياه لذاته وهو معه أينما تلقاه .\r{ قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } لأنه أصل مادتك أو مادة أصلك . { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } فإنها مادتك القريبة . { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } ثم عدلك وكملك إنساناً ذكراً بالغاً مبلغ الرجال . جعل كفره بالبعث كفراً بالله تعالى لأن منشأه الشك في كمال قدرة الله تعالى ، ولذلك رتب الإِنكار على خلقه إياه من التراب فإن من قدر على بدء خلقه منه قدر أن يعيده منه .","part":3,"page":483},{"id":1484,"text":"{ لََكِنَّا هُوَ الله رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } أصله لكن أنا فحذفت الهمزة بنقل الحركة أو دونه فتلاقت النونان فكان الإِدغام ، وقرأ ابن عامر ويعقوب في رواية بالألف في الوصل لتعويضها من الهمزة أو لإِجراء الوصل مجرى الوقف ، وقد قرىء «لكن أنا» على الأصل وهو ضمير الشأن وهو بالجملة الواقعة خبراً له خبر «أنا» أو ضمير { الله } و { الله } بدله وربي خبره والجملة خبر «أنا» والاستدراك من أكفرت كأنه قال : أنت كافر بالله لكني مؤمن به ، وقد قرىء «لكن هو الله ربي ولكن أنا لا إله إلا هو ربي» .","part":3,"page":484},{"id":1485,"text":"{ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ } وهلا قلت عند دخولها . { مَا شَاء الله } الأمر ما شاء أو ما شاء كائن على أن ما موصولة ، أو أي شيء شاء الله كان على أنها شرطية والجواب محذوف إقراراً بأنها وما فيها بمشيئة الله إن شاء أبقاها وإن شاء أبادها . { لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله } وقلت لا قوة إلا بالله اعترافاً بالعجز على نفسك والقدرة لله ، وإن ما تيسر لك من عمارتها وتدبير أمرها بمعونته وإقداره . وعن النبي A « من رأى شيئاً فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره » { إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } يحتمل أن يكون فصلاً وأن يكون تأكيداً للمفعول الأول ، وقرىء { أَقُلْ } بالرفع على أنه خبر { أَنَاْ } والجملة مفعول ثاني ل { تَرَنِ } ، وفي قوله { وَوَلَدًا } دليل لمن فسر النفر بالأولاد .","part":3,"page":485},{"id":1486,"text":"{ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ } في الدنيا أو في الآخرة لإِيماني وهو جواب الشرط . { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا } على جنتك لكفرك . { حُسْبَانًا مِّنَ السماء } مرامي جمع حسبانة وهي الصواعق . وقيل هو مصدر بمعنى الحساب والمراد به التقدير بتخريبها أو عذاب حساب الأعمال السيئة . { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } أرضاً ملساء يزلق عليها باستئصال نباتها وأشجارها .","part":3,"page":486},{"id":1487,"text":"{ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا } أي غائراً . في الأرض مصدر وصف به كالزلق . { فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا } للماء الغائر تردداً في رده .","part":3,"page":487},{"id":1488,"text":"{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } وأهلك أمواله حسبما توقعه صاحبه وأنذره منه ، وهو مأخوذ من أحاط به العدو فإنه إذا أحاط به غلبه وإذا غلبه أهلكه ، ونظيره أتى عليه إذا أهلكه من أتى عليهم العدو إذا جاءهم مستعلياً عليهم . { فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } ظهراً لبطن تلهفاً وتحسراً . { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } في عمارتها وهو متعلق ب { يُقَلّبُ } لأن تقليب الكفين كناية عن الندم فكأنه قيل : فأصبح يندم ، أو حال أي متحسراً على ما أنفق فيها . { وَهِىَ خَاوِيَةٌ } ساقطة . { على عُرُوشِهَا } بأن سقطت عروشها على الأرض وسقطت الكروم فوقها عليها . { وَيَقُولُ } عطف على { يُقَلّبُ } أو حال من ضميره . { ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } كأنه تذكر موعظة أخيه وعلم أنه أتى من قبل شركه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يهلك الله بستانَه ، ويحتمل أن يكون توبة من الشرك وندماً على ما سبق منه .","part":3,"page":488},{"id":1489,"text":"{ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ } وقرأ حمزة والكسائي بالياء لتقدمه . { يَنصُرُونَهُ } يقدرون على نصره بدفع الإِهلاك أو رد المهلك أو الإِتيان بمثله . { مِن دُونِ الله } فإِنه القادر على ذلك وحده . { وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً } وما كان ممتنعاً بقوته عن انتقام الله منه .","part":3,"page":489},{"id":1490,"text":"{ هُنَالِكَ } في ذلك المقام وتلك الحال . { الولاية لِلَّهِ الحق } النصرة له وحدة لا يقدر عليها غيره تقديراً لقوله { وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } أو ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة كما نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن ويعضده قوله : { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي لأوليائه . وقرأ حمزة والكسائي بالكسر ومعناه السلطان والملك أي هنالك السلطان له لا يغلب ولا يمنع منه ، أو لا يعبد غيره كقوله تعالى { فَإِذَا رَكِبُواْ الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } فيكون تنبيهاً على أن قوله { ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ } كان عن اضطرار وجزع مما دهاه . وقيل { هُنَالِكَ } إشارة إلى الآخرة وقرأ أبو عمرو والكسائي { الحق } بالرفع صفة للولاية ، وقرىء بالنصب على المصدر المؤكد ، وقرأ عاصم وحمزة «عُقْبًا» بالسكون ، وقرىء «عقبى» وكلها بمعنى العاقبة .","part":3,"page":490},{"id":1491,"text":"{ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا } واذكر لهم ما يشبه الحياة الدنيا في زهرتها وسرعة زوالها أو صفتها الغريبة . { كَمَاء } هي كماء ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً ل { اضرب } على أنه بمعنى صير . { أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض } فالتفت بسببه وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه ، أو نجع في النبات حتى روى ورف وعلى هذا كان حقه فاختلط بنبات الأرض لكنه لما كان كل من المختلطين موصوفاً بصفة صاحبه عكس للمبالغة في كثرته . { فَأَصْبَحَ هَشِيمًا } مهشوماً مكسوراً . { تَذْرُوهُ الرياح } تفرقه ، وقرىء «تذريه» من أذرى والمشبه به ليس الماء ولا حاله بل الكيفية المنتزعة من الجملة ، وهي حال النبات المنبت بالماء يكون أخضر وارفاً ثم هشيماً تطيره الرياح فيصير كأن لم يكن . { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء } من الإِنشاء والإِفناء . { مُّقْتَدِرًا } قادراً .","part":3,"page":491},{"id":1492,"text":"{ المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } يتزين بها الإِنسان في دنياه وتفنى عنه عما قريب . { والباقيات الصالحات } وأعمال الخيرات التي تبقى له ثمرتها أبد الآباد ، ويندرج فيها ما فسرت به من الصلوات الخمس وأعمال الحج وصيام رمضان وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر والكلام الطيب . { خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } من المال والبنين . { ثَوَاباً } عائدة . { وَخَيْرٌ أَمَلاً } لأن صاحبها ينال بها في الآخرة ما كان يؤمل بها في الدنيا .","part":3,"page":492},{"id":1493,"text":"{ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } واذكر يوم نقلعها ونسيرها في الجو ، أو نذهب بها فنجعلها هباء منبثاً . ويجوز عطفه على { عِندَ رَبّكَ } أي الباقيات الصالحات خير عند الله ويوم القيامة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر تسير بالتاء والبناء للمفعول وقرىء «تسير» من سارت . { وَتَرَى الأرض بَارِزَةً } بادية برزت من تحت الجبال ليس عليها ما يسترها ، وقرىء «وترى» على بناء المفعول . { وحشرناهم } وجمعناهم إلى الموقف ، ومجيئه ماضياً بعد { نُسَيّرُ } { وَتَرَى } لتحقق الحشر أو للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير ليعاينوا ويشاهدوا ما وعد لهم ، وعلى هذا تكون الواو للحال بإضمار قد . { فَلَمْ نُغَادِرْ } فلم نترك . { مّنْهُمْ أَحَداً } يقال غادره وأغدره إذا تركه ومنه الغدر لترك الوفاء والغدير لما غادره السيل ، وقرىء بالياء .","part":3,"page":493},{"id":1494,"text":"{ وَعُرِضُواْ على رَبّكَ } شبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان لا ليعرفهم بل ليأمر فيهم . { صَفَّا } مصطفين لا يحجب أحد أحد . { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } على إضمار القول على وجه يكون حالاً أو عاملاً في يوم نسير . { كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ } عراة لا شيء معكم من المال والولد كقوله { وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى } أو أحياء كخلقتكم الأولى لقوله : { بَلْ زَعَمْتُمْ أَن لَن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } وقتاً لإنجاز الوعد بالبعث والنشور وأن الأنبياء كذبوكم به ، وبل للخروج من قصة إلى أخرى .","part":3,"page":494},{"id":1495,"text":"{ وَوُضِعَ الكتاب } صحائف الأعمال في الأيمان والشمائل أو في الميزان وقيل هو كناية عن وضع الحساب . { فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ } خائفين . { مِمَّا فِيهِ } من الذنوب . { وَيَقُولُونَ ياويلتنا } ينادون هلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات . { مَّالِ هذا الكتاب } تعجباً من شأنه . { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً } هنة صغيرة . { وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } إلا عددها وأحاط بها . { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا } مكتوباً في الصحف . { وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فيكتب عليه ما لم يفعل أو يزيد في عقابه الملائم لعمله .","part":3,"page":495},{"id":1496,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } كرره في مواضع لكونه مقدمة للأمور المقصود بيانها في تلك المحال ، وها هنا لما شنع على المفتخرين واستقبح صنيعهم قرر ذلك بأنه من سنن إبليس ، أو لما بين حال المغرور بالدنيا والمعرض عنها وكان سبب الاغترار بها حب الشهوات وتسويل الشيطان . زهدهم أولاً في زخارف الدنيا بأنها عرضة الزوال والأعمال الصالحة خير وأبقى من أنفسها وأعلاها ، ثم نفرهم عن الشيطان بتذكير ما بينهم من العدواة القديمة وهكذا مذهب كل تكرير في القرآن . { كَانَ مِنَ الجن } حال بإضمار قد أو استئناف للتعليل كأنه قيل : ما له لم يسجد فقيل كان من الجن . { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } فخرج عن أمره بترك السجود والفاء للسبب ، وفيه دليل على أن الملك لا يعصى أَلبتة وإنما عصى إبليس لأنه كان جنياً في أصله والكلام المستقصى فيه في سورة «البقرة» . { أَفَتَتَّخِذُونَهُ } أعقيب ما وجد منه تتخذونه والهمزة للإِنكار والتعجب . { وَذُرّيَّتَهُ } أولاده أو أتباعه ، وسماهم ذرية مجازاً . { أَوْلِيَاء مِن دُونِى } فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدل طاعتي . { وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ للظالمين بَدَلاً } من الله تعالى إبليس وذريته ، { وَمَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } نفي إحضار إبليس وذريته خلق السموات والأرض ، و إحضار بعضهم خلق بعض ليدل على نفي الاعتضاد بهم في ذلك كما صرح به بقوله : { وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً } أي أعواناً رداً لاتخاذهم أولياء من دون الله شركاء له في العبادة ، فإن استحقاق العبادة من توابع الخالقية والاشتراك فيه يستلزم الاشتراك فيها ، فوضع { المضلين } موضع الضمير ذماً لهم واستبعاداً للاعتضاد بهم . وقيل الضمير للمشركين والمعنى : ما أشهدتهم خلق ذلك وما خصصتهم بعلوم لا يعرفها غيرهم حتى لو آمنوا اتبعهم الناس كما يزعمون ، فلا تلتفت إلى قولهم طمعاً في نصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضد بالمضلين لديني . ويعضده قراءة من قرأ { وَمَا كُنْتَ } على خطاب الرسول A ، وقرىء { مُتَّخِذاً المضلين } على الأصل و { عَضُداً } بالتخفيف و { عَضُداً } بالاتباع و { عَضُداً } كخدم جمع عاضد من عضده إذا قواه .\r{ وَيَوْمَ يَقُولُ } أي الله تعالى للكافرين وقرأ حمزة بالنون . { نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } أنهم شركائي وشفعاؤكم ليمنعوكم من عذابي ، وإضافة الشركاء على زعمهم للتوبيخ والمراد ما عبد من دونه ، وقيل إبليس وذريته . { فَدَعَوْهُمْ } فنادوهم للإِغاثة . { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يغيثوهم . { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين الكفار وآلهتهم . { مَّوْبِقاً } مهلكاً يشتركون فيه وهو النار ، أو عداوة هي في شدتها هلاك كقول عمر Bه : لا يكن حبك كلفاً ولا بغضك تلفاً .","part":3,"page":496},{"id":1497,"text":"و { مَّوْبِقاً } اسم مكان أو مصدر من وبق يوبق وبقا إذا هلك . وقيل البين الوصل أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكاً يوم القيامة .\r{ وَرَأَى المجرمون النار فَظَنُّواْ } فأيقنوا . { أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } مخالطوها واقعون فيها . { وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } انصرافاً أو مكانًا ينصرفون إليه .\r{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِى هذا القرءان لِلنَّاسِ مِن كُلّ مَثَلٍ } من كل جنس يحتاجون إليه . { وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَىء } يتأتى منه الجدل . { جَدَلاً } خصومة بالباطل وانتصابه على التمييز .\r{ وَمَا مَنَعَ الناس أَن يُؤْمِنُواْ } من الإِيمان . { إِذْ جَاءهُمُ الهدى } وهو الرسول الداعي والقرآن المبين . { وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } ومن الاستغفار من الذنوب . { إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين } إلا طلب أو انتظار أو تقدير أن تأتيهم سنة الأولين ، وهي الاستئصال فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب } عذاب الآخرة . { قُبُلاً } عياناً . وقرأ الكوفيون { قُبُلاً } بضمتين وهو لغة فيه أو جمع قبيل بمعنى أنواع ، وقرىء بفتحتين وهو أيضاً لغة يقال لقيته مقابلة وقبلاً وقبلاً وقبلياً ، وانتصابه على الحال من الضمير أو { العذاب } .","part":3,"page":497},{"id":1498,"text":"{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشّرِينَ وَمُنذِرِينَ } للمؤمنين والكافرين . { ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل } باقتراح الآيات بعد ظهور المعجزات ، والسؤال عن قصة أصحاب الكهف ونحوها تعنتاً . { لِيُدْحِضُواْ بِهِ } ليزيلوا بالجدال . { الحق } عن مقره ويبطلوه ، من إدحاض القدم وهو إزلاقها وذلك قولهم للرسل { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } { وَلَوْ شَاء الله لأَنزَلَ ملائكة } ونحو ذلك . { واتخذوا ءاياتى } يعني القرآن . { وَمَا أُنْذِرُواْ } وإنذارهم أو والذي أنذروا به من العقاب . { هُزُواً } استهزاء . وقرىء «هزأ» بالسكون وهو ما يستهزأ به على التقديرين .","part":3,"page":498},{"id":1499,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ } بالقرآن . { فَأَعْرَضَ عَنْهَا } فلم يتدبرها ولم يتذكر بها . { وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } من الكفر والمعاصي ولم يتفكر في عاقبتهما . { إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } تعليل لإِعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع على قلوبهم . { أَن يَفْقَهُوهُ } كراهة أن يفقهوه ، وتذكير الضمير وإفراده للمعنى . { وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً } يمنعهم أن يستمعوه حق استماعه . { وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً } تحقيقاً ولا تقليداً لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون وإذا كما عرفت جزاء وجواب للرسول A على تقدير قوله ما لي لا أدعوهم ، فإن حرصه A على إسلامهم يدل عليه .","part":3,"page":499},{"id":1500,"text":"{ وَرَبُّكَ الغفور } البليغ المغفرة . { ذُو الرحمة } الموصوف بالرحمة . { لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } استشهاد على ذلك بإمهال قريش مع إفراطهم في عداوة رسول الله A . { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } وهو يوم بدر أو يوم القيامة . { لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منجاً ولا ملجأ ، يقال وأل إذا نجا ووأل إليه إذا لجأ إليه .\r{ وَتِلْكَ القرى } يعني قرى عاد وثمود وأضرابهم ، { وَتِلْكَ } مبتدأ خبره . { أهلكناهم } أو مفعول مضمر مفسر به ، و { القرى } صفته ولا بد من تقدير مضاف في أحدهما ليكون مرجع الضمائر . { لَمَّا ظَلَمُواْ } كقريش بالتكذيب والمراء وأنواع المعاصي . { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا } لإِهلاكهم وقتاً لا يستأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون ، فليعتبروا بهم ولا يغتروا بتأخير العذاب عنهم ، وقرأ أبو بكر { لِمَهْلِكِهِم } بفتح الميم واللام أي لهلاكهم ، وحفص بكسر اللام حملاً على ما شذ من مصادر يفعل كالمرجع والمحيض .\r{ وَإِذْ قَالَ موسى } مقدر باذكر . { لفتاه } يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف عليهم الصلاة والسلام فإنه كان يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه وقيل لعبده . { لا أَبْرَحُ } أي لا أزال أسير فحذف الخبر لدلالة حاله وهو السفر وقوله : { حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين } من حيث إنها تستدعي ذا غاية عليه ، ويجوز أن يكون أصله لا يبرح مسيري حتى أبلغ على أن حتى أبلغ هو الخبر ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، فانقلب الضمير والفعل وأن يكون { لا أَبْرَحُ } هو بمعنى لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه فلا يستدعي الخبر ، و { مَجْمَعَ البحرين } ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق وُعِدَ لقاء الخضر فيه . وقيل البحران موسى وخضر عليهما الصلاة والسلام فإن موسى كان بحر علم الظاهر والخضر كان بحر علم الباطن . وقرىء «مِجْمَعَ» بكسر الميم على الشذوذ من يفعل كالمشرق والمطلع { أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } أو أسير زماناً طويلاً ، والمعنى حتى يقع إما بلوغ المجمع أو مضي الحقب أو حتى أبلغ إلا أن أمضي زماناً أتيقن معه فوات المجمع ، والحقب الدهر وقيل ثمانون سنة وقيل سبعون . روي : أن موسى E خطب الناس بعد هلاك القبط ودخوله مصر خطبة بليغة فأعجب بها فقيل له : هل تعلم أحداً أعلم منك فقال : لا ، فأوحى الله إليه بل أعلم منك عبدنا الخضر وهو بمجمع البحرين ، وكان الخضر في أيام افريدون وكان على مقدمة ذي القرنين الأكبر وبقي إلى أيام موسى . وقيل إن موسى عليه السلام سأل ربه أي عبادك أحب إليك قال الذي يذكرني ولا ينساني ، قال فأي عبادك أقضى ، قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى ، قال فأي عبادك أعلم قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ، فقال إن كان في عبادك أعلم مني فادللني عليه ، قال أعلم منك الخضر قال : أين أطلبه ، قال على الساحل عند الصخرة ، قال كيف لي به قال تأخذ حوتاً في مكتل فحيث فقدته فهو هناك ، فقال لفتاه إذا فقدت الحوت فأخبرني فذهبا يمشيان .","part":3,"page":500},{"id":1501,"text":"{ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي مجمع البحرين و { بَيْنَهُمَا } ظرف أضيف إليه على الاتساع أو بمعنى الوصل . { نَسِيَا حُوتَهُمَا } نسي موسى E أن يطلبه ويتعرف حاله ، ويوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر . روي : أن موسى عليه السلام رقد فاضطرب الحوت المشوي ووثب في البحر معجزة لموسى أو الخضر . وقيل توضأ يوشع من عين الحياة فانتضح الماء عليه فعاش ووثب في الماء . وقيل نسيا تفقد أمره وما يكون منه أمارة على الظفر بالمطلوب { فاتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر سَرَباً } فاتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً من قوله { وَسَارِبٌ بالنهار } وقيل أمسك الله جرية الماء على الحوت فصار كالطاق عليه ، ونصبه على المفعول الثاني وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز تعلقه باتخذ .\r{ فَلَمَّا جَاوَزَا } مجمع البحرين . { قَالَ لفتاه ءاتِنَا غَدَاءنَا } ما نتغذى به . { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً } قيل لم ينصب حتى جاوز الموعد فلما جاوزه وسار الليلة والغد إلى الظهر ألقي عليه الجوع والنصب . وقيل لم يعي موسى في سفر غيره ويؤيده التقييد باسم الإِشارة .\r{ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا } أرأيت ما دهاني إذ أوينا . { إِلَى الصخرة } يعني الصخرة التي رقد عندها موسى . وقيل هي الصخرة التي دون نهر الزيت . { فَإِنّى نَسِيتُ الحوت } فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت منه . { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ } أي وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن { أَنْ أَذْكُرَهُ } بدل من الضمير ، وقرىء «أن أذكركه» . وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه ، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضرى بمشاهدة أمثالها عند موسى وألفها قل اهتمامه بها ، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة ، وإنما نسبه إلى الشيطان هضماً لنفسه أو لأن عدم احتمال القوة للجانبين واشتغالها بأحدهما عن الآخر يعد من نقصان . { واتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا } سبيلاً عجباً وهو كونه كالسرب أو اتخاذ عجباً ، والمفعول الثاني هو الظرف وقيل هو مصدر فعله المضمر أي قال في آخر كلامه ، أو موسى في جوابه عجباً تعجباً من تلك الحال . وقيل الفعل لموسى أي اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجباً .","part":4,"page":1},{"id":1502,"text":"{ قَالَ ذَلِكَ } أي أمر الحوت . { مَا كُنَّا نَبْغِ } نطلب لأنه أمارة المطلوب . { فارتدا على ءاثَارِهِمَا } فرجعا في الطريق الذي جاءا فيه . { قَصَصًا } يقصان قصصاً أي يتبعان آثارهما اتباعاً ، أو مقتصين حتى أتيا الصخرة .\r{ فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } الجمهور على أنه الخضر عليه السلام واسمه بليا بن ملكان . وقيل اليسع . وقيل إلياس . { ءَاتَيْنَاهُ رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } هي الوحي والنبوة . { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } مما يختص بنا ولا يعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب .\r{ قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ } على شرط أن تعلمني ، وهو في موضع الحال من الكاف . { مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } علماً ذا رشد وهو إصابة الخير ، وقرأ البصريان بفتحتين وهما لغتان كالبخل والبخل ، وهو مفعول { تُعَلّمني } ومفعول { عَلِمَتِ } العائد المحذوف وكلاهما منقولان من علم الذي له مفعول واحد ، ويجوز أن يكون رشداً علة لأتبعك أو مصدراً بإضمار فعله ، ولا ينافي نبوته وكونه صاحب شريعة أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطاً في أبواب الدين ، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقاً ، وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب ، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له ، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه .","part":4,"page":2},{"id":1503,"text":"{ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } نفى عنه استطاعة الصبر معه على وجوه من التأكيد كأنها مما لا يصح ولا يستقيم وعلل ذلك واعتذر عنه بقوله .","part":4,"page":3},{"id":1504,"text":"{ وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } أي وكيف تصبر وأنت نبي على ما أتولى من أمور ظواهرها مناكير وبواطنها لم يحط بها خبرك ، وخبراً تمييز أو مصدر لأَن لم تحط به بمعنى لم تخبره .","part":4,"page":4},{"id":1505,"text":"{ قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا } معك غير منكر عليك . { وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغير عاص ، أو على ستجدني . وتعليق الوعد بالمشيئة إما للتيمن وخلفه ناسياً لا يقدح في عصمته أو لعلمه بصعوبة الْامر ، فإن مشاهدة الفساد والصبر على خلاف المعتاد شديد فلا خلف ، وفيه دليل على أن أفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى .","part":4,"page":5},{"id":1506,"text":"{ قَالَ فَإِنِ اتبعتنى فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء } فلا تفاتحني بالسؤال عن شيء أنكرته مني ولم تعلم وجه صحته . { حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } حتى أبتدئك ببيانه ، وقرأ نافع وابن عامر «فَلاَ تَسْأَلْنِّي» بالنون الثقيلة .","part":4,"page":6},{"id":1507,"text":"{ فانطلقا } على الساحل يطلبان السفينة ، { حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا } أخذ الخضر فأساً فخرق السفينة بأن قلع لوحين من ألواحها . { قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } فإن خرقها سبب لدخول الماء فيها المفضي إلى غرق أهلها . وقرىء «لِتُغَرِّقْ» بالتشديد للتكثير . وقرأ حمزة والكسائي «ليغرق أهلها» على إسناده إلى الأهل . { لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا } أتيت أمراً عظيماً من أمر الأمر إذا عظم .","part":4,"page":7},{"id":1508,"text":"{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } تذكير لما ذكره قبل .","part":4,"page":8},{"id":1509,"text":"{ قَالَ لا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } بالذي نسيته أو بشيء نسيته ، يعني وصيته بأن لا يعترض عليه أو بنسياني إياها ، وهو اعتذار بالنسيان أخرجه في معرض النهي عن المؤاخذة مع قيام المانع لها . وقيل أراد بالنسيان الترك أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة . وقيل إنه من معاريض الكلام والمراد شيء آخر نسيه . { وَلاَ تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْراً } ولا تغشني عسراً من أمري بالمضايقة والمؤاخذة على المنسي ، فإن ذلك يعسر على متابعتك و { عُسْراً } مفعول ثان لترهق فانه يقال : رهقه إذا غشيه وأرهقه إياه ، وقرىء { عُسُراً } بضمتين .\r{ فانطلقا } أي بعد ما خرجا من السفينة . { حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ } قيل فتل عنقه ، وقيل ضرب برأسه الحائط ، وقيل أضجعه فذبحه والفاء للدلالة على أنه كما لقيه قتله من غير ترو واستكشاف حال ولذلك : { قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي طاهرة من الذنوب ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ورويس عن يعقوب «زاكية» والأول أبلغ ، وقال أبو عمرو الزاكية التي لم تذنب قط والزكية التي أذنبت ثم غفرت ، ولعله اختار الأول لذلك فإنها كانت صغيرة ولم تبلغ الحلم أو أنه لم يرها قد أذنبت ذنباً يقتضي قتلها ، أو قتلت نفساً فتقاد بها ، نبه به على أن القتل إنما يباح حداً أو قصاصاً وكلا الأمرين منتف ، ولعل تغيير النظم بأن جعل خرقها جزاء ، واعتراض موسى E مستأنفاً في الأولى وفي الثانية قتله من جملة الشرط واعتراضه جزاء ، لأن القتل أقبح والاعتراض عليه أدخل فكان جديراً بأن يجعل عمدة الكلام ولذلك فصله بقوله : { لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } أي منكراً ، وقرأ نافع في رواية قالون وورش وابن عامر ويعقوب وأبو بكر { نُّكْراً } بضمتين .\r{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زاد فيه { لَكَ } مكافحة بالعتاب على رفض الوصية ، ووسماً بقلة الثبات والصبر لما تكرر منه الاشمئزاز والاستنكار ولم يرعو بالتذكير أول مرة حتى زاد في الاستنكار ثاني مرة .\r{ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِى } وإن سألت صحبتك ، وعن يعقوب «فلا تصحبني» أي فلا تجعلني صاحبك . { قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } قد وجدت عذراً من قبلي لما خالفتك ثلاث مرات . وعن رسول الله A \" رحم الله أخي موسى استحيا فقال ذلك لو لبث مع صاحبه لأبصر أعجب الأعاجيب \" وقرأ نافع «مِن لَّدُنّي» بتحريك النون والاكتفاء بها عن نون الدعامة كقوله :\rقِدْنِي مِنْ نَصْرِ الحَبِيبَينِ قُدى ... وأبو بكر { لَّدُنّى } بتحريك النون وإسكان الضاد من عضد .\r{ فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } أنطاكية وقيل أبلة البصرة .","part":4,"page":9},{"id":1510,"text":"وقيل باجروان أرمينية . { استطعما أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } وقرىء { يُضَيّفُوهُمَا } من أضافه يقال ضافه إذا نزل به ضيفاً وأضافه وضيفه أنزله ، وأصل التركيب للميل يقال ضاف السهم عن الغرض إذا مال . { فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } يداني أن يسقط فاستعيرت الإِرادة للمشارفة كما استعير لها الهم والعزم قال :\rيُرِيدُ الرُّمْح صَدْرَ أَبِي بَرَاء ... وَيَعْدِلُ عَنْ دِمَاءِ بَني عَقِيلِ\rوقال :\rإِنَّ دَهْراً يَلُمُّ شَمْلي بجمل ... لزمانٌ يَهُمُّ بِالإِحْسَانِ\rوانقض انفعل من قضضته إذا كسرته ، ومنه انقضاض الطير والكواكب لهويه ، أو أفعل من النقض . وقرىء «أَن يَنقَض» و «أن ينقاص» بالصاد المهملة من انقاصت السن إذا انشقت طولاً . { فَأَقَامَهُ } بعمارته أو بعمود عمده به ، وقيل مسحه بيده فقام . وقيل نقضه وبناه . { قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } تحريضاً على أخذ الجعل لينتعشا به ، أو تعريضاً بأنه فضول لما في { لَوْ } من النفي كأنه لما رأى الحرمان ومساس الحاجة واشتغاله بما لا يعنيه لم يتمالك نفسه ، واتخذ افتعل من تخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين ، وقرأ ابن كثير والبصريان «لتخذت» أي لأخذت وأظهر ابن كثير ويعقوب وحفص الدال وأدغمه الباقون .\r{ قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } الإِشارة إلى الفراق الموعود بقوله { فَلاَ تُصَاحِبْنِى } أو إلى الاعتراض الثالث ، أو الوقت أي هذا الاعتراض سبب فراقنا أو هذا الوقت وقته ، وإضافة الفراق إلى البين إضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع ، وقد قرىء على الأصل . { سَأُنَبّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } بالخبر الباطن فيما لم تستطع الصبر عليه لكونه منكراً من حيث الظاهر .\r{ أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لمساكين يَعْمَلُونَ فِى البحر } لمحاويج ، وهو دليل على أن المسكين يطلق على من يملك شيئاً إذا لم يكفه . وقيل سموا مساكين لعجزهم عن دفع الملك أو لزمانتهم فإنها كانت لعشرة إخوة خمسة زمني وخمسة يعملون في البحر . { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } أن أجعلها ذات عيب . { وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } قدامهم أو خلفهم وكان رجوعهم عليه ، واسمه جلندى بن كركر ، وقيل منوار بن جلندي الأزدي . { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً } من أصحابها . وكان حق النظم أن يتأخر قوله { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } عن قوله { وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } لأن إرادة التعيب مسببة عن خوف الغصب وإنما قدم للعناية أو لأن السبب لما كان مجموع الأمرين خوف الغصب ومسكنة الملاك رتبه على أقوى الجزأين وأدعاهما وعقبه بالآخر على سبيل التقييد والتتميم ، وقرىء «كل سفينة صالحة» والمعنى عليها .\r{ وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } أن يغشيهما . { طغيانا وَكُفْراً } لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شراً ، أو يقرن بإيمانهما طغيانه وكفره يجتمع في بيت واحد مؤمنان وطاغ كافر ، أو يعديهما بعليه فيرتدا بإضلاله ، أو بممالأته على طغيانه وكفره حياله وإنما خشي ذلك لأن الله تعالى أعلمه .","part":4,"page":10},{"id":1511,"text":"وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن نجدة الحروري كتب إليه كيف قتله وقد نهى النبي A عن قتل الولدان ، فكتب إليه إن كنت علمت من حال الولدان ما علمه عالم موسى فلك أن تقتل . وقرىء «فخاف ربك» أي فكره كراهة من خاف سوء عاقبته ، ويجوز أن يكون قوله { فَخَشِينَا } حكاية قول الله D .\r{ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مّنْهُ } أن يرزقهما ولداً خيراً منه . { زكواة } طهارة من الذنوب والأخلاق الرديئة . { وَأَقْرَبَ رُحْماً } رحمة وعطفاً على والديه . قيل ولدت لهما جارية فتزوجها نبي فولدت له نبياً هدى الله به أمة من الأمم ، وقرأ نافع وأبو عمرو «يُبْدِّلَهُمَا» بالتشديد وابن عامر ويعقوب وعاصم «رحماً» بالتخفيف ، وانتصابه على التمييز والعامل اسم التفضيل وكذلك { زكواة } .\r{ وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة } قيل اسمهما أصرم وصريم ، واسم المقتول جيسور . { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } من ذهب وفضة ، روي ذلك مرفوعاً والذم على كنزهما في قوله تعالى : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } لمن لا يؤدي زكاتهما وما تعلق بهما من الحقوق . وقيل من كتب العلم . وقيل كان لوح من ذهب مكتوب فيه : عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن ، وعجبت لمن يؤمن بالرزق كيف يتعب ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول الله . { وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا } تنبيه على أن سعيه ذلك كان لصلاحه . قيل كان بينهما وبين الأب الذي حفظا فيه سبعة آباء وكان سياحاً واسمه كاشح . { فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي الحلم وكمال الرأي . { وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } مرحومين من ربك ، ويجوز أن يكون علة أو مصدراً لأراد فإن إرادة الخير رحمة . وقيل متعلق بمحذوف تقديره فعلت ما فعلت رحمة من ربك ، ولعل إسناد الإِرادة أولاً إلى نفسه لأنه المباشر للتعييب وثانياً إلى الله وإلى نفسه لأن التبديل بإهلاك الغلام وإيجاد الله بدله ، وثالثاً إلى الله وحده لأنه لا مدخل له في بلوغ الغلامين . أو لأن الأول في نفسه شر ، والثالث خير ، والثاني ممتزج . أو لاختلاف حال العارف في الالتفات إلى الوسائط . { وَمَا فَعَلْتُهُ } وما فعلت ما رأيته . { عَنْ أَمْرِي } عن رأيي وإنما فعلته بأمر الله D ، ومبني ذلك على أنه إذا تعارض ضرران يجب تحمل أهونهما لدفع أعظمهما ، وهو أصل ممهد غير أن الشرائع في تفاصيله مختلفة . { ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } أي ما لم تستطع فحذف التاء تخفيفاً .\rومن فوائد هذة القصة أن لا يعجب المرء بعلمه ولا يبادر إلى إنكار ما لم يستحسنه ، فلعل فيه سراً لا يعرفه ، وأن يداوم على التعلم ويتذلل للمعلم ، ويراعي الأدب في المقابل وأن ينبه المجرم على جرمه ويعفو عنه حتى يتحقق إصراره ثم يهاجر عنه .","part":4,"page":11},{"id":1512,"text":"{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ ذِى القرنين } يعني إسكندر الرومي ملك فارس والروم . وقيل المشرق والمغرب ولذلك سمي ذا القرنين ، أو لأنه طاف قرني الدنيا شرقها وغربها ، وقيل لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس ، وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان ، وقيل كان لتاجه قرنان . ويحتمل أنه لقب بذلك لشجاعته كما يقال الكبش للشجاع كأنه ينطح أقرانه . واختلف في نبوته مع الاتفاق على إيمانه وصلاحه ، والسائلون هم اليهود سألوه امتحاناً أو مشركو مكة . { قُلْ سَأَتْلُوعَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً } خطاب للسائلين والهاء لذي القرنين . وقيل لله .","part":4,"page":12},{"id":1513,"text":"{ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } أي مكنا له أمره من التصرف فيها كيف شاء فحذف المفعول . { واتيناه مِن كُلّ شَىْء } أراده وتوجه إليه . { سَبَباً } وصلة توصله إليه من العلم والقدرة والآلة .","part":4,"page":13},{"id":1514,"text":"{ فَاتبعَ سَبَباً } أي فأراد بلوغ المغرب فاتبع سبباً يوصله إليه ، وقرأ الكوفيون وابن عامر بقطع الألف مخففة التاء .\r{ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأ من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «حامية» أي حارة ، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها . ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال { وَجَدَهَا تَغْرُبُ } ولم يقل كانت تغرب . وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال «حمئة» فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة { وَوَجَدَ عِندَهَا } عند تلك العين . { قَوْماً } قيل كان لباسهم جلود الوحش وطعامهم ما لفظه البحر ، وكانوا كفاراً فخيره الله بين أن يعذبهم أو يدعوهم إلى الإِيمان كما حكى بقوله . { قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ } أي بالقتل على كفرهم . { وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } بالإِرشاد وتعليم الشرائع . وقيل خيره الله بين القتل والأسر وسماه إحساناً في مقابلة القتل ويؤيده الأول قوله :","part":4,"page":14},{"id":1515,"text":"{ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً } أي فاختار الدعوة وقال : أما من دعوته فظلم نفسه بالإِصرار على كفره أو استمر على ظلمه الذي هو الشرك فنعذبه أنا ومن معي في الدنيا بالقتل ، ثم يعذبه الله في الآخرة عذاباً منكراً لم يعهد مثله .","part":4,"page":15},{"id":1516,"text":"{ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالحا } وهو ما يقتضيه الإِيمان . { فَلَهُ } في الدارين . { جَزَاء الحسنى } فعلته الحسنى . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص «جزاء» منوناً منصوباً على الحال أي فله المثوبة الحسنى مجزياً بها ، أو على المصدر لفعله المقدر حالاً أي يجزي بها جزاء أو التمييز ، وقرىء منصوباً غير منون على أن تنوينه حذف لالتقاء الساكنين ومنوناً مرفوعاً على أنه المبتدأ و { الحسنى } بدله ، ويجوز أن يكون { أَمَّا } وما للتقسيم دون التخيير أي ليكن شأنك معهم إما التعذيب وإما الإِحسان ، فالأول لمن أصر على الكفر والثاني لمن تاب عنه ، ونداء الله إياه إن كان نبياً فبوحي وإن كان غيره فبإلهام أو على لسان نبي . { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا } بما نأمر به . { يُسْراً } سهلاً ميسراً غير شاق وتقديره ذا يسر ، وقرىء بضمتين .","part":4,"page":16},{"id":1517,"text":"{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } ثم أتبع طريقاً يوصله إلى المشرق .","part":4,"page":17},{"id":1518,"text":"{ حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس } يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولاً من معمورة الأرض ، وقرىء بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر . { وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً } من اللباس أو البناء ، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية .\r{ كذلك } أي أمر ذي القرنين كما وصفناه في رفعة المكان وبسطة الملك ، أو أمره فيهم كأمره في أهل المغرب من التخيير والاختيار . ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف لوجد أو { نَجْعَلِ } أو صفة قوم أي على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم الشمس في الكفر والحكم . { وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ } من الجنود والآلات والعدد والأسباب . { خُبْراً } علماً تعلق بظواهره وخفاياه ، والمراد أن كثرة ذلك بلغت مبلغاً لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير .\r{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } يعني طريقاً ثالثاً معترضاً بين المشرق والمغرب آخذاً من الجنوب إلى الشمال .\r{ حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ } بين الجبلين المبني بينهما سده وهماً جبلا أرمينية وأذربيجان . وقيل جبلان منيفان في أواخر الشمال في منقطع أرض الترك من ورائهما يأجوج ومأجوج . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر ويعقوب «بَيْنَ السُّدَّيْنِ» بالضم وهما لغتان . وقيل المضموم لما خلقه الله تعالى والمفتوح لما عمله الناس لأنه في الأصل مصدر سمي به حدث يحدثه الناس . وقيل بالكسر وبين ها هنا مفعول به وهو من الظروف المتصرفة . { وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } لغرابة لغتهم وقلة فطنتهم . وقرأ حمزة والكسائي «لا يفقهون» أي لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه لتلعثمهم فيه .\r{ قَالُواْ يَا ذَا القرنين } أي قال مترجمهم وفي مصحف ابن مسعود قال «الذين من دونهم» . { إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ } قبيلتان من ولد يافث بن نوح ، وقيل يأجوج من الترك ومأجوج من الجبل . وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف . وقيل عربيان من أج الظليم إذا أسرع وأصلهما الهمز كما قرأ عاصم ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث . { مُفْسِدُونَ فِى الأرض } أي في أرضنا بالقتل والتخريب وإتلاف الزرع . قيل كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ، وقيل كانوا يأكلون الناس . { فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً } نخرجه من أموالنا . وقرأ حمزة والكسائي «خراجاً» وكلاهما واحد كالنول والنوال . وقيل الخراج على الأرض والذمة والخرج المصدر . { على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّا } يحجز دون خروجهم علينا وقد ضمه من ضم «السُّدَّيْنِ» غير حمزة والكسائي .\r{ قَالَ مَا مَكَّنّى فِيهِ رَبّى خَيْرٌ } ما جعلني فيه مكيناً من المال والملك خير مما تبذلون لي من الخراج ولا حاجة بي إليه .","part":4,"page":18},{"id":1519,"text":"وقرأ ابن كثير «مكنني» على الأصل . { فَأَعِينُونِى بِقُوَّةٍ } أي بقوة فعلة أو بما أتقوى به من الآلات . { أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا } حاجزاً حصيناً وهو أكبر من السد من قولهم ثوب مردم إذا كان رقاعاً فوق رقاع .\r{ ءَاتُونِى زُبَرَ الحديد } قطعه والزبرة القطعة الكبيرة ، وهو لا ينافي رد الخراج والاقتصار على المعونة لأن الإِيتاء بمعنى المناولة ، ويدل عليه قراءة أبي بكر«رَدْمًا ائتونى» بكسر التنوين موصولة الهمزة على معنى جيئوني بزبر الحديد ، والباء محذوفة حذفها في أمرتك الخير ولأن إعطاء الآلة من الإِعانة بالقوة دون الخراج على العمل . { حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين } بين جانبي الجبلين بتنضيدها . وقرأ ابن كثير وابن عامر والبصريان بضمتين ، وأبو بكر بضم الصاد وسكون الدال ، وقرىء فتح الصاد وضم الدال وكلها لغات من الصدف وهو الميل لأن كلاً منهما منعزل عن الآخر ومنه التصادف للتقابل . { قَالَ انفخوا } أي قال للعملة انفخوا في الأكوار والحديد . { حتى إِذَا جَعَلَهُ } جعل المنفوخ فيه . { نَارًا } كالنار بالإِحماء . { قَالَ آتُونِى أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً } أي آتوني قطراً أي نحاساً مذاباً أفرغ عليه قطراً ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه . وبه تمسك البصريون على أن إعمال الثاني من العاملين المتوجهين نحو معمول واحد أولى ، إذ لو كان قطراً مفعول أفرغ حذراً من الإِلباس . وقرأ حمزة وأبو بكر قال { ءاتُونِى } موصولة الألف .\r{ فَمَا اسطاعوا } بحذف التاء حذراً من تلاقي متقاربين . وقرأ حمزة بالإِدغام جامعاً بين الساكنين على غير حده . وقرىء بقلب السين صاداً . { أَن يَظْهَرُوهُ } أن يعلوه بالصعود لارتفاعه وانملاسه . { وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْبًا } لثخنه وصلابته . وقيل حفر للأساس حتى بلغ الماء ، وجعله من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى ساوى أعلى الجبلين ، ثم وضع المنافيخ حتى صارت كالنار فصب النحاس المذاب عليه فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً . وقيل بناه من الصخور مرتبطاً بعضها ببعض بكلاليب من حديد ونحاس مذاب في تجاويفها .\r{ قَالَ هذا } هذا السد أو الأقدار على تسويته . { رَحْمَةٌ مّن رَّبّى } على عباده . { فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبّى } وقت وعده بخروج يأجوج ومأجوج ، أو بقيام الساعة بأن شارف يوم القيامة . { جَعَلَهُ دَكّا } مدكوكاً مبسوطاً مسوى بالأرض ، مصدر بمعنى مفعول ومنه جمل أدك لمنبسط السنام . وقرأ الكوفيون دكاء بالمد أي أرضاً مستوية . { وَكَانَ وَعْدُ رَبّى حَقّاً } كائناً لا محالة وهذا آخر حكاية قول ذي القرنين .\r{ وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِى بَعْضٍ } وجعلنا بعض يأجوج ومأجوج حين يخرجون مما وراء السد يموجون في بعض مزدحمين في البلاد ، أو يموج بعض الخلق في بعض فيضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى ويؤيده قوله : { وَنُفِخَ فِى الصور } لقيام الساعة . { فجمعناهم جَمْعاً } للحساب والجزاء .\r{ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ للكافرين عَرْضاً } وأبرزناها وأظهرناها لهم .","part":4,"page":19},{"id":1520,"text":"{ الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِى غِطَاء عَن ذِكْرِى } عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتوحيد والتعظيم . { وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً } استماعاً لذكري وكلامي لإِفراط صممهم عن الحق ، فإن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به وهؤلاء كأنهم أصمت مسامعهم بالكلية .","part":4,"page":20},{"id":1521,"text":"{ أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ } أفظنوا والاستفهام للإِنكار . { أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِى } اتخاذهم الملائكة والمسيح . { مِن دُونِى أَوْلِيَاء } معبودين نافعهم ، أو لا أعذبهم به فحذف المفعول الثاني كما يحذف الخبر للقرينة ، أوسد أن يتخذوا مسد مفعوليه وقرىء { أَفَحَسِبَ الذين كَفَرُواْ } أي إفكاً فيهم في النجاة ، وأن بما في حيزها مرتفع بأنه فاعل حسب ، فإن النعت إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل أو خبر له . { إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ للكافرين نُزُلاً } ما يقام للنزيل ، وفيه تهكم وتنبيه على أن لهم وراءها من العذاب ما تستحقر دونه .","part":4,"page":21},{"id":1522,"text":"{ قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بالأخسرين أعمالا } نصب على التمييز وجمع لأنه من أسماء الفاعلين أو لتنوع أعمالهم .","part":4,"page":22},{"id":1523,"text":"{ الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحياة الدنيا } ضاع وبطل لكفرهم وعجبهم كالرهابنة فإنهم خسروا دنياهم وأخراهم ، ومحله الرفع على الخبر المحذوف فإنه جواب السؤال أو الجر على البدل أو النصب على الذم . { وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } بعجبهم واعتقادهم أنهم على الحق .","part":4,"page":23},{"id":1524,"text":"{ أُوْلَئِكَ الذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ } بالقرآن أو بدلائله المنصوبة على التوحيد والنبوة . { وَلِقَائِهِ } بالبعث على ما هو عليه أو لقاء عذابه . { فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ } بكفرهم فلا يثابون عليها . { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } فنزدري بهم ولا نجعل لهم مقداراً واعتباراً ، أو لا نضع لهم ميزاناً يوزن به أعمالهم لانحباطها .","part":4,"page":24},{"id":1525,"text":"{ ذلك } أي الأمر ذلك وقوله : { جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ } جملة مبينة له ويجوز أن يكون { ذلك } مبتدأ والجملة خبره والعائد محذوف أي جزاؤهم به ، أو جزاؤهم بدله و { جَهَنَّمَ } خبره أو { جَزَآؤُهُمْ } خبره و { جَهَنَّمَ } عطف بيان للخبر . { بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا ءاياتى وَرُسُلِى هُزُواً } أي بسبب ذلك .","part":4,"page":25},{"id":1526,"text":"{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كَانَتْ لَهُمْ جنات الفردوس نُزُلاً } فيما سبق من حكم الله ووعده ، و { الفردوس } أعلى درجات الجنة ، وأصله البستان الذي يجمع الكرم والنخل .","part":4,"page":26},{"id":1527,"text":"{ خالدين فِيهَا } حال مقدرة . { لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً } تحولاً إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم ، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود .","part":4,"page":27},{"id":1528,"text":"{ قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً } ما يكتب به ، وهو اسم ما يمد الشيء كالحبر للدواة والسليط للسراج . { لكلمات رَبّى } لكلمات علمه وحكمته . { لَنَفِدَ البحر } لنفد جنس البحر بأمره لأن كل جسم متناه . { قَبْلَ أَن تَنفَدَ كلمات رَبّى } فإنها غير متناهية لا تنفد كعلمه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء . { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ } بمثل البحر الموجود . { مَدَداً } زيادة ومعونة ، لأن مجموع المتناهين متناه بل مجموع ما يدخل في الوجود من الأجسام لا يكون إلا متناهياً للدلائل القاطعة على تناهي الأبعاد ، والمتناهي ينفد قبل أن ينفد غير المتناهي لا محالة . وقرىء «ينفد» بالياء و { مَدَداً } بكسر الميم جمع مدة وهي ما يستمده الكاتب ومداداً . وسبب نزولها أن اليهود قالوا في كتابكم { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } وتقرؤون { وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً . }","part":4,"page":28},{"id":1529,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } لا أدعي الإِحاطة على كلماته . { يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } وإنما تميزت عنكم بذلك . { فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّهِ } يؤمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه . { فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالحا } يرتضيه الله . { وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبّهِ أَحَدَا } بأن يرائيه أو يطلب منه أجراً . روي أن جندب بن زهير قال لرسول الله A : إني لأعمل العمل لله فإذا أطلع عليه سرني فقال : « إن الله لا يقبل ما شورك فيه » فنزلت تصديقاً له وعنه E « اتقوا الشرك الأصغر » قالوا وما الشرك الأصغر قال « الرياء » والآية جامعة لخلاصتي العلم والعمل وهما التوحيد والإِخلاص في الطاعة . وعن النبي A « من قرأها عند مضجعه كان له نوراً في مضجعه يتلألأ إلى مكة حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم ، فإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ » وعنه E « من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه ، ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء » .","part":4,"page":29},{"id":1530,"text":"وهي ثمان أو تسع وتسعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ كهيعص } أمال أبو عمرو الهاء لأن ألفات أسماء التهجي ياءات وابن عامر وحمزة الياء ، والكسائي وأبو بكر كليهما ، ونافع بين بين ونافع وابن كثير وعاصم يظهرون دال الهجاء عند الذال ، والباقون يدغمونها .","part":4,"page":30},{"id":1531,"text":"{ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ } خبر ما قبله إن أول السورة أو بالقرآن ، فإنه مشتمل عليه أو خبر محذوف أي : هذا المتلو { ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبّكَ } ، أو مبتدأ حذف خبره أي فيما يتلى عليك ذكرها ، وقرىء { ذِكْرُ رَحْمَةِ } على الماضي و { ذكر } على الأمر . { عَبْدَهُ } مفعول الرحمة أو الذكر على أن الرحمة فاعله على الاتساع كقولك : ذكرني جود زيد . { زَكَرِيَّا } بدل منه أو عطف بيان له .","part":4,"page":31},{"id":1532,"text":"{ إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً } لأن الإِخفاء والجهر عند الله سيان ، والإِخفاء أشد إخباتاً وأكثر إخلاصاً أو لئلا يلام على طلب الولد في إبان الكبر ، أو لئلا يطلع عليه مواليه الذين خافهم ، أو لأن ضعف الهرم أخفى صوته . واختلف في سنه حينئذ فقيل ستون ، وقيل سبعون ، وقيل خمس وسبعون ، وقيل خمس وثمانون ، وقيل تسع وتسعون .","part":4,"page":32},{"id":1533,"text":"{ قَالَ رَبِّ إِنّى وَهَنَ العظم مِنّى } تفسير للنداء والوهن الضعف ، وتخصيص العظم لأنه دعامة البدن وأصل بنائه ولأنه أصلب ما فيه ، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن وتوحيده لأن المراد به الجنس ، وقرىء و { هن } و { وهن } بالضم والكسر ونظيره كمل بالحركات الثلاث . { واشتعل الرأس شَيْباً } شبه الشيب في بياضه وإنارته بشواظ النار وانتشاره وفشوه في الشعر باشتعالها ، ثم أخرجه مخرج الاستعارة وأسند الاشتعال إلى الرأس الذي هو مكان الشيب مبالغة ، وجعله مميزاً إيضاحاً للمقصود ، واكتفى باللام على الإِضافة للدلالة على أن علم المخاطب بتعين المراد يغني عن التقييد . { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً } بل كلما دعوتك استجبت لي وهو توسل بما سلف معه من الاستجابة ، وتنبيه على أن المدعو له وإن لم يكن معتاداً فإجابته معتادة ، وأنه تعالى عوده بالإِجابة وأطمعه فيها ، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطمعه .","part":4,"page":33},{"id":1534,"text":"{ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى } يعني بني عمه وكانوا أشرار بني إسرائيل ، فخاف أن لا يحسنوا خلافته على أمته ويبدلوا عليهم دينهم . { مِن وَرَائِى } بعد موتي ، وعن ابن كثير بالمد والقصر بفتح الياء وهو يتعلق بمحذوف ، أو بمعنى «الموالى» أي خفت فعل الموالي من ورائي ، أو الذين يلون الأمر من ورائي . وقرىء «خفت الموالي من ورائي» أي قلوا وعجزوا عن إقامة الدين بعدي ، أو خفوا ودرجوا قدامي ، فعلى هذا كان الظرف متعلقاً ب { خِفْتُ } . { وَكَانَتِ امرأتى عَاقِرًا } لا تلد . { فَهَبْ لِى مِن لَّدُنْكَ } فإن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك ، فإني وامرأتي لا نصلح للولادة . { وَلِيّاً } من صلبي .","part":4,"page":34},{"id":1535,"text":"{ يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ } صفتان له وجزمهما أبو عمرو والكسائي على أنهما جواب الدعاء ، والمراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورثون المال . وقيل يرثني الحبورة فإنه كان حبراً ، ويرث من آل يعقوب الملك ، وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام . وقيل يعقوب كان أخا زكريا أو عمران بن ماثان من نسل سليمان عليه السلام . وقرىء «يرثني وارث آل يعقوب» على الحال من أحد الضميرين ، وأو «يرث» بالتصغير لصغره ، و وارث من آل يعقوب على أنه فاعل { يَرِثُنِى } وهذا يسمى التجريد في علم البيان لأنه جرد عن المذكور أولاً مع أنه المراد . { واجعله رَبِّ رَضِيّاً } ترضاه قولاً وعملاً .","part":4,"page":35},{"id":1536,"text":"{ يازكريا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام اسمه يحيى } جواب لندائه ووعد بإجابة دعائه وإنما تولى تسميته تشريفاً له . { لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً } لم يسم أحد بيحيى قبله ، وهو شاهد بأن التسمية بالأسامي الغريبة تنويه للمسمى . وقيل سمياً شبيهاً كقوله تعالى : { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } لأن المتماثلين يتشاركان في الاسم ، والأظهر أنه أعجمي وإن كان عربياً فمنقول عن فعل كيعيش ويعمل . وقيل سمي به لأنه حيي به رحم أمه ، أو لأن دين الله حيي بدعوته .","part":4,"page":36},{"id":1537,"text":"{ قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِى غلام وَكَانَتِ امرأتى عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً } جساوة وقحولاً في المفاصل ، وأصله عتو وكقعود فاستثقلوا توالي الضمتين والواوين فكسروا التاء فانقلبت الواو الأولى ياء ، ثم قلبت الثانية وأدغمت وقرأ حمزة والكسائي وحفص { عِتِيّاً } بالكسر ، وإنما استعجب الولد من شيخ فان وعجوز عاقر اعترافاً بأن المؤثر فيه كمال قدرته وأن الوسائط عند التحقيق ملغاة ولذلك : { قَالَ } أي الله تعالى أو الملك المبلغ للبشارة تصديقاً له . { كذلك } الأمر كذلك ، ويجوز أن تكون الكاف منصوبة ب { قَالَ } في : { قَالَ رَبُّكَ } وذلك إشارة إلى مبهم يفسره . { هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ } ويؤيد الأول قراءة من قرأ { وَهُوَ عَلَيَّ هَيّنٌ } أي الأمر كما قلت ، أو كما وعدت وهو على ذلك يهون علي ، أو كما وعدت وهو عليّ هين لا أحتاج فيما أريد أن أفعله إلى الأسباب ، ومفعول قال الثاني محذوف . { وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } بل كنت معدوماً صرفاً ، وفيه دليل على أن المعدوم ليس بشيء ، وقرأ حمزة والكسائي «وقد خلقناك» .\r{ قَالَ رَبِّ اجعل لِّى ءَايَةً } علامة أعلم بها وقوع ما بشرتني به . { قَالَ ءايَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } سَوِيُّ الخَلْقِ ما بك من خرس ولا بكم ، وإنما ذكر الليالي هنا والأيام في «آل عمران» للدلالة على أنه استمر عليه المنع من كلام الناس والتجرد للذكر والشكر ثلاثة أيام ولياليهن .\r{ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب } من المصلى أو من الغرفة . { فأوحى إِلَيْهِمْ } فأومأ إليهم لقوله { إِلاَّ رَمْزًا } . وقيل كتب لهم على الأرض . { أَن سَبِّحُواْ } صلوا أو نزهوا ربكم . { بُكْرَةً وَعَشِيّاً } طرفي النهار ، ولعله كان مأموراً بأن يسبح ويأمر قومه بأن يوافقوه ، و { أَن } تحتمل أن تكون مصدرية وأن تكون مفسرة .\r{ يَا يحيى } على تقدير القول . { خُذِ الكتاب } التوراة . { بِقُوَّةٍ } بجد واستظهار بالتوفيق . { وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً } يعني الحكمة وفهم التوراة ، وقيل النبوة أحكم الله عقله في صباه واستنبأه .\r{ وَحَنَانًا مّن لَّدُنَّا } ورحمة منا عليه أو رحمة وتعطفاً في قلبه على أبوييه وغيرهما عطف على الحكم . { وزكواة } وطهارة من الذنوب أو صدقة أي تصدق الله به على أبويه ، أو مكنه ووفقه للتصديق على الناس . { وَكَانَ تَقِيّا } مطيعاً متجنباً عن المعاصي .\r{ وَبَرّاً بوالديه } وباراً بهما . { وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً } عاقاً أو عاصي ربه .\r{ وسلام عَلَيْهِ } من الله . { يَوْمَ وُلِدَ } من أن يناله الشيطان بما ينال به بني آدم . { وَيَوْمَ يَمُوتُ } من عذاب القبر . { وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً } من عذاب النار وهو القيامة .","part":4,"page":37},{"id":1538,"text":"{ واذكر فِى الكتاب } في القرآن . { مَرْيَمَ } يعني قصتها . { إِذِ انتبذت } اعتزلت ، بدل من { مَرْيَمَ } بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها ، أو بدل الكل لأن المراد ب { مَرْيَمَ } قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد ، أو ظرف لمضاف مقدر وقيل { إِذْ } بمعنى أن المصدرية كقولك : أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلاً لا محالة . { مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً } شرقي بيت المقدس ، أو شرقي دارها ، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكاناً ظرف أو مفعول لأن { انتبذت } متضمن معنى أتت .","part":4,"page":38},{"id":1539,"text":"{ فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً } ستراً . { فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً } قيل قعدت في مشرفة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها وكانت تتحول من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل عليه السلام متمثلاً بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه ، ولعله لتهييج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى رحمها .","part":4,"page":39},{"id":1540,"text":"{ قَالَتْ إِنِّى أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ } من غاية عفافها . { إِن كُنتَ تَقِيّاً } تتقي الله وتحتفل بالاستعاذة ، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك ، أو فتتعظ بتعويذي أو فلا تتعرض لي ، ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقياً متورعاً فإني أتعوذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك .","part":4,"page":40},{"id":1541,"text":"{ قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ } الذي استعذت به . { لأَهَبَ لَكِ غلاما } أي لأكون سبباً في هبته بالنفخ في الدرع ، ويجوز أن يكون حكاية لقول الله تعالى ، ويؤيده قراءة أبي عمرو والأكثر عن نافع ويعقوب بالياء . { زَكِيّاً } طاهراً من الذنوب أو نامياً على الخير أي مترقياً من سن إلى سن على الخير والصلاح .","part":4,"page":41},{"id":1542,"text":"{ قَالَتْ أنى يَكُونُ لِى غلام وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ } ولم يباشر فيَّ رجل بالحلال ، فإن هذه الكنايات إنما تطلق فيه ، أما الزنا فإنما يقال فيه خبث بها وفجر ونحو ذلك ويعضده عطف قوله : { وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً } عليه وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء وأدغمت ثم كسرت الغين اتباعاً ولذلك لم تلحقه التاء ، أو فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء لأنه للمبالغة ، أو للنسب كطالق .","part":4,"page":42},{"id":1543,"text":"{ قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ } أي ونفعل ذلك لنجعله آية أو لنبين به قدرتنا ولنجعله ، وقيل عطف على ليهب على طريقة الالتفات . { ءَايَةً لِلنَّاسِ } علامة لهم وبرهاناً على كمال قدرتنا . { وَرَحْمَةً مِّنَّا } على العباد يهتدون بإرشاده . { وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً } أي تعلق به قضاء الله في الأزل ، أو قدر وسطر في اللوح أو كان أمراً حقيقاً بأن يقضى ويفعل لكونه آية ورحمة .","part":4,"page":43},{"id":1544,"text":"{ فَحَمَلَتْهُ } بأن نفخ في درعها فدخلت النفخة في جوفها وكان مدة حملها سبعة أشهر ، وقيل ستة ، وقيل ثمانية ولم يعش مولود وضع لثمانية غيره ، وقيل ساعة كما حملته نبذته وسنها ثلاث عشرة سنة ، وقيل عشر سنين وقد حاضت حيضتين . { فانتبذت بِهِ } فاعتزلت وهو في بطنها كقوله :\rتَدُوسُ بِنَا الجَمَاجِمَ وَالتَرِيبَا ... والجار والمجرور في موضع الحال . { مَكَاناً قَصِيّاً } بعيداً من أهلها وراء الجبل وقيل أقصى الدار .","part":4,"page":44},{"id":1545,"text":"{ فَأَجَاءَهَا المخاض } فألجأها المخاض ، بالكسر وهما مصدر مخضت المرأة إذا تحرك الولد في بطنها للخروج . { إلى جِذْعِ النخلة } لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة ، وهو ما بين العرق والغصن وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة وكان الوقت شتاء ، والتعريف إما للجنس أو للعهد إذ لم يكن ثم غيرها وكانت كالمتعالم عند الناس ، ولعله تعالى ألهمها ذلك ليريها من آياته ما يسكن روعتها ويطعمها الرطب الذي هو خرسة النفساء الموافقة لها . { قَالَتْ يَا لَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هذا } استحياء من الناس ومخافة لومهم ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر { مت } من مات يموت . { وَكُنتُ نَسْياً } ما من شأنه أن ينسى ولا يطلب ونظيره الذبح لما يذبح ، وقرأ حمزة وحفص بالفتح وهو لغة فيه أو مصدر سمي به ، وقرىء به وبالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته . { مَّنْسِيّاً } منسي الذكر بحيث لا يخطر ببالهم وقرىء بكسر الميم على الاتباع .","part":4,"page":45},{"id":1546,"text":"{ فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا } عيسى ، وقيل جبريل كان يقبل الولد ، وقيل تحتها أسفل من مكانها . وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص وروح «من تحتها» بالكسر والجر على أن في نادى ضمير أحدهما ، وقيل الضمير في تحتها النخلة . { أَلاَّ تَحْزَنِى } أي لا تحزني أو بأن لا تحزني . { قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً } جدولاً . هكذا روي مرفوعاً ، وقيل سرياً من السرو وهو عيسى E .","part":4,"page":46},{"id":1547,"text":"{ وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة } وأميليه إليك ، والباء مزيدة للتأكيد أو افعلي الهز والأمالة به ، أو { هزي } الثمرة بهزه والهز تحريك بجذب ودفع . { تساقط عَلَيْكِ } تتساقط فأدغمت التاء الثانية في السين وحذفها حمزة ، وقرأ يعقوب بالياء وحفص «تساقط» من ساقطت بمعنى أسقطت ، وقرىء «تتساقط» و «تسقط» و «يسقط» فالتاء للنخلة والياء للجذع . { رُطَباً جَنِيّاً } تمييز أو مفعول . روي أنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا ثمر وكان الوقت شتاء ، فهزتها فجعل الله تعالى لها رأساً وخوصاً ورطباً . وتسليتها بذلك لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش ، والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء قدر أن يحبلها من غير فحل ، وأنه ليس ببدع من شأنها مع ما فيه من الشراب والطعام ولذلك رتب عليه الأمرين فقال :\r{ فَكُلِى واشربى } أي من الرطب وماء السرى أو من الرطب وعصيره . { وَقَرِّي عَيْناً } وطيبي نفسك وارفضي عنها ما أحزنك ، وقرىء { وقَرى } بالكسر وهو لغة نجد ، واشتقاقه من القرار فإن العين إذا رأت ما يسر النفس سكنت إليه من النظر إلى غيره ، أو من الفرقان دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة ولذلك يقال قرة العين للمحبوب وسخنتها للمكروه . { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً } فإن تري آدمياً ، وقرىء «ترئن» على لغة من يقول لبأت بالحج لتآخ بين الهمزة وحرف اللين . { فَقُولِى إِنِّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً } صمتاً وقد قرىء به ، أو صياماً وكانوا لا يتكلمون في صيامهم . { فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً } بعد أن أخبرتكم بنذري وإنما أكلم الملائكة وأناجي ربي . وقيل أخبرتهم بنذرها بالإِشارة وأمرها بذلك لكراهة المجادلة والاكتفاء بكلام عيسى E فإنه قاطع في قطع الطاعن .\r{ فَأَتَتْ بِهِ } أي مع ولدها . { قَوْمَهَا } راجعة إليهم بعد ما طهرت من النفاس . { تَحْمِلُهُ } حاملة إياه . { قَالُواْ يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً } أي بديعاً منكراً من فري الجلد .\r{ يَآ أُخْتَ هارون } يعنون هرون النبي E وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة ، وقيل كانت من نسله وكان بينهما ألف سنة . وقيل هو رجل طالح أو صالح كان في زمانهم شبهوها به تهكماً أو لما رأوا قبل من صلاحها أو شتموها به . { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً } تقرير لأن ما جاءت به فري ، وتنبيه على أن الفواحش من أولاد الصالحين أفحش .\r{ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ } إلى عيسى E أي كلموه ليجيبكم . { قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى المهد صَبِيّاً } ولم نعهد صبياً في المهد كلمه عاقل ، و { كَانَ } زائدة والظرف صلة من .","part":4,"page":47},{"id":1548,"text":"و { صَبِيّاً } حال من المستكن فيه أو تامة أو دائمة كقوله تعالى : { وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً } أو بمعنى صار .\r{ قَالَ إِنّى عَبْدُ الله } أنطقه الله تعالى به أولاً لأنه أول المقامات والرد على من يزعم ربوبيته . { ءَاتَانِىَ الكتاب } الإِنجيل . { وَجَعَلَنِى نَبِيّاً } .\r{ وَجَعَلَنِى مُبَارَكاً } نفاعاً معلماً للخير ، والتعبير بلفظ الماضي إما باعتبار ما سبق في قضائه ، أو بجعل المحقق وقوعه كالواقع وقيل أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً . { أَيْنَمَا كُنتُ } حيث كنت . { وَأَوْصَانِى } وأمرني . { بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ } زكاة المال إن ملكته أو تطهير النفس عن الرذائل . { مَا دُمْتُ حَيّاً } .\r{ وَبَرّاً بِوَالِدَتِى } وباراً بها عطف على { مُبَارَكاً } ، وقرىء بالكسر على أنه مصدر وصف به أو منصوب بفعل دل عليه أوصاني ، أي وكلفني براً ويؤيده القراءة بالكسر والجر عطفاً على «الصلاة» . { وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّاراً شَقِيّاً } عند الله من فرط تكبره .\r{ والسلام عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } كما هو على يحيى والتعريف للعهد والأظهر أنه للجنس والتعريض باللعن على أعدائه ، فإنه لما جعل جنس السلام على نفسه عرض بأن ضده عليهم كقوله تعالى : { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } فإنه تعريض بأن العذاب على من كذب وتولى .\r{ ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ } أي الذي تقدم نعته هو عيسى ابن مريم لا ما يصفه النصارى ، وهو تكذيب لهم فيما يصفونه على الوجه الأبلغ والطريق البرهاني حيث جعله موصوفاً بأضداد ما يصفونه ثم عكس الحكم . { قَوْلَ الحق } خبر محذوف أي هو قول الحق الذي لا ريب فيه ، والإِضافة للبيان والضمير للكلام السابق أو لتمام القصة . وقيل صفة { عِيسَى } أو بدل أو خبر ثان ومعناه كلمة الله . وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب { قَوْلَ } بالنصب على أنه مصدر مؤكد . وقرىء «قال الحق» وهو بمعنى القول . { الذى فِيهِ يَمْتُرُونَ } في أمره يشكون أو يتنازعون ، فقالت اليهود ساحر وقالت النصارى ابن الله وقرىء بالتاء على الخطاب .","part":4,"page":48},{"id":1549,"text":"{ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه } تكذيب للنصارى وتنزيه لله تعالى عما بهتوه . { إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ } تبكيت لهم ، فإن من إذا أراد شيئاً أوجده ب { كُن } كان منزهاً عن شبه الخلق إلى الحاجة في اتخاذ الولد بإحبال الإِناث ، وقرأ ابن عامر { فَيَكُونُ } بالنصب على الجواب .","part":4,"page":49},{"id":1550,"text":"{ وَإِنَّ الله رَبِّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } سبق تفسيره في سورة «آل عمران» ، وقرأ الحجازيان والبصريان { وَأَنْ } بالفتح على ولأن وقيل إنه معطوف على { الصلاة } .","part":4,"page":50},{"id":1551,"text":"{ فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ } اليهود والنصارى . أو فرق النصارى ، النسطورية قالوا إنه ابن الله ، ويعقوبية قالوا هو الله هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء ، وملكانية قالوا هو عبد الله ونبيه . { فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } من شهود يوم عظيم هوله وحسابه وجزاؤه ، وهو يوم القيامة أو من وقت الشهود أو من مكانه فيه ، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وهو أن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وآرابهم وأرجلهم بالكفر والفسق ، أو من وقت الشهادة أو من مكانها . وقيل هو ما شهدوا به في عيسى وأمه .","part":4,"page":51},{"id":1552,"text":"{ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ } تعجب معناه أن أسمَاعهم وأبصارهم . { يَوْمَ يَأْتُونَنَا } أي يوم القيامة جدير بأن يتعجب منهما بعد ما كانوا صماً عمياً في الدنيا ، أو التهديد بما سيسمعون ويبصرون يومئذ . وقيل أمر بأن يسمعهم ويبصرهم مواعيد ذلك اليوم وما يحيق بهم فيه ، والجار والمجرور على الأول في موضع الرفع وعلى الثاني في موضع النصب { لكن الظالمون اليوم فِى ضلال مُّبِينٍ } أوقع الظالمون موقع الضمير إشعاراً بأنهم ظلموا أنفسهم حيث أغفلوا الاستماع والنظر حين ينفعهم ، وسجل على إغفالهم بأنه ضلال بين .","part":4,"page":52},{"id":1553,"text":"{ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة } يوم يتحسر الناس المسيء على إساءته والمحسن على قلة إحسانه . { إِذْ قُضِىَ الأمر } فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار ، وإذ بدل من اليوم أو ظرف ل { لحسرة } . { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } حال متعلقة بقوله { فِى ضلال مُّبِينٍ } وما بينهما اعتراض ، أو ب { أَنْذِرْهُمْ } أي أنذرهم غافلين غير مؤمنين ، فتكون حالاً متضمنة للتعليل .","part":4,"page":53},{"id":1554,"text":"{ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا } لا يبقى غيرنا عليها وعليهم ملك ولا ملك ، أو نتوفى الأرض ومن عليها بالإِفناء والإِهلاك توفي الوارث لإِرثه . { وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يردون للجزاء .","part":4,"page":54},{"id":1555,"text":"{ واذكر فِى الكتاب إبراهيم إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً } ملازماً للصدق ، أو كثير التصديق لكثرة ما صدق به من غيوب الله تعالى وآياته وكتبه ورسله . { نَبِيّاً } استنبأه الله .","part":4,"page":55},{"id":1556,"text":"{ إِذْ قَالَ } بدل من { إِبْرَاهِيمَ } وما بينهما اعتراض ، أو متعلق ب { كَانَ } أو ب { صِدّيقاً نَّبِيّاً } . { لأَبِيهِ ياأبت } التاء معوضة من ياء الإِضافة ولذلك لا يقال يا أبتي ويقال يا أبتا ، وإنما تذكر للاستعطاف ولذلك كررها . { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } فيعرف حالك ويسمع ذكرك ويرى خضوعك . { وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } في جلب نفع أو دفع ضر ، دعاه إلى الهدى وبين ضلاله واحتج عليه أبلغ احتجاج وأرشقه برفق وحسن أدب ، حيث لم يصرح بضلاله بل طلب العلة التي تدعوه إلى عبادة ما يستخف به العقل الصريح ويأبى الركون إليه ، فضلاً عن عبادته التي هي غاية التعظيم ، ولا تحق إلا لمن له الاستغناء التام والإِنعام العام وهو الخالق الرازق المحيي المميت المعاقب المثيب ، ونبه على أن العاقل ينبغي أن يفعل ما يفعل لغرض صحيح ، والشيء لو كان حياً مميزاً سميعاً بصيراً مقتدراً على النفع والضر ولكن كان ممكناً ، لاستنكف العقل القويم من عبادته وإن كان أشرف الخلق كالملائكة والنبيين لما يراه مثله في الحاجة والانقياد للقدرة الواجبة ، فكيف إذا كان جماداً لا يسمع ولا يبصر ، ثم دعاه إلى أن يتبعه ليهديه إلى الحق القويم والصراط المستقيم لما لم يكن محظوظاً من العلم الإِلهي مستقلاً بالنظر السوي فقال :","part":4,"page":56},{"id":1557,"text":"{ ياأبت إِنّى قَدْ جَاءَنِى مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ فاتبعنى أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً } ولم يسم أباه بالجهل المفرط ولا نفسه بالعلم الفائق ، بل جعل نفسه كرفيق له في مسير يكون أعرف بالطريق ، ثم ثبطه عما كان عليه بأنه مع خلوه عن النفع مستلزم للضر ، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان من حيث إنه الآمر به فقال :\r{ ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان } ولما استهجن ذلك بين وجه الضر فيه بأن الشيطان مستعص على ربك المولي للنعم كلها بقوله : { إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً } ومعلوم أن المطاوع للعاصي عاص وكل عاص حقيق بأن تسترد منه النعم وينتقم منه ، ولذلك عقبه بتخويفه سوء عاقبته وما يجر إليه فقال :\r{ ياأبت إِنِّى أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن فَتَكُونَ للشيطان وَلِيّاً } قريناً في اللعن والعذاب تليه ويليك ، أو ثابتاً في موالاته فإنه أكبر من العذاب كما أن رضوان الله أكبر من الثواب . وذكر الخوف والمس وتنكير العذاب إما للمجاملة أو لخفاء العاقبة ، ولعل اقتصاره على عصيان الشيطان من بين جناياته لإِرتقاء همته في الربانية ، أو لأنه ملاكها أو لأنه من حيث إنه نتيجة معاداته لآدم وذريته منبه عليها .\r{ قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِى ياإبراهيم } قابل استعطافه ولطفه في الارشاد بالفظاظة وغلظة العناد فناداه باسمه ولم يقابل { يَا أبَتِ } : بيا بني ، وأخره وقدم الخبر على المبتدأ وصدره بالهمزة لإِنكار نفس الرغبة على ضرب من التعجب ، كأنها مما لا يرغب عنه عاقل ثم هدده فقال : { لَئِن لَّمْ تَنتَهِ } عن مقالك فيها أو الرغبة عنها . { لأَرْجُمَنَّكَ } بلساني يعني الشتم والذم أو بالحجارة حتى تموت ، أو تبعد مني . { واهجرنى } عطف على ما دل عليه { لأَرْجُمَنَّكَ } أي فاحذرني واهجرني . { مَلِيّاً } زماناً طويلاً من الملاوة أو ملياً بالذهاب عني .\r{ قَالَ سلام عَلَيْكَ } توديع ومتاركة ومقابلة للسيئة بالحسنة ، أي لا أصيبك بمكروه ولا أقول لك بعد ما يؤذيك ولكن : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِِّي } لعله يوفقك للتوبة والإِيمان ، فإن حقيقة الاستغفار للكافر إستدعاء التوفيق لما يوجب مغفرته وقد مر تقريره في سورة التوبة { إِنَّهُ كَانَ بِى حَفِيّاً } بليغاً في البر والإِلطاف .\r{ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } بالمهاجرة بديني . { وَأَدْعُو رَبِّى } وأعبده وحده . { عسى أَن لا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّى شَقِيّا } خائباً ضائع السعي مثلكم في دعاء آلهتم ، وفي تصدير الكلام ب { عَسَى } التواضع وهضم النفس ، والتنبيه على أن الإِجابة والإِثابة تفضل غير واجبتين ، وأن ملاك الأمر خاتمته وهو غيب .\r{ فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } بالهجرة إلى الشام . { وَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } بدل من فارقهم من الكفرة ، قيل إنه لما قصد الشام أتى أولاً حران وتزوج بسارة وولدت له إسحق وولد منه يعقوب ، ولعل تخصيصهما بالذكر لأنهما شجرتا الأنبياء أو لأنه أراد أن يذكر إسمعيل بفضله على الانفراد . { وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً } وكلا منهما أو منهم .\r{ وَوَهَبْنَا لَهْمْ مِّنْ رَّحْمَتِنَا } النبوة والأموال والأولاد . { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً } يفتخر بهم الناس ويثنون عليهم ، استجابة لدعوته { واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الآخرين } والمراد باللسان ما يوجد به ، ولسان العرب لغتهم وإضافته إلى الصدق وتوصيفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يثنون عليهم ، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتحول الدول وتبدل الملل .","part":4,"page":57},{"id":1558,"text":"{ واذكر فِى الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً } موحداً أخلص عبادته عن الشرك والرياء ، أو أسلم وجهه لله وأخلص نفسه عما سواه ، وقرأ الكوفيون بالفتح على أن الله أخلصه . { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } أرسله الله إلى الخلق فأنبأهم عنه ولذلك قدم { رَسُولاً } مع أنه أخلص وأعلى .","part":4,"page":58},{"id":1559,"text":"{ وناديناه مِن جَانِبِ الطور الأيمن } من ناحيته اليمنى من اليمين ، وهي التي تلي يمين موسى من جانبه الميمون من اليمن بأن تمثل له الكلام من تلك الجهة . { وَقَرَّبْنَاهُ } تقريب تشريف شبهه بمن قربه الملك لمناجاته . { نَجِيّاً } مناجياً حال من أحد الضميرين . وقيل مرتفعاً من النجوة وهو الارتفاع . لما روي أنه رفع فوق السموات حتى سمع صرير القلم .","part":4,"page":59},{"id":1560,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا } من أجل رحمتنا أو بعض رحمتنا . { أَخَاهُ } معاضدة أخيه وموازرته إجابة لدعوته { واجعل لّى وَزِيراً مّنْ أَهْلِى } فإنه كان أسن من موسى ، وهو مفعول أو بدل على تقدير أن تكون { مِنْ } للتبعيض . { هارون } عطف بيان له . { نَبِيّاً } حال منه .","part":4,"page":60},{"id":1561,"text":"{ واذكر فِى الكتاب إسماعيل إِنَّهُ كَانَ صادق الوعد } ذكره بذلك لأنه المشهور به والموصوف بأشياء في هذا الباب لم تعهد من غيره ، وناهيك أنه وعد الصبر على الذبح فقال : { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } فوفى . { وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة ، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته .","part":4,"page":61},{"id":1562,"text":"{ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكواة } اشتغالاً بالأهم وهو أن يقبل الرجل على نفسه ومن هو أقرب الناس إليه بالتكميل ، قال الله تعالى { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الاقربين } { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة } { قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً } وقيل أهله أمته فإن الأنبياء آباء الأمم . { وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً } لاستقامة أقواله وأفعاله .","part":4,"page":62},{"id":1563,"text":"{ واذكر فِى الكتاب إِدْرِيسَ } وهو سبط شيث وجد أبي نوح عليهم الصلاة والسلام ، واسمه أخنوخ واشتقاق إدريس من الدرس يرده منع صرفه ، نعم لا يبعد أن يكون معناه في تلك اللغة قريباً من ذلك فلقب به لكثرة درسه ، إذ روي أنه تعالى أنزل عليه ثلاثين صحيفة ، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب . { إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً } .","part":4,"page":63},{"id":1564,"text":"{ وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً } يعني شرف النبوة والزلفى عند الله . وقيل الجنة . وقيل السماء السادسة أو الرابعة .","part":4,"page":64},{"id":1565,"text":"{ أولئك } إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس عليهم الصلاة والسلام . { الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } بأنواع النعم الدينية والدنيوية { مِنَ النبيين } بيان للموصول . { مِن ذُرّيَّةِ ءَادَمَ } بدل منه بإعادة الجار ، ويجوز أن تكون { مِنْ } فيه للتبعيض لأن المنعم عليهم أعم من الأنبياء وأخص من الذرية . { وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } أي ومن ذرية من حملنا خصوصاً ، وهم من عدا إدريس فإن إبراهيم كان من ذرية سام بن نوح . { وَمِن ذُرّيَّةِ إبراهيم } الباقون . { وإسراءيل } عطف على { إِبْرَاهِيمَ } أي ومن ذرية إسرائيل ، وكان منهم موسى وهرون وزكريا ويحيى وعيسى ، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية . { وَمِمَّنْ هَدَيْنَا } ومن جملة من هديناهم إلى الحق . { واجتبينا } للنبوة والكرامة . { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيًّا } خبر ل { أولئك } إن جعلت الموصول صفته ، واستئناف إن جعلته خبره لبيان خشيتهم من الله وإخباتهم له مع ما لهم من علو الطبقة في شرف النسب وكمال النفس والزلفى من الله تعالى . وعن النبي الصلاة والسلام \" اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكو فتباكوا \" والبكي جمع باك كالسجود في جمع ساجد . وقرىء «يتلى» بالياء لأن التأنيث غير حقيقي ، وقرأ حمزة والكسائي { بِكياً } بكسر الباء .","part":4,"page":65},{"id":1566,"text":"{ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ } فعقبهم وجاء بعدهم عقب سوء يقال خلف صدق بالفتح ، وخلف سوء بالسكون . { أَضَاعُواْ الصلاة } تركوها أو أخروها عن وقتها . { واتبعوا الشهوات } كشرب الخمر واستحلال نكاح الأخت من الأب والانهماك في المعاصي . وعن علي رضي الله تعالى عنه في قوله { واتبعوا الشهوات } . من بنى الشديد ، وركب المنظور ، ولبس المشهور . { فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً } شراً كقوله :\rفَمَنْ يَلْقَ خَيْراً يَحْمِد النَاس أَمْرَه ... وَمَنْ يَغْو لاَ يعْدَمْ عَلَى الغَيِّ لاَئِماً\rأو جزاء غي كقوله تعالى : { يَلْقَ أَثَاماً } أو غياً عن طريق الجنة ، وقيل هو واد في جهنم يستعيذ منه أوديتها .","part":4,"page":66},{"id":1567,"text":"{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا } يدل على أن الآي في الكفرة . { فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر ويعقوب على البناء للمفعول من أدخل . { وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } ولا ينقصون شيئاً من جزاء أعمالهم ، ويجوز أن ينتصب { شَيْئاً } على المصدر ، وفيه تنبيه على أن كفرهم السابق لا يضرهم ولا ينقص أجورهم .","part":4,"page":67},{"id":1568,"text":"{ جنات عَدْنٍ } بدل من الجنة بدل البعض لاشتمالها عليها ، أو منصوب على المدح ، وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، وعدن لأنه المضاف إليه في العلم أو علم للعدن بمعنى الإِقامة كبرة ولذلك صح وصف ما أضيف إليه بقوله : { التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب } أي وعدها إياهم وهي غائبة عنهم ، أو وهم غائبون عنها ، أو وعدهم بإيمانهم بالغيب . { إِنَّهُ } إن الله . { كَانَ وَعْدُهُ } الذي هو الجنة . { مَأْتِيّاً } يأتيها أهلها الموعود لهم لا محالة ، وقيل هو من أتى إليه إحساناً أي مفعولاً منجزاً .\r{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } فضول كلام . { إِلاَّ سلاما } ولكن يسمعون قولاً يسلمون فيه من العيب والنقيصة ، أو تسليم الملائكة عليهم أو تسليم بعضهم على بعض على الاستثناء المنقطع ، أو على أن معنى التسليم إن كان لغواً فلا يسمعون لغواً سواه كقوله :\rوَلاَ عَيْبَ فِيهِم غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكتَائِبِ\rأو على أن معناه الدعاء بالسلامة وأهلها أغنياء عنه فهو من باب اللغو ظاهراً وإنما فائدته الإِكرام . { وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً } على عادة المتنعمين والتوسط بين الزهادة والرغابة ، وقيل المراد دوام الرزق ودروره .\r{ تِلْكَ الجنة التى نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً } نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم كما يبقى على الوارث مال مورثه ، والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ، ولا تبطل برد ولا إسقاط . وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا زيادة في كرامتهم ، وعن يعقوب «نورث» بالتشديد .\r{ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ } حكاية قول جبريل E حين استبطأه رسول الله A لما سئل عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والروح ولم يدر ما يجيب ، ورجا أن يوحى إليه فيه بأبطأ عليه خمسة عشر يوماً ، وقيل أربعين يوماً حتى قال المشركون ودعه ربه وقلاه ، ثم نزل ببيان ذلك . والتنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل وقد يطلق بمعنى النزول مطلقاً كما يطلق نزل بمعنى أنزل ، والمعنى وما ننزل وقتاً غب وقت إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته ، وقرىء «وما يتنزل» بالياء والضمير للوحي . { لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك } وهو ما نحن فيه من الأماكن والأحايين لا ننتقل من مكان إلى مكان ، ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته . { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تاركاً لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به ، ولم يكن ذلك عن ترك الله لك وتوديعه إياك كما زعمت الكفرة وإنما كان لحكمة رآها فيه .","part":4,"page":68},{"id":1569,"text":"وقيل أول الآية حكاية قول المتقين حين يدخلون الجنة ، والمعنى وما ننزل الجنة إلا بأمر الله ولطفه ، وهو مالك الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة فما وجدناه وما نجده من لطفه وفضله وقوله { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } تقرير من الله لقولهم أي وما كان ربك نسياً لأعمال العاملين وما وعد لهم من الثواب عليها وقوله :\r{ رَبُّ السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا } بيان لامتناع النسيان عليه ، وهو خبر محذوف أو بدل من { ربك } { فاعبده واصطبر لِعِبَادَتِهِ } خطاب للرسول A مرتب عليه ، أي لما عرفت ربك لأنه لا ينبغي له أن ينساك ، أو أعمال العمال فأقبل على عبادته واصطبر عليها ولا تتشوش بإبطاء الوحي وهزء الكفر ، وإنما عدي باللام لتضمنه معنى الثبات للعبادة فيما يورد عليه من الشدائد والمشاق كقولك للمحارب : اصطبر لقرنك . { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً } مثلاً يستحق أن يسمى إلهاً أو أحداً سمي الله فإن المشتركين وإن سموا الصنم إلهاً لم يسموه الله قط ، وذلك لظهور أحديته تعالى ، وتعالى ذاته عن المماثلة بحيث لم يقبل اللبس والمكابرة ، وهو تقرير للأمر أي إذا صح أن لا أحد مثله ولا يستحق العبادة غيره لم يكن بد من التسليم لأمره والاشتغال بعبادته والاصطبار على مشاقها .","part":4,"page":69},{"id":1570,"text":"{ وَيَقُولُ الإنسان } المراد به الجنس بأسره فإن المقول مقول فيما بينهم وإن لم يقله كلهم كقولك : بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم ، أو بعضهم المعهود وهم الكفرة أو أبي بن خلف فإنه أخذ عظاماً بالية ففتها وقال : يزعم محمد أننا نبعث بعدما نموت . { أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } من الأرض أو من حال الموت ، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف الإِنكار لأن المنكر كون ما بعد الموت وقت الحياة ، وانتصابه بفعل دل عليه أخرج لا به فإن ما بعد اللام لا يعمل فيما قبلها ، وهي ها هنا مخلصة للتوكيد مجردة عن معنى الحال كما خلصت الهمزة واللام في يا ألله للتعويض فساغ اقترانها بحرف الاستقبال . وروي عن ابن ذكوان إذا ما مت بهمزة واحدة مكسورة على الخبر .","part":4,"page":70},{"id":1571,"text":"{ أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإنسان } عطف على { يقول } ، وتوسيط همزة الإِنكار بينه وبين العاطف مع أن الأصل أن يتقدمهما للدلالة على أن المنكر بالذات هو المعطوف وأن المعطوف عليه إنما نشأ منه فإنه لو تذكر وتأمل : { أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } بل كان عَدَماً صرفاً ، لم يقل ذلك فإن أعجب من جمع المواد بعد التفريق وإيجاد مثل ما كان فيها من الأعراض . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وقالون عن يعقوب { يذكر } من الذكر الذي يراد به التفكر ، وقرىء «يتذكر» على الأصل .","part":4,"page":71},{"id":1572,"text":"{ فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ } أقسم باسمه تعالى مضافاً إلى نبيه تحقيقاً للأمر وتفخيماً لشأن رسول الله A . { والشياطين } عطف أو مفعول معه لما روي أن الكفرة يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أغووهم كل مع شيطانه في سلسلة ، وهذا وإن كان مخصوصاً بهم ساغ نسبته إلى الجنس بأسره ، فإنهم إذا حشروا وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا جميعاً معهم . { ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ } ليرى السعداء ما نجاهم الله منه فيزدادوا غبطة وسروراً ، وينال الأشقياء ما ادخروا لمعادهم عدة ويزدادوا غيظاً من رجوع السعداء عنهم إلى دار الثواب وشماتتهم عليهم { جِثِيّاً } على ركبهم لما يدهمهم من هول المطلع ، أو لأنه من توابع التواقف للحساب قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ، وأهل الموقف جاثون لقوله تعالى { وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } على المعتاد في مواقف التقاول ، وإن كان المراد بالإِنسان الكفرة فلعلهم يساقون جثاة من الموقف إلى شاطىء جهنم إهانة بهم ، أو لعجزهم عن القيام لما عراهم من الشدة . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { جِثِيّاً } بكسر الجيم .","part":4,"page":72},{"id":1573,"text":"{ ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ } من كل أمة شاعت ديناً . { أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } من كان أعصى وأعتى منهم فنطرحهم فيها ، وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو كثيراً من أهل العصيان ولو خص ذلك بالكفرة فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب ، أو يدخل كلا طبقتها التي تليق به ، و { أَيُّهُم } مبني على الضم عند سيبويه لأن حقه أن يبنى كسائر الموصولات ، لكنه أعرب حملاً على { كل } وبعض للزوم الإِضافة وإذا حذف صدر صلته زاد نقصه فعاد إلى حقه منصوب المحل بننزعن ، ولذلك قرىء منصوباً ومرفوع عند غيره إما بالإِبتداء على أنه استفهامي وخبره { أشد } ، والجملة محكية وتقدير الكلام : { لَنَنزِعَنَّ } من كل شيعة الذين يقال فيهم أيهم أشد ، أو معلق عنها لننزعن لتضمنه معنى التمييز اللازم للعلم ، أو مستأنفة والفعل واقع على { مِن كُلّ شِيعَةٍ } على زيادة من أو على معنى لننزعن بعض كل شيعة ، وإما بشيعة لأنها بمعنى تشيع وعلى للبيان أو متعلق بافعل وكذا الباء في قوله :","part":4,"page":73},{"id":1574,"text":"{ ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً } أي لنحن أعلم بالذين هم أولى بالصلي ، أو صليهم أولى بالنار . وهم المنتزعون ويجوز أن يراد بهم وبأشدهم عتياً رؤساء الشيع فإن عذابهم مضاعف لضلالهم وإضلالهم . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { صِلِيّاً } بكسر الصاد .","part":4,"page":74},{"id":1575,"text":"{ وَإِن مِّنكُمْ } وما منكم التفات إلى الإِنسان ويؤيده أنه قرىء { وَإِن منهم } . { إِلاَّ وَارِدُهَا } إلا واصلها وحاضر دونها يمر بها المؤمنون وهي خامدة وتنهار بغيرهم . وعن جابر Bه أن رسول الله E سئل عنه فقال : «إذا دخل أهل الجنة الجنة قال بعضهم لبعض : أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار ، فيقال لهم : قد وردتموها وهي خامدة» . وأما قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } فالمراد عن عذابها . وقيل ورودها الجواز على الصراط فإنه ممدود عليها . { كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً } كان ورودهم واجباً أوجبه الله على نفسه وقضى به بأن وعد به وعداً لا يمكن خلفه . وقيل أقسم عليه .","part":4,"page":75},{"id":1576,"text":"{ ثُمَّ نُنَجِّى الذين اتقوا } فيساقون إلى الجنة وقرأ الكسائي ويعقوب ننجي بالتخفيف ، وقرىء ثم بفتح الثاء أي هناك . { وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً } منهاراً بهم كما كانوا ، وهو دليل على أن المراد بالورود الجثو حواليها وإن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى الجنة بعد تجاثيهم ، وتبقى الفجرة فيها منهاراً بهم على هيئاتهم .","part":4,"page":76},{"id":1577,"text":"{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيِّنَاتٍ } مرتلات الألفاظ مبينات المعاني بنفسها أو ببيان الرسول A وواضحات الإِعجاز . { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } لأجلهم أو معهم . { أَيُّ الفريقين } المؤمنين والكافرين . { خَيْرٌ مَّقَاماً } موضع قيام أو مكاناً . وقرأ ابن كثير بالضم أي موضع إقامة ومنزل . { وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } مجلساً ومجتمعاً والمعنى أنهم لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها والدخل عليها ، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم عند الله تعالى ، لقصور نظرهم على الحال وعلمهم بظاهر من الحياة الدنيا فرد عليهم ذلك أيضاً مع التهديد نقضاً بقوله :","part":4,"page":77},{"id":1578,"text":"{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } و { كَمْ } مفعول { أَهْلَكْنَا } و { مّن قَرْنٍ } بيانه ، وإنما سمي أهل كل عصر قرناً أي مقدماً من قرن الدابة . وهو مقدمها لأنه يتقدم من بعده ، وهم أحسن صفة لكم وأثاثاً تمييز عن النسبة وهو متاع البيت . وقيل هو ما جد منه والخرثي ما رث والرئي المنظر فعل من الرؤية لما يرى كالطحن والخبز ، وقرأ نافع وابن عامر «ريا» على قلب الهمزة وإدغامها أو على أنه من الري الذي هو النعمة ، وقرأ أبو بكر «رييا» على القلب ، وقرىء «ريا» بحذف الهمزة و «زيا» من الزي وهو الجمع فإنه محاسن مجموعة ، ثم بين أن تمتيعهم استدراج وليس بإكرام وإنما العيار على الفضل والنقص ما يكون في الآخرة بقوله :","part":4,"page":78},{"id":1579,"text":"{ قُلْ مَن كَانَ فِى الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً } فيمده ويمهله بطول العمر والتمتع به ، وإنما أخرجه على لفظ الأمر إيذاناً بأن إمهاله مما ينبغي أن يفعله استدراجاً وقطعاً لمعاذيره كقوله تعالى : { إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } وكقوله { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } { حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } غاية المد . وقيل غاية قول الذين كفروا للذين آمنوا أي قالوا أي الفريقين حتى إذا رأوا ما يوعدون . { إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة } تفصيل للموعود فإنه إما العذاب في الدنيا وهو غلبة المسلمين عليهم وتعذيبهم إياهم قتلاً وأسراً وإما يوم القيامة وما ينالهم فيه من الخزي والنكال . { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً } من الفريقين بأن عاينوا الأمر على عكس ما قدروه وعاد ما متعوا به خذلاناً ووبالاً عليهم ، وهو جواب الشرط والجملة محكية بعد { حتى } . { وَأَضْعَفُ جُنْداً } أي فئة وأنصاراً قابل به أحسن ندياً من حيث إن حسن النادي باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم .","part":4,"page":79},{"id":1580,"text":"{ وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى } عطف على الشرطية المحكية بعد القول كأنه لما بين أن إمهال الكافر وتمتيعه بالحياة الدنيا ليس لفضله ، أراد أن يبين أن قصور حظ المؤمن منها ليس لنقصه بل لأن الله D أراد به ما هو خير له وعوضه منه ، وقيل عطف على فليمدد لأنه في معنى الخبر كأنه قيل من كان في الضلالة يزيد الله في ضلاله ويزيد المقابل له هداية . { والباقيات الصالحات } الطاعات التي تبقى عائدتها أبد الآباد ، ويدخل فيها ما قيل من الصلوات الخمس وقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر . { خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا } عائدة مما متع به الكفرة من النعم المخدجة الفانية التي يفتخرون بها سيما ومآلها النعيم المقيم ومآل هذه الحسرة والعذاب الدائم كما أشار إليه بقوله : { وَخَيْرٌ مَّرَدّاً } والخير ها هنا إما لمجرد الزيادة أو على طريقة قولهم الصيف أحر من الشتاء ، أي أبلغ في حره منه في برده .\r{ أَفَرَأَيْتَ الذى كَفَرَ بئاياتنا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً } نزلت في العاص بن وائل كان لخباب عليه مال فتقاضاه فقال له : لا حتى تكفر بمحمد فقال : لا والله لا أكفر بمحمد حياً ولا ميتاً ولا حين تبعث ، قال فإذا بعثت جئتني فيكون لي ثم مال وولد فأعطيك . ولما كانت الرؤية أقوى سند الإِخبار استعمل أرأيت بمعنى الإِخبار ، والفاء أصلها في التعقيب والمعنى : أخبر بقصة هذا الكافر عقب حديث أولئك . وقرأ حمزة والكسائي «ولداً» وهو جمع ولد كأسد في أسد أو لغة فيه كالعرب والعرب .\r{ أَطَّلَعَ الغيب } أقد بلغ من عظمة شأنه إلى أن ارتقى إلى علم الغيب الذي توحد به الواحد القهار حتى ادعى أن يؤتى في الآخرة مالاً وولداً وتألى عليه . { أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } أو اتخذ من عالم الغيب عهداً بذلك فإنه لا يتوصل إلى العلم به إلا بأحد هذين الطريقين . وقيل العهد كلمة الشهادة والعمل الصالح فإن وعد الله بالثواب عليهما كالعهد عليه .\r{ كَلاَّ } ردع وتنبيه على أنه مخطىء فيما تصوره لنفسه . { سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ } سنظهر له أنا كتبنا قوله على طريقة قوله :\rإذا ما انتسبنا لم تلدني لئيمة ... أي تبين أني لم تلدني لئيمة ، أو سننتقم منه انتقام من كتب جريمة العدو وحفظها عليه فإن نفس الكتابة لا تتأخر عن القول لقوله تعالى : { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } { وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً } ونطول له من العذاب ما يستأهله ، أو نزيد عذابه ونضاعفه له لكفره وافترائه واستهزائه على الله جلت عظمته ، ولذلك أكده بالمصدر دلالة على فرط غضبه عليه . { وَنَرِثُهُ } بموته . { مَا يَقُولُ } يعني المال والولد . { وَيَأْتِينَا } يوم القيامة . { فَرْداً } لا يصحبه مال ولا ولد كان له في الدنيا فضلاً أن يؤتى ثم زائداً وقيل { فَرْداً } رافضاً لهذا القول منفرداً عنه .","part":4,"page":80},{"id":1581,"text":"{ واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً } ليتعززوا بهم حيث يكونون لهم وصلة إلى الله وشفعاء عنده .","part":4,"page":81},{"id":1582,"text":"{ كَلاَّ } ردع وإنكار لتعززهم بها . { سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } ستجحد الآلهة عبادتهم ويقولون ما عبدتمونا لقوله تعالى : { إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا } أو سينكر الكفرة لسوء العاقبة أنهم عبدوها لقوله تعالى : { ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } يؤيد الأول إذا فسر الضد بضد العز ، أي ويكونون عليهم ذلاً ، أو بضدهم على معنى أنها تكون معونة في عذابهم بأن توقد بها نيرانهم ، أو جعل الواو للكفرة أي يكونون كافرين بهم بعد أن كانوا يعبدونها وتوحيده لوحدة المعنى الذي به مضادتهم ، فإنهم بذلك كالشيء الواحد ونظيره قوله E { وهم يد على من سواهم } وقرىء { كَلاَّ } بالتنوين على قلب الألف نوناً في الوقف قلب ألف الإِطلاق في قوله :\rأَقِلي اللَّوْمَ عَاذِلُ وَالعِتَابَنْ ... أو على معنى كل هذا الرأي كلا وكلا على إضمار فعل يفسره ما بعده أي سيجحدون { كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بعبادتهم } .","part":4,"page":82},{"id":1583,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين } بأن سلطناهم عليهم أو قيضنا لهم قرناء . { تَؤُزُّهُمْ أَزّاً } تهزهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات ، والمراد تعجيب رسول الله A من أقاويل الكفرة وتماديهم في الغي وتصميمهم على الكفر بعد وضوح الحق على ما نطقت به الآيات المتقدمة .","part":4,"page":83},{"id":1584,"text":"{ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ } بأن يهلكوا حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم . { إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ } أيام آجالهم . { عَدّاً } والمعنى لا تعجل بهلاكهم فإنه لم يبق لهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة .","part":4,"page":84},{"id":1585,"text":"{ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين } نجمعهم . { إِلَى الرحمن } إلى ربهم الذي غمرهم برحمته ، ولاختبار هذا الاسم في هذه السورة شأن ولعله لأن مساق هذا الكلام فيها لتعداد نعمه الجسام وشرح حال الشاكرين لها والكافرين بها { وَفْداً } وافدين عليه كما يفد الوفاد على الملوك منتظرين لكرامتهم وإنعامهم .","part":4,"page":85},{"id":1586,"text":"{ وَنَسُوقُ المجرمين } كما تساق البهائم . { إلى جَهَنَّمَ وِرْداً } عطاشاً فإن من يرد الماء لا يرده إلا لعطش ، أو كالدواب التي ترد الماء .","part":4,"page":86},{"id":1587,"text":"{ لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة } الضمير فيها للعباد المدلول عليها بذكر القسمين وهو الناصب لليوم . { إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً } إلا من تحلى بما يستعد به ويستأهل أن يشفع للعصاة من الإِيمان والعمل الصالح على ما وعد الله تعالى ، أو إلا من اتخذ من الله إذناً فيها كقوله تعالى : { لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } من قولهم : عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به ، ومحله الرفع على البدل من الضمير أو النصب على تقدير مضاف أي إلا شفاعة من اتخذ ، أو على الاستثناء . وقيل الضمير للمجرمين والمعنى : لا يملكون الشفاعة فيهم إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً يستعد به أن يشفع له بالإِسلام .","part":4,"page":87},{"id":1588,"text":"{ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً } الضمير يحتمل الوجهين لأن هذا لما كان مقولاً فيما بين الناس جاز أن ينسب إليهم .","part":4,"page":88},{"id":1589,"text":"{ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً } على الالتفات للمبالغة في الذم والتسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى ، والإِد بالفتح والكسر العظيم المنكر والإِدة الشدة وأدنى الأمر ، وآدنى أثقلني وعظم عليَّ .","part":4,"page":89},{"id":1590,"text":"{ تَكَادُ السموات } وقرأ نافع والكسائي بالياء . { يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } يتشققن مرة بعد أخرى ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة وأبو بكر ويعقوب «ينفطرن» ، والأول أبلغ لأن التفعل مطاوع فعل والانفعال مطاوع فعل ولأن أصل التفعل التكلف . { وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً } تهد هداً أو مهدودة ، أو لأنها تهد أي تكسر وهو تقرير لكونه أدا ، والمعنى ، أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام العظام وتفتت من شدتها ، أو أن فظاعتها مجلبة لغضب الله بحيث لولا حلمه لخرب العالم وبدد قوائمه غضباً على من تفوه بها .","part":4,"page":90},{"id":1591,"text":"{ أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً } يحتمل النصب على العلة ل { تَكَادُ } أو ل { هَدّاً } على حذف اللام وإفضاء الفعل إليه ، والجر بإضمار اللام أو بالإِبدال من الهاء في منه والرفع على أنه خبر محذوف تقديره الموجب لذلك { أَن دَعَوْا } ، أو فاعل { هَدّاً } أي هدها دعاء الولد للرحمن وهو من دعا بمعنى سمي المتعدي إلى مفعولين ، وإنما اقتصر على المفعول الثاني ليحيط بكل ما دعي له ولداً ، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ادعى إلى فلان إذا انتسب إليه .\r{ وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } ولا يليق به اتخاذ الولد ولا يتطلب له لو طلب مثلاًى لأنه مستحيل ، ولعل ترتيب الحكم بصفة الرحمانية للإِشعار بأن كل ما عداه نعمة ومنعم عليه فلا يجانس من هو مبدأ النعم كلها ومولي أصولها وفروعها ، فكيف يمكن أن يتخذه ولداً ثم صرح به في قوله :\r{ إِنْ كُلُّ مَنْ فِى السموات والارض } أي ما منهم . { إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً } إلا وهو مملوك له يأوي إليه بالعبودية والانقياد ، وقرىء { آتِ الرحمن } على الأصل .\r{ لَّقَدْ أحصاهم } حصرهم وأحاط بهم بحيث لا يخرجون عن حوز علمه وقبضة قدرته . { وَعَدَّهُمْ عَدّاً } عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم فإن كل شيء عنده بمقدار .\r{ وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً } منفرداً عن الاتباع والأنصار فلا يجانسه شيء من ذلك ليتخذه ولداً ولا يناسبه ليشرك به .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً } سيحدث لهم في القلوب مودة من غير تعرض منهم لأسبابها ، وعن النبي A « إذا أحب الله عبداً يقول لجبريل أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ، ثم ينادي في أهل السماء إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ، ثم توضع له المحبة في الأرض » والسين إما لأن السورة مكية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم ذلك إذا دجا الإسلام ، أو لأن الموعود في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل .\r{ فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ } بلغتك ، والباء بمعنى على أو على أصله لتضمن { يسرناه } معنى أنزلناه أي أنزلناه بلغتك . { لِتُبَشّرَ بِهِ المتقين } الصائرين إلى التقوى . { وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً } أشداء الخصومة آخذين في كل لديد ، أي شق من المراء لفرط لجاجهم فبشر به وأنذر .\r{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ } تخويف للكفرة وتجسير للرسول A على إنذارهم . { هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ } هل تشعر بأحد منهم وتراه . { أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً } وقرىء { تسمع } من أسمعت والركز الصوت الخفي ، وأصل التركيب هو الخفاء ومنه ركز الرمح إذا غيب طرفه في الأرض ، والركاز المال المدفون . عن رسول الله « من قرأ سورة مريم أعطي عشر حسنات بعدد من كذب زكريا وصدق به ويحيى ومريم وعيسى وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام المذكورين فيها وبعدد من دعا الله في الدنيا ومن لم يدع الله » .","part":4,"page":91},{"id":1592,"text":"مكية وهي مائة وأربع وثلاثون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ طه } فخمها قالون وابن كثير وابن عامر وحفص ويعقوب على الأصل ، وفخم الطاء وحده أبو عمرو وورش لاستعلائه وأمالهما الباقون . وهما من أسماء الحروف . وقيل معناه يا رجل على لغة عك ، فإن صح فلعل أصله يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار والاستشهاد بقوله :\rإِنَّ السفاهَةَ طَاهَا في خَلائِقِكُمْ ... لاَ قَدَّسَ الله أَخْلاقَ المَلاَعِين\rضعيف لجواز أن يكون قسماً كقوله حم لا ينصرون ، وقرىء { طه } على أنه أمر للرسول A بأن يطأ الأرض بقدميه ، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه وأن أصله طأ فقلبت همزته هاء أو قلبت في يطأ الفاً كقوله : لا هناك المرتع . ثم بني عليه الأمر وضم إليه هاء السكت وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل { طه } طأها والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية الأرض ، لكن يرد ذلك كتابتهما على صورة الحرف وكذا التفسير بيا رجل أو اكتفى بشطري الكلمتين وعبر عنهما باسمهما .","part":4,"page":92},{"id":1593,"text":"{ مَا أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرءان لتشقى } خبر { طه } إن جعلته مبتدأ على أنه مؤول بالسورة ، أو { القرءان } والقرآن فيه واقع موقع العائد وجوابه إن جعلته مقسماً به ومنادى له إن جعلته نداء ، واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ ، أو طائفة من الحروف محكية والمعنى : ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ ، أو بكثرة الرياضة وكثرة التهجد والقيام على ساق . والشقاء شائع بمعنى التعب ومنه أشقى من رائض المهر ، وسيد القوم أشقاهم . ولعله عدل إليه للإِشعار بأنه أنزل عليه ليسعد . وقيل رد وتكذيب للكفرة ، فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا وإن القرآن أنزل عليك لتشقى به .","part":4,"page":93},{"id":1594,"text":"{ إِلاَّ تَذْكِرَةً } لكن تذكيراً ، وانتصابها على الاستثناء المنقطع ، ولا يجوز أن يكون بدلاً من محل { لتشقى } لاختلاف الجنسين ولا مفعولاً له ل { أَنزَلْنَا } ، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين . وقيل هو مصدر في موقع الحال من الكاف أو القرآن ، أو مفعول له على أن { لتشقى } متعلق بمحذوف هو صفة القرآن أي ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه إلا تذكرة . { لِّمَن يخشى } لمن في قلبه خشية ورقة تتأثر بالإِنذار ، أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع به .","part":4,"page":94},{"id":1595,"text":"{ تَنْزِيلاً } نصب بإضمار فعله أو ب { يخشى } ، أو على المدح أو البدل من { تذكرة } إن جعل حالاً ، وإن جعل مفعولاً له لفظاً أو معنى فلا لأن الشيء لا يعلل بنفسه ولا بنوعه . { مِّمَّنْ خَلَق الأرض والسماوات العلى } مع ما بعده إلى قوله { لَهُ الاسماء الحسنى } تفخيم لشأن المنزل بفرط تعظيم المنزل بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل ، فبدأ بخلق الأرض والسموات التي هي أصول العالم ، وقدم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السموات العلى ، وهو جمع العليا تأنيث الأعلى ، ثم أشار إلى وجه إحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش فأجرى منه الأحكام والتقادير ، وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال :","part":4,"page":95},{"id":1596,"text":"{ الرحمن عَلَى العرش استوى لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى } ليدل بذلك على كمال قدرته وإرادته ، ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال :","part":4,"page":96},{"id":1597,"text":"{ وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } أي وإن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن جهرك فإنه سبحانه يعلم السر وأخفى منه ، وهو ضمير النفس . وفيه تنبيه على أن شرع الذكر والدعاء والجهر فيما ليس لإِعلام الله بل لتصوير النفس بالذكر ورسوخه فيها ومنعها عن الاشتغال بغيره وهضمها بالتضرع والجؤار ، ثم إنه لما ظهر بذلك أنه المستجمع لصفات الألوهية بين أنه المتفرد بها والمتوحد بمقتضاها فقال :","part":4,"page":97},{"id":1598,"text":"{ الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } ومن في { مِّمَّنْ خَلَق الأرض } صلة ل { تَنْزِيلاً } أو صفة { لَهُ } ، والانتقال من التكلم إلى الغيبة للتفنن في الكلام وتفخيم المنزل من وجهين إسناد إنزاله إلى ضمير الواحد العظيم الشأن ، ونسبته إلى المختص بصفات الجلال والإِكرام والتنبيه على أنه واجب الإِيمان به والانقياد له من حيث إنه كلام من هذا شأنه ، ويجوز أن يكون أنزلناه حكاية كلام جبريل والملائكة النازلين معه . وقرىء { الرحمن } على الجر صفة لمن خلق فيكون { عَلَى العرش استوى } خبر محذوف ، وكذا إن رفع { الرحمن } على المدح دون الإِبتداء ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً ، والثرى الطبقة الترابية من الأرض وهي آخر طبقاتها ، و { الحسنى } تأنيث الأحسن ، وفضل أسماء الله تعالى على سائر الأسماء في الحسن لدلالتها على معان هي أشرف المعاني وأفضلها .","part":4,"page":98},{"id":1599,"text":"{ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } قفى تمهيد نبوته A بقصة موسى ليأتم به في تحمل أعباء النبوة وتبليغ الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد ، فإن هذه السورة من أوائل ما نزل .","part":4,"page":99},{"id":1600,"text":"{ إِذْ رَأَى نَاراً } ظرف لل { حَدِيثُ } لأنه حدث أو مفعول لأذكر . قيل إنه استأذن شعيباً عليهما الصلاة والسلام في الخروج إلى أمه ، وخرج بأهله فلما وافى وادي طوى وفيه الطور ولد له ابن في ليلة شاتية مظلمة مثلجة ، وكانت ليلة الجمعة وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته إذا رأى من جانب الطور ناراً . { فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا } أقيموا مكانكم . وقرأ حمزة «لأهله امكثوا ها هنا» ، وفي «القصص» بضم الهاء في الوصل والباقون بكسرها . { إِنّى آنَسْتُ نَاراً } أبصرتها إبصاراً لا شبهة فيه ، وقيل الإيناس إبصار ما يؤنس به . { لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ } بشعلة من النار وقيل جمرة . { أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى } هادياً يدلني على الطريق أو يهديني أبواب الدين ، فإن أفكار الأبرار مائلة إليها في كل ما يعن لهم . ولما كان حصولهما مترتباً بني الأمر فيهما على الرجاء بخلاف الإيناس ، فإنه كان محققاً ولذلك حققه لهم ليوطنوا أنفسهم عليه ، ومعنى الاستعلاء في { عَلَى النار } أن أهلها مشرفون عليها أو مستعلون المكان القريب منها كما قال سيبويه في : مررت بزيد إنه لصوق بمكان يقرب منه .\r{ فَلَمَّا أتاها } أي النار وجد ناراً بيضاء تتقد في شجرة خضراء . { نُودِىَ ياموسى } .\r{ إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ } فتحه ابن كثير وأبو عمرو أي بأني وكسره الباقون بإضمار القول أو إجراء النداء مجراه ، وتكرير الضمير للتوكيد والتحقيق . قيل إنه لما نودي قال : من المتكلم قال : إني أنا الله ، فوسوس إليه إبليس لعلك تسمع كلام شيطان فقال : أنا عرفت أنه كلام الله بأني أسمعه من جميع الجهات وبجميع الأعضاء . وهو إشارة إلى أنه E تلقى من ربه كلامه تلقياً روحانياً ، ثم تمثل ذلك الكلام لبدنه وانتقل إلى الحس المشترك فانتقش به من غير اختصاص بعضو وجهة . { فاخلع نَعْلَيْكَ } أمره بذلك لأن الحفوة تواضع وأدب ولذلك طاف السلف حافين . وقيل لنجاسة نعليه فإنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ . وقيل معناه فرغ قلبك من الأهل والمال . { إِنَّكَ بالواد المقدس } تعليل للأمر باحترام البقعة والمقدس يحتمل المعنيين . { طُوًى } عطف بيان للوادي ونونه ابن عامر والكوفيون بتأويل المكان . وقيل هو كثني من الطي مصدر ل { نُودِىَ } أو { المقدس } أي : نودي نداءين أو قدس مرتين .\r{ وَأَنَا اخترتك } اصطفيتك للنبوة وقرأ حمزة «وإنا اخترناك» . { فاستمع لِمَا يُوحَى } للذي يوحى إليك ، أو للوحي واللام تحتمل التعلق بكل من الفعلين .\r{ إِنَّنِى أَنَا الله لا إله إِلا أَنَاْ فاعبدنى } بدل مما يوحى دال على أنه مقصور على تقرير التوحيد الذي هو منتهى العلم والأمر بالعبادة التي هي كمال العمل . { وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي } خصها بالذكر وأفردها بالأمر للعلة التي أناط بها إقامتها ، وهو تذكر المعبود وشغل القلب واللسان بذكره .","part":4,"page":100},{"id":1601,"text":"وقيل { لِذِكْرِى } لأني ذكرتها في الكتب وأمرت بها ، أو لأن أذكرك بالثناء ، أو { لِذِكْرِى } خاصة لا ترائي بها ولا تشوبها بذكر غيري . وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة أو لذكر صلاتي . لما روي أنه E قال \" من نام عن صلاة أو نسيها فليقضها إذا ذكرها إن الله تعالى يقول أقم الصلاة لذكري \" { إِنَّ الساعة ءاتِيَةٌ } كائنة لا محالة . { أَكَادُ أُخْفِيهَا } أريد إخفاء وقتها ، أو أقرب أن أخفيها فلا أقول إنها آتية ولولا ما في الأخبار بإتيانها من اللطف وقطع الأعذار لما أخبرت به ، أو أكاد أظهرها من أخفاه إذا سلب خفاءه ، ويؤيده القراءة بالفتح من خفاه إذا أظهره . { لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى } متعلق ب { ءَاتِيَةٌ } أو ب { أُخْفِيهَا } على المعنى الأخير .\r{ فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا } عن تصديق الساعة ، أو عن الصلاة . { مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا } نهي الكافر أن يصد موسى E عنها ، والمراد نهيه أن يصد عنها كقولهم : لا أرينك ها هنا ، تنبيهاً على أَن فطرته السليمة لو خليت بحالها لاختارها ولم يعرض عنها ، وأنه ينبغي أن يكون راسخاً في دينه فإن صد الكافر إنما يكون بسبب ضعفه فيه . { واتبع هَوَاهُ } ميل نفسه إلى اللذات المحسوسة المخدجة فقصر نظره عن غيرها . { فتردى } فتهلك بالانصداد بصده .\r{ وَمَا تِلْكَ } استفهام يتضمن استيقاظاً لما يريه فيها من العجائب . { بِيَمِينِكَ } حال من معنى الإِشارة ، وقيل صلة { تِلْكَ } . { يَا موسى } تكرير لزيادة الاستئناس والتنبيه .\r{ قَالَ هِىَ عَصَايَ } وقرىء «عصي» على لغة هذيل . { أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيْهَا } أعتمد عليها إذا أعييت أو وقفت على رأس القطيع . { وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِى } وأخبط الورق بها على رؤوس غنمي ، وقرىء { أهش } وكلاهما من هش الخبز يهش إذا انكسر لهشاشته ، وقرىء بالسين من الهس وهو زجر الغنم أي أنحى عليها زاجراً لها . { وَلِىَ فِيهَا مَأَرِبُ أخرى } حاجات أخر مثل أن كان إذا سار ألقاها على عاتقه فعلق بها أدواته ، وعرض الزندين على شعبيتها وألقى عليها الكساء واستظل به ، وإذا قصر الرشاء وصله بها ، وإذا تعرضت السباع لغنمه قاتل بها ، وكأنه A فهم أن المقصود من السؤال أن يذكر حقيقتها وما يرى من منافعها ، حتى إذا رآها بعد ذلك على خلاف تلك الحقيقة ووجد منها خصائص أخرى خارقة للعادة مثل أن تشتعل شعبتاه بالليل كالشمع ، وتصيران دلواً عند الاستقاء ، وتطول بطول البئر وتحارب عنه إذا ظهر عدو ، وينبع الماء بركزها ، وينضب بنزعها وتورق وتثمر إذا اشتهى ثمرة فركزها ، على أن ذلك آيات باهرة ومعجزات قاهرة أحدثها الله فيها لأجله وليست من خواصها ، فذكر حقيقتها ومنافعها مفصلاً ومجملاً على معنى أنها من جنس العصي تنفع منافع أمثالها ليطابق جوابه الغرض الذي فهمه .\r{ قَالَ أَلْقِهَا ياموسى فألقاها فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } قيل لما ألقاها انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سماها جاناً تارة نظراً إلى المبدأ وثعباناً مرة باعتبار المنتهى ، وحية أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين . وقيل كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال { كَأَنَّهَا جَآنٌّ . }","part":4,"page":101},{"id":1602,"text":"{ قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ } فإنه لما رآها حية تسرع وتبتلع الحجر والشجر خاف وهرب منها . { سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى } هيئتها وحالتها المتقدمة ، وهي فعلة من السير تجوز بها للطريقة والهيئة وانتصابها على نزع الخافض أو على أن أعاد منقول من عاده بمعنى عاد إليه ، أو على الظرف أي سنعيدها في طريقتها أو على تقدير فعلها أي سنعيد العصا بعد ذهابها تسير سيرتها الأولى فتنتفع بها ما كنت تنتفع قبل . قيل لما قال له ربه ذلك اطمأنت نفسه حتى أدخل يده في فمها وأخذ بلحييها .","part":4,"page":102},{"id":1603,"text":"{ واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ } إلى جنبك تحت العضد يقال لكل ناحيتين جناحان كجناحي العسكر ، استعارة من جناحي الطائر سميا بذلك لأنه يجنحهما عند الطيران . { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ } كأنها مشعة . { مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } من غير عاهة وقبح ، كني به عن البرص كما كنى بالسوأة عن العورة لأن الطباع تعافه وتنفر عنه . { ءَايَةً أخرى } معجزة ثانية وهي حال من ضمير { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ } أو من ضميرها ، أو مفعول بإضمار خذ أو دونك .","part":4,"page":103},{"id":1604,"text":"{ لِنُرِيَكَ مِنْ ءاياتنا الكبرى } متعلق بهذا المضمر أو بما دل عليه آية أو القصة التي دللنا بها ، أو فعلنا ذلك { لِنُرِيَكَ } و { الكبرى } صفة { ءاياتنا } أو مفعول «نريك» و { مِنْ ءاياتنا } حال منها .","part":4,"page":104},{"id":1605,"text":"{ اذهب إلى فِرْعَوْنَ } بهاتين الآيتين وادعه إلى العبادة . { إِنَّهُ طغى } عصى وتكبر .","part":4,"page":105},{"id":1606,"text":"{ قَالَ رَبِّ اشرح لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى } لما أمره الله بخطب عظيم وأمر جسيم سأله أن يشرح صدره ويفسح قلبه لتحمل أعبائه والصبر على مشاقه ، والتلقي لما ينزل عليه ويسهل الأمر له بإحداث الأسباب ورفع الموانع ، وفائدة لي إبهام المشروح والميسر أولاً ، ثم رفعه بذكر الصدر والأمر تأكيداً ومبالغة .\r{ واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِى يَفْقَهُواْ قَوْلِي } فإنما يحسن التبليغ من البليغ وكان في لسانه رتة من جمرة أدخلها فاه ، وذلك أن فرعون حمله يوماً فأخذ بلحيته ونتفها ، فغضب وأمر بقتله فقالت آسية : إنه صبي لا يفرق بين الجمر والياقوت ، فأحضرا بين يديه فأخذ الجمرة ووضعها في فيه . ولعل تبييض يده كان لذلك . وقيل احترقت يده فاجتهد فرعون في علاجها فلم تبرأ ، ثم لما دعاه قال إلى أي رب تدعوني قال إلى الذي أبرأ يدي وقد عجزت عنه . واختلف في زوال العقدة بكمالها فمن قال به تمسك بقوله { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } ومن لم يقل احتج بقوله { هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً } وقوله { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } وأجاب عن الأول بأنه لم يسأل حل عقدة لسانه مطلقاً بل عقدة تمنع الإِفهام ولذلك نكرها وجعل يفقهوا جواب الأمر ، ومن لساني يحتمل أن يكون صفة عقدة وأن يكون صلة احلل .\r{ واجعل لِّّى وَزِيراً مِّنْ أَهْلِى هارون أَخِى } يعينني على ما كلفتني به ، واشتقاق الوزير إما من الوزير لأنه يحمل الثقل عن أميره ، أو من الوزر وهو الملجأ لأن الأمير يعتصم برأيه ويلتجىء إليه في أموره ، ومنه الموازرة وقيل أصله أزير من الأزر بمعنى القوة ، فعيل بمعنى مفاعل كالعشير والجليس قلبت همزته واواً كقلبها في موازر . ومفعولاً اجعل وزيراً ، و { هارون } قدم ثانيهما للعناية به و { لِى } صلة أو حال أو { لّى وَزِيراً } و { هارون } عطف بيان للوزير ، أو { وَزِيراً مّنْ أَهْلِى } و { لِى } تبيين كقوله { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } . و { أَخِى } على الوجوه بدل من { هارون } أو مبتدأ خبره .\r{ اشدد بِهِ أَزْرِى وَأَشْرِكْهُ فِى أَمْرِى } على لفظ الأمر وقرأهما ابن عامر بلفظ الخبر على أنهما جواب الأمر .\r{ كَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً } فإن التعاون يهيج الرغبات ويؤدي إلى تكاثر الخير وتزايده .\r{ إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً } عالماً بأحوالنا وأن التعاون مما يصلحنا ، وأن هرون نعم المعين لي فيما أمرتني به .\r{ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } أي مسؤولك ، فعل بمعنى مفعول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول .\r{ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى } أي أنعمنا عليك في وقت آخر .\r{ إِذْ أَوْحَيْنَا إلى أُمِّكَ } بإلهام أو في منام أو على لسان نبي في وقتها أو ملك لا على وجه النبوة كما أوحي إلى مريم .","part":4,"page":106},{"id":1607,"text":"{ مَا يوحى } ما لا يعلم إلا بالوحي ، أو مما ينبغي أن يوحى ولا يخل به لعظم شأنه وفرط الاهتمام به .\r{ أَنِ اقذفيه فِى التابوت } بأن اقذفيه ، أو أي اقذفيه لأن الوحي بمعنى القول . { فاقذفيه فِى اليم } والقذف يقال للإِلقاء وللوضع كقوله تعالى : { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } وكذلك الرمي كقوله :\rغُلاَمٌ رَمَاهُ الله بِالحُسْنِ يَافِعاً ... { فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل } لما كان إلقاء البحر إياه إلى الساحل أمراً واجب الحصول لتعلق الإِرادة به ، وجعل البحر كأنه ذو تمييز مطيع أمره بذلك وأخرج الجواب مخرج الأمر ، والأولى أن تجعل الضمائر كلها لموسى مراعاة للنظم ، فالمقذوف في البحر والملقى إلى الساحل وإن كان التابوت بالذات فموسى بالعرض . { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّى وَعَدُوٌّ لَّهُ } جواب { فَلْيُلْقِهِ } وتكرير { عَدُوٌّ } للمبالغة ، أو لأن الأول باعتبار الواقع والثاني باعتبار المتوقع . قيل إنها جعلت في التابوت قطناً ووضعته فيه ثم قبرته وألقته في اليم ، وكان يشرع منه إلى بستان فرعون نهر فدفعه الماء إليه فأداه إلى بركة في البستان ، وكان فرعون جالساً على رأسها مع امرأته آسية بنت مزاحم ، فأمر به فأخرج ففتح فإذا هو صبي أصبح الناس وجهاً فأحبه حباً شديداً كما قال سبحانه وتعالى : { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى } أي محبة كائنة مني قد زرعتها في القلوب بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك فلذلك أحبك فرعون ، ويجوز أن يتعلق { مِنّي } ب { ألقيت } أي أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب ، وظاهر اللفظ أن اليم ألقاه بساحله وهو شاطئه لأن الماء يسحله فالتقط منه ، لكن لا يبعد أن يؤول الساحل بجنب فوهة نهره . { وَلِتُصْنَعَ على عَيْنِى } لتربى ويحسن إليك وأنا راعيك وراقبك ، والعطف على علة مضمرة مثل ليتعطف عليك ، أو على الجملة السابقة بإضمار فعل معلل مثل فعلت ذلك . وقرىء { وَلِتُصْنَعْ } بكسر اللام وسكونها والجزم على أنه أمر { وَلِتُصْنَعَ } بالنصب وفتح التاء أي وليكن عملك على عين مني لئلا تخالف به عن أمري .\r{ إِذْ تَمْشِى أُخْتُكَ } ظرف ل { ألقيت } أو { لتصنع } أو بدل من { إِذْ أَوْحَيْنَا } على أن المراد بها وقت متسع . { فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ } وذلك لأنه كان لا يقبل ثدي المراضع ، فجاءت أخته مريم متفحصة خبره فصادفتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها فقالت { هَلْ أَدُلُّكُمْ } فجاءت بأمه فقبل ثديها . { فرجعناك إلى أُمِّكَ } وفاء بقولنا { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } { كَى تَقَرَّ عَيْنُها } بلقائك . { وَلاَ تَحْزَنْ } هي بفراقك أو أنت على فراقها وفقد إشفاقها . { وَقَتَلْتَ نَفْساً } نفس القبطي الذي استغاثه عليه الإِسرائيلي . { فنجيناك مِنَ الغم } غم قتله خوفاً من عقاب الله تعالى واقتصاص فرعون بالمغفرة والأمن منه بالهجرة إلى مدين . { وفتناك فُتُوناً } وابتليناك ابتلاء ، أو أنواعاً من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بالتاء كحجوز وبدور في حجزة وبدرة ، فخلصناك مرة بعد أخرى وهو إجمال لما ناله في سفره من الهجرة عن الوطن ومفارقة الألاّف ، والمشي راجلاً على حذر وفقد الزاد وأجر نفسه إلى غير ذلك أوله ولما سبق ذكره . { فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } لبثت فيهم عشر سنين قضاء لأوفى الأجلين ، ومدين على ثمان مراحل من مصر . { ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ } قدرته لأن أكلمك وأستنبئك غير مستقدم وقته المعين ولا مستأخر ، أو على مقدار من السن يوحى فيه إلى الأنبياء . { يَا موسى } كرره عقيب ما هو غاية الحكاية للتنبيه على ذلك .","part":4,"page":107},{"id":1608,"text":"{ واصطنعتك لِنَفْسِى } واصطفيتك لمحبتي مثله فيما خوله من الكرامة بمن قربه الملك واستخلصه لنفسه .","part":4,"page":108},{"id":1609,"text":"{ اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بئاياتى } بمعجزاتي . { وَلاَ تَنِيَا } ولا تفترا ولا تقصرا ، وقرىء { تِنيَا } بكسر التاء . { فِى ذِكْرِي } لا تنسياني حيثما تقلبتما . وقيل في تبليغ ذكري والدعاء إليَّ .","part":4,"page":109},{"id":1610,"text":"{ اذهبا إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } أمر به أولاً موسى E وحده وههنا إياه وأخاه فلا تكرير . قيل أوحى إلى هرون أن يتلقى موسى . وقيل سمع بمقبله فاستقبله .","part":4,"page":110},{"id":1611,"text":"{ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً } مثل { هَل لَّكَ إلى أَن تزكى وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ فتخشى } فإنه دعوة في صورة عرض ومشورة حذراً أن تحمله الحماقة على أن يسطو عليكما؛ أو احتراماً لما له من حق التربية عليك . وقيل كنياه وكان له ثلاث كنى : أبو العباس وأبو الوليد وأبو مرة . وقيل عداه شباباً لا يهرم بعده وملكاً لا يزول إلا بالموت . { لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى } متعلق ب { اذهبا } أو «قولا» أي : باشرا الأمر على رجائكما . وطمعكما أنه يثمر ولا يخيب سعيكما ، فإن الراجي مجتهد والآيس متكلف ، والفائدة في إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علمه بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في تضاعيف ذلك من الآيات والتذكر للمتحقق والخشية للمتوهم ، ولذلك قدم الأول أي إن لم يتحقق صدقكما ولم يتذكر فلا أقل من أن يتوهمه فيخشى .","part":4,"page":111},{"id":1612,"text":"{ قَالاَ رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا } أن يعجل علينا بالعقوبة ولا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة ، من فرط إذا تقدم ومنه الفارط وفرس فرط يسبق الخيل . وقرىء { يَفْرُطَ } من أفرطته إذا حملته على العجلة ، أي نخاف أن يحمله حامل من استكبار أو خوف على الملك أو شيطان إنسي أو جني على المعالجة بالعقاب ، و { يَفْرُطَ } من الإِفراط في الأذية . { أَوْ أَن يطغى } أو أن يزداد طغياناً فيتخطى إلى أن يقول فيك ما لا ينبغي لجراءته وقساوته وإطلاقه من حسن الأدب .","part":4,"page":112},{"id":1613,"text":"{ قَالَ لاَ تَخَافَا إِنَّنِى مَعَكُمَا } بالحفظ والنصر . { أَسْمَعُ وأرى } ما يجري بينكما وبينه من قول وفعل ، فأحدث في كل ما يصرف شره عنكما ويوجب نصرتي لكما ، ويجوز أن لا يقدر شيء على معنى إنني حافظكما سامعاً ومبصراً ، والحافظ إذا كان قادراً سميعاً بصيراً تم الحفظ .","part":4,"page":113},{"id":1614,"text":"{ فَأْتِيَاهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } أطلقهم . { وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ } بالتكاليف الصعبة وقتل الولدان ، فإنهم كانوا في أيدي القبط يستخدمونهم ويتعبونهم في العمل ويقتلون ذكور أولادهم في عام دون عام ، وتعقيب الإِتيان بذلك دليل على أن تخليص المؤمنين من الكفرة أهم من دعوتهم إلى الإِيمان ، ويجوز أن يكون للتدريج في الدعوة . { قَدْ جئناك بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ } جملة مقررة لما تضمنه الكلام السابق من دعوى الرسالة ، وإنما وحد الآية وكان معه آيتان لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا الإِشارة إلى وحدة الحجة وتعددها ، وكذلك قوله : { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ } { فائت بِئَايَةٍ } { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } { والسلام على مَنِ اتبع الهدى } وسلام الملائكة وخزنة الجنة على المهتدين ، أو السلامة في الدارين لهم .","part":4,"page":114},{"id":1615,"text":"{ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى } أن عذاب المنزلين على المكذبين للرسل ، ولعل تغيير النظم والتصريح بالوعيد والتوكيد فيه لأن التهديد في أول الأمر أهم وأنجع وبالواقع أليق .","part":4,"page":115},{"id":1616,"text":"{ قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى } أن بعد ما أتياه وقالا له ما أمرا به ، ولعله حذف لدلالة الحال عليه فإن المطيع إذا أمر بشيء فعله لا محالة ، وإنما خاطب الإِثنين وخص موسى E بالنداء لأنه الأصل وهرون وزيره وتابعه ، أو لأنه عرف أن له رتة ولأخيه فصاحة فأراد أن يفحمه ويدل عليه قوله { أَمْ أَنَا خَيْرٌ مّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ . }","part":4,"page":116},{"id":1617,"text":"{ قَالَ رَبُّنَا الذى أعطى كُلَّ شَيءٍ } من الأنواع { خَلْقَهُ } صورته وشكله الذي يطابق كماله الممكن له ، أو أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به ، فقدم المفعول الثاني لأنه المقصود بيانه . وقيل أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة زوجاً . وقرىء { خَلَقَهُ } صفة للمضاف إليه أو المضاف على شذوذ فيكون المفعول الثاني محذوفاً أي : أعطى كل مخلوق ما يصلحه . { ثُمَّ هدى } ثم عرفه كيف يرتفق بما أعطي وكيف يتوصل به إلى بقائه وكماله اختياراً أو طبعاً ، وهو جواب في غاية البلاغة لاختصاره وإعرابه عن الموجودات بأسرها على مراتبها ، ودلالته على أن الغني القادر بالذات المنعم على الإِطلاق هو الله تعالى وأن جميع ما عداه مفتقر إليه منعم عليه في حد ذاته وصفاته وأفعاله ، ولذلك بهت الذي كفر وأفحم عن الدخل عليه فلم ير إِلاَّ صَرْفَ الكلام عنه .","part":4,"page":117},{"id":1618,"text":"{ قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى } فما حالهم بعد موتهم من السعادة والشقاوة .","part":4,"page":118},{"id":1619,"text":"{ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى } أي هو غيب لا يعلمه إلا هو وإنما أنا عبد مثلك لا أعلم منه إلا ما أخبرني به . { فِى كتاب } مثبت في اللوح المحفوظ ، ويجوز أن يكون تمثيلاً لتمكنه في علمه بما استحفظه العالم وقيده بالكتبة ويؤيده . { لاَّ يَضِلُّ رَبِّى وَلاَ يَنسَى } والضلال أن تخطىء الشيء في مكانه فلم تهتد إليه ، والنسيان أن تذهب عنه بحيث لا يخطر ببالك ، وهما محالان على العالم بالذات ، ويجوز أن يكون سؤاله دخلاً على إحاطة قدرة الله تعالى بالأشياء كلها وتخصيصه ابعاضها بالصور والخواص المختلفة ، بأن ذلك يستدعي علمه بتفاصيل الأشياء وجزئياتها ، والقرون الخالية مع كثرتهم وتمادي مدتهم وتباعد أطرافهم كيف أحاط علمه بهم وبأجزائهم وأحوالهم فيكون معنى الجواب : أن علمه تعالى محيط بذلك كله وأنه مثبت عنده لا يضل ولا ينسى .","part":4,"page":119},{"id":1620,"text":"{ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } مرفوع صفة ل { رَبّى } أو خبر لمحذوف أو منصوب على المدح . وقرأ الكوفيون هنا وفي «الزخرف» { مهداً } أي كالمهد تتمدونها ، وهو مصدر سمي به ، والباقون مهاداً وهو اسم ما يمهد كالفراش أو جمع مهد ولم يختلفوا في الذي في «النبأ» . { وَسَلَكَ لَكُمْ سُبُلاً } وجعل لكم فيها سبلاً بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها . { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } مطراً . { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } عدل به عن لفظ الغيبة إلى صيغة التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى ، تنبيهاً على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته ، وعلى هذا نظائره كقوله { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } { أَم مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ } الآية . { أزواجا } أصنافاً سميت بذلك لازدواجها واقتران بعضها ببعض . { مّن نبات } بيان أو صفة لأزواجاً وكذلك : { شتى } ويحتمل أن يكون صفة ل { نَبَاتُ } فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد والجمع ، وهو جمع شتيت كمريض ومرضى أي متفرقات في الصور والأغراض والمنافع يصلح بعضها للناس وبعضها للبهائم فلذلك قال :\r{ كُلُواْ وارعوا أنعامكم } وهو حال من ضمير { فَأَخْرَجْنَا } على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين { كُلُواْ وارعوا } ، والمعنى معديهما لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه . { إِنَّ فِى ذلك لأيات لأُوْلِى النهى } لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل وارتكاب القبائح جمع نهية .\r{ مِنْهَا خلقناكم } فإن التراب أصل خلقة أول آبائكم وأول مواد أبدانكم . { وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } بالموت وتفكيك الأجزاء . { وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى } بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة ورد الأرواح إليها .\r{ وَلَقَدْ أريناه ءاياتنا } بصرناه إياها أو عرفناه صحتها . { كُلَّهَا } تأكيد لشمول الأنواع أو لشمول الأفراد ، على أن المراد بآياتنا آيات معهودة وهي الآيات التسع المختصة بموسى ، أو أنه عليه السلام أراه آياته وعدد عليه ما أوتي غيره من المعجزات { فَكَذَّبَ } موسى من فرط عناده . { وأبى } الإِيمان والطاعة لعتوه .\r{ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا } أرض مصر . { بِسِحْرِكَ ياموسى } هذا تعلل وتحير ودليل على أنه علم كونه محقاً حتى خاف منه على ملكه ، فإن الساحر لا يقدر أن يخرج ملكاً مثله من أرضه .\r{ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ } مثل سحرك . { فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَّوْعِدًا } وعداً لقوله : { لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنتَ } فإن الإِخلاف لا يلائم الزمان والمكان وانتصاب . { مَكَاناً سُوًى } بفعل دل عليه المصدر لا به لأنه موصوف ، أو بأنه بدل من { مَّوْعِدًا } على تقدير مكان مضاف إليه وعلى هذا يكون طباق الجواب في قوله .","part":4,"page":120},{"id":1621,"text":"{ قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة } من حيث المعنى فإن يوم الزينة يدل على مكان مشتهر باجتماع الناس فيه في ذلك اليوم ، أو بإضمار مثل مكان موعدكم مكان يوم الزينة كما هو على الأول ، أو وعدكم وعد يوم الزينة ، وقرىء { يوم } بالنصب وهو ظاهر في أن المراد بهما المصدر ، ومعنى سوى منتصفاً يستوي مسافته إلينا وإليك وهو في النعت كقولهم : قوم عدي في الشذوذ ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ويعقوب بالضم ، وقيل في «يَوْمُ الزينة» يوم عاشوراء ، أو يوم النيروز ، أو يوم عيد كان لهم في كل عام ، وإنما عينه ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الأقطار . { وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى } عطف على ال { يوم } أو { الزينة } ، وقرىء على البناء للفاعل بالتاء على خطاب فرعون والياء على أن فيه ضمير ال { يوم } أو ضمير { فرعون } على أن الخطاب لقومه .\r{ فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ } ما يكاد به يعني السحرة وآلاتهم . { ثُمَّ أتى } الموعد .\r{ قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً } بأن تدعوا آياته سحراً . { فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ } فيهلككم ويستأصلكم ، وبه قرأ حمزة والكسائي وحفص ويعقوب بالضم من الاسحات وهو لغة نجد وتميم ، والسحت لغة الحجاز . { وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى } كما خاب فرعون ، فإنه افترى واحتال ليبقى الملك عليه فلم ينفعه .\r{ فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } أي تنازعت السحرة في أمر موسى حين سمعوا كلامه فقال بعضهم : ليس هذا من كلام السحرة . { وَأَسَرُّواْ النجوى } بأن موسى إن غلبنا اتبعناه أو تنازعوا واختلفوا فيما يعارضون به موسى وتشاوروا في السر . وقيل الضمير لفرعون وقومه وقوله :\r{ قَالُواْ إِنْ هاذان لساحران } تفسير ل { أَسَرُّواْ النجوى } كأنهم تشاوروا في تلفيقه حذراً أن يغلبا فيتبعهما الناس ، و { هذان } اسم إن على لغة بلحرث بن كعب فإنهم جعلوا الألف للتثنية وأعربوا المثنى تقديراً . وقيل اسمها ضمير الشأن المحذوف و { هاذان لساحران } خبرها . وقيل { إِن } بمعنى نعم وما بعدها مبتدأ وخبر وفيهما إن اللام لا تدخل خبر المبتدأ . وقيل أصله إنه هذان لهما ساحران فحذف الضمير وفيه أن المؤكد باللام لا يليق به الحذف ، وقرأ أبو عمرو «أن هذين» وهو ظاهر ، وابن كثير وحفص { أَنْ هاذان } على أنها هي المخففة واللام هي الفارقة أو النافية واللام بمعنى إلا . { يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ } بالاستيلاء عليها . { بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى } بمذهبكم الذي هو أفضل المذاهب بإظهار مذهبهما وإعلاء دينهما لقوله { إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ } وقيل أرادوا أهل طريقتكم وهم بنو إسرائيل فإنهم كانوا أرباب علم فيما بينهم لقول موسى { أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إسراءيل } وقيل الطريقة اسم لوجوه القوم وأشرافهم من حيث إنهم قدوة لغيرهم .","part":4,"page":121},{"id":1622,"text":"{ فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ } فأزمعوه واجعلوه مجمعاً عليه لا يتخلف عنه واحد منكم . وقرأ أبو عمرو { فَأَجمعوا } ويعضده قوله { فَجَمَعَ كَيْدَهُ } والضمير في { قَالُواْ } إن كان للسحرة فهو قول بعضهم لبعض . { ثُمَّ ائتوا صَفّاً } مصطفين لأنه أهيب في صدور الرائين . قيل كانوا سبعين ألفاً مع كل واحد منهم حبل عصا وأقبلوا عليه إقبالة واحدة . { وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى } فاز بالمطلوب من غلب وهو اعتراض .\r{ قَالُواْ يَا موسى إَمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى } أي بعد ما أتوا مراعاة للأدب و { أن } بما بعده منصوب بفعل مضمر أو مرفوع بخبرية محذوف ، أي اختر إلقاءك أولاً أو إلقاءنا أو الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا .\r{ قَالَ بَلْ أَلْقُواْ } مقابلة أدب بأدب وعدم مبالاة بسحرهم ، وإسعافاً إلى ما أوهموا من الميل إلى البدء بذكر الأول في شقهم وتغيير النظم إلى وجه أبلغ ، ولأن يبرزوا ما معهم ويستنفذوا أقصى وسعهم ثم يظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه . { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } أي فألقوا فإذا حبالهم وعصيهم ، وهي للمفاجأة والتحقيق أنها أيضاً ظرفية تستدعي متعلقاً ينصبها وجملة تضاف إليها ، لكنها خصت بأن يكون المتعلق فعل المفاجأة والجملة ابتدائية والمعنى : فألقوا ففاجأ موسى E وقت تخييل سعي حبالهم وعصيهم من سحرهم ، وذلك بأنهم لطخوها بالزئبق فلما ضربت عليها الشمس اضطربت فخيل إليه أنها تتحرك . وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان وروح «تخيل» بالتاء على إسناده إلى ضمير الحبال ، والعصي وإبدال أنها { تسعى } منه بدل الاشتمال ، وقرىء { يخيل } بالياء على إسناده إلى الله تعالى ، و «تخيل» بمعنى تتخيل .\r{ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } فأضمر فيها خوفاً من مفاجأته على ما هو مقتضى الجبلة البشرية ، أو من أن يخالج الناس شك فلا يتبعوه .\r{ قُلْنَا لاَ تَخَفْ } ما توهمت . { إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } تعليل للنهي وتقرير لغلبته مؤكداً بالاستئناف ، وحرف التحقيق وتكرير الضمير وتعريف الخبر ولفظ العلو الدال على الغلبة الظاهرة وصيغة التفضيل .\r{ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ } أبهمه ولم يقل عصاك تحقيراً لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم وألق العويدة التي في يدك ، أو تعظيماً لها أي لا تحتفل بكثرة هذه الأجرام وعظمها فإن في يمينك ما هو أعظم منها أثراً فألقه . { تَلْقَفْ مَا صَنَعُواْ } تبتلعه بقدرة الله تعالى ، وأصله تتلقف فحذفت إحدى التاءين ، وتاء المضارعة تحتمل التأنيث والخطاب على إسناد الفعل إلى المسبب . وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان بالرفع على الحال أو الاستنئاف ، وحفص بالجزم والتخفيف على أنه من لقفته بمعنى تلقفته . { إِنَّمَا صَنَعُواْ } أن الذي زوروا وافتعلوا . { كَيْدُ سَاحِرٍ } وقرىء بالنصب على أن ما كافة وهو مفعول صنعوا . وقرأ حمزة والكسائي «سحر» بمعنى ذي سحر ، أو بتسمية الساحر سحراً على المبالغة ، أو بإضافة الكيد إلى السحر للبيان كقولهم : علم فقه ، وإنما وحد الساحر لأن المراد به الجنس المطلق ولذلك قال : { وَلاَ يُفْلِحُ الساحر } أي هذا الجنس وتنكير الأول لتنكير المضاف كقول العجاج :","part":4,"page":122},{"id":1623,"text":"يَوْمَ تَرَى النُّفُوسُ مَا أَعَدَّت ... فِي سَعْيِ دُنْيَا طَالَما قَدْ مَدَّتْ\rكأنه قيل إنما صنعوا كيد سحري . { حَيْثُ أتى } حيث كان وأين أقبل .\r{ فَأُلْقِىَ السحرة سُجَّداً } أي فألقى فتلقفت فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر وإنما هو آية من آيات الله ومعجزة من معجزاته ، فألقاهم ذلك على وجوههم سجداً لله توبة عما صنعوا وإعتاباً وتعظيماً لما رأوا . { قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ هارون وموسى } قدم هارون لكبر سنه أو لروي الآية ، أو لأن فرعون ربى موسى في صغره فلو اقتصر على موسى أو قدم ذكره لربما توهم أن المراد فرعون وذكر هارون على الاستتباع . روي أنهم رأوا في سجودهم الجنة ومنازلهم فيها .","part":4,"page":123},{"id":1624,"text":"{ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ } أي لموسى واللام لتضمن الفعل معنى الاتباع . وقرأ قنبل وحفص { آمنتم له } على الخبر والباقون على الاستفهام . { قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ } في الإِيمان له . { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ } لعظيمكم في فنكم وأعلمكم به أو لأستاذكم . { الذى عَلَّمَكُمُ السحر } وأنتم تواطأتم على ما فعلتم . { فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ } اليد اليمنى والرجل اليسرى ، ومن ابتدائية كأن القطع ابتدأ من مخالفة العضو العضو وهي مع المجرور بها في حيز النصب على الحال ، أي لأقطعنها مختلفات وقرىء «لأقطعن» «ولأصلبن» بالتخفيف . { وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى جُذُوعِ النخل } شبه تمكن المصلوب بالجذع بتمكن المظروف بالظرف وهو أول من صلب . { وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا } يريد نفسه وموسى لقوله { آمنتم له } واللام مع الإِيمان في كتاب الله لغير الله أراد به توضيع موسى والهزء به ، فإنه لم يكن من التعذيب في شيء . وقيل رب موسى الذي آمنوا به . { أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى } وأدوم عقاباً .","part":4,"page":124},{"id":1625,"text":"{ قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ } لن نختارك . { على مَا جَاءَنَا } موسى به ، ويجوز أن يكون الضمير فيه لما . { مِنَ البينات } المعجزات الواضحات . { والذى فَطَرَنَا } عطف على ما جاءنا أو قسم . { فاقض مَا أَنتَ قَاضٍ } ما أنت قاضيه أي صانعه أو حاكم به . { إِنَّمَا تَقْضِى هذه الحياة الدنيا } إنما تصنع ما تهواه ، أو تحكم ما تراه في هذه الدنيا { والأخرة خَيْرٌ وأبقى } فهو كالتعليل لما قبله والتمهيد لما بعده . وقرىء { تقضي هذه الحياة الدنيا } كقولك : صيم يوم الجمعة .","part":4,"page":125},{"id":1626,"text":"{ إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خطايانا } من الكفر والمعاصي . { وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر } من معارضة المعجزة . روي أنهم قالوا لفرعون أرنا موسى نائماً فوجدوه تحرسه العصا فقالوا ما هذا بسحر فإن الساحر إذا نام بطل سحره فأبى إلا أن يعارضوه . { والله خَيْرٌ وأبقى } جزاء أو خير ثواباً وأبقى عقاباً .","part":4,"page":126},{"id":1627,"text":"{ إِنَّهُ } إن الأمر . { مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً } بأن يموت على كفره وعصيانه . { فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح . { وَلاَ يَحْيَا } حياة مهنأة .","part":4,"page":127},{"id":1628,"text":"{ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات } في الدنيا . { فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدرجات العلى } المنازل الرفيعة .","part":4,"page":128},{"id":1629,"text":"{ جنات عَدْنٍ } بدل من الدرجات . { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } حال والعامل فيها معنى الإِشارة أو الاستقرار . { وذلك جَزَاءُ مَن تزكى } تطهر من أدناس الكفار والمعاصي ، والآيات الثلاث يحتمل أن تكون من كلام السحرة وأن تكون ابتداء كلام من الله تعالى .","part":4,"page":129},{"id":1630,"text":"{ وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي } أي من مصر . { فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً } فاجعل لهم ، من قولهم ضرب له في ماله سهماً أو فاتخذ من ضرب اللبن إذا عمله . { فِى البحر يَبَساً } يابساً مصدر وصف به يقال يبس يبساً ويبساً كسقم سقماً وسقماً ، ولذلك وصف به المؤنث فقيل شاة يبس للتي جف لبنها ، وقرىء { يبْسا } وهو إما مخفف منه أو وصف على فعل كصعب أو جمع يابس كصحب وصف به الواحد مبالغة كقوله :\rكَأَنَّ قُتُودَ رَحْلِي حِينَ ضَمَّت ... حَوَالِبَ غُرزاً وَمَعِيَ جِيَاعاً\rأو لتعدده معنى فإنه جعل لكل سبط منهم طريقاً . { لاَّ تَخَافُ دَرَكاً } حال من المأمور أي آمنا من أن يدرككم العدو ، أو صفة ثانية والعائد محذوف ، وقرأ حمزة «لا تخف» على أنه جواب الأمر . { وَلاَ تخشى } استئناف أي وأنت لا تخشى ، أو عطف عليه والألف فيه للإِطلاق كقوله { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } أو حال بالواو والمعنى ولا تخشى الغرق .","part":4,"page":130},{"id":1631,"text":"{ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ } وذلك أن موسى عليه السلام خرج بهم أول الليل فَأُخْبِرَ فرعون بذلك فقص أثرهم ، والمعنى فأتبعهم فرعون نفسه ومعه جنوده فحذف المفعول الثاني . وقيل { فَأَتْبَعَهُمْ } بمعنى فأتبعهم ويؤيده القراءة به والباء للتعدية وقيل الباء مزيدة والمعنى : فاتبعهم جنوده وذادهم خلفهم . { فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ } الضمير لجنوده أوله ولهم ، وفيه مبالغة ووجازة أي : غشيهم ما سمعت قصته ولا يعرف كنهه إلا الله . وقرىء «فغشاهم ما غشاهم» أي غطاهم ما غطاهم والفاعل هو الله تعالى أو ما غشاهم أو فرعون لأنه الذي ورطهم للهلاك .","part":4,"page":131},{"id":1632,"text":"{ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى } أي أضلهم في الدين وما هداهم وهو تهكم به في قوله { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد } أو أضلهم في البحر وما نجا .","part":4,"page":132},{"id":1633,"text":"{ يَا بَنِى إسراءيل } خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون على إضمار قلنا ، أو للذين منهم في عهد النبي E بما فعل بآبائهم . { قَدْ أنجيناكم مِّنْ عَدُوِّكُمْ } فرعون وقومه . { وواعدناكم جَانِبَ الطور الأيمن } بمناجاة موسى وإنزال التوراة ، وإنما عد المواعدة إليهم وهي لموسى أو له وللسبعين المختارين للملابسة . { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } يعني في التيه .\r{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } لذائذه أو حلالاته ، وقرأ حمزة والكسائي «أنجيتكم» «وواعدتكم» و «ما رزقتكم» على التاء . وقرىء «ووعدتكم» «ووعدناكم» ، والأيمن بالجر على الجوار مثل : حجر ضب خرب . { وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ } فيما رزقناكم بالإِخلال بشكره والتعدي لما حد الله لكم فيه كالسرف والبطر والمنع عن المستحق . { فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِى } فيلزمكم عذابي ويجب لكم من حل الدين إذا وجب أداؤه . { وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هوى } فقد تردى وهلك . وقيل وقع في الهاوية ، وقرأ الكسائي «يحل» و { يُحْلِلْ } بالضم من حل يحل إذا نزل .\r{ وَإِنِّى لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ } عن الشرك . { وَآمَنَ } بما يجب الإِيمان به . { وَعَمِلَ صالحا ثُمَّ اهتدى } ثم استقام على الهدى المذكور .\r{ وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى } سؤال عن سبب العجلة يتضمن إنكارها من حيث إنها نقيصة في نفسها انضم إليها إغفال القوم وإيهام التعظم عليهم فلذلك أجاب موسى عن الأمرين وقدم جواب الإِنكار لأنه أهم .\r{ قَالَ } موسى . { هُمْ أُوْلآءِ على أَثَرِى } أي ما تقدمتهم إلا بخطاً يسيرة لا يعتد بها عادة وليس بيني وبينهم إلا مسافة قريبة يتقدم بها الرفقة بعضهم بعضاً . { وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى } فإن المسارعة إلى امتثال أمرك والوفاء بعهدك توجب مرضاتك .\r{ قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ } ابتليناهم بعبادة العجل بعد خروجك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف ما نجا من عبادة العجل منهم إلا اثنا عشر ألفاً . { وَأَضَلَّهُمُ السامرى } باتخاذ العجل والدعاء إلى عبادته ، وقرىء { وَأَضَلَّهُمْ } أي أشدهم ضلالاً لأنه كان ضالاً مضلاً ، وإن صح أنهم أقاموا على الدين بعد ذهابه عشرين ليلة وحسبوها بأيامها أربعين وقالوا قد أكملنا العدة ثم كان أمر العجل ، وإن هذا الخطاب كان له عند مقدمه إذ ليس في الآية ما يدل عليه كان ذلك إخباراً من الله له عن المترقب بلفظ الواقع على عادته ، فإن أصل وقوع الشيء أن يكون في علمه ومقتضى مشيئته ، و { السامري } منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل يقال لها السامرة . وقيل كان علجا من كرمان . وقيل من أهل باجرما واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً .\r{ فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ } بعد ما استوفى الأربعين وأخذ التوراة { غضبان } عليهم .","part":4,"page":133},{"id":1634,"text":"{ أَسِفاً } حزيناً بما فعلوا . { قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً } بأن يعطيكم التوراة فيها هدى ونور . { أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد } أي الزمان يعني زمان مفارقته لهم . { أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ } يجب عليكم . { غَضَبٌ مِّنْ رَّبِّكُمْ } بعبادة ما هو مثل في الغباوة . { فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي } وعدكم إياي بالثبات على الإِيمان بالله والقيام على ما أمرتكم به ، وقيل هو من أخلفت وعده إذا وجدت الخلف فيه ، أي فوجدتم الخلف في وعدي لكم بالعود بعد الأربعين ، وهو لا يناسب الترتيب على الترديد ولا على الشق الذي يليه ولا جوابهم له .\r{ قَالُواْ مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا } بأن ملكنا أمرنا إذ لو خلينا وأمرنا ولم يسول لنا السامري لما أخلفناه ، وقرأ نافع وعاصم { بِمَلْكَنَا } بالفتح وحمزة والكسائي بالضم وثلاثتها في الأصل لغات في مصدر ملكت الشيء . { ولكنا حُمِّلْنَا أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم } حملنا أحمالاً من حلى القبط التي استعرناها منهم حين هممنا بالخروج من مصر باسم العرس . وقيل استعاروا لعيد كان لهم ثم لم يردوا عند الخروج مخافة أن يعلموا به . وقيل : هي ما ألقاه البحر على الساحل بعد إغراقهم فأخذوه ولعلهم سموها أوزاراً لأنها آثام ، فإن الغنائم لم تكن تحل بعد أو لأنهم كانوا مستأمنين وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي . { فَقَذَفْنَاهَا } أي في النار . { فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري } أي ما كان معه منها . روي أنهم لما حسبوا أن العدة قد كملت قال لهم السامري : إنما أخلف موسى ميعادكم لما معكم من حلى القوم وهو حرام عليكم ، فالرأي أن نحفر حفيرة ونسجر فيها ناراً ونقذف كل ما معنا فيها ففعلوا . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وروح { حملنا } بالفتح والتخفيف .\r{ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً } من تلك الحلي المذابة . { لَّهُ خُوَارٌ } صوت العجل . { فَقَالُواْ } يعني السامري ومن افتتن به أول ما رآه . { هذا إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ } أي فنسيه موسى وذهب يطلبه عند الطور ، أو فنسي السامري أن ترك ما كان عليه من إظهار الإِيمان .\r{ أَفَلاَ يَرَوْنَ } أفلا يعلمون . { أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً } أنه لا يرجع إليهم كلاماً ولا يرد عليهم جواباً . وقرىء { يرجع } بالنصب وفيه ضعف لأن أن الناصبة لا تقع بعد أفعال اليقين . { وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً } ولا يقدر على إنفاعهم وإضرارهم .\r{ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هارون مِن قَبْلُ } من قبل رجوع موسى E ، أو قول السامري كأنه أول ما وقع عليه بصره حين طلع من الحفرة توهم ذلك وبادرَ تحذيرهم . { ياقوم إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ } بالعجل . { وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرحمن } لا غير . { فاتبعونى وَأَطِيعُواْ أَمْرِي } في الثبات على الدين .\r{ قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ } على العجل وعبادته . { عاكفين } مقيمين . { حتى يَرْجِعَ إِلَيْنَا موسى } وهذا الجواب يؤيد الوجه الأول .","part":4,"page":134},{"id":1635,"text":"{ قَالَ ياهارون } أي قال له موسى حين رجع . { مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ } بعبادة العجل .\r{ أَلاَّ تَتَّبِعَنِ } أن تتبعني في الغضب لله والمقاتلة مع من كفر به ، أو أن تأتي عقبي وتلحقني و «لا» مزيدة كما في قوله { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدَ } { أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } بالصلابة في الدين والمحاماة عليه .\r{ قَالَ يابن أُمَّ } خص الأم استعطافاً وترقيقاً ، وقيل لأنه كان أخاه من الأم والجمهور على أنهما كانا من أب وأم . { لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلاَ بِرَأْسِى } أي بشعر رأسي قبض عليهما يجره إليه من شدة غيظه وفرط غضبه لله ، وكان E حديداً خشناً متصلباً في كل شيء فلم يتمالك حين رآهم يعبدون العجل . { إِنّى خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِى إِسْرءِيلَ } لو قاتلت أو فارقت بعضهم ببعض . { وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِى } حين قلت { اخلفنى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ } فإن الإِصلاح كان في حفظ الدهماء والمداراة لهم أن ترجع إليهم فتتدارك الأمر برأيك .\r{ قَالَ فَمَا خَطْبُكَ ياسامري } أي ثم أقبل عليه وقال له منكراً ما خطبك أي ما طلبك له وما الذي حملك عليه ، وهو مصدر خطب الشيء إذا طلبه .\r{ ياسامري قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ } وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على الخطاب أي علمت بما لم تعلموه وفطنت لما لم تفطنوا له ، وهو أن الرسول الذي جاءك روحاني محض لا يمس أثره شيئاً إلا أحياه ، أو رأيت ما لم تروه وهو أن جبريل E جاءك على فرس الحياة . وقيل إنما عرفه لأن أمه ألقته حين ولدته خوفاً من فرعون وكان جبريل يغذوه حتى استقل . { فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول } من تربة موطئه والقبضة المرة من القبض فأطلق على المقبوض كضرب الأمير ، وقرىء بالصاد والأول للأخذ بجميع الكف والثاني للأخذ بأطراف الأصابع ونحوهما الخضم والقضم ، والرسول جبريل E ولعله لم يسمه لأنه لم يعرف أنه جبريل أو أراد أن ينبه على الوقت وهو حين أرسل إليه ليذهب به إلى الطور . { فَنَبَذْتُهَا } في الحلي المذاب أو في جوف العجل حتى حيي . { وكذلك سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى } زينته وحسنته لي .\r{ قَالَ فاذهب فَإِنَّ لَكَ فِى الحياة } عقوبة على ما فعلت . { أَن تَقُولَ لاَ مِسَاسَ } خوفاً من أن يمسك أحد فتأخذك الحمى ومن مسك فتتحامى الناس ويتحاموك وتكون طريداً وحيداً كالوحش النافر ، وقرىء { لاَ مِسَاسَ } كفجار وهو علم للمسة . { وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً } في الآخرة . { لَّن تُخْلَفَهُ } لن يخلفكه الله وينجزه لك في الآخرة بعد ما عاقبك في الدنيا ، وقرأ ابن كثير والبصريان بكسر اللام أي لن تخلف الواعد إياه وسيأتيك لا محالة ، فحذف المفعول الأول لأن المقصود هو الموعد ويجوز أن يكون من أخلفت الموعد إذا وجدته خلفاً ، وقرىء بالنون على حكاية قول الله . { وانظر إلى إلهك الذى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً } ظللت على عبادته مقيماً فحذف اللام الأولى تخفيفاً ، وقرىء بكسر الظاء على نقل حركة اللام إليها . { لَّنُحَرّقَنَّهُ } أي بالنار ويؤيده قراءة { لَّنُحَرّقَنَّهُ } ، أو بالمبرد على أنه مبالغة في حرق إذ برد بالمبرد ويعضده قراءة { لَّنُحَرّقَنَّهُ } . { ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ } ثم لنذرينه رماداً أو مبروداً وقرىء بضم السين . { فِى اليم نَسْفاً } فلا يصادف منه شيء والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتتنين به لمن له أدنى نظر .","part":4,"page":135},{"id":1636,"text":"{ إِنَّمَا إلهكم } المستحق لعبادتكم . { الله الذى لا إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا أحد يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة . { وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْماً } وسع علمه كل ما يصح أن يعلم لا العجل الذي يصاغ ويحرق وإن كان حياً في نفسه كان مثلاً في الغباوة ، وقرىء { وسع } فيكون انتصاب { عِلْمًا } على المفعولية لأنه وإن انتصب على التمييز في المشهورة لكنه فاعل في المعنى فلما عدي الفعل بالتضعيف إلى المفعولين صار مفعولاً .","part":4,"page":136},{"id":1637,"text":"{ كذلك } مثل ذلك الاقتصاص يعني اقتصاص قصة موسى E . { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ } من أخبار الأمورالماضية والأمم الدارجة تبصرة لك وزيادة في علمك وتكثيراً لمعجزاتك وتنبيهاً وتذكيراً للمستبصرين من أمتك . { وَقَدْ آتيناك مِن لَّدُنَّا ذِكْراً } كتاباً مشتملاً على هذه الأقاصيص والأخبار حقيقاً بالتفكر والاعتبار ، والتنكير فيه للتعظيم . وقيل ذكراً جميلاً وصيتاً عظيماً بين الناس .","part":4,"page":137},{"id":1638,"text":"{ مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } عن الذكر الذي هو القرآن الجامع لوجوه السعادة والنجاة وقيل عن الله . { فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القيامة وِزْراً } عقوبة ثقيلة فادحة على كفره ، وذنوبه سماها { وِزْراً } تشبيهاً في ثقلها على المعاقب وصعوبة احتمالها بالحمل الذي يفدح الحامل وينقض ظهره ، أو إثماً عظيماً .","part":4,"page":138},{"id":1639,"text":"{ خالدين فِيهِ } في الوزر أو في حمله ، والجمع فيه والتوحيد في أعرض للحمل على المعنى واللفظ . { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ القيامة حِمْلاً } أي بئس لهم ففيه ضمير مبهم يفسره { حِمْلاً } ، والمخصوص بالذم محذوف أي ساء حملاً وزرهم ، واللام في { لَهُمْ } للبيان كما في { هَيْتَ لَكَ } ولو جعلت { سَاء } بمعنى أحزن والضمير الذي فيه للوزر أشكل أمر اللام ونصب { حِمْلاً } ولم يفد مزيد معنى .","part":4,"page":139},{"id":1640,"text":"{ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } وقرأ أبو عمرو بالنون على إسناد النفخ إلى الآمر به تعظيماً له أو للنافخ . وقرىء بالياء المفتوحة على أن فيه ضمير الله أو ضمير إسرافيل وإن لم يجر ذكره لأنه المشهور بذلك ، وقرىء { فِى الصور } وهو جمع صورة وقد سبق بيان ذلك { وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ } وقرىء «ويحشر المجرمون» { زُرْقاً } زرق العيون وصفوا بذلك لأن الزرقة أسوأ ألوان العين وأبغضها إلى العرب ، لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق العين ولذلك قالوا : صفة العدو أسود الكيد ، أصهب السبال ، أزرق العين أو عمياً ، فإن حدقة الأعمى تزراق .","part":4,"page":140},{"id":1641,"text":"{ يتخافتون بَيْنَهُمْ } يخفضون أصواتهم لما يملأ صدورهم من الرعب والهول والخفت خفض الصوت وإخفاؤه . { إِنْ } ما { لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً } أي في الدنيا يستقصرون مدة لبثهم فيها لزوالها ، أو لاستطالتهم مدة الآخرة أو لتأسفهم عليها لما عاينوا الشدائد وعلموا أنهم استحقوها على إضاعتها في قضاء الأوطار واتباع الشهوات ، أو في القبر لقوله { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } إلى آخر الآيات .","part":4,"page":141},{"id":1642,"text":"{ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } وهو مدة لبثهم . { إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً } أعدلهم رأياً أو عملاً . { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً } استرجاح لقول من يكون أشد تقالاً منهم .","part":4,"page":142},{"id":1643,"text":"{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال } عن مآل أمرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف . { فَقُلْ } لهم . { يَنسِفُهَا رَبِّى نَسْفاً } يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها .","part":4,"page":143},{"id":1644,"text":"{ فَيَذَرُهَا } فيذر مقارها ، أو الأرض وإضمارها من غير ذكر لدلالة { الجبال } عليها كقوله تعالى : { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ } { قَاعاً } خالياً { صَفْصَفاً } مستوياً كأن أجزاءها على صف واحد .","part":4,"page":144},{"id":1645,"text":"{ لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } اعوجاجاً ولا نتواً إن تأملت فيها بالقياس الهندسي ، وثلاثتها أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإِحساس والثالث باعتبار المقياس ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يخص بالمعاني ، والأمت وهو النتوء اليسير وقيل لا ترى استئناف مبين للحالين .","part":4,"page":145},{"id":1646,"text":"{ يَوْمَئِذٍ } أي يوم إذ نسفت على إضافة اليوم إلى وقت النسف ، ويجوز أن يكون بدلاً ثانياً من يوم القيامة . { يَتَّبِعُونَ الداعي } داعي الله إلى المحشر ، قيل هو إسرافيل يدعو الناس قائماً على صخرة بيت المقدس فيقبلون من كل أوب إلى صوبه { لاَ عِوَجَ لَهُ } لا يعوج له مدعو ولا يعدل عنه . { وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن } خفضت لمهابته . { فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً } صوتاً خفياً ومنه الهميس لصوت أخفاف الإِبل ، وقد فسر الهمس بخفق أقدامهم ونقلها إلى المحشر .","part":4,"page":146},{"id":1647,"text":"{ يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشفاعة إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } الاستثناء من الشفاعة أي إلا شفاعة من أذن له أو من أعم المفاعيل ، أي إلا من أذن في أن يشفع له فإن الشفاعة تنفعه ، فَ { مَنْ } على الأول مرفوع على البدلية وعلى الثاني منصوب على المفعولية و { أَذِنَ } يحتمل أن يكون من الاذن ومن الأذن . { وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً } أي ورضي لمكانه عند الله قوله في الشفاعة أو رضي لأجله قول الشافع في شأنه ، أو قوله لأجله وفي شأنه .\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } ما تقدمهم من الأحوال . { وَمَا خَلْفَهُمْ } وما بعدهم مما يستقبلونه . { وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً } ولا يحيط علمهم بمعلوماته ، وقيل بذاته وقيل الضمير لأحد الموصولين أو لمجموعها ، فإنهم لم يعلموا جميع ذلك ولا تفصيل ما علموا منه .\r{ وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَىِّ القيوم } ذلت وخضعت له خضوع العناة وهم الأساري في يد الملك القهار ، وظاهرها يقتضي العموم ويجوز أن يراد بها وجوه المجرمين فتكون اللام بدل الإِضافة ويؤيده . { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً } وهو يحتمل الحال والاستئناف ما لأجله عنت وجوههم .\r{ وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات } بعض الطاعات . { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إذ الإِيمان شرط في صحة الطاعات وقبول الخيرات . { فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً } منع ثواب مستحق بالوعد { وَلاَ هَضْماً } ولا كسراً منه بنقصان أو جزاء ظلم وهضم لأنه لم يظلم غيره ولم يهضم حقه ، وقرىء «فلا يخف» على النهي .\r{ وكذلك } عطف على كذلك نقص أي مثل ذلك الإِنزال أو مثل إنزال هذه الآيات المتضمنة للوعيد . { أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيّاً } كله على هذه الوتيرة . { وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } مكررين آيات الوعيد . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } المعاصي فتصير التقوى لهم ملكة . { أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً } عظة واعتباراً حين يسمعونها فتثبطهم عنها ، ولهذه النكتة أسند التقوى إليه والإِحداث إلى القرآن .\r{ فتعالى الله } في ذاته وصفاته عن مماثلة المخلوقين لا يماثل كلامه كلامهم كما لا تماثل ذاته ذاتهم . { الملك } النافذ أمره ونهيه الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده . { الحق } في ملكوته يستحقه لذاته ، أو الثابت في ذاته وصفاته { وَلاَ تَعْجَلْ بالقرءان مِن قَبْلِ إَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ } نهي عن الاستعجال في تلقي الوحي من جبريل عليه السلام ومساوقته في القراءة حتى يتم وحيه بعد ذكر الإِنزال على سبيل الاستطراد . وقيل نهي عن تبليغ ما كان مجملاً قبل أن يأتي بيانه . { وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْماً } أي سل الله زيادة العلم بدل الاستعجال فإن ما أوحى إليك تناله لا محالة .\r{ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى ءَادَمَ } ولقد أمرناه يقال تقدم الملك إليه وأوعز إليه وعزم عليه وعهد إليه إذا أمره ، واللام جواب قسم محذوف وإنما عطف قصة آدم على قوله","part":4,"page":147},{"id":1648,"text":"{ وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الوعيد } للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان وعرقهم راسخ في النسيان . { مِن قَبْلُ } من قبل هذا الزمان . { فَنَسِىَ } العهد ولم يعن به حتى غفل عنه ، أو ترك ما وصي به من الاحتراز عن الشجرة . { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تصميم رأي وثباتاً على الأمر إذ لو كان ذا عزيمة وتصلب لم يزله الشيطان ولم يستطع تغريره ، ولعل ذلك كان في بدء أمره قبل أن يجرب الأمور ويذوق شريها وأريها . وعن النبي A « لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه وقد قال الله تعالى { وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } » وقيل عزماً على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده ونجد إن كان من الوجود الذي بمعنى العلم فله عزماً مفعولاه ، وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من عزماً أو متعلق بنجد .","part":4,"page":148},{"id":1649,"text":"{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة اسجدوا لآدَمَ } مقدر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات . { فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } قد سبق القول فيه . { أبى } جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار وعلى هذا لا يقدر له مفعول مثل السجود المدلول عليه بقوله { فَسَجَدُواْ } لأن المعنى أظهر الإِباء عن المطاوعة .","part":4,"page":149},{"id":1650,"text":"{ فَقُلْنَا يائادم إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا } فلا يكونن سبباً لإِخراجكما ، والمراد نهيهما عن أن يكون بحيث يتسبب الشيطان إلى إخراجهما . { مِنَ الجنة فتشقى } وأفرده بإسناد الشقاء إليه بعد إشراكهما في الخروج اكتفاء باستلزام شقائه شقاءها من حيث إنه قيم عليها ومحافظة على الفواصل ، أو لأن المراد بالشقاء التعب في طلب المعاش وذلك وظيفة الرجال ويؤيده قوله .","part":4,"page":150},{"id":1651,"text":"{ إِنَّ لَكَ أَن لا تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى } .","part":4,"page":151},{"id":1652,"text":"{ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تضحى } فإنه بيان وتذكير لما له في الجنة من أسباب الكفاية وأقطاب الكفاف التي هي الشبع والري والكسوة والسكن مستغنياً عن اكتسابها والسعي في تحصيل أغراض ما عسى ينقطع ويزول منها بذكر نقائضها ، ليطرق سمعه بأصناف الشقوة المحذر عنها ، والعاطف وإن ناب عن أن لكنه ناب من حيث إنه عامل لا من حيث إنه حرف تحقيق فلا يمتنع دخوله على أن امتناع دخول إن عليه . وقرأ نافع وأبو بكر { وَإِنَّكَ لاَ تَظْمَؤُا } بكسر الهمزة والباقون بفتحها .","part":4,"page":152},{"id":1653,"text":"{ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشيطان } فانتهى إليه وسوسته . { قَالَ يَاءَادَمُ هَلْ أَدُلُّكَ على شَجَرَةِ الخلد } الشجرة التي من أكل منها خلد ولم يمت أصلاً . فأضافها إلى الخلد أي الخلود لأنها سببه بزعمه . { وَمُلْكٍ لاَّ يبلى } لا يزول ولا يضعف .","part":4,"page":153},{"id":1654,"text":"{ فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سوءاتهما وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } أخذا يلزقان الورق على سوآتهما للتستر وهو ورق التين { وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ } بأكل الشجرة . { فغوى } فضل عن المطلوب وخاب حيث طلب الخلد بأكل الشجرة ، أو عن المأمور به أو عن الرشد حيث اغتر بقول العدو . وقرىء { فغوى } من غوى الفصيل إذا أتخم من اللبن وفي النعي عليه بالعصيان والغواية مع صغر زلته تعظيم للزلة وزجر بليغ لأولاده عنها .","part":4,"page":154},{"id":1655,"text":"{ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ } اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة والتوفيق لها من أجبى إلى كذا فاجتبيته مثل جليت على العروس فاجتليتها ، وأصل معنى الكلمة الجمع . { فَتَابَ عَلَيْهِ } فقبل توبته لما تاب . { وهدى } إلى الثبات على التوبة والتثبت بأسباب العصمة .","part":4,"page":155},{"id":1656,"text":"{ قَالَ اهبطا مِنْهَا جَمِيعاً } الخطاب لآدم وحواء ، أو له ولإِبليس ولما كانا أصليَّ الذرية خاطبهما مخاطبتهم فقال : { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } لأمر المعاش كما عليه الناس من التجاذب والتحارب ، أو لاختلال حال كل من النوعين بواسطة الآخر ويؤيد الأول قوله : { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنًى هُدًى } كتاب ورسول . { فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ } في الدنيا . { وَلاَ يشقى } في الآخرة .","part":4,"page":156},{"id":1657,"text":"{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي } عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي . { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً } ضيقاً مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وقرىء { ضنكى } كسكرى ، وذلك لأن مجامع همته ومطامح نظره تكون إلى أعراض الدنيا متهالكاً على ازديادها خائفاً على انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإِيمان كما قال { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التوراة والإنجيل } { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا } الآيات ، وقيل هو الضريع والزقوم في النار ، وقيل عذاب القبر { وَنَحْشُرُهُ } قرىء بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفاً على محل { فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً } لأنه جواب الشرط . { يَوْمَ القيامة أعمى } أعمى البصر أو القلب ويؤيد الأول .","part":4,"page":157},{"id":1658,"text":"{ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِى أعمى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً } وقد أمالهما حمزة والكسائي لأن الألف منقلبة من الياء ، وفرق أبو عمرو بأن الأول رأس الآية ومحل الوقف فهو جدير بالتغيير .","part":4,"page":158},{"id":1659,"text":"{ قَالَ كذلك } أي مثل ذلك فعلت ثم فسره فقال : { أَتَتْكَ ءاياتنا } واضحة نيرة . { فَنَسِيتَهَا } فعميت عنها وتركتها غير منظور إليها . { وكذلك } ومثل تركك إياها . { اليوم تنسى } تترك في العمى والعذاب .","part":4,"page":159},{"id":1660,"text":"{ وكذلك نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ } بالانهماك في الشهوات والإِعراض عن الآيات . { وَلَمْ يُؤْمِنْ بئايات رَبِّهِ } بل كذب بها وخالفها . { وَلَعَذَابُ الأخرة } وهو الحشر على العمى ، وقيل عذاب النار أي وللنار بعد ذلك . { أَشَدُّ وأبقى } من ضنك العيش أو منه ومن العمى ، ولعله إذا دخل النار زال عماه ليرى محله وحاله أو مما فعله من ترك الآيات والكفر بها .","part":4,"page":160},{"id":1661,"text":"{ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ } مسند إلى الله تعالى أو الرسول أو ما دل عليه . { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ القرون } أي إهلاكنا إياهم أو الجملة بمضمونها ، والفعل على الأولين معلق يجري مجرى أعلم ويدل عليه القراءة بالنون . { يَمْشُونَ فِى مساكنهم } ويشاهدون آثار هلاكهم . { إِنَّ فِى ذلك لأيات لأُوْلِى النهى } لذوي العقول الناهية عن التغافل والتعامي .","part":4,"page":161},{"id":1662,"text":"{ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ } وهي العدة بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة . { لَكَانَ لِزَاماً } لكان مثل ما نزل بعاد وثمود لازماً لهؤلاء الكفرة ، وهو مصدر وصف به أو اسم آلة سمي به اللازم لفرط لزومه كقولهم لزاز خصم . { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } عطف على كلمة أي ولولا العدة بتأخير العذاب وأجل مسمى لأعمارهم ، أو لعذابهم وهو يوم القيامة أو يوم بدر لكان العذاب لزاماً والفصل للدلالة على استقلال كل منهما بنفي لزوم العذاب ، ويجوز عطفه على المستكن في كان أي لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين له .\r{ فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ } وصل وأنت حامد لربك على هدايته وتوفيقه ، أو نزهه عن الشرك وسائر ما يضيفون إليه من النقائص حامداً له على ما ميزك بالهدى معترفاً بأنه المولى للنعم كلها . { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } يعني الفجر . { وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } يعني الظهر والعصر لأنهما في آخر النهار أو العصر وحده . { وَمِنْ ءَانَاءِ اليل } ومن ساعاته جمع أنا بالكسر والقصر ، أو أناء بالفتح والمد . { فَسَبِّحْ } يعني المغرب والعشاء وإنما قدم زمان الليل لاختصاصه بمزيد الفضل فإن القلب فيه أجمع والنفس أميل إلى الاستراحة فكانت العبادة فيه أحمز ولذلك قال سبحانه وتعالى : { إِنَّ نَاشِئَةَ اليل هِىَ أَشَدُّ وَطْأً وَأَقْوَمُ قِيلاً } { وَأَطْرَافَ النهار } تكرير لصلاتي الصبح والمغرب إرادة الاختصاص ، ومجيئه بلفظ الجمع لأمن الإِلباس كقوله :\rظَهْرَاهُمَا مِثْل ظُهُورِ التِرْسَيْنِ ... أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية النصف الأول من النهار وبداية النصف الآخر وجمعه باعتبار النصفين أو لأن النهار جنس ، أو بالتطوع في أجزاء النهار . { لَعَلَّكَ ترضى } متعلق ب { سَبِّح } أي سبح في هذه الأوقات طمعاً أن تنال عند الله ما به ترضي نفسك . وقرأ الكسائي وأبو بكر بالبناء للمفعول أي يرضيك ربك .\r{ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } أي نظر عينيك . { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } استحساناً له وتمنياً أن يكون مثله . { أزواجا مِّنْهُمْ } وأصنافاً من الكفرة ، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في به والمفعول منهم أي الذي متعنا به ، وهو أصناف بعضهم أو ناساً منهم . { زَهْرَةَ الحياة الدنيا } منصوب بمحذوف دل عليه { مَتَّعْنَا } أو { بِهِ } على تضمينه معنى أعطينا ، أو بالبدل من محل { بِهِ } أو من { أزواجا } بتقدير مضاف ودونه ، أو بالذم وهي الزينة والبهجة . وقرأ يعقوب بالفتح وهو لغة كالجهرة في الجهرة ، أو جمع زاهر وصف لهم بأنهم زاهرو الدنيا لتنعمهم وبهاء زيهم بخلاف ما عليه المؤمنون الزهاد . { لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنبلوهم ونختبرهم فيه ، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه . { وَرِزْقُ رَبِّكَ } وما ادخر لك في الآخرة ، أو ما رزقك من الهدى والنبوة .","part":4,"page":162},{"id":1663,"text":"{ خَيْرٌ } مما منحهم في الدنيا . { وأبقى } فإنه لا ينقطع .\r{ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بالصلاة } أمره بأن يأمر أهل بيته أو التابعين له من أمته بالصلاة بعد ما أمر بها ليتعاونوا على الاستعانة بها على خصاصتهم ولا يهتموا بأمر المعيشة ولا يلتفتوا لفت أرباب الثروة . { واصطبر عَلَيْهَا } وداوم عليها . { لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً } أي أن ترزق نفسك ولا أهلك . { نَّحْنُ نَرْزُقُكَ } وإياهم ففرغ بالك لأمر الآخرة . { والعاقبة } المحمودة . { للتقوى } لذوي التقوى . روي \" أنه E كان إذا أصاب أهله ضرٌ أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية \" { وَقَالُواْ لَوْلاَ يَأْتِينَا بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ } بآية تدل على صدقه في إهداء النبوة ، أو بآية مقترحة إنكاراً لما جاء به من الآيات ، أو للاعتداد به تعنتاً وعناداً فألزمهم بإتيانه بالقرآن الذي هو أم المعجزات وأعظمها وأبقاها ، لأن حقيقة المعجزة اختصاص مدعي النبوة بنوع من العلم أو العمل على وجه خارق للعادة ، ولا شك أن العلم أصل العمل وأعلى منه قدراً وأبقى أثراً فكذا ما كان من هذا القبيل ، ونبههم أيضاً على وجه أبين من الوجوه المختصة بهذا الباب فقال : { أَوَ لَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِى الصحف الأولى } من التوراة والإِنجيل وسائر الكتب السماوية ، فإن اشتمالها على زبدة ما فيها من العقائد والأحكام الكلية مع أن الآتي بها أُميّ لم يرها ولم يتعلم ممن علمها إعجاز بين ، وفيه إشعار بأنه كما يدل على نبوته برهان لما تقدمه من الكتب من حيث إنه معجز وتلك ليست كذلك ، بل هي مفتقرة إلى ما يشهد على صحتها . وقرىء »الصحف« بالتخفيف وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم { أَوَ لَمْ تَأْتِهِم } بالتاء والباقون بالياء .\r{ وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ } من قبل محمد E أو البينة والتذكير لأنها في معنى البرهان ، أو المراد بها القرآن . { لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ ءاياتك مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ } بالقتل والسبي في الدنيا . { ونخزى } بدخول النار يوم القيامة ، وقد قرىء بالبناء للمفعول فيهما .\r{ قُلْ كُلٌّ } أي كل واحد منا ومنكم . { مُّتَرَبِّصٌ } منتظر لما يؤول إليه أمرنا وأمركم . { فَتَرَبَّصُواْ } وقرىء «فتمتعوا» . { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أصحاب الصراط السوي } المستقيم ، وقرىء «السواء» أي الوسط الجيد و «السوآى» و «السوء» أي الشر ، و «السوي» هو تصغيره . { وَمَنِ اهتدى } من الضلالة و { من } في الموضعين للاستفهام ومحلها الرفع بالابتداء ، ويجوز أن تكون الثانية موصولة بخلاف الأولى لعدم العائد فتكون معطوفة على محل الجملة الاستفهامية المعلق عنها الفعل على أن العلم بمعنى المعرفة أو على أصحاب أو على الصراط على أن المراد به النبي A . وعنه A \" من قرأ طه أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين \" .","part":4,"page":163},{"id":1664,"text":"{ اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } بالإِضافة إلى ما مضى أو ما عند الله لقوله تعالى : { إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً } وقوله { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } أو لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى ، واللام صلة ل { اقترب } أو تأكيد للإِضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم ، وخص الناس بالكفار لتقييدهم بقوله : { وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ } أي في غفلة عن الحساب . { مُّعْرِضُونَ } عن التفكر فيه وهما خبران للضمير ، ويجوز أن يكون الظرف حالاً من المستكن في { مُّعْرِضُونَ } .","part":4,"page":164},{"id":1665,"text":"{ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ } ينبههم من سنة الغفلة والجهالة . { مِّن رَّبِّهِم } صفة ل { ذِكْرٍ } أو صلة ل { يَأْتِيهِم } . { مُّحْدَثٍ } تنزيله ليكرر على أسماعهم التنبيه كي يتعظوا ، وقرىء بالرفع حملاً على المحل . { إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ } يستهزئون به ويستسخرون منه لتناهي غفلتهم وفرط إعراضهم عن النظر في الأمور والتفكر في العواقب { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } حال من الواو وكذلك :","part":4,"page":165},{"id":1666,"text":"{ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ } أي استمعوه جامعين بين الاستهزاء والتلهي والذهول عن التفكر فيه ، ويجوز أن يكون من واو { يَلْعَبُونَ } وقرئت بالرفع على أنها خبر آخر للضمير . { وَأَسَرُّواْ النجوى } بالغوا في إخفائها أو جعلوها بحيث خفي تناجيهم بها . { الذين ظَلَمُواْ } بدل من واو { وَأَسَرُّواْ } للإِيماء بأنهم ظالمون فيما أسروا به ، أو فاعل له والواو لعلامة الجمع أو مبتدأ والجملة المتقدمة خبره وأصله وهؤلاء أسروا النجوى فوضع الموصول موضعه تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم أو منصوب على الذم . { هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } بأمره في موضع النصب بدلاً من { النجوى } ، أو مفعولاً لقول مقدر كأنهم استدلوا بكونه بشراً على كذبه في ادعاء الرسالة لاعتقادهم أن الرسول لا يكون إلا ملكاً ، واستلزموا منه أن ما جاء به من الخوارق كالقرآن سحر فأنكروا حضوره ، وإنما أسروا به تشاوراً في استنباط ما يهدم أمره ويظهر فساده للناس عامة .","part":4,"page":166},{"id":1667,"text":"{ قُل رَّبِّى يَعْلَمُ القول فِى السماء والأرض } جهراً كان أو سراً فضلاً عما أسروا به فهو آكد من قوله { قُلْ أَنزَلَهُ الذى يَعْلَمُ السر فِى السموات والأرض } ولذلك اختير ها هنا وليطابق قوله { وَأَسَرُّواْ النجوى } في المبالغة . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { قَالَ } بالإِخبار عن الرسول A . { وَهُوَ السميع العليم } فلا يخفى عليه ما يسرون ولا ما يضمرون .","part":4,"page":167},{"id":1668,"text":"{ بَلْ قَالُواْ أضغاث أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ } إضراب لهم عن قولهم هو سحر إلى أنه تخاليط أحلام ثم إلى أنه كلام افتراه ، ثم إلى أنه قول شاعر والظاهر أن { بل } الأولى لتمام حكاية والإِبتداء بأخرى أو للإِضراب عن تحاورهم في شأن الرسول A وما ظهر عليه من الآيات إلى تقاولهم في أمر القرآن ، والثانية والثالثة لإِضرابهم عن كونه أباطيل خيلت إليه وخلطت عليه إلى كونه مفتريات اختلقها من تلقاء نفسه ، ثم إلى أنه كلام شعري يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها ، ويجوز أن يكون الكل من الله تنزيلاً لأقوالهم في درج الفساد لأن كونه شعراً أبعد من كونه مفترى لأنه مشحون بالحقائق والحكم وليس فيه ما يناسب قول الشعراء ، وهو من كونه أحلاماً لأنه مشتمل على مغيبات كثيرة طابقت الواقع والمفتري لا يكون كذلك بخلاف الأحلام ، ولأنهم جربوا رسول الله A نيفاً وأربعين سنة وما سمعوا منه كذباً قط ، وهو أبعد من كونه سحراً لأنه يجانسه من حيث إنهما من الخوارق . { فَلْيَأْتِنَا بِئَايَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ } أي كما أرسل به الأولون مثل اليد البيضاء والعصا وإبراء الأكمه وإحياء الموتى ، وصحة التشبيه من حيث إن الإِرسال يتضمن الإِتيان بالآية .","part":4,"page":168},{"id":1669,"text":"{ مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِن قَرْيَةٍ } من أهل قرية . { أهلكناها } باقتراح الآيات لما جاءتهم . { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } لو جئتهم بها وهم أعتى منهم ، وفيه تنبيه على أن عدم الإتيان بالمقترح للإِبقاء عليهم إذ لو أتى به ولم يؤمنوا استوجبوا عذاب الاستئصال كمن قبلهم .","part":4,"page":169},{"id":1670,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً يُوحَى إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } جواب لقولهم { هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } فأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب عن حال الرسل المتقدمة ليزول عنهم الشبهة والإِحالة عليهم إما للإلزام فإن المشركين كانوا يشاورونهم في أمر النبي E ويثقون بقولهم ، أو لأن إخبار الجم الغفير يوجب العلم وإن كانوا كفاراً . وقرأ حفص { نُوحِى } بالنون .","part":4,"page":170},{"id":1671,"text":"{ وَمَا جعلناهم جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام وَمَا كَانُواْ خالدين } نفي لما اعتقدوا أنها من خواص الملك عن الرسل تحقيقاً لأنهم كانوا أبشاراً مثلهم . وقيل جواب لقولهم { مَا لهذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق } { وَمَا كَانُواْ خالدين } تأكيد وتقرير له فإن التعيش بالطعام من توابع التحليل المؤدي إلى الفناء وتوحيد الجسد لا إرادة الجنس ، أو لأنه مصدر في الأصل أو على حذف المضاف أو تأويل الضمير بكل واحد وهو جسم ذو لون فلذلك لا يطلق على الماء والهواء ، ومنه الجساد للزعفران . وقيل جسم ذو تركيب لأن أصله لجمع الشيء واشتداده .","part":4,"page":171},{"id":1672,"text":"{ ثُمَّ صدقناهم الوعد } أي في الوعد . { فأنجيناهم وَمَن نَّشَاءُ } يعني المؤمنين بهم ومن في إبقائه حكمة كمن سيؤمن هو أو أحد من ذريته ، ولذلك حميت العرب من عذاب الاستئصال . { وَأَهْلَكْنَا المسرفين } في الكفر والمعاصي .","part":4,"page":172},{"id":1673,"text":"{ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ } يا قريش { كتابا } يعني القرآن . { فِيهِ ذِكْرُكُمْ } صيتكم كقوله { وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ } أو موعظتكم أو ما تطلبون به حسن الذكر من مكارم الأخلاق . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتؤمنون .","part":4,"page":173},{"id":1674,"text":"{ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ } وإرادة عن غضب عظيم لأن القصم كسر يبين تلاؤم الأجزاء بخلاف الفصم . { كَانَتْ ظالمة } صفة لأهلها وصفت بها لما أقيمت مقامه . { وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا } بعد إهلاك أهلها . { قَوْماً ءَاخَرِينَ } مكانهم .","part":4,"page":174},{"id":1675,"text":"{ فَلَمَّا أَحَسُّواْ بَأْسَنَا } فلما أدركوا شدة عذابنا إدراك المشاهد المحسوس ، والضمير للأهل المحذوف . { إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ } يهربون مسرعين راكضين دوابهم ، أو مشبهين بهم من فرط إسراعهم .","part":4,"page":175},{"id":1676,"text":"{ لاَ تَرْكُضُواْ } على إرادة القول أي قيل لهم استهزاء لا تركضوا إما بلسان الحال أو المقال ، والقائل ملك أو من ثم من المؤمنين . { وارجعوا إلى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } من التنعم والتلذذ والإِتراف إبطار النعمة . { ومساكنكم } التي كانت لكم . { لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ } غدا عن أعمالكم أو تعذبون فإن السؤال من مقدمات العذاب ، أو تقصدون للسؤال والتشاور في المهام والنوازل .","part":4,"page":176},{"id":1677,"text":"{ قَالُواْ يَا وَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظالمين } لما رأوا العذاب ولم يروا وجه النجاة لذلك لم ينفعهم . وقيل إن أهل حضور من قرى اليمن بعث إليهم نبي فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر فوضع السيف فيهم فنادى مناد من السماء يا لثارات الأنبياء فندموا وقالوا ذلك .","part":4,"page":177},{"id":1678,"text":"{ فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } فما زالوا يرددون ذلك ، وإنما سماه دعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل ويقول : يا ويل تعال فهذا أوانك ، وكل من { تِلْكَ } و { دَعْوَاهُمْ } يحتمل الاسمية والخبرية . { حتى جعلناهم حَصِيداً } مثل الحصيد وهو النبت المحصود ولذلك لم يجمع . { خامدين } ميتين من خمدت النار وهو مع { حَصِيداً } منزلة المفعول الثاني كقولك : جعلته حلواً حامضاً إذ المعنى : وجعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود أو صفة له أو حال من ضميره .","part":4,"page":178},{"id":1679,"text":"{ وَمَا خَلَقْنَا السمآء والارض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } وإنما خلقناها مشحونة بضروب البدائع تبصرة للنظار وتذكرة لذوي الاعتبار وتسبباً لما ينتظم به أمور العباد في المعاش والمعاد ، فينبغي أن يتسلقوا بها إلى تحصيل الكمال ولا يغتروا بزخارفها فإنها سريعة الزوال .\r{ لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً } ما يتلهى به ويلعب . { لاتخذناه مِن لَّدُنَّا } من جهة قدرتنا ، أو من عندنا مما يليق بحضرتنا من المجردات لا من الأجسام المرفوعة والأجرام المبسوطة كعادتكم في رفع السقوف وتزويقها وتسوية الفرش وتزيينها ، وقيل اللهو الولد بلغة اليمن وقيل الزوجة والمراد به الرد على النصارى { إِن كُنَّا فاعلين } ذلك ويدل على جواب الجواب المتقدم . وقيل { إِن } نافية والجملة كالنتيجة للشرطية .\r{ بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل } إِضراب عن اتخاذ اللهو وتنزيه لذاته عن اللعب أي بل من شأننا أن نغلب الحق الذي من جملته الجد على الباطل الذي من عداده اللهو . { فَيدمغه } فيمحقه ، وإنما استعار لذلك القذف وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمى ، والدمغ الذي هو كسر الدماغ بحيث يشق غشاؤه المؤدي إلى زهوق الروح تصويره لابطاله ومبالغة فيه ، وقرىء { فَيَدْمَغُهُ } بالنصب كقوله :\rسَأَتْرُكْ مَنْزِلي لَبَنِي تَمِيم ... وَأَلْحَق بِالحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا\rووجه مع بعده الحمل على المعنى والعطف على «الحق» . { فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } هالك والزهوق ذهاب الروح وذكره لترشيح المجاز . { وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ } مما تصفونه به مما لا يجوز عليه ، وهو في موضع الحال وما مصدرية أو موصولة أو موصوفة .\r{ وَلَهُ مَن فِى السموات والارض } خلقاً وملكاً . { وَمَنْ عِندَهُ } يعني الملائكة المنزلين منه لكرامتهم عليه منزلة المقربين عند الملوك ، وهو معطوف على { مَن فِى السموات } وأفرده للتعظيم أو لأنه أعم منه من وجه ، أو المراد به نوع من الملائكة متعال عن التبوؤ في السماء والأرض أو مبتدأ خبره : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } لا يتعظمون عنها . { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } ولا يعيون منها ، وإنما جيء بالاستحسار الذي هو أبلغ من الحسور تنبيهاً على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ولا يستحسرون .\r{ يُسَبِّحُونَ الليل والنهار } ينزهونه ويعظمونه دائماً . { لاَ يَفْتُرُونَ } حال من الواو في { يسبحون } وهو استئناف أو حال من ضمير قبله .\r{ أَمِ اتخذوا ءَالِهَةً } بل اتخذوا والهمزة لإِنكار اتخاذهم . { مِّنَ الأرض } صفة لآلهة أو متعلقة بالفعل على معنى الابتداء ، وفائدتها التحقير دون التخصيص . { هُمْ يُنشِرُونَ } الموتى وهم وإن لم يصرحوا به لكن لزم ادعاؤهم لها الإِلهية ، فإن من لوازمها الاقتدار على جميع الممكنات والمراد به تجهيلهم والتهكم بهم ، وللمبالغة في ذلك زيد الضمير الموهم لاختصاص الانشار بهم .\r{ وَلَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ الله } غير الله ، وصف ب { إِلاَّ } لتعذر الاستثناء لعدم شمول ما قبلها لما بعدها ودلالته على ملازمة الفساد لكون الآلهة فيهما دونه ، والمراد ملازمته لكونها مطلقاً أو معه حملاً لها على غير كما استثنى بغير حملاً عليها ، ولا يجوز الرفع على البدل لأنه متفرع على الاستثناء ومشروط بأن يكون في كلام غير موجب .","part":4,"page":179},{"id":1680,"text":"{ لَفَسَدَتَا } لبطلتا لما يكون بينهما من الاختلاف والتمانع ، فإنها إن توافقت في المراد تطاردت عليه القدر وإن تخالفت فيه تعاوقت عنه . { فسبحان الله رَبِّ العرش } المحيط بجميع الأجسام الذي هو محل التدابير ومنشأ التقادير . { عَمَّا يَصِفُونَ } من اتخاذ الشريك والصاحبة والولد .\r{ لاَّ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ } لعظمته وقوة سلطانه وتفرده بالألوهية والسلطنة الذاتية . { وَهُمْ يُسْئَلُونَ } لأنهم مملوكون مستعبدون والضمير لل { ءَالِهَةً } أو للعباد .","part":4,"page":180},{"id":1681,"text":"{ أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } كرره استعظاماً لكفرهم واستفظاعاً لأمرهم وتبكيتاً وإظهاراً لجهلهم ، أو ضماً لإِنكار ما يكون لهم سنداً من النقل إلى إنكار ما يكون لهم دليلاً من العقل على معنى أوجدوا آلهة ينشرون الموتى فاتخذوهم آلهة ، لما وجدوا فيهم من خواص الألوهية ، أو وجدوا في الكتب الإِلهية الأمر بإشراكهم فاتخذوهم متابعة للأمر ، ويعضد ذلك أنه رتب على الأول ما يدل على فساده عقلاً وعلى الثاني ما يدل على فساده نقلاً . { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } على ذلك إما من العقل أو من النقل ، فإنه لا يصح القول بما لا دليل عليه كيف وقد تطابقت الحجج على بطلانه عقلاً ونقلاً . { هذا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى } من الكتب السماوية فانظروا هل تجدون فيها إلا الأمر بالتوحيد والنهي عن الإِشراك ، والتوحيد لما لم يتوقف على صحته بعثة الرسل وإنزال الكتب صح الاستدلال فيه بالنقل و { مَن مَّعِىَ } أمته و { مَن قَبْلِى } الأمم المتقدمة وإضافة ال { ذِكْرُ } إليهم لأنه عظتهم ، وقرىء بالتنوين ولا إعمال وبه وب { مِنْ } الجارة على أن مع اسم هو ظرف كقبل وبعد وشبههما وبعدمها . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق } ولا يميزون بينه وبين الباطل ، وقرىء { الحق } بالرفع على أنه خبر محذوف وسط للتأكيد بين السبب والمسبب . { فَهُمْ مُّعْرِضُونَ } عن التوحيد واتباع الرسول من أجل ذلك .","part":4,"page":181},{"id":1682,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون } تعميم بعد تخصيص ، فإن { ذكر من قبلي } من حيث إنه خبر لاسم الإِشارة مخصوص بالموجود بين أظهرهم وهو الكتب الثلاثة ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي { نُوحِى إِلَيْهِ } بالنون وكسر الحاء والباقون بالياء وفتح الحاء .","part":4,"page":182},{"id":1683,"text":"{ وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً } نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله { سبحانه } تنزيه له عن ذلك . { بَلْ عِبَادٌ } بل هم عباد من حيث إنهم مخلوقون وليسوا بالأولاد . { مُّكْرَمُونَ } وفيه تنبيه على مدحض القوم ، وقرىء بالتشديد .","part":4,"page":183},{"id":1684,"text":"{ لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول } لا يقولون شيئاً حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المؤدبين ، وأصله لا يسبق قولهم قوله فنسب السبق إليه وإليهم ، وجعل القول محله وأداته تنبيهاً على استهجان السبق المعرض به للقائلين على الله ما لم يقله ، وأنيبت اللام على الإِضافة اختصاراً وتجافياً عن تكرير الضمير ، وقرىء { لاَ يَسُبقُونَهُ } بالضم من سابقته فسبقته أسبقه . { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } لا يعملون قط ما لم يأمرهم به .\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } لا تخفى عليه خافية مما قدموا وأخروا ، وهو كالعلة لما قبله والتمهيد لما بعده فإنهم لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم ويراقبون أحوالهم . { وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى } أن يشفع له مهابة منه . { وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ } عظمته ومهابته . { مُشْفِقُونَ } مرتعدون ، وأصل الخشية خوف مع تعظيم ولذلك خص بها العلماء . والإِشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر وإن عدي بعلى فبالعكس .\r{ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ } من الملائكة أو من الخلائق . { إِنّى إله مّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } يريد به نفي النبوة وادعاء ذلك عن الملائكة وتهديد المشركين بتهديد مدعي الربوبية . { كذلك نَجْزِى الظالمين } من ظلم بالإِشراك وادعاء الربوبية .\r{ أَوَ لَمْ يَرَ الذين كَفَرُواْ } أو لم يعلموا ، وقرأ ابن كثير بغير واو . { أَنَّ السموات والارض كَانَتَا رَتْقاً } ذات رتق أو مرتوقتين ، وهو الضم والالتحام أي كانتا شيئاً واحداً وحقيقة متحدة . { ففتقناهما } بالتنويع والتمييز ، أو كانت السموات واحدة ففتقت بالتحريكات المختلفة حتى صارت أفلاكاً ، وكانت الأرضون واحدة فجعلت باختلاف كيفياتها وأحوالها طبقات أو أقاليم . وقيل { كَانَتَا } بحيث لا فرجة بينهما ففرج . وقيل { كَانَتَا رَتْقاً } لا تمطر ولا تنبت ففتقناهما بالمطر والنبات ، فيكون المراد ب { السموات } سماء الدنيا وجمعها باعتبار الآفاق أو { السموات } بأسرها على أن لها مدخلاً ما في الأمطار ، والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظراً فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب وابتداء أو بوسط ، أو استفساراً من العلماء ومطالعة للكتب ، وإنما قال { كَانَتَا } ولم يقل كن لأن المراد جماعة السموات وجماعة الأرض . وقرىء { رَتْقاً } بالفتح على تقدير شيئاً رتقاً أي مرتوقاً كالرفض بمعنى المرفوض . { وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ } وخلقنا من الماء كل حيوان كقوله تعالى { الله خالق كُلّ دَابَّةٍ مّن مَّاء } وذلك لأنه من أعظم مواده أو لفرط احتياجه إليه وانتفاعه به بعينه ، أو صيرنا كل شيء حي بسبب من الماء لا يحيا دونه . وقرىء «حياً» على أنه صفة { كُلَّ } أو مفعول ثان ، والظرف لغو والشيء مخصوص بالحيوان . { أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ } مع ظهور الآيات .","part":4,"page":184},{"id":1685,"text":"{ وَجَعَلْنَا فِى الأرض رَوَاسِىَ } ثابتات من رسا الشيء إذا ثبت . { أَن تَمِيدَ بِهِمْ } كراهة أن تميل بهم وتضطرب ، وقيل لأن لا تميد فحذف لا لأمن الإِلباس . { وَجَعَلْنَا فِيهَا } في الأرض أو الرواسي . { فِجَاجاً سُبُلاً } مسالك واسعة وإنما قدم فجاجاً وهو وصف له ليصير حالاً فيدل على أنه حين خلقها خلقها كذلك ، أو ليبدل منها { سُبُلاً } فيدل ضمناً على أنه خلقها ووسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التوكيد . { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } إلى مصالحهم .\r{ وَجَعَلْنَا السماء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } عن الوقوع بقدرته أو الفساد والإِخلال إلى الوقت المعلوم بمشيئته ، أو استراق السمع بالشهب . { وَهُمْ عَنْ ءاياتها } عن أحوالها الدالة على وجود الصانع ووحدته وكمال قدرته وتناهي حكمته التي يحس ببعضها ويبحث عن بعضها في علمي الطبيعة والهيئة . { مُّعْرِضُونَ } غير متفكرين .\r{ وَهُوَ الذى خَلَقَ اليل والنهار والشمس والقمر } بيان لبعض تلك الآيات . { كُلٌّ فِى فَلَكٍ } أي كل واحد منهما ، والتنوين بدل من المضاف إليه والمراد بالفلك الجنس كقولهم : كساهم الأمير حلة . { يَسْبَحُونَ } يسرعون على سطح الفلك إسراع السابح على سطح الماء ، وهو خبر { كُلٌّ } والجملة حال من { الشمس والقمر } ، وجاز إنفرادهما بها لعدم اللبس والضمير لهما ، وإنما جمع باعتبار المطالع وجعل الضمير واو العقلاء لأن السباحة فعلهم .\r{ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الخالدون } نزلت حين قالوا نتربص به ريب المنون وفي معناه قوله :\rفَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا ... سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا\rوالفاء لتعلق الشرط بما قبله والهمزة لإِنكاره بعد ما تقرر ذلك .\r{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } ذائقة مرارة مفارقتها جسدها ، وهو برهان على ما أنكروه . { وَنَبْلُوكُم } ونعاملكم معاملة المختبر . { بالشر والخير } بالبلايا والنعم . { فِتْنَةً } ابتلاء مصدر من غير لفظه . { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } فنجازيكم حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر ، وفيه إيماء بأن المقصود من هذه الحياة والابتلاء والتعريض للثواب والعقاب تقريراً لما سبق .\r{ وَإِذَا رَآكَ الذين كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ } ما يتخذونك . { إِلاَّ هُزُواً } إلا مهزوءاً به ويقولون : { أهذا الذى يَذْكُرُ ءَالِهَتَكُمْ } أي بسوء ، وإنما أطلقه لدلالة الحال فإن ذكر العدو لا يكون إلا بسوء . { وَهُمْ بِذِكْرِ الرحمن } بالتوحيد أو بإرشاد الخلق ببعث الرسل وإنزال الكتب رحمة عليهم أو بالقرآن . { هُمْ كافرون } منكرون فهم أحق أن يهزأ بهم ، وتكرير الضمير للتأكيد والتخصيص ولحيلولة الصلة بينه وبين الخبر .","part":4,"page":185},{"id":1686,"text":"{ خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } كأنه خلق منه لفرط استعجاله وقلة ثباته كقولك : خلق زيد من الكرم ، جعل ما طبع عليه بمنزلة المطبوع وهو منه مبالغة في لزومه له ولذلك قيل : إِنه على القلب ومن عجلته مبادرته إلى الكفر واستعجال الوعيد . روي أنها نزلت في النضر بن الحارث حين استعجل العذاب . { سَأُوْرِيكُمْ ءاياتي } نقماتي في الدنيا كوقعة بدر وفي الآخرة عذاب النار . { فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } بالإِتيان بها ، والنهي عما جبلت عليه نفوسهم ليقعدوها عن مرادها .","part":4,"page":186},{"id":1687,"text":"{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } وقت وعد العذاب أو القيامة . { إِن كُنتُمْ صادقين } يعنون النبي E وأصحابه Bهم .","part":4,"page":187},{"id":1688,"text":"{ لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } محذوف الجواب و { حِين } مفعول { يَعْلَمُ } أي : لو يعلمون الوقت الذي يستعجلون منه بقولهم { متى هذا الوعد } وهو حين تحيط بهم النار من كل جانب بحيث لا يقدرون على دفعها ولا يجدون ناصراً يمنعها لما استعجلوا ، ويجوز أن يترك مفعول { يَعْلَمُ } ويضمر لحين فعل بمعنى : لو كان لهم علم لما استعجلوا يعلمون بطلان ما هم عليه حين لا يكفون ، وإنما وضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على ما أوجب لهم ذلك .","part":4,"page":188},{"id":1689,"text":"{ بَلْ تَأْتِيهِم } العدة أو النار أو الساعة . { بَغْتَةً } فجأة مصدر أو حال . وقرىء بفتح الغين . { فَتَبْهَتُهُمْ } فنغلبهم أو تحيرهم . وقرىء الفعلان بالياء والضمير ل { الوعد } أو ال { حِين } وكذا في قوله : { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا } لأن الوعد بمعنى النار أو العدة والحين بمعنى الساعة ، ويجوز أن يكون ل { النار } أو لل { بَغْتَةً } . { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } يمهلون وفيه تذكير بإمهالهم في الدنيا .","part":4,"page":189},{"id":1690,"text":"{ وَلَقَدِ استهزىء بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ } تسلية لرسول الله A . { فَحَاقَ بالذين سَخِرُواْ مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وعد له بأن ما يفعلونه به يحيق بهم كما حاق بالمستهزئين بالأنبياء ما فعلوا يعني جزاءه .","part":4,"page":190},{"id":1691,"text":"{ قُلْ } يا محمد للمستهزئين . { مَن يَكْلَؤُكُمْ } يحفظكم . { باليل وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحمَنِ } من بأسه إن أراد بكم ، وفي لفظ { الرحمن } تنبيه على أن لا كالئ غير رحمته العامة وأن اندفاعه بمهلته { بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُّعْرِضُونَ } لا يخطرونه ببالهم فضلاً أن يخافوا بأسه حتى إذا كلؤا منه عرفوا الكالي . وصلحوا للسؤال عنه .","part":4,"page":191},{"id":1692,"text":"{ أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا } بل ألهم آلهة تمنعهم من العذاب تتجاوز منعنا ، أو من عذاب يكون من عندنا والإِضرابان عن الأمر بالسؤال على الترتيب ، فإنه عن المعرض الغافل عن الشيء بعيد وعن المعتقد لنقيضه أبعد . { لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ } استئناف بإبطال ما اعتقدوه فإن من لا يقدر على نصر نفسه ولا يصحبه نصر من الله فكيف ينصر غيره .","part":4,"page":192},{"id":1693,"text":"{ بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلآءِ وَءَابَاءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر } إضراب عما توهموا ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم وهو الاستدراج والتمتع بما قدر لهم من الأعمار ، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان ما أوهمهم ذلك ، وهو أنه تعالى متعهم بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم فحسبوا أن لا يزالوا كذلك وأنه بسبب ما هم عليه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب فقال : { أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِى الأرض } أرض الكفرة . { نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } بتسليط المسلمين عليها ، وهو تصوير لما يجريه الله تعالى على أيدي المسلمين . { أَفَهُمُ الغالبون } رسول الله والمؤمنين .","part":4,"page":193},{"id":1694,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُمْ بالوحى } بما أوحي إلي . { وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعاء } وقرأ ابن عامر ولا تسمع الصم على خطاب النبي A ، وقرىء بالياء على أن فيه ضميره ، وإنما سماهم { الصم } ووضعه موضع ضميرهم للدلالة على تصامهم وعدم انتفاعهم بما يسمعون . { إِذَا مَا يُنذَرُونَ } منصوب ب { يَسْمَعُ } أو ب { الدعاء } والتقييد به لأن الكلام في الإِنذار أو للمبالغة في تصامهم وتجاسرهم .\r{ وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ } أدنى شيء ، وفيه مبالغات ذكر المس وما فيه النفحة من معنى القلة ، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة . { مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ } من الذي ينذرون به . { لَيَقُولُنَّ ياويلنا إِنَّا كُنَّا ظالمين } لدعوا على أنفسهم بالويل واعترفوا عليها بالظلم .\r{ وَنَضَعُ الموازين القسط } العدل توزن بها صحائف الأعمال . وقيل وضع الموازين تمثيل لإِرصاد الحساب السوي والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ، وإفراد { القسط } لأنه مصدر وصف به للمبالغة . { لِيَوْمِ القيامة } لجزاء يوم القيامة أو لأهله ، أو فيه كقولك : جئت لخمس خلون من الشهر . { فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً } من حقها أو من الظلم . { وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ } أي وإن كان العمل أو الظلم مقدار حبة ، ورفع نافع { مِثْقَالَ } على { كَانَ } التامة . { أَتَيْنَا بِهَا } أحضرناها ، وقرىء { ءَاتَيْنَا } بمعنى جازينا بها من الإِيتاء فإنه قريب من أعطينا ، أو من المؤاتاة فإنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء وأثبنا من الثواب وجئنا ، والضمير للمثقال وتأنيثه لإِضافته إلى ال { حَبَّةٍ } . { وكفى بِنَا حاسبين } إذ لا مزيدة على علمنا وعدلنا .\r{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ } أي الكتاب الجامع لكونه فارقاً بين الحق والباطل ، { وَضِيَاء } يستضاء به في ظلمات الحيرة والجهالة ، { وَذِكْراً } يتعظ به المتقون أو ذكر ما يحتاجون إليه من الشرائع . وقيل { الفرقان } النصر ، وقيل فلق البحر وقرىء { ضِيَاء } بغير واو على أنه حال من { الفرقان } .\r{ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم } صفة { لّلْمُتَّقِينَ } أو مدح لهم منصوب أو مرفوع . { بالغيب } حال من الفاعل أو المفعول . { وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ } خائفون وفي تصدير الضمير وبناء الحكم عليه مبالغة وتعريض .\r{ وهذا ذِكْرٌ } يعني القرآن . { مُّبَارَكٌ } كثير خيره . { أنزلناه } على محمد E . { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } استفهام توبيخ .","part":4,"page":194},{"id":1695,"text":"{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا إبراهيم رُشْدَهُ } الاهتداء لوجوه الصلاح وإضافته ليدل على أنه رشد مثله وأن له شأناً . وقرىء { رشده } وهو لغة . { مِن قَبْلُ } موسى وهرون أو محمد E . وقيل من قبل استنبائه أو بلوغه حيث قال : { إِنّى وَجَّهْتُ } { وَكُنَّا بِهِ عالمين } علمنا أنه أهل لما آتيناه ، أو جامع لمحاسن الأوصاف ومكارم الخصال وفيه إشارة إلى أن فعله سبحانه وتعالى باختيار وحكمة وأنه عالم بالجزئيات .","part":4,"page":195},{"id":1696,"text":"{ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ } متعلق ب { ءَاتَيْنَا } أو ب { رشده } أو بمحذوف : أي اذكر من أوقات رشده وقت قوله : { مَا هذه التماثيل التى أَنتُمْ لَهَا عاكفون } تحقير لشأنها وتوبيخ على إجلالها ، فإن التمثال صورة لا روح فيها لا يضر ولا ينفع ، واللام للاختصاص لا للتعدية فإن تعدية العكوف بعلى . والمعنى أنتم فاعلون العكوف لها ويجوز أن يؤول بعلى أو يضمن العكوف معنى العبادة .","part":4,"page":196},{"id":1697,"text":"{ قَالُواْ وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا لَهَا عابدين } فقلدناهم وهو جواب ما لزم الاستفهام من السؤال عما اقتضى عبادتها وحملهم عليها .","part":4,"page":197},{"id":1698,"text":"{ قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ فِى ضلال مُّبِينٍ } منخرطين في سلك ضلال لا يخفى على عاقل لعدم استناد الفريقين إلى دليل ، والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على حق .","part":4,"page":198},{"id":1699,"text":"{ قَالُواْ أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين } كأنهم لاستبعادهم تضليله إياهم ظنوا أن ما قاله إنما قاله على وجه الملاعبة ، فقالوا أبجد تقوله أم تلعب به .","part":4,"page":199},{"id":1700,"text":"{ قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السموات والارض الذى فطَرَهُنَّ } إضراب عن كونه لاعباً بإقامة البرهان على ما ادعاه وهن للسموات والأرض أو للتماثيل ، وهو أدخل في تضليلهم وإلزام الحجة عليهم . { وَأَنَاْ على ذلكم } أي المذكور من التوحيد . { مِّنَ الشاهدين } من المتحققين له والمبرهنين عليه ، فإن الشاهد من تحقق الشيء وحققه .","part":4,"page":200},{"id":1701,"text":"{ وتالله } وقرىء بالباء وهي الأصل والتاء بدل من الواو المبدلة منها وفيها تعجب . { لأَكِيدَنَّ أصنامكم } لأجتهدن في كسرها ، ولفظ الكيد وما في التاء من التعجب لصعوبة الأمر وتوقفه على نوع من الحيل . { بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ } عنها . { مُّدْبِرِينَ } إلى عيدكم ولعله قال ذلك سراً .","part":4,"page":201},{"id":1702,"text":"{ فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً } قطاعاً فعال بمعنى مفعول كالحطام من الجذ وهو القطع . وقرأ الكسائي بالكسر وهو لغة ، أو جمع جذيذ كخفاف وخفيف . وقرىء بالفتح و { جذذاً } جمع جذيذ وجذذاً جمع جذة . { إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ } للأصنام كسر غيره واستبقاه وجعل الفأس على عنقه . { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } لأنه غلب على ظنه أنهم لا يرجعون إلا إليه لتفرده واشتهاره بعداوة آلهتهم فيحاجهم بقوله : { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ } فيحجهم ، أو أنهم يرجعون إلى الكبير فيسألونه عن كاسرها إذ من شأن المعبود أن يرجع إليه في حل العقد فيبكتهم بذلك ، أو إلى الله أي { يَرْجِعُونَ } إلى توحيده عند تحققهم عجز آلهتهم .","part":4,"page":202},{"id":1703,"text":"{ قَالُواْ } حين رجعوا . { مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين } بجرأته على الآلهة الحقيقة بالإِعظام ، أو بإفراطه في حطمها أو بتوريط نفسه للهلاك .","part":4,"page":203},{"id":1704,"text":"{ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } يعيبهم فلعله فعله ويذكر ثاني مفعولي سمع ، أو صفة ل { فَتًى } مصححة لأن يتعلق به السمع وهو أبلغ في نسبة الذكر إليه . { يُقَالُ لَهُ إبراهيم } خبر محذوف أي هو إبراهيم ، ويجوز أن يرفع بالفعل لأن المراد به الاسم .","part":4,"page":204},{"id":1705,"text":"{ قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ الناس } بمرأى منهم بحيث تتمكن صورته في أعينهم تمكن الراكب على المركوب . { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } بفعله أو قوله أو يحضرون عقوبتنا له .","part":4,"page":205},{"id":1706,"text":"{ قَالُواْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنَا يَآ إِبْرَاهِيمُ } حين أحضروه .","part":4,"page":206},{"id":1707,"text":"{ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } أسند الفعل إليه تجوزاً لأن غيظه لما رأى من زيادة تعظيمهم له تسبب لمباشرته إياه ، أو تقريراً لنفسه مع الاستهزاء والتبكيت على أسلوب تعريضي كما لو قال لك من لا يحسن الخط فيما كتبته بخط رشيق : أأنت كتبت لهذا فقلت بل كتبته أنت ، أو حكاية لما يلزم من مذهبهم جوازه ، وقيل إنه في المعنى متعلق بقوله { إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ } وما بينهما اعتراض أو إلى ضمير { فَتًى } أو { إبراهيم } ، وقوله { كَبِيرُهُمْ هذا } مبتدأ وخبر ولذلك وقف على فعله . وما روي أنه E قال « لإِبراهيم ثلاث كذبات » تسمية للمعاريض كذباً لما شابهت صورتها صورته .","part":4,"page":207},{"id":1708,"text":"{ فَرَجَعُواْ إلى أَنفُسِهِمْ } وراجعوا عقولهم . { فَقَالُواْ } فقال بعضهم لبعض . { إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون } بهذا السؤال أو بعبادة من لا ينطق ولا يضر ولا ينفع لا من ظلمتموه بقولكم { إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين } .\r{ ثُمَّ نُكِسُواْ على رُؤُوسِهِمْ } انقلبوا إلى المجادلة بعدما استقاموا بالمراجعة ، شبه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء مستعلياً على أعلاه . وقرىء { نُكِّسُواْ } بالتشديد و { نكسوا } أي نكسوا أنفسهم . { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلآءِ يِنْطِقُونَ } فكيف تأمرنا بسؤالها وهو على إرادة القول .\r{ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ } إنكار لعبادتهم لها بعد اعترافهم بأنها جمادات لا تنفع ولا تضر فإنه ينافي الألوهية .\r{ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } تضجر منه على إصرارهم بالباطل البين ، و { أُفّ } صوت المتضجر ومعناه قبحاً ونتناً واللام لبيان المتأفف له . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قبح صنيعكم .\r{ قَالُواْ } أخذا في المضارة لما عجزوا عن المحاجة . { حَرِّقُوهُ } فإن النار أهول ما يعاقب به . { وانصروا ءَالِهَتَكُمْ } بالانتقام لها . { إِن كُنتُمْ فاعلين } إن كنتم ناصرين لها نصراً مؤزراً ، والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هيون خسف به الأرض وقيل نمروذ .\r{ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِى بَرْداً وسلاما على إبراهيم } ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار ، وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة { كُونِى } ذات برد مقام أبردي ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وقيل نصب { سَلاَماً } بفعله أي وسلمنا سلاماً عليه . روي أنهم بنوا حظيرة بكوثى وجمعوا فيها ناراً عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولاً فرموا به فيها فقال له جبريل : هل لك حاجة ، فقال : أما إليك فلا فقال : فسل ربك فقال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، فجعل الله تعالى ببركة قوله الحظيرة روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه ، فاطلع عليه نمرود من الصرح فقال إني مقرب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكف عن إبراهيم E . وكان إذ ذاك ابن ست عشرة سنة وانقلاب النار هواء طيباً ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته . وقيل كانت النار بحالها لكنه سبحانه وتعالى دفع عنه أذاها كما ترى في السمندل ويشعر به قوله على إبراهيم .\r{ وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } مكراً في إضراره . { فجعلناهم الأخسرين } أخسر من كل خاسر لما عاد سعيهم برهاناً قاطعاً على أنهم على الباطل وإبراهيم على الحق وموجباً لمزيد درجته واستحقاقهم أشد العذاب .\r{ ونجيناه وَلُوطاً إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا للعالمين } أي من العراق إلى الشام وبركاته العامة أن أكثر الأنبياء بعثوا فيه فانتشرت في العالمين شرائعهم التي هي مبادي الكمالات والخيرات الدينية والدنيوية .","part":4,"page":208},{"id":1709,"text":"وقيل كثرة النعم والخصب الغالب . روي أنه E نزل بفلسطين ولوط E بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً } عطية فهي حال منهما أو ولد ولد ، أو زيادة على ما سأل وهو إسحاق فتختص بيعقوب ولا بأس به للقرينة . { وَكُلاًّ } يعني الأربعة . { جَعَلْنَا صالحين } بأن وفقناهم للصلاح وحملناهم عليه فصاروا كاملين .\r{ وجعلناهم أَئِمَّةً } يقتدى بهم . { يَهْدُونَ } الناس إلى الحق . { بِأَمْرِنَا } لهم بذلك وأرسلنا إياهم حتى صاروا مكملين . { وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات } ليحثوهم عليها فيتم كمالها بانضمام العمل إلى العلم ، وأصله أن تفعل الخيرات ثم فعلا الخيرات وكذلك قوله : { وَإِقَامَ الصلاة وَإِيتَاء الزكواة } وهو من عطف الخاص على العام للتفضيل ، وحذفت تاء الإِقامة المعوضة من إحدى الألفين لقيام المضاف إليه مقامها . { وَكَانُواْ لَنَا عابدين } موحدين في العبادة ولذلك قدم الصلة .\r{ وَلُوطاً اتيناه حُكْماً } حكمة أو نبوة أو فصلاً بين الخصوم . { وَعِلْماً } بما ينبغي علمه للأنبياء . { ونجيناه مِنَ القرية } قرية سدوم . { التى كَانَت تَعْمَلُ الخبائث } يعني اللواطة وصفها بصفة أهلها أو أسندها إليها على حذف المضاف وإقامتها مقامه ويدل عليه : { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فاسقين } فإنه كالتعليل له .\r{ وأدخلناه فِى رَحْمَتِنَا } في أهل رحمتنا أو جنتنا . { إِنَّهُ مِنَ الصالحين } الذين سبقت لهم منا الحسنى .\r{ وَنُوحاً إِذْ نادى } إذ دعا الله سبحانه على قومه بالهلاك . { مِن قَبْلُ } من قبل المذكورين . { فاستجبنا لَهُ } دعاءه . { فنجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم } من الطوفان أو أذى قومه والكرب الغم الشديد .\r{ ونصرناه } مطاوع انتصر أي جعلناه منتصراً . { مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } لاجتماع الأمرين تكذيب الحق والانهماك في الشر ، ولعلهما لم يجتمعا في قوم إلا وأهلكهم الله تعالى .","part":4,"page":209},{"id":1710,"text":"{ وَدَاوُودَ وسليمان إِذْ يَحْكُمَانِ فِى الحرث } في الزرع ، وقيل في كرم تدلت عناقيده . { إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القوم } رعته ليلاً . { وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين } لحكم الحاكمين والمتحاكمين إليهما عالمين .","part":4,"page":210},{"id":1711,"text":"{ ففهمناها سليمان } الضمير للحكومة أو للفتوى وقرىء «فأفهمناها» . روي أن داود حكم بالغنم لصاحب الحرث فقال سليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة : غير هذا أرفق بهما فأمر بدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأولادها وأشعارها والحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود إلى ما كان ثم يترادان . ولعلهما قالا اجتهادا والأول نظير قول أبي حنيفة في العبد الجاني والثاني مثل قول الشافعي بغرم الحيلولة في العبد المغصوب إذا أبق ، وحكمه في شرعنا عند الشافعي وجوب ضمان المتلف بالليل إذ المعتاد ضبط الدواب ليلاً وهكذا قضى النبي A لما دخلت ناقة البراء حائطاً وأفسدته فقال \" على أهل الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل الماشية حفظها بالليل \" وعند أبي حنيفة لا ضمان إِلاَّ أن يكون معها حافظ لقوله A \" جرح العجماء جبار \" { وَكُلاًّ ءَاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } دليل على أن خطأ المجتهد لا يقدح فيه . وقيل على أن كل مجتهد مصيب وهو مخالف لمفهوم قوله تعالى : { ففهمناها } ولولا النقل لاحتمل توافقهما على أن قوله ففهمناها لإِظهار ما تفضل عليه في صغره . { وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ الجبال يُسَبّحْنَ } يقدسن الله معه إما بلسان الحال أو بصوت يتمثل له ، أو بخلق الله تعالى فيها الكلام . وقيل يسرن معه من السباحة وهو حال أو استئناف لبيان وجه التسخير و { مَّعَ } متعلقة ب { سَخَّرْنَا } أو { يُسَبِّحْنَ } { والطير } عطف على { الجبال } أو مفعول معه . وقرىء بالرفع على الإِبتداء أو العطف على الضمير على ضعف . { وَكُنَّا فاعلين } لأمثاله فليس ببدع منا وإن كان عجباً عندكم .","part":4,"page":211},{"id":1712,"text":"{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ } عمل الدرع وهو في الأصل اللباس قال :\rالبِسْ لَكُل حَالَة لَبُوسهَا ... إِمَّا نعيمها وَإِمَا بُوسها\rقيل كانت صفائح فحلقها وسردها . { لَكُمْ } متعلق بعلم أو صفة { للبوس } { لِتُحْصِنَكُمْ مّن بَأْسِكُمْ } بدل منه بدل الاشتمال بإعادة الجار ، والضمير لداود E أو { للبوس } وفي قراءة ابن عامر وحفص بالتاء للصنعة أو لل { بوس } على تأويل الدرع وفي قراءة أبي بكر ورويس بالنون لله D { بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شاكرون } ذلك أمر أخرجه في صورة الاستفهام للمبالغة والتقريع .","part":4,"page":212},{"id":1713,"text":"{ ولسليمان } وسخرنا له ولعل اللام فيه دون الأول لأن الخارق فيه عائد إلى سليمان نافع له ، وفي الأول أمر يظهر في الجبال والطير مع داود وبالإِضافة إليه . { الريح عَاصِفَةً } شديدة الهبوب من حيث إنها تبعد بكرسيه في مدة يسيرة كما قال تعالى : { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } وكانت رخاء في نفسها طيبة . وقيل كانت رخاء تارة وعاصفة أخرى حسب إرادته . { تَجْرِى بِأَمْرِهِ } بمشيئته حال ثانية أو بدل من الأولى أو حال من ضميرها . { إِلَى الأرض التى بَارَكْنَا فِيهَا } إلى الشام رواحاً بعدما سارت به منه بكرة . { وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عالمين } فنجريه على ما تقتضيه الحكمة .","part":4,"page":213},{"id":1714,"text":"{ وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ } في البحار ويخرجون نفائسها ، { وَمِنْ } عطف على { الريح } أو مبتدأ خبره ما قبله وهي نكرة موصوفة . { وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلك } ويتجاوزون ذلك إلى أعمال أخر كبناء المدن والقصور واختراع الصنائع الغريبة كقوله تعالى : { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب وتماثيل } { وَكُنَّا لَهُمْ حافظين } أن يزيغوا عن أمره أو يفسدوا على ما هو مقتضى جبلتهم .","part":4,"page":214},{"id":1715,"text":"{ وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّى مَسَّنِىَ الضر } بأني مسني الضر ، وقرىء بالكسر على إضمار القول أو تضمين النداء معناه و { الضر } بالفتح شائع في كل ضرر ، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهزال . { وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين } وصف ربه بغاية الرحمة بعدما ذكر نفسه بما يوجبها واكتفى بذلك عن عرض المطلوب لطفاً في السؤال ، وكان رومياً من ولد عيص بن إسحاق استنبأه الله وكثر أهله وماله فابتلاه الله بهلاك أولاده بهدم بيت عليهم وذهاب أمواله ، والمرض في بدنه ثماني عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة أو سبعاً وسبعة أشهر وسبع ساعات . روي أن امرأته ماخير بنت ميشا بن يوسف ، أو رحمة بنت إفراثيم بن يوسف قالت له يوماً : لو دعوت الله فقال : كم كانت مدة الرخاء فقالت ثمانين سنة فقال : أستحيي من الله أن أدعوه وما بلغت مدة بلائي مدة رخائي .","part":4,"page":215},{"id":1716,"text":"{ فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ } بالشفاء من مرضه . { وَءَاتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ } بأن ولد له ضعف ما كان أو أحيي ولده وولد له منهم نوافل . { رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وذكرى للعابدين } رحمة على أيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كما أثيب ، أو لرحمتنا للعابدين فإنا نذكرهم بالإِحسان ولا ننساهم .","part":4,"page":216},{"id":1717,"text":"{ وإسماعيل وَإِدْرِيسَ وَذَا الكفل } يعني إلياس ، وقيل يوشع ، وقيل زكريا سمي به لأنه كان ذا حظ من الله تعالى أو تكفل أمته أو له ضعف عمل أنبياء زمانه وثوابهم ، والكفل يجيء بمعنى النصيب والكفالة والضعف . { كُلٌّ } كل هؤلاء . { مِّّنَ الصابرين } على مشاق التكاليف وشدائد النوب .","part":4,"page":217},{"id":1718,"text":"{ وأدخلناهم فِى رَحْمَتِنَا } يعني النبوة أو نعمة الآخرة . { إِنَّهُمْ مِّنَ الصالحين } الكاملين في الصلاح وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإن صلاحهم معصوم عن كدر الفساد .","part":4,"page":218},{"id":1719,"text":"{ وَذَا النون } وصاحب الحوت يونس بن متى { إِذ ذَّهَبَ مغاضبا } لقومه لما برم بطول دعوتهم وشدة شكيمتهم وتمادي إصرارهم مهاجراً عنهم ، قبل أن يؤمر وقبل وعدهم بالعذاب فلم يأتهم لميعادهم بتوبتهم ولم يعرف الحال فظن أنه كذبهم وغضب من ذلك ، وهو من بناء المغالبة للمبالغة أو لأنه أغضبهم بالمهاجرة لخوفهم لحوق العذاب عندها وقرىء «مغضباً» . { فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ } لن نضيق عليه أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر ، ويعضده أنه قرىء مثقلاً أو لن نعمل فيه قدرتنا؛ وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمرنا ، أو خطرة شيطانية سبقت إلى وهمه فسميت ظناً للمبالغة . وقرىء بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرىء به مثقلاً . { فنادى فِى الظلمات } في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل . { أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ } بأنه لا إله إلا أنت . { سبحانك } من أن يعجزك شيء . { إِنِّى كُنتُ مِنَ الظالمين } لنفسي بالمبادرة إلى المهاجرة . وعن النبي E \" ما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له \" .","part":4,"page":219},{"id":1720,"text":"{ فاستجبنا لَهُ ونجيناه مِنَ الغم } بأن قذفه الحوت إلى الساحل بعد أربع ساعات كان في بطنه . وقيل ثلاثة أيام والغم غم الالتقام وقيل غم الخطيئة . { وكذلك نُنْجِى المؤمنين } من غموم دعوا الله فيها بالإِخلاص وفي الإمام : «نجي» ولذلك أخفى الجماعة النون الثانية فإنها تخفى مع حروف الغم ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر بتشديد الجيم على أن أصله { نُنَجّى } فحذفت النون الثانية كما حذفت التاء الثانية في { تظاهرون } ، وهي وإن كانت فاء فحذفها أوقع من حذف حرف المضارعة التي لمعنى ولا يقدح فيه اختلاف حركتي النونين فإن الداعي إلى الحذف اجتماع المثلين مع تعذر الإِدغام وامتناع الحذف تتجافى لخوف اللبس . وقيل هو ماض مجهول أسند إلى ضمير المصدر وسكن آخره تخفيفاً ورد بأنه لا يسند إلى المصدر والمفعول مذكور والماضي لا يسكن آخره .","part":4,"page":220},{"id":1721,"text":"{ وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِى فَرْداً } وحيداً بلا ولد يرثني . { وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين } فإن لم ترزقني من يرثني فلا أبالي به .","part":4,"page":221},{"id":1722,"text":"{ فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ } أي أصلحناها للولادة بعد عقرها أو ل { زَكَرِيَّا } بتحسين خلقها وكانت حردة . { إِنَّهُمْ } يعني المتوالدين أو المذكورين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى الخيرات } يبادرون إلى أبواب الخير . { وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً } ذوي رغب ورهب ، أو راغبين في الثواب راجين للإِجابة ، أو في الطاعة وخائفين العقاب أو المعصية . { وَكَانُواْ لَنَا خاشعين } مخبتين أو دائبين الوجل ، والمعنى أنهم نالوا من الله ما نالوا بهذه الخصال .","part":4,"page":222},{"id":1723,"text":"{ والتى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } من الحلال والحرام يعني مريم . { فَنَفَخْنَا فِيهَا } أي عيسى E فيها أي أحييناه في جوفها ، وقيل فعلنا النفخ فيها . { مِن رُّوحِنَا } من الروح الذي هو بأمرنا وحده أو من جهة روحنا يعني جبريل E . { وجعلناها وابنها } أي قصتهما أو حالهما ولذلك وحد قوله : { ءَايَةً للعالمين } فإن من تأمل حالهما تحقق كمال قدرة الصانع تعالى .","part":4,"page":223},{"id":1724,"text":"{ إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ } أي إن ملة التوحيد والإِسلام ملتكم التي يجب أن تكونوا عليها فكونوا عليها . { أُمَّةً وَاحِدَةً } غير مختلفة فيما بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا مشاركة لغيرها في صحة الاتباع . وقرىء { أُمَتُكُمْ } بالنصب على البدل و { أُمَّةٌ } بالرفع على الخبر وقرئتا بالرفع عن أنهما خبران . { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ } لا إله لكم غيري . { فاعبدون } لا غير .","part":4,"page":224},{"id":1725,"text":"{ وَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } صرفه إلى الغيبة التفاتاً لينعى على الذين تفرقوا في الدين وجعلوا أمره قطعاً موزعة بقبيح فعلهم إلى غيرهم . { كُلٌّ } من الفرق المتحزبة . { إِلَيْنَا راجعون } فنجازيهم .","part":4,"page":225},{"id":1726,"text":"{ فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ } بالله ورسله . { فَلاَ كُفْرَانَ } فلا تضييع . { لِسَعْيِهِ } استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإِعطائه ونفي الجنس للمبالغة . { وَإِنَّا لَهُ } لسعيه . { كاتبون } مثبتون في صحيفة عمله لا يضيع بوجه ما .","part":4,"page":226},{"id":1727,"text":"{ وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ } وممتنع على أهلها غير متصور منهم . وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي «وَحِرْمٌ» بكسر الحاء وإسكان الراء و قرىء «حرم» . { أهلكناها } حكمنا بإهلاكها أو وجدناها هالكة . { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } رجوعهم إلى التوبة أو الحياة ولا صلة ، أو عدم رجوعهم للجزاء وهو مبتدأ خبره حرام أو فاعل له ساد مسد خبره أو دليل عليه وتقديره : توبتهم أو حياتهم أو عدم بعثهم ، أو لأنهم { لاَ يَرْجِعُونَ } ولا ينيبون { وَحَرَامٌ } خبر محذوف أي وحرام عليها ذاك وهو المذكور في الآية المتقدمة ويؤيده القراءة بالكسر . وقيل { حَرَامٌ } عزم وموجب عليهم { أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } .","part":4,"page":227},{"id":1728,"text":"{ حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ } متعلق ب { حَرَامٌ } أو بمحذوف دل الكلام عليه ، أو ب { لاَ يَرْجِعُونَ } أي يستمر الامتناع أو الهلاك أو عدم الرجوع إلى قيام الساعة وظهور أماراتها : وهو فتح سد يأجوج ومأجوج وهي حتى التي يحكى الكلام بعدها ، والمحكي هي الجملة الشرطية . وقرأ ابن عامر ويعقوب { فُتِّحَتْ } بالتشدد . { وَهُمْ } يعني يأجوج ومأجوج أو الناس كلهم . { مِّنْ كُلِّ حَدْبٍ } نشز من الأرض ، وقرىء جدث وهو القبر . { يَنسِلُونَ } يسرعون من نسلان الذئب وقرىء بضم السين .","part":4,"page":228},{"id":1729,"text":"{ واقترب الوعد الحق } وهو القيامة . { فَإِذَا هِىَ شاخصة أبصار الذين كَفَرُواْ } جواب الشرط و «إذا» للمفاجأة تسد مسد الفاء الجزائية كقوله تعالى : { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } فإذا جاءت الفاء معها تظاهرتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد ، والضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار . { يَا وَيْلَنَا } مقدر بالقول واقع موقع الحال من الموصول . { قَدْ كُنَّا فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا } لم نعلم أنه حق . { بَلْ كُنَّا ظالمين } لأنفسنا بالإِخلال بالنظر وعدم الاعتداد بالنذر .\r{ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يحتمل الأوثان وإبليس وأعوانه لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم ، لما روي أنه E لما تلا الآية على المشركين قال له ابن الزبعري : قد خصمتك ورب الكعبة أليس اليهود عبدوا عزيراً والنصارى عبدوا المسيح وبنو مليح عبدوا الملائكة ، فقال A : \" بل هم عبدوا الشياطين التي أمرتهم بذلك \" فأنزل الله تعالى : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } الآية . وعلى هذا يعم الخطاب ويكون { مَا } مؤولاً ب { مِنْ } أو بما يعمه ، ويدل عليه ما روي أن ابن الزبعري قال : هذا شيء لآلهتنا خاصة أو لكل من عبد من دون الله فقال A \" بل لكل من عبد من دون الله \" ويكون قوله { إِنَّ الذين } بياناً للتجوز أو للتخصيص فأخر عن الخطاب . { حَصَبُ جَهَنَّمَ } ما يرمي به إليها وتهيج به من حصبه يحصبه إذا رماه بالحصباء وقرىء بسكون الصاد وصفاً بالمصدر . { أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } استئناف أو بدل من { حَصَبُ جهنم } واللام معوضة من على للاختصاص والدلالة على أن ورودهم لأجلها .\r{ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ ءََالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا } لأن المؤاخذ بالعذاب لا يكون إلهاً . { وَكُلٌّ فِيهَا خالدون } لا خلاص لهم عنها .\r{ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ } أنين وتنفس شديد وهو من إضافة فعل البعض إلى الكل للتغلب إن أريد { مَا تَعْبُدُونَ } الأصنام . { وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ } من الهول وشدة العذاب . وقيل { لاَ يَسْمَعُونَ } ما يسرهم .\r{ إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى } أي الخصلة الحسنى وهي السعادة أو التوفيق بالطاعة أو البشرى بالجنة . { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لأنهم يرفعون إلى أعلى عليين . روي أن علياً كرم الله وجهه خطب وقرأ هذه الآية ثم قال : أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف وابن الجراح ، ثم أقيمت الصلاة فقام يجر رداءه ويقول :\r{ لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } وهو بدل من { مُبْعَدُونَ } أو حال من ضميره سيق للمبالغة في إبعادهم عنها ، والحسيس صوت يحس به . { وَهُمْ فِيمَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خالدون } دائمون في غاية التنعم وتقديم الظرف للاختصاص والاهتمام به .\r{ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } النفخة الأخيرة لقوله تعالى :","part":4,"page":229},{"id":1730,"text":"{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور فَفَزِعَ مَنْ فِى السموات وَمَن فِى الأرض } أو الانصراف إلى النار أو حين يطبق على النار أو يذبح الموت . { وتتلقاهم الملئكة } تستقبلهم مهنئين لهم . { هذا يَوْمُكُم } يوم ثوابكم وهو مقدر بالقول . { الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا .\r{ يَوْمَ نَطْوِى السماء } مقدر باذكر أو ظرف ل { لاَ يَحْزُنُهُمُ } ، أو { تتلقاهم } أو حال مقدرة من العائد المحذوف من { تُوعَدُونَ } ، والمراد بالطي ضد النشر أو المحو من قولك اطو عني هذا الحديث ، وذلك لأنها نشرت مظلة لبني آدم فإذا انتقلوا قوضت عنهم ، وقرىء بالياء والبناء للمفعول . { كَطَىِّ السجل لِلْكِتَابِ } طياً كطي الطومار لأجل الكتابة أو لما يكتب أو كتب فيه ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص على الجمع أي للمعاني الكثيرة المكتوبة فيه . وقيل { السجل } ملك يطوي كتب الأعمال إذا رفعت إليه أو كاتب كان لرسول الله A . وقرىء { السجل } كالدلو و { السجل } كالعتل وهما لغتان فيه . { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ } أي نعيد ما خلقناه مبتدأ إعادة مثل بدئنا إياه في كونهما إيجاداً عن العدم ، أو جمعاً بين الأجزاء المتبددة والمقصود بيان صحة الإِعادة بالقياس على الإِبداء لشمول الإِمكان الذاتي المصحح للمقدورية . وتناول القدرة القديمة لهما على السواء ، و «ما» كافة أو مصدرية وأول مفعول ل { بَدَأْنَا } أو لفعل يفسره { نُّعِيدُهُ } أو موصولة والكاف متعلقة بمحذوف يفسره { نُّعِيدُهُ } أي نعيد مثل الذي بدأنا وأول خلق ظرف ل { بَدَأْنَا } أو حال من ضمير الموصول المحذوف . { وَعْداً } مقدر بفعله تأكيداً ل { نُّعِيدُهُ } أو منتصب به لأنه عدة بالإِعادة . { عَلَيْنَا } أي علينا إنجازه . { إِنَّا كُنَّا فاعلين } ذلك لا محالة .","part":4,"page":230},{"id":1731,"text":"{ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى الزبور } في كتاب داود عليه السلام . { مِن بَعْدِ الذكر } أي التوراة ، وقيل المراد ب { الزبور } جنس الكتب المنزل وب { الذكر } اللوح المحفوظ . { إِنَّ الأرض } أي أرض الجنة أو الأَرض المقدسة . { يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون } يعني عامة المؤمنين أو الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ، أو أمة محمد A .","part":4,"page":231},{"id":1732,"text":"{ إِنَّ فِى هذا } أي فيما ذكر من الأخبار والمواعظ والمواعيد { لبلاغا } لكفاية أو لسبب بلوغ إلى البغية . { لِّقَوْمٍ عابدين } همهم العبادة دون العادة .","part":4,"page":232},{"id":1733,"text":"{ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين } لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم ، وقيل كونه رحمة للكفار أمنهم به من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال .","part":4,"page":233},{"id":1734,"text":"{ قُلْ إِنَّمَا يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله واحد } أي ما يوحى إلي إلا أنه لا إله لكم إلا إله واحد ، وذلك لأن المقصود الأصلي من بعثته مقصور على التوحيد فالأولى لقصر الحكم على الشيء والثانية على العكس . { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } مخلصون العبادة لله تعالى على مقتضى الوحي المصدق بالحجة ، وقد عرفت أن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع .","part":4,"page":234},{"id":1735,"text":"{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } عن التوحيد . { فَقُلْ ءَاذَنتُكُمْ } أي أعلمتكم ما أمرت به أو حربي لكم . { على سَوَاءٍ } مستوين في الإِعلام به أو مستوين أنا وأنتم في العلم بما أعلمتكم به ، أو في المعاداة أو إيداناً على سواء . وقيل أعلمتكم أني على { سَوَآء } أي عدل واستقامة رأي بالبرهان النير . { وَإِنْ أَدْرِى } وما أدري . { أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ } من غلبة المسلمين أو الحشر لكنه كائن لا محالة .","part":4,"page":235},{"id":1736,"text":"{ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول } ما تجاهرون به من الطعن في الإِسلام . { وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ } من الإِحن والأحقاد للمسلمين فيجازيكم عليه .","part":4,"page":236},{"id":1737,"text":"{ وَإِنْ أَدْرِى لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ } وما أدري لعل تأخير جزائكم استدراج لكم وزيادة في افتتانكم أو امتحان لينظر كيف تعملون . { ومتاع إلى حِينٍ } ونتمتع إلى أجل مقدر تقتضيه مشيئته .","part":4,"page":237},{"id":1738,"text":"{ قُل رَّبِّ احكم بالحق } اقض بيننا وبين أهل مكة بالعدل المقتضى لاستعجال العذاب والتشديد عليهم ، وقرأ حفص { قَالَ } على حكاية قول رسول الله A . وقرىء { رَبُّ } بالضم و «ربي» احكم على بناء التفضيل و { احكم } من الأحكام . { وَرَبُّنَا الرحمن } كثير الرحمة على خلقه . { المستعان } المطلوب منه المعونة . { على مَا تَصِفُونَ } من الحال بأن الشوكة تكون لهم وأن راية الإِسلام تخفق أياماً ثم تسكن ، وأن الموعد به لو كان حقاً لنزل بهم فأجاب الله تعالى دعوة رسوله A فخيب أمانيهم ونصر رسوله A عليهم ، وقرىء بالياء . وعن النبي A \" من قرأ اقترب حاسبه الله حساباً يسيراً وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن \" والله تعالى أعلم .","part":4,"page":238},{"id":1739,"text":"مكية إلا ست آيات من هذان خصمان إلى صراط الحميد\rوآيها ثمان وسبعون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة } تحريكها للأشياء على الإِسناد المجازي ، أو تحريك الأشياء فيها فأضيفت إليها إضافة معنوية بتقدير في أو إضافة المصدر إلى الظرف على إجرائه مجرى المفعول به . وقيل هي زلزلة تكون قبيل طلوع الشمس من مغربها وإضافتها إلى الساعة لأنها من أشراطها . { شَىْءٌ عَظِيمٌ } هائل علل أمرهم بالتقوى بفظاعة الساعة ليتصوروها بعقولهم ويعلموا أنه لا يؤمنهم منها سوى التدرع بلباس التقوى فيبقوا على أنفسهم ويتقوها بملازمة التقوى .","part":4,"page":239},{"id":1740,"text":"{ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تصوير لهولها والضمير لل { زَلْزَلَةَ } ، و { يَوْمٍ } منصوب ب { تَذْهَلُ } ، وقرىء { تَذْهَلُ } و { تَذْهَلُ } مجهولاً ومعروفاً أي تذهلها الزلزلة ، والذهول الذهاب عن الأمر بدهشة ، والمقصود الدلالة على أن هولها بحيث إذا دهشت التي ألقمت الرضيع ثديها نزعته من فيه وذهلت عنه ، و { مَا } موصولة أو مصدرية . { وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا } جنينها . { وَتَرَى الناس سكارى } كأنهم سكارى . { وَمَا هُم بسكارى } على الحقيقة . { ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ } فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم وأذهب تمييزهم ، وقرىء { تَرَى } من أريتك قائماً أو رؤيت قائما بنصب الناس ورفعه على أنه نائب مناب الفاعل ، وتأنيثه على تأويل الجماعة وإفراده بعد جمعه لأن الزلزلة يراها الجميع ، وأثر السكر إنما يراه كل أحد على غيره وقرأ حمزة والكسائي «سكرى» كعطشى إجراء للسكر مجرى العلل .","part":4,"page":240},{"id":1741,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ } نزلت في النضر بن الحارث وكان جدلاً يقول الملائكة بنات الله والقرآن أساطير الأولين ولا بعث بعد الموت هي تعمه وأضرابه . { وَيَتَّبِعْ } في المجادلة أو في عامة أحواله . { كُلَّ شيطان مَّرِيدٍ } متجرد للفساد وأصله العري .","part":4,"page":241},{"id":1742,"text":"{ كُتِبَ عَلَيْهِ } على الشيطان . { أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ } تبعه والضمير للشأن . { فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ } خبر لمن أو جواب له ، والمعنى كتب عليه إضلال من يتولاه لأنه جبل عليه ، وقرىء بالفتح على تقدير فشأنه أنه يضله لا على العطف فإنه يكون بعد تمام الكلام . وقرىء بالكسر في الموضعين على حكاية المكتوب أو إضمار القول أو تضمين الكتب معناه . { وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير } بالحمل على ما يؤدي إليه .","part":4,"page":242},{"id":1743,"text":"{ ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّنَ البعث } من إمكانه وكونه مقدوراً ، وقرىء { مّنَ البعث } بالتحريك كالجلب . { فَإِنَّا خلقناكم } أي فانظروا في بدء خلقكم فإنه يزيح ريبكم فإنا خلقناكم . { مّن تُرَابٍ } بخلق آدم منه ، أو الأغذية التي يتكون منها المني . { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } مني من النطف وهو الصب . { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ } قطعة من الدم جامدة . { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ } قطعة من اللحم وهي في الأصل قدر مما يمضغ . { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } مسواة لا نقص فيها ولا عيب وغير مسواة أو تامة وساقطة أو مصورة وغير مصورة . { لّنُبَيّنَ لَكُمْ } بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا وأن ما قبل التغير والفساد والتكون مرة قبلها أخرى ، وأن من قدر على تغييره وتصويره أولاً قدر على ذلك ثانياً ، وحذف المفعول إيماء إلى أن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وحكمته ما لا يحيط به الذكر . { وَنُقِرُّ فِى الأرحام مَا نَشَاء } أن نقره . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه أربع سنين ، وقرىء «ونقره» بالنصب وكذا قوله : { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } عطفاً على «نبيِّن» كأن خلقهم مدرجاً لغرضين تبيين القدرة وتقريرهم في الأرحام حتى يولدوا وينشؤوا ويبلغوا حد التكليف ، وقرئا بالياء رفعاً ونصباً ويقر بالياء { وَنُقِرُّ } من قررت الماء إذا صببته ، و { طِفْلاً } حال أجريت على تأويل كل واحد أو للدلالة على الجنس أو لأنه في الأصل مصدر . { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } كمالكم في القوة والعقل جمع شدة كالأنعم جمع نعمة كأنها شدة في الأمور . { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى } عند بلوغ الأشد أو قبله . وقرىء { يَتَوَفَّى } أو يتوفاه الله تعالى . { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر } وهو الهرم والخرف ، وقرىء بسكون الميم . { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً } ليعود كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة العقل وقلة الفهم فينسى ما عمله وينكر ما عرفه ، والآية استدلال ثان على إمكان البعث بما يعتري الإِنسان في أسنانه من الأمور المختلفة والأحوال المتضادة ، فإن من قدر على ذلك قدر على نظائره . { وَتَرَى الأرض هَامِدَةً } ميتة يابسة من همدت النار إذا صارت رماداً . { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت } تحركت بالنبات . { وَرَبَتْ } وانتفخت ، وقرىء «وربأت» أي ارتفعت . { وَأَنبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ } من كل صنف { بَهِيجٍ } حسن رائق ، وهذه دلالة ثالثة كررها الله تعالى في كتابه لظهورها وكونها مشاهدة .","part":4,"page":243},{"id":1744,"text":"{ ذلك } إشارة إلى ما ذكر من خلق الإِنسان في أطوار مختلفة وتحويله على أحوال متضادة ، وإحياء الأرض بعد موتها وهو مبتدأ خبره : { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } أي بسبب أنه الثابت في نفسه الذي به تتحقق الأشياء . { وَأَنَّهُ يُحْىِ الْمَوْتَى } وأنه يقدر على إحيائها وإلا لما أحيا النطفة والأرض الميتة . { وَأَنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } لأن قدرته لذاته الذي نسبته إلى الكل على سواء ، فلما دلت المشاهدة على قدرته على إحياء بعض الأموات لزم اقتداره على إحياء كلها .","part":4,"page":244},{"id":1745,"text":"{ وَأَنَّ الساعة ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } فإن التغير من مقدمات الانصرام وطلائعه . { وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِى القبور } بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف .","part":4,"page":245},{"id":1746,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله بِغَيْرِ عِلْمٍ } تكرير للتأكيد ولما نيط به من الدلالة بقوله : { وَلاَ هُدًى وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } على أنه لا سند له عن استدلال أو وحي ، أو الأول في المقلدين وهذا في المقلدين ، والمراد بالعلم العلم الفطري ليصح عطف ال { هُدًى } وال { كتاب عليه } .","part":4,"page":246},{"id":1747,"text":"{ ثَانِىَ عِطْفِهِ } متكبراً وثني العطف كناية عن التكبر كليّ الجيد ، أو معرضاً عن الحق استخفافاً به . وقرىء بفتح العين أي مانع تعطفه . { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله } علة للجدال ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء على أن إعراضه عن الهدى المتمكن منه بالإِقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال ، وأنه من حيث مؤداه كالغرض له . { لَهُ فِى الدنيا خِزْىٌ } وهو ما أصابه يوم بدر . { وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القيامة عَذَابَ الحريق } المحروق وهو النار .","part":4,"page":247},{"id":1748,"text":"{ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } على الالتفات ، أو إرادة القول أي يقال له يوم القيامة ذلك الخزي والتعذيب بسبب ما اقترفته من الكفر والمعاصي . { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وإنما هو مجاز لهم على أعمالهم المبالغة لكثرة العبيد .","part":4,"page":248},{"id":1749,"text":"{ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ } على طرف من الدين لاَ ثَبَاتَ له فيه كالذي يكون على طرف الجيش ، فإن أحس بظفر قر وإلا فر . { فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ } روي أنها نزلت في أعاريب قدموا المدينة ، فكان أحدهم إذا صح بدنه ونتجت فرسه مهراً سوياً وولدت امرأته غلاماً سوياً وكثر ماله وماشيته قال : ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيراً واطمأن ، وإن كان الأمر بخلافه قال ما أصبت إلا شراً وانقلب . وعن أبي سعيد أن يهودياً أسلم فأصابته مصائب فتشاءم بالإِسلام ، فأتى النبي A فقال : أقلني فقال \" إن الإِسلام لا يقال \" فنزلت . { خَسِرَ الدنيا والأخرة } بذهاب عصمته وحبوط عمله بالارتداد ، وقرىء «خاسراً» بالنصب على الحال والرفع على الفاعلية ووضع الظاهر موضع الضمير تنصيصاً على خسرانه أو على أنه خبر محذوف . { ذلك هُوَ الخسران المبين } إذ لا خسران مثله .","part":4,"page":249},{"id":1750,"text":"{ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَضُرُّهُ وَمَا لاَ يَنفَعُهُ } يعبد جماداً لا يضر بنفسه ولا ينفع . { ذلك هُوَ الضلال البعيد } عن المقصد مستعار من ضلال من أبعد في التيه ضالاً .","part":4,"page":250},{"id":1751,"text":"{ يَدْعُواْ لَمَنْ ضَرُّهُ } بكونه معبوداً لأنه يوجب القتل في الدنيا والعذاب في الآخرة . { أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ } الذي يتوقع بعبادته وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى ، واللام معلقة ل { يَدْعُو } من حيث إنه بمعنى يزعم والزعم قول من اعتقاد ، أو داخلة على الجملة الواقعة مقولاً إجراء له مجرى قول : أي يقول الكافر ذلك بدعاء وصراخ حين يرى استضراره به ، أو مستأنفة على أن يدعو تكرير للأول ومن مبتدأ خبره { لَبِئْسَ المولى } الناصر . { وَلَبِئْسَ العشير } الصاحب .","part":4,"page":251},{"id":1752,"text":"{ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ } من إثابة الموحد الصالح وعقاب المشرك الطالح لا دافع له ولا مانع .","part":4,"page":252},{"id":1753,"text":"{ مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ الله فِى الدنيا والأخرة } كلام فيه اختصار والمعنى : أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة ، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظه . وقيل المراد بالنصر الرزق والضمير لمن . { فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السماء ثُمَّ لْيَقْطَعْ } فليستقص في إزالة غيظه أو جزعه بأن يفعل كل ما يفعله الممتلىء غيظاً ، أو المبالغ جزعاً حتى يمد حبلاً إلى سماء بيته فيختنق من قطع إذا اختنق ، فإن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه . وقيل فليمدد حبلاً إلى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانها فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه . وقرأ ورش وأبو عمرو وابن عامر { لِيَقْطَعَ } بكسر اللام . { فَلْيَنظُرْ } فليتصور في نفسه . { هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ } فعله ذلك وسماه على الأول كيداً لأنه منتهى ما يقدر عليه . { مَا يَغِيظُ } غيظه أو الذي يغيظه من نصر الله . وقيل نزلت في قوم مسلمين استبطأوا نصر الله لاستعجالهم وشدة غيظهم على المشركين .","part":4,"page":253},{"id":1754,"text":"{ وكذلك } ومثل ذلك الإِنزال . { أنزلناه } أنزلنا القرآن كله . { ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ } واضحات . { وَأَنَّ الله يَهْدِى } ولأن الله يهدي به أو يثبت على الهدى . { مَن يُرِيدُ } هدايته أو إثباته أنزله كذلك مبيناً .","part":4,"page":254},{"id":1755,"text":"{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُواْ إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } بالحكومة بينهم وإظهار المحق منهم على المبطل ، أو الجزاء فيجازي كلا ما يليق به ويدخله المحل المعد له ، وإنما أدخلت إن على كل واحد من طرفي الجملة لمزيد التأكيد . { إِنَّ الله على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } عالم به مراقب لأحواله .","part":4,"page":255},{"id":1756,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض } يتسخر لقدرته ولا يتأتى عن تدبيره ، أو يدل بذلته على عظمة مدبره ، ومن يجوز أن يعم أولي العقل وغيرهم على التغليب فيكون قوله : { والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } إفراداً لها بالذكر لشهرتها واستبعاد ذلك منها . وقرىء { والدواب } بالتخفيف كراهة التضعيف أو الجمع بين الساكنين . { وَكَثِيرٌ مّنَ الناس } عطف عليها إن جوز إعمال اللفظ الواحد في كل واحد من مفهوميه ، وإسناده باعتبار أحدهما إلى أمر وباعتبار الآخر إلى آخر ، فإن تخصيص الكثير يدل على خصوص المعنى المسند إليهم ، أو مبتدأ خبره محذوف يدل عليه خبر قسيمه نحو حق له الثواب ، أو فاعل فعل مضمر أي ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة . { وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب } بكفره وإبائه عن الطاعة ، ويجوز أن يجعل «وكثيراً» تكريراً للأول مبالغة في تكثير المحقوقين بالعذاب أن يعطف به على الساجدين بالمعنى العام موصوفاً بما بعده . وقرىء { حَقّ } بالضم و «حقاً» بإضمار فعله . { وَمَن يُهِنِ الله } بالشقاوة { فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ } يكرمه بالسعادة ، وقرىء بالفتح بمعنى الإِكرام . { إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَاء } من الإِكرام والإِهانة .","part":4,"page":256},{"id":1757,"text":"{ هذان خَصْمَانِ } أي فوجان مختصمان . ولذلك قال : { اختصموا } حملاً على المعنى ولو عكس لجاز ، والمراد بهما المؤمنون والكافرون . { فِى رَبّهِمْ } في دينه أو في ذاته وصفاته . وقيل تخاصمت اليهود والمؤمنون فقال اليهود : نحن أحق بالله وأقدم منكم كتاباً ونبياً قبل نبيكم ، وقال المؤمنون : نحن أحق بالله آمنا بمحمد ونبيكم وبما أنزل الله من كتاب ، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم كفرتم به حسداً فنزلت . { فالذين كَفَرُواْ } فصل لخصومتهم وهو المعني بقوله تعالى : { إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } { قُطّعَتْ لَهُمْ } قدرت لهم على مقادير جثثهم ، وقرىء بالتخفيف . { ثِيَابٌ مّن نَّارِ } نيران تحيط بهم إحاطة الثياب . { يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسَهُمْ الحميم } حال من الضمير في { لَهُمْ } أو خبر ثان ، والحميم الماء الحار .","part":4,"page":257},{"id":1758,"text":"{ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } أي يؤثر من فرط حرارته في بطونهم تأثيره في ظاهرهم فتذاب به أحشاؤهم كما تذاب به جلودهم ، والجملة حال من { الحميم } أو من ضميرهم . وقرىء بالتشديد للتكثير .","part":4,"page":258},{"id":1759,"text":"{ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } سياط منه يجلدون بها وجمع مقمعة وحقيقتها ما يقمع به أي يكف بعنف .","part":4,"page":259},{"id":1760,"text":"{ كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا } من النار . { مِنْ غَمّ } من عمومها بدل من الهاء بإعادة الجار . { أُعِيدُواْ فِيهَا } أي فخرجوا أعيدوا لأن الإِعادة لا تكون إلا بعد الخروج ، وقيل يضربهم لهيب النار فيرفعهم إلى أعلاها فيضربون بالمقامع فيهوون فيها . { وَذُوقُواْ } أي وقيل لهم ذوقوا . { عَذَابَ الحريق } أي النار البالغة في الإِحراق .\r{ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } غير الأسلوب فيه وأسند الإِدخال إلى الله تعالى وأكده بإن إحماداً لحال المؤمنين وتعظيماً لشأنهم . { يُحَلَّوْنَ فِيهَا } من حليت المرأة إذا ألبستها الحلى ، وقرىء بالتخفيف والمعنى واحد . { مِنْ أَسَاوِرَ } صفة مفعول محذوف و { أَسَاوِرَ } جمع أسورة وهو جمع سوار . { مّن ذَهَبٍ } بيان له . { وَلُؤْلُؤاً } عطف عليها لا على { ذَهَبَ } لأنه لم يعهد السوار منه إلا أن يراد المرصعة به ، ونصبه نافع وعاصم عطفاً على محلها أو إضمار الناصب مثل ويؤتون ، وروى حفص بهمزتين وترك أبو بكر والسوسي عن أبي عمرو الهمزة الأولى ، وقرىء «لؤلواً» بقلب الثانية واواً و «لولياً» بقلبهما ، و «لوين» ثم قلب الثانية ياء و «ليليا» بقلبهما ياءين و «لول» كأدل . { وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } غير أسلوب الكلام فيه للدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة ، أو للمحافظة على هيئة الفواصل .","part":4,"page":260},{"id":1761,"text":"{ وَهُدُواْ إِلَى الطيب مِنَ القول } وهو قولهم { الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } أو كلمة التوحيد . { وَهُدُواْ إلى صراط الحميد } المحمود نفسه أو عاقبته وهو الجنة ، أو الحق أو المستحق لذاته الحمد وهو الله سبحانه وتعالى وصراطه الإِسلام .","part":4,"page":261},{"id":1762,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } لا يريد به حالاً ولا استقبالاً وإنما يريد به استمرار الصد منهم كقولهم : فلان يعطي ويمنع ، ولذلك حسن عطفه على الماضي . وقيل هو حال من فاعل { كَفَرُواْ } وخبر { إِن } محذوف دل عليه آخر الآية أي معذبون . { والمسجد الحرام } عطف على اسم الله وأَوَّلَهُ الحنفية بمكة واستشهدوا بقوله : { الذى جعلناه لِلنَّاسِ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد } أي المقيم والطارىء على عدم جواز بيع دورها وإجارتها ، وهو مع ضعفه معارض بقوله تعالى : { الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم } وشراء عمر رضي الله تعالى عنه دار السجن فيها من غير نكير ، و { سَوَآء } خبر مقدم والجملة مفعول ثان ل { جعلناه } إن جعل { لِلنَّاسِ } حالاً من الهاء وإلا فحال من المستكن فيه ، ونصبه حفص على أنه المفعول أو الحال و { العاكف } مرتفع به ، وقرىء { العاكف } بالجر على أنه بدل من الناس . { وَمَن يُرِدْ فِيهِ } مما ترك مفعوله ليتناول كل متناول ، وقرىء بالفتح من الورود . { بِإِلْحَادٍ } عدول عن القصد { بِظُلْمٍ } بغير حق وهما حالان مترادفان ، أو الثاني بدل من الأول بإعادة الجار أو صلة له : أي ملحداً بسبب الظلم كالإِشراك واقتراف الآثام { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } جواب ل { مِنْ } .","part":4,"page":262},{"id":1763,"text":"{ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبراهيم مَكَانَ البيت } أي واذكر إذ عيناه وجعلناه له مباءة . وقيل اللام زائدة ومكان ظرف أي وإذ أنزلناه فيه . قيل رفع البيت إلى السماء وانطمس أيام الطوفان فأعلمه الله مكانه بريح أرسلها فكنست ما حوله فبناه على أسه القديم . { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِى شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِىَ لِلطَّائِفِينَ والقائمين والركع السجود } { أَن } مفسرة ل { بَوَّأْنَا } من حيث إنه تضمن معنى تعبدنا لأن التبوئة من أجل العبادة ، أو مصدرية موصولة بالنهي أي : فعلنا ذلك لئلا تشرك بعبادتي وطهر بيتي من الأوثان والأقذار لمن يطوف به ويصلي فيه ، ولعله عبر عن الصلاة بأركانها للدلالة على أن كل واحد منها مستقل باقتضاء ذلك كيف وقد اجتمعت ، وقرىء { يُشْرَكَ } بالياء وقرأ نافع وحفص وهشام { بَيْتِىَ } بفتح الياء .","part":4,"page":263},{"id":1764,"text":"{ وَأَذِّن فِى الناس } ناد فيهم وقرىء «وَآذّن» . { بالحج } بدعوة الحج والأمر به . روي أنه E صعد أبا قبيس فقال \" يا أيها الناس حجوا بيت ربكم ، فأسمعه الله من أصلاب الرجال وأرحام النساء فيما بين المشرق والمغرب من سبق في علمه أن يحج \" . وقيل الخطاب لرسول الله A أمر بذلك في حجة الوداع . { يَأْتُوكَ رِجَالاً } مشاة جمع راجل كقائم وقيام ، وقرىء بضم الراء مخفف الجيم ومثقله ورجالى كعجالى . { وعلى كُلّ ضَامِرٍ } أي وركباناً على كل بعير مهزول أتعبه بعد السفر فهزله . { يَأْتِينَ } صفة ل { ضَامِرٍ } محمولة على معناه ، وقرىء «يأتون» صفة للرجال والركبان أو استئناف فيكون الضمير ل { الناس } . { مِن كُلّ فَجٍّ } طريق . { عَميِقٍ } بعيد ، وقرىء «معيق» يقال بئر بعيدة العمق والمعق بمعنى .","part":4,"page":264},{"id":1765,"text":"{ لّيَشْهَدُواْ } ليحضروا . { منافع لَهُمْ } دينية ودنيوية ، وتنكيرها لأن المراد بها نوع من المنافع مخصوص بهذه العبادة . { وَيَذْكُرُواْ اسم الله } عند إعداد الهدايا والضحايا وذبحها . وقيل كنى بالذكر عن النحر لأن ذبح المسلمين لا ينفك عنه تنبيهاً على أنه المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى . { فِى أَيَّامٍ معلومات } هي عشر ذي الحجة ، وقيل أيام النحر . { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } علق الفعل بالمرزوق وبينه بالبهيمة تحريضاً على التقرب وتنبيهاً على مقتضى الذكر . { فَكُلُواْ مِنْهَا } من لحومها أمر بذلك إباحة وإزالة لما عليه أهل الجاهلية من التحرج فيه ، أو ندباً إلى مواساة الفقراء ومساواتهم ، وهذا في المتطوع به دون الواجب . { وَأَطْعِمُواْ البائس } الذي أصابه بؤس أي شدة . { الفقير } المحتاج ، والأمر فيه للوجوب وقد قيل به في الأول .","part":4,"page":265},{"id":1766,"text":"{ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ } ثم ليزيلوا وسخهم بقص الشارب والأظفار ونتف الإِبط والاستحداد عند الإِحلال . { وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ } ما ينذرون من البر في حجهم ، وقيل مواجب الحج . وقرأ أبو بكر بفتح الواو وتشديد الفاء . { وَلْيَطَّوَّفُواْ } طواف الركن الذي به تمام التحلل فإنه قرينة قضاء التفث ، وقيل طواف الوداع . وقرأ ابن عامر وحده بكسر اللام فيهما . { بالبيت العتيق } القديم لأنه أول بيت وضع للناس ، أو المعتق من تسلط الجبابرة فكم من جبار رسا إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى ، وأما الحجاج فإنما قصد إخراج ابن الزبير منه دون التسلط عليه .","part":4,"page":266},{"id":1767,"text":"{ ذلك } خبر محذوف أي الأمر ذلك وهو وأمثاله تطلق للفصل بين كلامين . { وَمَن يُعَظّمْ حرمات الله } أحكامه وسائر ما لا يحل هتكه ، أو الحرم وما يتعلق بالحج من التكاليف . وقيل الكعبة والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم . { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ } فالتعظيم { خَيْرٌ لَّهُ } . { عِندَ رَبّهِ } ثواباً . { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام إِلاَّ مَا يتلى عَلَيْكُمْ } إلا المتلو عليكم تحريمه ، وهو ما حرم منها لعارض : كالميتة وما أهل به لغير الله فلا تخرجوا منها غير ما حرمه الله كالبحيرة والسائبة . { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان كما تجتنب الأنجاس ، وهو غاية المبالغة في النهي عن تعظيمها والتنفير عن عبادتها . { واجتنبوا قَوْلَ الزور } تعميم بعد تخصيص فإن عبادة الأوثان رأس الزور ، كأنه لما حث على تعظيم الحرمات أتبعه ذلك رداً لما كانت الكفرة عليه من تحريم البحائر والسوائب وتعظيم الأوثان والإِفتراء على الله تعالى بأنه حكم بذلك . وقيل شهادة الزور لما روي أنه E قال « عدلت شهادة الزور الإِشراك بالله تعالى ثلاثاً وتلا هذه الآية » و { الزور } من الزور وهو الإِنحراف كما أن الإِفك من الأفك وهو الصرف ، فإن الكذب منحرف مصروف عن الواقع .","part":4,"page":267},{"id":1768,"text":"{ حُنَفَاء للَّهِ } مخلصين له . { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ } وهما حالان من الواو . { وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السماء } لأنه سقط من أوج الإِيمان إلى حضيض الكفر . { فَتَخْطَفُهُ الطير } فإن الأهواء الرديئة توزع أفكاره ، وقرأ نافع وحده { فَتَخْطَفُهُ } بفتح الخاء وتشديد الطاء . { أَوْ تَهْوِى بِهِ الريح فِى مَكَانٍ سَحِيقٍ } بعيد فإن الشيطان قد طوح به في الضلالة أو للتخيير كما قوله تعالى : { أَوْ كَصَيّبٍ مِّنَ السماء } أو للتنويع فإن المشركين من لا خلاص له أصلاً ، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة لكن على بعد ، ويجوز أن يكون من التشبيهات المركبة فيكون المعنى : ومن يشرك بالله فقد هلكت نفسه هلاكاً يشبه أحد الهلاكين .","part":4,"page":268},{"id":1769,"text":"{ ذلك وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله } دين الله أو فرائض الحج ومواضع نسكه ، أو الهدايا لأنها من معالم الحج وهو أوفق لظاهر ما بعده ، وتعظيمها أن تختارها حساناً سماناً غالية الأثمان . روي أنه A أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب ، وأن عمر رضي الله تعالى عنه أهدى نجيبة طلبت منه بثلثمائة دينار . { فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب } فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب ، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من وذكر القلوب لأنها منشأ التقوى والفجور أو الآمرة بهما .","part":4,"page":269},{"id":1770,"text":"{ لَكُمْ فِيهَا منافع إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إلى البيت العتيق } أي لكم فيها منافع درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى أن تنحر ، ثم وقت نحرها منتهية إلى البيت أي ما يليه من الحرم ، و { ثُمَّ } تحتمل التراخي في الوقت والتراخي في الرتبة ، أي لكم فيها منافع دنيوية إلى وقت النحر وبعده منافع دينية أعظم منها ، وهو على الأولين إما متصل بحديث { الأنعام } والضمير فيه لها أو المراد على الأول لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها إلى أجل مسمى هو الموت ، ثم محلها منتهية إلى البيت العتيق الذي ترفع إليه الأعمال أو يكون فيها ثوابها وهو البيت المعمور أو الجنة ، وعلى الثاني { لَكُمْ فِيهَا منافع } التجارات في الأسواق إلى وقت المراجعة ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإِحلال بطواف الزيارة .","part":4,"page":270},{"id":1771,"text":"{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ } ولكل أهل دين . { جَعَلْنَا مَنسَكًا } متعبداً أو قرباناً يتقربون به إلى الله ، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر أي موضع نسك . { لِّيَذْكُرُواْ اسم الله } دون غيره ويجعلوا نسيكتهم لوجهه ، علل الجعل به تنبيهاً على أن المقصود من المناسك تذكر المعبود . { على مَا رَزَقَهُمْ مّن بَهِيمَةِ الأنعام } عند ذبحها ، وفيه تنبيه على أن القربان يجب أن يكون نعماً . { فإلهكم إله واحد فَلَهُ أَسْلِمُواْ } أخلصوا التقرب أو الذكر ولا تشوبوه بالإِشراك . { وَبَشّرِ المخبتين } المتواضعين أو المخلصين فإن الإِخبات صفتهم .","part":4,"page":271},{"id":1772,"text":"{ الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } هيبة منه لإِشراق أشعة جلاله عليها . { والصابرين على مَا أَصَابَهُمْ } من الكلف والمصائب . { وَالمُقيمي الصَّلاَةِ } في أوقاتها ، وقرىء «والمقيمين للصلاة» على الأصل . { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } في وجوه الخير .","part":4,"page":272},{"id":1773,"text":"{ والبدن } جمع بدنة كخشب وخشبة ، وأصله الضم وقد قرىء به وإنما سميت بها الإِبل لعظم بدنها مأخوذة من بدن بدانة ، ولا يلزم من مشاركة البقرة لها في أجزائها عن سبعة بقوله E \" البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة \" تناول اسم البدنة لها شرعاً .\rبل الحديث يمنع ذلك وانتصابه بفعل يفسره . { جعلناها لَكُمْ } ومن رفعه جعله مبتدأ . { مِن شَعَائِرِ الله } من أعلام دينه التي شرعها الله تعالى . { لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ } منافع دينية ودنيوية . { فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا } بأن تقولوا عند ذبحها الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر اللهم منك وإليك . { صَوَافَّ } قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن ، وقرىء «صوافن» من صفن الفرس إذا قام على ثلاث . وعلى طرف حافر الرابعة لأن البدنة تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث ، وقرىء «صوافنا» بإبدال التنوين من حرف الإِطلاق عند الوقف و «صوافي» أي خوالص لوجه الله ، و «صوافي» بسكون الياء على لغة من يسكن الياء مطلقاً كقولهم : أعط القوس باريها . { فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا } سقطت على الأرض وهو كناية عن الموت . { فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع } الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ويؤيده قراءة «القنع» ، أو السائل من قنعت إليه قنوعاً إذا خضعت له في السؤال . { والمعتر } والمعترض بالسؤال ، وقرىء «والمعتري» يقال عره وعراه واعتره واعتراه . { كذلك } مثل ما وصفنا من نحرها قياماً . { سخرناها لَكُمْ } مع عظمها وقوتها حتى تأخذوها منقادة فتعقلوها وتحبسوها صافة قوائمها ثم تطعنون في لبانها . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } إنعامنا عليكم بالتقرب والإِخلاص .","part":4,"page":273},{"id":1774,"text":"{ لَن يَنَالَ الله } لن يصيب رضاه ولن يقع منه موقع القبول . { لُحُومُهَا } المتصدق بها . { وَلاَ دِمَاؤُهَا } المهراقة بالنحر من حيث إنها لحوم ودماء . { ولكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ } ولكن يصيبه ما يصحبه من تقوى قلوبكم التي تدعوكم إلى تعظيم أمره تعالى والتقرب إليه والإِخلاص له ، وقيل كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا القرابين لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى فهم به المسلمون فنزلت . { كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ } كرره تذكيراً للنعمة وتعليلاً له بقوله : { لِتُكَبِّرُواْ الله } أي لتعرفوا عظمته باقتداره على ما لا يقدر عليه غيره فتوحدوه بالكبرياء . وقيل هو التكبير عند الإِحلال أو الذبح . { على مَا هَدَاكُمْ } أرشدكم إلى طريق تسخيرها وكيفية التقرب بها ، و { مَا } تحتمل المصدرية والخبرية و { على } متعلقة ب { لِتُكَبِّرُواْ } لتضمنه معنى الشكر . { وَبَشِّرِ المحسنين } المخلصين فيما يأتونه ويذرونه .","part":4,"page":274},{"id":1775,"text":"{ إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين ءَامَنُواْ } غائلة المشركين ، وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون { يُدَافِعُ } أي يبالغ في الدفع مبالغة من يغالب فيه . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ } في أمانة الله . { كَفُورٍ } لنعمته كمن يتقرب إلى الأصنام بذبيحته فلا يرتضي فعلهم ولا ينصرهم .","part":4,"page":275},{"id":1776,"text":"{ أُذِنَ } رخص ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي على البناء للفاعل وهو الله . { لِلَّذِينَ يقاتلون } المشركين والمأذون فيه محذوف لدلالته عليه ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بفتح التاء أي الذين يقاتلهم المشركون . { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } بسبب أنهم ظلموا وهم أصحاب رسول الله A كان المشركون يؤذونهم وكانوا يأتونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم : اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فأنزلت . وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهي عنه في نيف وسبعين آية . { وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } وعد لهم بالنصر كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم .","part":4,"page":276},{"id":1777,"text":"{ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم } يعني مكة . { بِغَيْرِ حَقٍّ } بغير موجب استحقوه به . { إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله } على طريقة قول النابغة :\rوَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الكَتَائِبِ\rوقيل منقطع . { وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ } بتسليط المؤمنين منهم على الكافرين . { لَّهُدّمَتْ } لخربت باستيلاء المشركين على أهل الملل ، وقرأ نافع { دفاع } وقرأ نافع وابن كثير { لَّهُدّمَتْ } بالتخفيف . { صوامع } صوامع الرهبانية . { وَبِيَعٌ } بيع النصارى . { وصلوات } كنائس اليهود ، سميت بها لأنها يصلى فيها ، وقيل أصلها صلوتا بالعبرانية فعربت . { ومساجد } مساجد المسلمين . { يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً } صفة للأربع أو لمساجد خصت بها تفضيلاً . { وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ } من ينصر دينه ، وقد أنجز وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم . { إِنَّ الله لَقَوِىٌّ } على نصرهم . { عَزِيزٌ } لا يمانعه شيء .\r{ الذين إِنْ مكناهم فِى الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر } وصف للذين أخرجوا وهو ثناء قبل بلاء ، وفيه دليل على صحة أمر الخلفاء الراشدين إذ لم يستجمع ذلك غيرهم من المهاجرين . وقيل بدل ممن ينصره . { وَلِلَّهِ عاقبة الأمور } فإن مرجعها إلى حكمه ، وفيه تأكيد لما وعده .\r{ وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إبراهيم وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب مَدْيَنَ } تسلية له A بأن قومه إن كذبوه فهو ليس بأحودي في التكذيب ، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومه . { وَكُذِّبَ موسى } غير فيه النظم وبنى الفعل للمفعول لأن قومه بنو إسرائيل ، ولم يكذبوه وإنما كذبه القبط ولأن تكذيبه كان أشنع وآياته كانت أعظم وأشيع . { فَأمْلَيْتُ للكافرين } فأمهلتهم حتى انصرمت آجالهم المقدرة . { ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكاري عليهم بتغيير النعمة محنة والحياة هلاكاً والعمارة خراباً .\r{ فَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ أهلكناها } بإهلاك أهلها ، وقرأ البصريان بغير لفظ التعظيم . { وَهِىَ ظالمة } أي أهلها . { فَهِىَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } ساقطة حيطانها على سقوفها بأن تعطل بنيانها فخرت سقوفها ثم تهدمت حيطانها فسقطت فوق السقوف ، أو خالية مع بقاء عروشها وسلامتها فيكون الجار متعلقاً ب { خَاوِيَةٌ } ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر أي هي خالية وهي على عروشها أي : مطلة عليها بأن سقطت وبقيت الحيطان مائلة مشرفة عليها ، والجملة معطوفة على { أهلكناها } لا على { وَهِىَ ظالمة } فإنها حال والإِهلاك ليس حال خوائها فلا محل لها إن نصبت كأي بمقدر يفسره { أهلكناها } وإن رفعته بالإِبتداء فمحلها الرفع . { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ } عطف على { قَرْيَةٍ } أي وكم بئر عامرة في البوادي تركت لا يستقى منها لهلاك أهلها ، وقرىء بالتخفيف من أعطله بمعنى عطله .","part":4,"page":277},{"id":1778,"text":"{ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } مرفوع أو مجصص أخليناه عن ساكنيه ، وذلك يقوي أن معنى { خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا } خالية مع بقاء عروشها ، وقيل المراد ب { بئر } بئر في سفح جبل بحضرموت وبقصر قصر مشرف على قلته كانا لقوم حنظلة بن صفوان من قوم صالح فلما قتلوه أهلكهم الله تعالى وعطلهما .\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض } حث لهم على أن يسافروا ليروا مصارع المهلكين فيعتبروا ، وهم وإن كانوا قد سافروا فلم يسافروا لذلك . { فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا } ما يجب أن يعقل من التوحيد بما حصل لهم من الاستبصار والاستدلال . { أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } ما يجب أن يسمع من الوحي والتذكير بحال من شاهدوا آثارهم . { فَإِنَّهَا } الضمير للقصة أو مبهم يفسره الأبصار . وفي { تَعْمَى } راجع إليه والظاهر أقيم مقامه . { لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } عن الاعتبار أي ليس الخلل في مشاعرهم وإنما أيفت عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد ، وذكر { الصدور } للتأكيد ونفي التجوز وفضل التنبيه على أن العمى الحقيقي ليس المتعارف الذي يخص البصر . قيل لما نزل { وَمَن كَانَ فِى هذه أعمى } قال ابن أم مكتوم يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى فنزلت { فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار } { وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } المتوعد به . { وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ } لامتناع الخلف في خبره فيصيبهم ما أوعدهم به ولو بعد حين لكنه صبور لا يعجل بالعقوبة . { وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } بيان لتناهي صبره وتأنيه حتى استقصر المدد الطوال ، أو لتمادي عذابه وطول أيامه حقيقة ، أو من حيث إن أيام الشدائد مستطالة ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي بالياء .\r{ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } وكم من أهل قرية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في الإِعراب ، ورجع للضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل وإنما عطف الأولى بالفاء وهذه بالواو ، لأن الأولى بدل من قوله { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } وهذه في حكم ما تقدمها من الجملتين لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة وأن تأخيره لعادته تعالى . { أَمْلَيْتُ لَهَا } كما أمهلتكم . { وَهِىَ ظالمة } مثلكم . { ثُمَّ أَخَذْتُهَا } بالعذاب . { وَإِلَىَّ المصير } وإلى حكمي مرجع الجميع .\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الناس إِنَّمَا أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أوضح لكم ما أنذركم به ، والاقتصار على الإِنذار مع عموم الخطاب وذكر الفريقين لأن صدر الكلام ومساقه للمشركين ، وإنما ذكر المؤمنين وثوابهم زيادة في غيظهم .\r{ فالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لما بدر منهم . { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } هي الجنة وال { كَرِيمٌ } من كل نوع ما يجمع فضائله .","part":4,"page":278},{"id":1779,"text":"{ والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا } بالرد والإِبطال . { معاجزين } مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول والتحقيق ، من عاجزه فأعجزه وعجزه إذا سابقه فسبقه لأن كلا من المتسابقين يطلب إعجاز الآخر عن اللحوق به ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { معاجزين } على أنه حال مقدرة . { أولئك أصحاب الجحيم } النار الموقدة ، وقيل اسم دركة .","part":4,"page":279},{"id":1780,"text":"{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىٍّ } الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها ، والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى عليهم السلام ، ولذلك شبه النبي A علماء أمته بهم ، فالنبي أعم من الرسول ويدل عليه أنه E سئل عن الأنبياء فقال : \" مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، قيل فكم الرسل منهم قال : ثلاثمائة وثلاثة عشر جماً غفيراً \" وقيل الرسول من جمع إلى المعجزة كتاباً منزلاً عليه ، والنبي غير الرسول من لا كتاب له . وقيل الرسول من يأتيه الملك بالوحي ، والنبي يقال له ولمن يوحى إليه في المنام . { إِلاَّ إِذَا تمنى } زور في نفسه ما يهواه . { أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } في تشهيه ما يوجب اشتغاله بالدنيا كما قال E \" وإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة \" { فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان } فيبطله ويذهب به بعصمته عن الركون إليه والإِرشاد إلى ما يزيحه . { ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته } ثم يثبت آياته الداعية إلى الاستغراق في أمر الآخرة . { والله عَلِيمٌ } بأحوال الناس . { حَكِيمٌ } فيما يفعله بهم ، قيل حدث نفسه بزوال المسكنة فنزلت . وقيل تمنى لحرصه على إيمان قومه أن ينزل عليه ما يقربهم إليه واستمر به ذلك حتى كان في ناديهم فنزلت عليه سورة «والنجم» فأخذ يقرؤها فلما بلغ { ومناة الثالثة الأخرى } وسوس إليه الشيطان حتى سبق لسانه سهواً إلى أن قال : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ، ففرح به المشركون حتى شايعوه بالسجود لمَّا سجد في آخرها ، بحيث لم يبق في المسجد مؤمن ولا مشرك إلا سجد ، ثم نبهه جبريل عليه السلام فاغتم لذلك فعزاه الله بهذه الآية . وهو مردود عند المحققين وإن صح فابتلاء يتميز به الثابت على الإِيمان عن المتزلزل فيه ، وقيل تمنى قرأ كقوله :\rتَمَنَّى كِتَابَ الله أَوَّلَ لَيْلَة ... تَمَنِّيَ دَاوُدُ الزَّبُورَ عَلَى رسلِ\rوأمنيته قراءته وإلقاء الشيطان فيها أن تكلم بذلك رافعاً صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي A . وقد رد أيضاً بأنه يخل بالوثوق على القرآن ولا يندفع بقوله { فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِى الشيطان ثُمَّ يُحْكِمُ الله ءاياته } لأنه أيضاً يحتمله ، والآية تدل على جواز السهو على الأنبياء وتطرق الوسوسة إليهم .","part":4,"page":280},{"id":1781,"text":"{ لّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان } علة لتمكين الشيطان منه ، وذلك يدل على أن الملقى أمر ظاهر عرفه المحق والمبطل . { فِتْنَةً لّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك ونفاق . { والقاسية قُلُوبُهُمْ } المشركين . { وَإِنَّ الظالمين } يعني الفريقين فوضع الظاهر موضع ضميرهم قضاء عليهم بالظلم . { لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ } عن الحق أو عن الرسول والمؤمنين .","part":4,"page":281},{"id":1782,"text":"{ وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } أن القرآن هو الحق النازل من عند الله ، أو تمكين الشيطان من الإِلقاء هو الحق الصادر من الله لأنه مما جرت به عادته في الإِنس من لدن آدم . { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } بالقرآن أو بالله . { فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ } بالإِنقياد والخشية . { إِنَّ اللهَ لَهَادِي الَّذِينَ ءَامَنُواْ } فيما أشكل . { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو نظر صحيح يوصلهم إلى ما هو الحق فيه .","part":4,"page":282},{"id":1783,"text":"{ وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ } في شك . { مِنْهُ } من القرآن أو الرسول ، أو مما ألقى الشيطان في أمنيته يقولون ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها . { حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة } القيامة أو أشراطها أو الموت . { بَغْتَةً } فجأة . { أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر ، سمي به لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كالعقم ، أو لأن المقاتلين أبناء الحرب فإذا قتلوا صارت عقيماً ، فوصف اليوم بوصفها اتساعاً أو لأنه لا خير لهم فيه ، ومنه الريح العقيم لما لم تنشىء مطراً ولم تلقح شجراً ، أو لأنه لا مثل له لقتال الملائكة فيه ، أو يوم القيامة على أن المراد ب { الساعة } غيره أو على وضعه ، موضع ضميرها للتهويل .","part":4,"page":283},{"id":1784,"text":"{ الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ } التنوين فيه ينوب عن الجملة التي دلت عليها الغاية أي : يوم تزول مريتهم . { يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } بالمجازاة ، والضمير يعم المؤمنين والكافرين لتفصيله بقوله : { فالذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جنات النعيم } .","part":4,"page":284},{"id":1785,"text":"{ والذين كَفَرُواْ بئاياتنا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وإدخال الفاء في خبر الثاني دون الأول تنبيه على أن إثابة المؤمنين بالجنات تفضل من الله تعالى ، وأن عقاب الكافرين مسبب عن أعمالهم فلذلك قال { لَهُمْ عَذَابَ } ولم يقل : هم في عذاب .","part":4,"page":285},{"id":1786,"text":"{ والذين هَاجَرُواْ فِى سَبِيلِ الله ثُمَّ قُتِلُواْ } في الجهاد . { أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً } الجنة ونعيمها ، وإنما سوى بين من قتل في الجهاد ومن مات حتف أنفه في الوعد لاستوائهما في القصد وأصل العمل . روي أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا : يا نبي الله هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله تعالى من الخير ونحن نجاهد معك كما جاهدوا فما لنا إن متنا فنزلت . { وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين } فإنه يرزق بغير حساب .","part":4,"page":286},{"id":1787,"text":"{ لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ } هو الجنة فيها ما يحبونه . { وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ } بأحوالهم وأحوال معادهم . { حَلِيمٌ } لا يعاجل في العقوبة .","part":4,"page":287},{"id":1788,"text":"{ ذلك } أي الأمر ذلك . { وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ } ولم يزد في الاقتصاص ، وإنما سمي الإِبتداء بالعقاب الذي هو الجزاء للازدواج أو لأنه سببه . { ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ } بالمعاودة إلى العقوبة . { لَيَنصُرَنَّهُ الله } لا محالة . { إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } للمنتصر حيث اتبع هواه في الانتقام وأعرض عما ندب الله إليه بقوله ولَمن صبر وغفران ذلك لَمِنْ عزمِ الأُمُورِ وفيه تعريض بالحث على العفو والمغفرة ، فإنه تعالى مع كمال قدرته وتعالى شأنه لما كان يعفو ويغفر فغيره بذلك أولى ، وتنبيه على أنه تعالى قادر على العقوبة إذ لا يوصف بالعفو إلا القادر على ضده .","part":4,"page":288},{"id":1789,"text":"{ ذلك } أي ذلك النصر . { ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ اليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الَّيْلِ } بسبب أن الله تعالى قادر على تغليب الأمور بعضها على بعض ، جار عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة ومن ذلك إيلاج أحد المَلَوَيْنِ في الآخر ، بأن يزيد فيه ما ينقص منه ، أو بتحصيل ظلمة الليل في مكان ضوء النهار بتغييب الشمس وعكس ذلك باطلاعها . { وَأَنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع قول المعاقب والمعاقب . { بَصِيرٌ } يرى أفعالهما فلا يهملهما .","part":4,"page":289},{"id":1790,"text":"{ ذلك } الوصف بكمال القدرة والعلم . { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } الثابت في نفسه الواجب لذاته وحده ، فإن وجوب وجوده ووحدته يقتضيان أن يكون مبدأ لكل ما يوجد سواه عالماً بذاته وبما عداه ، أو الثابت الإِلهية ولا يصلح لها إلا من كان قادراً عالماً . { وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } إلهاً ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو بكر بالتاء على مخاطبة المشركين ، وقرأ بالبناء للمفعول فتكون الواو لما فإنه في معنى الآلهة . { هُوَ الباطل } المعدوم في حد ذاته ، أو باطل الألوهية . { وَأَنَّ الله هُوَ العلي } على الأشياء . { الكبير } على أن يكون له شريك لا شيء أعلى منه شأناً وأكبر منه سلطاناً .","part":4,"page":290},{"id":1791,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } استفهام تقرير ولذلك رفع . { فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً } عطف على { أَنَزلَ } إذ لو نصب جواباً لدل على نفي الاخضرار كما في قولك : ألم تر أني جئتك فتكرمني ، والمقصود إثباته وإنما عدل به عن صيغة الماضي للدلالة على بقاء أثر المطر زماناً بعد زمان . { إِنَّ الله لَطِيفٌ } يصل علمه أو لطفه إلى كل ما جل ودق . { خَبِيرٌ } بالتدابير الظاهرة والباطنة .","part":4,"page":291},{"id":1792,"text":"{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً . { وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني } في ذاته عن كل شيء . { الحميد } المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله .","part":4,"page":292},{"id":1793,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأرض } جعلها مذللة لكم معدة لمنافعكم . { والفلك } عطف على { مَا } أو على اسم { أَنَّ } ، وقرىء بالرفع على الابتداء . { تَجْرِى فِى البحر بِأَمْرِهِ } حال منها أو خبر . { وَيُمْسِكُ السماء أَن تَقَعَ عَلَى الأرض } من أن تقع أو كراهة بأن خلقها على صورة متداعية إلى الاستمساك . { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إلا بمشيئته وذلك يوم القيامة ، وفيه رد لاستمساكها بذاتها فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية فتكون قابلة للميل الهابط قبول غيرها . { إِنَّ الله بالناس لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث هيأ لهم أسباب الاستدلال وفتح عليهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار .","part":4,"page":293},{"id":1794,"text":"{ وَهُوَ الذى أَحْيَاكُمْ } بعد أن كنتم جماداً عناصر ونطفاً . { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } إذا جاء أجلكم . { ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } في الآخرة . { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ } لجحود لنعم الله مع ظهورها .","part":4,"page":294},{"id":1795,"text":"{ لِكُلّ أُمَّةٍ } أهل دين . { جَعَلْنَا مَنسَكًا } متعبداً أو شريعة تعبدوا بها ، وقيل عيدا . { هُمْ نَاسِكُوهُ } ينسكونه . { فَلاَ ينازعنك } سائر أرباب الملل . { فِي الأمر } في أمر الدين أو النسائك لأنهم بين جهال وأهل عناد ، أو لأن أمر دينك أظهر من أن يقبل النزاع ، وقيل المراد نهي الرسول A عن الالتفات إلى قولهم وتمكينهم من المناظرة المؤدية إلى نزاعهم ، فإنها إنما تنفع طالب الحق وهؤلاء أهل مراء ، أو عن منازعتهم كقولك : لا يضار بك زيد ، وهذا إنما يجوز في أفعال المبالغة للتلازم ، وقيل نزلت في كفار خزاعة قالوا للمسلمين : ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ، وقرىء { فَلاَ ينزعنك } على تهييج الرسول والمبالغة في تثبيته على دينه على أنه من نازعته فنزعته إذا غلبته . { وادع إلى رَبّكَ } إلى توحيده وعبادته . { إِنَّكَ لعلى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ } طريق إلى الحق سوي .","part":4,"page":295},{"id":1796,"text":"{ وَإِن جادلوك } وقد ظهر الحق ولزمت الحجة . { فَقُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } من المجادلة الباطلة وغيرها فيجازيكم عليها ، وهو وعيد فيه رفق .","part":4,"page":296},{"id":1797,"text":"{ الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } يفصل بين المؤمنين منكم والكافرين بالثواب والعقاب . { يَوْمَ القيامة } كما فصل في الدنيا بالحجج والآيات . { فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين .","part":4,"page":297},{"id":1798,"text":"{ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماء والأرض } فلا يخفى عليه شيء . { إِنَّ ذلك فِي كتاب } هو اللوح كتبه فيه قبل حدوثه فلا يهمنك أمرهم مع علمنا به وحفظنا له . { إِنَّ ذلك } إن الإِحاطة به وإثباته في اللوح المحفوظ ، أو الحكم بينكم . { عَلَى الله يَسِيرٌ } لأن علمه مقتضى ذاته المتعلق بكل المعلومات على سواء .","part":4,"page":298},{"id":1799,"text":"{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } حجة تدل على جواز عبادته . { وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ } حصل لهم من ضرورة العقل أو استدلاله . { وَمَا للظالمين } وما للذين ارتكبوا مثل هذا الظلم . { مِن نَّصِيرٍ } يقرر مذهبهم أو يدفع العذاب عنهم .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا } من القرآن . { بينات } واضحات الدلالة على العقائد الحقية والأحكام الإِلهية . { تَعْرِفُ فِى وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر } الانكار لفرط نكيرهم للحق وغيظهم لأباطيل أخذوها تقليداً ، وهذا منتهى الجهالة وللإِشعار بذلك وضع الذين كفروا موضع الضمير أو ما يقصدونه من الشر { يكادون يَسْطُونَ بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءاياتنا } يثبون ويبطشون بهم . { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم } من غيظكم على التالين وسطوتكم عليهم ، أو مما أصابكم من الضجر بسبب ما تلوا عليكم . { النار } أي هو النار كأنه جواب سائل قال : ما هو ، ويجوز أن يكون مبتدأ خبره : { وَعَدَهَا الله الذين كَفَرُواْ } وقرىء بالنصب على الاختصاص وبالجر بدلاً من شر فتكون الجملة استئنافاً كما إذا رفعت خبراً أو حالاً منها . { وَبِئْسَ المصير } النار .\r{ يأَيُّهَا الناس ضُرِبَ مَثَلٌ } بين لكم حال مستغربة أو قصة رائعة ولذلك سماها مثلاً ، أو جعل لله مثل أي مثل في استحقاق العبادة . { فاستمعوا لَهُ } للمثل أو لشأنه استماع تدبر وتفكر . { إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } يعني الأصنام ، وقرأ يعقوب بالياء وقرىء مبنياً للمفعول والراجع إلى الموصول محذوف على الأولين . { لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً } لا يقدرون على خلقه مع صغره لأن { لَنْ } بما فيها من تأكيد النفي دالة على منافاة ما بين المنفي والمنفي عنه ، و { الذباب } من الذب لأنه يذب وجمعه أذبة وذبان . { وَلَوِ اجتمعوا لَهُ } أي للخلق هو بجوابه المقدر في موضع حال جيء به للمبالغة ، أي لا يقدرون على خلقه مجتمعين له متعاونين عليه فكيف إذا كانوا منفردين . { وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ } جهلهم غاية التجهيل بأن أشركوا إلهاً قدر على المقدورات كلها وتفرد بإيجاد الموجودات بأسرها تماثيل هي أعجز الأشياء ، وبين ذلك بأنها لا تقدر على خلق أقل الأحياء وأذلها ولو اجتمعوا له ، بل لا تقوى على مقاومة هذا الأقل الأذل وتعجز عن ذبه عن نفسها واستنقاذ ما يختطفه من عندها . قيل كانوا يطلونها بالطيب والعسل ويغلقون عليها الأبواب فيدخل الذباب من الكوى فيأكله . { ضَعُفَ الطالب والمطلوب } عابد الصنم ومعبوده ، أو الذباب يطلب ما يسلب عن الصنم من الطيب والصنم يطلب الذباب منه السلب ، أو الصنم والذباب كأنه يطلبه ليستنقذ منه ما يسلبه ولو حققت وجدت الصنم أضعف بدرجات .","part":4,"page":299},{"id":1800,"text":"{ مَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } ما عرفوه حق معرفته حيث أشركوا به وسموا باسمه ما هو أبعد الأشياء عنه مناسبة . { إِنَّ الله لَقَوِىٌّ } على خلق الممكنات بأسرها . { عَزِيزٌ } لا يغلبه شيء وآلهتهم التي يعبدونها عاجزة عن أقلها مقهورة من أذلها .\r{ الله يَصْطَفِى مِنَ الملائكة رُسُلاً } يتوسطون بينه وبين الأنبياء بالوحي . { وَمِنَ الناس } يدعون سائرهم إلى الحق ويبلغون إليهم ما نزل عليهم ، كأنه لما قرر وحدانيته في الألوهية ونفى أن يشاركه غيره في صفاتها بين أن له عباداً مصطفين للرسالة يتوسل بإجابتهم والإِقتداء بهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ، وهو أعلى المراتب ومنتهى الدرجات لمن سواه من الموجودات تقريراً للنبوة وتزييفاً لقولهم { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } والملائكة بنات الله تعالى ، ونحو ذلك . { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } مدرك للأشياء كلها .\r{ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } عالم بواقعها ومترقبها . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } وإليه ترجع الأمور كلها لأنه مالكها بالذات لا يسأل عما يفعل من الاصطفاء وغيره وهم يسألون .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ اركعوا واسجدوا } في صلاتكم ، أمرهم بهما لأنهم ما كانوا يفعلونها أول الإِسلام ، أو صلوا وعبر عن الصلاة بهما لأنهما أعظم أركانها ، أو اخضعوا لله وخروا له سجداً . { وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ } بسائر ما تعبدكم به . { وافعلوا الخير } وتحروا ما هو خير وأصلح فيما تأتون وتذرون كنوافل الطاعات وصلة الأرحام ومكارم الأخلاق . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } أي افعلوا هذه كلها وأنتم راجون الفلاح غير متيقنين له واثقين على أعمالكم ، والآية آية سجدة عندنا لظاهر ما فيها من الأمر بالسجود ولقوله E « فضلت سورة الحج بسجدتين من لم يسجدهما فلا يقرؤها » { وجاهدوا فِى الله } أي لله ومن أجله أعداء دينه الظاهرة كأهل الزيغ والباطنة كالهوى والنفس . وعنه E أنه رجع من غزوة تبوك فقال « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » { حَقَّ جهاده } أي جهاداً فيه حقاً خالصاً لوجهه فعكس وأضيف الحق إلى الجهاد مبالغة كقولك : هو حق عالم ، وأضيف الجهاد إلى الضمير اتساعاً أو لأنه مختص بالله من حيث إنه مفعول لوجه الله تعالى ومن أجله . { هُوَ اجتباكم } اختاركم لدينه ولنصرته ، وفيه تنبيه على المقتضى للجهاد والداعي إليه وفي قوله : { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } أي ضيق بتكليف ما يشتد القيام به عليكم ، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه ، أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به من حيث شق عليهم لقوله E « إذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم » وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجاً بأن رخص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التوبة ، وشرع لهم الكفارات في حقوقه والأروش والديات في حقوق العباد { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } منتصبة على المصدر بفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف أي : وسع دينكم توسعة ملة أبيكم ، أو على الإِغراء أو على الاختصاص ، وإنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله A وهو كالأب لأمته من حيث إنه سبب لحياتهم الأبدية ووجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة ، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم .","part":4,"page":300},{"id":1801,"text":"{ هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ } من قبل القرآن في الكتب المتقدمة . { وَفِى هذا } وفي القرآن ، والضمير لله تعالى ويدل عليه أنه قرىء «الله سماكم» ، أو ل { إِبْرَاهِيمَ } وتسميتهم بمسلمين في القرآن وإن لم تكن منه كانت بسبب تسميته من قبل في قوله { وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } وقيل وفي هذا تقديره وفي هذا بيان تسميته إياكم مسلمين . { لِيَكُونَ الرسول } يوم القيامة متعلق بسماكم . { شَهِيداً عَلَيْكُمْ } بأنه بلغكم فيدل على قبول شهادته لنفسه اعتماداً على عصمته ، أو بطاعة من أطاع وعصيان من عصى . { وَتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } بتبليغ الرسل إليهم . { فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة } فتقربوا إلى الله تعالى بأنواع الطاعات لما خصكم بهذا الفضل والشرف . { واعتصموا بالله } وثقوا به في مجامع أموركم ولا تطلبوا الإِعانة والنصرة إلا منه . { هُوَ مولاكم } ناصركم ومتولي أموركم { فَنِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير } هو إذ لا مثل له سبحانه في الولاية والنصرة ، بل لا مولى ولا نصير سواه في الحقيقة . عن النبي E \" من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي \" .","part":4,"page":301},{"id":1802,"text":"مكية وهي مائة وتسع عشرة آية عند البصريين وثماني عشرة عند الكوفيين\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي ، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم ، وقرأ ورش عن نافع { قَدْ أَفْلَحَ } بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها ، وقرىء «أفلحوا» على لغة : أكلوني البراغيث ، أو على الإِبهام والتفسير ، و { أَفْلَحَ } بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و «أَفْلَحَ» على البناء للمفعول .","part":4,"page":302},{"id":1803,"text":"{ الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خاشعون } خائفون من الله سبحانه وتعالى متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم . روي أنه A كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء ، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده وأنه رأى رجلاً يعبث بلحيته فقال : « لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه »","part":4,"page":303},{"id":1804,"text":"{ والذين هُمْ عَنِ اللغو } عما لا يعنيهم من قول أو فعل . { مُّعْرِضُونَ } لما بهم من الجد ما شغلهم عنه ، وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير ، والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإِعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضوراً ، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه وكذلك قوله :","part":4,"page":304},{"id":1805,"text":"{ والذين هُمْ للزكواة فاعلون } وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه ، والزكاة تقع على المعنى والعين والمواد الأول لأن الفاعل فاعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف .","part":4,"page":305},{"id":1806,"text":"{ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون } لا يبذلونها .","part":4,"page":306},{"id":1807,"text":"{ إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم } زوجاتهم أو سرياتهم ، و { على } صلة ل { حافظون } من قولك احفظ على عنان فرسي ، أو حال أي حافظوها في كافة الأحوال إلا في حال التزوج أو التسري ، أو بفعل دل عليه غير ملومين وإنما قال : ما إجراء للماليك مجرى غير العقلاء إذ الملك أصل شائع فيه وإفراد ذلك بعدم تعميم قوله : { والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ } لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطراً . { فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } الضمير لحافظون ، أو لمن دل عليه الاستثناء أي فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك .","part":4,"page":307},{"id":1808,"text":"{ فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك } المستثنى . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } الكاملون في العدوان .\r{ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ } لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق . { راعون } قائمون بحفظها وإصلاحها ، وقرأ ابن كثير هنا وفي «المعارج» { لأمانتهم } على الإِفراد ولأمن الإِلباس أو لأنها في الأصل مصدر .\r{ والذين هُمْ على صلواتهم يحافظون } يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها ، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة والكسائي ، وليس ذلك تكريراً لما وصفهم به أولاً فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها ، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها .\r{ أولئك } الجامعون لهذه الصفات . { هُمُ الوارثون } الأحقاء بأن يسموا وُرَّاثاً دون غيرهم .\r{ الذين يَرِثُونَ الفردوس } بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً ، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم ، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه . وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعالى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار . { هُمْ فِيهَا خالدون } أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة } من خلاصة سلت من بين الكدر . { مِن طِينٍ } متعلق بمحذوف لأنه صفة ل { سلالة } أو من بيانية أو بمعنى { سلالة } لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى ، والإِنسان آدم E خلق من صفوة سلت من الطين ، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفاً بعد أدوار . وقيل المراد بالطين آدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته .\r{ ثُمَّ جعلناه } ثم جعلنا نسله فحذف المضاف . { نُّطْفَةٍ } بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة ، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء . { فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ } مستقر حصين يعني الرحم ، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار .\r{ ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء . { فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً } فصيرناها قطعة لحم . { فَخَلَقْنَا المضغة عظاما } بأن صلبناها . { فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً } مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها ، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع ، وقرىء بإفراد أحدهما وجمع الآخر . { ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً ءَاخَر } وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخه فيه أو المجموع ، و { ثُمَّ } لما بين الخلقين من التفاوت ، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر . { فَتَبَارَكَ الله } فتعالى شأنه في قدرته وحكمته . { أَحْسَنُ الخالقين } المقدرين تقديراً فحذف المميز لدلالة { الخالقين } عليه .\r{ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيّتُونَ } لصائرون إلى الموت لا محالة ، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرىء به .\r{ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ } للمحاسبة والمجازاة .","part":4,"page":308},{"id":1809,"text":"{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ } سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه ، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها . { وَمَا كُنَّا عَنِ الخلق } عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات . { غافلين } مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة .","part":4,"page":309},{"id":1810,"text":"{ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء بِقَدَرٍ } بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره ، أو بمقدار ما علمنا من صلاحهم . { فَأَسْكَنَّاهُ } فجعلناه ثابتاً مستقراً . { فِي الأرض وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ } على إزالته بالإِفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه . { لقادرون } كما كنا قادرين على إنزاله ، وفي تنكير { ذَهَابٍ } إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإِيعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى : { قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ . }","part":4,"page":310},{"id":1811,"text":"{ فَأَنشَأْنَا لَكُمْ بِهِ } بالماء . { جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب لَّكُمْ فِيهَا } في الجنات . { فواكه كَثِيرَةٌ } تتفكهون بها . { وَمِنْهَا } ومن الجنات ثمارها وزروعها . { تَأْكُلُونَ } تغذياً أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم : فلان يأكل من حرفته ، ويجوز أن يكون الضميران لل { نَّخِيلٍ } وال { أعناب } أي لكم في ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه .","part":4,"page":311},{"id":1812,"text":"{ وَشَجَرَةً } عطف على { جنات } وقرئت بالرفع على الإِبتداء أي : ومما أنشأنا لكم به شجرة . { تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء } جبل موسى E بين مصر وأيلة ، وقيل بفلسطين وقد يقال له طور سينين ولا يخلو من أن يكون الطور للجبل وسيناء اسم بقعة أضيف إليها ، أو المركب منهما علم له كامرىء القيس ومنع صرفه للتعريف والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السناء بالمد وهو الرفعة ، أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف { سَيْنَاء } على قراءة الكوفيين والشامي ويعقوب فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء لا فعلال إذ ليس في كلامهم ، وقرىء بالكسر والقصر . { تَنبُتُ بالدهن } أي تنبت ملتبساً بالدهن ومستصحباً له ، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية ل { تنبتُ } كما في قولك : ذهبت بزيد ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب في رواية { تنبِتُ } وهو إما أن أنبت بمعنى نبت كقول زهير :\rرَأَيْتُ ذوي الحَاجَاتِ عِنْدَ بُيُوتِهِم ... قَطِيناً لَهُمْ حَتَّى إذا أَنْبَتَ البَقْلُ\rأو على تقدير { تنبتُ } زيتونها ملتسباً بالدهن ، وقرىء على البناء للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتخرج الدهن وتنبت بالدهان . { وَصِبْغٍ لّلآكِلِيِنَ } معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي : تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنياً يدهن به ويسرج منه وكونه إداماً يصبغ فيه الخبز أي : يغمس فيه للائتدام ، وقرىء «وصباغ» كدباغ في دبغ .","part":4,"page":312},{"id":1813,"text":"{ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً } تعتبرون بحالها وتستدلون بها . { نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِي بُطُونِهَا } من الألبان أو من العلف ، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للإِبتداء ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر ويعقوب { نُّسْقِيكُمْ } بفتح النون . { وَلَكُمْ فيِهَا منافع كَثِيرَةٌ } في ظهورها وأصوافها وشعورها . { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } فتنتفعون بأعيانها .","part":4,"page":313},{"id":1814,"text":"{ وَعَلَيْهَا } وعلى الأنعام فإن منها ما يحمل عليه كالإِبل والبقر ، وقيل المراد الإِبل لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة :\rسَفِينَةُ بَرٍ تَحْتَ خَدّي زِمَامُهَا ... فيكون الضمير فيه كالضمير في { وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدّهِنَّ } . { وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ } في البر والبحر .","part":4,"page":314},{"id":1815,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله } إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران الناس ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة وما حاق بهم من زوالها . { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } استئناف لتعليل الأمر بالعبادة ، وقرأ الكسائي غيره بالجر على اللفظ . { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه فيهلككم ويعذبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها .","part":4,"page":315},{"id":1816,"text":"{ فَقَالَ الملؤا } الأشراف . { الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } لعوامهم . { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ } أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم . { وَلَوْ شَاء الله } أن يرسل رسولاً . { لأَنزَلَ ملائكة } رسلاً . { مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِى ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ } يعنون نوحاً عليه السلام أي ما سمعنا به أنه نبي ، أو ما كلمهم به من الحث على عبادة الله سبحانه وتعالى ونفي إله غيره ، أو من دعوى النبوة وذلك إما لفرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة .","part":4,"page":316},{"id":1817,"text":"{ إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ } أي جنون ولأجله يقول ذلك { فَتَرَبَّصُواْ بِهِ } فاحتملوه وانتظروا . { حتى حِينٍ } لعله يفيق من جنونه .","part":4,"page":317},{"id":1818,"text":"{ قَالَ } بعدما أيس من إيمانهم . { رَبّ انصرني } بإهلاكهم إو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب . { بِمَا كَذَّبُونِ } بدل تكذيبهم إياي أو بسببه .","part":4,"page":318},{"id":1819,"text":"{ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا } بحفظنا نحفظه أن تخطىء فيه أو يفسده عليك مفسد . { وَوَحْيِنَا } وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع . { فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا } بالركوب أو نزول العذاب . { وَفَارَ التنور } .\rروي أنه قيل لنوح إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك ، فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة . وقيل عين وردة من الشام وفيه وجوه أخر ذكرتها في «هود» . { فاسلك فِيهَا } فادخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره قال تعالى { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } مِن كُلّ زَوْجَيْنِ اثنين } من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين ، وقرأ حفص «مِن كُلّ» بالتنوين أي من كل نوع زوجين واثنين تأكيد . { وَأَهْلَكَ } وأهل بيتك أو من آمن معك . { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول مِنْهُمْ } أي القول من الله تعالى بإهلاكه لكفره ، وإنما جيء بعلى لأن السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعاً في قوله تعالى : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } { وَلاَ تخاطبني فِي الذين ظَلَمُواْ } بالدعاء لهم بالإنجاء . { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } لا محالة لظلمهم بالإِشراك والمعاصي ، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله :\r{ فَإِذَا استويت أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الفلك فَقُلِ الحمد للَّهِ الذى نَجَّانَا مِنَ القوم الظالمين } كقوله تعالى : { فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } { وَقُل رَّبّ أَنزِلْنِي } في السفينة أو في الأرض . { مُنزَلاً مُّبَارَكاً } يتسبب لمزيد الخير في الدارين على قراءة أبي بكر ، وقرىء «مُنزَلاً» بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال . { وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين } ثناء مطابق لدعائه أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه وتوسلاً به إلى الإِجابة ، وإنما أفرده بالأمر والمعلق به أن يستوي هو ومن معه إظهاراً لفضله وإشعاراً بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم فإنه يحيط بهم .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } فيما فعل بنوح وقومه . { لاَيَاتٍ } يستدل بها ويعتبر أولو الاستبصار والاعتبار . { وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ } لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم ، أو ممتحنين عبادنا بهذه الآيات { وَإِنْ } هي المخففة واللام هي الفارقة .\r{ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً ءَاخَرِينَ } هم عاد أو ثمود .\r{ فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ } هو هود أو صالح ، وإنما جعل القول موضع الإِرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم . { أَنِ اعبدوا الله مَا لَكُمْ مّنْ إله غَيْرُهُ } تفسير لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله . { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عذاب الله .\r{ وَقَالَ الملؤا مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ } لعله ذكر بالواو لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول A بخلاف قول قوم نوح حيث استؤنف به ، فعلى تقدير سؤال .","part":4,"page":319},{"id":1820,"text":"{ وَكَذَّبُواْ بِلِقَاء الأخرة } بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب ، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث { وأترفناهم } ونعمناهم { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } بكثرة الأموال والأولاد . { مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ } في الصِفة والحالة . { يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ } تقرير للمماثلة و «ما» خبرية والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه .\r{ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مّثْلَكُمْ } فيما يأمركم به . { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } حيث أذللتم أنفسكم ، و { إِذَا } جزاء للشرط وجواب للذين قَاوَلُوهُمْ من قومه .\r{ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وعظاما } مجردة عن اللحوم والأعصاب . { أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ } من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود ، و { أَنَّكُمْ } تكرير للأول أكد به لما طال الفصل بينه وبين خبره ، أو أنكم لمخرجون مبتدأ خبره الظرف المقدم ، أو فاعل للفعل المقدر جواباً للشرط والجملة خبر الأول أي : أنكم إخراجكم إذا متم ، أو إنكم إذا متم وقع إخراجكم ويجوز أن يكون خبر الأول محذوفاً لدلالة خبر الثاني عليه لا أن يكون الظرف لأن اسمه جثة . { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ } بعد التصديق أو الصحة . { لِمَا تُوعَدُونَ } أو بعدما توعدون ، واللام للبيان كما في { هَيْتَ لَكَ } كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل : فما له هذا الاستبعاد؟ قالوا { لِمَا تُوعَدُونَ } . وقيل { هَيْهَاتَ } بمعنى البعد ، وهو مبتدأ خبره { لِمَا تُوعَدُونَ } ، وقرىء بالفتح منوناً للتنكير ، وبالضم منوناً على أنه جمع هيهة وغير منون تشبيهاً بقبل وبالكسر على الوجهين ، وبالسكون على لفظ الوقف وبإبدال التاء هاء .","part":4,"page":320},{"id":1821,"text":"{ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } أصله إن الحياة { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها حذراً عن التكرير وإشعاراً بأن تعينها مغن عن التصريح بها كقوله :\rهِيَ النَّفْسُ مَا حَمَّلْتهَا تَتَحَمَّلُ ... ومعناه لا حياة إلا هذه الحياة لأن { إِن } نافية دخلت على { هِيَ } التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فكانت مثل لا التي تنفي ما بعدها نفي الجنس . { نَمُوتُ وَنَحْيَا } يموت بعضنا ويولد بعض . { وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } بعد الموت .","part":4,"page":321},{"id":1822,"text":"{ إِنْ هُوَ } ما هو . { إِلاَّ رَجُلٌ افترى على الله كَذِباً } فيما يدعيه من إرساله له وفيما يعدنا من البعث . { وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدقين .","part":4,"page":322},{"id":1823,"text":"{ قَالَ رَبِّ انصرني } عليهم وانتقم لي منهم . { بِمَا كَذَّبُونِ } بسبب تكذيبهم إياي .","part":4,"page":323},{"id":1824,"text":"{ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ } عن زمان قليل و «ما» صلة لتوكيد معنى القلة ، أو نكرة موصوفة . { لَّيُصْبِحُنَّ نادمين } على التكذيب إذا عاينوا العذاب .","part":4,"page":324},{"id":1825,"text":"{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } جبريل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا ، واستدل به على أن القوم قوم صالح . { بالحق } بالوجه الثابت الذي لا دافع له ، أو بالعدل من الله كقولك فلان يقضي بالحق . أو بالوعد الصدق . { فجعلناهم غُثَاءً } شبههم في دمارهم بغثاء السيل وهو حميله كقول العرب : سال به الوادي ، لمن هلك . { فَبُعْداً لّلْقَوْمِ الظالمين } يحتمل الإِخبار والدعاء ، وبعداً مصدر بعد إذا هلك ، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها ، واللام لبيان من دعي عليه بالبعد ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل .","part":4,"page":325},{"id":1826,"text":"{ ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ } هي قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم .","part":4,"page":326},{"id":1827,"text":"{ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا } الوقت الذي حد لهلاكها و { مِنْ } مزيدة للاستغراق . { وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ } الأجل .","part":4,"page":327},{"id":1828,"text":"{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا } متواترين واحداً بعد واحد من الوتر وهو الفرد ، والياء بدل من الواو كتولج وتيقور والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة ، وقرأ أبو عمرو وابن كثير بالتنوين على أنه مصدر بمعنى المواترة وقع حالاً ، وأماله حمزة وابن عامر والكسائي . { كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ } إضافة الرسول مع الإِرسال إلى المرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم لأن الإِرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم . { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً } في الإِهلاك . { وجعلناهم أَحَادِيثَ } لم نبق منهم إلا حكايات يسمر بها ، وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهياً . { فَبُعْداً لّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } .","part":4,"page":328},{"id":1829,"text":"{ ثُمَّ أَرْسَلْنَا موسى وَأَخَاهُ هارون بئاياتنا } بالآيات التسع . { وسلطان مُّبِينٍ } وحجة واضحة ملزمة للخصم ، ويجوز أن يراد به العصا وأفرادها لأنها أول المعجزات وأمها ، تعلقت بها معجزات شتى : كانقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة ، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها ، وحراستها ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلواً ، وأن يراد به المعجزات وبالآيات الحجج وأن يراد بهما المعجزات فإنها آيات للنبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي A .\r{ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلاَءِيْهِ فاستكبروا } على الإِيمان والمتابعة . { وَكَانُواْ قَوْماً عالين } متكبرين .\r{ فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله { بَشَراً سَوِيّاً } كما يطلق للجمع كقوله : { فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً } ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر ، وهذه القصص كما نرى تشهد بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل ، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإِدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما ، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادة ، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال ، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم ، وإليه أشار بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } { وَقَوْمُهُمَا } يعني بني إسرائيل . { لَنَا عابدون } خادمون منقادون كالعباد .\r{ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ المهلكين } بالغرق في بحر قلزم .\r{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة . { لَعَلَّهُمْ } لعل بني إسرائيل ، ولا يجوز عود الضمير إلى { فِرْعَوْنُ } وقومه لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم . { يَهْتَدُونَ } إلى المعارف والأحكام .\r{ وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً } بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما ، أو { جَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ } آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر { وَأُمَّهُ } آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها . { وءاويناهمآ إِلَى رَبْوَةٍ } أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى ، وقرأ ابن عامر وعاصم بفتح الراء وقرىء «رُبَاوةَ» بالضم والكسر . { ذَاتِ قَرَارٍ } مستقر من الأرض منبسطة . وقيل ذات ثمار وزروع فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها . { وَمَعِينٍ } وماء معين ظاهر جار فعيل من معن الماء إذا جرى وأصله الابعاد في الشيء ، أو من الماعون وهو المنفعة لأنه نفاع ، أو مفعول من عانه إذا أدركه بعينه لأنه لظهوره مدرك بالعيون وصف ماءها بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان .\r{ يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلاً منهم خوطب به في زمانه ، فيدخل تحته عيسى دخولاً أولياً ويكون ابتداء كلام تنبيهاً على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة ، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم واحتجاجاً على الرهبانية في رفض الطيبات ، أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا .","part":4,"page":329},{"id":1830,"text":"وقيل النداء له ولفظ الجمع للتعظيم والطيبات ما يستلذ به من المباحات . وقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ما لا يعصى الله فيه والصافي ما لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل . { واعملوا صالحا } فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم . { إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فأجازيكم عليه .\r{ وَإِنَّ هذه } أي ولأن { هذه } والمعلل به { فاتقون } ، أو واعلموا أن هذه ، وقيل إنه معطوف على { مَا تَعْمَلُونَ } وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر على الاستئناف . { أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً } ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع ، أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإِيمان والتوحيد في العبادة ونصب { أُمَّةً } على الحال . { وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون } في شق العصا ومخالفة الكلمة .\r{ فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ } فتقطعوا أمر دينهم جعلوه أدياناً مختلفة ، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز ، والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها . { زُبُراً } قطعاً جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو ، أو مفعول ثان ل { فَتَقَطَّعُواْ } فإنه متضمن معنى جعل . وقيل كتباً من زبرت الكتاب فيكون مفعولاً ثانياً ، أو حالاً من أمرهم على تقدير مثل كتب ، وقرىء بتخفيف الباء كرسل في { رُسُلُ } . { كُلُّ حِزْبٍ } من المتحزبين . { بِمَا لَدَيْهِمْ } من الدين . { فَرِحُونَ } معجبون معتقدون أنهم على الحق .\r{ فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ } في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيها أو لاعبون بها ، وقرىء في «غمراتهم» . { حتى حِينٍ } إلى أن يقتلوا أو يموتوا .\r{ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ } أن ما نعطيهم ونجعله لهم مدداً ، { مِن مَّالٍ وَبَنِينَ } بيان لما وليس خبراً له ، فإنه غير معاتب عليه وإنما المعاتب عليه اعتقادهم أن ذلك خير لهم خبره .","part":4,"page":330},{"id":1831,"text":"{ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات } والراجع محذوف والمعنى : أيحسبون أن الذي نمدهم به نسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم { بَل لاَّ يَشْعُرُونَ } بل هم كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا فيه فيعلموا أن ذلك الإِمداد استدراجٍ لا مسارعة في الخير ، وقرىء «يمدهم» على الغيبة وكذلك «يسارع» و «يسرع» ويحتمل أن يكون فيهما ضمير الممد به و «يسارع» مبنياً للمفعول .","part":4,"page":331},{"id":1832,"text":"{ إِنَّ الذين هُم مّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ } من خوف عذابه . { مُشْفِقُونَ } حذرون .","part":4,"page":332},{"id":1833,"text":"{ والذين هُم بئايات رَبَّهِمْ } المنصوبة والمنزلة . { يُؤْمِنُونَ } بتصديق مدلولها .","part":4,"page":333},{"id":1834,"text":"{ والذين هُم بِرَبّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ } شركاً جلياً ولا خفياً .","part":4,"page":334},{"id":1835,"text":"{ والذين يُؤْتُونَ مَا ءَاتَواْ } يعطون ما أعطوه من الصدقات ، وقرىء «يأتون ما أتوا» أي يفعلون ما فعلوا من الطاعات . { وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ } خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائق فيؤاخذ به . { أَنَّهُمْ إلى رَبّهِمْ راجعون } لأن مرجعهم إليه ، أو من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفي عليهم .","part":4,"page":335},{"id":1836,"text":"{ أولئك يسارعون فِي الخيرات } يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها ، أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى : { فآتاهم الله ثَوَابَ الدنيا } فيكون إثباتاً لهم ما نفي عن أضدادهم . { وَهُمْ لَهَا سابقون } لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعة أو الثواب أو الجنة ، أو سابقونها أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا كقوله تعالى : { هُمْ لَهَا عاملون }","part":4,"page":336},{"id":1837,"text":"{ وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا } قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس . { وَلَدَيْنَا كِتَابٌ } يريد به اللوح أو صحيفة الأعمال . { يَنطِقُ بالحق } بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بزيادة عقاب أو نقصان ثواب .","part":4,"page":337},{"id":1838,"text":"{ بَلْ قُلُوبُهُمْ } قلوب الكفرة . { فِي غَمْرَةٍ } في غفلة غامرة لها . { مّنْ هذا } من الذي وصف به هؤلاء أو من كتاب الحفظة . { وَلَهُمْ أعمال مّن دُونِ ذلك } متجاوزة لما وصفوا به أو متخطية عما هم عليه من الشرك . { هُمْ لَهَا عاملون } معتادون فعلها .","part":4,"page":338},{"id":1839,"text":"{ حتى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ } متنعميهم . { بالعذاب } يعني القتل يوم بدر أو الجوع حين دعا عليهم الرسول A فقال : « اللهم أشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف » فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة . { إِذَا هُمْ يَجْئَرُونَ } فالجآر الصراخ بالاستغاثة ، وهو جواب الشرط والجملة مبتدأ بعد حتى ويجوز أن يكون الجواب :","part":4,"page":339},{"id":1840,"text":"{ لاَ تَجْئَرُواْ اليوم } فإنه مقدر بالقول أي قيل لهم لا { لاَ تَجْئَرُواْ } . { إِنَّكُمْ مّنَّا لاَ تُنصَرُونَ } تعليل للنهي أي لا تجأروا فإنه لا ينفعكم إذ لا تمنعون منا ، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا .","part":4,"page":340},{"id":1841,"text":"{ قَدْ كَانَتْ ءَايَتِي تتلى عَلَيْكُمْ } يعني القرآن . { فَكُنتُمْ على أعقابكم تَنكِصُونَ } تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها ، والنكوص الرجوع قهقرى .","part":4,"page":341},{"id":1842,"text":"{ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ } الضمير للبيت وشهوة استكبارهم وافتخارهم بأنه قوامه أغنت عن سبق ذكره ، أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي والباء متعلقة ب { مُسْتَكْبِرِينَ } لأنه بمعنى مكذبين ، أو لأن استكبارهم على المسلمين حدث بسبب استماعه أو بقوله : { سامرا } أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ، وهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل كالعاقبة ، وقرىء «سمراً» جمع سامر { تَهْجُرُونَ } من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان ، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو الهجر بالضم أي الفحش ، ويؤيد الثاني قراءة نافع { تَهْجُرُونَ } من أهجر وقرىء { تَهْجُرُونَ } على المبالغة .","part":4,"page":342},{"id":1843,"text":"{ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ القول } أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله . { أَمْ جَآءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ ءَابَاءَهُمُ الأولين } من الرسول والكتاب ، أو من الأمن من عذاب الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتابه ورسله وأطاعوه .","part":4,"page":343},{"id":1844,"text":"{ أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ } بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . { فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها ، فإن إنكار الشيء قطعاً أو ظناً إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص أو بحث عما يدل عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد .","part":4,"page":344},{"id":1845,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ } فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه A أرجحهم عقلاً وأدقهم نظراً . { بَلْ جَاءهُمْ بالحق وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارهون } لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه ، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإِيمان استنكافاً من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق .\r{ وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَاءَهُمْ } بأن كان في الواقع آلهة شتى . { لَفَسَدَتِ السموات والأرض وَمَن فِيهِنَّ } كما سبق تقريره في قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } وقيل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلاً لذهب ما قام به العالم فلم يبق ، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد A أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه ، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السموات والأرض وهو على أصل المعتزلة . { بَلْ أتيناهم بِذِكْرِهِمْ } بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم ، أو الذكر الذي تمنوه بقولهم { لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين } وقرىء «بذكراهم» . { فَهُمْ عَن ذِكْرِهِمْ مُّعْرِضُونَ } لا يلتفتون إليه .\r{ أَمْ تَسْئَلُهُمْ } قيل إنه قسيم قوله { أَم بِهِ جِنَّةٌ } . { خَرْجاً } أجراً على أداء الرسالة . { فَخَرَاجُ رَبّكَ } رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى . { خَيْرٌ } لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك ، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه ، وقرأ ابن عامر «خرجا فخرج» وحمزة والكسائي «خراجاً فخراج» للمزاوجة . { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } تقرير لخيرية خراجه تعالى .\r{ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له ، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإِنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة .\r{ وَإِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة عَنِ الصراط } عن الصراط السوي . { لناكبون } لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه .\r{ وَلَوْ رحمناهم وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مّن ضُرٍّ } يعني القحط . { لَّلَجُّواْ } لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء . { فِي طغيانهم } إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين . { يَعْمَهُونَ } عن الهدى ، روي أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله A فقال : أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين قال : بلى فقال : قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت .\r{ وَلَقَدْ أخذناهم بالعذاب } يعني القتل يوم بدر . { فَمَا استكانوا لِرَبّهِمْ } بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم ، واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته . { وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله .\r{ حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ } يعني الجوع فإنه أشد من القتل والأسر . { إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ } متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك .","part":4,"page":345},{"id":1846,"text":"{ وَهُوَ الذي أَنْشَأَ لَكُمُ السمع والأبصار } لتحسوا بها ما نصب من الآيات . { والأفئدة } لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تشكرونها شكراً قليلاً لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله ، والإذعان لمانحها من غير إشراك و { مَا } صلة للتأكيد .","part":4,"page":346},{"id":1847,"text":"{ وَهُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض } خلقكم وبثكم فيها بالتناسل . { وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم .","part":4,"page":347},{"id":1848,"text":"{ وَهُوَ الذى يُحيِ وَيُمِيتُ وَلَهُ اختلاف اليل والنهار } ويختص به تعاقبهما لا يقدر على غيره فيكون رداً لنسبته إلى الشمس حقيقة أو لأمره وقضائه تعاقبهما ، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالنظر والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها وأن البعث من جملتها ، وقرىء بالياء على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين .","part":4,"page":348},{"id":1849,"text":"{ بَلْ قَالُواْ } أي كفار مكة . { مِثْلَ مَا قَالَ الأولون } آباؤهم ومن دان بدينهم .\r{ قَالُواْ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } استبعاداً ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضاً تراباً فخلقوا .\r{ لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءَابَاؤُنَا هذا مِن قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } إلا أكاذيبهم التي كتبوها ، جمع أسطورة لأنه يستعمل فيما يتلى به كالأعاجيب والأضاحيك . وقيل جمع أسطار جمع سطر .\r{ قُل لّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك ، فيكون استهانة بهم وتقريراً لفرط جهالتهم حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح إلزاماً بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره ، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال .\r{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإِقرار بأنه خالقها . { قُلْ } أي بعد ما قالوه . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إيجادها ثانياً ، فإن بدء الخلق ليس أهون من إعادته . وقرىء «تتذكرون» على الأصل .\r{ قُلْ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم } فإنها أعظم من ذلك . { سَيَقُولُونَ لِلَّهِ } قرأ أبو عمرو ويعقوب بغير لام فيه وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال . { قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته .\r{ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ } ملكه غاية ما يمكن وقيل خزائنه . { وَهُوَ يُجْيِرُ } يغيث من يشاء ويحرسه . { وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } ولا يغاث أحد ولا يمنع منه ، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } .\r{ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فأنى تُسْحَرُونَ } فمن أين تخدعون فتصرفون عن الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة .\r{ بَلْ أتيناهم بالحق } من التوحيد والوعد بالنشور . { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } حيث أنكروا ذلك .\r{ مَا اتخذ الله مِن وَلَدٍ } لتقدسه عن مماثلة أحد . { وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ } يساهمه في الألوهية . { إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } جواب محاجتهم وجزاء شرط حذف لدلالة ما قبله عليه ، أي لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين وظهر بينهم التحارب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا ، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء واللازم باطل بالإِجماع والاستقراء وقيام البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد . { سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده .","part":4,"page":349},{"id":1850,"text":"{ عالم الغيب والشهادة } خبر مبتدأ محذوف وقد جره ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب وحفص على الصفة ، وهو دليل آخر على نفي الشريك بناء على توافقهم في أنه المنفرد بذلك ولهذا رتب عليه . { فتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } بالفاء .","part":4,"page":350},{"id":1851,"text":"{ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنّي } إن كان لا بد من أن تريني لأن ما والنون للتأكيد . { مَا يُوعَدُونَ } من العذاب في الدنيا والآخرة .","part":4,"page":351},{"id":1852,"text":"{ رَبِّ فَلاَ تَجْعَلْنِي فِي القوم الظالمين } قريناً لهم في العذاب ، وهو إما لهضم النفس أو لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } عن الحسن أنه تعالى أخبر نبيه عليه السلام أنه له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء وتكرير النداء ، وتصدير كل واحد من الشرط والجزاء به فضل تضرع وجؤار .","part":4,"page":352},{"id":1853,"text":"{ وَإِنَّا على أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لقادرون } لكنا نؤخره علمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون ، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم ، ولعله رد لإِنكارهم الموعود واستعجالهم له استهزاء به . وقيل قد أراه : وهو قتل بدر أو فتح مكة .","part":4,"page":353},{"id":1854,"text":"{ ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ السيئة } وهو الصفح عنها والإِحسان في مقابلتها لكن بحيث لم يؤد إلى وهن في الدين . وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك . وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ من أدفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل . { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ } بما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف حالك وأقدر على جزائهم فوكل إلينا أمرهم .","part":4,"page":354},{"id":1855,"text":"{ وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشياطين } وساوسهم ، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض ، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدواب على المشي والجم للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه .","part":4,"page":355},{"id":1856,"text":"{ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ } يحوموا حولي في شيء من الأحوال ، وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل لأنها أحرى الأحوال بأن يخاف عليه .","part":4,"page":356},{"id":1857,"text":"{ حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت } متعلق ب { يَصِفُونَ } ، وما بينهما اعتراض لتأكيد الإِغضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله { إِنَّهُمْ لكاذبون } . { قَالَ } تحسراً على ما فرط فيه من الإِيمان والطاعة لما اطلع على الأمر . { رَبِّ ارجعون } ردوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب . وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا .","part":4,"page":357},{"id":1858,"text":"{ لَعَلّي أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ } في الإِيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإِيمان وأعمل فيه ، وقيل في المال أو في الدنيا . وعنه E \" قال إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك إلى الدنيا ، فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله تعالى ، وأما الكافر فيقول رب ارجعون \" { كَلاَّ } ردع من طلب الرجعة واستبعاد لها . { إِنَّهَا كَلِمَةٌ } معنى قوله { رَبِّ ارجعون } الخ ، والكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض . { هُوَ قَائِلُهَا } لا محالة لتسلط الحسرة عليه . { وَمِن وَرَائِهِمْ } أمامهم والضمير للجماعة . { بَرْزَخٌ } حائل بينهم وبين الرجعة . { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } يوم القيامة ، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة .\r{ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور } لقيام الساعة والقراءة بفتح الواو وبه وبكسر الصاد يؤيد أن { الصور } أيضاً جمع الصورة . { فَلاَ أنساب بَيْنَهُمْ } تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه أو يفتخرون بها . { يَوْمَئِذٍ } كما يفعلون اليوم . { وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ } ولا يسأل بعضهم بعضاً لاشتغاله بنفسه ، وهو لا يناقض قوله { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } لأنه عند النفخة وذلك بعد المحاسبة ، أو دخول أهل الجنة الجنة والنار النار .\r{ فَمَن ثَقُلَتْ موازينه } موزونات عقائده وأعماله ، أي فمن كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله تعالى وقدر . { فأولئك هُمُ المفلحون } الفائزون بالنجاة والدرجات .\r{ وَمَنْ خَفَّتْ موازينه } ومن لم يكن له ما يكون له وزن ، وهم الكفار لقوله تعالى : { فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً } . { فأولئك الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها . { فِي جَهَنَّمَ خالدون } بدل من الصلة أو خبر ثان «لأولئك» .\r{ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النار } تحرقها واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيراً . { وَهُمْ فِيهَا كالحون } من شدة الاحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان ، وقرىء «كلحون» .\r{ أَلَمْ تَكُنْ ءاياتي تتلى عَلَيْكُمْ } على إضمار القول أي يقال لهم { أَلَمْ تَكُنْ } . { فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذّبُونَ } تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله .\r{ قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا } ملكتنا بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة ، وقرأ حمزة والكسائي «شقاوتنا» بالفتح كالسعادة وقرىء بالكسر كالكتابة . { وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } عن الحق .\r{ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا } من النار . { فَإِنْ عُدْنَا } إلى التكذيب . { فَإِنَّا ظالمون } لأنفسنا .\r{ قَالَ اخْسَئُواْ فِيهَا } اسكتوا سكوت هوان في النار فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ . { وَلاَ تُكَلِّمُونِ } في رفع العذاب أو لا تكلمون رأساً .","part":4,"page":358},{"id":1859,"text":"قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة : { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا } فيجابون { حَقَّ القول مِنْي } فيقولون ألفاً { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين } فيجابون { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ } فيقولون ألفاً { يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } فيجابون { إِنَّكُمْ ماكثون } فيقولون ألفاً { رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } فيجابون { أو لم تكونوا أقسمتم من قبل } فيقولون ألفاً { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا } فيجابون { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ } فيقولون ألفاً { رَبّ ارجعون } فيجابون { اخسَئُواْ فِيهَا } ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء .\r{ إِنَّهُ } إن الشأن وقرىء بالفتح أي لأنه . { كَانَ فَرِيقٌ مّنْ عِبَادِي } يعني المؤمنين ، وقيل الصحابة وقيل أهل الصفة . { يَقُولُونَ رَبَّنَا ءَامَنَّا فاغفر لَنَا وارحمنا وَأَنتَ خَيْرُ الرحمين } .\r{ فاتخذتموهم سِخْرِيّاً } هزواً وقرأ نافع وحمزة والكسائي هنا وفي «ص» بالضم ، وهما مصدر سخر زيدت فيهما ياء النسب للمبالغة ، وعند الكوفيين المكسور بمعنى الهزء والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية . { حتى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي } من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم فلم تخافوني في أوليائي . { وَكُنْتُمْ مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ } استهزاء بهم .","part":4,"page":359},{"id":1860,"text":"{ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ اليوم بِمَا صَبَرُواْ } على أذاكم . { أَنَّهُمْ هُمُ الفائزون } فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به ، وهو ثاني مفعولي { جَزَيْتُهُمُ } . وقرأ حمزة والكسائي بالكسر استئنافاً .","part":4,"page":360},{"id":1861,"text":"{ قَالَ } أي الله أو الملك المأمور بسؤالهم ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار . { كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأرض } أحياء أو أمواتاً في القبور . { عَدَدَ سِنِينَ } تمييز لكم .","part":4,"page":361},{"id":1862,"text":"{ قَالُواْ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } استقصاراً لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار ، أو لأنها كانت أيام سرورهم وأيام السرور قصار ، أو لأنها منقضية والمنقضي في حكم المعدوم . { فَاسْأَلِ العآدين } الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها ، أو الملائكة الذين يعدون أعمار الناس ويحصون أعمالهم . وقرىء { العادين } بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون ما نقول ، و { العاديين } أي القدماء المعمرين فإنهم أيضاً يستقصرون .","part":4,"page":362},{"id":1863,"text":"{ قَالَ } وفي قراءة حمزة والكسائي «قل» . { إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } تصديق لهم في مقالهم .","part":4,"page":363},{"id":1864,"text":"{ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً } توبيخ على تغافلهم ، و { عَبَثاً } حال بمعنى عابثين أو مفعول له أي : لم نخلقكم تلهياً بكم وإنما خلقناكم لنتعبدكم ونجازيكم على أعمالكم وهو كالدليل على البعث . { وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ } معطوف على { أَنَّمَا خلقناكم } أو { عَبَثاً } ، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم .","part":4,"page":364},{"id":1865,"text":"{ فتعالى الله الملك الحق } الذي يحق له الملك مطلقاً فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فإن ما عداه عبيد له . { رَبُّ العرش الكريم } الذي يحيط بالأجرام وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام ، ولذلك وصفه بالكرم أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين . وقرىء بالرفع على أنه صفة الرب .","part":4,"page":365},{"id":1866,"text":"{ وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ } يعبده إفراداً أو إشراكاً . { لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ } صفة أخرى لإلها لازمة له فإن الباطل لا برهان به ، جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيهاً على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلاً عما دل الدليل على خلافه ، أو اعتراض بين الشرط والجزاء لذلك : { فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ } فهو مجاز له مقدار ما يستحقه . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون } إن الشأن وقرىء بالفتح على التعليل أو الخبر أي حسابه عدم الفلاح . بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين ، ثم أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه فقال :","part":4,"page":366},{"id":1867,"text":"{ وَقُل رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الرحمين } . عن النبي A \" من قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكة بالروح والريحان وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت \" وعنه E أنه قال \" لقد أنزلت عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } حتى ختم العشر \" وروي «أن أولها وآخرها من كنوز الجنة ، من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح» .","part":4,"page":367},{"id":1868,"text":"مدنية وهي أربع وستون آية\r{ سُورَةٌ } أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة . { أنزلناها } صفتها ومن نصبها جعله مفسراً لناصبها فلا يكون له محل إلا إذا قدر اتل أو دونك نحوه { وفرضناها } وفرضنا ما فيها من الأحكام ، وشدده ابن كثير وأبو عمرو لكثرة فرائضها أو المفروض عليهم ، أو للمبالغة في إيجابها . { وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ } واضحات الدلالة { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتتقون المحارم وقرىء بتخفيف الذال .","part":4,"page":368},{"id":1869,"text":"{ الزانية والزاني } أو فيما فرضنا أو أنزلنا حكمها وهو الجلد ، ويجوز أن يرفعا بالإِبتداء والخبر : { فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } والفاء لتضمنها معنى الشرط إذ اللام بمعنى الذي ، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب سورة لأجل الأمر والزان بلا ياء ، وإنما قدم { الزانية } لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل وعرض نفسها عليه ولأن مفسدته تتحقق بالإِضافة إليها ، والجلد ضرب الجلد وهو حكم يخص بمن ليس بمحصن لما دل على أن حد المحصن هو الرجم ، وزاد الشافعي عليه تغريب الحر سنة لقوله E « البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام » وليس في الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما الآخر نسخاً مقبولاً أو مردوداً ، وله في العبد ثلاثة أقوال . والإِحصان : بالحرية والبلوغ والعقل والإِصابة في نكاح صحيح ، واعتبرت الحنفية الإِسلام أيضاً وهو مردود برجمه E يهوديين ، ولا يعارضه « من أشرك بالله فليس بمحصن » إذ المراد بالمحصن الذي يقتص له من المسلم . { وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } رحمة . { فِي دِينِ الله } في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أن تسامحوا فيه ، ولذلك قال E « لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها » وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة وقرئت بالمد على فعالة . { إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الأخر } فإن الإِيمان يقتضي الجد في طاعة الله تعالى والاجتهاد في إقامة حدوده وأحكامه ، وهو من باب التهييج . { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين } زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل التعذيب ، وال { طَائِفَةٌ } فرقة يمكن أن تكون حافة حول شيء من الطوف وأقلها ثلاثة وقيل واحداً واثنان ، والمراد جمع يحصل به التشهير .","part":4,"page":369},{"id":1870,"text":"{ الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } إذ الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح والمسافحة لا يرغب فيها الصلحاء ، فإن المشاكلة علة للألفة والتضام ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق . وكان حق المقابلة أن يقال والزانية لا تنكح إلا من هو زان أو مشرك . لكن المراد بيان أحوال الرجال في الرغبة فيهن ، لأن الآية نزلت في ضعفة المهاجرين لما هموا أن يتزوجوا بغايا يكرين أنفسهن لينفقن عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية ولذلك قدم الزاني . { وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين } لأنه تشبه بالفساق وتعرض للتهمة وتسبب لسوء القالة والطعن في النسب وغير ذلك من المفاسد ، ولذلك عبر عن التنزيه بالتحريم مبالغة . وقيل النفي بمعنى النهي ، وقد قرىء به والحرمة على ظاهرها والحكم مخصوص بالسبب الذي ورد فيه ، أو منسوخ بقوله تعالى : { وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ } فإنه يتناول المسافحات ، ويؤيده أنه E سئل عن ذلك فقال : « أوله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال » وقيل المراد بالنكاح الوطء فيؤول إلى نهي الزاني عن الزنا إلا بزانية ، والزانية أن يزني بها إلا زان وهو فاسد .","part":4,"page":370},{"id":1871,"text":"{ والذين يَرْمُونَ المحصنات } يقذفونهن بالزنا لوصف المقذوفات بالإِحصان ، وذكرهن عقيب الزواني واعتبار أربعة شهداء بقوله : { ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً } والقذف بغيره مثل يا فاسق ويا شارب الخمر يوجب التعزير كقذف غير المحصن ، والإِحصان ها هنا بالحرية والبلوغ والعقل والإِسلام والعفة عن الزنا ولا فرق فيه بين الذكر والأنثى ، وتخصيص { المحصنات } لخصوص الواقعة أو لأن قذف النساء أغلب وأشنع ، ولا يشترط اجتماع الشهود عند الآداء ولا تعتبر شهادة زوج المقذوفة خلافاً لأبي حنيفة ، وليكن ضربه أخف من ضرب الزنا لضعف سببه واحتماله ولذلك نقص عدده . { وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً } أي شهادة كانت لأنه مفتر ، وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافاً لأبي حنيفة فإن الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جواباً للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعة ، كيف وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده . { أَبَدًا } ما لم يتب ، وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره . { وأولئك هُمُ الفاسقون } المحكوم بفسقهم .","part":4,"page":371},{"id":1872,"text":"{ إِلاَّ الذين تَابُواْ } عن القذف . { مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ } أعمالهم بالتدارك ، ومنه الاستسلام للحد أو الاستحلال من المقذوف ، والاستثناء راجع إلى أصل الحكم وهو اقتضاء الشرط لهذه الأمور ولا يلزمه سقوط الحد به كما قيل ، لأن من تمام التوبة الاستسلام له أو الاستحلال ومحل المستثنى النصب على الاستثناء ، وقيل إلى النهي ومحله الجر على البدل من هم في لهم ، وقيل إلى الأخيرة ومحله النصب لأنه من موجب وقيل منقطع متصل بما بعده . { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } علة للاستثناء .\r{ والذين يَرْمُونَ أزواجهم وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ } نزلت في هلال بن أمية رأى رجلاً على فراشه ، وأنفسهم بدل من شهداء أو صفة لهم على أن إلا بمعنى غير . { فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات } فالواجب شهادة أحدهم أو فعليهم شهادة أحدهم ، و { أَرْبَعُ } نصب على المصدر وقد رفعه حمزة والكسائي وحفص على أنه خبر «شهادة» . { بالله } متعلق بشهادات لأنها أقرب وقيل بشهادة لتقدمها . { إِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } أي فيما رماها به من الزنا ، وأصله على أنه فحذف الجار وكسرت إن وعلق العامل عنه باللام تأكيداً .\r{ والخامسة } والشهادة الخامسة . { أَنَّ لَعْنَةَ الله عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الكاذبين } في الرمي هذا لعان الرجل وحكمه سقوط حد القذف عنه ، وحصول الفرقة بينهما بنفسه فرقة فسخ عندنا لقوله E \" المتلاعنان لا يجتمعان أبداً \" وتفريق الحاكم فرقة طلاق عند أبي حنيفة ونفي الولد أن تعرض له فيه وثبوت حد الزنا على المرأة لقوله .\r{ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب } أي الحد . { أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله إِنَّهُ لَمِنَ الكاذبين } فيما رماني به .\r{ والخامسة أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصادقين } في ذلك ورفع الخامسة بالإِبتداء وما بعدها الخبر أو بالعطف على أن تشهد ، ونصبها حفص عطفاً على { أَرْبَعُ } . وقرأ نافع ويعقوب { أَن لَّعْنَةُ الله } و { أَنَّ غَضَبَ الله } بتخفيف النون فيهما وكسر الضاد وفتح الباء من { غَضَبَ } ورفع الهاء من اسم { الله } ، والباقون بتشديد النون فيهما ونصب التاء وفتح الضاد وجر الهاء .\r{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ } متروك الجواب للتعظيم أي لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة .","part":4,"page":372},{"id":1873,"text":"{ إِنَّ الذين جَاءوا بالإفك } بأبلغ ما يكون من الكذب من الإِفك ، وهو الصرف لأنه قول مأفوك عن وجهه ، والمراد ما أفك به على عائشة رضي الله تعالى عنها . وذلك أنه E استصحبها في بعض الغزوات فأذن ليلة في القفول بالرحيل ، فمشت لقضاء حاجة ثم عادت إلى الرحل فلمست صدرها فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع ، فرجعت لتلتمسه فظن الذي كان يرحلها أنها دخلت الهودج فرحله على مطيتها وسار ، فلما عادت إلى منزلها لم تجد ثمة أحداً فجلست كي يرجع إليها منشد ، وكان صفوان بن المعطل السلمي Bه قد عرس وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلها فعرفها فأناخ راحلته فركبتها فقادها حتى أتيا الجيش فاتهمت به . { عُصْبَةٌ مّنْكُمْ } جماعة منكم وهي من العشرة إلى الأربعين وكذلك العصابة ، يريد عبد الله بن أبي ، وزيد بن رفاعة ، وحسان بن ثابت ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم ، وهي خبر إن وقوله : { لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ } مستأنف والخطاب للرسول A وأبي بكر وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم والهاء للإِفك . { بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } لاكتسابكم به الثواب العظيم وظهور كرامتكم على الله بإنزال ثماني عشرة آية في براءتكم ، وتعظيم شأنكم وتهويل الوعيد لمن تكلم فيكم والثناء على من ظن بكم خيراً . { لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم } لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصاً به . { والذي تولى كِبْرَهُ } معظمه وقرأ يعقوب بالضم وهو لغة فيه . { مِنْهُمْ } من الخائضين وهو ابن أبي فإنه بدأ به وأذاعه عداوة لرسول الله A ، أو هو وحسان ومسطح فإنهما شايعاه بالتصريح به { والذي } بمعنى الذين . { لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ } في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا وصار ابن أبي مطروداً مشهوراً بالنفاق ، وحسان أعمى أشل اليدين ، ومسطح مكفوف البصر .\r{ لَّوْلاَ } هلا . { إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } بالذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله تعالى : { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } وإنما عدل فيه من الخطاب إلى الغيبة مبالغة في التوبيخ وإشعاراً بأن الإِيمان يقتضي ظن الخير بالمؤمنين والكف عن الطعن فيهم وذب الطاعنين عنهم كما يذبونهم عن أنفسهم . وإنما جاز الفصل بين { لَوْلاَ } وفعله بالظرف لأنه منزل منزلته من حيث إنه لا ينفك عنه وذلك يتسع فيه ما لا يتسع في غيره ، وذلك لأن ذكر الظرف أهم فإن التحضيض على أن لا يخلوا بأوله . { وَقَالُواْ هذا إِفْكٌ مُّبِينٌ } كما يقول المستيقن المطلع على الحال .\r{ لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَاء فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون } من جملة المقول تقريراً لكونه كذباً فإن ما لا حجة عليه كذب عند الله أي في حكمه ، ولذلك رتب الحد عليه .","part":4,"page":373},{"id":1874,"text":"{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والأخرة } لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره ، والمعنى لولا فضل الله عليكم في الدنيا بأنواع النعم التي من جملتها الإِمهال للتوبة { وَرَحْمَتُهُ } في الآخرة بالعفو والمغفرة المقدران لكم . { لَمَسَّكُمْ } عاجلاً . { فِيمَا أَفَضْتُمْ } خضتم . { فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } يستحقر دونه اللوم والجلد .\r{ إِذْ } ظرف { لَمَسَّكُمْ } أو { أَفَضْتُمْ } . { تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } يأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه يقال تلقى القول كتلقفه وتلقنه ، قرىء «تتلقونه» على الأصل و { تَلَقَّوْنَهُ } من لقيه إذا لقفه و { تَلَقَّوْنَهُ } بكسر حرف المضارعة و { تَلَقَّوْنَهُ } من إلقائه بعضهم على بعض ، و { تَلَقَّوْنَهُ } و «تألقونه» من الألق والألق وهو الكذب ، و «تثقفونه» من ثقفته إذا طلبته فوجدته و «تقفونه» أي تتبعونه . { وَتَقُولُونَ بأفواهكم } أي وتقولون كلاماً مختصاً بالأفواه بلا مساعدة من القلوب . { مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ } لأنه ليس تعبيراً عن علم به في قلوبكم كقوله تعالى : { يَقُولُونَ بأفواههم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } { وَتَحْسَبُونَهُ هَيّناً } سهلاً لا تبعة له . { وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ } في الوزر واستجرار العذاب ، فهذه ثلاثة آثام مترتبة علق بها مس العذاب العظيم ، تلقي الإِفك بألسنتهم والتحدث به من غير تحقق واستصغارهم لذلك وهو عند الله عظيم .\r{ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَا } ما ينبغي وما يصح لنا . { أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا } يجوز أن تكون الإِشارة إلى القول المخصوص وأن تكون إلى نوعه ، فإن قذف آحاد الناس محرم شرعاً فضلاً عن تعرض الصديقة ابنة الصديق حرمة رسول الله A . { سبحانك } تعجب من ذلك الإِفك أو ممن يقول ذلك ، وأصله أن يذكر عند كل متعجب تنزيهاً لله تعالى من أن يصعب عليه مثله ثم كثر فاستعمل لكل متعجب ، أو تنزيه لله تعالى من أن تكون حرمة نبيه فاجرة فإن فجورها ينفر عنه ويخل بمقصود الزواج بخلاف كفرها فيكون تقريراً لما قبله وتمهيداً لقوله : { هذا بهتان عَظِيمٌ } لعظمة المبهوت عليه فإن حقارة الذنوب وعظمها باعتبار متعلقاتها .\r{ يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ } كراهة أن تعودوا أو في أن تعودوا . { أَبَدًا } ما دمتم أحياء مكلفين . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } فإِن الإِيمان يمنع عنه وفيه تهييج وتقريع .\r{ وَيُبَيّنُ لَكُمُ الأيات } الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب كي تتعظوا وتتأدبوا . { والله عَلِيمٌ } بالأحوال كلها . { حَكِيمٌ } في تدابره ولا يجوز الكشخنة على نبيه ولا يقرره عليها .\r{ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ } يريدون . { أَن تَشِيعَ } أن تنتشر . { الفاحشة فِي الذين ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى الدنيا والأخرة } بالحد والسعير إلى غير ذلك . { والله يَعْلَمُ } ما في الضمائر . { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فعاقبوا في الدنيا على ما دل عليه الظاهر والله سبحانه يعاقب على ما في القلوب من حب الإِشاعة .","part":4,"page":374},{"id":1875,"text":"{ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للدلالة على عظم الجريمة ولذا عطف قوله : { وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } على حصول فضله ورحمته عليهم وحذف الجواب وهو مستغنى عنه بذكره مرة .\r{ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان } بإشاعة الفاحشة ، وقرىء بفتح الطاء وقرأ نافع والبزي وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة بسكونها . { وَمَن يَتَّبِعْ خطوات الشيطان فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بالفحشاء والمنكر } بيان لعلة النهي عن اتباعه ، و «الفحشاء» ما أفرط قبحه ، و «المنكر» ما أنكره الشرع . { وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بتوفيق التوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها { مَا زَكَى } ما طهر من دنسها . { مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } آخر الدهر . { ولكن الله يُزَكِّي مَن يَشَاء } بحمله على التوبة وقبولها . { والله سَمِيعٌ } لمقالهم . { عَلِيمٌ } بنياتهم .\r{ وَلاَ يَأْتَلِ } ولا يحلف افتعال من الألية ، أو ولا يقصر من الألو ، ويؤيد الأول أنه قرىء ولا «يتأل» . وأنه نزل في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقد حلف أن لا ينفق على مسطح بعد وكان ابن خالته وكان من فقراء المهاجرين . { أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ } في الدين . { والسعة } في المال . وفيه دليل على فضل أبي بكر وشرفه رضي الله تعالى عنه . { أَن يُؤْتُواْ } على أن لا { يُؤْتُواْ } ، أو في { أَن يُؤْتُواْ } . وقرىء بالتاء على الالتفات . { أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله } صفات لموصوف واحد ، أي ناساً جامعين لها لأن الكلام فيمن كان كذلك ، أو لموصوفات أقيمت مقامها فيكون أبلغ في تعليل المقصود . { وَلْيَعْفُواْ } عما فرط منهم . { وَلْيَصْفَحُواْ } بالإِغماض عنه . { أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ } على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مع كمال قدرته فتخلقوا بأخلاقه \" روي أنه E قرأها على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : بلى أحب ورجع إلى مسطح نفقته \" . { إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات } العفائف . { الغافلات } عما قذفن به . { المؤمنات } بالله وبرسوله استباحة لعرضهن وطعناً في الرسول E والمؤمنين كابن أبي . { لُعِنُواْ فِي الدنيا والأخرة } لما طعنوا فيهن . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } لعظم ذنوبهم ، وقيل هو حكم كل قاذف ما لم يتب ، وقيل مخصوص بمن قذف أزواج النبي A ولذلك قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : لا توبة له ، ولو فتشت وعيدات القرآن لم تجد أغلظ مما نزل في إفك عائشة رضي الله تعالى عنها .\r{ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ } ظرف لما في لهم من معنى الاستقرار لا للعذاب لأنه موصوف ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء للتقدم والفصل . { أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يعترفون بها بإنطاق الله تعالى إياها بغير اختيارهم ، أو بظهوره آثاره عليها وفي ذلك مزيد تهويل للعذاب .\r{ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق } جزاءهم المستحق . { وَيَعْلَمُونَ } لمعاينتهم الأمر . { أَنَّ الله هُوَ الحق المبين } الثابت بذاته الظاهر ألوهيته لا يشاركه في ذلك غيره ولا يقدر على الثواب والعقاب سواه ، أو ذو الحق البين أي العادل الظاهر عدله ومن كان هذا شأنه ينتقم من الظالم للمظلوم لا محالة .","part":4,"page":375},{"id":1876,"text":"{ الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ والخبيثون للخبيثات والطيبات لِلطَّيّبِينَ والطيبون للطيبات } أي الخبائث يتزوجن الخباث وبالعكس وكذلك أهل الطيب فيكون كالدليل على قوله : { أولئك } يعني أهل بيت النبي A أو الرسول وعائشة وصفوان رضي الله تعالى عنهم . { مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } إذ لو صدق لم تكن زوجته E ولم يقرر عليها ، وقيل { الخبيثات } { والطيبات } من الأقوال والإِشارة إلى { الطيبين } والضمير في { يَقُولُونَ } للآفكين ، أي مبرؤون مما يقولون فيهم أو { لِلْخَبِيثِينَ } و { الخبيثات } أي مبرؤون من أن يقولوا مثل قولهم . { لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } يعني الجنة ، ولقد برأ الله أربعة بأربعة : برأ يوسف E بشاهد من أهلها ، وموسى E من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه ، ومريم بإنطاق ولدها ، وعائشة رضي الله تعالى عنها بهذه الآيات الكريمة مع هذه المبالغة ، وما ذلك إلا لإِظهار منصب الرسول A وإعلاء منزلته .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ } التي لا تسكنونها فإن الآجر والمعير أيضاً لا يدخلان إلا بإذن . { حتى تَسْتَأْنِسُواْ } تستأذنوا من الاستئناس بمعنى الاستعلام من آنس الشيء إذا أبصره ، فإن المستأذن مستعلم للحال مستكشف أنه هل يراد دخوله أو يؤذن له ، أو من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش فإن المستأذن مستوحش خائف أن لا يؤذن له فإذا له استأنس ، أو تتعرفوا هل ثم إنسان من الإنس . { وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا } بأن تقولوا السلام عليكم أأدخل . وعنه E « التسليم أن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات فإن أذن له دخل وإلا رجع » { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } أي الاستئذان أو التسليم خير لكم من أن تدخلوا بغتة ، أو من تحية الجاهلية كان الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته قال : حييتم صباحاً أو حييتم مساء ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف . وروي أن رجلاً قال للنبي A « أأستأذن على أمي ، قال : نعم ، قال : إنها ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت ، قال : أتحب أن تراها عريانة ، قالا : لا ، قال : فاستأذن » { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } متعلق بمحذوف أي أنزل عليكم ، أو قيل لكم هذا إرادة أن تذكروا وتعملوا بما هو أصلح لكم .\r{ فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَا أَحَداً } يأذن لكم . { فَلاَ تَدْخُلُوهَا حتى يُؤْذَنَ لَكُمُ } حتى يأتي من يأذن لكم فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور ، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوها .","part":4,"page":376},{"id":1877,"text":"{ وَإِن قِيلَ لَكُمْ ارجعوا فارجعوا } ولا تلحوا . { هُوَ أزكى لَكُمْ } الرجوع أطهر لكم عما لا يخلو الإِلحاح والوقوف على الباب عنه من الكراهة وترك المروءة ، أو أنفع لدينكم ودنياكم . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } فيعلم ما تأتون وما تذرون مما خوطبتم به فيجازيكم عليه . { لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ } كالربط والحوانيت والخانات والخانقات . { فِيهَا مَتَاعٌ } استمتاع . { لَكُمْ } كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الأمتعة والجلوس للمعاملة ، وذلك استثناء من الحكم السابق لشموله البيوت المسكونة وغيرها . { والله يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ } وعيد لمن دخل مدخلاً لفساد أو تطلع على عورات .\r{ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم } أي ما يكون نحو محرم . { وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ } إلا على أزواجهن أو ما ملكت أيمانهم ، ولما كان المستثنى منه كالشاذ النادر بخلاف الغض أطلقه وقيد الغض بحرف التبعيض ، وقيل حفظ الفروج ها هنا خاصة سترها . { ذلك أزكى لَهُمْ } أنفع لهم أو أطهر لما فيه من البعد عن الريبة . { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه إجالة أبصارهم واستعمال سائر حواسهم وتحريك جوارحهم وما يقصدون بها ، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون .\r{ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن } فلا ينظرن إلى ما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال . { وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } بالتستر أو التحفظ عن الزنا ، وتقديم الغض لأن النظر بريد الزنا . { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كالحلي والثياب والأصباغ فضلاً عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدى له . { إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا } عند مزاولة الأشياء كالثياب والخاتم فإن في سترها حرجاً ، وقيل المراد بالزينة مواضعها على حذف المضاف أو ما يعم المحاسن الخلقية والتزيينية ، والمستثنى هو الوجه والكفان لأنها ليست بعورة والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتَحَمُّلِ الشهادة . { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ } ستراً لأعناقهن . وقرأ نافع وعاصم وأبو عمرو وهشام بضم الجيم . { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } كرره لبيان من يحل له الإِبداء ومن لا يحل له . { إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ } فإنهم المقصودون بالزينة ولهم أن ينظروا إلى جميع بدنهن حتى الفرج بكره . { أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن } لكثرة مداخلتهم عليهن واحتياجهن إلى مداخلتهم وقلة توقع الفتنة من قبلهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب ، ولهم أن ينظروا منهن ما يبدو عند المهنة والخدمة وإنما لم يذكر الأعمام والأخوال لأنهم في معنى الإِخوان لا يتحرجن عن وصفهن للرجال أو النساء كلهن ، وللعلماء في ذلك خلاف . { أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن } يعم الإِماء والعبيد ، لما روي","part":4,"page":377},{"id":1878,"text":"\" أنه E أتى فاطمة بعبد وهبه لها وعليها ثوب ، إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال E : إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك \" وقيل المراد بها . الإِماء وعبد المرأة كالأجنبي منها . { أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة مِنَ الرجال } أي أولي الحاجة إلى النساء وهم الشيوخ الهم والممسوحون ، وفي المجبوب والخصي خلاف وقيل البله الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون شيئاً من أمور النساء ، وقرأ ابن عامر وأبو بكر غير بالنصب على الحال . { أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء } لعدم تمييزهم من الظهور بمعنى الاطلاع ، أو لعدم بلوغهم حد الشهوة من الظهور بمعنى الغلبة والطفل جنس وضع موضع الجمع اكتفاء بدلالة الوصف . { وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال فإن ذلك يورث ميلاً في الرجال ، وهو أبلغ من النهي عن إظهار الزينة وأدل على المنع من رفع الصوت . { وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون } إذ لا يكاد يخلوا أحد منكم من تفريط سيما في الكف عن الشهوات ، وقيل توبوا مما كنتم تفعلونه ، في الجاهلية فإنه وإن جب بالإِسلام لكنه يجب الندم عليه والعزم على الكف عنه كلما يتذكر ، وقرأ ابن عامر «أيه المؤمنون» وفي «الزخرف» { يا أَيُّهَ الساحر } وفي «الرحمن» { أَيُّهَ الثقلان } بضم الهاء في الوصل في الثلاثة والباقون بفتحها ، ووقف أبو عمرو والكسائي عليهن بالألف ، ووقف الباقون بغير الألف . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } بسعادة الدارين .\r{ وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ } لما نهى عما عسى يفضي إلى السفاح المخل بالنسب المقتضي للألفة وحسن التربية ومزيد الشفقة المؤدية إلى بقاء النوع بعد الزجر عنه مبالغة فيه عقبه بأمر النكاح الحافظ له والخطاب للأولياء والسادة ، وفيه دليل على وجوب تزويج المولية والمملوك وذلك عند طلبهما ، وإشعار بأن المرأة والعبد لا يستبدان به إذ لو استبدا لما وجب على الولي والمولى ، و «أيامى» مقلوب أيايم كيتامى ، جمع أيم وهو العزب ذكراً كان أو أنثى بكراً كان أو ثيباً قال :\rفَإِنْ تَنْكِحِي أَنْكح وَإِنْ تَتَأْيَّمِي ... وَإِنْ كُنْت أَفْتى مِنْكُم أَتَأَيَّم\rوتخصيص { الصالحين } لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهم ، وقيل المراد الصالحون للنكاح والقيام بحقوقه ، { إِن يَكُونُواْ فُقَرَاء يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ } رد لما عسى يمنع من النكاح ، والمعنى لا يمنعن فقر الخاطب أو المخطوبة من المناكحة فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح ، أو وعد من الله بالإِغناء لقوله A \" اطلبوا الغنى في هذه الآية \" لكن مشروط بالمشيئة كقوله تعالى : { إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاء }","part":4,"page":378},{"id":1879,"text":"{ والله واسع } ذو سعة لا تنفد نعمته إذ لا تنتهي قدرته . { عَلِيمٌ } يبسط الرزق ويقدر على ما تقتضيه حكمته .\r{ وَلْيَسْتَغفِفِ } وليجتهد في العفة وقمع الشهوة . { الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً } أسبابه ، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به أو بالوجدان التمكن منه . { حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ } فيجدوا ما يتزوجون به . { والذين يَبْتَغُونَ الكتاب } المكاتبة وهو أن يقول الرجل لمملوكه كاتبتك على كذا من الكتاب لأن السيد كتب على نفسه عتقه إذا أدى المال ، أو لأنه مما يكتب لتأجيله أو من الكتب بمعنى الجمع لأن العوض فيه يكون منجماً بنجوم يضم بعضها إلى بعض . { مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم } عبداً كان أو أمة والموصول بصلته مبتدأ خبره . { فكاتبوهم } أو مفعول لمضمر هذا تفسيره والفاء لتضمن معنى الشرط ، والأمر فيه للندب عند أكثر العلماء لأن الكتابة معاوضة تتضمن الارفاق فلا تجب كغيرها واحتجاج الحنفية بإطلاقه على جواز الكتابة الحالية ضعيف لأن المطلق لا يعم مع أن العجز عن الأداء في الحال يمنع صحتها كما في السلم فيما لا يوجد عند المحل . { إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً } أمانة وقدرة على أداء المال بالاحتراف ، وقد روي مثله مرفوعاً . وقيل صلاحاً في الدين . وقيل مالاً وضعفه ظاهر لفظاً ومعنى وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز . { وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللهِ الَّذِى ءَاتَاكُمْ } أمر للموالي كما قبله بأن يبذلوا لهم شيئاً من أموالهم ، وفي معناه حط شيء من مال الكتابة وهو للوجوب عند الأكثر ويكفي أقل ما يتمول . وعن علي رضي الله تعالى عنه يحط الربع ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثلث ، وقيل ندب لهم إلى الإنفاق عليهم بعد أن يؤتوا ويعتقوا ، وقيل أمر لعامة المسلمين بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة ويحل للمولى وإن كان غنياً ، لأنه لا يأخذه صدقة كالدائن والمشتري ، ويدل عليه قوله E في حديث بريرة « هو لها صدقة ولنا هدية » { وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم } إماءكم . { عَلَى البغاء } على الزنا ، كانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرههن على الزنا وضرب عليهن الضرائب فشكا بعضهن إلى رسول الله A فنزلت . { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً } تعففاً شرط للإِكراه فإنه لا يوجد دونه ، وإن جعل شرطاً للنهي لم يلزم من عدمه جواز الإِكراه لجواز أن يكون ارتفاع النهي بامتناع المنهي عنه ، وإيثار إن على إذا لأن إرادة التحصن من الإِماء كالشاذ النادر . { لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لهن أوله إن تاب ، والأول أوفق للظاهر ولما في مصحف ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ولا يرد عليه أن المكرهة غير آثمة فلا حاجة إلى المغفرة لأن الإِكراه لا ينافي المؤاخذة بالذات ولذلك حرم على المكره القتل وأوجب عليه القصاص .","part":4,"page":379},{"id":1880,"text":"{ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايات مبينات } يعني الآيات التي بينت في هذه السورة وأوضحت فيها الأحكام والحدود ، وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة والكسائي بالكسر في هذا وفي «الطلاق» لأنها واضحات تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة من بين بمعنى تبين ، أو لأنها بينت الأحكام والحدود . { وَمَثَلاً مّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ } أو ومثلاً من أمثال من قبلكم أي وقصة عجيبة مثل قصصهم ، وهي قصة عائشة رضي الله تعالى عنها فإنها كقصة يوسف ومريم . { وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ } يعني ما وعظ به في تلك الآيات ، وتخصيص المتقين لأنهم المنتفعون بها ، وقيل المراد بالآيات القرآن والصفات المذكورة صفاته .\r{ الله نُورُ السموات والأرض } النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً وبواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما ، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى إلا بتقدير مضاف كقولك : زيد كرم بمعنى ذو كرم ، أو على تجوز إما بمعنى منور السموات والأرض وقد قرىء به فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار أو بالملائكة والأنبياء . أو مدبرهما من قولهم للرئيس الفائق في التدبير : نور القوم لأنهم يهتدون به في الأمور . أو موجدهما فإن النور ظاهر بذاته مظهر لغيره وأصل الظهور هو الوجود كما أن أصل الخفاء هو العدم ، والله سبحانه وتعالى موجود بذاته موجد لما عداه . أو الذي به تدرك أو يدرك أهلها من حيث إنه يطلق على الباصرة لتعلقها به أو لمشاركتها له في توقف الإِدراك عليه ثم على البصيرة لأنها أقوى إدراكاً فإنها تدرك نفسها وغيرها من الكليات والجزئيات الموجودات والمعدومات ، وتغوص في بواطنها وتتصرف فيها بالتركيب والتحليل ، ثم إن هذه الإِدراكات ليست لذاتها وإلا لما فارقتها فهي إذن من سبب يفيضها عليها وهو الله سبحانه وتعالى إبتداء أو بتوسط من الملائكة والأنبياء ولذلك سموا أنواراً ، ويقرب منه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : معناه هادي من فيهما فهم بنوره يهتدون ، وإضافته إليهما للدلالة على سعة إشراقه أو لاشتمالها على الأنوار ، الحسية والعقلية وقصور الإِدراكات عليهما وعلى المتعلق بهما والمدلول لهما . { مَثَلُ نُورِهِ } صفة نوره العجيبة الشأن ، وإضافته إلى ضميره سبحانه وتعالى دليل على أن إطلاقه عليه لم يكن على ظاهره . { كَمِشْكَاةٍ } كصفة مشكاة ، وهي الكوة الغير النافذة . وقرأ الكسائي برواية الدوري بالإِمالة . { فِيهَا مِصْبَاحٌ } سراج ضخم ثاقب ، وقيل المشكاة الأنبوبة في وسط القنديل والمصباح الفتيلة المشتعلة . { المصباح فِى زُجَاجَةٍ } في قنديل من الزجاج . { الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرّيٌّ } مضيء متلألىء كالزهرة في صفائه وزهرته منسوب إلى الدرء أو فعيل كمريق من الدرء فإنه يدفع الظلام بضوئه ، أو بعض ضوئه بعضاً من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل ، وقراءة أبي عمرو والكسائي «درىء» كشريب وقد قرىء به مقلوباً .","part":4,"page":380},{"id":1881,"text":"{ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة زَيْتُونَةٍ } أي إبتداء ثقوب المصباح من شجرة الزيتون المتكاثر نفعه بأن رويت ذبالته بزيتها ، وفي إبهام الشجرة ووصفها بالبركة ثم إبدال الزيتونة عنها تفخيم لشأنها ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالياء والبناء للمفعول من أوقد وحمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء كذلك على إسناده إلى { الزجاجة } بحذف المضاف ، وقرىء «توقد» من تتوقد ويوقد بحذف التاء لاجتماع زيادتين وهو غريب . { لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ } تقع الشمس عليها حيناً بعد حين بل بحيث تقع عليها طول النهار كالتي تكون على قلة ، أو صحراء واسعة فإن ثمرتها تكون أنضج وزيتها أصفى ، أو لا نابتة في شرق المعمورة وغربها بل في وسطها وهو الشام فإن زيتونه أجود الزيتون ، أو لا في مضحى تشرق الشمس عليها دائماً فتحرقها أو في مفيأة تغيب عنها دائماً فتتركها نيئاً وفي الحديث \" لا خير في شجرة ولا نبات في مفيأة ولا خير فيهما في مضحى \" { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } أي يكاد يضيء بنفسه من غير نار لتلألئه وفرط وبيصه . { نُّورٌ على نُورٍ } نور متضاعف فإن نور المصباح زاد في إنارته صفاء الزيت وزهرة القنديل وضبط المشكاة لأشعته ، وقد ذكر في معنى التمثيل وجوه ، الأول : أنه تمثيل للهدى الذي دلت عليه الآيات المبينات في جلاء مدلولها وظهور ما تضمنته من الهدى بالمشكاة المنعوتة ، أو تشبيه للهدى من حيث إنه محفوف بظلمات أوهام الناس وخيالاتهم بالمصباح ، وإنما ولي الكاف المشكاة لاشتمالها عليه ، وتشبيهه به أوفق من تشبيهه بالشمس ، أو تمثيل لما نور الله به قلب المؤمن من المعارف والعلوم بنور المشكاة المنبث فيها من مصباحها ، ويؤيده قراءة أبي : «مثل نور المؤمن» ، أو تمثيل لما منح الله به عباده من القوى الداركة الخمس المترتبة التي منوط بها المعاش والمعاد وهي : الحساسة التي تدرك بها المحسوسات بالحواس الخمس ، والخيالية التي تحفظ صور تلك المحسوسات لتعرضها على القوة العقلية متى شاءت ، والعاقلة التي تدرك الحقائق الكلية ، والمفكرة وهي التي تؤلف المعقولات لتستنتج منها علم ما لم تعلم ، والقوة القدسية التي تتجلى فيها لوائح الغيب وأسرار الملكوت المختصة بالأنبياء والأولياء المعنية بقوله تعالى : { ولكن جعلناه نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } بالأشياء الخمسة المذكورة في الآية وهي : «المشكاة» ، و «الزجاجة» ، و «المصباح» ، و «الشجرة» ، و «الزيت» ، فإن الحساسة كالمشكاة لأن محلها كالكوى ووجهها إلى الظاهر لا تدرك ما وراءها وإضاءتها بالمعقولات لا بالذات ، والخيالية كالزجاجة في قبول صور المدركات من الجوانب وضبطها للأنوار العقلية وإنارتها بما تشتمل عليه من المعقولات ، والعاقلة كالمصباح لإِضاءتها بالإِدراكات الكلية والمعارف الإِلهية ، والمفكرة كالشجرة المباركة لتأديتها إلى ثمرات لا نهاية لها الزيتونة المثمرة بالزيت الذي هو مادة المصابيح التي لا تكون شرقية ولا غربية لتجردها عن اللواحق الجسمية ، أو لوقوعها بين الصور والمعاني متصرفة في القبيلين منتفعة من الجانبين ، والقوة القدسية كالزيت فإنها لصفائها وشدة ذكائها تكاد تضيء بالمعارف من غير تفكر ولا تعلم ، أو تمثيل للقوة العقلية في مراتبها بذلك فإنها في بدء أمرها خالية عن العلوم مستعدة لقبولها كالمشكاة ، ثم تنتقش بالعلوم الضرورية بتوسط إحساس الجزئيات بحيث تتمكن من تحصيل النظريات فتصير كالزجاجة متلألئة في نفسها قابلة للأنوار ، وذلك التمكن إن كان بفكر واجتهاد فكالشجرة الزيتونة وإن كان بالحدس فكالزيت ، وإن كان بقوة قدسية فكالتي يكاد زيتها يضيء لأنها تكاد تعلم ولو لم تتصل بملك الوحي والإِلهام الذي مثله النار من حيث إن العقول تشتعل عنه ، ثم إذا حصلت لها العلوم بحيث تتمكن من استحضارها متى شاءت كانت كالمصباح ، فإذا استحضرتها كانت نوراً على نور .","part":4,"page":381},{"id":1882,"text":"{ يَهْدِي الله لِنُورِهِ } لهذا النور الثاقب . { مَن يَشَآء } فإن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها . { وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ } إدناء للمعقول من المحسوس توضيحاً وبياناً . { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } معقولاً كان أو محسوساً ظاهراً كان أو خفياً ، وفيه وعد ووعيد لمن تدبرها وإن لم يكترث بها .","part":4,"page":382},{"id":1883,"text":"{ فِي بُيُوتٍ } متعلق بما قبله أي كمشكاة في بعض بيوت ، أو توقد في بيوت فيكون تقييد للممثل به بما يكون تحبيراً ومبالغة فيه فإن قناديل المساجد تكون أعظم ، أو تمثيلاً لصلاة المؤمنين أو أبدانهم بالمساجد ، ولا ينافي جمع البيوت وحدة المشكاة إذ المراد بها ماله هذا الوصف بلا اعتبار وحدة ولا كثرة أو بما بعده وهو يسبح ، وفيها تكرير مؤكد لا بيذكر لأنه من صلة أن فلا يعمل فيما قبله أو بمحذوف مثل سبحوا في بيوت ، والمراد بها المساجد لأن الصفة تلائمها . وقيل المساجد الثلاثة والتنكير للتعظيم . { أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ } بالبناء أو التعظيم . { وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه } عام فيما يتضمن ذكره حتى المذاكرة في أفعاله والمباحثة في أحكامه . { يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال } ينزهونه أي يصلون له فيها بالغدوات والعشيات ، والغدو مصدر أطلق للوقت ولذلك حسن اقترانه بالآصال وهو جمع أصيل ، وقرىء «والايصال» وهو الدخول في الأصيل وقرأ ابن عامر وأبو بكر «يسبح» بالفتح على إسناده إلى أحد الظروف الثلاثة ورفع رجال بما يدل عليه ، وقرىء تسبح بالتاء مكسوراً لتأنيث الجمع ومفتوحاً على إسناده إلى أوقات الغدو .\r{ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تجارة } لا تشغلهم معاملة رابحة . { وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله } مبالغة بالتعميم بعد التخصيص إن أريد به مطلق المعارضة ، أو بإفراد ما هو الأهم من قسمي التجارة فإن الربح يتحقق بالبيع ويتوقع بالشراء ، وقيل المراد بالتجارة الشراء فإنه أصلها ومبدؤها ، وقيل الجلب لأنه الغالب فيها ومنه يقال تجر في كذا إذا جلبه وفيه إيماء بأنهم تجار . { وَإِقَامِ الصلاة } عوض فيه الإِضافة من التاء المعوضة عن العين الساقطة بالإِعلال كقوله :\rوَأَخْلَفُوكَ عد الأَمرِ الَّذِي وَعَدُوا ... { وَإِيتَاء الزكواة } ما يجب إخراجه من المال للمستحقين . { يخافون يَوْماً } مع ما هم عليه من الذكر والطاعة . { تَتَقَلَّبُ فِيهِ القلوب والأبصار } تضطرب وتتغير من الهول ، أو تتقلب أحوالها فتفقه القلوب ما لم تكن تفقه وتبصر الأبصار ما لم تكن تبصره ، أو تتقلب القلوب مع توقع النجاة وخوف الهلاك والأبصار من أي ناحية يؤخذ بهم ويؤتى كتبهم .\r{ لِيَجْزِيَهُمُ الله } متعلق بيسبح أو لا تلهيهم أو يخافون . { أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } أحسن جزاء ما عملوا الموعود لهم من الجنة . { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } أشياء لم يعدهم بها على أعمالهم ولم تخطر ببالهم . { والله يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } تقرير للزيادة وتنبيه على كمال القدرة ونفاذ المشيئة وسعة الإِحسان .\r{ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ } والذين كفروا حالهم على ضد ذلك فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند الله يجدونها لاغية مخيبة في العاقبة كالسراب ، وهو ما يرى في الفلاة من لمعان الشمس عليها وقت الظهيرة فيظن أنه ماء يسرب أي يجري ، والقيعة بمعنى القاع وهو الأرض الخالية عن النبات وغيره المستوية ، وقيل جمعه كجار وجيرة وقرىء «بقيعات» كديمات في ديمة .","part":4,"page":383},{"id":1884,"text":"{ يَحْسَبُهُ الظمآن مَاءً } أي العطشان وتخصيصه لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عند مسيس الحاجة . { حتى إِذَا جَاءَهُ } جاء ما توهمه ماء أو موضعه . { لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً } مما ظنه . { وَوَجَدَ الله عِندَهُ } عقابه أو زبانيته أو وجده محاسباً إياه . { فوفاه حِسَابَهُ } استعراضاً أو مجازاة . { والله سَرِيعُ الحساب } لا يشغله حساب عن حساب . روي أنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية تعبد في الجاهلية والتمس الدين فلما جاء الإِسلام كفر .\r{ أَوْ كظلمات } عطف على { كَسَرَابٍ } و { أَوْ } للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب ، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا وكالسراب في الآخرة . { فِي بَحْرٍ لُّجّيّ } ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء . { يغشاه } يغشى البحر . { مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ } أي أمواج مترادفة متراكمة . { مّن فَوْقِهِ } من فوق الموج الثاني . { سَحَابٌ } غطى النجوم وحجب أنوارها ، والجملة صفة أخرى لل { بَحْرٍ } . { ظلمات } أي هذه ظلمات . { بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } وقرأ ابن كثير { ظلمات } بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة ال { سَحَابٌ } إليها في رواية البزي . { إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ } وهي أقرب ما يرى إليه . { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } لم يقرب أن يراها فضلاً أن يراها كقول ذي الرمة :\rإِذَا غَيَّرَ النَّأَي المُحِبِّينَ لَمْ يَكد ... رَسِيسُ الهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ\rوالضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه . { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً } ومن لم يقدر له الهداية . لم يوفقه لأسبابها . { فَمَا لَهُ مِن نُورٍ } خلاف الموفق الذي له نور على نور .\r{ أَلَمْ تَرَ } ألم تعلم علماً يشبه المشاهدة في اليقين والوثاقة بالوحي أو الاستدلال . { أَنَّ الله يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي السموات والأرض } ينزه ذاته عن كل نقص وآفة أهل السموات والأرض ، و { مِنْ } لتغليب العقلاء أو الملائكة والثقلان بما يدل عليه من مقال أو دلالة حال . { والطير } على الأول تخصيص لما فيها من الصنع الظاهر والدليل الباهر ولذلك قيدها بقوله : { صافات } فإن إعطاء الأجرام الثقيلة ما به تقوى على الوقوف في الجو باسطة أجنحتها بما فيها من القبض والبسط حجة قاطعة على كمال قدرة الصانع تعالى ولطف تدبيره . { كُلٌّ } كل واحد مما ذكر أو من الطير . { قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } أي قد علم الله دعاءه وتنزيهه اختياراً أو طبعاً لقوله : { والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } أو علم كل على تشبيه حاله في الدلالة على الحق والميل إلى النفع على وجه يخصه بحال من علم ذلك مع أنه لا يبعد أن يلهم الله تعالى الطير دعاء وتسبيحاً كما ألهمها علوماً دقيقة في أسباب تعيشها لا تكاد تهتدي إليها العقلاء .","part":4,"page":384},{"id":1885,"text":"{ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } فإنه الخالق لهما وما فيهما من الذوات والصفات والأفعال من حيث إنها ممكنة واجبة الانتهاء إلى الواجب . { وإلى الله المصير } مرجع الجميع .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً } يسوقه ومنه البضاعة المزجاة فإنه يزجيها كل أحد . { ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } بأن يكون قزعاً فيضم بعضه إلى بعض ، وبهذا الاعتبار صح بينه إذ المعنى بين أجزائه ، وقرأ نافع برواية ورش «يولف» غير مهموز . { ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } متراكماً بعضه فوق بعض . { فَتَرَى الودق } المطر . { يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } من فتوقه جمع خلل كجبال في جبل ، وقرىء من «خلله» . { وَيُنَزِّلُ مِنَ السماء } من الغمام وكل ما علاك فهو سماء . { مِن جِبَالٍ فِيهَا } من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها أو جمودها . { مِن بَرَدٍ } بيان للجبال والمفعول محذوف أي { يُنَزّلٍ } مبتدأ { مِنَ السماء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } برداً ، ويجوز أن تكون من الثانية أو الثالثة للتبعيض واقعة موقع المفعول ، وقيل المراد بالسماء المظلة وفيها جبال من برد كما في الأرض جبال من حجر ، وليس في العقل قاطع يمنعه والمشهور أن الأبخرة إذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحاباً ، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطراً ، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجاً وإِلا نزل برداً ، وقد يبرد الهواء برداً مفرطاً فينقبض وينعقد سحاباً . ينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك لا بد أن يستند إلى إرادة الواجب الحكيم لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالها وأوقاتها وإليها أشار بقوله : { فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عن مَن يَشَاء } والضمير لل { بَرَدٍ } . { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } ضوء برقه ، وقرىء بالمد بمعنى العلو وبإدغام الدال في السين و { بَرْقِهِ } بضم الباء وفتح الراء وهو جمع برقة وهي المقدار من البرق كالغرفة وبضمها للاتباع . { يَذْهَبُ بالأبصار } بأبصار الناظرين إليه من فرط الإِضاءة وذلك أقوى دليل على كمال قدرته من حيث إنه توليد للضد من الضد ، وقرىء { يَذْهَبُ } على زيادة الباء .\r{ يُقَلِّبُ الله اليل والنهار } بالمعاقبة بينهما أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر ، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور أو بما يعم ذلك . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما تقدم ذكره . { لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار } لدلالة على وجود الصانع القديم وكمال قدرته وإحاطة علمه ونفاذ مشيئته وتنزهه عن الحاجة وما يفضي إليها لمن يرجع إلى بصيرة .","part":4,"page":385},{"id":1886,"text":"{ والله خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ } حيوان يدب على الأرض . وقرأ حمزة والكسائي «خالق كل دابة» بالإِضافة . { مِن مَّاء } هو جزء مادته ، أو ماء مخصوص هو النطفة فيكون تنزيلاً للغالب منزلة الكل إذ من الحيوانات ما يتولد عن النطفة ، وقيل { مِن مَّاء } متعلق ب { دَابَّةٍ } وليس بصلة ل { خلقَ } . { فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ } كالحية وإنما سمي الزحف مشياً على الاستعارة أو المشاكلة . { وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ } كالإِنس والطير . { وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ } كالنعم والوحش ويندرج فيه ما له أكثر من أربع كالعناكب فإن اعتمادها إذا مشت على أربع ، وتذكير الضمير لتغليب العقلاء والتعبير عن الأصناف ليوافق التفصيل الجملة والترتيب لتقديم ما هو أعرف في القدرة . { يَخْلُقُ الله مَا يَشَاء } مما ذكر ومما لم يذكر بسيطاً ومركباً على اختلاف الصور والأعضاء والهيئات والحركات والطبائع والقوى والأفعال مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته . { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فيفعل ما يشاء .\r{ لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايات مبينات } للحقائق بأنواع الدلائل . { والله يَهْدِي مَن يَشَاء } بالتوفيق للنظر فيها والتدبر لمعانيها . { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو دين الإِسلام الموصل إلى درك الحق والفوز بالجنة .\r{ وَيِقُولُونَ آمَنَّا بالله وبالرسول } نزلت في بشر المنافق خاصم يهودياً فدعاه إلى كعب بن الأشرف وهو يدعوه إلى النبي A . وقيل في مغيرة بن وائل خاصم عليّاً Bه في أرض فأبى أن يحاكمه إلى رسول الله A . { وَأَطَعْنَا } أي وأطعناهما . { ثُمَّ يتولى } بالامتناع عن قبول حكمه . { فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذلك } بعد قولهم هذا . { وَمَا أولئك بالمؤمنين } إشارة إلى القائلين بأسرهم فيكون إعلاماً من الله تعالى بأن جميعهم وإن آمنوا بلسانهم لم تؤمن قلوبهم ، أو إلى الفريق منهم وسلب الإيمان عنهم لتوليهم ، والتعريف فيه للدلالة على أنهم ليسوا بالمؤمنين الذين عرفتهم وهم المخلصون في الإِيمان والثابتون عليه .\r{ وَإِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي ليحكم النبي A فإنه الحاكم ظاهراً والمدعو إليه ، وذكر الله لتعظيمه والدلالة على أن حكمه A في الحقيقة حكم الله تعالى { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } فاجأ فريق منهم الإِعراض إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم لهم ، وهو شرح للتولي ومبالغة فيه .\r{ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ الحق } أي الحكم لا عليهم . { يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } منقادين لعلمهم بأنه يحكم لهم ، و { إِلَيْهِ } صلة ل { يَأْتُواْ } أو ل { مُذْعِنِينَ } وتقديمه للاختصاص .\r{ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } كفر أو ميل إلى الظلم . { أَمِ ارتابوا } بأن رأوا منك تهمة فزال يقينهم وثقتهم بك . { أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } في الحكومة . { بَلْ أولئك هُمُ الظالمون } إضراب عن القسمين الأخيرين لتحقيق القسم فتعين الأول ، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم ، والثاني إما أن يكون محققاً عندهم أو متوقعاً وكلاهما باطل ، لأن منصب نبوته وفرط أمانته A يمنعه فتعين الأول وظلمهم يعم خلل عقيدتهم وميل نفوسهم إلى الحيف والفصل لنفي ذلك عن غيرهم سيما المدعو إلى حكمه .","part":4,"page":386},{"id":1887,"text":"{ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دُعُواْ إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وأولئك هُمُ المفلحون } على عادته تعالى في اتباع ذكر المحق المبطل والتنبيه على ما ينبغي بعد إنكاره لما لا ينبغي ، وقرىء { قَوْلَ } بالرفع و { لِيَحْكُمَ } على البناء للمفعول وإسناده إلى ضمير مصدره على معنى ليفعل الحكم .\r{ وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن . { وَيَخْشَ الله } على ما صدر عنه من الذنوب . { وَيَتَّقْهِ } فيما بقي من عمره ، وقرأ يعقوب وقالون عن نافع بلا ياء وأبو بكر وأبو عمرو بسكون الهاء ، وحفص بسكون القاف فشبه تقه بكتف وخفف والهاء ساكنة في الوقف بالاتفاق . { فأولئك هُمُ الفائزون } بالنعيم المقيم .\r{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم } إنكار للامتناع عن حكمه . { لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ } الخروج عن ديارهم وأموالهم . { لَيُخْرِجَنَّ } جواب ل { أَقْسَمُواْ } على الحكاية . { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } على الكذب . { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أي المطلوب منكم طاعة معروفة لا اليمين على الطاعة النفاقية المنكرة . أو { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } أمثل منها أو لتكن طاعة ، وقرئت بالنصب على أطيعوا طاعة . { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فلا يخفى عليه سرائركم .\r{ قُلْ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول } أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به على الحكاية مبالغة في تبكيتهم . { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ } أي على محمد A . { مَا حُمّلَ } من التبليغ . { وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } من الامتثال . { وَإِن تُطِيعُوهُ } في حكمه . { تَهْتَدُواْ } إلى الحق . { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } التبليغ الموضح لما كلفتم به ، وقد أدى وإنما بقي { مَّا حُمّلْتُمْ } فإن أديتم فلكم وإن توليتم فعليكم .\r{ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات } خطاب للرسول A وللأمة أوله ولمن معه ومن للبيان { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرض } ليجعلنهم خلفاء متصرفين في الأرض تصرف الملوك في مماليكهم ، وهو جواب قسم مضمر تقديره وعدهم الله وأقسم ليستخلفنهم ، أو الوعد في تحققه منزل منزلة القسم . { كَمَا استخلف الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني بني إسرائيل استخلفهم في مصر والشام بعد الجبابرة ، وقرأ أبو بكر بضم التاء وكسر اللام وإذا ابتدأ ضم الألف والباقون بفتحهما وإذا ابتدؤوا كسروا الألف . { وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذي ارتضى لَهُمْ } وهو الإِسلام بالتقوية والتثبيت . { وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ } من الأعداء ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بالتخفيف . { أَمْناً } منهم وكان رسول الله A وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين ، ثم هاجروا إلى المدينة وكان يصبحون في السلاح ويمسون فيه حتى أنجز الله وعده فأظهرهم على العرب كلهم وفتح لهم بلاد الشرق والغرب ، وفيه دليل على صحة النبوة للإِخبار عن الغيب على ما هو به وخلافة الخلفاء الراشدين إذ لم يجتمع الموعود والموعود عليه لغيرهم بالإِجماع .","part":4,"page":387},{"id":1888,"text":"وقيل الخوف من العذاب والأمن منه في الآخرة . { يَعْبُدُونَنِي } حال من الذين لتقييد الوعد بالثبات على التوحيد ، أو استئناف ببيان المقتضي للاستخلاف والأمن . { لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } حال من الواو أي يعبدونني غير مشركين . { وَمَن كَفَرَ } ومن ارتد أو كفر هذه النعمة . { بَعْدَ ذَلِكَ } بعد الوعد أو حصول الخلافة . { فأولئك هُمُ الفاسقون } الكاملون في فسقهم حيث ارتدوا بعد وضوح مثل هذه الآيات ، أو كفروا تلك النعمة العظيمة .\r{ وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكواة وَأَطِيعُواْ الرسول } في سائر ما أمركم به ولا يبعد عطف ذلك على أطيعوا الله فإن الفاصل وعد على المأمور به ، فيكون تكرير الأمر بطاعة الرسول A للتأكيد وتعليق الرحمة بها أو بالمندرجة هي فيه بقوله : { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } كما علق به الهدى .\r{ لاَ تَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض } لا تحسبن يا محمد الكفار معجزين لله عن إدراكهم وإهلاكهم ، و { فِي الأرض } صلة { مُعجِزِينَ } . وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على أن الضمير فيه لمحمد A ، والمعنى كما هو في القراءة بالتاء أو { الذين كَفَرُواْ } فاعل والمعنى ولا يحسبن الكفار في الأرض أحداً معجزاً لله ، فيكون { مُعْجِزِينَ فِي الأرض } مفعوليه أو لا يحسبونهم { مُعَجِزِينَ } فحذف المفعول الأول لأن الفاعل والمفعولين لشيء واحد فاكتفى بذكر اثنين عن الثالث . { وَمَأْوَاهُمُ النار } عطف عليه من حيث المعنى كأنه قيل : الذين كفروا ليسوا بمعجزين ومأواهم النار ، لأن المقصود من النهي عن الحسبان تحقيق نفي الإِعجاز . { وَلَبِئْسَ المصير } المأوى الذي يصيرون إليه .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم } رجوع إلى تتمة الأحكام السالفة بعد الفراغ من الإِلهيات الدالة على وجوب الطاعة فيما سلف من الأحكام وغيرها والوعد عليها والوعيد على الإِعراض عنها ، والمراد به خطاب الرجال والنساء غلب فيه الرجال لما روي أن غلام أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها في وقت كرهته فنزلت . وقيل أرسل رسول الله A مدلج بن عمرو الأنصاري وكان غلاماً وقت الظهيرة ليدعو عمر ، فدخل وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر رضي الله تعالى عنه : لوددت أن الله D نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذن ، ثم انطلق معه إلى النبي A فوجده وقد أنزلت هذه الآية : { والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ } والصبيان الذين لم يبلغوا من الأحرار فعبر عن البلوغ بالاحتلام لأنه أقوى دلائله . { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } في اليوم والليلة مرة . { مّن قَبْلِ صلاة الفجر } لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة ، ومحله النصب بدلاً من ثلاث مرات أو الرفع خبراً لمحذوف أي هي من قبل صلاة الفجر .","part":4,"page":388},{"id":1889,"text":"{ وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم } أي ثيابكم لليقظة للقيلولة . { مّنَ الظهيرة } بيان للحين . { وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء } لأنه وقت التجرد عن اللباس والالتحاف باللحاف . { ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } أي هي ثلاث أوقات يختل فيها تستركم ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره ما بعده وأصل العورة الخلل ومنها أعور المكان ورجل أعور . وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي { ثلاث } بالنصب بدلاً من { ثَلاَثَ مَرَّاتٍ } . { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } بعد هذه الأوقات في ترك الاستئذان ، وليس فيه ما ينافي آية الاستئذان فينسخها لأنه في الصبيان ومماليك المدخول عليه وتلك في الأحرار البالغين . { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ } أي هم طوافون استئناف ببيان العذر المرخص في ترك الاستئذان وهو المخالطة وكثرة المداخلة ، وفيه دليل على تعليل الأحكام وكذا في الفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها بأنها عورات . { بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } بعضكم طائف على بعض أو يطوف بعضكم على بعض . { كذلك } مثل ذلك التبيين . { يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } أي الأحكام . { والله عَلِيمٌ } بأحوالكم . { حَكِيمٌ } فيما شرع لكم .\r{ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ } الذين بلغوا من قبلهم في الأوقات كلها ، واستدل به من أوجب استئذان العبد البالغ على سيدته ، وجوابه أن المراد بهم المعهودين الذين جعلوا قسيماً للمماليك فلا يندرجون فيهم . { كذلك يُبَيّنُ الله لَكُمْ ءاياته والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } كرره تأكيداً ومبالغة في الأمر بالاستئذان .\r{ والقواعد مِنَ النساء } العجائز اللاتي قعدن عن الحيض والحمل . { اللاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً } لا يطمعن فيه لكبرهن . { فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ } أي الثياب الظاهرة كالجلباب ، والفاء فيه لأن اللام في { القواعد } بمعنى اللاتي أو لوصفها بها . { غَيْرَ متبرجات بِزِينَةٍ } غير مظهرات زينة مما أمرن بإخفائه في قوله تعالى : { وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ } وأصل التبرج التكلف في إظهار ما يخفى من قولهم : سفينة بارجة لا غطاء عليها ، والبرج سعة العين بحيث يرى بياضها محيطاً بسوادها كله لا يغيب منه شيء ، إلا أنه خص بتكشف المرأة زينتها ومحاسنها للرجال . { وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } من الوضع لأنه أبعد من التهمة . { والله سَمِيعٌ } لمقالتهن للرجال . { عَلِيمٌ } بمقصودهن .\r{ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ } نفي لما كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء حذراً من استقذارهم ، أو أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح ويبيح لهم التبسط فيه إذا خرج إلى الغزو وخلفهم على المنازل مخافة أن لا يكون ذلك من طيب قلب ، أو من إجابة من دعوهم إلى بيوت آبائهم وأولادهم وأقاربهم فيطعمونهم كراهة أن يكونوا كلاً عليهم ، وهذا إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة أو كان في أول الإِسلام ثم نسخ بنحو قوله","part":4,"page":389},{"id":1890,"text":"{ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبي إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ } وقيل نفي للحرج عنهم في القعود عن الجهاد وهو لا يلائم ما قبله ولا ما بعده . { وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ } من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم فيدخل فيها بيوت الأولاد لأن بيت الولد كبيته لقوله E « أنت ومالك لأبيك » وقوله E « إن أطيب ما يأكل المؤمن من كسبه وإن ولده من كسبه » { أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ } وهو ما يكون تحت أيديكم وتصرفكم من ضيعة أو ماشية وكالة أو حفظاً . وقيل بيوت المماليك والمفاتح جمع مفتح وهو ما يفتح به وقرىء { مفتاحه } . { أَوْ صَدِيقِكُمْ } أو بيوت صديقكم فإنهم أرضى بالتبسط في أموالهم وأسر به ، وهو يقع على الواحد والجمع كالخليط ، هذا كله إنما يكون إذا علم رضا صاحب البيت بإذن أو قرينة ولذلك خصص هؤلاء فإنه يعتاد التبسط بينهم ، أو كان ذلك في أول الإِسلام فنسخ فلا احتجاج للحنفية به على أن لا قطع بسرقة مال المحرم . { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً } مجتمعين أو متفرقين نزلت في بني ليث ابن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده . أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا معه . أو في قوم تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف الطبائع في القذارة والنهمة . { فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً } من هذه البيوت { فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ } على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة . { تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله } ثابتة بأمره مشروعة من لدنه ، ويجوز أن تكون صلة للتحية فإنه طلب الحياة وهي من عنده تعالى وانتصابها بالمصدر لأنها بمعنى التسليم . { مباركة } لأنها يرجى بها زيادة الخير والثواب . { طَيِّبَةً } تطيب بها نفس المستمع . وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنه E قال لي « متى لقيت أحداً من أمتي فسلم عليه يطل عمرك ، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوابين » { كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات } كرره ثلاثاً لمزيد التأكيد وتفخيم الأحكام المختتمة به وفصل الأولين بما هو المقتضى لذلك وهذا بما هو المقصود منه فقال : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي الحق والخير في الأمور .","part":4,"page":390},{"id":1891,"text":"{ إِنَّمَا المؤمنون } أي الكاملون في الإِيمان . { الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } من صميم قلوبهم . { وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ } كالجمعة والأعياد والحروب والمشاورة في الأمور ، ووصف الأمر بالجمع للمبالغة وقرىء «أمر جميع» . { لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَئذِنُوهُ } يستأذنوا رسول الله A فيأذن لهم ، واعتباره في كمال الإِيمان لأنه كالمصداق لصحته والمميز للمخلص فيه عن المنافق فإن ديدنه التسلل والفرار ، ولتعظيم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله A بغير إذنه ولذلك أعاده مؤكداً على أسلوب أبلغ فقال : { إِنَّ الذين يَسْتَذِنُونَكَ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة وأن الذهاب بغير إذن ليس كذلك . { فَإِذَا استئذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ } ما يعرض لهم من المهام ، وفيه أيضاً مبالغة وتضييق الأمر . { فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ } تفويض للأمر إلى رأي الرسول A ، واستدل به على أن بعض الأحكام مفوضة إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه فكأن المعنى : فأْذن لمن علمت أن له عذراً . { واستغفر لَهُمُ الله } بعد الإِذن فإن الاستئذان ولو لعذر قصور لأنه تقديم لأمر الدنيا على أمر الدين . { أَنَّ الله غَفُورٌ } لفرطات العباد . { رَّحِيمٌ } بالتيسير عليهم .\r{ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً } لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً في جواز الإِعراض والمساهلة في الإِجابة والرجوع بغير إذن ، فإن المبادرة إلى إجابته E واجبة والمراجعة بغير إذنه محرمة . وقيل لا تجعلوا نداءه وتسميته كنداء بعضكم بعضاً باسمه ورفع الصوت به والنداء من وراء الحجرات ، ولكن بلقبه المعظم مثل يا نبي الله ، ويا رسول الله مع التوقير والتواضع وخفض الصوت ، أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض فلا تبالوا بسخطه فإن دعاءه موجب ، أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم كبيركم يجيبه مرة ويرده أخرى فإن دعاءه مستجاب . { قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ } ينسلون قليلاً قليلاً من الجماعة ونظير تسلل تدرج وتدخل . { لِوَاذاً } يستتر بعضكم ببعض حتى يخرج ، أو يلوذ بمن يؤذن له فينطلق معه كأنه تابعه وانتصابه على الحال وقرىء بالفتح . { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } يخالفون أمره بترك مقتضاه ويذهبون سمتاً خلاف سمته ، و { عَنْ } لتضمنه معنى الإِعراض أو يصدون عن أمره دون المؤمنين من خالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه ، وحذف المفعول لأن المقصود بيان المخالف والمخالف عنه والضمير لله تعالى ، فإن الأمر له في الحقيقة أو للرسول فإنه المقصود بالذكر . { أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ } محنة في الدنيا .","part":4,"page":391},{"id":1892,"text":"{ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة واستدل به على أن الأمر للوجوب فإنه يدل على أن ترك مقتضى الأمر مقتض لأحد العذابين ، فإن الأمر بالحذر عنه يدل على خشية المشروط بقيام المقتضي له وذلك يستلزم الوجوب .\r{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } أيها المكلفون من المخالفة والموافقة والنفاق والإِخلاص ، وإنما أكد علمه ب { قَدْ } لتأكيد الوعيد . { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } يوم يرجع المنافقون إليه للجزاء ، ويجوز أن يكون الخطاب أيضاً مخصوصاً بهم على طريق الإِلتفات ، وقرأ يعقوب بفتح الياء وكسر الجيم . { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } من سوء الأعمال بالتوبيخ والمجازاة عليه . { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } لا يخفى عليه خافية .\rعن النبي A « من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي » .","part":4,"page":392},{"id":1893,"text":"مكية وآيها سبع وسبعون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ } تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير ، أو تزايد على كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله ، فإن البركة تتضمن معنى الزيادة ، وترتيبه عن إنزاله { الفرقان } لما فيه من كثرة الخير أو لدلالته على تعاليه . وقيل دام من بروك الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها ، وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى و { الفرقان } مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره أو المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في الإِنزال ، وقرىء «على عباده» وهم رسول الله A وأمته كقوله تعالى : { وَقَدْ أَنزَلْنَا اليكم آيات } أو الأنبياء على أن { الفرقان } اسم جنس للكتب السماوية . { لِيَكُونَ } العبد أو الفرقان . { للعالمين } للجن والإِنس . { نَذِيراً } منذراً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإِنكار ، هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم وجعلت صلة .\r{ الذي لَهُ مُلْكُ السموات والأرض } بدل من الأول أو مدح مرفوع أو منصوب . { وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } كزعم النصارى . { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك } كقول الثنوية أثبت له الملك مطلقاً ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ } أحدثه إحداثاً مراعى فيه التقدير حسب إرادته كخلقه الإِنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة . { فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال ، كتهيئة الإِنسان للإِدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك ، أو { فَقَدَّرَهُ } للبقاء إلى أجل مسمى . وقد يطلق الخلق لمجرد الإِيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق فيكون المعنى وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتاً .\r{ واتخذوا مِن دُونِهِ ءَالِهَةً } لما تضمن الكلام إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على المخالفين فيهما . { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ } لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم . { وَلاَ يَمْلِكُونَ } ولا يستطيعون . { لأَنفُسِهِمْ ضَرّاً } دفع ضر . { وَلاَ نَفْعاً } ولا جلب نفع . { وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً } ولا يملكون إماتة أحد وإحياءه أولاً وبعثه ثانياً ومن كان كذلك فبمعزل عن الأُلوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها ، وفيه تنبيه على أن الإِله يجب أن يكون قادراً على البعث والجزاء .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ } كذب مصروف عن وجهه . { افتراه } اختلقه . { وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ ءَاخَرُونَ } أي اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته ، وقيل جبر ويسار وعداس وقد سبق في قوله","part":4,"page":393},{"id":1894,"text":"{ إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } { فَقَدْ جَاءُو ظُلْماً } بجعل الكلام المعجز { إِفك } مختلقاً متلقفاً من اليهود . { وَزُوراً } بنسبة ما هو بريء منه إليه وأتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته .\r{ وَقَالُواْ أساطير الأولين } ما سطره المتقدمون . { اكتتبها } كتبها لنفسه أو استكتبها ، وقرىء على البناء للمفعول لأنه أمي وأصله : اكتتبها كاتب له ، فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل وبني الفعل للضمير فاستتر فيه . { فَهِىَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب أو لتكتب .\r{ قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السموات والأرض } لأنه أعجزكم عن آخِركم بفصاحته وتضمنه أخباراً عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف تجعلونه { أساطير الأولين } . { إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صباً .\r{ وَقَالُواْ مَّالِ هذا الرسول } ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم . { يَأْكُلُ الطعام } كما نأكل . { وَيَمْشِي فِي الاسواق } لطلب المعاش كما نمشي ، والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا ، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } لنعلم صدقه بتصديق الملك .\r{ أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ } فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش . { أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه ، وقرأ حمزة والكسائي بالنون والضمير للكفار . { وَقَالَ الظالمون } وضع { الظالمون } موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوه . { إِن تَتَّبِعُونَ } ما تتبعون . { إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } سحر فغلب على عقله ، وقيل ذا سحر وهو الرئة أي بشراً لا ملكاً .\r{ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال } أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة . { فُضَلُّواْ } عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبط عشواء . { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى .\r{ تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ } في الدنيا . { خَيْراً مّن ذلك } مما قالوا لكن أخره إلى الآخرة لأنه خير وأبقى . { جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار } بدل من { خَيْرًا } . { وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً } عطف على محل الجزاء ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بالرفع لأن الشرط إذا كان ماضياً جاز في جزائه الجزم والرفع كقوله :\rوَإِنَّ أَتَاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لاَ غَائِبٌ مَالِي وَلاَ حَرَمُ\rويجوز أن يكون استئنافاً بوعد ما يكون له في الآخرة ، وقرىء بالنصب على أنه جواب بالواو .","part":4,"page":394},{"id":1895,"text":"{ بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة } فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك ، أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة ، أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة ، أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه . { وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً } ناراً شديدة الاستعار ، وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان .\r{ إِذَا رَأَتْهُمْ } إِذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه السلام « لا تتراءى ناراهما » أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم . { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } هو أقصى ما يمكن أن يرى منه . { سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً } صوت تغيظ ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه ، هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر . وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف .\r{ وَإَذَا أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً } في مكان ومنها بيان تقدم فصار حالاً . { ضَيِّقاً } لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها كعرض السموات والأرض . { مُقْرَّنِينَ } قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل . { دَعَوْاْ هُنَالِكَ } في ذلك المكان . { ثُبُوراً } هلاكاً أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون تعال يا ثبوراه فهذا حينك .\r{ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا } أي يقال لهم ذلك . { وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً } لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته ، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى : { كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب } أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور .\r{ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد التي وُعِدَ المتقون } الإِشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم أو إلى ال { كَنْزٌ } أو ال { جَنَّةُ } ، والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة ال { جَنَّةُ } إلى { الخلد } للمدح أو للدلالة على خلودها ، أو التمييز عن جنات الدنيا . { كَانَتْ لَهُمْ } في علم الله أو اللوح ، أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع . { جَزَاءً } على أعمالهم بالوعد . { وَمَصِيراً } ينقلبون إليه ، ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب لأنهم في مقابلتهم .\r{ لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } ما يشاؤونه من النعيم ، ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذ الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي ، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة .","part":4,"page":395},{"id":1896,"text":"{ خالدين } حال من أحد ضمائرهم . { كَانَ على رَبّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً } الضمير في { كَانَ } ل { مَا يَشَآءُونَ } والوعد الموعود أي : كان ذلك موعداً حقيقاً بأن يسأل ويطلب ، أو مسؤولاً سأله الناس في دعائهم { رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } أو الملائكة بقولهم { رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ } وما في { على } من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإِلجاء إلى الإِنجاز ، فإن تعلق الإِرادة بالوعود مقدم على الوعد الموجب للإِنجاز .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } للجزاء ، وقرىء بكسر الشين وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالياء . { وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } يعم كل معبود سواه تعالى ، واستعمال { مَا } إما لأن وضعه أعم ولذلك يطلق لكل شبح يرى ولا يعرف ، أو لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم أو لتغليب الأصنام تحقيراً أو اعتباراً لغلبة عبادها ، أو يخص الملائكة وعزيراً والمسيح بقرينة السؤال والجواب ، أو الأصنام ينطقها الله أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في كلام الأيدي والأرجل . { فَيَقُولُ } أي للمعبودين وهو على تلوين الخطاب ، وقرأ ابن عامر بالنون . { أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل } لإِخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح ، وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة ، وأصله { أأضللتم } أو { ضَلُّواْ } فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولي للفعل دونه لأنه لا شبهه فيه وإلا لما توجه العتاب ، وحذف صلة الضل مبالغة .\r{ قَالُواْ سبحانك } تعجباً مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون ، أو جمادات لا تقدر على شيء أو إشعاراً بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده ، أو تنزيهاً لله تعالى عن الأنداد . { مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا } ما يصح لنا . { أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء } للعصمة أو لعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحداً دونك ، وقرىء { نَّتَّخِذَ } على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى : { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً } ومفعوله الثاني { مِنْ أَوْلِيَاء } و { مِنْ } للتبعيض وعلى الأول مزيدة لتأكيد النفي . { ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءَابَاءَهُمْ } بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات . { حتى نَسُواْ الذكر } حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك ، وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه ، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة . { وَكَانُواْ } في قضائك . { قَوْماً بُوراً } هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع ، أو جمع بائر كعائذ وعوذ .\r{ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ } التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإِلزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون . { بِمَا تَقُولُونَ } في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا والباء بمعنى في ، أو مع المجرور بدل من الضمير ، وعن ابن كثير بالياء أي : { كَذَّبُوكُمْ } بقولهم { سبحانك مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا } .","part":4,"page":396},{"id":1897,"text":"{ فَمَا يَسْتَطِيعُونَ } أي المعبودون وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين . { صَرْفاً } دفعاً للعذاب عنكم ، وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال . { وَلاَ نَصْراً } يعينكم عليه . { وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ } أيها المكلفون . { نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً } هي النار والشرط وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقاً ، وهو التوبة والإِحباط بالطاعة إجماعاً وبالعفو عندنا .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِي الأسواق } أي إلا رسلاً إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } ويجوز أن تكون حالاً اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقولهم { مَّالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق } وقرىء { يَمْشُونَ } أي تمشيهم حوائجهم أو الناس . { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ } أيها الناس . { لِبَعْضٍ فِتْنَةً } ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء ، والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم ، وهو تسلية لرسول الله A على ما قالوه بعد نقضه ، وفيه دليل على القضاء والقدر . { أَتَصْبِرُونَ } علة للجعل والمعنى { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً } لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أو حث على الصبر على ما افتتنوا به . { وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً } بمن يصبر أو بالصواب فيما يبتلى به وغيره .","part":4,"page":397},{"id":1898,"text":"{ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ } لا يأملون . { لِقَاءَنَا } بالخير لكفرهم بالبعث ، أولا يخافون { لِقَاءنَا } بالشر على لغة تهامة ، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي ، والمراد به الوصول إلى جزائه ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول . { لَوْلاَ } هلا . { أُنزِلَ عَلَيْنَا الملائكة } فتخبرنا بصدق محمد A ، وقيل فيكونوا رسلاً إلينا . { أَوْ نرى رَبَّنَا } فيأمرنا بتصديقه واتباعه . { لَقَدِ استكبروا فِي أَنفُسِهِمْ } أي في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك . { وَعَتَوْا } وتجاوزوا الحد في الظلم . { عُتُوّاً كَبِيراً } بالغاً أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها ، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية ، واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم كقوله :\rوَجَارَةُ جَسَّاسٍ أَبأنا بِنَابِهَا ... كُلَيْباً عَلَتْ نَاب كُلَيْب بوَاؤهَا\r{ يَوْمَ يَرَوْنَ الملائكة } ملائكة الموت أو العذاب ، و { يَوْمَ } نصب باذكر أو بما دل عليه . { لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } فإنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها ، و { يَوْمَئِذٍ } تكرير أو خبر و { لّلْمُجْرِمِينَ } تبيين أو خبر ثان أو ظرف لما يتعلق به اللام ، أو ل { بُشْرىً } إن قدرت منونة غير مبنية مع { لا } فإنها لا تعمل ، ولل { مُّجْرِمِينَ } إما عام يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان ولا يلزم عن نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر ، وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلاً على جرمهم وإشعاراً بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابلها . { وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً } عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ ، هذه الكلمة استعاذة وطلباً من الله تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه ، أو تقولها الملائكة بمعنى حراماً عليكم الجنة أو البشرى . وقرىء { حجْراً } بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقعدك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه ولا يظهر ناصبه ، ووصفه بمحجوراً للتأكيد كقولهم : موت مائت .\r{ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً } أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقرى الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره ، وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثراً ، وال { هَبَاء } غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار ، و { مَّنثُوراً } صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها ، أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى :","part":4,"page":398},{"id":1899,"text":"{ كُونُواْ قِرَدَةً خاسئين } { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } مكاناً يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث . { وَأَحْسَنُ مَقِيلاً } مكاناً يؤوى إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزاً له من مكان القيلولة على التشبيه ، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالباً إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين ، ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة ، والتفضيل إما لإِرادة الزيادة مطلقاً أو بالإِضافة إلى ما للمترفين في الدنيا . روي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار .\r{ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء } أصله تتشقق فحذفت التاء ، وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب . { بالغمام } بسبب طلوع الغمام منها وهو الغمام المذكور في قوله { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة } { وَنُزِّلَ الملائكة تَنزِيلاً } في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد ، وقرأ ابن كثير «وننزل» وقرىء و «نزلت» «وأنزل» { وَنُزِّلَ الملائكة } بحذف نون الكلمة .\r{ الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن } الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه فهو الخبر و { للرحمن } صلته ، أو تبيين و { يَوْمَئِذٍ } مفعول { الملك } لا { الحق } لأنه متأخر أو صفته والخبر { يَوْمَئِذٍ } أو { للرحمن } . { وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً } شديداً .\r{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ } من فرط الحسرة ، وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما ، والمراد ب { الظالم } الجنس . وقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي A ، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل ، وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال : لا ، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه فشهدت له ، فقال لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه ، فوجده ساجداً في دار الندوة ففعل ذلك ، فقال E : \" لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف ، فأسر يوم بدر \" فأمر علياً فقتله وطعن أبَياً بِأُحُدْ في المبارزة فرجع إلى مكة ومات . { يَقُولُ ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً } طريقاً إلى النجاة أو طريقاً واحداً وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة .\r{ يَا وَيْلَتَى } وقرىء بالياء على الأصل . { لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً } يعني من أضله وفلان كناية عن الأعلام كما أن هنا كناية عن الأجناس .","part":4,"page":399},{"id":1900,"text":"{ لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر } عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرسول ، أو كلمة الشهادة . { بَعْدَ إِذْ جَاءنِي } وتمكنت منه . { وَكَانَ الشيطان } يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمله على مخالته ومخالفة الرسول ، أو كل من تشيطن من جن وإنس . { للإنسان خَذُولاً } يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه ، فعول من الخذلان .\r{ وَقَالَ الرسول } محمد يومئذ أو في الدنيا بثاً إلى الله تعالى . { قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِي } قريشاً . { اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً } بأن تركوه وصدوا عنه ، وعنه E « من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول : يا رب عبدك هذا اتخذني مهجوراً اقض بيني وبينه » أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين ، فيكون أصله { مَهْجُوراً } فيه فحذف الجار ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول ، وفيه تخويف لقومه فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب .\r{ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين } كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا ، وفيه دليل على أنه خالق الشر ، والعدو يحتمل الواحد والجمع . { وكفى بِرَبّكَ هَادِياً } إلى طريق قهرهم . { وَنَصِيراً } لك عليهم .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرءان } أي أنزل عليه كخبر بمعنى أخبر لئلا يناقض قوله : { جُمْلَةً واحدة } دفعة واحدة كالكتب الثلاثة ، وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإِعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقاً مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله : { كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ } أي كذلك أنزلناه مفرقاً فتقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه ، لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان E أمياً وكانوا يكتبون ، فلو ألقي عليه جملة لعيل بحفظه ، ولعله لم يستتب له فإن التلقف لا يتأتى إلا شيئاً فشيئاً ، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى ، ولأنه إذا نزل منجماً وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه ، ولأنه إذا نزل به جبريل حالاً بعد حال يثبت به فؤاده ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية ، فإنه يعين على البلاغة ، وكذلك صفة مصدر محذوف والإِشارة إلى إنزاله مفرقاً فإنه مدلول عليه بقوله { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة ولذلك وقف عليه فيكون حالاً والإِشارة إلى الكتب السابقة ، واللام على الوجهين متعلق بمحذوف . { وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً } وقرأناه عليك شيئاً بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها .","part":4,"page":400},{"id":1901,"text":"{ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ } سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك . { إِلاَّ جئناك بالحق } الدامغ له في جوابه . { وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } وبما هو أحسن بياناً أو معنى من سؤالهم ، أو { لا يَأْتُونَكَ } بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفاً لما بعثت له .\r{ الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ } أي مقلوبين أو مسحوبين عليها ، أو متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها . وعنه E « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف ، صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه » وهو ذم منصوب أو مرفوع أو مبتدأ خبره . { أولئك شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً } والمفضل عليه هو الرسول A على طريقة قوله تعالى : { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ } كأنه قيل إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه وتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانًا وأضل سبيلاً ، وقيل إنه متصل بقوله { أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة .","part":4,"page":401},{"id":1902,"text":"{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون وَزِيراً } يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة ، لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه .\r{ فَقُلْنَا اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ } يعني فرعون وقومه . { بئاياتنا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً } أي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم ، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم لا الوقوع ، وقرىء «فدمرتهم» «فدمراهم فدمرانهم» على التأكيد بالنون الثقيلة .\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل } كذبوا نوحاً ومن قبله ، أو نوحاً وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقاً كالبراهمة . { أغرقناهم } بالطوفان . { وجعلناهم } وجعلنا إغراقهم أو قصتهم . { لِلنَّاسِ ءَايَةً } عبرة . { وَأَعْتَدْنَا للظالمين عَذَاباً أَلِيماً } يحتمل التعميم والتخصيص فيكون وضعاً للظاهر موضع المضمر تظليماً لهم .\r{ وَعَاداً وَثَمُودَ } عطف على هم في { جعلناهم } أو على «الظالمين» لأن المعنى ووعدنا الظالمين ، وقرأ حمزة وحفص «وثمود» على تأويل القبيلة . { وأصحاب الرس } قوم كانوا يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيباً فكذبوه ، فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم . وقيل { الرس } قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا . وقيل الأخدود وقيل بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيباً النجار ، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون ، وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد ، ولذلك سميت مغرباً فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم أنهم قتلوه فأهلكوا . وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر . { وَقُرُوناً } وأهل أعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون . { بَيْنَ ذلك } إشارة إلى ما ذكر . { كَثِيراً } لا يعلمها إلا الله .\r{ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال } بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين إنذاراً وإعذاراً فلما أصروا أهلكوا كما قال : { وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً } فتتناه تفتيتاً ومنه التبر لفتات الذهب والفضة ، { وَكُلاًّ } الأول منصوب بما دل عليه { ضَرَبْنَا } كأنذرنا والثاني ب { تَبَّرْنَا } لأنه فارغ .\r{ وَلَقَدْ أَتَوْا } يعني قريشاً مروا مراراً في متاجرهم إلى الشام . { عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء } يعني سدوم عظمى قرى قوم لوط أمطرت عليها الحجارة . { أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا } في مرار مرورهم فيتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله . { بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً } بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشوراً ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم ، أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون طمعاً في الثواب ، أو لا يخافونه على اللغة التهامية .","part":4,"page":402},{"id":1903,"text":"{ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً } ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوءاً به . { أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً } محكي بعد قول مضمر والإِشارة للاستحقار ، وإخراج بعث الله رسولاً في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإِنكار واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولاً .\r{ إِن } إنه . { كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءَالِهَتِنَا } ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات . { لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها و { لَوْلاَ } في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ . { وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً } كالجواب لقولهم { وَإِن كَادُواْ لَيُضِلُّنَا } فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له ، وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يهملهم وإن أمهلهم .\r{ أَرَءَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلاً ، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به . { أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً } حفيظاً تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإِنكار .\r{ أَمْ تَحْسَبُ } بل أتحسب . { أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ } فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم ، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإِضراب عنه إليه ، وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكباراً وخوفاً على الرئاسة . { إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام } في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات . { بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ، ولأنها إن لم تعتقد حقاً ولم تكتسب خيراً لم تعتقد باطلاً ولم تكتسب شراً ، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم .\r{ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ } ألم تنظر إلى صنعه . { كَيْفَ مَدَّ الظل } كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك ، فغير النظم إشعاراً بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه ، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال ، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس : يسخن الجو ويبهر البصر ، ولذلك وصف به الجنة فقال","part":4,"page":403},{"id":1904,"text":"{ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } { وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } ثابتاً من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد . { ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً } فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام ، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها .\r{ ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا } أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف . { قَبْضاً يَسِيراً } قليلاً قليلاً حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق ، و { ثُمَّ } في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادىء أوقات ظهورها ، وقيل { مَدَّ الظل } لما بنى السماء بلا نير ، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتاً على تلك الحالة ، ثم خلق الشمس عليه دليلاً ، أي مسلطاً عليه مستتبعاً إياه كما يستتبع الدليل المدلول ، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها ، { ثُمَّ قبضناه إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً } شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي غاية نقصانه ، أو { قَبْضاً } سهلاً عند قيام الساعة بقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها .","part":4,"page":404},{"id":1905,"text":"{ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً } شبه ظلامه باللباس في ستره . { والنوم سُبَاتاً } راحة للأبدان بقطع المشاغل ، وأصل السبت القطع أو موتاً كقوله : { وَهُوَ الذي يتوفاكم باليل } لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت . { وَجَعَلَ النهار نُشُوراً } ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش ، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور . وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر .\r{ وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح } وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس . { نشَرًا } ناشرات للحساب جمع نشور ، وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف وحمزة والكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به وعاصم { بُشْرًا } تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر { بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } يعني قدام المطر . { وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً طَهُوراً } مطهراً لقوله { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } . وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به . قال E \" التراب طهور المؤمن \" \" طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً إحداهن بالتراب \" وقيل بليغاً في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب ، وتوصيف الماء به إشعاراً بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته ، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى .\r{ لّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } بالنبات وتذكير { مَيْتًا } لأن البلدة في معنى البلد ، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجرى مجرى الجامد . { وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً } يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي ، وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار ، والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عن سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالباً مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة ، فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإِنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها ، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها ، وقرىء { نسقيه } بالفتح وسقى وأسقى لغتان ، وقيل أسقاه جعل له سقياً { وَأَنَاسِيَّ } بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء .\r{ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ } صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب ، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما ، وعن ابن عباس Bه : «ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية» أو في الأنهار والمنافع .","part":4,"page":405},{"id":1906,"text":"{ لّيَذَّكَّرُواْ } ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره ، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم . { فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا } إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها ، أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافراً بخلاف من يرى أنها من خلق الله ، والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى .\r{ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً } نبياً ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قَصَرْنَا الأمر عليك إجلالاً لك وتعظيماً لشأنك وتفضيلاً لك على سائر الرسل ، فَقَابِل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق .\r{ فَلاَ تُطِعِ الكافرين } فيما يريدونك عليه ، وهو تهييج له E وللمؤمنين . { وجاهدهم بِهِ } بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع ، والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم . { جِهَاداً كَبيراً } لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف ، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم ، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى .\r{ وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين } خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها . { هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ } قامع للعطش من فرط عذوبته . { وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } بليغ الملوحة ، وقرىء { مِلْحٌ } على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد . { وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً } حاجزاً من قدرته . { وَحِجْراً مَّحْجُوراً } وتنافراً بليغاً كأن كلاً منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه ، وقيل حدا محدوداً وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها ، وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية .\r{ وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً } تعني الذي خمر به طينة آدم ، أو جعله جزءاً من مادة البشر لتجتمع لتبشر وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة ، أو النطفة . { فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً } أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم ، وذاوت صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله تعالى : { فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى } { وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً } حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين ، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكراً وأنثى .\r{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ } يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر .","part":4,"page":406},{"id":1907,"text":"{ وَكَانَ الكافر على رَبّهِ ظَهِيراً } يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد ب { الكافر } الجنس أو أبو جهل . وقيل هيناً مهيناً لا وقع له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ الله وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ } { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } للمؤمنين والكافرين .\r{ قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه { إِلاَّ مُبَشّرًا وَنَذِيرًا } . { مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء } إلا فعل من شاء . { أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً } أن يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإِيمان والطاعة ، فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله واستثناه منه قلعاً لشبهة الطمع وإظهاراً لغاية الشفقة ، حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن العقاب أجراً وافياً مرضياً به مقصوراً عليه ، وإشعاراً بأن طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها بدلالته . وقيل الاستثناء منقطع معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل .","part":4,"page":407},{"id":1908,"text":"{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ } في استكفاء شرورهم والإِغناء عن أجورهم ، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم . { وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ } ونزهه عن صفات النقصان مثنياً عليه بأوصاف الكمال طالباً لمزيد الأنعام بالشكر على سوابغه . { وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ } ما ظهر منها وما بطن . { خَبِيراً } مطلعاً فلا عليك أن آمنوا أو كفروا .\r{ الذي خَلَقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمن } قد سبق الكلام فيه ، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقاً بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه ، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج ، و { الرحمن } خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي ، أو بدل من المستكن في { استوى } وقرىء بالجر صفة للحي . { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً } فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالماً يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى ، أو جبريل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه ، وقيل الضمير { للرحمن } والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم ، وعلى هذا يجوز أن يكون { الرحمن } مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء . وقيل إنه صلة { خَبِيراً } .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُواْ وَمَا الرحمن } لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله ، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا : { أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا } أي للذي تأمرناه يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان . وقيل لأنه كان معرباً لم يسمعوه . وقرأ حمزة والكسائي «يأمرنا» بالياء على أنه قول بعضهم لبعض . { وَزَادَهُمْ } أي الأمر بالسجود { للرحمن } . { نُفُورًا } عن الإِيمان .\r{ تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السماء بُرُوجاً } يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه من التبرج لظهوره . { وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً } يعني الشمس لقوله { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } وقرأ حمزة والكسائي «سرجاً» وهي الشمس والكواكب الكبار . { وَقَمَراً مُّنِيراً } مضيئاً بالليل ، وقرىء { وَقَمَراً } أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب والعرب .\r{ وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً } أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه ، أو بأن يعتقبا لقوله تعالى : { واختلاف اليل والنهار } وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة . { لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ } بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد .","part":4,"page":408},{"id":1909,"text":"{ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً } أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم ، أو ليكونا وقتين للمتذكرين الشاكرين من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة ، وقرأ حمزة { أَن يَذَّكَّرَ } من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا ووافقه الكسائي فيه .\r{ وَعِبَادُ الرحمن } مبتدأ خبره { أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة } أو : { الذين يَمْشُونَ على الأرض } وإضافتهم إلى { الرحمن } للتخصيص والتفضيل ، أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار . { هَوْناً } هينين أو مشياً هيناً مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع { وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً } تسلماً منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر ، أو سداداً من القول يسلمون فيه من الإِيذاء والإِثم ، ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإِغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام .\r{ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقياما } في الصلاة ، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه .\r{ والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً } لازماً ومنه الغريم لملازمته ، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم .\r{ إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً } أي بئست مستقراً ، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن ، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقراً حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والإِبتداء من الله .\r{ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ } لم يجاوزوا حد الكرم . { وَلَمْ يَقْتُرُواْ } ولم يضيقوا تضييق الشحيح . وقيل الإِسراف هو الإِنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر ، وقرىء بالتشديد والكل واحد . { وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً } وسطاً عدلاً سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما ، وقرىء بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خبر ثان أو حال مؤكدة ، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغواً ، وقيل إنه اسم { كَانَ } لكنه مبني لإِضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإِخبار بالشيء عن نفسه .\r{ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التى حَرَّمَ الله } أي حرمها بمعنى حرم قتلها . { إِلاَّ بالحق } متعلق بالقتل المحذوف ، أو بلا يقتلون { وَلاَ يَزْنُونَ } نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهاراً لكمال إيمانهم وإشعاراً بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك ، وتعريضاً للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديداً لهم فقال : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً } جزاء إثم أو إثماً بإضمار الجزاء ، وقرىء «أياماً» أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب .","part":4,"page":409},{"id":1910,"text":"{ يضاعف لَهُ العذاب يَوْمَ القيامة } بدل من { يَلْقَ } لأنه في معناه كقوله :\rمَتَى تَأَتِنَا تُلمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأَجَّجَا\rوقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك : { وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً } وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الأَلف في «يضعف» ، وقرىء { وَيَخْلُدْ } على بناء المفعول مخففاً ، وقرىء مثقلاً وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله :\r{ إِلاَّ مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحا فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حسنات } بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم ، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة . وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه ، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثواباً . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } فلذلك يعفو عن السيئات ويثيب على الحسنات .\r{ وَمَن تَابَ } عن المعاصي بتركها والندم عليها . { وَعَمِلَ صالحا } يتلافى به ما فرط ، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة . { فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله } يرجع إلى الله بذلك . { مَتاباً } مرضياً عند الله ماحياً للعقاب محصلاً للثواب ، أو يتوب متاباً إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم؛ أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعاً حسناً وهو تعميم بعد تخصيص .\r{ والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ } لا يقيمون الشهادة الباطلة ، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه . { وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ } ما يجب أن يلقى ويطرح . { مَرُّواْ كِراماً } معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ، ومن ذلك الإِغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية عما يستهجن التصريح به .\r{ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بئايات رَبّهِمْ } بالوعظ أو القراءة . { لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً } لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لاَ يسمع ولا يبصر ، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية ، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك : لا يلقاني زيد مسلماً . وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها { باللغو } .\r{ والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ } بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل ، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة ، و { مِنْ } إبتدائية أو بيانية كقولك : رأيت منك أسداً ، وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر «وذريتنا» وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص ويعقوب { وذرياتنا } بالألف ، وتنكير ال { أَعْيُنٍ } لإِرادة تنكير ال { قُرَّةَ } تعظيماً وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى عيون غيرهم .","part":4,"page":410},{"id":1911,"text":"مكية إلا قوله تعالى وَالشُّعَراءُ يَتَبِعُهُمُ الغَاوُونَ إلى\rآخرها وهي مائتان وست أو سبع وعشرون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ طسم } قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالإِمالة ، ونافع بين كراهة للعود إلى الياء المهروب منها ، وأظهر نونه حمزة لأنه في الأصل منفصل عما بعده .\r{ تِلْكَ ءَايَاتُ الكتاب المبين } الظاهر إعجازه وصحته ، والإِشارة إلى السورة أو القرآن على ما قرر في أول «البقرة» .\r{ لَعَلَّكَ باخع نَّفْسَكَ } قاتل نفسك ، وأصل البخع أن يبلغ بالذبح النخاع وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد الذبح ، وقرىء { باخع نَّفْسَكَ } بالإِضافة ، ولعل للإِشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة . { أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا .\r{ إِن نَّشَأْ نُنَزّلْ عَلَيْهِمْ مّنَ السماء ءَايَةً } دلالة ملجئة إلى الإِيمان أو بلية قاسرة عليه . { فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الخبر على أصله . وقيل لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم . وقيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات من قولهم : جاءنا عنق من الناس لفوج منهم ، وقرىء { خاضعة } و { ظَلْتَ } عطف على { نُنَزّلُ } عطف وأكن على فأصدق لأنه لو قيل أنزلنا بدله لصح .\r{ وَمَا يَأْتِيهِم مّن ذِكْرٍ } موعظة أو طائفة من القرآن . { مّنَ الرحمن } يوحيه إلى نبيه . { مُّحْدَثٍ } مجدد إنزاله لتكرير التذكير وتنويع التقرير . { إِلاَّ كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ } إلا جددوا إعراضاً عنه وإصراراً على ما كانوا عليه .\r{ فَقَدْ كَذَّبُواْ } أي بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمناً في قوله : { فَسَيَأْتِيهِمْ } أي إذا مسهم عذاب الله يوم بدر أو يوم القيامة . { أَنْبَاءُ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } من أنه كان حقاً أم باطلاً ، وكان حقيقاً بأن يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف أمره .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض } أو لم ينظروا إلى عجائبها . { كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ } صنف . { كَرِيمٌ } محمود كثير المنفعة ، وهو صفة لكل ما يحمد ويرضى ، وههنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة ، وأن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا وله فائدة إما وحده أو مع غيره ، و { كُلٌّ } لإِحاطة الأزواج { وَكَمْ } لكثرتها .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ } إن في إنبات تلك الأصناف أو في كل واحد . { لآيَةً } على أن منبتها تام القدرة والحكمة ، سابغ النعمة والرحمة . { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } في علم الله وقضائه فلذلك لا ينفعهم أمثال هذه الآيات العظام .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } الغالب القادر على الانتقام من الكفرة . { الرحيم } حيث أمهلهم أو العزيز في انتقامه ممن كفر الرحيم لمن تاب وآمن .","part":4,"page":411},{"id":1912,"text":"{ وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى } مقدر باذكر أو ظرف لما بعده . { أَنِ ائت } أي { ائت } أو بأن { ائت } . { القوم الظالمين } بالكفر واستعباد بني إسرائيل . وذبح أولادهم .\r{ قَوْمِ فِرْعَونَ } بدل من الأول أو عطف بيان له ، ولعل الإِقتصار على القوم للعلم بأن فرعون كان أولى بذلك . { أَلا يَتَّقُونَ } استئناف أتبعه إرساله إليهم للإِنذار تعجيباً له من إفراطهم في الظلم واجترائهم عليه ، وقرىء بالتاء على الالتفات إليهم زجراً لهم وغضباً عليهم ، وهم وإن كان غيباً حينئذ أجروا مجرى الحاضرين في كلام المرسل إليهم من حيث إنه مبلغه إليهم وإسماعه مبدأ إسماعهم ، مع ما فيه من مزيد الحث على التقوى لمن تدبره وتأمل مورده ، وقرىء بكسر النون اكتفاء بها عن ياء الإِضافة ، ويحتمل أن يكون بمعنى ألا يا ناس اتقون كقوله : أَلا يا اسجدوا .\r{ قَالَ رَبّ إِنّي أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إلى هارون } رتب استدعاء ضم أخيه إليه وإشراكه له في الأمر على الأمور الثلاثة : خوف التكذيب ، وضيق القلب انفعالاً عنه ، وازدياد الحبسة في اللسان بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه بحيث لا ينطلق ، لأنها إذا اجتمعت مست الحاجة إلى معين يقوي قلبه وينوب منابه متى تعتريه حبسة حتى لا تختل دعوته ولا تنبتر حجته ، وليس ذلك تعللاً منه وتوقفاً في تلقي الأمر ، بل طلباً لما يكون معونة على امتثاله وتمهيد عذره فيه ، وقرأ يعقوب { وَيَضِيقُ } { وَلاَ يَنطَلِقُ } بالنصب عطفاً على { يَكْذِبُونَ } فيكونان من جملة ما خاف منه .\r{ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ } أي تبعة ذنب فحذف المضاف أو سمي باسمه ، والمراد قتل القبطي وإنما سماه ذنباً على زعمهم ، وهذا اختصار قصته المبسوطة في مواضع . { فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } به قبل أداء الرسالة ، وهو أيضاً ليس تعللاً وإنما هو استدفاع للبلية المتوقعة ، كما إن ذاك استمداد واستظهار في أمر الدعوة وقوله :\r{ قَالَ كَلاَّ فاذهبا بئاياتنا } إجابة له إلى الطلبتين بوعده بدفع بلائهم اللازم ردعه عن الخوف ، وضم أخيه إليه في الإِرسال ، والخطاب في { فاذهبا } على تغليب الحاضر لأنه معطوف على الفعل الذي يدل عليه { كَلاَّ } كأنه قيل : ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب أنت والذي طلبته . { إِنَّا مَعَكُمْ } يعني موسى وهرون وفرعون . { مُّسْتَمِعُونَ } سامعون لما يجري بينكما وبينه فأظهركما عليه ، مثل نفسه تعالى بمن حضر مجادلة قوم استماعاً لما يجري بينهم وترقباً لإِمداد أوليائه منهم ، مبالغة في الوعد بالإِعانة ، ولذلك تجوز بالاستماع الذي هو بمعنى الإِصغاء للسمع الذي هو مطلق إدراك الحروف والأصوات ، وهو خبر ثان أو الخبر وحده { ومعكم } لغو .","part":4,"page":412},{"id":1913,"text":"{ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } أفرد الرسول لأنه مصدر وصف به فإنه مشترك بين المرسل والرسالة ، قال الشاعر :\rلَقَدْ كَذبَ الوَاشُونَ مَا فُهْتُ عِنْدَهُم ... بِسِرٍ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ\rولذلك ثنى تارة وأفرد أخرى ، أو لاتحادهما للأخوة أو لوحدة المرسل والمرسل به ، أو لأنه أراد أن كل واحد منا .\r{ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسراءيل } أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإِرسال المتضمن معنى القول ، والمراد خلهم ليذهبوا معنا إلى الشام .\r{ قَالَ } أي فرعون لموسى بعد ما أتياه فقالا له ذلك . { أَلَمْ نُرَبٍِّكَ فِينَا } في منازلنا . { وَلِيداً } طفلاً سمي به لقربه من الولادة . { وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } قيل لبث فيهم ثلاثين سنة ثم خرج إلى مدين عشر سنين ثم عاد إليهم يدعوهم إلى الله ثلاثين ، ثم بقي بعد الغرق خمسين .\r{ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ } يعني قتل القبطي ، وبخه به معظماً إياه بعدما عدد عليه نعمته ، وقرىء فعلتك بالكسر لأنها كانت قتلة بالوكز . { وَأَنتَ مِنَ الكافرين } بنعمتي حتى عمدت إلى قتل خواصي ، أو ممن تكفرهم الآن فإنه E كان يعايشهم بالتقية فهو حال من إحدى التاءين ، ويجوز أن يكون حكماً مبتدأ عليه بأنه من الكافرين بآلهيته أو بنعمته لما عاد عليه بالمخالفة ، أو من الذين كانوا يكفرون في دينهم .\r{ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين } من الجاهلين وقد قرىء به ، والمعنى من الفاعلين فعل أولي الجهل والسفه ، أو من الخاطئين لأنه لم يتعمد قتله ، أو من الذاهلين عما يؤول إليه الوكز لأنه أراد به التأديب ، أو الناسين من قوله تعالى : { أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا } { فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبّي حُكْماً } حكمة . { وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين } رد أولاً بذلك ما وبخه به قدحاً في نبوته ثم كر على ما عد عليه من النعمة ولم يصرح برده لأنه كان صدقاً غير قادح في دعواه ، بل نبه على أنه كان في الحقيقة نقمة لكونه مسبباً عنها فقال :\r{ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إسراءيل } أي وتلك التربية نعمة تمنها علي ظاهراً ، وهي في الحقيقة تعبيدك بني إسرائيل وقصدهم بذبح أبنائهم ، فإنه السبب في وقوعي إليك وحصولي في تربيتك . وقيل إنه مقدر بهمزة الإِنكار أي تلك نعمة تمنها علي وهي { أَنْ عَبَّدتَّ } ، ومحل { أَنْ عَبَّدتَّ } الرفع على أنه خبر محذوف أو بدل { نِعْمَة } أو الجر بإضمار الباء أو النصب بحذفها . وقيل تلك إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة و { أَنْ عَبَّدتَّ } عطف بيانها والمعنى : تعبيدك بني إسرائيل نعمة { تَمُنُّهَا } علي ، وإنما وحد الخطاب في تمنها وجمع فيما قبله لأن المنة كانت منه وحده ، والخوف والفرار منه ومن ملئه .","part":4,"page":413},{"id":1914,"text":"{ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين } لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى أنه لم يرعو بذلك شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل .\r{ قَالَ رَبُّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } عرفه بأظهر خواصه وآثاره لما امتنع تعريف الأفراد إلا بذكر الخواص والأفعال وإليه أشار بقوله :\r{ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } أي إن كنتم موقنين الأشياء محققين لها علمتم أن هذه الأجرام المحسوسة ممكنة لتركبها وتعددها وتغير أحوالها ، فلها مبدىء واجب لذاته وذلك المبدىء لا بد وأن يكون مبدأ لسائر الممكنات ما يمكن أن يحس بها وما لا يمكن وإلا لزم تعدد الواجب ، أو استغناء بعض الممكنات عنه وكلاهما محال ثم ذلك الواجب لا يمكن تعريفه إلا بلوازمه الخارجية لامتناع التعريف بنفسه وبما هو داخل فيه لاستحالة التركيب في ذاته .\r{ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } جوابه سألته عن حقيقته وهو يذكر أفعاله ، أو يزعم أنه { رَبّ السموات } وهي واجبة متحركة لذاتها كما هو مذهب الدهرية ، أو غير معلوم افتقارها إلى مؤثر .\r{ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأولين } عدولاً إلى ما لا يمكن أن يتوهم فيه مثله ويشك في افتقاره إلى مصور حكيم ويكون أقرب إلى الناظر وأوضح عند التأمل .\r{ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر ، وسماه رسولاً على السخرية .\r{ قَالَ رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا } تشاهدون كل يوم أنه يأتي بالشمس من المشرق ويحركها على مدار غير مدار اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات . { إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك لاينهم أولاً ، ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالهم .\r{ قَالَ لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } عدولاً إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج ، واستدل به على ادعائه الألوهية وإنكاره الصانع وأن تعجبه بقوله { أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } من نسبة الربوبية إلى غيره ، ولعله كان دهرياً اعتقد أن من ملك قطراً أو تولى أمره بقوة طالعه استحق العبادة من أهله ، واللام في { المسجونين } للعهد أي ممن عرفت حالهم في سجوني فإنه كان يطرحهم في هوة عميقة حتى يموتوا ولذلك جعل أبلغ من لأسجننك .\r{ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ } أي أتفعل ذلك ولو جئتك بشيء يبين صدق دعواي ، يعني المعجزة فإنها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته والدلالة على صدق مدعي نبوته ، فالواو للحال وليها الهمزة بعد حذف الفعل .\r{ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في أن لك بينة أو في دعواك ، فإن مدعي النبوة لا بُدَّ له من حجة .\r{ فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } ظاهر ثعبانيته واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء فانثعب إذا فجرته فانفجر .","part":4,"page":414},{"id":1915,"text":"{ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء للناظرين } روي أن فرعون لما رأى الآية الأولى قال فهل غيرها ، فأخرج يده قال فما فيها فأدخلها في إبطه ثم نزعها ولها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق .\r{ قَالَ لِلْمَلإِ حَوْلَهُ } مستقرين حوله فهو ظهر وقع موقع الحال . { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } فائق في علم السحر .\r{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } بهره سلطان المعجزة حتى حطه عن دعوى الربوبية إلى مؤامرة القوم وائتمارهم وتنفيرهم عن موسى وإظهار الاستشعار عن ظهوره واستيلائه على ملكه .\r{ قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أي أخر أمرهما . وقيل إحبسهما . { وابعث فِي المدائن حاشرين } شرطاً يحشرون السحرة .\r{ يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } يفضلون عليه في هذا الفن وأمالها ابن عامر وأبو عمرو والكسائي ، وقرىء «بكل ساحر» .\r{ فَجُمِعَ السحرة لميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } لما وقت به من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى من يوم الزينة .\r{ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } فيه استبطاء لهم في الاجتماع حثاً على مبادرتهم إليه كقول تأبط شراً :\rهَلْ أَنْتَ بَاعِثٌ دِينَارٍ لحَاجَتِنَا ... أَوْ عَبْدَ رَبٍّ أَخَا عَوْنِ بن مِخْرَاقِ\rأي ابعث أحدهما إلينا سريعاً .\r{ لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السحرة إِن كَانُواْ هُمُ الغالبين } لعلنا نتبعهم في دينهم إن غلبوا والترجي باعتبار الغلبة المقتضية للاتباع ، ومقصودهم الأصل أن لا يتبعوا موسى لا أن يتبعوا السحرة فساقوا الكلام مساق الكناية لأنهم إذا اتبعوهم لم يتبعوا موسى E .\r{ فَلَمَّا جَاء السحرة قَالُواْ لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ المقربين } التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه إن أغلبوا فإذا على ما يقتضيه من الجواب والجزاء ، وقرىء { نِعْمَ } بالكسر وهما لغتان .","part":4,"page":415},{"id":1916,"text":"{ قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } أي بعدما قالوا له { إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } ، ولم يرد به أمرهم بالسحر والتمويه بل الإِذن في تقديم ما هم فاعلوه لا محالة توسلاً به إلى إظهار الحق .\r{ فَأَلْقَوْاْ حبالهم وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ الغالبون } أقسموا بعزته على أن الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في أنفسهم ، أو لإِتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر .\r{ فألقى موسى عصاه فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ } تبتلع ، وقرأ حفص »تَلْقَفْ« بالتخفيف . { مَا يَأْفِكُونَ } ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم أنها حيات تسعى ، أو إفكهم تسمية للمأفوك به مبالغة .\r{ فَأُلْقِيَ السحرة ساجدين } لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر ، وفيه دليل على أن منتهى السحر تمويه وتزويق يخيل شيئاً لا حقيقة له ، وأن التبحر في كل فن نافع . وإنما بدل الخرور بالإِلقاء ليشاكل ما قبله ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا أنفسهم كأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم ، وأنه تعالى ألقاهم بما خولهم من التوفيق .\r{ قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبِّ العالمين } بدل من «ألقي» بدل الاشتمال أو حال بإضمار قد .\r{ رَبّ موسى وهارون } إبدال للتوضيح ودفع التوهم والإِشعار على أن الموجب لإِيمانهم ما أجراه على أيديهما .\r{ قَالَ ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذى عَلَّمَكُمُ السحر } فعلمكم شيئاً دون شيء ولذلك غلبكم ، أو فواعدكم على ذلك وتواطأتم عليه ، وأراد به التلبيس على قومه كي لا يعتقدوا أنهم آمنوا عن بصيرة وظهور حق ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وروح «أأمنتم» بهمزتين . { فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } وبال ما فعلتم وقوله : { لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } بيان له .\r{ قَالُواْ لاَ ضَيْرَ } لا ضرر علينا في ذلك . { إِنَّا إلى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ } بما توعدنا به فإن الصبر عليه محاء للذنوب موجب للثواب والقرب من الله تعالى ، أو بسبب من أسباب الموت والقتل أنفعها وأرجاها .\r{ إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خطايانا أَن كُنَّا } لأن كنا . { أَوَّلَ المؤمنين } من أتباع فرعون ، أو من أهل المشهد والجملة في المعنى تعليل ثان لنفي الضمير ، أو تعليل للعلة المتقدمة . وقرىء { إِن كُنَّا } على الشرط لهضم النفس وعدم الثقة بالخاتمة ، أو على طريقة المدل بأمره نحو إن أحسنت إليك فلا تنس حقي .\r{ وَأَوْحَيْنَا إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي } وذلك بعد سنين أقامها بين أظهرهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتواً وفساداً ، وقرأ ابن كثير ونافع»أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي« بكسر النون ووصل الألف من سرى وقرىء «أن سر» من السير . { إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يتبعكم فرعون وجنوده وهو علة الأمر بالإِسراء أي أسر بهم حتى إذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مدخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم .","part":4,"page":416},{"id":1917,"text":"{ فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ } حين أخبر بسراهم . { فِي المدائن حاشرين } العساكر ليتبعوهم .\r{ إِنَّ هَؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } على إرادة القول وإنما استقلهم وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً بالإِضافة إلى جنوده ، إذ روي أنه خرج وكانت مقدمته سبعمائة ألف والشرذمة الطائفة القليلة ، ومنها ثوب شراذم لما بلي وتقطع ، و { قَلِيلُونَ } باعتبار أنهم أسباط كل سبط منهم قليل .\r{ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } لفاعلون ما يغيظنا .\r{ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذرون } وإنا لجميع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الأمور ، أشار أولاً إلى عدم ما يمنع اتباعهم من شوكتهم ثم إلى تحقق ما يدعو إليه من فرط عداوتهم ووجوب التيقظ في شأنهم حثاً عليه ، أو اعتذر بذلك إلى أهل المدائن كي لا يظن به ما يكسر سلطانه ، وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان والكوفيون { حاذرون } والأول للثبات والثاني للتجدد ، وقيل الحاذر المؤدي في السلاح وهو أيضاً من الحذر لأن ذلك إنما يفعل حذراً ، وقرىء «حادرون» بالدال المهملة أي أقوياء قال :\rأُحِبُّ الصَّبِيَ السُّوءَ مِنْ أَجْلِ أُمِّهِ ... وَأُبْغِضُهُ مِنْ بُغْضِهَا وَهُوَ حَادِرٌ\rأو تامو السلاح فإن ذلك يوجب حدارة في أجسامهم .\r{ فأخرجناهم } بأن خلقنا داعية الخروج بهذا السبب فحملتهم عليه . { مّن جنات وَعُيُونٍ } .\r{ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } يعني المنازل الحسنة والمجالس البهية .\r{ كذلك } مثل ذلك الإِخراج أخرجنا فهو مصدر ، أو مثل ذلك المقام الذي كان لهم على أنه صفة مقام ، أو الأمر كذلك فيكون خبر المحذوف . { وأورثناها بَنِي إسراءيل } .\r{ فَأَتْبَعُوهُم } وقرىء »فَأَتْبَعُوهُم« . { مُشْرِقِينَ } داخلين في وقت شروق الشمس .","part":4,"page":417},{"id":1918,"text":"{ فَلَمَّا تَرَآءَ الجمعان } تقاربا بحيث رأى كل واحد منهما الآخر ، وقرىء «تراءت الفئتان» { قَالَ أصحاب موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } لملحقون ، وقرىء »لَمُدْرَكُونَ« من أدرك الشيء إذا تتابع ففني ، أي : لمتتابعون في الهلاك على أيديهم .\r{ قَالَ كَلاَّ } لن يدركوكم فإن الله وعدكم بالخلاص منهم . { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي } بالحفظ والنصرة . { سَيَهْدِينِ } طريق النجاة منهم ، روي أن مؤمن آل فرعون كان بين يدي موسى فقال : أين أمرت فهذا البحر أمامك وقد غشيك آل فرعون ، فقال : أمرت بالبحر ولعلي أومر بما أصنع .\r{ فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضرب بّعَصَاكَ البحر } بحر القلزم أو النيل . { فانفلق } أي فضرب فانفلق وصار اثني عشر فرقاً بينها مسالك . { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم } كالجبل المنيف الثابت في مقره فدخلوا في شعابها كل سبط في شعب .\r{ وَأَزْلَفْنَا } وقربنا . { ثَمَّ الآخرين } فرعون وقومه حتى دخلوا على أثرهم مداخلهم .\r{ وَأَنجَيْنَا موسى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } بحفظ البحر على تلك الهيئة إلى أن عبروا .\r{ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين } بإطباقه عليهم .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } وأية آية . { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } وما تنبه عليها أكثرهم إذ لم يؤمن بها أحد ممن بقي في مصر من القبط ، وبنو إسرائيل بعد ما نجوا سألوا بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وقالوا { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً } { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } المنتقم من أعدائه . { الرحيم } بأوليائه .\r{ واتل عَلَيْهِمْ } على مشركي العرب . { نَبَأَ إبراهيم } .\r{ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة .\r{ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عاكفين } فأطالوا جوابهم بشرح حالهم معه تبجحاً به وافتخاراً ، و «نظل» ها هنا بمعنى ندوم . وقيل كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل .\r{ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } أيسمعون دعاءكم أو يسمعونكم تدعون فحذف ذلك لدلالة . { إِذْ تَدْعُونَ } عليه وقرىء »يَسْمَعُونَكُمْ« أي يسمعونكم الجواب عن دعائكم ومجيئه مضارعاً مع { إِذْ } على حكاية الحال الماضية استحضاراً لها .\r{ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ } على عبادتكم لها . { أَوْ يَضُرُّونَ } من أعرض عنها .\r{ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } أضربوا عن أن يكون لهم سمع أو يتوقع منهم ضر أو نفع ، والتجأوا إلى التقليد .\r{ قَالَ أَفَرَءَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ الأقدمون } فإن التقدم لا يدل على الصحة ولا ينقلب به الباطل حقاً .\r{ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي } يريد أنهم أعداء لعابديهم من حيث إنهم يتضررون من جهتهم فوق ما يتضرر الرجل من جهة عدوه ، أو إن المغري بعبادتهم أعدى أعدائهم وهو الشيطان ، لكنه صور الأمر في نفسه تعريضاً لهم فإنه أنفع في النصح من التصريح ، وإشعاراً بأنها نصيحة بدأ بها نفسه ليكون أدعى إلى القبول ، وإفراد العدو لأنه في الأصل مصدر أو بمعنى النسب .","part":4,"page":418},{"id":1919,"text":"{ إِلاَّ رَبَّ العالمين } استثناء منقطع أو متصل على أن الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله .\r{ الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من أمور المعاش والمعاد كما قال تعالى { والذى قَدَّرَ فهدى } هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب المنافع ودفع المضار ، مبدؤها بالنسبة إلى الإِنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم ، ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها ، والفاء للسببية إن جعل الموصول مبتدأ وللعطف إن جعل صفة رب العالمين فيكون اختلاف النظم لتقدم الخلق واستمرار الهداية وقوله :\r{ والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه وكذا اللذان بعده ، وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أن كل واحدة من الصلات مستقلة باقتضاء الحكم .\r{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } عطف على { يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } لأنه من روادفهما من حيث إن الصحة والمرض في الأغلب يتبعان المأكول والمشروب ، وإنما لم ينسب المرض إليه تعالى لأن المقصود تعديد النعم ، ولا ينتقض بإسناد الإِماتة إليه فإن الموت من حيث إنه لا يحسن به لا ضرر فيه وإنما الضرر في مقدماته وهي المرض ، ثم إنه لأهل الكمال وصلة إلى نيل المحاب التي تستحقر دونها الحياة الدنيوية وخلاص من أنواع المحن والبليات ، ولأن المرض في غالب الأمر إنما يحدث بتفريط من الإِنسان في مطاعمه ومشاربه وبما بين الأخلاط والأركان من التنافي والتنافر ، والصحة إنما تحصل باستحفاظ اجتماعها والاعتدال المخصوص عليها قهراً وذلك بقدرة الله العزيز العليم .\r{ والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } في الآخرة .\r{ والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين } ذكر ذلك هضماً لنفسه وتعليماً للأمة أن يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر ، وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم واستغفاراً لما عسى يندر منه من الصغائر ، وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث : { إِنّي سَقِيمٌ } ، { بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا } ، وقوله «هي أختي» ، ضعيف لأنها معاريض وليست خطايا .\r{ رَبّ هَبْ لِي حُكْماً } كما في العلم والعمل أستعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق . { وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } ووفقني للكمال في العمل لأنتظم به في عداد الكاملين في الصلاح الذين لا يشوب صلاحهم كبير ذنب ولا صغيره .\r{ واجعل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاخرين } جاهاً وحسن صيت في الدنيا يبقى أثره إلى يوم الدين ، ولذلك ما من أمة إلا وهم محبون له مثنون عليه ، أو صادقاً من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه وهو محمد A .\r{ واجعلني مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم } في الآخرة وقد مر معنى الوراثة فيها .\r{ واغفر لأَبِي } بالهداية والتوفيق للإِيمان . { إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضالين } طريق الحق وإن كان هذا الدعاء بعد موته فلعله كان لظنه أنه كان يخفي الإِيمان تقية من نمرود ولذلك وعده به ، أو لأنه لم يمنع بعد من الاستغفار للكفار .","part":4,"page":419},{"id":1920,"text":"{ وَلاَ تُخْزِنِى } بمعاتبتي على ما فرطت ، أو بنقص رتبتي عن رتبة بعض الوراث ، أو بتعذيبي لخفاء العاقبة وجواز التعذيب عقلاً ، أو بتعذيب والدي ، أو يبعثه في عداد الضالين وهو من الخزي بمعنى الهوان ، أو من الخزاية بمعنى الحياء . { يَوْمِ يُبْعَثُونَ } الضمير للعباد لأنهم معلومون أو ل { الضالين } .\r{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } أي لا ينفعان أحداً إلا مخلصاً سليم القلب عن الكفر وميل المعاصي وسائر آفاته ، أو لا ينفعان إلا مال من هذا شأنه وبنوه حيث أنفق ماله في سبيل البر ، وأرشد بنيه إلى الحق وحثهم على الخير وقصد بهم أن يكونوا عباد الله مطيعين شفعاء له يوم القيامة . وقيل الاستثناء مما دل عليه المال والبنون أي لا ينفع غنى إلاَّ غناه . وقيل منقطع والمعنى لكن سلامة { مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } تنفعه .\r{ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بأنهم المحشورون إليها .\r{ وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ } فيرونها مكشوفة ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها ، وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد .\r{ وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم . { هَلْ يَنصُرُونَكُمْ } بدفع العذاب عنكم . { أَوْ يَنتَصِرُونَ } بدفعه عن أنفسهم لأنهم وآلهتهم يدخلون النار كما قال : { فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ والغاوون } أي الآلهة وعبدتهم ، والكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها .","part":4,"page":420},{"id":1921,"text":"{ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ } متبعوه من عصاة الثقلين ، أو شياطينه . { أَجْمَعُونَ } تأكيد لل { جُنُودُ } إن جعل مبتدأ خبره ما بعده أو للضمير و { مَا } عطف عليه وكذا الضمير المنفصل وما يعود إليه في قوله :\r{ قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ تالله إِن كُنَّا لَفِي ضلال مُّبِينٍ } على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة ويؤيده الخطاب في قوله :\r{ إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبِّ العالمين } أي في استحقاق للعبادة ، ويجوز أن تكون الضمائر للعبد كما في { قَالُواْ } والخطاب للمبالغة في التحسر والندامة ، والمعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدأ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها .\r{ وَمَا أَضَلَّنَا إِلاَّ المجرمون فَمَا لَنَا مِن شافعين } كما للمؤمنين من الملائكة والأنبياء .\r{ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } إِذِ الأَخِلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إِلاَّ المتقين ، أو فما لنا من شافعين ولا صديق ممن نعدهم شفعاء وأصدقاء ، أو وقعنا في مهلكة لا يخلصنا منها شافع ولا صديق ، وجمع الشافع وحدةال { صَدِيقٍ } لكثرة الشفعاء في العادة وقلة الصديق ، أو لأن ال { صَدِيقٍ } الواحد يسعى أكثر مما يسعى الشفعاء ، أو لإِطلاق ال { صَدِيقٍ } على الجمع كالعدو لأنه في الأصل مصدر كالحنين والصهيل .\r{ فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } تمن للرجعة أقيم فيه «لو» مقام ليت لتلاقيهما في معنى التقدير ، أو شرط حذف جوابه . { فَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } جواب التمني أو عطف على { كَرَّةٌ } أي : لو أن لنا أن نكر فنكون من المؤمنين .\r{ إِنَّ فِي ذَلك } أي فيما ذكر من قصة إبراهيم . { لآيَةً } لحجة وعظة لمن أراد أن يستبصر بها ويعتبر ، فإنها جاءت على أنظم ترتيب وأحسن تقرير ، يتفطن المتأمل فيها لغزارة علمه لما فيها من الإِشارة إلى أصول العلوم الدينية والتنبيه على دلائلها وحسن دعوته للقوم وحسن مخالفته معهم وكمال إشفاقه عليهم وتصور الأمر في نفسه ، وإطلاق الوعد والوعيد على سبيل الحكاية تعريضاً وإيقاظاً لهم ليكون أدعى لهم إلى الاستماع والقبول . { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ } أكثر قومه . { مُّؤْمِنِينَ } به .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز } القادر على تعجيل الانتقام . { الرحيم } بالإِمهال لكي يؤمنوا هم أو أحد من ذريتهم .\r{ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المرسلين } ال { قَوْمٌ } مؤنثة ولذلك تصغر على قويمة وقد مر الكلام في تكذيبهم المرسلين .\r{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ } لأنه كان منهم . { أَلاَ تَتَّقُونَ } الله فتتركوا عبادة غيره .\r{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } مشهور بالأمانة فيكم .\r{ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما آمركم به من التوحيد والطاعة لله سبحانه .\r{ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على ما أنا عليه من الدعاء والنصح . { مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } .","part":4,"page":421},{"id":1922,"text":"{ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } كرره للتأكيد والتنبيه على دلالة كل واحد من أمانته وحسم طمعه على وجوب طاعته فيما يدعوهم إليه فكيف إذا اجتمعا ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص بفتح الياء في { أَجْرِيَ } في الكلمات الخمس .\r{ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } الأقلون جاهاً ومالاً جمع الأرذل على الصحة ، وقرأ يعقوب «وأتباعك» وهو جمع تابع كشاهد وأشهاد أو تبع كبطل وأبطال ، وهذا من سخافة عقلهم وقصور رأيهم على الحطام الدنيوية ، حتى جعلوا اتباع المقلين فيها مانعاً عن اتباعهم وإيمانهم بما يدعوهم إليه ودليلاً على بطلانه ، وأشاروا بذلك إلى أن اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة وإنما هو لتوقع مال ورفعة فلذلك :\r{ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إنهم عملوه إخلاصاً أو طمعاً في طعمة وما عليَّ إلا اعتبار الظاهر .\r{ إِنْ حِسَابُهُمْ إِلاَّ على رَبّي } ما حسابهم على بواطنهم إلا على الله فإنه المطلع عليها . { لَوْ تَشْعُرُونَ } لعلمتم ذلك ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون .\r{ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين } جواب لما أوهم قولهم من استدعاه طردهم وتوقيف إيمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه وقوله :\r{ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } كالعلة له أي ما أنا إلا رجل مبعوث لإِنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي سواء كانوا أعزاء أو أذلاء فكيف يليق بي في طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء ، أو ما عليَّ إلا إنذاركم إنذاراً بيناً بالبرهان الواضح فلا عليَّ أن أطردهم لاسترضائكم .\r{ قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يا نُوحٌ } عما تقول . { لَتَكُونَنَّ مِنَ المرجومين } من المشتومين أو المضروبين بالحجارة .\r{ قَالَ رَبّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ } إظهاراً لما يدعو عليهم لأجله وهو تكذيب الحق لا تخويفهم له واستخفافهم عليه .\r{ فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً } فاحكم بيني وبينهم من الفتاحة . { وَنَجّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ المؤمنين } من قصدهم أو شؤم عملهم .\r{ فأنجيناه وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك المشحون } المملوء .\r{ ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ } بعد إنجائه . { الباقين } من قومه .\r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } شاعت وتواترت . { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .\r{ كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين } أنثه باعتبار القبيلة وهو في الأصل اسم أبيهم .\r{ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } .\r{ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } تصدير القصص بها دلالة على أن البعثة مقصورة على الدعاء إلى معرفة الحق والطاعة فيما يقرب المدعو إلى ثوابه ويبعده عن عقابه ، وكان الأنبياء متفقين على ذلك وإن اختلفوا في بعض التفاريع مبرئين عن المطامع الدنيئة والأغراض الدنيوية .\r{ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ } بكل مكان مرتفع ، ومنه ريع الأرض لارتفاعها . { ءايَةً } علماً للمارة . { تَعْبَثُونَ } ببنائها إذ كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم فلا يحتاجون إليها أو بروج الحمام ، أو بنياناً يجتمعون إليه للعبث بمن يمر عليهم ، أو قصوراً يفتخرون بها .","part":4,"page":422},{"id":1923,"text":"{ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ } مآخذ الماء وقيل قصوراً مشيدة وحصوناً . { لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ } فتحكمون بنيانها .\r{ وَإِذَا بَطَشْتُمْ } بسيف أو سوط . { بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ } متسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ونظر في العاقبة .\r{ فاتقوا الله } بترك هذه الأشياء . { وَأَطِيعُونِ } فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم .\r{ واتقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ } كرره مرتباً على إمداد الله تعالى إياهم بما يعرفونه من أنواع النعم تعليلاً وتنبيهاً على الوعد عليه بدوام الإِمداد والوعيد على تركه بالإِنقطاع ، ثم فصل بعض تلك النعم كما فصل بعض مساويهم المدلول عليها إجمالاً بالإِنكار في { أَلاَ تَتَّقُونَ } مبالغة في الإِيقاظ والحث على التقوى فقال :\r{ أَمَدَّكُمْ بأنعام وَبَنِينَ وجنات وَعُيُونٍ } ثم أوعدهم فقال :\r{ إِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } في الدنيا والآخرة ، فإنه كما قدر على الإِنعام قدر على الإِنتقام .\r{ قَالُواْ سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مّنَ الواعظين } فإنا لا نرعوي عما نحن عليه ، وتغيير شق النفي عما تقتضيه المقابلة للمبالغة في قلة اعتدادهم بوعظه .\r{ إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين } ما هذا الذي جئتنا به إلا كذب الأولين ، أو ما خلقنا هذا إلا خلقهم نحيا ونموت مثلهم ولا بعث ولا حساب ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة »خُلُقُ الاولين« بضمتين أي ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله ، أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين إلا خلق الأولين وعادتهم ونحن بهم مقتدون ، أو ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة قديمة لم تزل الناس عليها .\r{ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } على ما نحن عليه .\r{ فَكَذَّبُوهُ فأهلكناهم } بسبب التكذيب بريح صرصر . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالح أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } .\r{ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتُتْرَكُونَ فِيمَا هَا هُنَا ءَامِنِينَ } إنكار لأن يتركوا كذلك أو تذكير للنعمة في تخلية الله إياهم وأسباب تنعمهم آمنين ثم فسره بقوله :\r{ فِي جنات وَعُيُونٍ } .\r{ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } لطيف لين للطف الثمر ، أو لأن النخل أنثى وطلع وإناث النخل ألطف وهو ما يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو ، أو متدل منكسر من كثرة الحمل ، وإفراد ال { نَخْلٍ } لفضله على سائر أشجار الجنات أو لأن المراد بها غيرها من الأشجار .\r{ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين } بطرين أو حاذقين من الفراهة وهي النشاط ، فإن الحاذق يعمل بنشاط وطيب قلب . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «فرهين» وهو أبلغ من «فارهين» .\r{ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلاَ تُطِيعُواْ أَمْرَ المسرفين } استعير الطاعة التي هي انقياد الأمر لامتثال الأمر ، أو نسب حكم الآمر إلى أمره مجازاً .\r{ الذين يُفْسِدُونَ فِي الأرض } وصف موضح لإِسرافهم ولذلك عطف : { وَلاَ يُصْلِحُونَ } على يفسدون دلالة على خلوص فسادهم .\r{ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين } الذين سحروا كثيراً حتى غلب على عقلهم ، أو من ذوي السحر وهي الرئة أي من الأناسي فيكون :\r{ مَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } تأكيداً له . { فَأْتِ بِئَايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } في دعواك .","part":4,"page":423},{"id":1924,"text":"{ قَالَ هذه نَاقَةٌ } أي بعدما أخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها . { لَّهَا شِرْبٌ } نصيب من الماء كالسقي والقيت للحظ من السقي والقوت وقرىء بالضم . { وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها .\r{ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } كضرب وعقر . { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ } عظم اليوم لعظم ما يحل فيه ، وهو أبلغ من تعظيم العذاب .\r{ فَعَقَرُوهَا } أسند العقر إلى كلهم لأن عاقرها إنما عقرها برضاهم ولذلك أخذوا جميعاً . { فَأَصْبَحُواْ نادمين } على عقرها خوفاً من حلول العذاب لا توبة ، أو عند معاينة العذاب ولذلك لم ينفعهم .\r{ فَأَخَذَهُمُ العذاب } أي العذاب الموعود . { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } في نفي الإِيمان عن أكثرهم في هذا المعرض إيماء بأنه لو آمن أكثرهم أو شطرهم لما أخذوا بالعذاب ، وإن قريشاً إنما عصموا من مثله ببركة من آمن منهم .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } .\r{ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبّ العالمين أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين } أتأتون من بين من عداكم من العالمين الذكران لا يشارككم فيه غيركم ، أو أتأتون الذكران من أولاد آدم مع كثرتهم وغلبة الإِناث فيهم كأنهن قد أعوزنكم ، فالمراد ب { العالمين } على الأول كل من ينكح وعلى الثاني الناس .\r{ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ } لأجل استمتاعكم . { رَبُّكُمْ مّنْ أزواجكم } للبيان إن أريد به جنس الإناث ، أو للتبعيض إن أريد به العضو المباح منهن فيكون تعريضاً بأنهم كانوا يفعلون مثل ذلك بنسائهم أيضاً . { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } متجاوزون عن حد الشهوة حيث زادوا على سائر الناس بل الحيوانات ، أو مفرطون في المعاصي وهذا من جملة ذاك ، أو أحقاء بأن توصفوا بالعدوان لارتكابكم هذه الجريمة .\r{ قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط } عما تدعيه أو عن نهينا وتقبيح أمرنا . { لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين } من المنفيين من بين أظهرنا ، ولعلهم كانوا يخرجون من أخرجوه على عنف وسوء حال .\r{ قَالَ إِنّي لِعَمَلِكُمْ مّنَ القالين } من المبغضين غاية البعض لا أقف عن الإِنكار عليه بالإِبعاد ، وهو أبلغ من أن يقول »إِنّي لِعَمَلِكُمْ« قال لدلالته على أنه معدود في زمرتهم مشهور بأنه من جملتهم .\r{ رَبّ نَّجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ } أي من شؤمه وعذابه .\r{ فنجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ } أهل بيته والمتبعين له على دينه بإخراجهم من بينهم وقت حلول العذاب بهم .\r{ إِلاَّ عَجُوزاً } هي امرأة لوط . { فِى الغابرين } مقدرة في الباقين في العذاب إذ أصابها حجر في الطريق فأهلكها لأنها كانت مائلة إلى القوم راضية بفعلهم .","part":4,"page":424},{"id":1925,"text":"وقيل كائنة فيمن بقي في القرية فإنها لم تخرج مع لوط .\r{ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين } أهلكناهم .\r{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } وقيل أمطر الله على شذاذ القوم حجارة فأهلكهم . { فَسَاءَ مَطَرُ المنذرين } اللام فيه للجنس حتى يصح وقوع المضاف إليه فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم .\r{ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } .\r{ كَذَّبَ أصحاب لْئَيْكَةِ المرسلين } الأيكة غيضة تنبت ناعم الشجر يريد غيضة بقرب مدين تسكنها طائفة فبعث الله إليهن شعيباً كما بعثه إلى مدين وكان أجنبياً منهم فلذلك قال :\r{ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ } ولم يقل أخوهم شعيب . وقيل الأيكة شجرة ملتف وكان شجرهم الدوم وهو المقل ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» بحذف الهمزة وإبقاء حركتها على اللام وقرئت كذلك مفتوحة على أنها ليكة وهي اسم بلدتهم ، وإنما كتبت ها هنا وفي ص بغير ألف اتباعاً للفظ .\r{ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَمَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبّ العالمين } .\r{ أَوْفُواْ الكيل } أتموه . { وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المخسرين } الناقصين حقوق الناس بالتطفيف .\r{ وَزِنُواْ بالقسطاس المستقيم } بالميزان السوي ، وهو وإن كان عربياً فإن كان من القسط ففعلاس بتكرير العين وإلا ففعلال . وقرأ حمزة والكسائي وحفص بكسر القاف . { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءَهُمْ } ولا تنقصوا شيئاً من حقوقهم . { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } بالقتل والغارة وقطع الطريق .\r{ واتقوا الذى خَلَقَكُمْ والجبلة الأولين } وذوي الجبلة الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق .\r{ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مِنَ المسحرين وَمَا أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } أتوا بالواو للدلالة على أنه جامع بين وصفين متنافين للرسالة مبالغة في تكذيبه . { وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكاذبين } في دعواك .\r{ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء } قطعة منها ، ولعله جواب لما أشعر به الأمر بالتقوى من التهديد . وقرأ حفص بفتح السين . { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك .\r{ قَالَ رَبّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ } وبعذابه منزل عليكم ما أوجبه لكم عليه في وقته المقدر له لا محالة .\r{ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة } على نحو ما اقترحوا بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت أنهارهم وأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم ناراً فاحترقوا . { إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز الرحيم } هذا آخر القصص السبع المذكورة على سبيل الاختصار تسلية لرسول الله A وتهديداً للمكذبين به ، وإطراد نزول العذاب على تكذيب الأمم بعد إنذار الرسل به ، واقتراحهم له استهزاء وعدم مبالاة به يدفع أن يقال إنه كان بسبب اتصالات فلكية أو كان إبتلاء لهم لا مؤاخدة على تكذيبهم .","part":4,"page":425},{"id":1926,"text":"{ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبّ العالمين نَزَلَ بِهِ الروح الأمين } .\r{ على قَلْبِكَ } تقرير لحقية تلك القصص وتنبيه على إعجاز القرآن ونبوة محمد A ، فإن الإخبار عنها ممن لم يتعلمها لا يكون إلا وحياً من الله D ، والقلب إن أراد به الروح فذاك وإن أراد به العضو فتخصيصه ، لأن المعاني الروحانية إنما تنزل أولاً على الروح ثم تنتقل منه إلى القلب لما بينهما من التعلق ، ثم تتصعد منه إلى الدماغ فينتقش بها لوح المتخيلة ، و { الروح الأمين } جبريل E فإنه أمين الله على وحيه . وقرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي بتشديد الزاي ونصب { الروح الامين } . { لِتَكُونَ مِنَ المنذرين } عما يؤدي إلى عذاب من فعل أو ترك .","part":4,"page":426},{"id":1927,"text":"{ بِلِسَانٍ عَرَبِيّ مُّبِينٍ } واضح المعنى لئلا يقولوا ما نصنع بما لا نفهمه فهو متعلق ب { نَزَّلَ } ، ويجوز أن يتعلق بالمنذرين أي لتكون ممن أنذروا بلغة العرب وهم هود وصالح وإسمعيل وشعيب ومحمد عليهم الصلاة والسلام .\r{ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأولين } وإن ذكره أو معناه لفي الكتب المتقدمة .\r{ أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ ءَايَةً } على صحة القرآن أو نبوة محمد A . { أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إسراءيل } أن يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم وهو تقرير لكونه دليلاً . وقرأ ابن عامر تكن بالتاء و { ءايَةً } بالرفع على أنها الاسم والخبر { لَهُمْ } { وَأَنْ يَعْلَمْهُ } بدل أو الفاعل و { أَن يَعْلَمَهُ } بدل { وَهُمْ } حال ، أو أن الاسم ضمير القصة و { ءَايَةً } خبر { أَن يَعْلَمَهُ } والجملة خبر تكن .\r{ وَلَوْ نزلناه على بَعْضِ الأعجمين } كما هو زيادة في إعجازه أو بلغة العجم .\r{ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِم مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } لفرط عنادهم واستكبارهم ، أو لعدم فهمهم واستنكافهم من اتباع العجم ، و { الأعجمين } جمع أعجمي على التخفيف ولذلك جمع جمع السلامة .\r{ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ } أدخلناه . { فِي قُلُوبِ المجرمين } والضمير للكفر المدلول عليه بقوله { مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ } فتدل الآية على أنه بخلق الله ، وقيل للقرآن أي أدخلناه فيها فعرفوا معانيه وإعجازه ثم لم يؤمنوا به عناداً .\r{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم } الملجىء إلى الإِيمان .\r{ فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً } في الدنيا والآخرة . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه .\r{ فَيَقُولُواْ هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ } تحسراً وتأسفاً .\r{ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } فيقولون أمطر علينا حجارة من السماء ، { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } ، وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة .\r{ أَفَرَأَيْتَ إِن متعناهم سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَا أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ } لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه .\r{ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } أنذروا أهلها إلزاماً للحجة .\r{ ذِكْرِى } تذكرة ومحلها النصب على العلة أو المصدر لأنها في معنى الإِنذار ، أو الرفع على أنها صفة { مُنذِرُونَ } بإضمار ذوو ، أو بجعلهم ذكرى لإِمعانهم في التذكرة ، أو خبر محذوف والجملة اعتراضية . { وَمَا كُنَّا ظالمين } فنهلك غير الظالمين ، أو قبل الإِنذار .\r{ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين } كما زعم المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة .\r{ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ } وما يصح لهم أن يتنزلوا به . { وَمَاَ يَسْتَطِيعُونَ } وما يقدرون .\r{ إِنَّهُمْ عَنِ السمع } لكلام الملائكة . { لَمَعْزُولُونَ } لأنه مشروط بمشاركة في صفاء الذات وقبول فيضان الحق والانتقاش بالصور الملكوتية ، ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة بالذات لا تقبل ذلك والقرآن مشتمل على حقائق ومغيبات لا يمكن تلقيها إلا من الملائكة .\r{ فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ المعذبين } تهييج لإِزدياد الإِخلاص ولطف لسائر المكلفين .","part":4,"page":427},{"id":1928,"text":"{ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهم \" روي أنه لما نزلت صعد النبي A الصفا وناداهم فخذاً فخذاً حتى اجتمعوا إليه فقال : «لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلاً أكنتم مصدقي» قالوا نعم قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد \" .\r{ واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك مِنَ المؤمنين } لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط ، و { مِنْ } للتبيين لأن من اتبع أعم ممن اتبع لدين أو غيره ، أو للتبعيض على أن المراد { مِنَ المؤمنين } المشارفون للإِيمان أو المصدقون باللسان .\r{ فَإِنْ عَصَوْكَ } ولم يتبعوك . { فَقُلْ إِنّي بَرِىءٌ مّمَّا تَعْمَلُونَ } بما تعملونه أو من أعمالكم .\r{ وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز الرحيم } الذي يقدر على قهر أعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يعصيك منهم ومن غيرهم . وقرأ نافع وابن عامر «فتوكل» على الإِبدال من جواب الشرط .\r{ الذي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ } إلى التهجد .\r{ وَتَقَلُّبَكَ فِي الساجدين } وترددك في تصفح أحوال المجتهدين كما روي \" أنه E لما نسخ قيام فرض الليل طاف E تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصاً على كثرة طاعاتهم ، فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع بها من دندنتهم بذكر الله وتلاوة القرآن \" . أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام والركوع والسجود والقعود إذا أممتهم ، وإنما وصفه الله تعالى بعلمه بحاله التي بها يستأهل ولايته بعد وصفه بأن من شأنه قهر أعدائه ونصر أوليائه تحقيقاً للتوكل وتطميناً لقلبه عليه .\r{ إِنَّهُ هُوَ السميع } لما تقوله . { العليم } بما تنويه .\r{ هَلْ أُنَبّئُكُمْ على مَن تَنَزَّلُ الشياطين تَنَزَّلُ على كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } لما بين أن القرآن لا يصح أن يكون مما تنزلت به الشياطين أكد ذلك بأن بين أن محمداً A لا يصح أن يتنزلوا عليه من وجهين : أحدهما أنه إنما يكون على شرير كذاب كثير الإِثم ، فإن اتصال الإِنسان بالغائبات لما بينهما من التناسب والتواد وحال محمد A على خلاف ذلك . وثانيهما قوله :\r{ يُلْقُونَ السمع وَأَكْثَرُهُمْ كاذبون } أي الأفاكون يلقون السمع إلى الشياطين فيتلقون منهم ظنوناً وأمارات لنقصان علمهم ، فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا يطابق أكثرها كما جاء في الحديث \" الكلمة يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة \" ولا كذلك محمد A فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها ، وقد فسر الأكثر بالكل لقوله تعالى : { كُلّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ } . والأظهر أن الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أن هؤلاء قل من يصدق منهم فيما يحكي عن الجني . وقيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن يرجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ويوحون به إلى أوليائهم أو يلقون مسموعهم منهم إلى أوليائهم وأكثرهم كاذبون فيما يوحون به إليهم إذ يسمعونهم لا على نحو ما تكلمت به الملائكة لشرارتهم ، أو لقصور فهمهم أو ضبطهم أو إفهامهم .","part":4,"page":428},{"id":1929,"text":"مكية وهي ثلاث أو أربع أو خمس وتسعون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ طس } .\r{ تِلْكَ ءايات القرءان وكتاب مُّبِينٍ } الإِشارة إلى آي السورة ، والكتاب المبين إما اللوح المحفوظ وإبانته أنه خط فيه ما هو كائن فهو يبينه للناظرين فيه ، وتأخيره باعتباره تعلق علمنا به وتقديمه في الحجر باعتبار الوجود ، أو القرآن وإبانته لما أودع فيه من الحكم والأحكام ، أو لصحته بإعجازه وعطفه على القرآن كعطف إحدى الصفتين على الأخرى وتنكيره للتعظيم . وقرىء { وكتاب } بالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه .\r{ هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ } حالان من ال { ءايات } والعامل فيهما معنى الإِشارة ، أو بدلان منها أو خبران آخران أو خبران لمحذوف .\r{ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة } الذين يعملون الصالحات من الصلاة والزكاة . { وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } من تتمة الصلة والواو للحال أو للعطف ، وتغيير النظم للدلالة على قوة يقينهم وثباته وأنهم الأوحدون فيه ، أو جملة اعتراضية كأنه قيل : وهؤلاء الذين يؤمنون ويعملون الصالحات هم الموقنون بالآخرة ، فإن تحمل المشاق إنما يكون لخوف العاقبة والوثوق على المحاسبة وتكرير الضمير للاختصاص .\r{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة زَيَّنَّا لَهُمْ أعمالهم } زين لهم أعمالهم القبيحة بأن جعلها مشتهاة للطبع محبوبة للنفس ، أو الأعمال الحسنة التي وجب عليهم أن يعملوها بترتيب المثوبات عليها . { فَهُمْ يَعْمَهُونَ } عنها لا يدركون ما يتبعها من ضر أو نفع .\r{ أولئك الذين لَهُمْ سُوء العذاب } كالقتل والأسر يوم بدر . { وَهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون } أشد الناس خسراناً لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة .\r{ وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } لتؤتاه . { مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } أي حكيم وأي عليم ، والجمع بينهما مع أن العلم داخل في الحكمة لعموم العلم ودلالة الحكمة على اتقان الفعل والإِشعار بأن علوم القرآن منها ما هو حكمة كالعقائد والشرائع ومنها ما ليس كذلك كالقصص والأخبار عن المغيبات ، ثم شرع في بيان بعض تلك العلوم بقوله :\r{ إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إِنّي آنَسْتُ نَاراً } أي اذكر قصته { إِذْ قَالَ } ويجوز أن يتعلق ب { عَلِيمٌ } . { سَئَاتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ } أي عن حال الطريق لأنه قد ضله ، وجمع الضمير إن صح أنه لم يكن معه غير امرأته لما كنى عنها بالأهل ، والسين للدلالة على بعد المسافة والوعد بالإِتيان وإن أبطأ . { أَوْ ءَاتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ } شعلة نار مقبوسة ، وإضافة الشهاب إليه لأنه قد يكون قبساً وغير قبس ، ونونه الكوفيون ويعقوب على أن ال { قَبَسٍ } بدل منه أو وصف له لأنه بمعنى المقبوس ، والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما بصيغة الترجي في «طه» ، والترديد للدلالة على أنه إن لم يظفر بهما لم يعدم ، أحدهما بناء على ظاهر الأمر أو ثقة بعبادة الله تعالى أنه لا يكاد يجمع حرمانين على عبده .","part":4,"page":429},{"id":1930,"text":"{ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } رجاء أن تستدفئوا بها والصلاء النار العظيمة .\r{ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ } أي { بُورِكَ } فإن النداء فيه معنى القول ، أو ب { أَن بُورِكَ } على أنها مصدرية أو مخففة من الثقيلة ، والتخفيف وإن اقتضى التعويض بلا أو قد أو السين أو سوف لكنه دعاء وهو يخالف غيره في أحكام كثيرة . { مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا } { مِنْ } في مكان { النار } وهو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى : { نُودِيَ مِن شَاطِىء الواد الأيمن فِي البقعة المباركة } ومن حول مكانها والظاهر أنه عام في كل من تلك الأرض ، وفي ذلك الواد وحواليها من أرض الشام الموسومة بالبركات لكونها مبعث الأنبياء وكفاتهم أحياء وأمواتاً وخصوصاً تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى . وقيل المراد موسى والملائكة الحاضرون ، وتصدير الخطاب بذلك بشارة بأنه قد قضى له أمر عظيم تنتشر بركته في أقطار الشأم . { وسبحان الله رَبّ العالمين } من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهاً وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر ، أو تعجب من موسى لما دهاه من عظمته .\r{ ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله } الهاء للشأن و { أَنَا الله } جملة مفسرة له ، أو للمتكلم و { أَنَاْ } خبره و { الله } بيان له . { العزيز الحكيم } صفتان لله ممهدتان لما أراد أن يظهره ، يريد أنا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما أفعله بحكمة وتدبير .\r{ وَأَلْقِ عَصَاكَ } عطف على { بُورِكَ } أي نودي أن بورك من في النار وأن ألق عصاك ، ويدل عليه قوله { وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ } بعد قوله { أَن يَا موسى إِنّي أَنَا الله } بتكرير أن . { فَلَمَّا رَءَاهَا تَهْتَزُّ } تتحرك باضطراب . { كَأَنَّهَا جَانٌّ } حية خفيفة سريعة ، وقرىء «جأن» على لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين . { ولى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ } ولم يرجع من عقب المقاتل إذا كر بعد الفرار ، وإنما رعب لظنه أن ذلك الأمر أريد به ويدل عليه قوله : { يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ } أي من غيري ثقة بي أو مطلقاً لقوله : { إِنّى لاَ يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } أي حين يوحى إليهم من فرط الاستغراق فإنهم أخوف الناس أي من الله تعالى ، أو لا يكون لهم عندي سوء عاقبة فيخافون منه .","part":4,"page":430},{"id":1931,"text":"{ إَلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوء فَإِنّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } استثناء منقطع استدرك به ما يختلج في الصدر من نفي الخوف عن كلهم ، وفيهم من فرطت منه صغيرة فإنهم وإن فعلوها أتبعوا فعلها ما يبطلها ويستحقون به من الله مغفرة ورحمة فإنه لا يخاف أيضاً ، وقصد تعريض موسى بوكزه القبطي . وقيل متصل وثم بدل مستأنف معطوف على محذوف أي عن ظلم ثم بدل ذنبه بالتوبة .\r{ وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ } لأنه كان بمدرعة صوف لا كم لها . وقيل الجيب القميص لأنه يجاب أي يقطع . { تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوء } آفة كبرص . { فِي تِسْعِ ءَايَاتٍ } في جملتها أو معها على أن التسع هي ، الفلق ، والطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، والطمسة ، والجدب في بواديهم ، والنقصان في مزراعهم ولمن عد العصا واليد من التسع أن يعد الأخيرين واحداً ولا يعد الفلق لأنه لم يبعث به إلى فرعون . أو اذهب في تسع آيات على أنه استئناف بالإِرسال فيتعلق به . { إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ } وعلى الأولين يتعلق بنحو مبعوثاً أو مرسلاً . { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } تعليل للإِرسال .\r{ فَلَمَّا جَاءتْهُمْ ءاياتنا } بأن جاءهم موسى بها . { مُبْصِرَةً } بينة اسم فاعل أطلق للمفعول ، وإشعاراً بأنها لفرط اجتلائها للأبصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما يبصر ، أو ذات تبصر من حيث إنها تهدي والعمي لا تهتدي فضلاً عن أن تهدي ، أو مبصرة كل من نظر إليها وتأمل فيها . وقرىء»مُبْصِرَةً« أي مكاناً يكثركم فيه التبصر . { قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } واضح سحريته .\r{ وَجَحَدُواْ بِهَا } وكذبوا بها . { واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } وقد استيقنتها لأن الواو للحال . { ظُلْماً } لأنفسهم . { وَعُلُوّاً } ترفعاً عن الإِيمان وانتصابهما . على العلة من { جَحَدُواْ } . { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } وهو الإِغراق في الدنيا والإِحراق في الآخرة .\r{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ وسليمان عِلْماً } طائفة من العلم وهو علم الحكم والشرائع ، أو علماً أي علم . { وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ } عطفه بالواو إشعاراً بأن ما قالاه بعض ما أتيا به في مقابلة هذه النعمة كأنه قال : ففعلا شكراً له ما فعلا { وَقَالاَ الحمد لِلَّهِ } . { الذى فَضَّلَنَا على كَثِيرٍ مّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ } يعني من لم يؤت علماً أو مثل علمهما ، وفيه دليل على فضل العلم وشرف أهله حيث شكرا على العلم وجعلاه أساس الفضل ولم يعتبرا دونه ما أوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما ، وتحريض للعالم على أن يحمد الله تعالى على ما آتاه من فضله وأن يتواضع ويعتقد أنه وإن فضل على كثير فقد فضل عليه كثير .\r{ وَوَرِثَ سليمان دَاوُودَ } النبوة أو العلم أو الملك بأن قام مقامه في ذلك دون سائر بنيه وكانوا تسعة عشر .","part":4,"page":431},{"id":1932,"text":"{ وَقَالَ يَا أَيُّهَا الناس عُلّمْنَا مَنطِقَ الطير وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَيْءٍ } تشهيراً لنعمة الله وتنويهاً بها ودعاء الناس إلى التصديق بذكر المعجزة التي هي علم منطق الطير وغير ذلك من عظائم ما أوتيه ، والنطق والمنطق في المتعارف كل لفظ يعبر به عما في الضمير مفرداً كان أو مركباً وقد يطلق لكل ما يصوت به على التشبيه ، أو التبع كقولهم نطقت الحمامة ومنه الناطق والصامت للحيوان والجماد ، فإن الأصوات الحيوانية من حيث إنها تابعة للتخيلات منزلة منزلة العبارات سيما وفيها ما يتفاوت باختلاف الأغراض بحيث يفهمها ما من جنسه ، ولعل سليمان E مهما سمع صوت حيوان علم بقوته القدسية التخيل الذي صوته والغرض الذي توخاه به . ومن ذلك ما حكي أنه مر ببلبل يصوت ويترقص فقال : يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء ، وصاحت فاختة فقال : إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا ، فلعله كان صوت البلبل عن شبع وفراغ بال وصياح الفاختة عن مقاساة شدة وتألم قلب ، والضمير في { عَلِمْنَا } { وَأُوتِينَا } له ولأبيه عليهما الصلاة والسلام أوله وحده على عادة الملوك لمراعاة قواعد السياسة ، والمراد { مِن كُلِّ شَيْءٍ } كثرة ما أوتي كقولك : فلان يقصده كل أحد ويعلم كل شيء . { إِنَّ هذا لَهُوَ الفضل المبين } الذي لا يخفى على أحد .\r{ وَحُشِرَ } وجمع . { لسليمان جُنُودُهُ مِنَ الجن والإنس والطير فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبسون بحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا .\r{ حتى إِذَا أَتَوْا على وَادِي النمل } واد بالشام كثير النمل ، وتعدية الفعل إليه ب { على } إما لأن إتيانهم كان من عال أو لأن المراد قطعة من قولهم : أتى على الشيء إذا أنفده وبلغ آخره كأنهم أرادوا أن ينزلوا أخريات الوادي . { قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النمل ادخلوا مساكنكم } كأنها لما رأتهم متوجهين إلى الوادي فرت عنهم مخافة حطمهم فتبعها غيرها فصاحت صيحة نبهت بها ما بحضرتها من النمال فتبعتها ، فشبه ذلك بمخاطبة العقلاء ومناصحتهم ولذلك أجروا مجراهم مع أنه لا يمتنع أن خلق الله سبحانه وتعالى فيها العقل والنطق . { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سليمان وَجُنُودُهُ } نهي لهم عن الحطم ، والمراد نهيها عن التوقف بحيث يحطمونها كقولهم : لا أرينك ها هنا ، فهو استئناف أو بدل من الأمر لا جواب له فإن النون لا تدخله في السعة . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بأنهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا كأنها شعرت عصمة الأنبياء من الظلم والإِيذاء . وقيل استئناف أي فهم سليمان والقوم لا يشعرون .\r{ فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا } تعجباً من حذرها وتحذيرها واهتدائها إلى مصالحها ، وسروراً بما خصه الله تعالى به من إدراك همسها وفهم غرضها ولذلك سأل توفيق شكره . { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ } أي اجعلني أزع شكر نعمتك عندي ، أي أكفه وأرتبطه لا ينفلت عني بحيث لا أنفك عنه ، وقرأ البزي وورش بفتح ياء { أَوْزِعْنِي } .","part":4,"page":432},{"id":1933,"text":"{ التي أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ } أدرج فيه ذكر والديه تكثيراً للنعمة أو تعميماً لها ، فإن النعمة عليهما نعمة عليه والنعمة عليه يرجع نفعها إليهما سيما الدينية . { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } إتماماً للشكر واستدامة للنعمة . { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } في عدادهم الجنة .\r{ وَتَفَقَّدَ الطير } وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد . { فَقَالَ مَا لِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغائبين } أم منقطعة كأنه لما لم يره ظن أنه حاضر ولا يراه لساتر أو غيره فقال : ما لي لا أراه ، ثم احتاط فلاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له .","part":4,"page":433},{"id":1934,"text":"{ لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } كنتف ريشه وإلقائه في الشمس ، أو حيث النمل يأكله أو جعله مع ضده في قفص . { أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ } ليعتبر به أبناء جنسه . { أَوْ لَيَأْتِيَنّي بسلطان مُّبِينٍ } بحجة تبين عذره ، والحلف في الحقيقة على أحد الأولين بتقدير عدم الثالث لكن لما اقتضى ذلك وقوع أحد الأمور الثلاثة ثلث المحلوف عليه بعطفه عليهما ، وقرأ ابن كثير أو «ليأتينني» بنونين الأولى مفتوحة مشددة .\r{ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ } زماناً غير مديد يريد به الدلالة على سرعة رجوعه خوفاً منه ، وقرأ عاصم بفتح الكاف . { فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } يعني حالاً سبأ ، وفي مخاطبته إياه بذلك تنبيه له على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علماً بما لم يحط به لتتحاقر إليه نفسه ويتصاغر لديه علمه ، وقرىء بإدغام الطاء في التاء بإطباق وبغير إطباق . { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ } وقرأ ابن كثير برواية البزي وأبو عمرو غير مصروف على تأويل القبيلة والبلدة والقواس بهمزة ساكنة . { بِنَبَإٍ يَقِينٍ } بخبر متحقق روي أنه E لما أتم بناء بيت المقدس تجهز للحج فوافى الحرم وأقام بها ما شاء ، ثم توجه إلى اليمن فخرج من مكة صباحاً فوافى صنعاء ظهيرة فأعجبته نزاهة أرضها فنزل بها ثم لم يجد الماء وكان الهدهد رائده لأنه يحسن طلب الماء فتفقده لذلك فلم يجده إذ حلق حين نزل سليمان فرأى هدهداً واقعاً فانحط إليه فتواصفا وطار معه لينظر ما وصف له ، ثم رجع بعد العصر وحكى ما حكى ، ولعل في عجائب قدرة الله وما خص به خاصة عباده أشياء أعظم من ذلك يستكبرها من يعرفها ويستنكرها من ينكرها .\r{ إِنّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ } يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن الريان ، والضمير لسبأ أو لأهلها . { وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْء } يحتاج إليه الملوك . { وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ } عظمه بالنسبة إليها أو إلى عروش أمثالها . وقيل كان ثلاثين ذراعاً في ثلاثين عرضاً وسمكاً ، أو ثمانين من ذهب وفضة مكللاً بالجواهر .\r{ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ الله } كأنهم كانوا يعبدونها . { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } عبادة الشمس وغيرها من مقابح أعمالهم . { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } عن سبيل الحق والصواب . { فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ } إليه .\r{ أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ } فصدهم لئلا يسجدوا أو زين لهم أن لا يسجدوا على أنه بدل من { أعمالهم } ، أو { لاَ يَهْتَدُونَ } إلى أن يسجدوا بزيادة { لا } . وقرأ الكسائي ويعقوب { إِلا } بالتخفيف على أنها للتنبيه ويا للنداء ومناداه محذوف أي : ألا يا قوم اسجدوا كقوله :\rوَقَالَتْ أَلاَ يَا اسْمَعْ أَعِظكَ بِخطَّةٍ ... فَقُلْتُ سَمِيعاً فَانْطِقِي وَأَصِيبِي","part":4,"page":434},{"id":1935,"text":"وعلى هذا صح أن يكون استئنافاً من الله أو من سليمان والوقف على { لاَ يَهْتَدُونَ } ، فيكون أمراً بالسجود وعلى الأول ذماً على تركه وعلى الوجهين يقتضي وجوب السجود في الجملة لا عند قراءتها ، وقرىء «هلا» و «هلا» بقلب الهمزة هاء و «ألا تسجدون» و «هلا تسجدون» على الخطاب . { الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السموات والأرض وَيَعْلَمُ مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } وصف له تعالى بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة والعلم حثاً على سجوده ورداً على من يسجد لغيره ، و { الخبء } ما خفي في غيره وإخراجه إظهاره ، وهو يعم إشراق الكواكب وإنزال الأمطار وإنبات النبات بل الإِنشاء فإنه إخراج ما في الشيء بالقوة إلى الفعل والإِبداع ، فإنه إخراج ما في الإِمكان والعدم إلى الوجوب والوجود ومعلوم أنه يختص بالواجب لذاته . وقرأ حفص والكسائي »مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ« بالتاء .\r{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش العظيم } الذي هو أول الأجرام وأعظمها والمحيط بجملتها فبين العظيمين بون .","part":4,"page":435},{"id":1936,"text":"{ قَالَ سَنَنظُرُ } سنعرف من النظر بمعنى التأمل . { أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الكاذبين } أي أم كذبت والتغيير للمبالغة ومحافظة الفواصل .\r{ اذهب بّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ } ثم تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى فيه . { فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ } ما يرجع بعضهم إلى بعض من القول .\r{ قَالَتْ } أي بعد ما ألقى إليها . { ياأيها الملأ إِنّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } لكرم مضمونه أو مرسله ، أو لأنه كان مختوماً أو لغرابة شأنه إذ كانت مستلقية في بيت مغلقة الأبواب فدخل الهدهد من كوة وألقاه على نحرها بحيث لم تشعر به .\r{ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } استئناف كأنه قيل لها ممن هو وما هو فقالت إنه ، أي إن الكتاب أو العنوان من سليمان { وَإِنَّهُ } أي وإن المكتوب أو المضمون . وقرىء بالفتح على الإِبدال من { كِتَابٌ } أو التعليل لكرمه . { بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم } .\r{ أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ } أن مفسرة أو مصدرية فتكون بصلتها خبر محذوف أي هو أو المقصود أن لا تعلوا أو بدل من { كِتَابٌ } . { وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } مؤمنين أو منقادين ، وهذا كلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود ، لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع تعالى وصفاته صريحاً أو التزاماً ، والنهي عن الترفع الذي هو أم الرذائل والأمر بالإِسلام الجامع لأمهات الفضائل ، وليس الأمر فيه بالانقياد قبل إقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد فإن إلقاء الكتاب إليها على تلك الحالة من أعظم الدلالة .\r{ قَالَتْ ياأيها الملأ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي } أجيبوني في أمري الفتي واذكروا ما تستصوبون فيه . { مَا كُنتُ قاطعة أَمْراً } ما أبت أمراً . { حتى تَشْهَدُونِ } إلا بمحضركم استعطفتهم بذلك ليمالئوها على الإِجابة .\r{ قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍ } بالأجساد والعدد . { وَأُوْلُواْ بَأْسٍ شَدِيدٍ } نجدة وشجاعة . { والأمر إِلَيْكِ } موكول . { فانظرى مَاذَا تَأْمُرِينَ } من المقاتلة أو الصلح نطعك ونتبع رأيك .\r{ قَالَتْ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً } عنوة وغلبة . { أَفْسَدُوهَا } تزييف لما أحست منهم من الميل إلى المقاتلة بادعائهم القوى الذاتية والعرضية ، وإشعار بأنها ترى الصلح مخافة أن يتخطى سليمان خططهم فيسرع إلى إفساد ما يصادفه من أموالهم وعماراتهم ، ثم أن الحرب سجال لا تدري عاقبتها . { وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً } بنهب أموالهم وتخريب ديارهم إلى غير ذلك من الإِهانة والأسر . { وكذلك يَفْعَلُونَ } تأكيد لما وصفت من حالهم وتقرير بأن ذلك من عاداتهم الثابتة المستمرة ، أو تصديق لها من الله D .\r{ وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ } بيان لما ترى تقديمه في المصالحة ، والمعنى إني مرسلة رسلاً بهدية أدفعه بها عن ملكي . { فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون } من حاله حتى أعمل بحسب ذلك .","part":4,"page":436},{"id":1937,"text":"روي أنها بعثت منذر بن عمرو في وفد وأرسلت معهم غلماناً على زي الجواري وجواري على زي الغلمان ، وحُقاً فيه درة عذراء وجزعة معوجة الثقب وقالت : إن كان نبياً ميز بين الغلمان والجواري وثقب الدرة ثقباً مستوياً وسلك في الخرزة خيطاً ، فلما وصلوا إلى معسكره ورأوا عظمة شأنه تقاصرت إليهم نفوسهم ، فلما وقفوا بين يديه وقد سبقهم جبريل بالحال فطلب الحق وأخبر عما فيه ، فأمر الأرضة فأخذت شعرة ونفذت في الدرة وأمر دودة بيضاء فأخذت الخيط ونفذت في الجزعة ، ودعا بالماء فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ثم تضرب به وجهها والغلام كما يأخذه يضرب به وجهه ثم رد الهدية .\r{ فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ } أي الرسول أو ما أهدت إليه وقرىء «فلما جاؤوا» . { قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ } خطاب للرسول ومن معه ، أو للرسول والمرسل على تغليب المخاطب . وقرأ حمزة ويعقوب بالإِدغام وقرىء بنون واحدة وبنونين وحذف الياء . { فَمَا ءاتانى الله } من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بإسكانها وبإمالتها . الكسائي وحده . { خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم } فلا حاجة لي إلى هديتكم ولا وقع لها عندي . { بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ } لأنكم لا تعلمون إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فتفرحون بما يهدى إليكم حباً لزيادة أموالكم ، أو بما تهدونه افتخاراً على أمثالكم ، والإِضراب عن إنكار الإِمداد بالمال عليه وتقليله إلى بيان السبب الذي حملهم عليه ، وهو قياس حاله على حالهم في قصور الهمة بالدنيا والزيادة فيها .\r{ اْرجِعِ } أيها الرسول . { إِلَيْهِمُ } إلى بلقيس وقومها . { فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا } لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة لهم على مقابلتها وقرىء «بهم» . { وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا } من سبأ . { أَذِلَّةً } بذهاب ما كانوا فيه من العز . { وَهُمْ صاغرون } أسراء مهانون .","part":4,"page":437},{"id":1938,"text":"{ قَالَ يَاأَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا } أراد بذلك أن يريها بعض ما خصه الله تعالى به من العجائب الدالة على عظم القدرة وصدقه في دعوى النبوة ، ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فينظر أتعرفه أم تنكره؟ . { قَبْلَ أَن يَأْتُونِى مُسْلِمِينَ } فإنها إذا أتت مسلمة لم يحل أخذه إلا برضاها .\r{ قَالَ عِفْرِيتٌ } خبيث مارد . { مّن الجن } بيان له لأنه يقال للرجل الخبيث المنكر المعفر أقرانه ، وكان اسمه ذكوان أو صخراً . { أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ } من مجلسك للحكومة وكان يجلس إلى نصف النهار . { وَإِنِّي عَلَيْهِ } على حمله . { لَقَوِيٌّ أَمِينٌ } لا أختزل منه شيئاً ولا أبدله .\r{ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب } آصف بن برخيا وزيره ، أو الخضر أو جبريل عليهما السلام أو ملك أيده الله به ، أو سليمان عليه السلام نفسه فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم وأن هذه الكرامة كانت بسببه والخطاب في : { أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } للعفريت كأنه استبطأه فقال له ذلك ، أو أراد إظهار معجزة في نقله فتحداهم أولاً ثم أراهم أنه يتأتى له مالاً يتأتى لعفاريت الجن فضلاً عن غيرهم ، والمراد ب { الكتاب } جنس الكتب المنزلة أو اللوح ، و { ءَاتِيكَ } في الموضعين صالح للفعلية والاسمية ، «والطرف» تحريك الأجفان للنظر فوضع موضعه ولما كان الناظر يوصف بإرسال الطرف كما في قوله :\rوَكُنْت إِذَا أَرْسَلْت طَرْفَكَ رَائِدا ... لِقَلْبِكَ يَوْماً أَتْعَبَتْكَ المَنَاظِرُ\rوصف برد الطرف والطرف بالارتداد ، والمعنى أنك ترسل طرفك نحو شيء فقبل أن ترده أحضر عرشها بين يديك ، وهذا غاية في الإِسراع ومثل فيه . { فَلَمَّا رَءَاهُ } أي العرش { مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } حاصلاً بين يديه . { قَالَ } تلقياً للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد الله تعالى { هذا مِن فَضْلِ رَبّي } تفضل به عليَّ من غير استحقاق ، والإِشارة إلى التمكن من إحضار العرش في مدة إرتداد الطرف من مسيرة شهرين بنفسه أو غيره ، والكلام في إمكان مثله قد مر في آية «الإِسراء» . { لِيَبْلُوَنِى ءَأَشْكُرُ } بأن أراه فضلاً من الله تعالى بلا حول مني ولا قوة وأقوم بحقه . { أَمْ أَكْفُرُ } بأن أجد نفسي في البين ، أو أقصر في أداء مواجبه ومحلها النصب على البدل من الياء . { وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأنه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها ويحط عنها عبء الواجب ويحفظها عن وصمة الكفران . { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبّي غَنِيٌّ } عن شكره . { كَرِيمٌ } بالإنعام عليه ثانياً .\r{ قَالَ نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا } بتغيير هيئته وشكله . { نَنظُرْ } جواب الأمر ، وقرىء بالرفع على الاستئناف . { أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الذين لاَ يَهْتَدُونَ } إلى معرفته أو الجواب الصواب ، وقيل إلى الإِيمان بالله ورسوله إذا رأت تقدم عرشها وقد خلفته مغلقة عليه الأبواب موكلة عليها الحراس .","part":4,"page":438},{"id":1939,"text":"{ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ } تشبيهاً عليها زيادة في امتحان عقلها إذ ذكرت عنده بسخافة العقل . { قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ } ولم تقل هو لاحتمال أن يكون مثله وذلك من كمال عقلها . { وَأُوتِينَا العلم مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ } من تتمة كلامها كأنها ظنت أنه أراد بذلك اختبار عقلها وإظهار معجزة لها فقالت : وأوتينا العلم بكمال قدرة الله وصحة نبوتك قبل هذه الحالة ، أو المعجزة مما تقدم من الآيات . وقيل إنه من كلام سليمان عليه السلام وقومه وعطفوه على جوابها لما فيه من الدلالة على إيمانها بالله ورسوله حيث جوزت أن يكون ذلك عرشها تجويزاً غالباً ، وإحضار ثمة من المعجزات التي لا يقدر عليها غير الله تعالى ولا تظهر إلا على يد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، أي وأوتينا العلم بالله وقدرته وصحة ما جاء به عنده قبلها وكنا منقادين لحكمه ولم نزل على دينه ، ويكون غرضهم فيه التحدث بما أنعم الله عليهم من التقدم في ذلك شكر الله تعالى .\r{ وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ الله } أي وصدها عبادتها الشمس عن التقدم إلى الإِسلام ، أو وصدها الله عن عبادتها بالتوفيق للإِيمان . { إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كافرين } وقرىء بالفتح على الإِبدال من فاعل صدها على الأول ، أي صدها نشؤها بين أظهر الكفار أو التعليل له .\r{ قِيلَ لَهَا ادخلي الصرح } القصر وقيل عرصة الدار . { فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا } روي أنه أمر قبل قدومها ببناء قصر صحنه من الزجاج أبيض وأجرى من تحته الماء وألقى فيه حيوانات البحر ووضع سريره في صدره فجلس عليه ، فلما أبصرته ظنته ماء راكداً فكشفت عن ساقيها . وقرأ ابن كثير برواية قنبل «سأقيها» بالهمز حملاً على جمعه سؤوق وأسؤق . { قَالَ إِنَّهُ } إن ما تظنينه ماء . { صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ } مملس . { مّن قَوارِيرَ } من الزجاج .\r{ قَالَتْ رَبّ إِنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي } بعبادتي الشمس ، وقيل بظني بسليمان فإنها حسبت أنه يغرقها في اللجة . { وَأَسْلَمْتُ مَعَ سليمان لِلَّهِ رَبّ العالمين } فيما أمر به عباده وقد ، اختلف في أنه تزوجها أو زوجها من ذي تبع ملك همدان .","part":4,"page":439},{"id":1940,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا أَنِ اعبدوا الله } بأن اعبدوا الله ، وقرىء بضم النون على اتباعها الباء . { فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ } ففاجئوا التفرق والاختصام فآمن فريق وكفر فريق ، والواو لمجموع الفريقين .\r{ قَالَ يَا قَوْمٍ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسيئة } بالعقوبة فتقولون ائتنا بما تعدنا . { قَبْلَ الحسنة } قبل التوبة فتؤخرونها إلى نزول العقاب فإنهم كانوا يقولون إن صدق إيعاده تبنا حينئذ . { لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله } قبل نزوله . { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } بقبولها فإنها لا تقبل حينئذ .\r{ قَالُواْ اطيرنا } تشاءمنا . { بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ } إِذ تتابعت علينا الشدائد ، أو وقع بيننا الافتراق منذ اخترعتم دينكم . { قَالَ طَائِرُكُمْ } سببكم الذي جاء منه شركم . { عَندَ الله } وهو قدره أو عملكم المكتوب عنده . { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ } تختبرون بتعاقب السراء والضراء ، والإِضراب من بيان طائرهم الذي هو مبدأ ما يحيق بهم إلى ذكر ما هو الداعي إليه .\r{ وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ } تسعة أنفس ، وإنما تمييزاً للتسعة باعتبار المعنى ، والفرق بينه وبين النفر أنه من الثلاثة أو السبعة إلى العشرة ، والنفر من الثلاثة إلى التسعة . { يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ } أي شأنهم الإِفساد الخالص عن شوب الصلاح .\r{ قَالُواْ } أي قال بعضهم لبعض . { تَقَاسَمُواْ بالله } أمر مقول أو خبر وقع بدلاً أو حالاً بإضمار قد . { لَنُبَيّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ } لنباغتن صالحاً وأهله ليلاً . وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على خطاب بعضهم لبعض ، وقرىء بالياء على أن تقاسموا خبر . { ثُمَّ لَنَقُولَنَّ } فيه القراءات الثلاث . { لِوَلِيِّهِ } لولي دمه . { مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ } فضلاً أن تولينا إهلاكهم ، وهو يحتمل المصدر والزمان والمكان وكذا »مُهْلِكَ« في قراءة حفص فإن مفعلاً قد جاء مصدراً كمرجع . وقرأ أبو بكر بالفتح فيكون مصدراً . { وِإِنَّا لصادقون } ونحلف إنا لصادقون ، أو والحال { إِنَّا لصادقون } فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفاً ، أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثمة رجلاً بل رجلين .\r{ وَمَكَرُواْ مَكْراً } بهذه المواضعة . { وَمَكَرْنَا مَكْراً } بأن جعلناها سبباً لإِهلاكهم . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بذلك ، روي أنه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلي فيه فقالوا : زعم أنه يفرغ منا إلى ثلاث فنفرغ منه ومن أهله قبل الثلاث ، فذهبوا إلى الشعب ليقتلوه ، فوقع عليهم صخرة حيالهم فطبقت عليهم فم الشعب فهلكوا ثمة وهلك الباقون في أماكنهم بالصيحة كما أشار إليه قوله :\r{ فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة مَكْرِهِمْ أَنَّا دمرناهم وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ } و { كَانَ } إن جعلت ناقصة فخبرها { كَيْفَ } و { أَنَّا دمرناهم } استئناف أو خبر محذوف لا خبر { كَانَ } لعدم العائد ، وإن جعلتها تامة ف { كَيْفَ } حال . وقرأ الكوفيون ويعقوب { أَنَّا دمرناهم } بالفتح على أنه خبر محذوف أو بدل من اسم { كَانَ } أو خبر له و { كَيْفَ } حال .","part":4,"page":440},{"id":1941,"text":"{ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً } خالية من خوى البطن إذا خلا ، أو ساقطة منهدمة من خوى النجم إذا سقط ، وهي حال عمل فيها معنى الإِشارة . وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف . { بِمَا ظَلَمُواْ } بسبب ظلمهم . { إِنَّ فِى ذلك لآيَةً لّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } فيتعظون .\r{ وَأَنجَيْنَا الذين ءَامَنُواْ } صالحاً ومن معه . { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } الكفر والمعاصي فلذلك خصوا بالنجاة .\r{ وَلُوطاً } واذكر لوطاً ، أو وأرسلنا لوطاً لدلالة ولقد أرسلنا عليه . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } بدل على الأول وظرف على الثاني . { أَتَأْتُونَ الفاحشة وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } تعلمون فحشها من بصر القلب واقتراف القبائح من العالم بقبحها أقبح ، أو يبصرها بعضكم من بعض لأنهم كانوا يعلنون بها فتكون أفحش .\r{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال شَهْوَةً } بيان لإتيانهم الفاحشة وتعليله بالشهوة للدلالة على قبحه ، والتنبيه على أن الحكمة في المواقعة طلب النسل لاقضاء الوطر . { مّن دُونِ النساء } اللاتي خلقن لذلك . { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تفعلون فعل من يجهل قبحها ، أو يكون سفيهاً لا يميز بين الحسن والقبيح ، أو تجهلون العاقبة والتاء فيه لكون الموصوف به في معنى المخاطب .\r{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } أي يتنزهون عن أفعالنا ، أو عن الأقذار ويعدون فعلنا قذراً .\r{ فأنجيناه وَأَهْلَهُ إِلاَّ امرأته قدرناها مِنَ الغابرين } قدرنا كونها من الباقين في العذاب .\r{ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ المنذرين } مر مثله .\r{ قُلِ الحمد لِلَّهِ وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } أمر رسوله A بعدما قص عليه القصص الدالة على كمال قدرته وعظم شأنه وما خص به رسله من الآيات الكبرى والانتصار من العدا بتحميده والسلام على المصطفين من عباده شكراً على ما أنعم عليهم ، أو علمه ما جهل من أحوالهم وعرفاناً لفضلهم وحق تقدمهم واجتهادهم في الدين ، أو لوطاً بأن يحمده على هلاك كفرة قومه ويسلم على من اصطفاه بالعصمة من الفواحش والنجاة من الهلاك . { الله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ } إلزام لهم وتهكم بهم وتسفيه لرأيهم ، إذ من المعلوم أن لا خير فيما أشركوه رأساً حتى يوازن بينه وبين من هو مبدأ كل خير . وقرأ أبو عمرو وعاصم ويعقوب بالتاء .\r{ أَمَّن } بل أمن . { خَلَقَ السموات والأرض } التي هي أصول الكائنات ومبادىء المنافع . وقرأ أمن بالتخفيف على أنه بدل من الله . { وَأَنزَلَ لَكُمْ } لأجلكم . { مِّنَ السماء مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } عدل به من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته ، والتنبيه على أن إنبات الحدائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره كما أشار إليه بقوله : { مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا } شجر الحدائق وهي البساتين من الإحداق وهو الإِحاطة . { أَءِلَهٌ مَّعَ الله } أغيره يقرن به ويجعل له شريكاً ، وهو المنفرد بالخلق والتكوين . وقرىء «أإلهاً» بإضمار فعل مثل أتدعون أو أتشركون وبتوسيط مدة بين الهمزتين وإخراج الثانية بين بين . { بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ } عن الحق الذي هو التوحيد .","part":4,"page":441},{"id":1942,"text":"{ أَمَّن جَعَلَ الأرض قَرَاراً } بدل من { أَمَّنْ خَلَقَ السموات } وجعلها قراراً بإبداء بعضها من الماء وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإِنسان والدواب عليها . { وَجَعَلَ خِلاَلَهَا } وسطها . { أَنْهَاراً } جارية . { وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ } جبالاً تتكون فيها المعادن وتنبع من حضيضها المنابع . { وَجَعَلَ بَيْنَ البحرين } العذب والمالح ، أو خليجي فارس والروم . { حَاجِزاً } برزخاً وقد مر بيانه في سورة «الفرقان» . { أََءِلَهٌ مَّعَ الله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } الحق فيشركون به .\r{ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } المضطر الذي أحوجه شدة ما به إلى اللجوء إلى الله تعالى من الاضطرار ، وهو إفتعال من الضرورة واللام فيه للجنس لا للاستغراق فلا يلزم منه إجابة كل مضطر . { وَيَكْشِفُ السوء } ويدفع عن الإِنسان ما يسوءه . { وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأرض } خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن قبلكم . { أََءِلَهٌ مَّعَ الله } الذي خصكم بهذه النعم العامة والخاصة . { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } أي تذكرون آلاءه تذكراً قليلاً ، وما مزيدة والمراد بالقلة العدم أو الحقارة المزيحة للفائدة . وقرأ أبو عمرو وهشام وروح بالياء وحمزة والكسائي وحفص بالتاء وتخفيف الذال .\r{ أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظلمات البر والبحر } بالنجوم وعلامات الأرض ، وال { ظلمات } ظلمات الليالي وإضافتها إلى { البر والبحر } للملابسة ، أو مشتبهات الطرق يقال طريقة ظلماء وعمياء للتي لا منار بها . { وَمَن يُرْسِلُ الرياح بُشْرًاَ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ } يعني المطر ، ولو صح أن السبب الأكثر في تكون الرياح معاودة الأدخنة الصاعدة من الطبقة الباردة لإِنكسار حرها وتمويجها الهواء فلا شك أن الأسباب الفاعلية والقابلية لذلك من خلق الله تعالى ، والفاعل للسبب فعل المسبب . { أَءِلَهٌ مَّعَ الله } يقدر على مثل ذلك . { تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } تعالى الله القادر الخالق عن مشاركة العاجز المخلوق .\r{ أَمَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعيدُهُ } والكفرة وإن أنكروا الإِعادة فهم محجوجون بالحجج الدالة عليها . { وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السماء والأرض } أي بأسباب سماوية وأرضية . { أَءِلَهٌ مَّعَ الله } يفعل ذلك . { قُلْ هَاتُواْ برهانكم } على أن غيره يقدر على شيء من ذلك . { إِن كُنتُمْ صادقين } في إشراككم فإن كمال القدرة من لوازم الألوهية .\r{ قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السموات والأرض الغيب إِلاَّ الله } لما بين اختصاصه تعالى بالقدرة التامة الفائقة العامة أتبعه ما هو كاللازم له ، وهو التفرد بعلم الغيب والاستثناء منقطع ، ورفع المستثنى على اللغة التميمية للدلالة على أنه تعالى إن كان ممن في السموات والأرض ففيها من يعلم الغيب مبالغة في نفيه عنهم ، أو متصل على أن المراد ممن في السموات والأرض من تعلق علمه بها واطلع عليها اطلاع الحاضر فيها ، فإنه يعم الله تعالى وأولي العلم من خلقه وهو موصول أو موصوف .","part":4,"page":442},{"id":1943,"text":"{ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } متى ينشرون مركبة من «أي» «وآن» ، وقرئت بكسر الهمزة والضمير لمن وقيل للكفرة .\r{ بَلِ ادارك عِلْمُهُمْ فِي الآخرة } لما نفى عنهم علم الغيب وأكد ذلك ينفي شعورهم بما هو مآلهم لا محالة بالغة فيه ، بأن أضرب عنه وبين أن ما انتهى وتكامل فيه أسباب علمهم من الحجج والآيات وهو أن القيامة كائنة لا محالة لا يعلمونه كما ينبغي . { بَلْ هُمْ فِي شَكّ مّنْهَا } كمن تحير في الأمر لا يجد عليه دليلاً . { بَلْ هُم مّنْهَا عَمُونَ } لا يدركون دلائلها لاختلال بصيرتهم ، وهذا وإن اختص بالمشركين ممن في السموات والأرض نسب إلى جميعهم كما يسند فعل البعض إلى الكل ، والإِضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم ، وقيل الأول إضراب عن نفي الشعور بوقت القيامة عنهم إلى وصفهم باستحكام علمهم في أمر الآخرة تهكماً بهم ، وقيل أدرك بمعنى انتهى واضمحل من قولهم أدركت الثمرة لأن تلك غايتها التي عندها تعدم . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وحفص »بَلِ أَدْرَاكَ« بمعنى تتابع حتى استحكم ، أو تتابع حتى انقطع من تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك ، وأبو بكر «أدرك» وأصلهما تفاعل وافتعل . وقرىء «أأدرك» بهمزتين «وآأدرك» بألف بينهما و «بل أدرك» و «بل تدارك» و «بلى أأدرك» و «بلى أأدرك» و «أم إدراك» أو «تدارك» ، وما فيه استفهام صريح أو مضمن من ذلك فإنكار وما فيه بلى فإثبات لشعورهم وتفسير له بالإِدراك على التهكم ، وما بعده إضراب عن التفسير مبالغة في نفيه ودلالة على أن شعورهم بها أنهم شاكون فيها { بَلِ } إنهم { مّنْهَا عَمُونَ } أوْ رَدَّ وإنكار لشعورهم .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ أَءِذَا كُنَّا تُرَاباً وَءَابَاؤُنَا أَءِنَّا لَمُخْرَجُونَ } كالبيان لعمههم والعامل في إذا ما دل عليه { أَءنَّا لَمُخْرَجُونَ } ، وهو نخرج لا مخرجون لأن كلاً من الهمزة وإن واللام مانعة من عمله فيما قبلها ، وتكرير الهمزة للمبالغة في الإِنكار ، والمراد بالإِخراج الإِخراج من الأجداث أو من حال الفناء إلى الحياة ، وقرأ نافع «إذا كنا» بهمزة واحدة مكسورة ، وقرأ ابن عامر والكسائي «إننا لمخرجون» بنونين على الخبر .\r{ لَقَدْ وُعِدْنَا هذا نَحْنُ وَءَابَآؤُنَاَ مِن قَبْلُ } من قبل وعد محمد A ، وتقديم هذا على نحن لأن المقصود بالذكر هو البعث وحيث أخر فالمقصود به المبعوث . { إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين } التي هي كالأسمار .\r{ قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة المجرمين } تهديد لهم على التكذيب وتخويف بأن ينزل بهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم ، والتعبير عنهم ب { المجرمين } ليكون لطفاً بالمؤمنين في ترك الجرائم .\r{ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } على تكذبيهم وإعراضهم . { وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ } في حرج صدر ، وقرأ ابن كثير بكسر الضاد وهما لغتان ، وقرىء ضيق أي أمر ضيق . { مّمَّا يَمْكُرُونَ } من مكرهم فإن الله يعصمك من الناس .","part":4,"page":443},{"id":1944,"text":"{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } العذاب الموعود . { إِن كُنتُمْ صادقين } .\r{ قُلْ عسى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم } تبعكم ولحقكم ، واللام مزيدة للتأكيد أو الفعل مضمن معنى فعل بتعدي باللام مثل دنا . وقرىء بالفتح وهو لغة فيه . { بَعْضُ الذى تَسْتَعْجِلُونَ } حلوله وهو عذاب يوم بدر ، وعسى ولعل وسوف في مواعيد الملوك كالجزم بها وإنما يطلقونها إظهاراً لوقارهم وإشعاراً بأن الرمز منهم كالتصريح من غيرهم وعليه جرى وعد الله تعالى ووعيده .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } لتأخير عقوبتهم على المعاصي ، والفضل والفاضلة الأفضال وجميعها فضول وفواضل . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } لا يعرفون حق النعمة فيه فلا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم وقوعه .\r{ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } ما تخفيه وقرىء بفتح التاء من كننت أي سترت . { وَمَا يُعْلِنُونَ } من عداوتك فيجازيهم عليه .\r{ وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السماء والأرض } خافية فيهما ، وهما من الصفات الغالبة والتاء فيهما للمبالغة كما في الراوية ، أو اسمان لما يغيب ويخفى كالتاء في عافية وعاقبة . { إِلاَّ فِي كتاب مُّبِينٍ } بين أو { مُّبِينٌ } ما فيه لما يطالعه ، والمراد اللوح أو القضاء على الاستعارة .\r{ إِنَّ هذا القرءان يَقُصُّ على بَنِي إسراءيل أَكْثَرَ الذي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } كالتشبيه والتنزيه وأحوال الجنة والنار وعزير والمسيح .\r{ وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤمِنِينَ } فإنهم المنتفعون به .\r{ إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم } بين بني إسرائيل . { بِحُكْمِهِ } بما يحكم به وهو الحق ، بحكمته ويدل عليه أنه قرىء بحكمه . { وَهُوَ العزيز } فلا يرد قضاؤه . { العليم } بحقيقة ما يقضى فيه ، وحكمه .\r{ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله } ولا تبال بمعاداتهم . { إِنَّكَ عَلَى الحق المبين } وصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصره .\r{ إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } تعليل اخر للأمر بالتوكل من حيث إنه يقطع طعمه عن مشايعتهم ومعاضدتهم رأساً ، وإنما شبهوا بالموتى لعدم انتفاعهم باستماع ما يتلى عليهم كما شبهوا بالصم في قوله : { وَلاَ تُسْمِعُ الصم إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } فإن إسماعهم في هذه الحالة أبعد . وقرأ ابن كثير { وَلاَ يَسْمَعُ الصم } .\r{ وَمَا أَنتَ بِهَادِي العمي عَن ضلالتهم } حيث الهداية لا تحصل إلا بالبصر . وقرأ حمزة وحده «وما أنت تهدي العمي» . { إِن تُسْمِعُ } أي ما يجدي إسماعك . { إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بئاياتنا } من هو في علم الله كذلك . { فَهُم مُّسْلِمُونَ } مخلصون من أسلم وجهه لله .\r{ وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم } إذا دنا وقوع معناه وهو ما وعدوا به من البعث والعذاب . { أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأرض } وهي الجساسة روي أن طولها ستون ذراعاً ولها أربع قوائم وزغب وريش وجناحان ، لا يفوتها هارب ولا يدركها طالب . وروي أنه E سئل من أين مخرجها فقال :","part":4,"page":444},{"id":1945,"text":"« من أعظم المساجد حرمة على الله ، يعني المسجد الحرام » . { تُكَلِّمُهُمْ } من الكلام ، وقيل من الكلم إذ قرىء { تُكَلّمُهُمْ } . وروي أنها تخرج ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما الصلاة والسلام ، فتنكت بالعصا في مسجد المؤمن نكتة بيضاء فيبيض وجهه ، وبالخاتم في أنف الكافر نكتة سوداء فيسود وجهه . { أَنَّ النَّاسَ كَانُواْ بِئَايَاتِنَا } خروجها وسائر أحوالها فإنها من آيات الله تعالى . وقيل القرآن ، وقرأ الكوفيون أن الناس بالفتح . { لاَ يُوقِنُونَ } لا يتيقنون ، وهو حكاية معنى قولها أو حكايتها لقول الله D أو علة خروجها ، أو تكلمها على حذف الجار .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجاً } يعني يوم القيامة . { مّمَّن يُكَذّبُ بئاياتنا } بيان للفوج أي فوجاً مكذبين ، و { مِنْ } الأولى للتبعيض لأن أمة كل نبي وأهل كل قرن شامل للمصدقين والمكذبين . { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ، وهو عبارة عن كثرة عددهم وتباعد أطرافهم .\r{ حتى إِذَا جَاءوا } إلى المحشر . { قَالَ أَكَذَّبْتُم بئاياتي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً } الواو للحال أي أكذبتم بها بادىء الرأي غير ناظرين فيها نظراً يحيط علمكم بكنهها وأنها حقيقة بالتصديق أو التكذيب ، أو للعطف أي أجمعتم بين التكذيب بها وعدم إلقاء الأذهان لتحققها . { أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أم أي شيء كنتم تعملونه بعد ذلك ، وهو للتبكيت إذ لم يفعلوا غير التكذيب من الجهل فلا يقدرون أن يقولوا فعلنا غير ذلك .\r{ وَوَقَعَ القول عَلَيْهِم } حل بهم العذاب الموعود وهو كبهم في النار بعد ذلك . { بِمَا ظَلَمُواْ } بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله . { فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ } باعتذار لشغلهم بالعذاب .\r{ أَلَمْ يَرَوْاْ } ليتحقق لهم التوحيد ويرشدهم إلى تجويز الحشر وبعثة الرسل ، لأن تعاقب النور والظلمة على وجه مخصوص غير متعين بذاته لا يكون إلا بقدرة قاهر ، وأن من قدر على إبدال الظلمة بالنور في مادة واحدة قدر على إبدال الموت بالحياة في مواد الأبدان ، وأن من جعل النهار ليبصروا فيه سبباً من أسباب معاشهم لعله لا يخل بما هو مناط جميع مصالحهم في معاشهم ومعادهم . { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا اليل لِيَسْكُنُواْ فِيهِ } بالنوم والقرار . { والنهار مُبْصِراً } فإن أصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الإِبصار حالاً من أحواله المجعول عليها بحيث لا ينفك عنها . { إِنَّ فِي ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لدلالتها على الأمور الثلاثة .","part":4,"page":445},{"id":1946,"text":"{ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور } في الصور أو القرن ، وقيل إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق . { فَفَزِعَ مَن فِي السموات وَمَن فِي الأرض } من الهول وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه . { إِلاَّ مَن شَاء الله } أن لا يفزع بأن يثبت قلبه . قيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل . وقيل الحور والخزنة وحملة العرش ، وقيل الشهداء ، وقيل موسى E لأنه صعق مرة ولعل المراد ما يعم ذلك . { وَكُلٌّ أَتَوْهُ } حاضرون الموقف بعد النفخة الثانية ، أو راجعون إلى أمره وقرأ حمزة وحفص { أَتَوْهُ } على الفعل ، وقرىء «أتاه» على التوحيد للفظ الكل . { داخرين } صاغرين وقرىء «دخرين» .\r{ وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً } ثابتة في مكانها . { وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب } في السرعة ، وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تبين حركتها . { صُنْعَ الله } مصدر مؤكد لنفسه وهو لمضمون الجملة المتقدمة كقوله { وَعَدَ الله } { الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } أحكم خلقه وسواه على ما ينبغي . { إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ } عالم بظواهر الأفعال وبواطنها فيجازيكم عليها كما قال :\r{ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا } إذ ثبت له الشريف بالخسيس والباقي بالفاني وسبعمائة بواحدة ، وقيل { خَيْرٌ مّنْهَا } أي خير حاصل من جهتها وهو الجنة ، وقرأ ابن كثير وأبو عمر وهشام »خَبِيرٌ بِمَا يَفْعَلُونَ« بالياء والباقون بالتاء . { وَهُمْ مّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ ءَامِنُونَ } يعني به خوف عذاب يوم القيامة ، وبالأول ما يلحق الإِنسان من التهيب لما يرى من الأهوال والعظائم لذلك يعم الكافر والمؤمن ، وقرأ الكوفيون بالتنوين لأن المراد فزع واحد من أفزاع ذلك اليوم ، وآمن يتعدى بالجار وبنفسه كقوله { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } وقرأ الكوفيون ونافع { يَوْمَئِذٍ } بفتح الميم والباقون بكسرها .\r{ وَمَن جَاء بالسيئة } قيل بالشرك . { فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار } فكبوا فيها على وجوههم ، ويجوز أن يراد بالوجوه أنفسهم كما أريدت بالأيدي في قوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } { هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } على الالتفات أو بإضمار القول أي قيل لهم ذلك .\r{ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البلدة الذي حَرَّمَهَا } أمر الرسول A بأن يقول لهم ذلك بعدما بين المبدأ والمعاد وشرح أحوال القيامة ، إشعاراً بأنه قد أتم الدعوة وقد كملت وما عليه بعد إلا الاشتغال بشأنه والاستغراق في عبادة ربه ، وتخصيص مكة بهذه الإِضافة تشريف لها وتعظيم لشأنها وقرىء «التي حرمها» . { وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ } خلقاً وملكاً . { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } المنقادين أو الثابتين على ملة الإِسلام .\r{ وَأَنْ أَتْلُوَ القرءان } وأن أواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئاً فشيئاً ، أو اتباعه وقرىء «واتل عليهم» «وأن أتل» . { فَمَنُ اهتدى } باتباعه إياي في ذلك ، { فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ } فإن منافعه عائدة إليه .","part":4,"page":446},{"id":1947,"text":"{ وَمَن ضَلَّ } بمخالفتي . { فَقُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مِنَ المنذرين } فلا علي من وبال ضلاله شيء إذ ما على الرسول إلا البلاغ وقد بلغت .\r{ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ } على نعمة النبوة أو على ما علمني ووفقني للعمل به . { سَيُرِيكُمْ ءاياته } القاهرة في الدنيا كوقعة بدر وخروج دابة الأرض ، أو في الآخرة . { فَتَعْرِفُونَهَا } أنها آيات الله ولكن حين لا تنفعكم المعرفة . { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ } فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالياء .\rعن النبي A « من قرأ سورة طس كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق سليمان وكذب به وهوداً وصالحاً وإبراهيم وشعيباً ، ويخرج من قبره وهو ينادي لا إله إلا الله » .","part":4,"page":447},{"id":1948,"text":"مكية وقيل إلا قوله تعالى الذين آتيناهم الكتاب\rإلى قوله لا نبتغي الجاهلين وهي ثمان وثمانون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ طسم } .\r{ تِلْكَ ءايَاتُ الكتاب المبين } .\r{ نَتْلُو عَلَيْكَ } نقرؤه بقراءة جبريل ، ويجوز أن يكون بمعنى ننزله مجازاً . { مِن نَّبَإِ موسى وَفِرْعَوْنَ } بعض نبئهما مفعول { نتلو } . { بالحق } محقين . { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم المنتفعون به .\r{ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الارض } استئناف «مبين» لذلك البعض ، والأرض أرض مصر . { وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً } فرقاً يشيعونه فيما يريد ، أو يشيع بعضهم بعضاً في طاعته أو أصنافاً في استخدامه استعمل كل صنف في عمل ، أو أحزاباً بأن أغرى بينهم العداوة كي لا يتفقوا عليه . { يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ } وهم بنو إسرائيل ، والجملة حال من فاعل { جَعَلَ } أو صفة ل { شِيَعاً } أو استئناف ، وقوله : { يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ } بدل منها ، كان ذلك لأن كاهناً قال له يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده ، وذلك كان من غاية حمقه فإنه لو صدق لم يندفع بالقتل وإن كذب فما وجهه . { إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين } فلذلك اجترأ على قتل خلق كثير من أولاد الأنبياء لتخيل فاسد .\r{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الأرض } أن نتفضل عليهم بإنقاذهم من بأسه ، { وَنُرِيدُ } حكاية حال ماضية معطوفة على { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِى الأرض } من حيث إنهما واقعان تفسير لل { نَبَأَ } ، أو حال من { يَسْتَضْعِفُ } ولا يلزم من مقارنة الإِرادة للاستضعاف مقارنة المراد له ، لجواز أن يكون تعلق الإِرادة به حينئذ تعلقاً استقبالياً مع أن منة الله بخلاصهم لما كانت قريبة الوقوع منه جاز أن تجري مجرى المقارن . { وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً } مقدمين في أمر الدين . { وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين } لما كان في ملك فرعون وقومه .\r{ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى الأرض } أرض مصر والشام ، وأصل التمكين أن تجعل للشيء مكاناً يتمكن فيه ثم استعير للتسليط . وإِطلاق الأمن . { وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ } من بني إسرائيل . { مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } من ذهاب ملكهم وهلاكهم على يد مولود منهم . وقرأ حمزة والكسائي { ويري } بالياء و { إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا } بالرفع .\r{ وَأَوْحَيْنَا إلى أُمّ موسى } بإلهام أو رؤيا . { أَنْ أَرْضِعِيهِ } ما أمكنك إخفاؤه . { فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ } بأن يحس به . { فَأَلْقِيهِ فِى اليم } في البحر يريد النيل . { وَلاَ تَخَافِى } عليه ضيعة ولا شدة . { وَلاَ تَحْزَنِى } لفراقه . { إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ } عن قريب بحيث تأمنين عليه . { وجاعلوه مِنَ المرسلين } روي أنها لما ضر بها الطلق دعت قابلة من الموكلات بحبالى بني إسرائيل فعالجتها ، فلما وقع موسى على الأرض هالها نور بين عينيه وارتعشت مفاصلها ودخل حبه في قلبها بحيث منعها من السعاية ، فأرضعته ثلاثة أشهر ثم ألح فرعون في طلب المواليد واجتهد العيون في تفحصها فأخذت له تابوتاً فقذفته في النيل .\r{ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً } تعليل لالتقاطهم إياه بما هو عاقبته ومؤداه تشبيهاً له بالغرض الحامل عليه . وقرأ حمزة والكسائي { وَحَزَناً } . { إِنَّ فِرْعَوْنَ وهامان وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خاطئين } في كل شيء فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفاً لأجله ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون ، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم ، فالجملة اعتراض لتأكيد خطئهم أو لبيان الموجب لما ابتلوا به ، وقرىء «خاطين» تخفيف { خاطئين } أو «خاطين» الصواب إلى الخطأ .","part":4,"page":448},{"id":1949,"text":"{ وَقَالَتِ امرأت فِرْعَوْنَ } أي لفرعون حين أخرجته من التابوت . { قُرَّتُ عَيْنٍ لّى وَلَكَ } هو قرة عين لنا لأنهما لما رأياه أخرج من التابوت أحباه ، أو لأنه كانت له ابنة برصاء وعالجها الأطباء بريق حيوان بحري يشبه الإِنسان فلطخت برصها بريقه فبرئت ، وفي الحديث أنه قال : لك لا لي . ولو قال هو لي كما هو لك لهداه الله كما هداها . { لاَ تَقْتُلُوهُ } خطاب بلفظ الجمع للتعظيم . { عسى أَن يَنفَعَنَا } فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع ، وذلك لما رأت من نور بين عينيه وارتضاعه إبهامه لبناً وبرء البرصاء بريقه . { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أو نتبناه فإنه أهل له . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } حال من الملتقطين أو من القائلة والمقول له أي وهم لا يشعرون أنهم على الخطأ في التقاطه أو في طمع النفع منه والتبني له ، أو من أحد ضميري نتخذه على أن الضمير للناس أي { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنه لغيرنا وقد تبنيناه .\r{ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ موسى فَارِغاً } صفراً من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون كقوله تعالى : { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } أي خلاء لا عقول فيها ، ويؤيده أنه قرىء «فرغاً» من قولهم دماؤهم بينهم فرغ أي هدر ، أو من الهم لفرط وثوقها بوعد الله تعالى أو سماعها أن فرعون عطف عليه وتبناه . { إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ } أنها كادت لتظهر بموسى أي بأمره وقصته من فرط الضجر أو الفرح لتبنيه . { لَوْلا أَن رَّبَطْنَا على قَلْبِهَا } بالصبر والثبات . { لِتَكُونَ مِنَ المؤمنين } من المصدقين بوعد الله ، أو من الواثقين بحفظه لا بتبني فرعون وعطفه . وقرىء موسى إجراء للضمة في جوار الواو مجرى ضمتها في استدعاء همزها همز واو وجوه وهو علة الربط ، وجواب { لَوْلاَ } محذوف دل عليه ما قبله .\r{ وَقَالَتْ لأُخْتِهِ } مريم . { قُصّيهِ } اتبعي أثره وتتبعي خبره . { فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ } عن بعد وقرىء «عن جانب» «وعن جنب» وهو بمعناه . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } أنها تقص أو أنها أخته .\r{ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المراضع } ومنعناه أن يرتضع من المرضعات ، جمع مرضع أو مرضع وهو الرضاع ، أو موضعه يعني الثدي . { مِن قَبْلُ } من قبل قصها أثره . { فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ على أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ } لأجلكم . { وَهُمْ لَهُ ناصحون } لا يقصرون في إرضاعه وتربيته ، روي أن هامان لما سمعه قال : إنها لتعرفه وأهله فخذوها حتى تخبر بحاله ، فقالت : إنما أردت وهم للملك ناصحون ، فأمرها فرعون أن تأتي بمن يكفله فأتت بأمها وموسى على يد فرعون يبكي وهو يعلله ، فلما وجد ريحها استأنس والتقم ثديها فقال لها : من أنت منه فقد أبى كل ثدي إلا ثديك؟ فقالت : إني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا أوتى بصبي إلا قبلني فدفعه إليها وأجرى عليها ، فرجعت به إلى بيتها من يومها ، وهو قوله تعالى :\r{ فرددناه إلى أُمّهِ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا } بولدها .","part":4,"page":449},{"id":1950,"text":"{ وَلاَ تَحْزَنْ } بفراقه . { وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } علم مشاهدة . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن وعده حق فيرتابون فيه ، أو أن الغرض الأصلي من الرد علمها بذلك وما سواه تبع ، وفيه تعريض بما فرط منها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون .\r{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } مبلغه الذي لا يزيد عليه نشؤه وذلك من ثلاثين إلى أربعين سنة فإن العقل يكمل حينئذ . وروي أنه لم يبعث نبي إلا على رأس الأربعين سنة . { واستوى } قده أو عقله . { آتَيْنَاهُ حُكْمًا } أي نبوة . { وَعِلْماً } بالدين ، أو علم الحكماء والعلماء وسمتهم قبل استنبائه ، فلا يقول ولا يفعل ما يستجهل فيه ، وهو أوفق لنظم القصة لأن الاستنباء بعد الهجرة في المراجعة . { وكذلك } ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمه . { نَجْزِى المحسنين } على إحسانهم .\r{ وَدَخَلَ المدينة } ودخل مصر آتياً من قصر فرعون وقيل منف أو حائين ، أو عين شمس من نواحيها . { على حِينِ غَفْلَةٍ مّنْ أَهْلِهَا } في وقت لا يعتاد دخولها ولا يتوقعونه فيه ، قيل كان وقت القيلولة وقيل بين العشاءين . { فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هذا مِن شِيعَتِهِ وهذا مِنْ عَدُوّهِ } أحدهما ممن شايعه على دينه وهم بنو إسرائيل والآخر من مخالفيه وهم القبط ، والإِشارة على الحكاية . { فاستغاثه الذى مِن شِيعَتِهِ عَلَى الذى } هو { مِنْ عَدُوّهِ } فسأله أن يغيثه بالإِعانة ولذلك عدى ب { على } وقرىء «استعانه» . { فَوَكَزَهُ موسى } فضرب القبطي بجمع كفه ، وقرىء فلكزه أي فضرب به صدره . { فقضى عَلَيْهِ } فقتله وأصله فأنهى حياته من قوله { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر } { قَالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان } لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مأموناً فيهم فلم يكن له اغتيالهم ، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ، وإنما عده من عمل الشيطان وسماه ظلماً واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات فرطت منهم . { إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } ظاهر العداوة .\r{ قَالَ رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى } بقتله . { فاغفر لِى } ذنبي . { فَغَفَرَ لَهُ } لاستغفاره . { إِنَّهُ هُوَ الغفور } لذنوب عباده . { الرحيم } بهم .\r{ قَالَ رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ } قسم محذوف الجواب أي أقسم بإنعامك علي بالمغفرة وغيرها لأتوبن . { فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لّلْمُجْرِمِينَ } أو استعطاف أي بحق إنعامك على أعصمني فلن أكون معيناً لمن أدت معاونته إلى جرم . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أنه لم يستثن فابتلي به مرة أخرى ، وقيل معناه بما أنعمت علي من القوة أعين أولياءك فلن أستعملها في مظاهرة أعدائك .\r{ فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } يترقب الاستقادة . { فَإِذَا الذى استنصره بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ } يستغيثه مشتق من الصراخ .","part":4,"page":450},{"id":1951,"text":"{ قَالَ لَهُ موسى إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } بين الغواية لأنك تسببت لقتل رجل وتقاتل آخر .\r{ فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بالذى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا } لموسى والإِسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأن القبط كانوا أعداء لبني إسرائيل . { قَالَ يَا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس } قاله الإِسرائيلي لأنه لما سماه غوياً ظن أنه يبطش عليه ، أو القبطي وكأنه توهم من قوله أنه الذي قتل القبطي بالأمس لهذا الإسرائيلي . { إِن تُرِيدُ } ما تريد . { إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِى الأرض } تطاول على الناس ولا تنظر في العواقب . { وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ المصلحين } بين الناس فتدفع التخاصم بالتي هي أحسن ، ولما قال هذا انتشر الحديث وارتقى إلى فرعون وملئه وهموا بقتله فخرج مؤمن آل فرعون وهو ابن عمه ليخبره كما قال تعالى :\r{ وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى المدينة يسعى } يسرع صفة رجل ، أو حال منه إذا جعل من أقصى المدينة صفة له لا صلة لجاء لأن تخصيصه بها يلحقه بالمعارف . { قَالَ يَا موسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } يتشاورون بسببك ، وإنما سمي التشاور ائتماراً لأن كلاً من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر . { فاخرج إِنّى لَكَ مِنَ الناصحين } اللام للبيان وليس صلة ل { الناصحين } لأن معمول الصلة لا يتقدم الموصول .","part":4,"page":451},{"id":1952,"text":"{ فَخَرَجَ مِنْهَا } من المدينة . { خَائِفاً يَتَرَقَّبُ } لحوق طالب . { قَالَ رَبّ نَجّنِي مِنَ القوم الظالمين } خلصني منهم واحفظني من لحوقهم .\r{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ } قبالة مدين قرية شعيب ، سميت باسم مدين بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ولم تكن في سلطان فرعون وكان بينها وبين مصر مسيرة ثمان . { قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل } توكلاً على الله وحسن ظن به ، وكان لا يعرف الطريق فعن له ثلاث طرق فأخذ في أوسطها وجاء الطلاب عقيبه فأخذوا في الآخرين .\r{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ } وصل إليه وهو بئر كانوا يسقون منها . { وَجَدَ عَلَيْهِ } وجد فوق شفيرها . { أُمَّةً مّنَ الناس } جماعة كثيرة مختلفين . { يُسْقَوْنَ } مواشيهم . { وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ } في مكان أسفل من مكانهم . { امرأتين تَذُودَانِ } تمنعان أغنامهما عن الماء لئلا تختلط بأغنامهم . { قَالَ مَا خَطْبُكُمَا } ما شأنكما تذودان . { قَالَتَا لاَ نَسْقِى حتى يُصْدِرَ الرعاء } تصرف الرعاة مواشيهم عن الماء حذراً عن مزاحمة الرجال ، وحذف المفعول لأن الغرض هو بيان ما يدل على عفتهما ويدعوه إلى السقي لهما ثم دونه . وقرأ أبو عمرو وابن عامر »يُصْدِرَ« أي ينصرف . وقرىء » الرعاء« بالضم وهو اسم جمع كالرخال . { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } كبير السن لا يستطيع أن يخرج للسقي فيرسلنا اضطراراً .\r{ فسقى لَهُمَا } مواشيهما رحمة عليهما . قيل كانت الرعاة يضعون على رأس البئر حجراً لا يقله إلا سبعة رجال أو أكثر فأقله وحده مع ما كان به من الوصب والجوع وجراحة القدم ، وقيل كانت بئراً أخرى عليها صخرة فرفعها واستقى منها . { ثُمَّ تولى إِلَى الظل فَقَالَ رَبّ إِنّى لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ } لأي شيء أنزلت إلي . { مّنْ خَيْرٍ } قليل أو كثير وحمله الأكثرون على الطعام . { فَقِيرٌ } محتاج سائل ولذلك عدى باللام ، وقيل معناه إني لما أنزلت إلى من خير الدين صرت فقيراً في الدنيا ، لأنه كان في سعة عند فرعون والغرض منه إظهار التبجح والشكر على ذلك .\r{ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِى عَلَى استحياء } أي مستحيية متخفرة . قيل كانت الصغرى منهما وقيل الكبرى واسمها صفوراء أو صفراء وهي التي تزوجها موسى عليه اسلام . { قَالَتْ إِنَّ أَبِى يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ } ليكافئك . { أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } جزاء سقيك لنا ، ولعل موسى E إنما أجابها ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر بمعرفته لا طمعاً في الأجر ، بل روي أنه لما جاءه قدم إليه طعاماً فامتنع عنه وقال : إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بالدنيا حتى قال له شعيب E : هذه عادتنا مع كل من ينزل بنا . هذا وأن كل من فعل معروفاً فأهدي بشيء لم يحرم أخذه .","part":4,"page":452},{"id":1953,"text":"{ فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القوم الظالمين } يريد فرعون وقومه .\r{ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا } يعني التي استدعته . { ياأبت استأجره } لرعي الغنم . { إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوى الأمين } تعليل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار وللمبالغة فيه ، جعل { خَيْرٌ } اسماً وذكر الفعل بلفظ الماضي للدلالة على أنه امرؤ مجرب معروف . روي أن شعيباً قال لها وما أعلمك بقوته فذكرت إقلال الحجر وأنه صوب رأسه حتى بلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه .\r{ قَالَ إِنّى أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابنتى هَاتَيْنِ على أَن تَأْجُرَنِى } أي تأجر نفسك مني أو تكون لي أجيراً ، أو تثيبني من أجرك الله . { ثَمَانِىَ حِجَجٍ } ظرف على الأولين ومفعول به على الثالث بإضمار مضاف أي رعية ثماني حجج . { فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً } عملت عشر حجج . { فَمِنْ عِندِكَ } فإتمامه من عندك تفضلاً لا من عندي إلزاما عليك . وهذا استدعاء العقد لا نفسه ، فلعله جرى على أجرة معينة وبمهر آخر أو برعية الأجل الأول ووعد له أن يوفي الأخير إن تيسر له قبل العقد ، وكانت الأغنام للمزوجة مع أنه يمكن اختلاف الشرائع في ذلك . { وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ } بإلزام إتمام العشر أو المناقشة في مراعاة الأوقات واستيفاء الأعمال ، واشتقاق المشقة من الشق فإن ما يصعب عليك يشق عليك اعتقادك في إطاقته ورأيك في مزاولته . { سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصالحين } في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالمعاهدة .\r{ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكَ } أي ذلك الذي عاهدتني فيه قائم بيننا لا نخرج عنه . { أَيَّمَا الأجلين } أطولهما أو أقصرهما . { قُضِيَتِ } وفيتك إياه . { فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ } لا تعتدي علي بطلب الزيادة فكما لا أطالب بالزيادة على العشر لا أطالب بالزيادة على الثمان ، أو فلا أكون متعدياً بترك الزيادة عليه كقولك لا إثم علي ، وهو أبلغ في إثبات الخيرة وتساوي الأجلين في القضاء من أن يقال إن قضيت الأقصر فلا عدوان علي . وقرىء { أَيَّمَا } كقوله :\rتَنَظَّرْت نَصْراً وَالسماكين أَيُّمَا ... عَليَّ مِنَ الغَيْثِ اسْتَهَلَّتْ مَوَاطِرُه\rوأي الأجلين ما قضيت فتكون ما مزيدة لتأكيد الفعل أي : أي الأجلين جردت عزمي لقضائه ، وعدوان بالكسر . { والله على مَا نَقُولُ } من المشارطة . { وَكِيلٌ } شاهد حفيظ .\r{ فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ } بامرأته . روي أنه قضى أقصى الأجلين ومكث بعد ذلك عنده عشراً أخرى ثم عزم على الرجوع . { آنَسَ مِن جَانِبِ الطور نَاراً } أبصر من الجهة التي تلي الطور . { قَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إِنّى ءانَسْتُ نَاراً لَّعَلِّي ءَاتِيكُمْ مّنْهَا بِخَبَرٍ } بخبر الطريق . { أَوْ جَذْوَةٍ } عود غليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن .\rقال :\rبَاتَتْ حَوَاطِبُ لَيْلَى يَلْتَمِسْنُ لَهَا ... جَزلَ الجذى غَيْرَ خوارٍ وَلاَ دَعِرٍ\rوقال آخر :\rوَأَلْقَى عَلى قَبس مِنْ النَّارِ جَذْوَة ... شَدِيداً عَلَيْهِ حَرُّهَا وَالتِهَابُهَا\rولذلك بينه بقوله : { مِنَ النار } وقرأ عاصم بالفتح وحمزة بالضم وكلها لغات . { لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ } تستدفئون بها .\r{ فَلَمَّا أتاها نُودِىَ مِن شَاطِىء الواد الأيمن } أتاه النداء من الشاطىء الأيمن لموسى . { فِى البقعة المباركة } متصل بالشاطىء أو صلة ل { نُودِىَ } . { مِنَ الشجرة } بدل من شاطىء بدل الاشتمال لأنها كانت ثابتة على الشاطىء . { أَن يا موسى } أي يا موسى . { إِنّى أَنَا الله رَبُّ العالمين } هذا وإن خالف ما في «طه» «والنمل» لفظاً فهو طبقه في المقصود .","part":4,"page":453},{"id":1954,"text":"{ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } أي فألقاها فصارت ثعباناً واهتزت { فَلَمَّا رَءاهَا تَهْتَزُّ } . { كَأَنَّهَا جَانٌّ } في الهيئة والجثة أو في السرعة . { ولى مُدْبِراً } منهزماً من الخوف . { وَلَمْ يُعَقّبْ } ولم يرجع . { يَا موسى } نودي يا موسى . { أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الآمنين } من المخاوف ، فإنه لا { يَخَافُ لَدَىَّ المرسلون } { اسلك يَدَكَ فِى جَيْبِكَ } أدخلها . { تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } عيب . { واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ } يديك المبسوطتين تتقي بهما الحية كالخائف الفزع بإدخال اليمنى تحت عضد اليسرى وبالعكس ، أو بإدخالهما في الجيب فيكون تكريراً لغرض آخر وهو أن يكون ذلك في وجه العدو إظهار جراءة ومبدأ لظهور معجزة ، ويجوز أن يراد بالضم التجلد والثبات عند انقلاب العصا حية استعارة من حال الطائر فإنه إذا خاف نشر جناحيه وإذا أمن واطمأن ضمهما إليه . { مِنَ الرهب } من أجل الرهب أي إذا عراك الخوف فافعل ذلك تجلداً وضبطاً لنفسك . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر بضم الراء وسكون الهاء ، وقرىء بضمهما ، وقرأ حفص بالفتح والسكون والكل لغات . { فَذَانِكَ } إشارة إلى العصا واليد ، وشدده ابن كثير وأبو عمرو ورويس . { برهانان } حجتان وبرهان فعلان لقولهم أبره الرجل إذا جاء بالبرهان من قولهم بره الرجل إذا ابيض ، ويقال برهاء وبرهرهة للمرأة البيضاء وقيل فعلال لقولهم برهن . { مِن رَبّكَ } مرسلاً بهما . { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ } فكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم .\r{ قَالَ رَبّ إِنّى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } بها .\r{ وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنّى لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِىَ رِدْءاً } معيناً وهو في الأصل اسم ما يعان به كالدفء ، وقرأ نافع «رداً» بالتخفيف . { يُصَدّقُنِى } بتخليص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة . { إِنّى أَخَافُ أَن يُكَذّبُونِ } ولساني لا يطاوعني عند المحاجة ، وقيل المراد تصديق القوم لتقريره وتوضيحه لكنه أسند إليه إسناد الفعل إلى السبب ، وقرأ عاصم وحمزة { يُصَدّقُنِى } بالرفع على أنه صفة والجواب محذوف .\r{ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ } سنقويك به فإن قوة الشخص بشدة اليد على مزاولة الأمور ، ولذلك يعبر عنه باليد وشدتها بشدة العضد . { وَنَجْعَلَ لَكُمَا سلطانا } غلبة أو حجة . { فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا } باستيلاء أو حجاج . { بئاياتنا } متعلق بمحذوف أي اذهبا بآياتنا ، أو ب { نَجْعَلِ } أي نسلطكما بها ، أو بمعنى «لا يصلون» أي تمتنعون منهم ، أو قسم جوابه «لا يصلون» ، أو بيان ل { الغالبون } في قوله : { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون } بمعنى أنه صلة لما بينه أو صلة له على أن اللام فيه للتعريف لا بمعنى الذي .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ موسى بئاياتنا بينات قَالُواْ مَا هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى } سحر تختلقه لم يفعل قبل مثله ، أو سحر تعمله ثم تفتريه على الله؛ أو سحر موصوف بالإِفتراء كسائر أنواع السحر .","part":4,"page":454},{"id":1955,"text":"{ وَمَا سَمِعْنَا بهذا } يعنون السحر أو ادعاء النبوة . { فِي ءَابَآئِنَا الأَوَّلِينَ } كائناً في أيامهم .\r{ وَقَالَ موسى رَبّى أَعْلَمُ بِمَن جَاء بالهدى مِنْ عِندِهِ } فيعلم أني محق وأنتم مبطلون . وقرأ ابن كثير «قال» بغير واو لأنه قال ما قاله جواباً لمقالهم ، ووجه العطف أن المراد حكاية القولين ليوازن الناظر بينهما فيميز صحيحهما من الفاسد . { وَمَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } العاقبة المحمودة فإن المراد بالدار الدنيا وعاقبتها الأصلية هي الجنة لأنها خلقت مجازاً إلى الآخرة ، والمقصود منها بالذات هو الثواب والعقاب إنما قصد بالعرض . وقرأ حمزة والكسائي { يَكُونَ } بالياء . { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في العقبى .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه ، ولذلك أمر ببناء الصرح ليصعد إليه ويتطلع على الحال بقوله : { فَأَوْقِدْ لِى ياهامان عَلَى الطين فاجعل لّي صَرْحاً لَّعَلّى أَطَّلِعُ إلى إله موسى } كأنه توهم أنه لو كان لكان جسماً في السماء يمكن الترقي إليه ثم قال : { وَإِنّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } أو أراد أن يبني له رصداً يترصد منه أوضاع الكواكب فيرى هل فيها ما يدل على بعثة رسول وتبدل دولة ، وقيل المراد بنفي العلم نفي المعلوم كقوله تعالى : { أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض } فإن معناه بما ليس فيهن ، وهذا من خواص العلوم الفعلية فإنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها لك انتفاؤها ، ولا كذلك العلوم الانفعالية ، قيل أول من اتخذ الآجر فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظم؛ ولذلك نادى هامان باسمه ب { يا } في وسط الكلام . { واستكبر هُوَ وَجُنُودُهُ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق } بغير استحقاق . { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ } بالنشور . وقرأ نافع وحمزة والكسائي بفتح الياء وكسر الجيم .\r{ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِى اليم } كما مر بيانه ، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم ، ونظيره قوله تعالى : { وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } { فانظر } يا محمد . { كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } وحذر قومك عن مثلها .\r{ وجعلناهم أَئِمَّةً } قدوة للضلال بالحمل على الإِضلال ، وقيل بالتسمية كقوله تعالى : { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } أو بمنع الألطاف الصارفة عنه . { يَدْعُونَ إِلَى النار } إلى موجباتها من الكفر والمعاصي . { وَيَوْمَ القيامة لاَ يُنصَرُونَ } بدفع العذاب عنهم .\r{ وأتبعناهم فِى هَذِهِ الدنيا لَعْنَةً } طرداً عن الرحمة ، أو لعن اللاعنين يلعنهم الملائكة والمؤمنون . { وَيَوْمَ القيامة هُمْ مّنَ المقبوحين } من المطرودين ، أو ممن قبح وجوههم .","part":4,"page":455},{"id":1956,"text":"{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب } التوراة . { مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا القرون الأولى } أقوام نوح وهود وصالح ولوط . { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } أنواراً لقلوبهم تتبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل . { وهدى } إلى الشرائع التي هي سبل الله تعالى . { وَرَحْمَةً } لأنهم لو عملوا بها نالوا رحمة الله سبحانه وتعالى . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } ليكونوا على حال يرجى منهم التذكر ، وقد فسر بالإِرادة وفيه ما عرفت .\r{ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى } يريد الوادي ، أو الطور فإنه كان في شق الغرب من مقام موسى ، أو الجانب الغربي منه والخطاب لرسول الله A أي ما كنت حاضراً . { إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الأمر } إذ أوحينا إليه الأمر الذي أردنا تعريفه . { وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين } للوحي إليه أو على الوحي إليه ، وهم السبعون المختارون الميقات ، والمراد الدلالة على أن إخباره عن ذلك من قبيل الإِخبار عن المغيبات التي لا تعرف إِلا بالوحي ولذلك استدرك عنه بقوله :\r{ وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر } أي ولكنا أوحينا إليك لأنا أنشأنا قروناً مختلفة بعد موسى فتطاولت عليهم المدد ، فحرفت الأخبار وتغيرت الشرائع واندرست العلوم ، فحذفت المستدرك وأقام سببه مقامه . { وَمَا كُنتَ ثَاوِياً } مقيماً . { فِى أَهْلِ مَدْيَنَ } شعيب والمؤمنين به . { تَتْلُو عَلَيْهِمْ } تقرأ عليهم تعلماً منهم . { ءاياتنا } التي فيها قصتهم . { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } إياك ومخبرين لك بها .\r{ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا } لعل المراد به وقت ما أعطاه التوراة وبالأول حين ما استنبأه لأنهما المذكوران في القصد . { ولكن } علمناك . { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } وقرئت بالرفع على هذه { رَحْمَةً مّن رَبِّكَ } . { لِتُنذِرَ قَوْماً } متعلق بالفعل المحذوف . { مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } لوقوعهم في فترة بينك وبين عيسى ، وهي خمسمائة وخمسون سنة ، أو بينك وبين إسماعيل ، على أن دعوة موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام كانت مختصة ببني إسرائيل وما حواليهم . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون .\r{ وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً } { لَوْلاَ } الأولى امتناعية والثانية تحضيضية واقعة في سياقها ، لأنها إنما أجيبت بالفاء تشبيهاً لها بالأمر مفعول يقولوا المعطوف على تصيبهم بالفاء المعطية معنى السببيّة المنبهة على أن القول هو المقصود بأن يكون سبباً لانتفاء ما يجاب به ، وأنه لا يصدر عنهم حتى تلجئهم العقوبة والجواب محذوف والمعنى : لولا قولهم إذا أصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ربنا هلا أرسلت إلينا رسولاً يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين ، ما أرسلناك أي إنما أرسلناك قطعاً لعذرهم وإلزاماً للحجة عليهم . { فَنَتَّبِعَ ءاياتك } يعني الرسول المصدق بنوع من المعجزات . { وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى } من الكتاب جملة واليد والعصا وغيرها اقتراحاً وتعنتاً .","part":4,"page":456},{"id":1957,"text":"{ أَوَ لَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ } يعني أبناء جنسهم في الرأي والمذهب وهم كفرة زمان موسى ، أو كان فرعون عربياً من أولاد عاد . { قَالُواْ سَاحِران } يعني موسى وهارون ، أو موسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام . { وَإِن تَظَاهَرَا } تعاوناً بإظهار تلك الخوارق أو بتوافق الكتابين . وقرأ الكوفيون «سحران» بتقدير مضاف أو جعلهما سحرين مبالغة ، أو إسناد تظاهرهما إلى فعلهما دلالة على سبب الإِعجاز . وقرىء ظاهراً على الإِدغام . { وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كافرون } أي بكل منهما أو بكل الأنبياء .\r{ قُلْ فَأْتُواْ بكتاب مّنْ عِندِ الله هُوَ أهدى مِنْهُمَا } مما أنزل على موسى وعلى محمد A وإضمارهما لدلالة المعنى ، وهو يؤيد أن المراد بالساحرين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . { أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صادقين } إنا ساحران مختلفان ، وهذا من الشروط التي يراد بها الإِلزام والتبكيت ، ولعل مجيء حرف الشك للتهكم بهم .\r{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ } دعاءك إِلى الإِتيان بالكتاب الأهدى فحذف المفعول للعلم به ، ولأن فعل الاستجابة يعدى بنفسه إلى الدعاء وباللام إلى الداعي ، فإذا عدي إليه حذف الدعا غالباً كقوله :\rوَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إِلَى النِّدَا ... فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ\r{ فاعلم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ } إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها . { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتبع هَوَاهُ } استفهام بمعنى النفي . { بِغَيْرِ هُدًى مّنَ الله } في موضع الحال للتأكيد أو التقييد ، فإن هوى النفس قد يوافق الحق . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى .\r{ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول } أتبعنا بعضه بعضاً في الإِنزال ليتصل التذكير ، أو في النظم لتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصائح بالعبر . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } فيؤمنون ويطيعون .\r{ الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } نزلت في مؤمني أهل الكتاب ، وقيل في أربعين من أهل الانجيل اثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من الحبشة وثمانية من الشام ، والضمير في { مِن قَبْلِهِ } للقرآن كالمستكن في :\r{ وَإِذَا يتلى عَلَيْهِمْ قَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ } أي بأنه كلام الله تعالى . { إِنَّهُ الحق مِن رَّبّنَا } استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به . { إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } استئناف آخر للدلالة على أن إيمانهم به ليس مما أحدثوه حينئذٍ ، وإنما هو أمر تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة وكونهم على دين الإِسلام قبل نزول القرآن ، أو تلاوته عليهم باعتقادهم صحته في الجملة .\r{ أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ } مرة على إيمانهم بكتابهم ومرة على إيمانهم بالقرآن . { بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم وثباتهم على الإِيمانين ، أو على الإِيمان بالقرآن قبل النزول وبعده ، أو على أذى المشركين ومن هاجرهم من أهل دينهم . { وَيَدْرَءونَ بالحسنة السيئة } ويدفعون بالطاعة المعصية لقوله A \" أتبع السيئة الحسنة تمحها \" { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } في سبيل الخير .","part":4,"page":457},{"id":1958,"text":"{ وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ } تكرماً . { وَقَالُواْ } للاغين . { لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم سلام عَلَيْكُمْ } متاركة لهم وتوديعاً ، أو دعاء لهم بالسلامة عما هم فيه . { لاَ نَبْتَغِى الجاهلين } لا نطلب صحبتهم ولا نريدها .\r{ إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ } لا تقدر على أن تدخلهم في الإِسلام . { ولكن الله يَهْدِى مَن يَشَاءُ } فيدخله في الإِسلام . { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } بالمستعدين لذلك . والجمهور على « أنها نزلت في أبي طالب فإنه لما احتضر جاءه رسول الله A وقال : يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله ، قال : يا ابن أخي قد علمت إنك لصادق ولكن أكره أن يقال خدع عند الموت »\r{ وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا } نخرج منها . نزلت في الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ، أتى النبي A فقال : نحن نعلم أنك على الحق ولكنا نخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا فرد الله عليهم بقوله : { أَوَ لَمْ نُمَكّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً } أو لم نجعل مكانهم حرماً ذا أمن بحرمة البيت الذي فيه يتناحر العرب حوله وهم آمنون فيه . { يجبى إِلَيْهِ } يحمل إليه ويجمع فيه ، وقرأ نافع ويعقوب في رواية بالتاء . { ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ } من كل أوب . { رّزْقاً مّن لَّدُنَّا } فإذا كان هذا حالهم وهم عبدة الأصنام فكيف نعرضهم للتخوف والتخطف إذا ضموا إلى حرمة البيت حرمة التوحيد . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } جهلة لا يتفطنون له ولا يتفكرون ليعلموه ، وقيل إنه متعلق بقوله { مّن لَّدُنَّا } أي قليل منهم يتدبرون فيعلمون أن ذلك رزق من عند الله ، وأكثرهم لا يعلمون إذ لو علموا لما خافوا غيره ، وانتصاب { رِزْقاً } على المصدر من معنى { يجبى } ، أو حال من ال { ثمرات } لتخصصها بالإِضافة ، ثم بين أن الأمر بالعكس فإنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس الله على ما هم عليه بقوله :\r{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالهم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا فدمر الله عليهم وخرب ديارهم . { فَتِلْكَ مساكنهم } خاوية . { لَمْ تُسْكَن مّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً } من السكنى إذ لا يسكنها إلا المارة يوماً أو بعض يوم ، أو لا يبقى من يسكنها من شؤم معاصيهم . { وَكُنَّا نَحْنُ الوارثين } منهم إذ لم يخلفهم أحد يتصرف تصرفهم في ديارهم وسائر متصرفاتهم ، وانتصاب { مَعِيشَتَهَا } بنزع الخافض أو بجعلها ظرفاً بنفسها كقولك : زيد ظني مقيم ، أو بإضمار زمان مضاف إليها أو مفعولاً على تضمين بطرت معنى كفرت .\r{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ } وما كانت عادته .","part":4,"page":458},{"id":1959,"text":"{ مُهْلِكَ القرى حتى يَبْعَثَ فِى أُمِّهَا } في أصلها التي هي أعمالها ، لأن أهلها تكون أفطن وأنبل . { رَسُولاً يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياتنا } لإِلزام الحجة وقطع المعذرة . { وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى القرى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظالمون } بتكذيب الرسل والعتو في الكفر .\r{ وَمَا أُوتِيتُم مّن شَىْء } من أسباب الدنيا . { فمتاع الحياة الدنيا وَزِينَتُهَا } تتمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية . { وَمَا عِندَ الله } وهو ثوابه . { خَيْرٌ } في نفسه من ذلك لأنه لذة خاصة وبهجة كاملة . { وأبقى } لأنه أبدى . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ، وقرأ أبو عمرو بالياء وهو أبلغ في الموعظة .\r{ أَفَمَن وعدناه وَعْداً حَسَناً } وعداً بالجنة فإن حسن الوعد بحسن الموعود . { فَهُوَ لاَقِيهِ } مدركه لا محالة لامتناع الخلف في وعده ، ولذلك عطفه بالفاء المعطية معنى السببية . { كَمَن مَّتَّعْنَاهُ متاع الحياة الدنيا } الذي هو مشوب بالآلام مكدر بالمتاعب مستعقب بالتحسر على الانقطاع . { ثُمَّ هُوَ يَوْمَ القيامة مِنَ المحضرين } للحساب أو العذاب ، و { ثُمَّ } للتراخي في الزمان أو الرتبة ، وقرأ نافع وابن عامر في رواية والكسائي { ثُمَّ هُوَ } بسكون الهاء تشبيهاً للمنفصل بالمتصل ، وهذه الآية كالنتيجة للتي قبلها ولذلك رتبت عليها بالفاء .\r{ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ } عطف على يوم القيامة أو منصوب باذكر . { فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } أي الذين كنتم تزعمونهم شركائي ، فحذف المفعولان لدلالة الكلام عليهما .\r{ قَالَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } بثبوت مقتضاه وحصول مؤداه وهو قوله تعالى : { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } وغيره من آيات الوعيد . { رَبَّنَا هَؤُلاءِ الذين أَغْوَيْنَا } أي { هَؤُلاء الذين } أغويناهم فحذف الراجع إلى الموصول . { أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا } أي { أغويناهم } فغووا غياً مثل ما غوينا ، وهو استئناف للدلالة على أنهم غووا باختيارهم وأنهم لم يفعلوا بهم إلا وسوسة وتسويلاً ، ويجوز أن يكون { الذين } صفة و { أغويناهم } الخبر لأجل ما اتصل به فإفادة زيادة على الصفة وهو إن كان فضلة لكنه صار من اللوازم . { تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ } منهم ومما اختاره من الكفر هوى منهم ، وهو تقرير للجملة المتقدمة ولذلك خلت عن العاطف وكذا . { مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ } أي ما كانوا يعبدوننا ، وإنما كانوا يعبدون أهواءهم . وقيل { مَا } مصدرية متصلة ب { تَبَرَّأْنَا } أي تبرأنا من عبادتهم إيانا .\r{ وَقِيلَ ادعوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ } من فرط الحيرة . { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } لعجزهم عن الإِجابة والنصرة . { وَرَأَوُاْ العذاب } لازماً بهم . { لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ } لوجه من الحيل يدفعون به العذاب ، أو إلى الحق لما رأوا العذاب { لَوْ } للتمني أي تمنوا أنهم كانوا مهتدين .\r{ وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين } عطف على الأول فإنه تعالى يسأل أولاً عن إشراكهم به ثم عن تكذيبهم الأنبياء .\r{ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنباء يَوْمَئِذٍ } فصارت الأنباء كالعمي عليهم لا تهتدي إليهم ، وأصله فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أن ما يحضر الذهن إنما يقبض ويرد عليه من خارج فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره ، والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل أو ما يعمها وغيرها ، فإذا كانت الرسل يتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ويفوضون إلى علم الله تعالى فما ظنك بالضلال من أممهم ، وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء .","part":4,"page":459},{"id":1960,"text":"{ فَهُمْ لاَ يَتَسَاءلُونَ } لا يسأل بعضهم بعضاً عن الجواب لفرط الدهشة والعلم بأنه مثله في العجز .\r{ فَأَمَّا مَن تَابَ } من الشرك . { وَآمَنَ وَعَمِلَ صالحا } . وجمع بين الإِيمان والعمل الصالح . { فعسى أَن يَكُونَ مِنَ المفلحين } عند الله وعسى تحقيق على عادة الكرام ، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح .\r{ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } لا موجب عليه ولا مانع له . { مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة } أي التخير كالطيرة بمعنى التطير ، وظاهرة نفي الاختيار عنهم رأساً والأمر كذلك عند التحقيق ، فإن اختيار العباد مخلوق باختيار الله منوط بدواع لا اختيار لهم فيها ، وقيل المراد أنه ليس لأحد من خلقه أن يختار عليه ولذلك خلا عن العاطف ، ويؤيده ما روي أنه نزل في قولهم { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } وقيل { مَا } موصولة مفعول ل { يختار } والراجع إليه محذوف والمعنى : ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة أي الخير والصلاح . { سبحان الله } تنزيه له أن ينازعه أحد أو يزاحم اختياره اختيار . { وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم أو مشاركة ما يشركونه .\r{ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ } كعداوة الرسول وحقده . { وَمَا يُعْلِنُونَ } كالطعن فيه .","part":4,"page":460},{"id":1961,"text":"{ وَهُوَ الله } المستحق للعبادة . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } لا أحد يستحقها إلا هو . { لَهُ الحمد فِى الأولى والآخرة } لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم { الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } { الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } ابتهاجاً بفضله والتذاذاً بحمده . { وَلَهُ الحكم } القضاء النافذ في كل شيء . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بالنشور .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ اليل سَرْمَداً } دائماً من السرد وهو المتابعة والميم مزيدة كميم دلامص . { إلى يَوْمِ القيامة } بإِسكان الشمس تحت الأرض أو تحريكها حول الأفق الغائر . { مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ } كان حقه هل إله فذكر ب { مِنْ } على زعمهم أن غيره آلهة . وعن ابن كثير «بضئاء» بهمزتين . { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } سماع تدبر واستبصار .\r{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة } باسكانها في وسط السماء أو تحريكها على مدار فوق الأفق . { مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ } استراحة عن متاعب الأشغال ، ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل ، ولأن منافع الضوء أكثر مما يقابله ولذلك قرن { أَفَلاَ تَسْمَعُونَ } و { باليل } . { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } لأن استفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر .\r{ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } في الليل { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } في النهار بأنواع المكاسب . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها .\r{ وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِىَ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } تقريع بعد تقريع للإشعار بأنه لا شيء أجلب لغضب الله من الإِشراك به ، أو الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان أنه لم يكن عن سند وإنما كان محض تشه وهوى .\r{ وَنَزَعْنَا } وأخرجنا . { مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } وهو نبيهم يشهد عليهم بما كانوا عليه . { فَقُلْنَا } للأمم . { هَاتُواْ برهانكم } على صحة ما كنتم تدينون به . { فَعَلِمُواْ } حينئذ . { أَنَّ الحق لِلَّهِ } في الألوهية لا يشاركه فيها أحد . { وَضَلَّ عَنْهُم } وغاب عنهم غيبة الضائع . { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الباطل .\r{ إِنَّ قارون كَانَ مِن قَوْمِ موسى } كان ابن عمه يصهر بن قاهث بن لاوي وكان ممن آمن به . { فبغى عَلَيْهِمْ } فطلب الفضل عليهم وأن يكونوا تحت أمره ، أو تكبر عليهم أو ظلمهم . قيل وذلك حين ملكه فرعون على بني إسرائيل ، أو حسدهم لما روي أنه قال لموسى عليه السلام : لك الرسالة ولهارون الحبورة وأنا في غير شيء إلى متى أصبر قال موسى هذا صنع الله . { وَءَاتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ } من الأموال المدخرة .","part":4,"page":461},{"id":1962,"text":"{ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ } مفاتيح صناديقه جمع مفتح بالكسر وهو ما يفتح به ، وقيل خزائنه وقياس واحدها المفتح . { لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ } خبر إن والجملة صلة وهو ثاني مفعولي آتى ، ونائبه الحمل إذا أثقله حتى أماله ، والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة واعصوصبوا اجتمعوا . وقرىء «لينوء» بالياء على إعطاء المضاف حكم المضاف إليه . { إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ } منصوب ب «تنوء» . { لاَ تَفْرَحْ } لا تبطر والفرح بالدنيا مذموم مطلقاً لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها ، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقة لا محالة يوجب الترح كما قيل :\rأَشد الغَمَّ عِنْدِي فِي سُرُور ... تَيَقّن عَنْهُ صَاحِبهُ انتِقَالاَ\rولذلك قال تعالى : { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } ، وعلل النهي ها هنا بكونه مانعاً من محبة الله تعالى فقال : { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الفرحين } أي بزخارف الدنيا .\r{ وابتغ فِيمَا ءاتَاكَ الله } من الغنى . { الدار الاخرة } بصرفه فيما يوجبها لك فإن المقصود منه أن يكون وصلة إليها . { وَلاَ تَنسَ } ولا تترك ترك المنسي . { نَصِيبَكَ مِنَ الدنيا } وهو أن تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك . { وَأَحْسِنْ } إلى عباد الله . { كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ } فيما أنعم الله عليك . وقيل { أَحْسَنُ } بالشكر والطاعة { كَمَا أَحْسَنَ } إليك بالإِنعام . { وَلاَ تَبْغِ الفساد فِى الأرض } بأمر يكون علة للظلم والبغي ، نهي له عما كان عليه من الظلم والبغي . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ المفسدين } لسوء أفعالهم .\r{ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى } فضلت به على الناس واستوجبت به التفوق عليهم بالجاه والمال ، و { على عِلْمٍ } في موضع الحال وهو علم التوراة وكان أعلمهم بها ، وقيل هو الكيمياء وقيل علم التجارة والدهقنة وسائر المكاسب ، وقيل العلم بكنوز يوسف ، و { عِندِى } صفة له أو متعلق ب { أُوتِيتُهُ } كقولك : جاز هذا عندي أي في ظني واعتقادي . { أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً } تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته وكثرة ماله مع علمه بذلك لأنه قرأه في التوراة وسمعه من حفاظ التواريخ ، أو رد لادعائه للعلم وتعظمه به بنفي هذا العلم عنه أي أعنده مثل ذلك العلم الذي ادعى . ولم يعلم هذا حتى يقي به نفسه مصارع الهالكين . { وَلاَ يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون } سؤال استعلام فإنه تعالى مطلع عليها أو معاتبة فإنهم يعذبون بها بغتة ، كأنه لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله ممن كانوا أقوى منه واغنى أكد ذلك بأن بين أنه لم يكن مطلعاً على ما يخصهم بل الله مطلع على ذنوب المجرمين كلهم معاقبهم عليها لا محالة .\r{ فَخَرَجَ على قَوْمِهِ فِى زِينَتِهِ } كما قيل إنه خرج على بغلة شهباء عليه الأرجوان وعليها سرج من ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه .","part":4,"page":462},{"id":1963,"text":"{ قَالَ الذين يُرِيدُونَ الحياة الدنيا } على ما هو عادة الناس من الرغبة . { ياليت لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قارون } تمنوا مثله لا عينه حذراً عن الحسد . { إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيمٍ } من الدنيا .\r{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم } بأحوال الآخرة للمتمنين . { وَيْلَكُمْ } دعاء بالهلاك استعمل للزجر عما لا يرتضى . { ثَوَابُ الله } في الآخرة . { خَيْرٌ لّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالحا } مما أوتي قارون بل من الدنيا وما فيها . { وَلاَ يُلَقَّاهَا } الضمير فيه للكلمة التي تكلم بها العلماء أو لل { ثَوَابَ } ، فإنه بمعنى المثوبة أو الجنة أو للإيمان والعمل الصالح فإنهما في معنى السيرة والطريقة . { إِلاَّ الصابرون } على الطاعات وعن المعاصي .\r{ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض } روي أنه كان يؤذي موسى عليه السلام كل وقت وهو يداريه لقرابته حتى نزلت الزكاة ، فصالحه عن كل ألف على واحد فحسبه فاستكثره ، فعمد إلى أن يفضح موسى بين بني إسرائيل ليرفضوه ، فبرطل بغية لترميه بنفسها فلما كان يوم العيد قام موسى خطيباً فقال : من سرق قطعناه ، ومن زنى غير محصن جلدناه ومن زنى محصناً رجمناه ، فقال قارون ولو كنت قال : ولو كنت ، قال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة فأحضرت ، فناشدها موسى عليه السلام بالله أن تصدق فقالت : جعل لي قارون جعلاً على أن أرميك بنفسي ، فخر موسى شاكياً منه إلى ربه فأوحى إليه أن مر الأرض بما شئت فقال : يا أرض خذيه فأخذته إلى ركبتيه ، ثم قال خذيه إلى وسطه ، ثم قال خذيه فأخذته إلى عنقه ، ثم قال خذيه فخسفت به وكان قارون يتضرع إليه في هذه الأحوال فلم يرحمه ، فأوحى الله إليه ما أفظك استرحمك مراراً فلم ترحمه ، وعزتي وجلالي لو دعاني مرة لأجبته ، ثم قال بنو إسرائيل : إنما فعله ليرثه ، فدعا الله تعالى حتى خسف بداره وأمواله . { فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ } أعوان مشتقة من فأوت رأسه إذا ميلته . { يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ الله } فيدفعون عنه عذابه . { وَمَا كَانَ مِنَ المنتصرين } الممتنعين منه من قولهم نصره من عدوه فانتصر إذا منعه منه فامتنع .\r{ وَأَصْبَحَ الذين تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ } منزلته . { بالأمس } منذ زمان قريب . { يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ } { يَبْسُطُ } { وَيَقْدِرُ } بمقتضى مشيئته لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يوجب القبض ، وويكأن عند البصريين مركب من «وي» للتعجب «وكأن» للتشبه والمعنى : ما أشبه الأمر أن يبسط الرزق . وقيل من «ويك» بمعنى ويلك «وأن» تقديره ويك اعلم أن الله . { لَوْلا أَن مَّنَّ الله عَلَيْنَا } فلم يعطنا ما تمنينا . { لَخَسَفَ بِنَا } لتوليده فينا ما ولده فيه فخسف بنا لأجله . وقرأ حفص بفتح الخاء والسين . { وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون } لنعمة الله أو المكذبون برسله وبما وعدوا لهم ثواب الآخرة .","part":4,"page":463},{"id":1964,"text":"{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ الم } سبق القول فيه ، ووقوع الاستفهام بعده دليل استقلاله بنفسه أو بما يضمر معه .\r{ أَحَسِبَ الناس } الحسبان مما يتعلق بمضامين الجمل للدلالة على جهة ثبوتها ولذلك اقتضى مفعولين متلازمين أو ما يسد مسدهما كقوله : { أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } فإن معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم { آمنا } ، فالترك أول مفعوليه وغير مفتونين من تمامه ولقولهم { آمنا } هو الثاني كقولك : حسبت ضربه للتأديب ، أو أنفسهم متروكين غير مفتونين لقولهم { مِنَ } بل يمتحنهم الله بمشاق التكاليف ، كالمهاجرة والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات ، فإن مجرد الإِيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب . روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين ، وقيل في عمار وقد عذب في الله تعالى ، وقيل في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عامر بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته .\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ } متصل ب { أَحَسِبَ } أو ب { لاَ يُفْتَنُونَ } ، والمعنى أن ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه . { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } فليتعلقن علمه بالامتحان تعلقاً حالياً يتميز به الذين صدقوا في الإِيمان والذين كذبوا فيه ، وينوط به ثوابهم وعقابهم ولذلك قيل المعنى وليميزن أو ليجازين ، وقرىء «وليعلمن» من الإِعلام أي وليعرفنهم الله الناس أو لَيَسِمَنَّهُمْ بِسِمَةٍ يَعرفون بها يوم القيامة كبياض الوجوه وسوادها .\r{ أَمْ حَسِبَ الذين يَعْمَلُونَ السيئات } الكفر والمعاصي فإن العمل يعم أفعال القلوب والجوارح . { أَن يَسْبِقُونَا } أن يفوتونا فلا نقدر أن نجازيهم على مساويهم وهو ساد مسد مفعولي { حَسِبَ } لاشتماله على مسند ومسند إليه ويجوز أن يضمن { حَسِبَ } معنى قدر أو أم منقطعة والإِضراب فيها لأن هذا الحسبان أبطل من الأول ولهذا عقبه بقوله : { سَاء مَا يَحْكُمُونَ } أي بئس الذي يحكمونه ، أو حكماً يحكمونه حكمهم هذا فحذف المخصوص بالذم .\r{ مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله } في الجنة ، وقيل المراد بلقاء الله الوصول إلى ثوابه ، أو إلى العاقبة من الموت والبعث والحساب والجزاء على تمثيل حاله بحال عبد قدم على سيده بعد زمان مديد وقد اطلع السيد على أحواله ، فأما أن يلقاه ببشر لما رضي من أفعاله أو بسخط لما سخط منها . { فَإِنَّ أَجَلَ الله } فإن الوقت المضروب للقائه . { لأَتٍ } لجاء وإذا كان وقت اللقاء آتياً كان اللقاء كائناً لا محالة ، فليبادر ما يحقق أمله ويصدق رجاءه أو ما يستوجب به القربة والرضا .","part":4,"page":464},{"id":1965,"text":"{ وَهُوَ السميع } لأقوال العباد . { العليم } بعقائدهم وأفعالهم .\r{ وَمَن جَاهَدَ } نفسه بالصبر على مضض الطاعة والكف عن الشهوات . { فَإِنَّمَا يجاهد لِنَفْسِهِ } لأن منفعته لها . { إِنَّ الله لَغَنِىٌّ عَنِ العالمين } فلا حاجة به إلى طاعتهم ، وإنما كلف عباده رحمة عليهم ومراعاة لصلاحهم .\r{ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } الكفر بالإِيمان والمعاصي بما يتبعها من الطاعات . { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي أحسن جزاء أعمالهم .\r{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } بإيتائهما فعلاً ذا حسن ، أو كأنه في ذاته حسن لفرط حسنه ووصى يجري مجرى أمر معنى وتصرفاً . وقيل هو بمعنى قال أي وقلنا له أحسن بوالديك { حَسَنًا } ، وقيل { حَسَنًا } منتصب بفعل مضمر على تقدير قول مفسر للتوصية أي قلنا أولهما أو افعل بهما { حَسَنًا } وهو أوفق لما بعده وعليه يحسن الوقف على { بوالديه } ، وقرىء { حَسَنًا } و «إحساناً» . { وَإِن جاهداك لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } بإلهيته عبر عن نفيها بنفي العلم بها إشعاراً بأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وإن لم يعلم بطلانه فضلاً عما علم بطلانه . { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ولا بد من إضمار القول إن لم يضمر قبل . { إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } مرجع من آمن منكم ومن أشرك ومن بر بوالديه ومن عق . { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالجزاء عليه ، والآية نزلت في سعد بن أبي وقاص وأمه حمنة ، فإنها لما سمعت بإسلامه حلفت أنها لا تنتقل من الضح ولا تطعم ولا تشرب حتى يرتد ولبثت ثلاثة أيام كذلك وكذا التي في «لقمان» و «الأحقاف» .\r{ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِى الصالحين } في جملتهم والكمال في الصلاح منتهى درجات المؤمنين ومتمنى أنبياء الله المرسلين ، أو في مدخلهم وهو الجنة .\r{ وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ ءَامَنَّا بالله فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله } بأن عذبهم الكفرة على الإِيمان . { جَعَلَ فِتْنَةَ الناس } ما يصيبه من أذيتهم في الصرف عن الإِيمان . { كَعَذَابِ الله } في الصرف عن الكفر . { وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مّن رَّبِّكَ } فتح وغنيمة . { لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ } في الدين فأشركونا فيه ، والمراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين ويؤيد الأول . { أَوَ لَيْسَ الله بِأَعْلَمَ بِمَا فِى صُدُورِ العالمين } من الإِخلاص والنفاق .","part":4,"page":465},{"id":1966,"text":"{ وَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين ءَامَنُواْ } بقلوبهم . { وَلَيَعْلَمَنَّ المنافقين } فيجازي الفريقين .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ اتبعوا سَبِيلَنَا } الَّذِي نسلكه في ديننا . { وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } إن كان ذلك خطيئة أو إن كان بعث ومؤاخذة ، وإنما أمروا أنفسهم بالحمل عاطفين على أمرهم بالاتباع مبالغة في تعليق الحمل بالاتباع والوعد بتخفيف الأوزار عنهم إن كانت تشجيعاً لهم عليه ، وبهذا الاعتبار رد عليهم وكذبهم بقوله : { وَمَا هُمْ بحاملين مِنْ خطاياهم مّن شَىْءٍ إِنَّهُمْ لكاذبون } من الأولى للتبيين والثانية مزيدة والتقدير : وما هم بحاملين شيئاً من خطاياهم .\r{ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ } أثقال ما اقترفته أنفسهم . { وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } وأثقالاً أخر معها لما تسببوا له بالإِضلال والحمل على المعاصي من غير أن ينقص من أثقال من تبعهم شيء . { وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ القيامة } سؤال تقريع وتبكيت . { عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الأباطيل التي أضلوا بها .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً } بعد المبعث ، إذ روي أنه بعث على رأس الأربعين ودعا قوماً تسعمائة وخمسين وعاش بعد الطوفان ستين ، ولعل اختيار هذه العبارة للدلالة على كمال العدد فإن تسعمائة وخمسين قد يطلق على ما يقرب منه ولما في ذكر الألف من تخييل طول المدة إلى السامع ، فإن المقصود من القصة تسلية رسول الله A وتثبيته على ما يكابده من الكفرة واختلاف المميزين لما في التكرير من البشاعة . { فَأَخَذَهُمُ الطوفان } طوفان الماء وهو لما طاف بكثرة من سيل أو ظلام أو نحوهما . { وَهُمْ ظالمون } بالكفر .\r{ فأنجيناه } أي نوحاً E . { وأصحاب السفينة } ومن أركب معه من أولاده وأتباعه وكانوا ثمانين . وقيل ثمانية وسبعين وقيل عشرة نصفهم ذكور ونصفهم إناث . { وجعلناها } أي السفينة أو الحادثة . { ءَايَةً للعالمين إِنَّ } يتعظون ويستدلون بها .\r{ وإبراهيم } عطف على { نُوحاً } أو نصب بإضمار اذكر ، وقرىء بالرفع على تقدير ومن المرسلين إبراهيم . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعبدوا الله } ظرف لأرسلنا أي أرسلناه حين كمل عقله وتم نظره بحيث عرف الحق وأمر الناس به ، أو بدل منه بدل اشتمال إن قدر باذكر . { واتقوه ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } مما أنتم عليه . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } الخير والشر وتميزون ما هو خير مما هو شر ، أو كنتم تنظرون في الأمور بنظر العلم دون نظر الجهل .\r{ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } وتكذبون كذباً في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله تعالى ، أو تعملونها وتنحتونها للإِفك وهو استدلال على شرارة ما هم عليه من حيث إنه زور وباطل ، وقرىء »تخلقون« من خلق للتكثير »وَتَخْلُقُونَ« من تخلق للتكلف ، و { إِفْكاً } على أنه مصدر كالكذب أو نعت بمعنى خلقاً ذا إفك .","part":4,"page":466},{"id":1967,"text":"{ إِنَّ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً } دليل ثان على شرارة ذلك من حيث إنه لا يجدي بطائل ، و { رِزْقاً } يحتمل المصدر بمعنى لا يستطيعون أن يرزقوكم وأن يراد المرزوق وتنكيره للتعميم . { فابتغوا عِندَ الله الرزق } كله فإنه المالك له . { واعبدوه واشكروا لَهُ } متوسلين إلى مطالبكم بعبادته مقيدين لما حفكم من النعم بشكره ، أو مستعدين للقائه بهما ، فإنه : { إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وقرىء بفتح التاء .\r{ وَإِن تُكَذِّبُواْ } وإن تكذبوني . { فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مّن قَبْلِكُمْ } من قبلي من الرسل فلم يضرهم تكذيبهم وإنما ضر أنفسهم حيث تسبب لما حل بهم من العذاب فكذا تكذيبكم . { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ المبين } الذي يزال معه الشك وما عليه أن يصدق ولا يكذب ، فالآية وما بعدها من جملة قصة { إِبْرَاهِيمَ } إلى قوله { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } ويحتمل أن تكون اعتراضاً بذكر شأن النبي A وقريش وهدم مذهبهم والوعيد على سوء صنيعهم ، توسط بين طرفي قصته من حيث إن مساقها لتسلية رسول الله A والتنفيس عنه ، بأن أباه خليل الله صلوات الله عليهما كان ممنواً بنحو ما مني به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال إبراهيم في قومه","part":4,"page":467},{"id":1968,"text":"{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىءُ الله الخلق } من مادة ومن غيرها ، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بالتاء على تقدير القول وقرىء «يبدأ» . { ثُمَّ يُعِيدُهُ } إخبار بالإِعادة بعد الموت معطوف على { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } لا على { يُبْدِىء } ، فإن الرؤية غير واقعة عليه ويجوز أن تؤول الإِعادة بأن ينشىء في كل سنة مثل ما كان في السنة السابقة من النبات والثمار ونحوهما وتعطف على { يُبْدِىء } . { إِنَّ ذلك } الإِشارة إلى الإِعادة أو إلى ما ذكر من الأمرين . { عَلَى الله يَسِيرٌ } إذ لا يفتقر في فعله إلى شيء .\r{ قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض } حكاية كلام الله لإِبراهيم أو محمد عليهما الصلاة والسلام . { فانظروا كَيْفَ بَدَأَ الخلق } على اختلاف الأجناس والأحوال . { ثُمَّ الله يُنشِىء النشأة الآخرة } بعد النشأة الأولى التي هي الإِداء ، فإنه والإِعادة نشأتان من حيث أن كلاً اختراع وإخراج من العدم ، والإِفصاح باسم الله مع إيقاعه مبتدأ بعد إضماره في بدأ والقياس الاقتصار عليه للدلالة على أن المقصود بيان الإِعادة ، وأن من عرف بالقدرة على الإِبداء ينبغي أن يحكم له بالقدرة على الإِعادة لأنها أهون والكلام في العطف ما مر ، وقرىء «النشاءة» كالرآفة . { إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } لأن قدرته لذاته ونسبة ذاته إلى كل الممكنات على سواء فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على النشأة الأولى .\r{ يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } تعذيبه . { وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ } رحمته . { وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ } تردون .\r{ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } ربكم عن إدراككم . { فِي الأرض وَلاَ فِي السماء } إن فررتم من قضائه بالتواري في الأرض أو الهبوط في مهاويها ، والتحصن { فِى السماء } أو القلاع الذاهبة فيها وقيل ولا من في السماء كقول حسان :\rأَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ الله مِنْكُم ... وَيَمْدَحهُ وَيَنْصُرهُ سَوَاء\r{ وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } يحرسكم عن بلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء ويدفعه عنكم .\r{ والذين كَفَرُواْ بئايات الله } بدلائل وحدانيته أو بكتبه . { وَلِقَائِهِ } بالبعث . { أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِى } أي ييأسون منها يوم القيامة ، فعبر عنه بالماضي للتحقق والمبالغة ، أو أيسوا في الدنيا لإنكار البعث والجزاء . { وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } بكفرهم .\r{ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } قوم إبراهيم له . وقرىء بالرفع على أنه الاسم والخبر . { إِلاَّ أَن قَالُواْ اقتلوه أَوْ حَرّقُوهُ } وكان ذلك قول بعضهم لكن لما قيل فيهم ورضي به الباقون أسند إلى كلهم . { فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار } أي فقذفوه في النار فأنجاه الله منها بأن جعلها عليه برداً وسلاماً . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } في إنجائه منها . { لآيَاتٍ } هي حفظه من أذى النار وإخمادها مع عظمها في زمان يسر وإنشاء روض مكانها . { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم المنتفعون بالتفحص عنها والتأمل فيها .","part":4,"page":468},{"id":1969,"text":"{ وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الحياة الدنيا } أي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها ، وثاني مفعولي { اتخذتم } محذوف ويجوز أن تكون مودة المفعول الثاني بتقدير مضاف أي اتخذتم أوثان سبب المودة بينكم أو بتأويلها بالمودودة ، وقرأها نافع وابن عامر وأبو بكر منونة ناصبة بينكم والوجه ما سبق ، وابن كثير وأبو عمرو والكسائي ورويس مرفوعة مضافة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي مودودة أو سبب مودة بينكم ، والجملة صفة { أوثانا } أو خبر إن على { إِنَّمَا } مصدرية أو موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول ، وقرئت مرفوعة منونة ومضافة بفتح { بَيْنِكُمْ } كما قرىء { لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } وقرىء «إنما مودة بينكم» . { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً } أي يقوم التناكر والتلاعن بينكم ، أو بينكم وبين الأوثان على تغليب المخاطبين كقوله تعالى : { وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } { وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين } يخلصونكم منها .\r{ فَئَامَنَ لَهُ لُوطٌ } هو ابن أخيه وأول من آمن به ، وقيل إنه آمن به حين رأى النار لم تحرقه . { وَقَالَ إِنّى مُهَاجِرٌ } من قومي . { إلى رَبّى } إلى حيث أمرني . { إِنَّهُ هُوَ العزيز } الذي يمنعني من أعدائي . { الحكيم } الذي لا يأمرني إلا بما فيه صلاحي . روي أنه هاجر من كوثى من سواد الكوفة مع لوط وامرأته سارة ابنة عمه إلى حران ، ثم منها إلى الشام فنزل فلسطين ونزل لوط سدوم .\r{ وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } ولداً ونافلة حين أيس من الولادة من عجوز عاقر ولذلك لم يذكر إسماعيل . { وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِ النبوة } فكثر منهم الأنبياء . { والكتاب } يريد به الجنس ليتناول الكتب الأربعة . { وَءَاتَيْنَاهُ أَجْرَهُ } على هجرته إلينا . { فِى الدنيا } بإعطاء الولد في غير أوانه ، والذرية الطيبة واستمرار النبوة فيهم وإنماء أهل الملل إليه والثناء والصلاة عليه إلى آخر الدهر . { وَإِنَّهُ فِى الآخرة لَمِنَ الصالحين } لفي عداد الكاملين في الصلاح .","part":4,"page":469},{"id":1970,"text":"{ وَلُوطاً } عطف على إبراهيم أو على ما عطف عليه . { إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفاحشة } الفعلة البالغة في القبح ، وقرأَالحرميان وابن عامر وحفص بهمزة مكسورة على الخبر والباقون على الاستفهام وأجمعوا على الاستفهام في الثاني . { مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن العالمين } استئناف مقرر لفاحشتها من حيث إنها مما اشمأزت منه الطباع وتحاشت عنه النفوس حتى أقدموا عليها لخبث طينتهم .\r{ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال وَتَقْطَعُونَ السبيل } وتتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال أو بالفاحشة حتى انقطعت الطرق ، أو تقطعون سبيل النسل بالإِعراض عن الحرث وإتيان ما ليس بحرث . { وَتَأْتُونَ فِى نَادِيكُمُ } في مجالسكم الغاصة بأهلها ولا يقال للنادى إلا لما فيه أهله . { المنكر } كالجماع والضراط وحل الإِزار وغيرها من القبائح عدم مبالاة بها . وقيل الحذف ورمي البنادق . { فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في استقباح ذلك أو في دعوى النبوة المفهومة من التوبيخ .\r{ قَالَ رَبّ انصرنى } بإنزال العذاب . { عَلَى القوم المفسدين } باتباع الفاحشة وسنها فيمن بعدهم ، وصفهم بذلك مبالغة في استنزال العذاب وإشعاراً بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم العذاب .\r{ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إبراهيم بالبشرى } بالبشارة بالولد والنافلة . { قَالُواْ إِنَّآ مُهْلِكُو أَهْلِ هذه القرية } قرية سدوم والإِضافة لفظية لأن المعنى على الاستقبال . { إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظالمين } تعليل لإِهلاكهم لهم بإصرارهم وتماديهم في ظلمهم الذي هو الكفر وأنواع المعاصي .\r{ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً } اعتراض عليهم بأن فيها من لم يظلم ، أو معارضة للموجب بالمانع وهو كون النبي بين أظهرهم . { قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ } تسليم لقوله مع ادعاء مزيد العلم به وأنهم ما كانوا غافلين عنه ، وجواب عنه بتخصيص الأهل بمن عداه وأهله أو تأقيت الإِهلاك بإخراجهم منها ، وفيه تأخير للبيان عن الخطاب . { إِلاَّ امرأته كَانَتْ مِنَ الغابرين } الباقين في العذاب أو القرية .\r{ وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ } جاءته المساءة والغم بسببهم مخافة أن يقصدهم قومه بسوء ، و { أَن } صلة لتأكيد الفعلين واتصالهما . { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } وضاق بشأنهم وتدبير أمرهم ذرعه أي طاقته كقولهم ضاقت يده وبإزائه رحب ذرعه بكذا إذا كان مطيقاً له ، وذلك لأن طويل الذراع ينال ما لا يناله قصير الذراع . { وَقَالُواْ } لما رأوا فيه أثر الضجرة . { لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ } على تمكنهم منا . { إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امرأتك كَانَتْ مِنَ الغابرين } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب «لننجينه» »ومنجوك« بالتخفيف ووافقهم أبو بكر وابن كثير في الثاني ، وموضع الكاف الجر على المختار ونصب { أَهْلِكَ } بإضمار فعل أو بالعطف على محلها باعتبار الأصل .\r{ إِنَّا مُنزِلُونَ على أَهْلِ هذه القرية رِجْزاً مِّنَ السماء } عذاباً منها سمي بذلك لأنه يقلق المعذب من قولهم ارتجز إذا ارتجس أي اضطرب ، وقرأ ابن عامر »مُنزِّلُونَ« بالتشديد .","part":4,"page":470},{"id":1971,"text":"{ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم .\r{ وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا ءايَةً بَيّنَةً } هي حكايتها الشائعة أو آثار الديار الخربة ، وقيل الحجارة الممطرة فإنها كانت باقية بعد وقيل بقية أنهارها المسودة . { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار ، وهو متعلق ب { تَّرَكْنَا } أو { ءايَةً } .\r{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر } وافعلوا ما ترجون به ثوابه فأقيم المسبب مقام السبب ، وقيل إنه من الرجاء بمعنى الخوف . { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الأرض مُفْسِدِينَ } .\r{ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } الزلزلة الشديدة وقيل صيحة جبريل عليه السلام لأن القلوب ترجف لها . { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } في بلدهم أو دورهم ولم يجمع لأمن اللبس . { جاثمين } باركين على الركب ميتين .\r{ وَعَاداً وَثَمُودَاْ } منصوبان بإضمار اذكر أو فعل دل عليه ما قبله مثل أهلكنا ، وقرأ حمزة وحفص ويعقوب { وَثَمُودَاْ } غير منصرف على تأويل القبيلة . { وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مّن مساكنهم } أي تبين لهم بعض مساكنهم ، أو إهلاكهم من جهة مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها . { وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أعمالهم } من الكفر والمعاصي . { فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل } السوي الذي بينه الرسل لهم . { وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ } متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا ، أو متبينين أن العذاب لا حق بهم بإخبار الرسل لهم ولكنهم لجوا حتى هلكوا .\r{ وقارون وَفِرْعَوْنَ وهامان } معطوف على عاداً وتقديم { قارون } لشرف نسبه . { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ موسى بالبينات فاستكبروا فِى الأرض وَمَا كَانُواْ سابقين } فائتين بل أدركهم أمر الله من سبق طالبه إذا فاته .\r{ فَكُلاًّ } من المذكورين . { أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } عاقبناه بذنبه . { فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً } ريحاً عاصفاً فيها حصباء ، أو ملكاً رماهم بها كقوم لوط . { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة } كمدين وثمود . { وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض } كقارون . { وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } كقوم نوح وفرعون وقومه . { وَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من عادته D . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالتعرض للعذاب .","part":4,"page":471},{"id":1972,"text":"{ مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاءَ } فما اتخذوه معتمداً ومتكلاً . { كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً } فيما نسجته في الوهن والخور بل ذاك أوهن فإن لهذا حقيقة وانتفاعاً ما ، أو مثلهم بالإضافة إلى رجل بنى بيتاً من حجر وجص ، والعنكبوت يقع على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ، والتاء فيه كتاء طاغوت ويجمع على عناكيب وعناكب وعكاب وعكبة وأعكب . { وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت } لا بيت أوهن وأقل وقاية للحر والبرد منه . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } يرجعون إلى علم لعلموا أن هذا مثلهم وأن دينهم أوهن من ذلك ، ويجوز أن يكون المراد ببيت العنكبوت دينهم سماه به تحقيقاً للتمثيل فيكون المعنى : وإن أوهن ما يعتمد به في الدين دينهم .\r{ إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَىْء } على إضمار القول أي قل للكفرة إن الله يعلم ، وقرأ البصريان بالياء حملاً على ما قبله و { مَا } استفهامية منصوبة ب { تَدْعُونَ } و { يَعْلَمْ } معلقة عنها و { مِنْ } للتبيين أو نافية و { مِنْ } مزيدة و { شَىْء } مفعول { تَدْعُونَ } أو مصدرية و { شَىْء } مصدر أو موصولة مفعول ليعلم ومفعول { تَدْعُونَ } عائدها المحذوف ، والكلام على الأولين تجهيل لهم وتوكيد للمثل وعلى الأخيرين وعيد لهم . { وَهُوَ العزيز الحكيم } تعليل على المعنيين فإن من فرط الغباوة إشراك ما لا يعد شيئاً بمن هذا شأنه ، وأن الجماد بالإِضافة إلى القادر القاهر على كل شيء البالغ في العلم وإتقان الفعل الغاية كالمعدوم ، وأن من هذا وصفه قادر على مجازاتهم .\r{ وَتِلْكَ الأمثال } يعني هذا المثل ونظائره . { نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ } تقريباً لما بعد من أفهامهم . { وَمَا يَعْقِلُهَا } ولا يعقل حسنها وفائدتها . { إِلاَّ العالمون } الذين يتدبرون الأشياء على ما ينبغي . وعنه A أنه تلا هذه الآية فقال : « العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه »\r{ خَلَقَ الله السموات والأرض بالحق } محقاً غير قاصد به باطلاً ، فإن المقصود بالذات من خلقها إفادة الخير والدلالة على ذاته وصفاته كما أشار إليه بقوله : { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } لأنهم المنتفعون به .\r{ اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } تقرباً إلى الله تعالى بقراءته وتحفظاً لألفاظه واستكشافاً لمعانيه ، فإن القارىء المتأمل قد ينكشف به بالتكرار ما لم ينكشف له أول ما قرع سمعه . { وَأَقِمِ الصلاة إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر } بأن تكون سبباً للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها وغيرها من حيث إنها تذكر الله وتورث النفس خشية منه . روي أن فتى من الأنصار كان يصلي مع رسول الله A الصلوات ولا يدع شيئاً من الفواحش إلا ارتكبه ، فوصف له عليه السلام فقال :","part":4,"page":472},{"id":1973,"text":"« إن صلاته ستنهاه » فلم يلبث أن تاب . { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } وللصلاة أكبر من سائر الطاعات ، وإنما عبر عنها به للتعليل بأن اشتمالها على ذكره هو العمدة في كونها مفضلة على الحسنات ناهية عن السيئات ، أو لذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته . { والله يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ } منه ومن سائر الطاعات فيجازيكم به أحسن المجازاة .\r{ وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِىَ أَحْسَنُ } إلا بالخصلة التي هي أحسن كعارضة الخشونة باللين والغضب بالكظم والمشاغبة بالنصح ، وقيل هو منسوخ بآية السيف إذ لا مجادلة أشد منه وجوابه أنه آخر الدواء ، وقيل المراد به ذو العهد منهم . { إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بالإِفراط في الاعتداء والعناد أو بإثبات الولد وقولهم { يَدُ الله مَغْلُولَةٌ } أو بنبذ العهد ومنع الجزية . { وَقُولُواْ ءَامَنَّا بالذي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ } هو من المجادلة بالتي هي أحسن . وعن النبي A « لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله فإن قالوا باطلاً لم تصدقوهم وإن قالوا حقاً لم تكذبوهم » { وإلهنا وإلهكم وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مطيعون له خاصة وفيه تعريض باتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله .\r{ وكذلك } ومثل ذلك الإِنزال . { أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } وحياً مصدقاً لسائر الكتب الإلهية وهو تحقيق لقوله : { فالذين ءاتيناهم الكتاب يُؤْمِنُونَ بِهِ } هم عبد الله بن سلام وأضرابه ، أو من تقدم عهد الرسول A من أهل الكتاب . { وَمِنْ هَؤُلاء } ومن العرب أو أهل مكة أو ممن في عهد الرسول من أهل الكتابين . { مَن يُؤْمِنُ بِهِ } بالقرآن . { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا } مع ظهورها وقيام الحجة عليها . { إِلاَّ الكافرون } إلا المتوغلون في الكفر فإن جزمهم به يمنعهم عن التأمل فيما يقيد لهم صدقها لكونها معجزة بالإِضافة إلى الرسول A كما أشار إليه بقوله :\r{ وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْهُ قَبْلِهِ مِن كتاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ } فإن ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة أمي لم يعرف بالقراءة والتعلم خارق للعادة ، وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفي ونفي للتجوز في الإِسناد . { إِذاً لارتاب المبطلون } أي لو كنت ممن يخط ويقرأ لقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأولين الأقدمين ، وإنما سماهم مبطلين لكفرهم أو لارتيابهم بانتفاء وجه واحد من وجوه الإعجاز المكاثرة ، وقيل لارتاب أهل الكتاب لوجدانهم نعتك على خلاف ما في كتبهم فيكون إبطالهم باعتبار الواقع دون المقدر . { بَلْ هُوَ } بل القرآن .","part":4,"page":473},{"id":1974,"text":"{ ءَايَاتٌ بينات فِى صُدُورِ الذين أُوتُواْ العلم } يحفظونه لا يقدر أحد على تحريفه . { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ الظالمون } المتوغلون في الظلم بالمكابرة بعد وضوح دلائل إعجازها حتى لم يعتدوا بها .\r{ وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مّن رَّبّهِ } مثل ناقة صالح وعصا موسى ومائدة عيسى ، وقرأ نافع وابن عامر والبصريان وحفص »ءايات« . { قُلْ إِنَّمَا الآيات عِندَ الله } ينزلها كما يشاء لست أملكها فآتيكم بما تقترحونه . { إَِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } ليس من شأني إلا الإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات .\r{ أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ } آية مغنية عما اقترحوه . { أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ } تدوم تلاوته عليهم متحدين به فلا يزال معهم آية ثابتة لا تضمحل بخلاف سائر الآيات ، أو يتلى عليهم يعني اليهود بتحقيق ما في أيديهم من نعتك ونعت دينك . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } الكتاب الذي هو آية مستمرة وحجة مبينة . { لَرَحْمَةً } لنعمة عظيمة . { وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وتذكرة لمن همه الإِيمان دون التعنت . وقيل إن أناساً من المسلمين أتوا رسول الله A بكتب كتب فيها بعض ما يقول اليهود ، \" فقال كفى بها ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم \" فنزلت .\r{ قُلْ كفى بالله بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً } بصدقي وقد صدقني بالمعجزات ، أو بتبليغي ما أرسلت به إليكم ونصحي ومقابلتكم إياي بالتكذيب والتعنت . { يَعْلَمُ مَا فِى السموات والأرض } فلا يخفى عليه حالي وحالكم . { والذين ءَامَنُواْ بالباطل } وهو ما يعبد من دون الله . { وَكَفَرُواْ بالله } منكم . { أولئك هُمُ الخاسرون } في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإِيمان .\r{ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب } بقولهم { فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } . { وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى } لكل عذاب أو قوم . { لَّجَاءَهُمُ العذاب } عاجلاً . { وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً } فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو الآخرة عند نزول الموت بهم . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه .\r{ يَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين } ستحيط بهم يوم يأتيهم العذاب ، أو هي كالمحيطة بهم الآن لإِحاطة الكفر والمعاصي التي توجبها بهم ، واللام للعهد على وضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على موجب الإِحاطة ، أو للجنس فيكون استدلالاً بحكم الجنس على حكمهم .\r{ يَوْمَ يغشاهم العذاب } ظرف { لَمُحِيطَةٌ } أو مقدرة مثل كان كيت وكيت . { مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم } من جميع جوانبهم . { وَيَقُولُ } الله أو بعض ملائكته بأمره لقراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين بالنون . { ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي جزاءه .\r{ ياعبادى الذين ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون } أي إذا لم يتسهل لكم العبادة في بلدة ولم يتيسر لكم إظهار دينكم فهاجروا إلى حيث يتمشى لكم ذلك ، وعنه E : \" من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبراً استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام \" والفاء جواب شرط محذوف إذ المعنى إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها في غيرها .","part":4,"page":474},{"id":1975,"text":"{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } تناله لا محالة . { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } للجزاء ومن هذا عاقبته ينبغي أن يجتهد في الاستعداد له وقرأ أبو بكر بالياء .\r{ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } لننزلنهم . { مّنَ الجنة غُرَفَاً } علالي ، وقرأ حمزة والكسائي «لنثوينهم» أي لنقيمنهم من الثواء فيكون انتصاب غرفاً لإجرائه مجرى لننزلنهم ، أو بنزع الخافض أو بتشبيه الظرف المؤقت بالمبهم . { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ العاملين } وقرىء «فنعم» والمخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله .\r{ الذين صَبَرُواْ } على أذية المشركين والهجرة للدين إلى غير ذلك من المحن والمشاق . { وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ولا يتوكلون إلا على الله .\r{ وَكَأَيّن مّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } لا تطيق حمله لضعفها أو لا تدخره ، وإنما تصبح ولا معيشة عندها . { الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ } ثم إنها مع ضعفها وتوكلها وإياكم مع قوتكم واجتهادكم سواء في أنه لا يرزقها وإياكم إلا الله ، لأن رزق الكل بأسباب هو المسبب لها وحده فلا تخافوا على معاشكم بالهجرة ، فإنهم لما أمروا بالهجرة قال بعضهم كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت . { وَهُوَ السميع } لقولكم هذا . { العليم } بضميركم .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر } المسؤول عنهم أهل مكة . { لَيَقُولُنَّ الله } لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود . { فأنى يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك .\r{ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } يحتمل أن يكون الموسع له والمضيق عليه واحداً على أن البسط والقبض على التعاقب وألا يكون على وضع الضمير موضع من يشاء وإبهامه لأن من يشاء مبهم . { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } يعلم مصالحهم ومفاسدهم .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله } معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها ، ثم إنهم يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك . { قُلِ الحمد لِلَّهِ } على ما عصمك من مثل هذه الضلالة ، أو على تصديقك وإظهار حجتك . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } فيتناقضون حيث يقرون بأنه المبدىء لكل ما عداه ثم إنهم يشركون به الصنم ، وقيل لا يعقلون ما تريد بتحميدك عند مقالهم .\r{ وَمَا هذه الحياة الدنيا } إشارة تحقير وكيف لا وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة . { إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ } إلا كما يلهى ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويبتهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين . { وَإِنَّ الدار الآخرة لَهِىَ الحيوان } لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها ، أو هي في ذاتها حياة للمبالغة ، و { الحيوان } مصدر حي سمي به ذو الحياة وأصله حييان فقلبت الياء الثانية واواً وهو أبلغ من الحياة لما في بناء فعلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة ولذلك اختير عليها ها هنا .","part":4,"page":475},{"id":1976,"text":"{ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لم يؤثروا عليها الدنيا التي أصلها عدم الحياة والحياة فيها عارضة سريعة الزوال .\r{ فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك } متصل بما دل عليه شرح حالهم أي هم على ما وصفوا به من الشرك فإذا ركبوا البحر . { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } كائنين في صورة من أخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون إلا الله ولا يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد إلا هو . { فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ } فاجؤوا المعاودة إلى الشرك .\r{ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } اللام فيه لام كي أي يشركون ليكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة . { وَلِيَتَمَتَّعُواْ } باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها ، أو لام الأمر على التهديد ويؤيده قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وقالون عن نافع »وَلِيَتَمَتَّعُواْ « بالسكون . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة ذلك حين يعاقبون .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } يعني أهل مكة . { أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً } أي جعلنا بلدهم مصوناً عن النهب والتعدي آمناً أهله عن القتل والسبي . { وَيُتَخَطَّفُ الناس مِنْ حَوْلِهِمْ } يختلسون قتلاً وسبياً إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب . { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } أبعد هذه النعمة المكشوفة وغيرها مما لا يقدر عليه إلا الله يؤمنون بالصنم أو الشيطان . { وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ } حيث أشركوا به غيره وتقديم الصلتين للاهتمام أو الاختصاص على طريق المبالغة .","part":4,"page":476},{"id":1977,"text":"{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن زعم أن له شريكاً . { أَوْ كَذَّبَ بالحق لَمَّا جَاءَهُ } يعني الرسول أو الكتاب ، وفي { لَّمّاً } تسفيه لهم بأن لم يتوافقوا ولم يتأملوا قط حين جاءهم بل سارعوا إلى التكذيب أول ما سمعوه . { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } تقرير لثوائهم كقوله :\rأَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا ... أي ألا يستوجبون الثواء فيها وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله وكذبوا بالحق مثل هذا التكذيب ، أو لاجترائهم أي ألم يعلموا أن { فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } حتى اجترؤوا مثل هذه الجراءة .\r{ والذين جاهدوا فِينَا } في حقنا وإطلاق المجاهدة ليعم جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة بأنواعه . { لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } سبل السير إلينا والوصول إلى جنابنا ، أو لنزيدنهم هداية إلى سبيل الخير وتوفيقاً لسلوكها كقوله تعالى : { والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } وفي الحديث « من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم » { وَإِنَّ الله لَمَعَ المحسنين } بالنصر والإِعانة .\rقال رسول الله A « من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل المؤمنين والمنافقين » .","part":4,"page":477},{"id":1978,"text":"مكية إلا قوله تعالى فسبحان الله الآية وآيها ستون أو\rتسع وخمسون آية\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ الم } .\r{ غُلِبَتِ الروم فِى أَدْنَى الأرض } أرض العرب منهم لأنها الأرض المعهودة عندهم ، أو في أدنى أرضهم من العرب واللام بدل من الإِضافة . { وَهُم مّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ } من إضافة المصدر إلى المفعول ، وقرىء { غَلَبِهِمْ } وهو لغة كالجلب والجلب . { سَيَغْلِبُونَ } .\r{ فِى بِضْعِ سِنِينَ } روي أن فارس غزوا الروم فوافوهم بأذرعات وبصرى ، وقيل بالجزيرة وهي أدنى أرض الروم من الفرس فغلبوا عليهم وبلغ الخبر مكة ففرح المشركون وشمتوا بالمسلمين وقالوا : أنتم والنصارى أهل كتاب ونحن وفارس أميون وقد ظهر إخواننا على إخوانكم ولنظهرن عليكم فنزلت ، فقال لهم أبو بكر : لا يقرن الله أعينكم فوالله لتظهرن الروم على فارس بعد بضع سنين ، فقال له أبي بن خلف : كذبت اجعل بيننا أجلاً أناحبك عليه ، فناحبه على عشر قلائص من كل واحد منهما وجعلا الأجل ثلاث سنين ، فأخبر أبو بكر Bه رسول الله A فقال البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر وماده في الأجل ، فجعلاه مائة قلوص إلى تسع سنين ومات أبي من جرح رسول الله A بعد قفوله من أحد وظهرت الروم على فارس يوم الحديبية فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أبي ، وجاء به إلى رسول الله A فقال تصدق به . واستدلت به الحنفية على جواز العقود الفاسدة في دار الحرب ، وأجيب بأنه كان قبل تحريم القمار ، والآية من دلائل النبوة لأنها إخبار عن الغيب . وقرىء »غَلَبَت« بالفتح و »سَيُغْلِبُونَ« بالضم ومعناه أن الروم غلبوا على ريف الشام والمسلمون سيغلبونهم ، وفي السنة التاسعة من نزوله غزاهم المسلمون وفتحوا بعض بلادهم وعلى هذا تكون إضافة الغلب إلى الفاعل . { لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين ، ومن بعد كونهم مغلوبين وهو وقت كونهم غالبين أي له الأمر حين غلبوا وحين يغلبون ليس شيء منهما إلا بقضائه ، وقرىء { مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } من غير تقدير مضاف إليه كأنه قيل قبلاً وبعداً أي أولاً وآخراً . { وَيَوْمَئِذٍ } ويوم تغلب الروم . { يَفْرَحُ المؤمنون } .\r{ بِنَصْرِ الله } من له كتاب على من لا كتاب له لما فيه من انقلاب التفاؤل وظهور صدقهم فيما أخبرا به المشركين وغلبتهم في رهانهم وازدياد يقينهم وثباتهم في دينهم ، وقيل بنصر الله المؤمنين بإظهار صدقهم أو بأن ولي بعض أعدائهم بعضاً حتى تفانوا . { يَنصُرُ مَن يَشَاءُ } فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء أخرى . { وَهُوَ العَزِيزُ الرحيم } ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة ويتفضل عليهم بنصرهم أخرى .\r{ وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لنفسه لأن ما قبله في معنى الوعد . { لاَ يُخْلِفُ الله وَعْدَهُ } لامتناع الكذب عليه تعالى . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } وعده ولا صحة وعده لجهلهم وعدم تفكرهم .","part":4,"page":478},{"id":1979,"text":"{ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ الحياة الدنيا } ما يشاهدونه منها والتمتع بزخارفها . { وَهُمْ عَنِ الآخرة } التي هي غايتها والمقصود منها . { هُمْ غافلون } لا تخطر ببالهم ، و { هُمْ } الثانية تكرير للأولى أو مبتدأ و { غافلون } خبره والجملة خبر الأولى ، وهو على الوجهين مناد على تمكن غفلتهم عن الآخرة المحققة لمقتضى الجملة المتقدمة المبدلة من قوله : { لاَّ يَعْلَمُونَ } تقريراً لجهالتهم وتشبيهاً لهم بالحيوانات المقصور إدراكها من الدنيا ببعض ظاهرها ، فإن من العلم بظاهرها معرفة حقائقها وصفاتها وخصائصها وأفعالها وأسبابها وكيفية صدورها منها وكيفية التصرف فيها ولذلك نكر ظاهراً ، وأما باطنها فإنها مجاز إلى الآخرة ووصلة إلى نيلها وأنموذج لأحوالها وإشعاراً بأنه لا فرق بين عدم العلم والعلم الذي يختص بظاهر الدنيا .\r{ أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } أو لم يحدثوا التفكر فيها ، أو أَوَ لَمْ يَتَفَكْرُوا في أمر أنفسهم فإنها أقرب إليهم من غيرها ومرآة يجتلى فيها للمستبصر ما يجتلى له في الممكنات بأسرها ليتحقق لهم قدرة مبدعها على إعادتها مثل قدرته على إبدائها . { مَّا خَلَقَ الله السموات والارض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } متعلق بقول أو علم محذوف يدل عليه الكلام . { وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } تنتهي عنده ولا تبقى بعده . { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الناس بِلِقَاءِ رَبّهِمْ } بلقاء جزائه عند انقضاء الأجل المسمى أو قيام الساعة . { لكافرون } جاحدون يحسبون أن الدنيا أبدية وأن الآخرة لا تكون .\r{ أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } تقرير لسيرهم في أقطار الأرض ونظرهم في آثار المدمرين قبلهم . { كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } كعاد وثمود . { وَأَثَارُواْ الأرض } وقلبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها . { وَعَمَرُوهَا } وعمروا الأرض . { أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا } من عمارة أهل مكة إياها فإنهم أهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيرها ، وفيه تهكم بهم من حيث إنهم مغترون بالدنيا مفتخرون بها وهم أضعف حالاً فيها ، إذ مدار أمرها على التبسط في البلاد والتسلط على العباد والتصرف في أقطار الأرض بأنواع العمارة وهم ضعفاء ملجئون إلى دار لا نفع لها . { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات أو الآيات الواضحات . { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } ليفعل بهم ما تفعل الظلمة فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير . { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث عملوا ما أدى إلى تدميرهم .\r{ ثُمَّ كَانَ عاقبة الذين أَسَاءواْ السوءى } أي ثم كان عاقبتهم العاقبة { السوأى } أو الخصلة { السوأى } ، فوضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما اقتضى أن تكون تلك عاقبتهم وأنهم جاءوا بمثل أفعالهم ، و { السوأى } تأنيث الأسوأ كالحسنى أو مصدر كالبشرى نعت به . { ثُمَّ أَن كَذَّبُواْ بِئَايَاتِ اللهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ } علة أو بدل أو عطف بيان ل { السوأى } ، أو خبر كان و { السوأى } مصدر أساؤوا أو مفعوله بمعنى ، { ثُمَّ كَانَ عاقبة } الذين اقترفوا الخطيئة أن طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا بآيات الله واستهزؤوا بها ، ويجوز أن تكون { السوأى } صلة الفعل و { السوءى أَن كَذَّبُواْ } تابعها والخبر محذوف للإبهام والتهويل ، وأن تكون { أن } مفسرة لأن الإِساءة إذا كانت مفسرة بالتكذيب والاستهزاء كانت متضمنة معنى القول ، وقرأ ابن عامر والكوفيون { عاقبة } بالنصب على أن الاسم { السوأى } و { أَن كَذَّبُواْ } على الوجوه المذكورة .","part":4,"page":479},{"id":1980,"text":"{ الله يَبْدَؤُاْ الخلق } ينشئهم . { ثُمَّ يُعِيدُهُ } يبعثهم . { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } للجزاء والعدول إلى الخطاب للمبالغة في المقصود ، وقرأ أبو بكر وأبو عمرو وروح بالياء على الأصل .\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُبْلِسُ المجرمون } يسكتون متحرين آيسين يقال ناظرته فأبلس إذا سكت وآيس من أن يحتج ومنه الناقة المبلاس التي لا ترغو ، وقرىء بفتح اللام من أبلسه إذا أسكته .\r{ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مّن شُرَكَائِهِمْ } ممن أشركوهم بالله . { شُفَعَاءُ } يجيرونهم من عذاب الله ، ومجيئه بلفظ الماضي لتحققه . { وَكَانُواْ بِشُرَكَائِهِمْ كافرين } يكفرون بآلهتهم حين يئسوا منهم ، وقيل كانوا في الدنيا كافرين بسببهم ، وكتب في المصحف «شفعواء« و { عَلِمُواْ بَنِى إسراءيل } بالواو وكذا { السوأى } بالألف إثباتاً للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها .","part":4,"page":480},{"id":1981,"text":"{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } أي المؤمنون والكافرون لقوله تعالى :\r{ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ } أرض ذات أزهار وأنهار . { يُحْبَرُونَ } يسرون سروراً تهلك له وجوههم .\r{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الآخرة فَأُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ } مدخلون لا يغيبون عنه .\r{ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الحمد فِى السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ } إخبار في معنى الأمر بتنزيه الله تعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته وتتجدد فيها نعمته ، أو دلالة على أن ما يحدث فيها من الشواهد الناطقة بتنزهه واستحقاقه الحمد ممن له تمييز من أهل السموات والأرض ، وتخصيص التسبيح بالمساء والصباح لأن آثار القدرة والعظمة فيهما أظهر ، وتخصيص الحمد بالعشي الذي هو آخر النهار من عشى العين إذا نقص نورها والظهيرة التي هي وسطه لأن تجدد النعم فيهما أكثر ، ويجوز أن يكون { عشياً } معطوفاً على { الله حِينَ تُمْسُونَ } وقوله { وَلَهُ الحمد فِى السموات والأرض } اعتراضاً . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن الآية جامعة للصلوات الخمس { تُمْسُونَ } صلاتا المغرب والعشاء ، و { تُصْبِحُونَ } صلاة الفجر ، و { عشيا } صلاة العصر ، و { تُظْهِرُونَ } صلاة الظهر . ولذلك زعم الحسن أنها مدنية لأنه كان يقول كان الواجب بمكة ركعتين في أي وقت اتفقتا وإنما فرضه الخمس بالمدينة ، والأكثر على أنها فرضت بمكة . وعنه E \" من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل فسبحان الله حين تمسون الآية \" وعنه E \" من قال حين يصبح فسبحان الله حين تمسون إلى قوله وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في ليلته ، ومن قاله حين يمسي أدرك ما فاته في يومه \" وقرىء «حيناً تمسون» و «حيناً تصبحون» أي تمسون فيه وتصبحون فيه .\r{ يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت } كالإِنسان من النطفة والطائر من البيضة . { وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } كالنطفة والبيضة ، أو يعقب الحياة الموت وبالعكس . { وَيُحيِي الأَرْضَ } بالنبات . { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها . { وكذلك } ومثل ذلك الإخراج . { تُخْرَجُونَ } من قبوركم فإنه أيضاً تعقيب الحياة الموت ، وقرأ حمزة والكسائي بفتح التاء .\r{ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } أي في أصل الإِنشاء لأنه خلق أصلهم منه . { ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } ثم فاجأتم وقت كونكم بشراً منتشرين في الأرض .\r{ وَمِنْ ءاياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا } لأن حواء خلقت من ضلع آدم وسائر النساء خلقن من نطف الرجال ، أو لأنهن من جنسهم لا من جنس آخر . { لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا } لتميلوا إليها وتألفوا بها فإن الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر . { وَجَعَلَ بَيْنَكُم } أي بين الرجال والنساء ، أو بين أفراد الجنس .","part":4,"page":481},{"id":1982,"text":"{ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً } بواسطة الزواج حال الشبق وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظماً لأمر المعاش ، أو بأن تعيش الإِنسان متوقف على التعارف والتعاون المحوج إلى التواد والتراحم ، وقيل المودة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كقوله تعالى : { وَرَحْمَةً مّنَّا } { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فيعلمون ما في ذلك من الحكم .\r{ وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ } لغاتكم بأن علم كل صنف لغته أو ألهمه وضعها وأقدره عليها ، أو أجناس نطفكم وأشكاله فإنك لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية . { وألوانكم } بياض الجلد وسواده ، أو تخطيطات الأعضاء وهيئاتها وألوانها ، وحلاها بحيث وقع التمايز والتعارف حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة . { إِنَّ فِى ذلك لآيات للعالمين } لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جن ، وقرأ حفص بكسر اللام ويؤيد قوله : { وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون } { وَمِنْ ءاياته مَنَامُكُم باليل والنهار وابتغاؤكم مّن فَضْلِهِ } منامكم في الزمانين لاستراحة القوى النفسانية وتقوي القوى الطبيعية وطلب معاشكم فيهما ، أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين إشعاراً بأن كلاً من الزمانين وإن اختص بأحدهما فهو صالح للآخر عند الحاجة ، ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } سماع تفهم واستبصار فإن الحكمة فيه ظاهرة .\r{ وَمِنْ ءاياته يُرِيكُمُ البرق } مقدر بأن المصدرية كقوله :\rأَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضَر الوَغَى ... وَأَن أشْهَد اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخْلدِي\rأو الفعل فيه منزلة المصدر كقولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ، أو صفة لمحذوف تقديره آية يريكم بها البرق كقوله :\rفَمَا الدَّهْرُ إِلاَّ تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا ... أَمُوتُ وَأُخْرَى أَبْتَغِي العَيْشَ أَكْدَحُ\r{ خَوْفًا } من الصاعقة للمسافر . { وَطَمَعًا } في الغيث للمقيم ، ونصبهما على العلة لفعل يلزم المذكور فإن إراءتهم تستلزم رؤيتهم أوله على تقدير مضاف نحو إرادة خوف وطمع ، أو تأويل الخوف والطمع بالإِخافة والإِطماع كقولك فعلته رغماً للشيطان ، أو على الحال مثل كَلَّمْتُهُ شِفَاهاً . { وَيُنَزّلُ مِنَ السماء مَاءً } وقرىء بالتشديد . { فَيُحيِي بِهِ الأَرْضَ } بالنبات . { بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم في استنباط أسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته .\r{ وَمِنْ ءاياته أَن تَقُومَ السماء والأرض بِأَمْرِهِ } قيامهما بإقامته لهما وإرادته لقيامهما في حيزيها المعينين من غير مقيم محسوس ، والتعبير بالأمر للمبالغة في كمال القدرة والغنى عن الآلة . { ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مّنَ الأرض إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ } عطف على { أَن تَقُومَ } على تأويل مفرد كأنه قيل : ومن آياته قيام السموات والأرض بأمره ثم خروجكم من القبور { إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً } واحدة فيقول أيها الموتى اخرجوا ، والمراد تشبيه سرعة ترتب حصول ذلك على تعلق إرادته بلا توقف واحتياج إلى تجشم عمل بسرعة ترتب إجابة الداعي المطاع على دعائه ، وثم إما لتراخي زمانه أو لعظم ما فيه ومن الأرض متعلق بدعا كقولك : دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي لا بتخرجون لأن ما بعد إذا لا يعمل فيما قبلها ، و { إِذَا } الثانية للمفاجأة ولذلك نابت مناب الفاء في جواب الأولى .","part":4,"page":482},{"id":1983,"text":"{ وَلَهُمْ مَن فِى السموات والأرض كُلٌّ لَّهُ قانتون } منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عنه .\r{ وَهُوَ الذى يَبْدَؤُاْ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } بعد هلاكهم . { وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } والإِعادة أسهل عليه من الأصل بالإِضافة إلى قدركم والقياس على أصولكم وإلا فهما عليه سواء ولذلك قيل الهاء ل { الخلق } ، وقيل { أَهْوَنُ } بمعنى هين وتذكير هو لأهون أو لأن الإِعادة بمعنى أن يعيد . { وَلَهُ المثل } الوصف العجيب الشأن كالقدرة العامة والحكمة التامة ومن فسره بقول لا إله إلا الله أراد به الوصف بالوحدانية . { الأعلى } الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه . { فِي السموات والأرض } يصفه به ما فيها دلالة ونطقاً . { وَهُوَ العزيز } القادر الذي لا يعجز عن إبداء ممكن وإعادته . { الحكيم } الذي يجري الأفعال على مقتضى حكمته .\r{ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مّنْ أَنفُسِكُمْ } منتزعاً من أحوالها التي هي أقرب الأمور إليكم . { هَلْ لَّكُمْ مّن مَّا مَلَكَتْ أيمانكم } من مماليككم . { مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم } من الأموال وغيرها . { فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ } فتكونون أنتم وهم فيه شرعاً يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم وأنها معارة لكم ، و { مِنْ } الأولى للابتداء والثانية للتبعيض والثالثة مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي . { تَخَافُونَهُمْ } أن يستبدوا بتصرف فيه . { كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض . { كذلك } مثل ذلك التفصيل . { نُفَصّلُ الآيات } نبينها فإن التفصيل مما يكشف المعاني ويوضحها . { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولهم في تدبر الأمثال .\r{ بَلِ اتبع الذين ظَلَمُواْ } بالإِشراك . { أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } جاهلين لا يكفهم شيء فإن العالم إذا اتبع هواه ربما ردعه علمه . { فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ الله } فمن يقدر على هدايته . { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها .\r{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً } فقومه له غير ملتفت أو ملتفت عنه ، وهو تمثيل للإقبال والاستقامة عليه والاهتمام به . { فِطْرَتَ الله } خلقته نصب على الإِغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها . { التى فَطَرَ الناس عَلَيْهَا } خلقهم عليها وهي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه ، أو ملة الإِسلام فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها ، وقيل العهد المأخوذ من آدم وذريته . { لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله } لا يقدر أحد يغيره أو ما ينبغي أن يغير . { ذلك } إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة . { الدين القيم } المستقيم الذي لا عوج فيه . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } استقامته لعدم تدبرهم .\r{ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } راجعين إليه من أناب إذا رجع مرة بعد أخرى ، وقيل منقطعين إليه من الناب وهو حال من الضمير في الناصب المقدر لفطرة الله أو في أقم لأن الآية خطاب للرسول A والأمة لقوله : { واتقوه وَأَقِيمُواْ الصلاة وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ المشركين } غير أنها صدرت بخطاب الرسول A تعظيماً له .","part":4,"page":483},{"id":1984,"text":"{ مِنَ الذين فَرَّقُواْ دِينَهُمْ } بدل من المشركين وتفريقهم اختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم ، وقرأ حمزة والكسائي «فارقوا» بمعنى تركوا دينهم الذي أمروا به . { وَكَانُواْ شِيَعاً } فرقاً تشايع كل إمامها الذي أضل دينها . { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } مسرورون ظناً بأنه الحق ، ويجوز أن يجعل فرحون صفة كل على أن الخبر { مِنَ الذين فَرَّقُواْ } .\r{ وَإِذَا مَسَّ الناس ضُرٌّ } شدة . { دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } راجعين من دعاء غيره . { ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مّنْهُ رَحْمَةً } خلاصاً من تلك الشدة . { إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } فاجأ فريق منهم بالإِشراك بربهم الذي عافاهم .\r{ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } اللام فيه للعاقبة وقيل للأمر بمعنى التهديد لقوله : { فَتَمَتَّعُواْ } غير أنه التفت فيه مبالغة وقرىء و «ليتمتعوا» . { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبة تمتعكم ، وقرىء بالياء التحتية على أن تمتعوا ماض .\r{ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } حجة وقيل ذا سلطان أي ملكاً معه برهان . { فَهُوَ يَتَكَلَّمُ } تكلم دلالة كقوله { كتابنا يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق } أو نطق . { بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } بإشراكهم وصحته ، أو بالأمر الذي بسببه يشركون به في ألوهيته .\r{ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } نعمة من صحة وسعة . { فَرِحُواْ بِهَا } بطروا بسببها . { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } شدة . { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } بشؤم معاصيهم . { إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ } فاجؤوا القنوط من رحمته وقرأ الكسائي وأبو عمرو بكسر النون .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } فما لهم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } فيستدلون بها على كمال القدرة والحكمة .","part":4,"page":484},{"id":1985,"text":"{ فَئَاتِ ذَا القربى حَقَّهُ } كصلة الرحم ، واحتج به الحنفية على وجوب النفقة للمحارم وهو غير مشعر به . { والمساكين وابن السبيل } ما وظف لهما من الزكاة ، والخطاب لرسول الله A أو لمن بسط له ولذلك رتب على ما قبله بالفاء . { ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله } ذاته أو جهته أي يقصدون بمعروفهم إياه خالصاً ، أو جهة التقرب إليه لا جهة أخرى . { وأولئك هُمُ المفلحون } حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم .\r{ وَمَا ءَاتَيْتُمْ مّن رِباً } زيادة محرمة في المعاملة أو عطية يتوقع بها مزيد مكافأة ، وقرأ ابن كثير بالقصر بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا . { لّيَرْبُوَاْ فِى أَمْوَالِ الناس } ليزيد ويزكو في أموالهم . { فَلاَ يَرْبُواْ عَندَ الله } فلا يزكو عنده ولا يبارك فيه ، وقرأ نافع ويعقوب «لتربوا» أي لتزيدوا أو لتصيروا ذوي ربا . { وَمَآ ءَاتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ } تبتغون به وجهه خالصاً { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون } ذوو الأضعاف من الثواب ونظير المضعف المقوي والموسر لذي القوة واليسار ، أو الذين ضعفوا ثوابهم وأموالهم ببركة الزكاة ، وقرىء بفتح العين وتغييره عن سنن المقابلة عبارة ونظماً للمبالغة ، والالتفات فيه للتعظيم كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفاً لحالهم ، أو للتعميم كأنه قال : فمن فعل ذلك { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المضعفون } ، والراجع منه محذوف إن جعلت ما موصولة تقديره المضعفون به ، أو فَمُؤْتُوه أولئك هم المضعفون .\r{ الله الذى خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } أثبت له لوازم الألوهية ونفاها رأساً عما اتخذوه شركاء له من الأصنام وغيرها مؤكداً بالإنكار على ما دل عليه البرهان والعيان ووقع عليه الوفاق ، ثم استنتج من ذلك تقدسه عن أن يكون له شركاء فقال : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ويجوز أن تكون الكلمة الموصولة صفة والخبر { هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } والرابط { مّن ذلكم } لأنه بمعنى من أفعاله ، و { مِنْ } الأولى والثانية تفيد أن شيوع الحكم في جنس الشركاء والأفعال والثالثة مزيدة لتعميم المنفي وكل منها مستقلة بتأكيد لتعجيز الشركاء ، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء .\r{ ظَهَرَ الفساد فِى البر والبحر } كالجدب والموتان وكثرة الحرق والغرق وإخفاق الغاصة ومحق البركات وكثرة المضار ، أو الضلالة والظلم . وقيل المراد بالبحر قرى السواحل وقرىء و «البحور» . { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى الناس } بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه ، وقيل ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه وفي البحر بأن جلندا ملك عمان كان يأخذ كل سفينة غصباً . { لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذى عَمِلُواْ } بعض جزائه فإن تمامه في الآخرة واللام للعلة أو العاقبة . وعن ابن كثير ويعقوب «لّنُذِيقَهُمْ» بالنون .","part":4,"page":485},{"id":1986,"text":"{ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عما هم عليه .\r{ قُلْ سِيرُواْ فِى الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلُ } لتشاهدوا مصداق ذلك وتحققوا صدقه . { كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ } استئناف للدلالة على أن سوء عاقبتهم كان لفشو الشرك وغلبته فيهم ، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم .\r{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينَ القيم } البليغ الاستقامة . { مِن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ } لا يقدر أن يرده أحد ، وقوله : { مِنَ الله } متعلق ب { يَأْتِىَ } ، ويجوز أن يتعلق ب { مَرَدْ } لأنه مصدر على معنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه . { يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ } يتصدعون أي يتفرقون { فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير } كما قال\r{ مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } أي وباله وهو النار المؤبدة . { وَمَنْ عَمِلَ صالحا فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ } يسوون منزلاً في الجنة ، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص .\r{ لِيَجْزِىَ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ } علة ل { يَمْهَدُونَ } أو ل { يَصَّدَّعُونَ } ، والاقتصار على جزاء المؤمنين للإِشعار بأنه المقصود بالذات والاكتفاء على فحوى قوله : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الكافرين } فإن فيه إثبات البغض لهم والمحبة للمؤمنين ، وتأكيد اختصاص الصلاح المفهوم من ترك ضميرهم إلى التصريح بهم تعليل له ومن فضله دال على أن الإِثابة تفضل محض ، وتأويله بالعطاء أو الزيادة على الثواب عدول عن الظاهر .\r{ وَمِنْ ءاياته أَن يُرْسِلَ الرياح } الشمال والصبا والجنوب فإنها رياح الرحمة وأما الدبور فريح العذاب ، ومنه قوله E \" اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً \" وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «الريح» على إرادة الجنس . { مبشرات } بالمطر . { وَلِيُذِيقَكُمْ مّن رَّحْمَتِهِ } يعني المنافع التابعة لها ، وقيل الخصب التابع لنزول المطر المسبب عنها أو الروح الذي هو مع هبوبها والعطف على علة محذوفة دل عليها { مبشرات } أو عليها باعتبار المعنى ، أو على { يُرْسِلُ } بإضمار فعل معلل دل عليه . { وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } يعني تجارة البحر . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولتشكروا نعمة الله تعالى فيها .","part":4,"page":486},{"id":1987,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُم بالبينات فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ } بالتدمير . { وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين } إشعار بأن الانتقام لهم وإظهار لكرامتهم حيث جعلهم مستحقين على الله أن ينصرهم ، وعنه E « ما من امرىء مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم ثم تلا ذلك » وقد يوقف على { حَقّاً } على أنه متعلق بالانتقام .\r{ الله الذى يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ } متصلاً تارة . { فِى السماء } في سمتها . { كَيْفَ يَشَاءُ } سائراً أو واقفاً مطبقاً وغير مطبق من جانب دون جانب إلى غير ذلك . { وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً } قطعاً تارة أخرى ، وقرأ ابن عامر بالسكون على أنه مخفف أو جمع كسفة أو مصدر وصف به . { فَتَرَى الودق } المطر . { يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } في التارتين . { فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } يعني بلادهم وأراضيهم . { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } لمجيء الخصب .\r{ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } المطر . { مِن قَبْلِهِ } تكرير للتأكيد والدلالة على تطاول عهدهم بالمطر واستحكام يأسهم ، وقيل الضمير للمطر أو السحاب أو الإِرسال . { لَمُبْلِسِينَ } لآيسين .\r{ فانظر إلى أَثَرِ رَحْمَتَ الله } أثر الغيث من النبات والأشجار وأنواع الثمار ولذلك جمعه ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص . { كَيْفَ يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } وقرىء بالتاء على إسناده إلى ضمير الرحمة . { إِنَّ ذلك } يعني إن الذي قدر على إحياء الأرض بعد موتها . { لَمُحْيِي الْمَوْتَى } لقادر على إحيائهم فإنه إحداث لمثل ما كان في مواد أبدانهم من القوى الحيوانية ، كما أن إحياء الأرض إحداث لمثل ما كان فيها من القوى النباتية ، هذا ومن المحتمل أن يكون من الكائنات الراهنة ما يكون من مواد تفتت وتبددت من جنسها في بعض الأعوام السالفة . { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } لأن نسبة قدرته إلى جميع الممكنات على سواء .\r{ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً } فرأوا الأثر أو الزرع فإنه مدلول عليه بما تقدم ، وقيل السحاب لأنه إذا كان { مُصْفَرّاً } لم يمطر واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط وقوله : { لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ } جواب سد مسد الجزاء ولذلك فسر بالاستقبال . وهذه الآية ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم وسوء رأيهم ، فإن النظر السوي يقتضي أن يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولا ييأسوا من رحمته ، وأن يبادروا إلى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا أصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وأن يصبروا على بلائه إذا ضرب زرعهم بالاصفرار ولا يكفروا نعمه .\r{ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى } وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم .","part":4,"page":487},{"id":1988,"text":"{ وَلاَ تُسْمِعُ الصم الدعاء إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ } قيد الحكم به ليكون أشد استحالة ، فإن الأصم المقبل وإن لم يسمع الكلام يفطن منه بواسطة الحركات شيئاً ، وقرأ ابن كثير بالياء مفتوحة ورفع «الصم» .\r{ وَمَا أَنتَ بِهَادِ العمى عَن ضلالتهم } سماهم عمياً لفقدهم المقصود الحقيقي من الأبصار أو لعمى قلوبهم ، وقرأ حمزة وحده «تهدي العمي» . { إِنْ تُسْمِع إِلاَّ مَن يُؤْمِن بِآيَاتِنَا } فإن إيمانهم يدعوهم إلى تلقي اللفظ وتدبر المعنى ، ويجوز أن يراد بالمؤمن المشارف للإِيمان . { فَهُم مُّسْلِمُونَ } لما تأمرهم به .\r{ الله الذى خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } أي ابتدأكم ضعفاء وجعل الضعف أساس أمركم كقوله { خَلَقَ الإنسان ضَعِيفاً } أو خلقكم من أصل ضعيف وهو النطفة . { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً } وذلك إذا بلغتم الحلم أو تعلق بأبدانكم الروح . { ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً } إذا أخذ منكم السن ، وفتح عاصم وحمزة الضاد في جميعها والضم أقوى لقول ابن عمر Bهما : قرأتها على رسول الله A \" من ضعف فأقرأني من ضُعف \" وهما لغتان كالفقر والفُقر والتنكير مع التكرير لأن المتأخر ليس عين المتقدم . { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } من ضعف وقوة وشبيبة وشيبة . { وَهُوَ العليم القدير } فإن الترديد في الأحوال المختلفة مع إمكان غيره دليل العلم والقدرة .\r{ وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } القيامة سميت بها لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا ، أو لأنها تقع بغتة وصارت علماً بها بالغلبة كالكوكب للزهرة . { يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ } في الدنيا أو في القبور أو فيما بين فناء الدنيا والبعث وانقطاع عذابهم ، وفي الحديث \" ما بين فناء الدنيا والبعث أربعون \" وهو محتمل الساعات والأيام والأعوام . { غَيْرَ سَاعَةٍ } استقلوا مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسياناً . { كذلك } مثل ذلك الصرف عن الصدق والتحقيق . { كَانُواْ يُؤْفَكُونَ } يصرفون في الدنيا .\r{ وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان } من الملائكة والإِنسَ . { لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِى كتاب الله } في علمه أو قضائه ، أو ما كتبه لكم أي أوجبه أو اللوح أو القرآن وهو قوله : { وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } . { إلى يَوْمِ البعث } ردوا بذلك ما قالوه وحلفوا عليه . { فهذا يَوْمُ البعث } الذي أنكرتموه . { ولكنكم كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ } أنه حق لتفريطكم في النظر ، والفاء لجواب شرط محذوف تقديره : إن كنتم منكرين البعث فهذا يومه ، أي فقد تبين بطلان إنكاركم .\r{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ تنفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ } وقرأ الكوفيون بالياء لأن المعذرة بمعنى العذر ، أو لأن تأنيثها غير حقيقي وقد فصل بينهما . { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يدعون إلى ما يقتضي إعتابهم أي إزالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته .","part":4,"page":488},{"id":1989,"text":"{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلِّ مَثَلٍ } ولقد وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال ، مثل صفة المبعوثين يوم القيامة فيما يقولون وما يقال لهم وما لا يكون من الانتفاع بالمعذرة والاستعتاب ، أو بينا لهم من كل مثل ينبههم على التوحيد والبعث وصدق الرسول . { وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِئَايَةٍ } من آيات القرآن . { لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ } من فرط عنادهم وقساوة قلوبهم . { إِنْ أَنتُمْ } يعنون الرسول والمؤمنين . { إِلاَّ مُبْطِلُونَ } مزورون .\r{ كذلك } مثل ذلك الطبع . { يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } لا يطلبون العلم ويصرون على خرافات اعتقدوها فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق ويوجب تكذيب المحق .\r{ فاصبر } على أذاهم . { إِنَّ وَعْدَ الله } بنصرتك وإظهار دينك على الدين كله . { حَقّ } لا بد من إنجازه . { وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ } ولا يحملنك على الخفة والقلق . { الذين لاَ يُوقِنُونَ } بتكذيبهم وإيذائهم فإنهم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك . وعن يعقوب بتخفيف النون ، وقرىء «ولا يستحقنك» أي لا يزيغنك فيكونوا أحق بك مع المؤمنين . عن رسول الله A \" من قرأ سورة الروم كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيع في يومه وليلته \"","part":4,"page":489},{"id":1990,"text":"مكية\rإلا آية وهي { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة } فإن وجوبهما بالمدنية وهو\rضعيف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة وقيل إلا ثلاثاً من قوله { ولو أن ما في الأرض من\rشجرة أقلام } وهي أربع وثلاثون آية ، وقيل ثلاث وثلاثون\r{ بسم الله الرحمن الرحيم }\r{ الم تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } سبق بيانه في «يونس» .\r{ هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ } حالان من الآيات والعامل فيهما معنى الإِشارة ، ورفعهما حمزة على الخبر بعد الخبر أو الخبر لمحذوف .\r{ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ } بيان لإِحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها وتكرير الضمير للتوكيد ولما حيل بينه وبين خبره .\r{ أولئك على هُدًى مّن رَّبّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون } لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح .\r{ وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الحديث } ما يلهي عما يعني كالأحاديث التي لا أصل لها والأساطير التي لا اعتبار بها والمضاحك وفضول الكلام ، والإِضافة بمعنى من وهي تبينية إن أراد بالحديث المنكر وتبعيضية إن أراد به الأعم منه . وقيل نزلت في النضر بن الحارث اشترى كتب الأعاجم وكان يحدث بها قريشاً ويقول : إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود فأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة . وقيل كان يشتري القيان ويحملهن على معاشرة من أراد الإِسلام ومنعه عنه . { لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله } دينه أو قراءة كتابه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء بمعنى ليثبت على ضلاله ويزيد فيه . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } بحال ما يشتريه أو بالتجارة حيث استبدل اللهو بقراءة القرآن . { وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً } ويتخذ السبيل سخرية ، وقد نصبه حمزة والكسائي ويعقوب وحفص عطفاً على { لِيُضِلَّ } . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } لإِهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا ولى مُسْتَكْبِراً } متكبراً لا يعبأ بها . { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } مشابهاً حاله حال من لم يسمعها . { كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْراً } مشابهاً من في أذنيه ثقل لا يقدر أن يسمع ، والأولى حال من المستكن في { وَلِىُّ } أو في { مُسْتَكْبِراً } ، والثانية بدل منها أو حال من المستكن في { لَّمْ يَسْمَعْهَا } ويجوز أن يكونا استئنافين ، وقرأ نافع { فِى أُذُنَيْهِ } . { فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } أعلمه بأن العذاب يحيق به لا محالة وذكر البشارة على التهكم .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات النعيم } أي لهم نعيم الجنات فعكس للمبالغة .\r{ خالدين فِيهَا } حال من الضمير في { لَهُمْ } أو من { جنات النعيم } والعامل ما تعلق به اللام . { وَعْدَ الله حَقّا } مصدران مؤكدان الأول لنفسه والثاني لغيره لأن قوله { لَهُمْ جنات } وعد وليس كل وعد حقاً . { وَهُوَ العزيز } . الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده ووعيده .","part":4,"page":490},{"id":1991,"text":"{ الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته .\r{ خَلقَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } قد سبق في «الرعد» . { وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } جبالاً شوامخ . { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهة أن تميد بكم ، فإن تشابه أجزائها يقتضي تبدل أحيازها وأوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشيء من لوازمه بحيز ووضع معينين . { وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ } من كل صنف كثير المنفعة وكأنه استدل بذلك على عزته التي هي كمال القدرة ، وحكمته التي هي كمال العلم ، ومهد به قاعدة التوحيد وقررها بقوله :\r{ هذا خَلْقُ الله فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ } هذا الذي ذكر مخلوقه فماذا خلق آلهتكم حتى استحقوا مشاركته ، و { مَاذَا } نصب ب { خلقَ } أو ما مرتفع بالابتداء وخبره ذا بصلته { فَأَرُونِى } معلق عنه . { بَلِ الظالمون فِى ضلال مُّبِينٍ } إضراب عن تبكيتهم إلى التسجيل عليهم بالضلال الذي لا يخفى على ناظر ، ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنهم ظالمون بإشراكهم .","part":4,"page":491},{"id":1992,"text":"{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة } يعني لقمان بن باعوراء من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته ، وعاش حتى أدرك داود E وأخذ منه العلم وكان يفتي قبل مبعثه ، والجمهور على أنه كان حكيماً ولم يكن نبياً . والحكمة في عرف العلماء : استكمال النفس الإِنسانية باقتباس العلوم النظرية ، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها . ومن حكمته أنه صحب داود شهوراً وكان يسرد الدرع فلم يسأله عنها فلما أتمها لبسها وقال : نعم لبوس الحرب أنت فقال : الصمت حكم وقليل فاعله ، وأن داود عليه السلام قال له يوماً كيف أصبحت فقال أصبحت في يدي غيري ، فتفكر داود فيه فصعق صعقة . وأنه أمره بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ، ثم بعد أيام أمره بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتى بهما أيضاً فسأله عن ذلك فقال : هما أطيب شيء إذا طابا وأخبث شيء إذا خبثا . { أَنِ اشكر للَّهِ } لأن أشكر أو أي أشكر فإن إيتاء الحكمة في معنى القول . { وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ } لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها . { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ } لا يحتاج إلى الشكر . { حَمِيدٌ } حقيق بالحمد وإن لم يحمد ، أو محمود ينطق بحمده جميع مخلوقاته بلسان الحال .\r{ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ } أنعم أو أشكم أو ما ثان . { وَهُوَ يَعِظُهُ يابنى } تصغير إشفاق ، وقرأ ابن كثير هنا وفي { يابنى أَقِمِ الصلاة } بإسكان الياء ، وحفص فيهما وفي { يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ } بفتح الياء ومثله البزي في الأخير وقرأ الباقون في الثلاثة بكسر الياء . { لاَ تُشْرِكْ بالله } قيل كان كافراً فلم يزل به حتى أسلم ، ومن وقف على { لاَ تُشْرِكْ } جعل بالله قسماً . { إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } لأنه تسوية بين من لا نعمة إلا منه ومن لا نعمة منه .\r{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً } ذات وهن أو تهن وهنا { على وَهْنٍ } أي تضعف ضعفاً فوق ضعف فإنها لا تزال يتضاعف ضعفها والجملة في موضع الحال ، وقرىء بالتحريك يقال وهن يهن وهنا ووهن يوهن وهنا . { وَفِصَالُهُ فِى عَامَيْنِ } وفطامه في انقضاء عامين وكانت ترضعه في تلك المدة ، وقرىء «وفصله في عامين» وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان . { أَنِ اشكر لِى ولوالديك } تفسير ل { وَصَّيْنَا } أو علة له أو بدل من والديه بدل الاشتمال ، وذكر الحمل والفصال في البين اعتراض مؤكد للتوصية في حقها خصوصاً ومن ثم قال E لمن قال مَنْ أُبِرّ \" أمك ثم أمك ثم أمك ثم قال بعد ذلك أباك \"","part":4,"page":492},{"id":1993,"text":"{ إِلَىَّ المصير } فأحاسبك على شكرك وكفرك .\r{ وَإِن جاهداك على أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } باستحقاقه الإِشراك تقليداً لهما ، وقيل أراد بنفي العلم به نفيه . { فَلاَ تُطِعْهُمَا } في ذلك . { وصاحبهما فِى الدنيا مَعْرُوفاً } صحاباً معروفاً يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم . { واتبع } في الدين { سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَىَّ } بالتوحيد والإِخلاص في الطاعة . { ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ } مرجعك ومرجعهما . { فَأُنَبِئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بأن أجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما ، والآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيداً لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال : وقد وصينا بمثل ما وصى به ، وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فإنهما مع أنهما تلو الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز أن يستحقاه في الإِشراك فما ظنك بغيرهما ( روي ) نزولهما في سعد بن أبي وقاص وأمه مكثت لإسلامه ثلاثاً لم تطعم فيها شيئاً ، ولذلك قيل من أناب إليه أبو بكر Bه فإنه أسلم بدعوته .\r{ يابنى إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ } أي أن الخصلة من الإِحسان أو الإِساءة إن تك مثلاً في الصغر كحبة الخردل . ورفع نافع { مِثْقَالَ } على أن الهاء ضمير القصة وكان تامة وتأنيثها لإِضافة المثقال إلى الحبة كقول الشاعر :\rكما شرقت صدر القناة من الدم ... أو لأن المراد به الحسنة أو السيئة . { فَتَكُنْ فِى صَخْرَةٍ أَوْ فِى السموات أَوْ فِى الأرض } في أخفى مكان وأحرزه كجوف صخرة أو أعلاه كمحدب السموات أو أسفله كمقعر الأرض . وقرىء بكسر الكاف من وكن الطائر إذا استقر في وكنته . { يَأْتِ بِهَا الله } يحضرها فيحاسب عليها . { إِنَّ الله لَطِيفٌ } يصل علمه إلى كل خفي . { خَبِيرٌ } عالم بكنهه .\r{ يابنى أَقِمِ الصلاة } تكميلاً لنفسك . { وَأْمُرْ بالمعروف وانه عَنِ المنكر } تكِميلاً لغيرك . { واصبر على مَا أَصَابَكَ } من الشدائد سيما في ذلك . { إِنَّ ذلك } إشارة إلى الصبر أو إلى كل ما أمر به . { مِنْ عَزْمِ الأمور } مما عزمه الله من الأمور أي قطعه قطع إيجاب مصدر أطلق للمفعول ، ويجوز أن يكون بمعنى الفاعل من قوله { فَإِذَا عَزَمَ الأمر } أي جد .\r{ وَلاَ تُصَعّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ } لا تمله عنهم ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعله المتكبرون من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه . وقرأ نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي «وَلاَ تصاعر» ، وقرىء «وَلاَ تُصَعّرْ» والكل واحد مثل علاه وأعلاه وعالاه . { وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض مَرَحًا } أي فرحاً مصدر وقع موقع الحال أي تمرح مرحاً أو لأجل المرح وهو البطر . { إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } علة للنهي وتأخير ال { فَخُورٌ } وهو مقابل للمصعر خده والمختال للماشي مرحاً لتوافق رؤوس الآي .\r{ واقصد فِى مَشْيِكَ } توسط فيه بين الدبيب والإِسراع . وعنه E : \" سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن \" ، وقول عائشة في عمر Bهما كان إذا مشى أسرع فالمراد ما فوق دبيب المتماوت ، وقرىء بقطع الهمزة من أقصد الرامي إذا سدد سهمه نحو الرمية . { واغضض مِن صَوْتِكَ } وانقص منه واقصر . { إِنَّ أَنكَرَ الأصوات } أوحشها . { لَصَوْتُ الحمير } والحمار مثل في الذم سيما نهاقه ولذلك يكنى عنه فيقال طويل الأذنين ، وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ثم إخراجه مخرج الإِستعارة مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لأن المراد تفضيل الجنس في النكير دون الآحاد أو لأنه مصدر في الأصل .","part":4,"page":493},{"id":1994,"text":"{ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات } بأن جعله أسباباً محصلة لمنافعكم . { وَمَا فِى الأرض } بأن مكنكم من الإِنتفاع به بوسط أو غير وسط { وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً } محسوسة ومعقولة ما تعرفونه وما لا تعرفونه وقد مر شرح النعمة وتفصيلها في الفاتحة ، وقرىء «وأصبغ» بالإبدال وهو جار في كل سين اجتمع من الغين أو الخاء أو القاف كصلخ وصقر ، وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص «نِعَمَهُ» بالجمع والإِضافة . { وَمِنَ الناس مَن يجادل فِى الله } في توحيده وصفاته . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } مستفاد من دليل . { وَلاَ هُدًى } راجع إلى رسول . { وَلاَ كتاب مُّنِيرٍ } أنزله الله بل بالتقليد كما قال :\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } وهو منع صريح من التقليد في الأصول . { أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ } يحتمل أن يكون الضمير { لَهُمْ } ولآبائهم . { إلى عَذَابِ السعير } إلى ما يؤول إليه من التقليد أو الإِشراك وجواب محذوف مثل لاتبعوه ، والإِستفهام للإنكار والتعجب .\r{ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله } بأن فوض أمره إليه وأقبل بشراشره عليه من أسلمت المتاع إلى الزبون ، ويؤيده القراءة بالتشديد وحيث عدى باللام فلتضمن معنى الإخلاص . { وَهُوَ مُحْسِنٌ } في عمله . { فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى } تعلق بأوثق ما يتعلق به ، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يترقى إلى شاهق جبل فتمسك بأوثق عرى الحبل المتدلي منه . { وإلى الله عاقبة الأمور } إذ الكل صائر إليه .\r{ وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ } فإنه لا يضرك في الدنيا والآخرة ، وقرىء { فَلاَ يَحْزُنكَ } من أحزن وليس بمستفيض . { إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } في الدارين . { فَنُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ } بالإِهلاك والتعذيب . { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فمجازٍ عليه فضلاً عما في الظاهر .\r{ نُمَتّعُهُمْ قَلِيلاً } تمتيعاً أو زماناً قليلاً فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل . { ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إلى عَذَابٍ غَلِيظٍ } يثقل عليهم ثقل الأجرام الغلاظ أو يضم إلى الإِحراق الضغط .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذاعته . { قُلِ الحمد لِلَّهِ } على إلزامهم والجائهم إلى الإِعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك يلزمهم .\r{ للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } لا يستحق العبادة فيهما غيره { إِنَّ الله هُوَ الغنى } عن حمد الحامدين . { الحميد } المستحق للحمد وإن لم يحمد .\r{ وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } ولو ثبت كون الأشجار أقلاماً ، وتوحيد { شَجَرَةٍ } لأن المراد تفصيل الآحاد . { والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ } والبحر المحيط بسعته مداداً ممدوداً بسبعة أبحر ، فأغنى عن ذكر المداد بمده لأنه من مد الدواة وأمدها ، ورفعه للعطف على محل أن ومعموليها وبمده حال أو للابتداء على أنه مستأنف أو الواو للحال ، ونصبه البصريان بالعطف على اسم { أَن } أو إضمار فعل يفسره { يَمُدُّهُ } ، وقرىء «تمده» «ويمده» بالياء والتاء .","part":4,"page":494},{"id":1995,"text":"{ مَّا نَفِدَتْ كلمات الله } بكتبها بتلك الأقلام بذلك المداد وإيثار جمع القلة للإشعار بأن ذلك لا يفي بالقليل فكيف بالكثير . { أَنَّ الله عَزِيزٌ } لا يعجزه شيء . { حَكِيمٌ } لا يخرج عن علمه وحكمته أمر ، والآية جواب لليهود سألوا رسول الله A أو أمروا وفد قريش أن يسألوه عن قوله تعالى : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } وقد أنزل التوراة وفيها علم كل شيء .\r{ مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } إلا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن لأنه يكفي لوجود الكل تعلق إرادته الواجبة مع قدرته الذاتية كما قال { إِنَّمَا أَمْرُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } { إِنَّ الله سَمِيعٌ } يسمع كل مسموع { بَصِيرٌ } يبصر كل مبصر لا يشغله إدراك بعضها عن بعض فكذلك الحق .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى } كل من النيرين يجري في فلكه . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } إلى منتهى معلوم الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر . وقيل إلى يوم القيامة والفرق بينه وبين قوله { لأَجَلٍ مُّسَمًّى } أن ال { أَجَلٌ } ها هنا منتهى الجري وثمة غرضه حقيقة أو مجازاً وكلا المعنيين حاصل في الغايات . { وَأَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بكنهه .\r{ ذلك } إشارة إلى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري بها . { بِأَنَّ الله هُوَ الحق } بسبب أنه الثابت في ذاته الواجب من جميع جهاته ، أو الثابت إلهيته . { وَأَنَّ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِهِ الباطل } المعدوم في حد ذاته لأنه لا يوجد ولا يتصف إلا بجعله أو الباطل إلهيته ، وقرأ البصريان والكوفيون غير أبي بكر بالياء . { وَأَنَّ الله هُوَ العلى الكبير } مترفع على كل شيء ومتسلط عليه .","part":4,"page":495},{"id":1996,"text":"{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِى فِى البحر بِنِعْمَةِ الله } بإحسانه في تهيئة أسبابه وهو استشهاد آخر على باهر قدرته وكمال حكمه وشمول إنعامه والباء للصلة أو الحال ، وقرىء { الفلك } بالتثقيل و «بنعمات الله» بسكون العين ، وقد جوز في مثله الكسر والفتح والسكون . { لِيُرِيَكُمْ مّنْ ءاياته } دلائله . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ } على المشاق فيتعب نفسه بالتفكر في الأفاق والأنفس . { شَكُورٍ } يعرف النعم ويتعرف مانحها ، أو للمؤمنين فإن الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر .\r{ وَإِذَا غَشِيَهُمْ } علاهم وغطاهم . { مَّوْجٌ كالظلل } كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما ، وقرىء كالظلال جمع ظلة كقلة وقلال . د { دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد . { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } مقيم على الطريق القصد الذي هو التوحيد ، أو متوسط في الكفر لانزجاره بعض الانزجار . { وَمَا يَجْحَدُ بئاياتنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ } غدار فإنه نقض للعهد الفطري ، أو لما كان في البحر والختر أشد الغدر . { كَفُورٌ } للنعم .\r{ ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ } لاَ يقضي عنه ، وقرىء «لا يجزىء» من أجزأ إذا أغنى والراجع إلى الموصوف محذوف أي لا يجزى فيه . { وَلاَ مَوْلُودٌ } عطف على { وَالِدٌ } أو مبتدأ خبره . { هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً } وتغيير النظم للدلالة على أن المولود أولى بأن لا يجزي ، وقطع طمع من توقع من المؤمنين أن ينفع أباه الكافر في الآخرة . { إِنَّ وَعْدَ الله } بالثواب والعقاب . { حَقّ } لا يمكن خلفه . { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } الشيطان بأن يرجيكم التوبة والمغفرة فيجسركم على المعاصي .\r{ إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة } علم وقت قيامها . لما روي أن الحرث بن عمرو أتى رسول الله A فقال : متى قيام الساعة؟ وإني قد ألقيت حباتي في الأرض فمتى السماء تمطر؟ وحمل امرأتي أذكر أم أنثى؟ وما أعمل غداً وأين أموت؟ فنزلت . وعنه E \" مفاتح الغيب خمس \" وتلا هذه الآية . { وَيُنَزّلُ الغيث } في إبانه المقدر له والمحل المعين له في علمه ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد . { وَيَعْلَمُ مَا فِى الأرحام } أذكر أم أنثى أتام أم ناقص . { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً } من خير أو شر وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه . { وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىّ أَرْضٍ تَمُوتُ } كما لا تدري في أي وقت تموت . روي أن ملك الموت مر على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظم إليه ، فقال الرجل من هذا؟ قال : ملك الموت فقال كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك : كان دوام نظري إليه تعجباً منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك» ، وإنما جعل العلم لله تعالى والدراية للعبد لأن فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين ، ويدل على أنه إن أعمل حيلة وأنفذ فيها وسعه لم يعرف ما هو الحق به من كسبه وعاقبته فكيف بغيره مما لم ينصب له دليل عليه ، وقرىء «بأية أرض» وشبه سيبويه تأنيثها بتأنيث كل في { كُلُّهُنَّ } .","part":4,"page":496},{"id":1997,"text":"{ إِنَّ الله عَلِيمٌ } يعلم الأشياء كلها . { خَبِيرٌ } يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها .\rوعنه E « من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً يوم القيامة ، وأعطي من الحسنات عشراً عشراً بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر » .","part":4,"page":497},{"id":1998,"text":"مكية وآيها ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الم } إن جعل اسماً للسورة أو القرآن فمبتدأ خبره :\r{ تَنزِيلُ الكتاب } على أن التنزيل بمعنى المنزل ، وإن جعل تعديداً للحروف كان { تَنزِيلَ } خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره : { لاَ رَيْبَ فِيهِ } فيكون . { مِن رَّبّ العالمين } حالاً من الضمير في { فِيهِ } لأن المصدر لا يعمل فيما بعد الخبر ، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً ولا { رَيْبَ فِيهِ } حال من { الكتاب } ، أو اعتراض والضمير فيه لمضمون الجملة ويؤيده قوله :\r{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } فإنه إنكار لكونه من رب العالمين وقوله : { بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبّكَ } فإنه تقرير له ، ونظم الكلام على هذا أنه أشار أولاً إلى إعجازه ، ثم رتب عليه أن تنزيله من رب العالمين ، وقرر ذلك بنفي الريب عنه ، ثم أضرب عن ذلك إلى ما يقولون فيه على خلاف ذلك إنكاراً له وتعجيباً منه ، فإن { أَمْ } منقطعة ثم أضرب عنه إلى إثبات أنه الحق المنزل من الله وبين المقصود من تنزيله فقال : { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أتاهم مّن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ } إذا كانوا أهل الفترة . { لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } بإنذارك إياهم .\r{ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } مر بيانه في «الأعراف» . { مَا لَكُمْ مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ } { مَا لَكُمْ } إذا جاوزتم رضا الله أحد ينصركم ويشفع لكم ، أو { مَا لَكُمْ } سواه ولي ولا شفيع بل هو الذي يتولى مصالحكم وينصركم في مواطن نصركم على أن الشفيع متجوز به للناصر ، فإذا خذلكم لم يبق لكم ولي ولا ناصر . { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } بمواعظ الله تعالى .\r{ يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السماء إِلَى الأرض } يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها نازلة آثارها إلى الأرض . { ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ } ثم يصعد إليه ويثبت في علمه موجوداً . { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ } في برهة من الزمان متطاولة يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع . وقيل يدبر الأمر بإظهاره في اللوح فينزل به الملك ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة ، لأن مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة فإن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة . وقيل يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملك ثم يعرج بعد الألف لألف آخر . وقيل يدبر الأمر إلى قيام الساعة ثم يعرج إليه الأمر كله يوم القيامة . وقيل يدبر المأمور به من الطاعات منزلاً من السماء إلى الأرض بالوحي ، ثم لا يعرج إليه خالصاً كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص ، وقرىء «يَعْرُجُ» و «يَعْدُونَ» .","part":4,"page":498},{"id":1999,"text":"{ ذلك عَالِمُ الغيب والشهادة } فيدبر أمرهما على وفق الحكمة . { العزيز } الغالب على أمره . { الرحيم } على العباد في تدبيره ، وفيه إيماء بأنه سبحانه يراعي المصالح تفضلاً وإحساناً .\r{ الذى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ } خلقة موفراً عليه ما يستعد له ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة ، وخلقه بدل من كل بدل الاشتمال وقل علم كيف يخلقه من قولهم قيمة المرء ما يحسنه أي يحسن معرفته ، و { خَلَقَهُ } مفعول ثان . وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل وعلى الثاني بمتصل . { وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان } يعني آدم . { مِن طِينٍ } .\r{ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ } ذريته سميت بذلك لأنها تنسل منه أي تنفصل . { مِن سُلاَلَةٍ مّن مَّاءٍ مَّهِينٍ } ممتهن .\r{ ثُمَّ سَوَّاهُ } قَوَّمَّهُ بتصوير أعضائه على ما ينبغي . { وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ } إضافة إلى نفسه تشريفاً له وإشعاراً بأنه خلق عجيب ، وأن له شأناً له مناسبة ما إلى الحضرة الربوبية ولأجله قيل من عرف نفسه فقد عرف ربه . { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } خصوصاً لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تشكرون شكراً قليلاً .\r{ وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِى الأرض } أي صرنا تراباً مخلوط بتراب الأرض لا نتميز منه ، أو غبنا فيها . وقرأ «ضَلَلْنَا» بالكسر من ضل يضل «وصللَنا } من صل اللحم إذا أنتن ، وقرأ ابن عامر «إذا» على الخبر والعامل فيه ما دل عليه . { أَئِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وهو : نبعث أو يجدد خلقنا . وقرأ نافع والكسائي ويعقوب «أنا» على الخبر ، والقائل أبي بن خلف وإسناده إلى جميعهم لرضاهم به . { بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ } بالبعث أو بتلقي ملك الموت وما بعده . { كافرون } جاحدون .","part":4,"page":499},{"id":2000,"text":"{ قُلْ يتوفاكم } يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئاً ولا يبقي منكم أحداً ، والتفعل والإِستفعال يلتقيان كثيراً كتقصيته واستقصيته وتعجلته واستعجلته . { مَّلَكُ الموت الذى وُكّلَ بِكُمْ } بقبض أرواحكم وإحصاء آجالكم . { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } للحساب والجزاء .\r{ وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبّهِمْ } من الحياء والخزي . { رَبَّنَا } قائلين ربنا . { أبصارنا } ما وعدتنا . { وَسَمِعْنَا } منك تصديق رسلك . { فارجعنا } إلى الدنيا . { نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ } إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا ، وجواب { لَوْ } محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً ، ويجوز أن تكون للتمني والمضي فيها وفي { إِذْ } لأن الثابت في علم الله بمنزلة الواقع ، ولا يقدر ل { تَرَى } مفعول لأن المعنى لو يكون منك رؤية في هذا الوقت ، أو يقدر ما دل عليه صلة إذا والخطاب للرسول A أو لكل أحد .\r{ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا } ما تهتدي به إلى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له . { ولكن حَقَّ القول مِنِّي } ثبت قضائي وسبق وعيدي وهو { لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } وذلك تصريح بعدم إيمانهم لعدم المشيئة المسبب عن سبق الحكم بأنهم من أهل النار ، ولا يدفعه جعل ذوق العذاب مسبباً عن نسيانهم العاقبة وعدم تفكرهم فيها بقوله :\r{ فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هذا } فإنه من الوسائط والأسباب المقتضية له . { إِنَّا نسيناكم } تركناكم من الرحمة ، أو في العذاب ترك المنسي وفي استئنافه وبناء الفعل على أن واسمها تشديد في الانتقام منهم . { وَذُوقُواْ عَذَابَ الخلد بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } كرر الأمر للتأكيد ولما نيط به من التصريح بمفعوله وتعليله بأفعالهم السيئة من التكذيب والمعاصي كما علله بتركهم تدبر أمر العاقبة والتفكير فيها دلالة على أن كلاً منهما يقتضي ذلك .\r{ إِنَّمَا يُؤْمِنُ بئاياتنا الذين إِذَا ذُكّرُواْ بِهَا } وعظوا بها . { خَرُّواْ سُجَّداً } خوفاً من عذاب الله . { وَسَبَّحُواْ } نزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث . { بِحَمْدِ رَبّهِمْ } حامدين له شكراً على ما وفقهم للإسلام وآتاهم الهدى . { وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن الإِيمان والطاعة كما يفعل من يصر مستكبراً .\r{ تتجافى جُنُوبُهُمْ } ترتفع وتتنحى . { عَنِ المضاجع } الفرش ومواضع النوم . { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } داعين إياه . { خَوْفًا } من سخطه . { وَطَمَعًا } في رحمته . وعن النبي A في تفسيرها « قيام العبد من الليل » وعنه E « إذا جمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد جاء منادٍ ينادي بصوت يسمع الخلائق كلهم : سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيقومون وهم قليل ، ثم يرجع فينادي : ليقم الذين كانوا يحمدون الله في السراء والضراء فيقومون وهم قليل ، فيسرحون جميعاً إلى الجنة ثم يحاسب سائر الناس »","part":4,"page":500},{"id":2001,"text":"وقيل كان أناس من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم . { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } في وجوه الخير .\r{ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم } لا ملك مقرب ولا نبي مرسل . { مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } مما تقربه عيونهم . وعنه E \" يقول الله تعالى : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، بَلْهَ ما أطلعتهم عليه ، أقرؤوا فلا تعلم نفس ما أخفي لهم \" وقرأ حمزة ويعقوب { أُخْفِىَ لَهُم } على أنه مضارع أخفيت ، وقروء نخفي وأخفي الفاعل للكل هو الله ، وقرأت { أَعْيُنِ } لاختلاف أنواعها والعلم بمعنى المعرفة و { مَا } موصوله أو استفهامية معلق عنها الفعل . { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي جزوا جزاء أو أخفي للجزاء فإن إخفاءه لعلو شأنه . وقيل هذا القوم أخفوا أعمالهم فأخفى الله ثوابهم .\r{ أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً } خارجاً عن الإِيمان { لاَّ يَسْتَوُونَ } في الشرف والمثوبة تأكيد وتصريح والجمع للحمل على المعنى .\r{ أَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ جنات المأوى } فإنها المأوى الحقيقي والدنيا منزل مرتحل عنها لا محالة . وقيل المأوى جنة من الجنان . { نُزُلاً } سبق تفسيره في سورة «آل عمران» . { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بسبب أعمالهم أو على أعمالهم .\r{ وَأَمَّا الذين فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النار } مكان جنة المأوى للمؤمنين . { كُلَّمَا أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَا أُعِيدُواْ فِيهَا } عبارة عن خلودهم فيها . { وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } إهانة لهم وزيادة في غيظهم .","part":5,"page":1},{"id":2002,"text":"{ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنَ العذاب الأدنى } عذاب الدنيا يريد ما محنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر . { دُونَ العذاب الاكبر } عذاب الآخرة . { لَعَلَّهُمْ } لعل من بقي منهم . { يَرْجِعُونَ } يتوبون عن الكفر . روي أن الوليد ابن عقبة فاخر علياً Bه يوم بدر فنزلت هذه الآيات .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } فلم يتفكر فيها ، و { ثُمَّ } لاستبعاد الإعراض عنها مع فرض وضوحها وإرشادها إلى أسباب السعادة بعد التذكير بها عقلاً كما في بيت الحماسة .\rوَلاَ يَكْشِفُ الغُمَاءَ إِلاَّ ابْن حرَّة ... يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورها\r{ إِنَّا مِنَ المجرمين مُنتَقِمُونَ } فكيف ممن كان أظلم من كل ظالم .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } كما آتيناك . { فَلاَ تَكُن فِى مِرْيَةٍ } في شك . { مّن لّقَائِهِ } من لقائك الكتاب كقوله : { إِنَّكَ لَتُلَقَّى القرءان } فإنا آتيناك من الكتاب مثل ما آتيناه منه فليس ذلك ببدع لم يكن قط حتى ترتاب فيه ، أو من لقاء موسى للكتاب أو من لقائك موسى . وعنه E \" رأيت ليلة أسري بي موسى A رجلاً آدم طوالاً جعداً كأنه من رجال شنوءة \" { وجعلناه } أي المنزل على موسى . { هُدًى لّبَنِى إسراءيل } .\r{ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ } الناس إلى ما فيه من الحكم والأحكام . { بِأَمْرِنَا } إياهم به أو بتوفيقنا له . { لَمَّا صَبَرُواْ } وقرأ حمزة والكسائي ورويس «لَمَّا صَبَرُواْ» أي لصبرهم على الطاعة أو عن الدنيا . { وَكَانُواْ بئاياتنا يُوقِنُونَ } لإمعانهم فيها النظر .","part":5,"page":2},{"id":2003,"text":"{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة } يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل . { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من أمر الدين .\r{ أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ } الواو للعطف على منوي من جنس المعطوف والفاعل ضمير ما دل عليه . { كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مّنَ القرون } أي كثرة من أهلكناهم من القرون الماضية ، أو ضمير الله بدليل القراءة بالنون . { يَمْشُونَ فِى مساكنهم } يعني أهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم ، وقرىء «يَمْشُونَ» بالتشديد . { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ } سماع تدبر واتعاظ .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز } التي جرز نباتها أي قطع وأزيل لا التي لا تنبت لقوله : { فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً } وقيل اسم موضع باليمن . { تَأْكُلُ مِنْهُ } من الزرع . { أنعامهم } كالتين والورق . { وَأَنفُسِهِمْ } كالحب والثمر . { أَفَلاَ يُبْصِرُونَ } فيستدلون به على كمال قدرته وفضله .\r{ وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح } النصر أو الفصل بالحكومة من قوله { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا } { إِن كُنتُمْ صادقين } في الوعد به .\r{ قُلْ يَوْمَ الفتح لاَ يَنفَعُ الذين كَفَرُواْ إيمانهم وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } وهو يوم القيامة فإنه يوم نصر المؤمنين على الكفرة والفصل بينهم . وقيل يوم بدر أو يوم فتح مكة ، والمراد بالذين كفروا المقتولون منهم فيه فإنهم لا ينفعهم إيمانهم حال القتل ولا يمهلون وانطباقه جواباً على سؤالهم من حيث المعنى باعتبار ما عرف من غرضهم ، فإنهم لما أرادوا به الاستعجال تكذيباً واستهزاء أجيبوا بما يمنع الاستعجال .\r{ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } ولا تبال بتكذيبهم ، وقيل هو منسوخ بآية السيف . { وانتظر } النصرة عليهم . { إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } الغلبة عليك ، وقرىء بالفتح على معنى أنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم أو أن الملائكة ينتظرونه .\rعن النبي A من قرأ \" ألم تنزيل ، تبارك الذي بيده الملك أعطي من الأجر كأنما أحيا ليلة القدر \" وعنه من قرأ ألم تنزيل في بيته لم يدخل الشيطان بيته ثلاثة أيام","part":5,"page":3},{"id":2004,"text":"مدينة وآيها ثلاث وسبعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ياأيها النبى اتق الله } ناداه بالنبي وأمره بالتقوى تعظيماً له وتفخيماً لشأن التقوى ، والمراد به الأمر بالثبات عليه ليكون مانعاً له عما نهى عنه بقوله : { وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } فيما يعود بوهن في الدين . روي أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم ابن أبي ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له : ارفض ذكر آلهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بالمصالح والمفاسد . { حَكِيماً } لا يحكم إلا بما تقتضيه الحكمة .\r{ واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ مِن رَبّكَ } كالنهي عن طاعتهم . { إِنَّ الله كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فموحٍ إليك ما تصلح به أعمالك ويغني عن الاستماع إلى الكفرة ، وقرأ أبو عمرو بالياء على أن الواو ضمير الكفرة والمنافقين أي أن الله خبير بمكايدهم فيدفعها عنك .\r{ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } وكل أمرك إلى تدبيره . { وكفى بالله وَكِيلاً } موكولاً إليه الأمور كلها .\r{ مَّا جَعَلَ الله لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } أي ما جمع قلبين في جوف لأن القلب معدن الروح الحيواني المتعلق بالنفس الإِنساني أولاً ومنبع القوى بأسرها وذلك يمنع التعدد . { وَمَا جَعَلَ أزواجكم اللائى تظاهرون مِنْهُنَّ أمهاتكم وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ } وما جمع الزوجية والأمومة في امرأة ولا الدعوة والبنوة في رجل ، والمراد بذلك رد ما كانت العرب تزعم من أن اللبيب الأريب له قلبان ولذلك قيل لأبي معمر أو جميل ابن أسد الفهري ذو القلبين ، والزوجة المظاهر عنها كالأم ودعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله A ابن محمد ، أو المراد نفي الأمومة والبنوة عن المظاهر عنها والمتبنى ونفي القلبين لتمهيد أصل يحملان عليه . والمعنى كما لم يجعل الله قلبين في جوف لأدائه إلى التناقض وهو أن يكون كل منهما أصلاً لكل القوى وغير أصل لم يجعل الزوجة والدعي اللذين لا ولادة بينهما وبينه أمه وابنه اللذين بينهما وبينه ولادة ، وقرأ أبو عمرو «اللاي» بالياء وحده على أن أصله اللاء بهمزة فخففت وعن الحجازيين مثله ، وعنهما وعن يعقوب بالهمز وحده ، وأصل { تظاهرون } تتظاهرون فأدغمت التاء الثانية في الظاء . وقرأ ابن عامر { تظاهرون } بالإدغام وحمزة والكسائي بالحذف وعاصم { تظاهرون } من ظاهر ، وقرىء «تظهرون» من ظهر بمعنى ظاهر كعقد بمعنى عاقد وتظهرون من الظهور . ومعنى الظهار : أن يقول للزوجة أنت علي كظهر أمي ، مأخوذ من الظهر باعتبار اللفظ كالتلبية من لبيك وتعديته بمن لتضمنه معنى التجنب لأنه كان طلاقاً في الجاهلية وهو في الإِسلام يقتضي الطلاق أو الحرمة إلى أداء الكفارة كما عدي آلى بها ، وهو بمعنى حلف وذكر الظهر للكناية عن البطن الذي هو عموده فإن ذكره يقارب ذكر الفرج ، أو للتغليظ في التحريم فإنهم كانوا يحرمون إتيان المرأة وظهرها إلى السماء ، وأدعياء جمع دعي على الشذوذ وكأنه شبه بفعيل بمعنى فاعل فجمع جمعه .","part":5,"page":4},{"id":2005,"text":"{ ذلكم } إشارة إلى ما ذكر أو إلى الأخير . { قَوْلُكُم بأفواهكم } لا حقيقة له في الأعيان كقول الهاذي . { والله يَقُولُ الحق } ما له حقيقة عينية مطابقة له . { وَهُوَ يَهْدِى السبيل } سبيل الحق .\r{ ادعوهم لآبَائِهِمْ } أنسبوهم إليهم ، وهو أفراد للمقصود من أقواله الحقة وقوله : { هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله } تعليل له ، والضمير لمصدر { ادعوهم } و { أَقْسَطُ } افعل تفضيل قصد به الزيادة مطلقاً من القسط بمعنى العدل ومعناه البالغ في الصدق . { فَإِن لم تعلموا آباءهم } فتنسبوهم إليهم . { فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } أي فهم إخوانكم في الدين . { ومواليكم } وأولياؤكم فيه فقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل . { وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ } ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان . { ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ } ولكن الجناح فيما تعمدت قلوبكم أو ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } لعفوه عن المخطىء . واعلم أن التبني لا عبرة به عندنا وعند أبي حنيفة يوجب عتق مملوكه ويثبت النسب لمجهوله الذي يمكن إلحاقه به .\r{ النبى أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ } في الأمور كلها فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس ، فلذلك أطلق فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها . روي : أنه E أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج فقال ناس نتسأذن آباءنا وأمهاتنا فنزلت . وقرىء «وهو أب لهم» أي في الدين فإن كل نبي أب لأمته من حيث أنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة . { وأزواجه أمهاتهم } منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم وفيما عدا ذلك فكما الأجنبيات ، ولذلك قالت عائشة Bها : لسنا أمهات النساء . { وَأُوْلُواْ الأرحام } وذوو القرابات . { بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ } في التوارث وهو نسخ لما كان في صدر الإِسلام من التوارث بالهجرة والموالاة في الدين . { فِى كتاب الله } في اللوح أو فيما أنزل ، وهو هذه الآية أو آية المواريث أو فيم فرضط الله . { مِنَ المؤمنين والمهاجرين } بيان لأولي الأرحام ، أو صلة لأولي أي أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين ومن المهاجرين بحق الهجرة . { إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إلى أَوْلِيَائِكُمْ مَّعْرُوفاً } استثناء من أعم ما يقدر الأولوية فيه من النفع والمراد بفعل المعروف التوصية أومنقطع { وَكَانَ ذلك فِى الكتاب مَسْطُورًا } كان ما ذكر في الآيتين ثابتاً في اللوح أو القرآن .","part":5,"page":5},{"id":2006,"text":"وقيل في التوراة .\r{ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ } مقدر باذكر وميثاقهم عهودهم بتبليغ الرسالة والدعاء إلى الدين القيم . { وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وإبراهيم وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ } خصهم بالذكر لأنهم مشاهير أرباب الشرائع وقدم نبينا E تعظيماً له وتكريماً لشأنه . { وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظاً } عظيم الشأن أو مؤكداً باليمين ، والتكرير لبيان هذا الوصف تعظيماً له .\r{ لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ } أي فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم عما قالوه لقومهم ، أو تصديقهم إياهم تبكيتاً لهم أو المصدقين لهم عن تصديقهم فإن مصدق الصادق صادق ، أو المؤمنين الذين صدقوا عهدهم حين أشهدهم على أنفسهم عن صدقهم عهدهم . { وَأَعَدَّ للكافرين عَذَاباً أَلِيماً } عطف على { أَخَذْنَا } من جهة أن بعثة الرسل وأخذ الميثاق منهم لإِثابة المؤمنين ، أو على ما دل عليه ليسأل كأنه قال فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ } يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير وكانوا زهاء اثني عشر ألفاً . { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً } ريح الصبا . { وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا } الملائكة . روي أنه E لما سمع بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة ثم خرج إليهم في ثلاثة آلاف والخندق بينه وبينهم ، ومضى على الفريقين قريب من شهر لا حرب بينهم إلا الترامي بالنبل والحجارة حتى بعث الله عليهم ريحاً باردة في ليلة شاتية ، فأخصرتهم وسفت التراب في وجوههم وأطفأت نيرانهم وقلعت خيامهم وماجت الخيل بعضها في بعض وكبرت الملائكة في جوانب العسكر ، فقال طليحة بن خويلد الأسدي أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجاء النجاء فانهزموا من غير قتال . { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ } من حفر الخندق ، وقرأ البصريان بالياء أي بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة . { بَصِيراً } رائياً .\r{ إِذْ جاءُوكم } بدل من إذا جاءتكم . { عَذَاباً مّن فَوْقِكُمْ } من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان . { وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ } من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش . { وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار } مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصاً . { وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر } رعباً فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب . { وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا } الأنواع من الظن فظن المخلصون الثبت القلوب أن الله منجز وعده في إعلاء دينه ، أو ممتحنهم فخافوا الزلل وضعف الاحتمال والضعاف القلوب والمنافقون ما حكي عنهم ، والألف مزيدة في أمثاله تشبيهاً للفواصل بالقوافي وقد أجرى نافع وابن عامر وأبو بكر فيها الوصل مجرى الوقف ، ولم يزدها أبو عمرو وحمزة ويعقوب مطلقاً وهو القياس .","part":5,"page":6},{"id":2007,"text":"{ هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون } اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل . { وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً } من شدة الفزع وقرىء «زِلْزَالاً» بالفتح .\r{ وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ضعف اعتقاد . { مَّا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } من الظفر وإعلاء الدين . { إِلاَّ غُرُوراً } وعدا باطلاً . قيل قائله معتب بن قشير قال يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرز فرقاً ما هذا إلا وعد غرور .\r{ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مّنْهُمْ } يعني أوس بن قيظي وأتباعه . { ياأهل يَثْرِبَ } أهل المدينة ، وقيل هو اسم أرض وقعت المدينة في ناحية منها . { لاَ مُقَامَ } لا موضع قيام . { لَكُمْ } ها هنا ، وقرأ حفص بالضم على أنه مكان أو مصدر من أقام . { فارجعوا } إلى منازلكم هاربين ، وقيل المعنى لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى الشرك وأسلموه لتسلموا ، أو لا مقام لكم بيثرب فارجعوا كفاراً ليمكنكم المقام بها . { وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مّنْهُمُ النبى } للرجوع . { يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ } غير حصينة وأصلها الخلل ، ويجوز أن يكون تخفيف العورة من عورت الدار إذا اختلت وقد قرىء بها . { وَمَا هِىَ بِعَوْرَةٍ } بل هي حصينة . { إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } أي وما يريدون بذلك إلا الفرار من القتال .\r{ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ } دخلت المدينة أو بيوتهم . { مّنْ أَقْطَارِهَا } من جوانبها وحذف الفاعل للإِيماء بأن دخول هؤلاء المتحزبين عليهم ودخول غيرهم من العساكر سيان في اقتضاء الحكم المرتب عليه . { ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة } الردة ومقاتلة المسلمين . { لآتَوْهَا } لأعطوها ، وقرأ الحجازيان بالقصر بمعنى لجاءوها وفعلوها . { وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَا } بالفتنة أو بإعطائها . { إِلاَّ يَسِيراً } ريثما يكون السؤال والجواب ، وقيل ما لبثوا بالمدينة بعد تمام الارتداد إلا يسيراً .\r{ وَلَقَدْ كَانُواْ عاهدوا الله مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأدبار } يعني بني حارثة عاهدوا رسول الله A يوم أحد حين فشلوا ثم تابوا أن لا يعودوا لمثله . { وَكَانَ عَهْدُ الله مَسْئُولاً } عن الوفاء به مجازى عليه .\r{ قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل } فإنه لا بد لكل شخص من حتف أنف ، أو قتل في وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم . { وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً } أي وإن نفعكم الفرار مثلا فمنعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعاً ، أو زماناً قليلاً .\r{ قُلْ مَن ذَا الذى يَعْصِمُكُمْ مّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } أي أو يصيبكم بسوء إن أراد بكم رحمة فاختصر الكلام كما في قوله :\rمتقلداً سيفاً ورمحاً ... أو حمل الثاني على الأول لما في العصمة من معنى المنع . { وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مّن دُونِ الله وَلِيّاً } ينفعهم . { وَلاَ نَصِيراً } يدفع الضر عنهم .","part":5,"page":7},{"id":2008,"text":"{ قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ } المثبطين عن رسول الله A وهم المنافقون . { والقائلين لإخوانهم } من ساكني المدينة . { هَلُمَّ إِلَيْنَا } قربوا أنفسكم إلينا وقد ذكر أصله في «الأنعام» . { وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً } إلا إتياناً أو زماناً أو بأساً قليلاً ، فإنهم يعتذرون ويتثبطون ما أمكن لهم ، أو يخرجون مع المؤمنين ولكن لا يقاتلون إلا قليلاً كقوله { مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } وقيل إنه من تتمة كلامهم ومعناه لا يأتي أصحاب محمد حرب الأحزاب ولا يقاومونهم إلا قليلا .\r{ أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ } بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو الظفر أو الغنيمة ، جمع شحيح ونصبها على الحال من فاعل { يَأْتُونَ } أو { المعوقين } أو على الذم . { فَإِذَا جَاء الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدورُ أَعْيُنُهُمْ } في أحداقهم . { كالذى يغشى عَلَيْهِ } كنظر المغشي عليه أو كدوران عينيه ، أو مشبهين به أو مشبهة بعينه . { مّنَ الموت } من معالجة سكرات الموت خوفاً ولواذاً بك . { فَإِذَا ذَهَبَ الخوف } وحيزت الغنائم . { سَلَقُوكُم } ضربوكم . { بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ } ذربة يطلبون الغنيمة ، والسلق البسط بقهر باليد أو اللسان . { أَشِحَّةً عَلَى الخير } نصب على الحال أو الذم ، ويؤيده قراءة الرفع وليس بتكرير لأن كلا منهما مقيد من وجه . { أوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ } إخلاصاً . { فَأَحْبَطَ الله أعمالهم } فأظهر بطلانها إذ لم تثبت لهم أعمال فتبطل أو أبطل تصنعهم ونفاقهم . { وَكَانَ ذلك } الإِحباط . { عَلَى الله يَسِيراً } هيناً لتعلق الإرادة به وعدم ما يمنعه عنه .\r{ يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ } أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا ، وقد انهزموا ففروا إلى داخل المدينة . { وَإِن يَأْتِ الأحزاب } كرة ثانية . { يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الأعراب } تمنوا أنهم خارجون إلى البدو حاصلون بين الأعراب . { يُسْأَلُونَ } كل قادم من جانب المدينة . { عَنْ أَنبَائِكُمْ } عما جرى عليكم . { وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ } هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال . { مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً } رياء وخوفاً من التعيير .","part":5,"page":8},{"id":2009,"text":"{ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } خصلة حسنة من حقها أن يؤتسى بها كالثبات في الحرب ومقاساة الشدائد ، أو هو في نفسه قدوة يحسن التأسي به كقولك في البيضة عشرون منا حديداً أي هي في نفسها هذا القدر من الحديد ، وقرأ عاصم بضم الهمزة وهو لغة فيه . { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر } أي ثواب الله أو لقاءه ونعيم الآخرة ، أو أيام الله واليوم الآخر خصوصاً . وقيل هو كقولك أرجو زيداً وفضله ، فإن { اليوم الآخر } داخل فيها بحسب الحكم والرجاء يحتمل الأمل والخوف و { لِمَنْ } كان صلة لحسنة أو صفة لها . وقيل بدل من { لَكُمْ } والأكثر على أن ضمير المخاطب لا يبدل منه . { وَذَكَرَ الله كَثِيراً } وقرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة ، فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك .\r{ وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ } بقوله تعالى : { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الآية ، وقوله E « سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم » وقوله E : « إنهم سائرون إليكم بعد تسع أو عشر » وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الراء وفتح الهمزة . { وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ } ظهر صدق خبر الله ورسوله أو صدقاً في النصرة والثواب كما صدقا في البلاء ، وإظهار الاسم للتعظيم . { وَمَا زَادَهُمْ } فيه ضمير { لَمَّا رَأَوُاْ } ، أو الخطب أو البلاء . { إِلاَّ إِيمَانًا } بالله ومواعيده . { وَتَسْلِيماً } لأوامره ومقاديره .\r{ مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ } من الثبات مع الرسول A والمقاتلة لإِعلاء الدين من صدقني إذا قال لك الصدق ، فإن المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدق فيه . { فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ } نذره بأن قاتل حتى استشهد كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النضر ، والنحب النذر واستعير للموت لأنه كنذر لازم في رقبة كل حيوان . { وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ } الشهادة كعثمان وطلحة Bهما . { وَمَا بَدَّلُواْ } العهد ولا غيروه . { تَبْدِيلاً } شيئاً من التبديل . روي أن طلحة ثبت مع رسول الله A يوم أحد حتى أصيبت يده فقال E : « أوجب طلحة » وفيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل ، وقوله :\r{ لّيَجْزِىَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذّبَ المنافقين إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } تعليل للمنطوق والمعرض به ، فكأن المنافقين قصدوا بالتبديل عاقبة السوء كما قصد المخلصون بالثبات والوفاء العاقبة الحسنى ، والتوبة عليهم مشروطة بتوبتهم أو المراد بها التوفيق للتوبة . { إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً } لمن تاب .\r{ وَرَدَّ اللهُ الذين كَفَرُواْ } يعني الأحزاب .","part":5,"page":9},{"id":2010,"text":"{ بِغَيْظِهِمْ } متغيظين . { لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً } غير ظافرين وهما حالان بتداخل أو تعاقب . { وَكَفَى الله المؤمنين القتال } بالريح والملائكة . { وَكَانَ الله قَوِيّاً } على إحداث ما يريده . { عَزِيزاً } غالباً على كل شيء .\r{ وَأَنزَلَ الذين ظاهروهم } ظاهروا الأحزاب . { مّنْ أَهْلِ الكتاب } يعني قريظة . { مِن صَيَاصِيهِمْ } من حصونهم جمع صيصية وهي ما يتحصن به ولذلك يقال لقرن الثور والظبى وشوكة الديك . { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } الخوف وقرىء بالضم . { فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً } وقرىء بضم السين روي : « أن جبريل أتى رسول الله A صبيحة الليلة التي انهزم فيها الأحزاب فقال : أتنزع لأمتك والملائكة لم يضعوا السلاح إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم فأذن في الناس أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة ، فحاصرهم إحدى وعشرين أو خمساً وعشرين حتى جهدهم الحصار فقال لهم : تنزلون على حكمي فأبوا فقال : على حكم سعد بن معاذ فرضوا به ، فحكم سعد بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم ونسائهم ، فكبر النبي E فقال : لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة ، فقتل منهم ستمائة أو أكثر وأسر منهم سبعمائة »","part":5,"page":10},{"id":2011,"text":"{ وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ } مزارعهم . { وديارهم } حصونهم . { وأموالهم } نقودهم ومواشيهم وأثاثهم . \" روي أنه E جعل عقارهم للمهاجرين فتكلم فيه الأنصار فقال : إنكم في منازلكم وقال عمر Bه : أما تخمس كما خمست يوم بدر فقال : لا إنما جعلت هذه لي طمعة \" { وَأَرْضاً لَّمْ } كفارس والروم ، وقيل خيبر وقيل كل أرض تفتح إلى يوم القيامة . { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء قَدِيراً } فيقدر على ذلك .\r{ ياأيها النبى قُل لأزواجك إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا } السعة والتنعم فيها . { وَزِينَتَهَا } زخارفها . { فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ } أعطكن المتعة . { وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً } طلاقاً من غير ضرار وبدعة . روي أنهم سألنه ثياب الزينة وزيادة النفقة فنزلت . فبدأ بعائشة Bها فخيرها فاختارت الله ورسوله ، ثم اختارت الباقيات اختيارها فشكر الله لهن ذلك فأنزل { لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ } وتعليق التسريح بإرادتهن الدنيا وجعلها قسيماً لإِرادتهن الرسول يدل على أن المخيرة إذا اختارت زوجها لم تطلق خلافاً لزيد والحسن ومالك وإحدى الروايتين عن علي ، ويؤيده قول عائشة Bها «خيرنا رسول الله A فاخترناه» . ولم يعده طلاقاً وتقديم للتمتع على التسريح المسبب عنه من الكرم وحسن الخلق . قيل لأن الفرقة كانت بإرادتهن كاختيار المخيرة نفسها فإنه طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية ، واختلف في وجوبه للمدخول بها وليس فيه ما يدل عليه ، وقرىء «أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ» بالرفع على الاستئناف .\r{ وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ والدار الآخرة فَإِنَّ الله أَعَدَّ للمحسنات مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً } يستحقر دونه الدنيا وزينتها ومن للتبيين لأنهن كلهن كن محسنات .\r{ يانساء النبى مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بفاحشة } بكبيرة . { مُّبَيّنَةٍ } ظاهر قبحها على قراءة ابن كثير وأبي بكر والباقون بكسر الياء . { يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ } ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه ، لأن الذنب منهن أقبح فإن زيادة قبحه تتبع زيادة فضل المذنب والنعمة عليه ولذلك جعل حد الحر ضعفي حد العبد ، وعوتب الأنبياء بما لا يعاتب به غيرهم وقرأ البصريان «يضعف» على البناء للمفعول ، ورفع { العذاب } وابن كثير وابن عامر «نضعف» بالنون وبناء الفاعل ونصب «العذاب» . { وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً } لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي وكيف وهو سببه .\r{ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ } ومن يدم على الطاعة . { لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } ولعل ذكر الله للتعظيم أو لقوله : { وَتَعْمَلْ صالحا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ } مرة على الطاعة ومرة على طلبهن رضا النبي E بالقناعة وحسن المعاشرة . وقرأ حمزة والكسائي «ويعمل» بالياء حملاً على لفظ «من ويؤتها» على أن فيه ضمير اسم الله . { وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً } في الجنة زيادة على أجرها .\r{ يانساء النبى لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ النساء } أصل أحد وحد بمعنى الواحد ، ثم وضع في النفي العام مستوياً فيه المذكر والمؤنث والواحد والكثير ، والمعنى لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء في الفضل .","part":5,"page":11},{"id":2012,"text":"{ إِنِ اتقيتن } مخالفة حكم الله ورضا رسوله . { فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول } فلا تجئن بقولكن خاضعاً ليناً مثل قول المريبات . { فَيَطْمَعَ الذى فِى قَلْبِهِ مَرَضٌ } فجور وقرىء بالجزم عطفاً على محل فعل النهي على أنه نهى مريض القلب عن الطمع عقيب نهيهن عن الخضوع بالقول . { وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً } حسناً بعيداً عن الريبة .\r{ وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ } من وقر يقر وقاراً أو من قر يقر حذفت الأولى من راءي اقررن ونقلت كسرتها إلى القاف ، فاستغني عن همزة الوصل ويؤيده قراءة نافع وعاصم بالفتح من قررت أقر وهو لغة فيه ، ويحتمل أن يكون من قار يقار إذا اجتمع . { وَلاَ تَبَرَّجْنَ } ولا تتبخترن في مشيكن . { تَبَرُّجَ الجاهلية الأولى } تبرجاً مثل تبرج النساء في أيام الجاهلية القديمة ، وقيل هي ما بين آدم ونوح ، وقيل الزمان الذي ولد فيه إبراهيم E كانت المرأة تلبس درعاً من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، وقيل الجاهلية الأولى جاهلية الكفر قبل الإِسلام ، والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإِسلام ويعضده قوله E لأبي الدرداء Bه « إن فيك جاهلية ، قال جاهلية كفر أو إسلام قال بل جاهلية كفر » { وَأَقِمْنَ الصلاة وَءَاتِينَ الزكواة وَأَطِعْنَ الله وَرَسُولَهُ } في سائر ما أمركن به ونهاكن عنه . { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس } الذنب المدنس لعرضكم وهو تعليل لأمرهن ونهيهن على الاستئناف ولذلك عمم الحكم . { أَهْلَ البيت } نصب على النداء أو المدح . { وَيُطَهّرَكُمْ } عن المعاصي . { تَطْهِيراً } واستعارة الرجس للمعصية والترشيح بالتطيهر للتنفير عنها ، وتخصيص الشيعة أهل البيت بفاطمة وعلي وابنيهما Bهم لما روي « أنه E خرج ذات غدوة وعليه مرط مرجل من شعر أسود فجلس فأتت فاطمة Bها فأدخلها فيه ، ثم جاء علي فأدخله فيه ثم جاء الحسن والحسين Bهما فأدخلهما فيه ثم قال : { إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت } » والاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون إجماعهم حجة ضعيف لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها ، والحديث يقتضي أنهم من أهل البيت لا أنه ليس غيرهم .","part":5,"page":12},{"id":2013,"text":"{ واذكرن مَا يتلى فِى بُيُوتِكُنَّ مِنْ ءايات الله والحكمة } من الكتاب الجامع بين الأمرين وهو تذكير بما أنعم الله عليهم من حيث جعلهن أهل بيت النبوة ومهبط الوحي وما شاهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوة الإِيمان والحرص على الطاعة حثاً على الانتهاء والائتمار فيما كلفن به . { إِنَّ الله كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً } يعلم ويدبر ما يصلح في الدين ولذلك خيركن ووعظكن ، أو يعلم من يصلح لنبوته ومن يصلح أن يكون أهل بيته .\r{ إِنَّ المسلمين والمسلمات } الداخلين في السلم المنقادين لحكم الله . { والمؤمنين والمؤمنات } المصدقين بما يجب أن يصدق به . { والقانتين والقانتات } المداومين على الطاعة . { والصادقين والصادقات } في القول والعمل { والصابرين والصابرات } على الطاعات وعن المعاصي . { والخاشعين والخاشعات } المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم . { والمتصدقين والمتصدقات } بما وجب في مالهم . { والصائمين والصائمات } الصوم المفروض . { والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات } عن الحرام . { والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات } بقلوبهم وألسنتهم . { أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً } لما اقترفوا من الصغائر لأنهم مكفرات . { وَأَجْراً عَظِيماً } على طاعتهم ، والآية وعد لهن ولأمثالهم على الطاعة والتدرع بهذه الخصال . روي : أن أزواج النبي A قلن : يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن بخير فما فينا خير نذكر به فنزلت . وقيل : لما نزل فيهن ما نزل قال نساء المسلمين فما نزل فينا شيء فنزلت : وعطف الاناث على الذكور لاختلاف الجنسين وهو ضروري ، وعطف الزوجين على الزوجين لتغاير الوصفين فليس بضروري ولذلك ترك في قوله { مسلمات مؤمنات } وفائدته الدلالة على أن إعداد المعد لهم للجمع بين هذه الصفات .\r{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ } ما صح له . { إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً } أي قضى رسول الله ، وذكر الله لتعظيم أمره والإِشعار بأن قضاءه قضاء الله ، لأنه نزل في زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب خطبها رسول الله A لزيد بن حارثة فأبت هي وأخوها عبد الله . وقيل في أم كلثوم بنت عقبة وهبت نفسها للنبي A فزوجها من زيد . { أَن تَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ } أن يختاروا من أمرهم شيئاً بل يجب عليهم أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لاختيار الله ورسوله ، والخيرة ما يتخير وجمع الضمير الأول لعموم مؤمن ومؤمنة من حيث إنهما في سياق النفي ، وجمع الثاني للتعظيم . وقرأ الكوفيون وهشام «يكون» بالياء . { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالا مُّبِيناً } بين الانحراف عن الصواب .\r{ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِى أَنعَمَ الله عَلَيْهِ } بتوفيقه للإسلام وتوفيقك لعتقه واختصاصه . { وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ } بما وفقك الله فيه وهو زيد بن حارثة .","part":5,"page":13},{"id":2014,"text":"{ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } زينب . وذلك : أنه \" E أبصرها بعد ما أنكحها إياه فوقعت في نفسه فقال سبحان الله مقلب القلوب ، وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرت لزيد ففطن لذلك ووقع في نفسه كراهة صحبتها ، فأتى النبي E وقال : أريد أن أفارق صاحبتي ، فقال : ما لك أرابك منها شيء ، فقال : لا والله ما رأيت منها إلا خيراً ولكنها لشرفها تتعظم علي ، فقال له : \" \" أمسك عليك زوجك \" { واتق الله } في أمرها فلا تطلقها ضراراً وتعللاً بتكبرها . { وَتُخْفِى فِى نِفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ } وهو نكاحها إن طلقها أو إرادة طلاقها . { وَتَخْشَى الناس } تعييرهم إياك به . { والله أَحَقُّ أَن تخشاه } إن كان فيه ما يخشى ، والواو للحال ، وليست المعاتبة على الإِخفاء وحده فإنه حسن بل على الإخفاء مخافة قالة الناس وإظهار ما ينافي إضماره ، فإن الأولى في أمثال ذلك أن يصمت أو يفوض الأمر إلى ربه . { فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً } حاجة بحيث ملها ولم يبق له فيها حاجة وطلقها وانقضت عدتها . { زوجناكها } وقيل قضاء الوطر كناية عن الطلاق مثل لا حاجة لي فيك . وقرىء «زوجتكها» ، والمعنى أنه أمر بتزويجها منه أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد . ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء النبي A : إن الله تعالى تولى إنكاحي وأنتن زوجكن أولياؤكن . وقيل كان زيد السفير في خطبتها وذلك ابتلاء عظيم وشاهد بين على قوة إيمانه . { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَى المؤمنين حَرَجٌ فِى أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَراً } علة للتزويج ، وهو دليل على أن حكمه وحكم الأمة واحدة إلا ما خصه الدليل { وَكَانَ أَمْرُ الله } أمره الذي يريده { مَفْعُولاً } مكوناً لا محالة كما كان تزويج زينب { مَّا كَانَ عَلَى النبي مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ الله لَهُ } قسم له وقدر من قولهم فرض له في الديوان ، ومنه فروض العسكر لأرزاقهم . { سُنَّةَ الله } سن ذلك سنة . { فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } من الأنبياء ، وهو نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم . { وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَراً مَّقْدُوراً } قضاء مقضياً وحكماً مبتوتاً .\r{ الذين يُبَلّغُونَ رسالات الله } صفة للذين خلوا أو مدح لهم منصوب أو مرفوع ، وقرىء «رسالة الله» . { وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ الله } تعريض بعد تصريح . { وكفى بالله حَسِيباً } كافياً للمخاوف أو محاسباً فينبغي أن لا يخشى إلا منه .\r{ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مّن رّجَالِكُمْ } على الحقيقة فيثبت بينه وبينه ما بين الوالد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها ، ولا ينتقض عمومه بكونه أبا للطاهر والقاسم وإبراهيم لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم . { ولكن رَّسُولَ الله } وكل رسول أبو أمته لا مطلقاً بل من حيث إنه شفيق ناصح لهم ، واجب التوقير والطاعة عليهم وزيد منهم ليس بينه وبينه ولادة .","part":5,"page":14},{"id":2015,"text":"وقرىء { رَسُولُ الله } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ولكن بالتشديد على حذف الخبر أي { ولكن رَّسُولَ الله } من عرفتم أنه لم يعش له ولد ذكر . { وَخَاتَمَ النبيين } وآخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح ، ولو كان له ابن بالغ لاق بمنصبه أن يكون نبياً « كما قال E في إبراهيم حين توفى : لو عاش لكان نبياً » ولا يقدح فيه نزول عيسى بعده لأنه إذا نزل كان على دينه ، مع أن المراد منه أنه آخر من نبىء . { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيماً } فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة وكيف ينبغي شأنه .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً } يغلب الأوقات ويعم الأنواع بما هو أهله من التقديس والتحميد والتهليل والتمجيد .","part":5,"page":15},{"id":2016,"text":"{ وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } أول النهار وآخره خصوصاً ، وتخصيصهما بالذكر للدلالة على فضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين كأفراد التسبيح من جملة الأذكار لأنه العمدة فيها . وقيل الفعلان موجهان إليهما . وقيل المراد بالتسبيح الصلاة .\r{ هُوَ الذى يُصَلّي عَلَيْكُمْ } بالرحمة . { وملائكته } بالاستغفار لكم والاهتمام بما يصلحكم ، والمراد بالصلاة المشترك وهو العناية بصلاح أمركم وظهور شرفكم مستعار من الصلو . وقيل الترحم والانعطاف المعنوي مأخوذ من الصلاة المشتملة على الانعطاف الصوري الذي هو الركوع والسجود ، واستغفار الملائكة ودعاؤهم للمؤمنين ترحم عليه سيما وهو السبب للرحمة من حيث إنهم مجابو الدعوة . { لِيُخْرِجَكُمْ مّنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات الكفر والمعصية إلى نوري الإِيمان والطاعة . { وَكَانَ بالمؤمنين رَحِيماً } حيث اعتنى بصلاح أمرهم وإنافة قدرهم واستعمل في ذلك ملائكته المقربين .\r{ تَحِيَّتُهُمْ } من إضافة المصدر إلى المفعول أو يحيون . { يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ } يوم لقائه عند الموت أو الخروج من القبور ، أو دخول الجنة . { سلام } إخبار بالسلامة عن كل مكروه وآفة . { وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً } هي الجنة ، ولعل اختلاف النظم لمحافظة الفواصل والمبالغة فيما هو أهم .\r{ ياأيها النبى إِنَّا أرسلناك شَاهِداً } على من بعثت إليهم بتصديقهم وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم وهو حال مقدرة . { وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } .\r{ وَدَاعِياً إِلَى الله } إلى الإِقرار به وبتوحيده وما يجب الإِيمان به من صفاته . { بِإِذْنِهِ } بتيسيره وأطلق له من حيث أنه من أسبابه وقيد به الدعوة إيذاناً بأنه أمر صعب لا يتأتى إلا بمعونة من جناب قدسه . { وَسِرَاجاً مُّنِيراً } يستضاء به عن ظلمات الجهالات ويقتبس من نوره أنوار البصائر .\r{ وَبَشّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مّنَ الله فَضْلاً كِبِيراً } على سائر الأمم أو على جزاء أعمالهم ، ولعله معطوف على محذوف مثل فراقب أحوال أمتك .\r{ وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم . { وَدَعْ أَذَاهُمْ } إيذاءهم إياك ولا تحتفل به ، أو إيذاءك إياهم مجازاة أو مؤاخذة على كفرهم ، ولذلك قيل إنه منسوخ . { وَتَوَكَّلْ عَلَى الله } فإنه يكفيكهم . { وكفى بالله وَكِيلاً } موكولاً إليه الأمر في الأحوال كلها ، ولعله سبحانه وتعالى لما وصفه بخمس صفات قابل كلا منها بخطاب يناسبه ، فحذف مقابل الشاهد وهو الأمر بالمراقبة لأن ما بعده كالتفصيل له ، وقابل المبشر بالأمر والسراج المنير بالاكتفاء به فإن من أناره الله برهاناً على جميع خلقه كان حقيقاً بأن يكتفى به عن غيره .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ } تجامعوهن ، وقرأ حمزة والكسائي بألف وضم التاء . { فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ } أيام يتربصن فيها بأنفسهن . { تَعْتَدُّونَهَا } تستوفون عددها من عددت الدراهم فاعتدها كقولك : كلته فاكتاله ، أو تعدونها . والإِسناد إلى الرجال للدلالة على أن العدة حق الأزواج كما أشعر به فما لكم ، وعن ابن كثير «تَعْتَدُّونَهَا» مخففاً على إبدال إحدى الدالين بالياء أو على أنه من الاعتداء بمعنى تعتدون فيها ، وظاهره يقتضي عدم وجوب العدة بمجرد الخلوة وتخصيص المؤمنات والحكم عام للتنبيه على أن من شأن المؤمن أن لا ينكح إلا مؤمنة تخييراً لنطفته ، وفائدة ثم إزاحة ما عسى أن يتوهم تراخي الطلاق ريثما تمكن الإِصابة كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة .","part":5,"page":16},{"id":2017,"text":"{ فَمَتّعُوهُنَّ } أي إن لم يكن مفروضاً لها فإن الواجب للمفروض لها نصف المفروض دون المتعة ويجوز أن يؤول التمتيع بما يعمهما ، أو الأمر بالمشترك بين الوجوب والندب فإن المتعة سنة للمفروض لها . { وَسَرّحُوهُنَّ } أخرجوهن من منازلكم إذ ليس لكم عليهن عدة . { سَرَاحاً جَمِيلاً } من غير ضرار ولا منع حق ، ولا يجوز تفسيره بالطلاق السني لأنه مرتب على الطلاق والضمير لغير المدخول بهن .\r{ ياأيها النبى إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أزواجك اللاتى ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ } مهورهن لأن المهر أجر على البضع ، وتقييد الإِحلال له بإعطائها معجلة لا لتوقف الحل عليه بل لإيثار الأفضل له كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسبية بقوله : { وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاء الله عَلَيْكَ } فإن المشتراة لا يتحقق بدء أمرها وما جرى عليها ، وتقييد القرائب بكونها مهاجرات معه في قوله : { وَبَنَاتِ عَمّكَ وَبَنَاتِ عماتك وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خالاتك اللاتى هاجرن مَعَكَ } ويحتمل تقييد الحل بذلك في حقه خاصة ويعضده قول أم هانىء بنت أبي طالب : خطبني رسول الله A فاعتذرت إليه فعذرني ، ثم أنزل الله هذه الآية فلم أحل له لأني لم أهاجر معه ، كنت من الطلقاء . { وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيّ } نصب بفعل يفسره ما قبله أو عطف على ما سبق ، ولا يدفعه التقييد بأن التي للاستقبال فإن المعنى بالإحلال والإِعلام بالحل أي : أعلمناك حل امرأة مؤمنة تهب لك نفسها ولا تطلب مهراً إن اتفق ولذلك نكرها . واختلف في اتفاق ذلك والقائل به ذكر أربعاً : ميمونة بنت الحارث ، وزينب بنت خزيمة الأنصارية ، وأم شريك بنت جابر ، وخولة بنت حكيم . وقرىء { أَن } بالفتح أي لأن وهبت أو مدة أن وهبت كقولك : اجلس ما دام زيد جالساً . { إِنْ أَرَادَ النبى أَن يَسْتَنكِحَهَا } شرط للشرط الأول في استيجاب الحل فإن هبتها نفسها منه لا توجب له حلها إلا بإرادته نكاحها ، فإنها جارية مجرى القبول والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي A مكرراً ، ثم الرجوع إليه في قوله : { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ المؤمنين } إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاق الكرامة لأجله . واحتج به أصحابنا على أن النكاح لا ينعقد بلفظ الهبة لأن اللفظ تابع للمعنى وقد خص E بالمعنى فيختص باللفظ ، والاستنكاح طلب النكاح والرغبة فيه ، { وخَالِصَةً } مصدر مؤكد أي خلص إحلالها أو إحلال ما أحللنا لك على القيود المذكورة خلوصاً لك ، أو حال من الضمير في { وَهَبَتْ } أو صفة لمصدر محذوف أي هبة خالصة .","part":5,"page":17},{"id":2018,"text":"{ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِى أزواجهم } من شرائط العقد ووجوب القسم والمهر بالوطء حيث لم يسم . { وَمَا مَلَكَتْ أيمانهم } من توسيع الأمر فيها أنه كيف ينبغي أن يفرض عليهم ، والجملة اعتراض بين قوله : { لِكَيْلاَ يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ } ومتعلقه وهو { خَالِصَةٌ } للدلالة على أن الفرق بينه وبين { المؤمنين } في نحو ذلك لا لمجرد قصد التوسيع عليه ، بل لمعان تقتضي التوسيع عليه والتضييق عليهم تارة وبالعكس أخرى . { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما يعسر التحرز عنه . { رَّحِيماً } بالتوسعة في مظان الحرج .\r{ تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ } تؤخرها وتترك مضاجعتها . { وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ } وتضم إليك من تشاء وتضاجعها ، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء . وقرأ نافع وحمزة والكسائيي وحفص «تُرْجِى» بالياء والمعنى واحد . { وَمَنِ ابتغيت } طلبت . { مِمَّنْ عَزَلْتَ } طلقت بالرجعة . { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ } في شيء من ذلك . { ذَلِكَ أدنى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا ءاتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ } ذلك التفويض إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعاً ، لأن حكم كلهن فيه سواء ، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلاً منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهم ، وقرىء «تَقَرَّ» بضم التاء و { أَعْيُنُهُنَّ } بالنصب و «تَقَرَّ» بالبناء للمفعول و «كُلُّهُنَّ» تأكيد نون { يرضين } ، وقرىء بالنصب تأكيداً لهن . { والله يَعْلَمُ مَا فِى قلُوبِكُمْ } فاجتهدوا في إحسانه . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بذات الصدور . { حَلِيماً } لا يعاجل بالعقوبة فهو حقيق بأن يتقى .\r{ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء } بالياء لأن تأنيث الجمع غير حقيقي ، وقرأ البصريان بالتاء . { مِن بَعْدِ } من بعد التسع وهو في حقه كالأربع في حقنا ، أو من بعد اليوم حتى لو ماتت واحدة لم يحل له نكاح أخرى . { وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ } فتطلق واحدة وتنكح مكانها أخرى و { مِنْ } مزيدة لتأكيد الاستغراق . { وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ } حسن الأزواج المستبدلة ، وهو حال من فاعل { تُبَدَّلُ } دون مفعوله وهو { مِنْ أَزْوَاجٍ } لتوغله في التنكير ، وتقديره مفروضاً إعجابك بهن واختلف في أن الآية محكمة أو منسوخة بقوله : { تُرْجِى مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ } على المعنى الثاني فإنه وإن تقدمها قراءة فهو مسبوق بها نزولاً . وقيل المعنى لا يحل لك النساء من بعد الأجناس الأربعة اللاتي نص على إحلالهن لك ولا أن تبدل بهن أزواجاً من أجناس أخر . { إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ } استثناء من النساء لأنه يتناول الأزواج والإِماء ، وقيل منقطع . { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْءٍ رَّقِيباً } فتحفظوا أمركم ولا تتخطوا ما حد لكم .","part":5,"page":18},{"id":2019,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } إلا وقت أن يؤذن لكم أو إلا مأذوناً لكم . { إلى طَعَامٍ } متعلق ب { يُؤْذَنَ } لأنه متضمن معنى يدعى للإشعار بأنه لا يحسن الدخول على الطعام من غير دعوة وإن أذن كما أشعر به قوله : { غَيْرَ ناظرين إناه } غير منتظرين وقته ، أو إدراكه حال من فاعل { لاَ تَدْخُلُواْ } أو المجرور في { لَكُمْ } . وقرىء بالجر صفة لطعام فيكون جارياً على غير من هو له بلا إبراز الضمير ، وهو غير جائز عند البصريين وقد أمال حمزة والكسائي إناه لأنه مصدر أنى الطعام إذا أدرك . { وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فادخلوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فانتشروا } تفرقوا ولا تمكثوا ، ولأنه خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله A فيدخلون ويقعدون منتظرين لإِدراكه ، مخصوصة بهم وبأمثالهم وإلا لما جاز لأحد أن يدخل بيوته بالإِذن لغير الطعام ولا اللبث بعد الطعام لهم . { وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ } لحديث بعضكم بعضاً ، أو لحديث أهل البيت بالتسمع له عطف على { ناظرين } أو مقدر بفعل أي : ولا تدخلوا أو ولا تمكثوا مستأنسين . { إِنَّ ذَلِكُمْ } اللبث . { كَانَ يُؤْذِي النبي } لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله بما لا يعنيه . { فَيَسْتَحِي مّنكُمْ } من إخراجكم بقوله : { والله لاَ يَسْتَحْىيِي مِنَ الحق } يعني أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء كما لم يتركه الله ترك الحيي فأمركم بالخروج ، وقرىء «لاَ يَسْتَحْىِ» بحذف الياء الأولى وإلقاء حركتها على الحاء . { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ متاعا } شيئاً ينتفع به . { فاسألوهن } المتاع . { مِن وَرَاء حِجَابٍ } ستر . روي «أن عمر Bه قال : يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فنزلت» . وقيل أنه E كان يطعم ومعه بعض أصحابه ، فأصابت يد رجل عائشة Bها فكره النبي A ذلك فنزلت . { ذلكم أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } من الخواطر النفسانية الشيطانية . { وَمَا كَانَ لَكُمْ } وما صح لكم . { أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله } أن تفعلوا ما يكرهه . { وَلاَ أَن تَنكِحُواْ أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً } من بعد وفاته أو فراقه ، وخص التي لم يدخل بها ، لما روي أن أشعث بن قيس تزوج المستعيذة في أيام عمر Bه فهم برجمها ، فأخبر بأنه E فارقها قبل أن يمسها فتركها من غير نكير . { إِنَّ ذَلِكُمْ } يعني إيذاءه ونكاح نسائه . { كَانَ عِندَ الله عَظِيماً } ذنباً عظيماً ، وفيه تعظيم من الله لرسوله وإيجاب لحرمته حياً وميتاً ولذلك بالغ في الوعيد عليه فقال :\r{ إِن تُبْدُواْ شَيْئاً } كنكاحهن على ألسنتكم . { أَوْ تُخْفُوهْ } في صدوركم . { فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيماً } فيعلم ذلك فيجازيكم به ، وفي هذا التعميم مع البرهان على المقصود مزيد تهويل ومبالغة في الوعيد .","part":5,"page":19},{"id":2020,"text":"{ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَائِهِنَّ وَلاَ أَبْنَائِهِنَّ وَلاَ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاءِ إخوانهن وَلاَ أَبْنَاءِ أخواتهن } استثناء لمن لا يجب الاحتجاب عنهم . روي : أنه لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب : يا رسول الله أو نكلمهن أيضاً من وراء حجاب فنزلت . وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبا في قوله { وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } أو لأنه كره ترك الاحتجاب عنهما مخافة أن يصفا لأبنائهما . { وَلاَ نِسَائِهِنَّ } يعني نساء المؤمنات . { وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ } من العبيد والإماء ، وقيل من الإِماء خاصة وقد مر في سورة «النور» . { واتقين الله } فيما أمرتن به . { إِنَّ الله كَانَ على كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً } لا يخَفى عليه خافية .\r{ إِنَّ الله وملائكته يُصَلُّونَ عَلَى النبى } يعتنون بإظهار شرفه وتعظيم شأنه . { ياأيها الذين ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } اعتنوا أنتم أيضاً فإنكم أولى بذلك وقولوا اللهم صلِّ على محمد . { وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } وقولوا السلام عليك أيها النبي وقيل وانقادوا لأوامره ، والآية تدل على وجوب الصلاة والسلام عليه في الجملة ، وقيل تجب الصلاة كلما جرى ذكره لقوله E \" رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي \" وقوله \" من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله \" وتجوز الصلاة على غيره تبعاً . وتكره استقلالاً لأنه في العرف صار شعاراً لذكر الرسول A ولذلك كره أن يقال محمد D وإن كان عزيزاً وجليلاً .\r{ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ } يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي ، أو يؤذون رسول الله بكسر رباعيته وقولهم شاعر مجنون ونحو ذلك وذكر الله للتعظيم له . ومن جوز إطلاق اللفظ على معنيين فسره بالمعنيين باعتبار المعمولين . { لَّعَنَهُمُ الله } أبعدهم من رحمته . { فِى الدنيا والآخرة وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً } يهينهم مع الإِيلام .\r{ والذين يُؤْذُونَ المؤمنين والمؤمنات بِغَيْرِ مَا اكتسبوا } بغير جناية استحقوا بها الإِيذاء . { فَقَدِ احتملوا بهتانا وَإِثْماً مُّبِيناً } ظاهراً . قيل إنها نزلت في منافقين كانوا يؤذون علياً Bه ، وقيل في أهل الإِفك ، وقيل في زناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات .\r{ ياأيها النبى قُل لأزواجك وبناتك وَنِسَاءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جلابيبهن } يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة ، و { مِنْ } للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض و { ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ } يميزن من الإِماء والقينات . { فَلاَ يُؤْذَيْنَ } فلا يؤذيهن أهل الريبة بالتعرض لهن . { وَكَانَ الله غَفُوراً } لما سلف . { رَّحِيماً } بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئياب منها .\r{ لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ المنافقون } عن نفاقهم . { والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } ضعف إيمان وقلة ثبات عليه ، أو فجور عن تزلزلهم في الدين أو فجورهم .","part":5,"page":20},{"id":2021,"text":"{ والمرجفون فِى المدينة } يرجفون أخبار السوء عن سرايا المسلمين ونحوها من إرجافهم ، وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمي به الإِخبار الكاذب لكونه متزلزلاً غير ثابت . { لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ } لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم ، أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء . { ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ } عطف على { لَنُغْرِيَنَّكَ } ، و { ثُمَّ } للدلالة على أن الجلاء ومفارقة جوار الرسول أعظم ما يصيبهم . { فِيهَا } في المدينة . { إِلاَّ قَلِيلاً } زماناً أو جواراً قليلاً .\r{ مَّلْعُونِينَ } نصب على الشتم أو الحال والاستثناء شامل له أيضاً أي : { لاَ يُجَاوِرُونَكَ } إلا ملعونين ، ولا يجوز أن ينصب عن قوله : { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ أُخِذُواْ وَقُتّلُواْ تَقْتِيلاً } لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها .\r{ سُنَّةَ الله فِى الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ } مصدر مؤكد أي سن الله ذلك في الأمم الماضية ، وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالإِرجاف ونحوه { أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } . { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } لأنه لا يبدلها ولا يقدر أحد أن يبدلها .\r{ يَسْئَلُكَ الناس عَنِ الساعة } عن وقت قيامها استهزاء وتعنتاً او امتحاناً . { قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ الله } لم يطلع عليه ملكاً ولا نبياً . { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة تَكُونُ قَرِيباً } شيئاً قريباً أو تكون الساعة عن قريب وانتصابه على الظرف ، ويجوز أن يكون التذكير لأن { الساعة } في معنى اليوم ، وفيه تهديد للمستعجلين وإسكات للمتعنتين .\r{ إِنَّ الله لَعَنَ الكافرين وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً } ناراً شديدة الاتقاد .\r{ خالدين فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحفظهم . { وَلاَ نَصِيراً } يدفع العذاب عنهم .\r{ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِى النار } تصرف من جهة إلى جهة كاللحم يشوى بالنار ، أو من حال إلى حال ، وقرىء { تَقَلُّبُ } بمعنى تتقلب و { تَقَلُّبُ } ومتعلق الظرف . { يَقُولُونَ ياليتنا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرسولا } فلن نبتلي بهذا العذاب .\r{ وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا } يعنون قادتهم الذين لقنوهم الكفر ، وقرأ ابن عامر ويعقوب «ساداتنا» على جمع الجمع للدلالة على الكثرة . { فَأَضَلُّونَا السبيلا } بما زينوا لنا .\r{ رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب } مثلي ما آتيتنا منه لأنهم ضلوا وأضلوا . { والعنهم لَعْناً كَثِيراً } كثير العدد ، وقرأ عاصم بالباء أي لعناً هو أشد اللعن وأعظمه .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين ءَاذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ } فأظهر براءته من مقولهن يعني مؤداه ومضمونه ، وذلك أن قارون حرض امرأة على قذفه بنفسها فعصمه الله كما مر في «القصص» ، او اتهمه ناس بقتل هرون لما خرج معه إلى الطور فمات هناك ، فحملته الملائكة ومروا به حتى رؤوه غير مقتول . وقيل أحياه الله فأخبرهم ببراءته ، أو قذفوه بعيب في بدنه من برص أو أدرة لفرط تستره حياء فأطلعهم الله على أنه بريء منه . { وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً } ذا قربة ووجاهة ، وقرىء وكان «عبد الله وجيهاً» .","part":5,"page":21},{"id":2022,"text":"{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ اتقوا الله } في ارتكاب ما يكرهه فضلاً عما يؤذي رسوله . { وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً } قاصداً إلى الحق من سد يسد سداداً ، والمراد النهي عن ضده كحديث زينب من غير قصد .\r{ يُصْلِحْ لَكُمْ أعمالكم } يوفقكم للأعمال الصالحة ، أو يصلحها بالقبول والإِثابة عليها . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } ويجعلها مكفرة باستقامتكم في القول والعمل . { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ } في الأوامر والنواهي . { فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً } يعيش في الدنيا حميداً وفي الآخرة سعيداً .\r{ إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السموات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان } تقرير للوعد السابق بتعظيم الطاعة ، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء ، والمعنى أنها لعظمة شأنها بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام وكانت ذات شعور وإدراك لأبين أن يحملنها ، وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ورخاوة قوته لا جرم فاز الراعي لها والقائم بحقوقها بخير الدارين . { إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً } حيث لم يف بها ولم يراع حقها . { جَهُولاً } بكنه عاقبتها ، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب . وقيل المراد ب { الأمانة } الطاعة التى تعم الطبيعية والاختيارية ، وبعرضها استدعاؤها الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره ، وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته ، فيكون الإِباء عنه اتياناً بما يمكن أن يتأتى منه والظلم والجهالة الخيانة والتقصير . وقيل إنه تعالى لما خلق هذه الأجرام خلق فيها فهماً وقال لها : إني فرضت فريضة وخلقت جنة لمن أطاعني فيها ، وناراً لمن عصاني ، فقلن نحن مسخرات على ما خلقتنا لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثواباً ولا عقاباً ، ولما خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله ، وكان ظلوماً لنفسه بتحمله ما يشق عليها جهولاً بوخامة عاقبته ، ولعل المراد ب { الأمانة } العقل أو التكليف ، وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن ، وبإبائهن الإِباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد ، وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية ، وعلى هذا يحسن أن يكون علة للحمل عليه فإن من فوائد العقل أن يكون مهيمناً على القوتين حافظاً لهما عن التعدي ومجاوزة الحد ، ومعظم مقصود التكليف تعديلهما وكسر سورتهما .\r{ لّيُعَذِّبَ الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات } تعليل للحمل من حيث إنه نتيجته كالتأديب للضرب في ضربته تأديباً ، وذكر التوبة في الوعد إشعار بأنهم كونهم ظلوماً جهولاً في جبلتهم لا يخليهم عن فرطات . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } حيث تاب عن فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعاتهم . قال E « من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله أو ما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر » .","part":5,"page":22},{"id":2023,"text":"مكية وقيل إلا قوله : ويرى الذين أوتوا العلم الآية ، وآيها\rأربع وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الحمد للَّهِ الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً ونعمة ، فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وعلى تمام نعمته . { وَلَهُ الحمد فِى الاخرة } لأن ما في الآخرة أيضاً كذلك ، وليس هذا من عطف المقيد على المطلق فإن الوصف بما يدل على أنه المنعم بالنعم الدنيوية قيد الحمد بها ، وتقديم الصلة للاختصاص فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة . { وَهُوَ الحكيم } الذي أحكم أمور الدارين . { الخبير } ببواطن الأشياء .\r{ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى الأرض } كالغيث ينفذ في موضع وينبع في آخر ، وكالكنوز والدفائن والأموات . { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } كالحيوان والنبات والفلزات وماء العيون . { وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } كالملائكة والكتب والمقادير والأرزاق والأنداء والصواعق . { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة . { وَهُوَ الرحيم الغفور } للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها ، أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة } إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء بالوعد به . { قُلْ بلى } رد لكلامهم وإثبات لما نفوه . { وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالم الغيب } تكرير لإِيجابه مؤكداً بالقسم مقرراً لوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه وتنفي استبعاده على ما مر غير مرة ، وقرأ حمزة والكسائي «علام الغيب» للمبالغة ، ونافع وابن عمر ورويس «عالم الغيب» بالرفع على أنه خبر محذوف أو مبتدأ خبره . { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى السموات وَلاَ فِى الأرض } وقرأ الكسائي «لاَ يَعْزُبُ» بالكسر . { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } جملة مؤكدة لنفي العزوب ، ورفعهما بالابتداء ويؤيده القراءة بالفتح على نفي الجنس ، ولا يجوز عطف المرفوع على { مِثْقَالَ } والمفتوح على { ذَرَّةٍ } بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف لأن الاستثناء يمنعه ، اللهم إلا إذا جعل الضمير في { عَنْهُ } للغيب وجعل المثبت في اللوح خارجاً عنه لظهوره على المطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطوراً في اللوح .\r{ لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } علة لقوله { لَتَأْتِيَنَّكُمْ } وبيان لما يقتضي إتيانها . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لا تعب فيه ولا مَنٌ عليه .\r{ والذين سَعَوْاْ فِى ءاياتنا } بإبطال وتزهيد الناس فيها . { معاجزين } مسابقين كي يفوتونا . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { معاجزين } أي مثبطين عن الإِيمان من أراده . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } من سَيِّءِ العذاب . { أَلِيمٌ } مؤلم ، ورفعه ابن كثير ويعقوب وحفص .\r{ وَيَرَى الذين أُوتُواْ العلم } ويعلم أولو العلم من الصحابة ومن شايعهم من الأمة ، أو من مسلمي أهل الكتاب .","part":5,"page":23},{"id":2024,"text":"{ الذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } القرآن . { هُوَ الحق } ومن رفع { الحق } جعل هو مبتدأ و { الحق } خبره والجملة ثاني مفعولي { يرى } ، وهو مرفوع مستأنف للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات . وقيل منصوب معطوف على { لِيَجْزِىَ } أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عياناً كما علموه الآن برهاناً { وَيَهْدِى إلى صِرَاطِ العزيز الحميد } الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ } قال بعضهم لبعض . { هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ } يعنون محمداً E . { يُنَبّئُكُمْ } يحدثكم بأعجب الاعاجيب . { إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } إنكم تنشؤون خلقاً جديداً بعد أن تمزق أجسادكم كل تمزيق وتفريق بحيث تصير تراباً ، وتقديم الظرف للدلالة على البعد والمبالغة فيه ، وعامله محذوف دل عليه ما بعده فإن ما قبله لم يقارنه وما بعده مضاف إليه ، أو محجوب بينه وبينه بأن و { مُمَزَّقٍ } يحتمل أن يكون مكاناً بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم السيول كل مذهب وطرحتم كل مطرح وجديد بمعنى فاعل من جد كحديد من حد ، وقيل بمعنى مفعول من جد النساج الثوب إذا قطعه .\r{ أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ } جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه ، واستدل بجعلهم إياه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه على أن بين الصدق والكذب واسطة ، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه وضعفه بين لأن الافتراء أخص من الكذب . { بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِى العذاب والضلال البعيد } رد من الله تعالى عليهم ترديدهم وإثبات لهم ما هو أفظع من القسمين ، وهو الضلال البعيد عن الصواب بحيث لا يرجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب ، وجعله رسيلاً له في الوقوع ومقدماً عليه في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له ، والبعد في الأصل صفة الضال ووصف الضلال به على الإسناد المجازي .","part":5,"page":24},{"id":2025,"text":"{ أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ } تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرة الله وما يحتمل فيه إزاحة لاسَتحالتهم الإِحياء حتى جعلوه افتراء وهزؤاً ، وتهديداً عليها والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أهم أشد خلقاً ، أم السماء ، وإنا { إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً } ، لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات . وقرأ حمزة والكسائي «يَشَإِ» و «يَخْسِفَ» و «يسقط» بالياء لقوله : { فَمَنِ افترى عَلَى الله } . والكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء وحفص «كِسَفًا» بالتحريك . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } النظر والتفكر فيهما وما يدلان عليه . { لآيَةً } لدلالة . { لّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه فإنه يكون كثير التأمل في أمره .\r{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً } أي على سائر الأنبياء وهو ما ذكر بعد ، أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن . { ياجبال أَوِّبِى مَعَهُ } رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب ، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها ، أو سيري معه حيث سار . وقرىء «أوبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه ، وهو بدل من { فَضْلاً } أو من { ءَاتَيْنَا } بإضمار قولنا أو قلنا . { والطير } عطف على محل الجبال ويؤيده القراءة بالرفع عطفاً على لفظها تشبيهاً للحركة البنائية العارضة بالحركة الإِعرابية أو على { فَضْلاً } ، أو مفعول معه ل { أَوّبِى } وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل : ولقد آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال والطير ، فبدل بهذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء سلطانه ، حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها . { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بإِلانته أو بقوته .\r{ أَنِ اعمل } أمرناه أن اعمل ف { أنِ } مفسرة أو مصدرية . { سابغات } دروعاً واسعات ، وقرىء «صابغات» وهو أول من اتخذها . { وَقَدّرْ فِى السرد } وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها ، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتنخرق . ورد بأن دروعه لم تكن مسمرة ويؤيده قوله : { وَأَلَنَّا لَهُ الحديد } . { واعملوا صالحا } الضمير فيه لداود وأهله . { إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم عليه .\r{ ولسليمان الريح } أي وسخرنا له الريح ، وقرىء { الريح } بالرفع أي ولسليمان الريح مسخرة وقرىء «الرياح» . { غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك ، وقرىء «غدوتها» «وروحتها» .","part":5,"page":25},{"id":2026,"text":"{ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القطر } النحاس المذاب أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ، ولذلك سماه عيناً وكان ذلك باليمن . { وَمِنَ الجن مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } عطف على { الريح } { وَمِنَ الجن } حال مقدمة ، أو جملة { مِنْ } مبتدأ وخبر . { بِإِذْنِ رَبّهِ } بأمره . { وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ } ومن يعدل منهم . { عَنْ أَمْرِنَا } عما أمرناه من طاعة سليمان ، وقرىء { يَزِغْ } من أزاغه . { نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السعير } عذاب الآخرة .\r{ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن محاريب } قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها . { وتماثي } وصوراً هي تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وحرمة التصاوير شرع مجدد . روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه ، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما . { وَجِفَانٍ } وصحاف . { كالجواب } كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية وهي من الصفات الغالبة كالدابة . { وَقُدُورٍ رسيات } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها . { اعملوا ءالَ دَاوُودَ شاكرا } حكاية عما قيل لهم { وشكراً } نصب على العلة أي : اعملوا له واعبدوه شكراً ، أو المصدر لأن العمل له شكراً أو الوصف له أو الحال أو المفعول به . { وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ الشكور } المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه ، لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكراً آخر لا إلى نهايته ، ولذلك قيل الشكور من يرعى عجزه عن الشكر .\r{ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الموت } أي على سليمان . { مَا دَلَّهُمْ على مَوْتِهِ } ما دل الجن وقيل آله . { إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ } أي الأرضة أضيفت إلى فعلها ، وقرىء بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من فعلها يقال : أرضت الأرضة الخشبة أرضاً فأرضت أرضاً مثل أكلت القوادح الأسنان أكلاً فأكلت أكلاً . { تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } عصاه من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها ، وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً على غير قياس إذ القياس إخراجها بين بين ، و { منساءته } على مفعالة كميضاءة في ميضاة و { مِنسَأَتَهُ } أي طرف عصاه مستعار من سأة القوس ، وفيه لغتان كما في قحة وقحة ، وقرأ نافع وأبو عمرو«مِنسَأَتَهُ» بألف بدلاً من الهمزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة وحمزة إذا وقف جعلها بين بين . { فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجن } علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم . { أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الغيب مَا لَبِثُواْ فِى العذاب المهين } أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته حينما وقع فلم يلبثوا حولاً في تسخيره إلى أن خرَّ ، أو ظهرت الجن وأن بما في حيزه بدل منه أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب . وذلك أن داود أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليهما الصلاة والسلام فمات قبل تمامه ، فوصى به إلى سليمان عليه السلام فاستعمل الجن فيه فلم يتم بعد إذ دنا أجله وأعلم به ، فأراد أن يعمي عليهم موته ليتموه فدعاهم فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب ، فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها ، فبقي كذلك حتى أكلتها الأرضة فخرَّ ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته ، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوماً وليلة مقداراً فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة ، وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثة عشرة سنة ، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه .","part":5,"page":26},{"id":2027,"text":"{ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو لأنه صار اسم القبيلة ، وعن ابن كثير قلب همزته ألفاً ولعله أخرجه بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب . { فِى مساكنهم } في مواضع سكناهم ، وهي باليمن يقال لها مأرب . بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام ، وقرأ حمزة وحفص بالإِفراد والفتح ، والكسائي بالكسر حملاً على ما شذ من القياس كالمسجد والمطلع . { ءَايَةً } علامة دالة على وجود الصانع المختار ، وأنه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام . { جَنَّتَانِ } بدل من { ءايَةً } أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان ، وقرىء بالنصب على المدح والمراد جماعتان من البساتين . { عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة منهما في تقاربها وتضامنها كأنها جنة واحدة ، أو بستاناً كُلِ رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله . { كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبّكُمْ واشكروا لَهُ } حكاية لما قال لهم نبيهم ، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك . { بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } استئناف للدلالة على موجب الشكر ، أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره . وقرىء الكل بالنصب على المدح . قيل كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة .","part":5,"page":27},{"id":2028,"text":"{ فَأَعْرِضُواْ } عن الشكر . { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم } سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم ، وعرم إذا شرس خلقه وصعب ، أو المطر الشديد أو الجرذ ، أضاف إليه ال { سَيْلَ } لأنه نقب عليهم سكراً ضربته لهم بلقيس فحقنت به ماء الشجر وتركت فيه ثقباً على مقدار ما يحتاجون إليه ، أو المسناة التي عقدت سكراً على أنه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة . وقيل اسم وادٍ جاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . { وبدلناهم بِجَنَّتَيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ } ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ طعماً من مرارة ، وقيل الأراك أو كل شجر لا شوك له ، والتقدير كل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في كونه بدلاً ، أو عطف بيان . { وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ } معطوفان على { أَكَلَ } لا على { خَمْطٍ } ، فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له ، وقرئا بالنصب عطفاً على { جَنَّتَيْنِ } ووصف السدر بالقلة فإن جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين ، وتسمية البدل { جَنَّتَيْنِ } للمشاكلة والتهكم . وقرأ أبو عمرو «ذاتي» أكل بغير تنوين اللام وقرأ الحرميان بتخفيف { أَكَلَ } .\r{ ذَلِكَ جزيناهم بِمَا كَفَرُواْ } بكفرانهم النعمة أو بكفرهم بالرسل ، إِذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم ، وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص . { وَهَلْ يُجْازِى إِلاَّ الكفور } وهل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في الكفران أو الكفر . وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص { نُجَازِي } بالنون و { الكفور } بالنصب .\r{ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التى بَارَكْنَا فِيهَا } بالتوسعة على أهلها وهي قرى الشأم . { قُرًى ظاهرة } متواصلة يظهر بعضها لبعض ، أو راكبة متن الطريق ظاهرة لأبناء السبيل . { وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير } بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام . { سِيرُواْ فِيهَا } على إرادة القول بلسان الحال أو المقال . { لَيَالِىَ وَأَيَّاماً } متى شئتم من ليل أو نهار . { ءَامِنِينَ } لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات ، أو سيروا آمنين وإن طالت مدة سفركم فيها ، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن .\r{ فَقَالُواْ رَبَّنَا باعد بَيْنَ أَسْفَارِنَا } أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد ، فأجابهم الله بتخريب القرى المتوسطة . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام «بعد» ، ويعقوب { رَبَّنَا باعد } بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطاً في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه ، ومثله قراءة من قرأ «ربنا بعد» أو «بعد» على النداء وإسناد الفعل إلى { بَيْنَ } .","part":5,"page":28},{"id":2029,"text":"{ وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث بطروا النعمة ولم يعتدوا بها . { فجعلناهم أَحَادِيثَ } يتحدث الناس بهم تعجباً وضرب مثل فيقولون : تفرقوا أيدي سبأ . { ومزقناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ } ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم ، وأنمار بيثرب ، وجذام بتهامة ، والأزد بعمان . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما ذكر . { لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ } عن المعاصي . { شَكُورٍ } على النعم .\r{ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } أي صدق في ظنه أو صدق بظن ظنه مثل فعلته جهدك ، ويجوز أن يعدى الفعل إليه بنفسه كما في : { صَدَقَ وَعْدَهُ } . لأنه نوع من القول ، وشدده الكوفيون بمعنى حقق ظنه أو وجده صادقاً . وقرىء بنصب { إِبْلِيسَ } ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجد ظنه صادقاً ، والتخفيف بمعنى قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم ، وبرفعهما والتخفيف على الأبدان وذلك إما ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات أو ببني آدم حين رأى أباهم النبي ضعيف العزم ، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب ، أو سمع من الملائكة قولهم { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } فقال : { لأضلنهم } و { لأُغْوِيَنَّهُمْ } { فاتبعوه إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ المؤمنين } إلا فريقاً هم المؤمنون لم يتبعوه ، وتقليلهم بالإِضافة إلى الكفار ، أو إلا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون .\r{ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سلطان } تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء . { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بالآخرة مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ } إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقاً يترتب عليه الجزاء ، أو ليتميز المؤمن من الشاك ، أو ليؤمن من قدر إيمانه ويشك من قدر ضلاله ، والمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة ، في نظم الصلتين نكتة لا تخفى . { وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ } محافظ والزنتان متآخيتان .\r{ قُلْ } للمشركين . { ادعوا الذين زَعَمْتُمْ } أي زعمتموهم آلهة ، وهما مفعولا زعم حذف الأول لطول الموصول بصلته والثاني لقيام صفته مقامه ، ولا يجوز أن يكون هو مفعوله الثاني لأنه لا يلتئم مع الضمير كلاماً ولا { لاَّ يَمْلِكُونَ } لأنهم لا يزعمونه . { مِن دُونِ الله } والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم ، ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال : { لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } من خير أو شر . { فِي السموات وَلاَ فِى الأرض } في أمر ما وذكرهما للعموم العرفي ، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام ، أو لأن الأسباب القريبة للشر والخير سماوية وأرضية والجملة استئناف لبيان حالهم . من شركة لا خلقاً ولا ملكاً . { وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } يعينه على تدبير أمرهما .\r{ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ } فلا ينفعهم شفاعة أيضاً كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله . { إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } أذن له أن يشفع ، أو أذن أن يشفع له لعلو شأنه ولم يثبت ذلك ، واللام على الأول كاللام في قولك : الكرم لزيد وعلى الثاني كاللام في قولك : جئتك لزيد ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة .","part":5,"page":29},{"id":2030,"text":"{ حتى إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظاراً للإِذن أي : يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإِذن ، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمناً . وقرأ ابن عامر ويعقوب { فُزّعَ } على البناء للفاعل . وقرىء «فرغ» أي نفي الوجل من فرغ الزاد إذا فني . { قَالُواْ } قال بعضهم لبعض . { مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } في الشفاعة . { قَالُواْ الحق } قالوا قال القول الحق وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى وهم المؤمنون ، وقرىء بالرفع أي مقوله الحق . { وَهُوَ العلى الكبير } ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه .\r{ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السموات والأرض } يريد به تقرير قوله { لاَّ يَمْلِكُونَ } { قُلِ الله } إذ لا جواب سواه ، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإِلزام فهم مقرون به بقلوبهم . { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِى ضلال مُّبِينٍ } أي وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالعبادة ، والمشركين به الجماد النازل في أدنى المراتب الإِمكانية لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبينين ، وهو بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح لأنه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب ، ونظيره قول حسان :\rأَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بكفْءٍ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ\rوقيل إنه على اللف والنشر وفيه نظر ، واختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد مناراً ينظر الأشياء ويتطلع عليها أو ركب جواداً يركضه حيث يشاء ، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى شيئاً أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصى منها .","part":5,"page":30},{"id":2031,"text":"{ قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } هذا أدخل في الإِنصاف وأبلغ في الإِخباث حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين .\r{ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } يوم القيامة . { ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق } يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار . { وَهُوَ الفتاح } الحاكم الفاصل في القضايا المتغلقة . { العليم } بما ينبغي أن يقضى به .\r{ قُلْ أَرُونِىَ الذين أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ } لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة ، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم . { كَلاَّ } ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة . { بَلْ هُوَ الله العزيز الحكيم } الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة ، وهؤلاء الملحقون به متسمون بالذلة متأبية عن قبول العلم والقدرة رأساً ، والضمير لله أو للشأن .\r{ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } إلا إرسالة عامة لهم من الكف فإنها إذا عمتهم قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم ، أو إلا جامعاً لهم في الإِبلاغ فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة ، ولا يجوز جعلها حالاً من الناس على المختار . { بَشِيراً وَنَذِيراً ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } فيحملهم جهلهم على مخالفتك .\r{ وَيَقُولُونَ } من فرط جهلهم . { متى هذا الوعد } يعنون المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله تعالى : { يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } { إِن كُنتُمْ صادقين } يخاطبون به رسول الله A والمؤمنين .\r{ قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } وعد يوم أو زمان وعد ، وإضافته إلى اليوم للتبيين ويؤيده أنه قرىء { يَوْمٍ } على البدل ، وقرىء { يَوْمٍ } بإضمار أعني . { لاَّ تَسْتَئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } إذا فاجأكم وهو جواب تهديد جاء مطابقاً لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإِنكار .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بهذا القرءان وَلاَ بالذى بَيْنَ يَدَيْهِ } ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على النعت . قيل إن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن الرسول A فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم فغضبوا وقالوا ذلك ، وقيل الذي بين يديه يوم القيامة . { وَلَوْ ترى إِذِ الظالمون مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي في موضع المحاسبة . { يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ القول } يتحاورون ويتراجعون القول . { يَقُولُ الذين استضعفوا } يقول الأتباع . { لِلَّذِينَ استكبروا } للرؤساء . { لَوْلاَ أَنتُمْ } لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإِيمان . { لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } باتباع الرسول A .\r{ قَالَ الذين استكبروا لِلَّذِينَ استضعفوا أَنَحْنُ صددناكم عَنِ الهدى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } أنكروا أنهم كانوا صادّين لهم عن الإِيمان وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى وآثروا التقليد عليه ، ولذلك بنوا الإِنكار على الإِسم .\r{ وَقَالَ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا بَلْ مَكْرُ اليل والنهار } إضراب عن إضرابهم أي : لم يكن إجرامنا الصاد بل مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً حتى أعورتم علينا رأينا .","part":5,"page":31},{"id":2032,"text":"{ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } والعاطف يعطفه على كلامهم الأول وإضافة ال { مَكَرَ } إلى الظرف على الاتساع ، وقرىء { مَكْرَ اليل } بالنصب على المصدر و { مَكْرُ اليل } بالتنوين ونصب الظرف و { مَكْرُ اليل } من الكرور . { وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } وأضمر الفريقان الندامة على الضلال والإضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير ، أو أظهروها فإنه من الأضداد إذ الهمزة تصلح للإثبات والسلب كما في أشكيته . { وَجَعَلْنَا الأغلال فِى أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ } أي في أعناقهم فجاء بالظاهر تنويهاً بذمهم وإشعاراً بموجب أغلالهم . { هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم ، وتعدية يجزي إما لتضمين معنى يقضي أو بنزع الخافض .\r{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } تسلية لرسول الله A مما مني به من قومه ، وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي المعظم إليه التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا والانهماك في الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها ، ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب فقالوا : { إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } على مقابلة الجمع بالجمع .\r{ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أموالا وأولادا } فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن . { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } إما لأن العذاب لا يكون ، أو لأنه أكرمنا بذلك فلا يهيننا بالعذاب .\r{ قُلْ } رداً لحسبانهم . { إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } ولذلك يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الخصائص والصفات ، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة وكثيراً ما يكون للاستدراج كما قال :\r{ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } قربة والتي إما لأن المراد وما جماعة أموالكم وأولادكم ، أو لأنها صفة محذوف كالتقوى والخصلة . وقرىء «بالذي» أي بالشيء الذي يقربكم . { إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً } استثناء من مفعول { تُقَرّبُكُمْ } ، أي الأموال والأولاد لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح ، أو من { أموالكم } و { أولادكم } على حذف المضاف . { فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاُ الضعف } أن يجازوا الضعف إلى عشر فما فوقه ، والإِضافة إضافة المصدر إلى المفعول ، وقرىء بالأعمال على الأصل وعن يعقوب رفعهما على إبدال الضعف ، ونصب الجزاء على التمييز أو المصدر لفعله الذي دل عليه لهم . { بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى الغرفات ءامِنُونَ } من المكاره ، وقرىء بفتح الراء وسكونها ، وقرأ حمزة «في الغرفة» على إرادة الجنس .\r{ والذين يَسْعَوْنَ فِى ءاياتنا } بالرد والطعن فيها . { معاجزين } مسابقين لأنبيائنا أو ظانين أنهم يفوتوننا . { أُوْلَئِكَ فِى العذاب مُحْضَرُونَ } .\r{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } يوسع عليه تارة ويضيق عليه أخرى ، فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير . { وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } عوضاً إما عاجلاً أو آجلاً . { وَهُوَ خَيْرُ الرزقين } فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته .\r{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } المستكبرين والمستضعفين . { ثُمَّ نَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تقريعاً للمشركين وتبكيتاً لهم وإقناطاً لهم عما يتوقعون من شفاعتهم ، وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم ، ولأن عبادتهم مبدأ الشرك وأصله . وقرأ حفص ويعقوب بالياء فيهما .","part":5,"page":32},{"id":2033,"text":"{ قَالُواْ سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم ، كأنهم بينوا بذلك براءتهم من الرضا بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم : { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله . وقيل كانوا يتمثلون لهم ويخيلون إليهم أنهم الملائكة فيعبدونهم . { أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } الضمير الأول للإِنس أو للمشركين ، والأكثر بمعنى الكل والثاني ل { الجن } .\r{ فاليوم لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } إذ الأمر فيه كله له لأن الدار دار جزاء وهو المجازي وحده . { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } عطف على { لاَ يَمْلِكُ } مبين للمقصود من تمهيده .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هذا } يعنون محمداً E . { إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ } فيستتبعكم بما يستبدعه . { وَقَالُواْ مَا هذا } يعنون القرآن . { إِلاَّ إِفْكٌ } لعدم مطابقة ما فيه الواقع . { مُّفْتَرًى } بإضافته إلى الله سبحانه وتعالى . { وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ } لأمر النبوة أو للإسلام أو للقرآن ، والأول باعتبار معناه وهذا باعتبار لفظه وإعجازه . { إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر سحريته ، وفي تكرير الفعل والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإِشارة إلى القائلين والمقول فيه ، وما في { لَّمّاً } من المبادهة إلى البت بهذا القول إنكار عظيم له وتعجيب بليغ منه .\r{ وَمَا ءاتيناهم مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } فيها دليل على صحة الإِشراك . { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } يدعوهم إليه وينذرهم على تركه ، وقد بان من قبل أن لا وجه له فمن أين وقع لهم هذه الشبهة ، وهذا في غاية التجهيل لهم والتسفيه لرأيهم ثم هددهم فقال :\r{ وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } كما كذبوا . { وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتيناهم } وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا أولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال ، أو ما بلغ أولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى . { فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير فكيف كان نكيري لهم فليحذر هؤلاء من مثله ، ولا تكرير في كذب لأن الأول للتكثير والثاني للتكذيب ، أو الأول مطلق والثاني مقيد ولذلك عطف عليه بالفاء .\r{ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بواحدة } أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة هي ما دل عليه : { أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } وهو القيام من مجلس رسول الله A ، أو الانتصاب في الأمر خالصاً لوجه الله معرضاً عن المراء والتقليد . { مثنى وفرادى } متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً ، فإن الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول . { ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمر محمد A وما جاء به لتعلموا حقيقته ، ومحله الجر على البدل أو البيان أو الرفع أو النصب بإضمار هو أعني .","part":5,"page":33},{"id":2034,"text":"{ مَا بصاحبكم مّن جِنَّةٍ } فتعلموا ما به من جنون يحمله على ذلك ، أو استئناف منبه لهم على أن ما عرفوا من رجاحة عقله كاف في ترجيح صدقه ، فإنه لا يدعه أن يتصدى لادعاء أمر خطير وخطب عظيم من غير تحقق ووثوق ببرهان ، فيفتضح على رؤوس الأشهاد ويلقي نفسه إلى الهلاك ، فكيف وقد انضم إليه معجزات كثيرة . وقيل { مَا } استفهامية والمعنى : ثم تتفكروا أي شيء به من آثار الجنون : { إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } قدامه لأنه مبعوث في نسيم الساعة .\r{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } أي شيء سألتكم من أجر على الرسالة . { فَهُوَ لَكُمْ } والمراد نفي السؤال عنه ، كأن جعل التنبي مستلزماً لأحد الأمرين إما الجنون وإما توقع نفع دنيوي عليه ، لأنه إما أن يكون لغرض أو لغيره وأياً ما كان يلزم أحدهما ثم نفى كلاً منهما . وقيل { مَا } موصولة مراد بها ما سألهم بقوله : { مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } وقوله : { لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِى القربى } واتخاذ السبيل ينفعهم وقرباه قرباهم . { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله وَهُوَ على كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي بإسكان الياء .","part":5,"page":34},{"id":2035,"text":"{ قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بالحق } يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده ، أو يرمي به الباطل فيدمغه أو يرمي به إلى أقطار الآفاق ، فيكون وعداً بإظهار الإِسلام وإفشائه . وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء . { علام الغيوب } صفة محمولة على محل { إِن } واسمها ، أو بدل من المستكن في { يَقْذِفُ } أو خبر ثان أو خبر محذوف . وقرىء بالنصب صفة ل { رَبّي } أو مقدراً بأعني . وقرأ حمزة وأبو بكر «الغيوب» بالكسر كالبيوت وبالضم كالعشور ، وقرىء بالفتح كالصبور على أنه مبالغة غائب .\r{ قُلْ جَاءَ الحق } أي الإِسلام . { وَمَا يُبْدِىء الباطل وَمَا يُعِيدُ } وزهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي ، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة قال :\rأَقْفَر مِنْ أَهْلِهِ عبيد ... فَالْيَوْمَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيد\rوقيل الباطل إبليس أو الصنم ، والمعنى لا ينشىء خلقاً ولا يعيده ، أو لا يبدىء خيراً لأهله ولا يعيده . وقيل { مَا } استفهامية منتصبة بما بعدها .\r{ قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الحق . { فَإِنَّمَا أَضِلُّ على نَفْسِى } فإن وبال ضلالي عليها لأنه بسببها إذ هي الجاهلة بالذات والأمارة بالسوء ، وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله : { وَإِنِ اهتديت فَبِمَا يُوحِي إِلَىَّ رَبّي } فإن الاهتداء بهدايته وتوفيقه . { إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله وإن أخفاه .\r{ وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ } عند الموت أو البعث أو يوم بدر ، وجواب { لَوْ } محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً . { فَلاَ فَوْتَ } فلا يفوتون الله بهرب أو تحصن . { وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من ظهر الأرض إلى باطنها ، أو من الموقف إلى النار أو من صحراء بدر إلى القليب ، والعطف على { فَزِعُواْ } أو لا فوت ويؤيده أنه قرىء «وأخذ» عطفاً على محله أي : فلا فوت هناك وهناك أخذ .\r{ وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ } بمحمد E ، وقد مر ذكره في قوله : { مَا بصاحبكم } { وأنى لَهُمُ التناوش } ومن أين لهم أن يتناولوا الإِيمان تناولاً سهلاً . { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } فإنه في حيز التكليف وقد بعد عنهم ، وهو تمثيل لحالهم في الاستخلاص بالإِيمان بعدما فات عنهم أوانه وبعد عنهم ، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة ، وقرأ أبو عمرو والكوفيون غير حفص بالهمز على قلب الواو لضمتها .\rأو أنه من نأشت الشيء إذا طلبته قال رؤبة :\rأَقْحَمَنِي جَارُ أَبِي الجَامُوش ... إِلَيْكَ نَأْشَ القَدَرِ التّؤوشَ\rأو من نأشت إذا تأخرت ومنه قوله :\rتَمَنَّى نَشِيْشاً أَن يَكُونَ أَطَاعَنِي ... وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ\rفيكون بمعنى التناول من بعد .\r{ وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ } بمحمد E أو بالعذاب . { مِن قَبْلُ } من قبل ذلك أوان التكليف .","part":5,"page":35},{"id":2036,"text":"{ وَيَقْذِفُونَ بالغيب } ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم الرسول E من المطاعن ، أو في العذاب من البث على نفيه . { مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } من جانب بعيد من أمره ، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول A ، أو حال الآخرة كما حكاه من قبل . ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئاً لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه ، وقرىء «وَيَقْذِفُونَ» على أن الشيطان يلقي إليهم ويلقنهم ذلك ، والعطف على { وَقَدْ كَفَرُواْ } على حكاية الحال الماضية أو على قالوا فيكون تمثيلاً لحالهم بحال القاذف في تحصيل ما ضيعوه من الإِيمان في الدنيا .\r{ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من نفع الإِيمان والنجاة به من النار ، وقرأ ابن عمر والكسائي بإشمام الضم للحاء . { كَمَا فُعِلَ بأشياعهم مّن قَبْلُ } بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة . { إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ } موقع في الريبة ، أو ذي ريبة منقول من المشكك ، أو الشك نعت به الشك للمبالغة .\rعن النبي A \" من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة رفيقاً ومصافحاً \" .","part":5,"page":36},{"id":2037,"text":"مكية وآيها خمس وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الحمد للَّهِ فَاطِرِ السموات والأرض } مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه ، والإِضافة محضة لأنه بمعنى الماضي . { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإِلهام والرؤيا الصادقة ، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه . { أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مثنى وثلاث ورباع } ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون ، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على أمرهم به ، ولعله لم يرد به خصوصية الإِعداد ونفي ما زال عليها ، لما روي أنه E رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح { يَزِيدُ فِى الخلق مَا يَشَاءُ } استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم ، لأن اختلاف الأصناف ، والأنواع بالخواص والفصول إن كان لذواتهم المشتركة لزم تنافي لوازم الأمور المتفقة وهو محال ، والآية متناولة زيادات الصور والمعاني كملاحة الوجه وحسن الصوت وحصافة العقل وسماحة النفس . { إِنَّ الله على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض ، إنما هو من جهة الإرادة .\r{ مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ } ما يطلق لهم ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب . { مِن رَّحْمَةِ } كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة . { فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } يحبسها . { وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } يطلقه ، واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق بتناولها والغضب ، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه . { مِن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه . { وَهُوَ العزيز } الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه . { الحكيم } لا يفعل إلا بعلم وإتقان . ثم لما بين أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإِطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال :\r{ ياأيها الناس اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ } احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها ، ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحق أن يشرك به بقوله : { هَلْ مِنْ خالق غَيْرُ الله يَرْزُقُكُمْ مّنَ السماء والأرض لاَ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ } فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به ، ورفع { غَيْر } للحمل على محل { مِنْ خالق } بأنه وصف أو بدل ، فإن الاستفهام بمعنى النفي ، أو لأنه فاعل { خالق } وجره حمزة والكسائي حملاً على لفظه ، وقد نصب على الاستثناء ، و { يَرْزُقُكُمْ } صفة ل { خالق } أو استئناف مفسر له أو كلام مبتدأ ، وعلى الأخير يكون إطلاق { هَلْ مِنْ خالق } مانعاً من إطلاقه على غير الله .\r{ وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم ، فوضع { فَقَدْ كُذّبَتْ } موضعه استغناء بالسبب عن المسبب ، وتنكير رسل للتعظيم المقتضي زيادة التسلية والحث على المصابرة .","part":5,"page":37},{"id":2038,"text":"{ وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب .\r{ ياأيها الناس إِنَّ وَعْدَ الله } بالحشر والجزاء . { حَقٌّ } لا خلف فيه . { فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا } فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها . { وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور } الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية ، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة . وقرىء بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود .\r{ إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ } عداوة عامة قديمة . { فاتخذوه عَدُوّاً } في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم . { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أصحاب السعير } تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى الدنيا .","part":5,"page":38},{"id":2039,"text":"{ الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } وعيد لمن أجاب دعاءه ووعد لمن خالفه وقطع للأماني الفارغة ، وبناء للأمر كله على الإِيمان والعمل الصالح وقوله :\r{ أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً } تقرير له أي أفمن زين له سوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقاً والقبيح حسناً ، كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه ، فحذف الجواب لدلالة : { فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } وقيل تقديره أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة ، فحذف الجواب لدلالة : { فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حسرات } عليه ومعناه فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب ، والفاءات الثلاث للسببية غير أن الأوليين دخلتا على السبب والثالثة دخلت على المسبب ، وجمع الحسرات للدلالة على تضاعف اغتمامه على أحوالهم أو كثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسف ، وعليهم ليس صلة لها لأن صلة المصدر لا تتقدمه بل صلة تذهب أو بيان للمتحسر عليه . { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } فيجازيهم عليه .\r{ والله الذى أَرْسَلَ الرياح } وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح . { فَتُثِيرُ سحابا } على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة ، ولأن المراد بيان أحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها ، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر . { فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ } وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بالتشديد . { فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض } بالمطر النازل منه وذكر السحاب كذكره ، أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطراً . { بَعْدَ مَوْتِهَا } بعد يبسها والعدول فيهما من الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصنع . { كَذَلِكَ النشور } أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية ، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه وذلك لا مدخل له فيها . وقيل في كيفية الإِحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش تنبت منه أجساد الخلق .\r{ مَن كَانَ يُرِيدُ العزة } الشرف والمنعة . { فَلِلَّهِ العزة جَمِيعاً } أي فليطلبها من عنده فإن له كلها ، فاستغنى بالدليل عن المدلول . { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب والعمل الصالح يَرْفَعُهُ } بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح ، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما ، أو صعود الكتبة بصحيفتهما ، والمستكن في { يَرْفَعُهُ } ل { الكلم } فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ويؤيده أنه نصب { العمل } ، أو ل { العمل } فإنه يحقق الإِيمان ويقويه ، أو لله وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة . وقرىء { يَصْعَدُ } على البناءين والمصعد هو الله تعالى أو المتكلم به أو الملك .","part":5,"page":39},{"id":2040,"text":"وقيل { الكلم الطيب } يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن . وعنه E \" هو سبحان الله والحمد لله ولا إله لا الله والله أكبر ، فإذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن ، فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل \" . { والذين يَمْكُرُونَ } المكرات السيئات يعني مكرات قريش للنبي E في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه . { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } لا يؤبه دونه بما يمكرون به . { وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ } يفسد ولا ينفذ لأن الأمور مقدرة لا تتغير به كما دل عليه بقوله :\r{ والله خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } بخلق آدم عليه السلام منه . { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } بخلق ذريته منها . { ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزواجا } ذكراناً وإناثاً . { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ } إلاَّ معلومة له . { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } وما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر . { وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره ، أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصاً ، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو للعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم : لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق . وقيل الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل : أن يكون فيه إن حج عمرو فعمره ستون سنة وإلا فأربعون . وقيل المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقضي فإنه يكتب في صحيفة عمره يوماً فيوماً ، وعن يعقوب «وَلاَ يُنقَصُ» على البناء للفاعل . { إِلاَّ فِى كتاب } هو علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ أو الصحيفة . { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } إشارة إلى الحفظ أو الزيادة أو النقص .","part":5,"page":40},{"id":2041,"text":"{ وَمَا يَسْتَوِى البحران هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ } ضرب مثل للمؤمن والكافر ، والفرات الذي يكسر العطش والسائغ الذي يسهل انحداره ، والأجاج الذي يحرق بملوحته . وقرىء «سيغ» بالتشديد و «سيغ» بالتخفيف و { مِلْحٌ } على فعل . { وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا } استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم ، أو تمام التمثيل والمعنى : كما أنهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء ، فإنه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته ، لا يتساوى المؤمن والكافر وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات كالشجاعة والسخاوة لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى وهي بقاء أحدهما على الفطرة الأصلية دون الآخر ، أو تفضيل للأجاج على الكافر بما يشارك فيه العذب من المنافع . والمراد ب { الحلية } اللآلىء واليواقيت . { وَتَرَى الفلك فِيهِ } في كل . { مَوَاخِرَ } تشق الماء بجريها . { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من فضل الله بالنقلة فيها ، واللام متعلقة ب { مَوَاخِرَ } ، ويجوز أن تتعلق بما دل عليه الأفعال المذكورة . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } على ذلك وحرف الترجي باعتبار ما يقتضيه ظاهر الحال .\r{ يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى } هي مدة دوره أو منتهاه أو يوم القيامة . { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك } الإِشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء . وفيها إشعار بأن فاعليته لها موجبة لثبوت الأخبار المترادفة ، ويحتمل أن يكون { لَهُ الملك } كلاماً مبتدأ في قرآن . { والذين تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ } للدلالة على تفرده بالألوهية والربوبية ، والقطمير لفافة النواة .\r{ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءَكُمْ } لأنهم جماد { وَلَوْ سَمِعُواْ } على سبيل الفرض . { مَا استجابوا لَكُمْ } لعدم قدرتهم على الإِنفاع ، أو لتبرئهم منكم مما تدعون لهم . { وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } بإشراككم لهم يقرون ببطلانه أو يقولون { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } { وَلاَ يُنَبّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } ولا يخبرك بالأمر مخبر { مِثْلُ خَبِيرٍ } به أخبرك وهو الله سبحانه وتعالى ، فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين . والمراد تحقيق ما أخبر به من حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم .\r{ ياأيها الناس أَنتُمُ الفقراء إِلَى الله } في أنفسكم وما يعن لكم ، وتعريف الفقراء للمبالغة في فقرهم كأنهم لشدة افتقارهم وكثرة احتياجهم هم الفقراء ، وأن افتقار سائر الخلائق بالإِضافة إلى فقرهم غير معتد به ولذلك قال : { وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً } { والله هُوَ الغني الحميد } المستغني على الإِطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد .\r{ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } بقوم آخرين أطوع منكم ، أو بعالم آخر غير ما تعرفونه .","part":5,"page":41},{"id":2042,"text":"{ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بمتعذر أو متعسر .\r{ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، وأما قوله : { وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ } ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم مع أثقال ضلالهم ، وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شيء من أوزار غيرهم . { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } نفس أثقلها الأوزار . { إلى حِمْلِهَا } تحمل بعض أوزارها . { لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ } لم تجب لحمل شيء منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها . { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } ولو كان المدعو ذا قرابتها ، فأضمر المدعو لدلالة إن تدع عليه . وقرىء «ذو قربى» على حذف الخبر وهو أولى من جعل كان التامة فإنها لا تلائم نظم الكلام . { إِنَّمَا تُنذِرُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالغيب } غائبين عن عذابه ، أو عن الناس في خلواتهم ، أو غائباً عنهم عذابه . { وَأَقَامُواْ الصلاة } فإنهم المنتفعون بالإِنذار لا غير ، واختلاف الفعلين لما مر من الاستمرار . { وَمَن تزكى } ومن تطهر من دنس المعاصي . { فَإِنَّمَا يتزكى لِنَفْسِهِ } إذ نفعه لها ، وقرىء «ومن أزكى فإنما يزكي» وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي . { وإلى الله المصير } فيجازيهم على تزكيهم .\r{ وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير } الكافر والمؤمن ، وقيل هما مثلان للصنم ولله D .\r{ وَلاَ الظلمات وَلاَ النور } ولا الباطل ولا الحق .\r{ وَلاَ الظل وَلاَ الحرور } ولا الثواب ولا العقاب ، ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد . و { الحرور } فعول من الحر غلب على السموم . وقيل السموم ما يهب نهاراً والحرور ما تهب ليلاً .\r{ وَمَا يَسْتَوِى الأحياء وَلاَ الأموات } تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين أبلغ من الأول ولذلك كرر الفعل . وقيل للعلماء والجهلاء . { إِنَّ الله يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ } هدايته فيوفقه لفهم آياته والاتعاظ بعظاته . { وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى القبور } ترشيح لتمثيل المصرين على الكفر بالأموات ومبالغة في إقناطه عنهم .\r{ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ } فما عليك إلا الإِنذار وأما الإِسماع فلا إليك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم .\r{ إِنَّا أرسلناك بالحق } محقين أو محقاً ، أو إرسالاً مصحوباً بالحق ، ويجوز أن يكون صلة لقوله : { بَشِيراً وَنَذِيراً } أي بشيراً بالوعد الحق ونذيراً بالوعيد الحق . { وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ } أهل عصر . { إِلاَّ خَلاَ } مضى . { فِيهَا نَذِيرٌ } من نبي أو عالم ينذر عنه ، والاكتفاء بذكره للعلم بأن النذارة قرينة البشارة سيما وقد قرن به من قبل ، أو لأن الإِنذار هو الأهم المقصود من البعثة .\r{ وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم . { وبالزبر } كصحف إبراهيم عليه السلام . { وبالكتاب المنير } كالتوراة والإِنجيل على إرادة التفصيل دون الجمع ، ويجوز أن يراد بهما واحد والعطف لتغاير الوصفين .","part":5,"page":42},{"id":2043,"text":"{ ثُمَّ أَخَذْتُ الذين كَفَرُواْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي إنكار بالعقوبة .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا } أجناسها وأصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة ، أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما . { وَمِنَ الجبال جُدَدٌ } أي ذو جدد أي خطط وطرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره ، وقرىء «جُدَدٌ» بالضم جمع جديدة بمعنى الجدة و «جُدَدٌ» بفتحتين وهو الطريق الواضح . { بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألوانها } بالشدة والضعف . { وَغَرَابِيبُ سُودٌ } عطف على { بَيْضٌ } أو على { جُدَدٌ } كأنه قيل : ومن الجبال ذو جدد مختلفة اللون ومنها { غرابيب } متحدة اللون ، وهو تأكيد مضمر يفسره ما بعده فإن الغربيب تأكيد للأسود ومن حق التأكيد أن يتبع المؤكد ونظير ذلك في الصفة قول النابغة :\rوَالمُؤْمِنُ العَائِذَاتُ الطَيْرُ يَمْسَحُهَا ... وفي مثله مزيد تأكيد لما فيه من التكرير باعتبار الإِضمار والإِظهار .\r{ وَمِنَ الناس والدواب والأنعام مُخْتَلِفٌ ألوانه كَذَلِكَ } كاختلاف الثمار والجبال . { إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء } إذ شرط الخشية معرفة المخشي والعلم بصفاته وأفعاله ، فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال E \" إني أخشاكم لله وأتقاكم له \" ولذلك أتبعه بذكر أفعاله الدالة على كمال قدرته ، وتقديم المفعول لأن المقصود حصر الفاعلية ولو أخر انعكس الأمر . وقرىء برفع اسم الله ونصب العلماء على أن الخشية مستعارة للتعظيم فإن المعظم يكون مهيباً . { إِنَّ الله عَزِيزٌ غَفُورٌ } تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه .\r{ إِنَّ الذين يَتْلُونَ كتاب الله } يداومون على قرائته أو متابعة ما فيه حتى صارت سمة لهم وعنواناً ، والمراد بكتاب الله القرآن أو جنس كتب الله فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين . { وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً } كيف اتفق من غير قصد إليهما . وقيل السر في المسنونة والعلانية في المفروضة . { يَرْجُونَ تجارة } تحصيل ثواب الطاعة وهو خبر إن . { لَّن تَبُورَ } لن تكسد ولن تهلك بالخسران صفة للتجارة وقوله :\r{ لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ } علة لمدلوله أي ينتفي عنها الكساد وتنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها أجور أعمالهم ، أو لمدلول ما عد من امتثالهم نحو فعلوا ذلك { لِيُوَفّيَهُمْ } أو عاقبة ل { يَرْجُونَ } . { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } على ما يقابل أعمالهم . { إِنَّهُ غَفُورٌ } لفرطاتهم . { شَكُورٍ } لطاعاتهم أي مجازيهم عليها ، وهو علة للتوفية والزيادة أو خبر إن ويرجون حال من واو وأنفقوا .\r{ والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } يعني القرآن و { مِنْ } للتبيين أو الجنس و { مِنْ } للتبعيض . { هُوَ الحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أحقه مصدقاً لما تقدمه من الكتب السماوية حال مؤكدة لأن حقيته تستلزم موافقته إياه في العقائد وأصول الأحكام .","part":5,"page":43},{"id":2044,"text":"{ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ } عالم بالبواطن والظواهر فلو كان في أحوالك ما ينافي النبوة لم يوح إليك مثل هذا الكتاب المعجز الذي هو عيار على سائر الكتب ، وتقديم الخبير للدلالة على أن العمدة في ذلك الأمور الروحانية .\r{ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب } حكمنا بتوريثه منك أو نورثه فعبر عنه بالماضي لتحققه ، أو أورثناه من الأمم السالفة ، والعطف على { إِنَّ الذين يَتْلُونَ } { والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } اعتراض لبيان كيفية التوريث . { الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } يعني علماء الأمة من الصحابة ومن بعدهم ، أو الأمة بأسرهم فإن الله اصطفاهم على سائر الأمم { فَمِنْهُمْ ظالم لّنَفْسِهِ } بالتقصير في العمل به . { وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } يعمل به في غالب الأوقات . { وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بالخيرات بِإِذُنِ الله } بضم التعليم والإِرشاد إلى العمل ، وقيل الظالم الجاهل والمقتصد المتعلم والسابق العالم . وقيل الظالم المجرم والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفرة ، وهو معنى قوله E \" أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حساباً يسيراً ، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يحبسون في طول المحشر ثم يتلقاهم الله برحمته \" وقيل الظالم الكافر على أن الضمير للعباد ، وتقدميه لكثرة الظالمين ولأن الظلم بمعنى الجهل والركون إلى الهوى مقتضى الجبلة والاقتصاد والسبق عارضان . { ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير } إشارة إلى التوريث أو الاصطفاء أو السبق .\r{ جنات عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا } مبتدأ وخبر والضمير للثلاثة أو ل { الذين } أو لل { مُّقْتَصِدٌ } وال { سَابِقُ } ، فإن المراد بهما الجنس وقرىء «جنة عدن» و { جنات عَدْنٍ } منصوب بفعل يفسره الظاهر ، وقرأ أبو عمرو «يَدْخُلُونَهَا» على البناء للمفعول . { يُحَلَّوْنَ فِيهَا } خبر ثان أو حال مقدرة ، وقرىء «يُحَلَّوْنَ» من حليت المرأة فهي حالية . { مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } { مِنْ } الأولى للتبعيض والثانية للتبيين . { وَلُؤْلُؤاً } عطف على { ذَهَبَ } أي { مّن ذَهَبٍ } مرصع باللؤلؤ ، أو { مّن ذَهَبٍ } في صفاء اللؤلؤ ونصبه نافع وعاصم رحمهما الله تعالى عطفاً على محل { مِنْ أَسَاوِرَ } . { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } .","part":5,"page":44},{"id":2045,"text":"{ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى أَذْهَبَ عَنَّا الحزن } همهم من خوف العاقبة ، أو همهم من أجل المعاش وآفاته أو من وسوسة إبليس وغيرها ، وقرىء { الحزن } . { وَإِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ } للمذنبين . { شَكُورٍ } للمطيعين .\r{ الذى أَحَلَّنَا دَارَ المقامة } دار الإِقامة . { مِن فَضْلِهِ } من إنعامه وتفضله إذ لا واجب عليه . { لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ } تعب . { وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ } كلا إذ لا تكليف فيها ولا كد ، أتبع نفي النصب نفي ما يتبعه مبالغة .\r{ والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ } لا يحكم عليهم بموت ثان . { فَيَمُوتُواْ } فيتسريحوا ، ونصبه بإضمار أن ، وقرىء «فيموتون» عطفاً على { يقضى } فقوله تعالى : { وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } { وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مّنْ عَذَابِهَا } بل كلما خبت زيد إسعارها . { كذلك } مثل ذلك الجزاء . { نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ } مبالغ في الكفر أو الكفران ، وقرأ أبو عمرو «يجزى» على بناء المفعول وإسناده إلى { كُلٌّ } ، وقرى «يجازي» .\r{ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا } يستغيثون يفتعلون من الصراخ وهو الصياح استعمل في الاستغاثة لجهر المستغيث صوته . { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } بإضمار القول وتقييد العمل الصالح بالوصف المذكور للتحسر على ما عملوه من غير الصالح والاعتراف به ، والإشعار بأن استخراجهم لتلافيه وأنهم كانوا يحسبون أنه صالح والآن تحقق لهم خلافه . { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النذير } جواب من الله وتوبيخ لهم و { مَّا يَتَذَكَّرُ } فيه متناول كل عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر ، وقيل ما بين العشرين إلى الستين . وعنه E \" العمر الذي أعذر الله فيه إلى ابن آدم ستون سنة \" والعطف على معنى { أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ } فإنه للتقرير كأنه قال : عمرناكم وجاءكم النذير وهو النبي A أو الكتاب ، وقيل العقل أو الشيب أو موت الأقارب . { فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } يدفع العذاب عنهم .\r{ إِنَّ الله عالم غَيْبِ السموات والأرض } لا يخفى عليه خافية فلا يخفى عليه أحوالهم . { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } تعليل له لأنه إذا علم مضمرات الصدور وهي أخفى ما يكون كان أعلم بغيرها .\r{ هُوَ الذى جَعَلَكُمْ خلائف فِى الأرض } ملقى إليكم مقاليد التصرف فيها ، وقيل خلفاً بعد خلف جمع خليفة والخلفاء جمع خليف . { فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ } جزاء كفره . { وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } بيان له ، والتكرير للدلالة على عن اقتضاء الكفر لكل واحد من الأمرين مستقل باقتضاء قبحه ووجوب التجنب عنه ، والمراد بالمقت وهو أشد البغض مقت الله وبالخسار خسار الآخرة .\r{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } يعني آلهتهم والإِضافة إليهم لأنهم جعلوهم شركاء الله أو لأنفسهم فيما يملكونه .","part":5,"page":45},{"id":2046,"text":"{ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض } بدل من { أَرَءَيْتُمْ } بدل الاشتمال لأنه بمعنى أخبروني كأنه قال : أخبروني عن هؤلاء الشركاء أروني أي جزء من الأرض استبدوا بخلقه . { أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السموات } أم لهم شركة مع الله في خلق السموات فاستحقوا بذلك شركة في الألوهية ذاتية . { أَمْ ءَاتَيْنَاهُم كِتَاباً } ينطق على أنا اتخذناهم شركاء . { فَهُمْ على بَيّنَةٍ مّنْهُ } على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية ، ويجوز أن يكون هم للمشركين كقوله تعالى : { أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سلطانا } وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والكسائي «على بينات» فيكون إيماء إلى أن الشرك خطير لا بد فيه من تعاضد الدلائل . { بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم إِلاَّ غُرُوراً } لما نفى أنواع الحجج في ذلك أضرب عنه بذكر ما حملهم عليه وهو تغرير الأسلاف الأخلاف ، أو الرؤساء الأتباع بأنهم شفعاء عند الله يشفعون لهم بالتقرب إليه .\r{ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ } كراهة أن تزولا فإن الممكن حال بقائه لا بد له من حافظ ، أو يمنعهما أن تزولا لأن الإِمساك منع . { وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ } ما أمسكهما . { مِن بَعْدِهِ } من بعد الله أو من بعد الزوال ، والجملة سادة مسد الجوابين ومن الأولى زائدة والثانية للابتداء . { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا } حيث أمسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هداً كما قال تعالى : { تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض . }","part":5,"page":46},{"id":2047,"text":"{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لَئِن جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم } . وذلك أن قريشاً لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا : لعن الله اليهود والنصارى لو أتانا رسول لنكونن { أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم } ، أي من واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم ، أو من الأمة التي يقال فيها هي { إِحْدَى الأمم } تفضيلاً لها على غيرها في الهدى والاستقامة . { فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ } يعني محمداً E . { مَّا زَادَهُمْ } أي النذير أو مجيئه على التسبب . { إِلاَّ نُفُورًا } تباعداً عن الحق .\r{ استكبارا فِى الأرض } بدل من نفوراً أو مفعول له . { وَمَكْرَ السيىء } أصله وإن مكروا المكر السيء فحذف الموصوف استغناء بوصفه ، ثم بدل أن مع الفعل بالمصدر ، ثم أضيف . وقرأ حمزة وحده بسكون الهمزة في الوصل . { وَلاَ يَحِيقُ } ولا يحيط . { المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } وهو الماكر وقد حاق بهم يوم بدر ، وقرىء { وَلاَ يَحِيقُ المكر } أي ولا يحيق الله . { فَهَلْ يَنظُرُونَ } ينتظرون . { إِلا سُنَّتُ الأولين } سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم . { فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً } إذ لا يبدلها بجعله غير التعذيب تعذيباً ولا يحولها بأن ينقله من المكذبين إلى غيرهم ، وقوله :\r{ أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } استشهاد علم بما يشاهدونه في مسايرهم إلى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين . { وَكَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَىْءٍ } ليسبقه ويفوته . { فِي السموات وَلاَ فِى الأرض إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً } بالأشياء كلها . { قَدِيراً } عليها .\r{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ } من المعاصي . { مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا } ظهر الأرض { مِن دَابَّةٍ } من نسمة تدب عليها بشؤم معاصيهم ، وقيل المراد بالدابة الإِنس وحده لقوله : { ولكن يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } هو يوم القيامة . { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً } فيجازيهم على أعمالهم .\rعن النبي A « من قرأ سورة الملائكة دعته ثمانية أبواب الجنة : أن أدخل من أي باب شئت » .","part":5,"page":47},{"id":2048,"text":"مكية وعنه E \" يس تدعى المعمة تعم\rصاحبها خير الدارين\rوالدافعة والقاضية تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل\rحاجة \" وآيها ثلاث وثمانون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ يس } في المعنى والإِعراب ، وقيل معناه يا إنسان بلغة طيء ، على أن أصله يا أنيسين فاقتصر على شطره لكثرة النداء به كما قيل ( من الله ) في أيمن . وقرىء بالكسر كجير وبالفتح على البناء كأين ، أو الإِعراب على اتل يس أو بإضمار حرف القسم والفتحة لمنع الصرف وبالضم بناء كحيث ، أو إعراباً على هذه { يس } وأمال الياء حمزة والكسائي وروح وأبو بكر وأدغم النون في واو .\r{ والقرءان الحكيم } ابن عامر والكسائي وأبو بكر وورش ويعقوب ، وهي واو القسم أو العطف إن جعل { يس } مقسماً به .\r{ إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } لمن الذين أرسلوا .\r{ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } وهو التوحيد والإِستقامة في الأمور ، ويجوز أن يكون { على صراط } خبراً ثانياً أو حالاً من المستكن في الجار والمجرور ، وفائدته وصف الشرع صريحاً بالاستقامة وإن دل عليه { لَمِنَ المرسلين } التزاماً .\r{ تَنزِيلَ العزيز الرحيم } خبر محذوف والمصدر بمعنى المفعول . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص بالنصب بإضمار أعني أو فعله على أنه على أصله ، وقرىء بالجر على البدل من القرآن .\r{ لِتُنذِرَ قَوْماً } متعلق ب { تَنزِيلَ } أو بمعنى { لَمِنَ المرسلين } . { مَّا أُنذِرَ ءَابَاؤُهُمْ } قوماً غير منذر آباؤهم يعني آباءَهم الأقربين لتطاول مدة الفترة ، فيكون صفة مبينة لشدة حاجتهم إلى إرساله ، أو الذي أنذر به أو شيئاً أنذر به آباؤهم الأبعدون ، فيكون مفعولاً ثانياً { لّتُنذِرَ } ، أو إنذار آبائَهم على المصدر . { فَهُمْ غافلون } متعلق بالنفي على الأول أي لم ينذروا فبقوا غافلين ، أو بقوله { إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين } على الوجوه الأخرى أي أرسلناك إليهم لتنذرهم فإنهم غافلون .\r{ لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ } يعني قوله تعالى : { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } { فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } لأنهم ممن علم الله أنهم لا يؤمنون .\r{ إِنَّا جَعَلْنَا فِى أعناقهم أغلالا } تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني عنهم الآيات والنذر ، بتمثيلهم بالذين غلت أعناقهم . { فَهِىَ إِلَى الأذقان } فالأغلال واصلة إلى أذقانهم فلا تخليهم يطأطئون رؤوسهم له . { فَهُم مُّقْمَحُونَ } رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم في أنهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له .\r{ وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فأغشيناهم فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ } وبمن أحاط بهم سدان فغطى أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل . وقرأ حمزة والكسائي وحفص «سَدّا» بالفتح وهو لغة فيه ، وقيل ما كان بفعل الناس فبالفتح وما كان بخلق الله فبالضم .","part":5,"page":48},{"id":2049,"text":"وقرىء «فأعشيناهم» من العشاء . وقيل الآيتان في بني مخزوم حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النبي A فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه ، فلما رفع يده انثنت إلى عنقه ولزق الحجر بيده حتى فكوه عنها بجهد ، فرجع إلى قومه فأخبرهم ، فقال مخزومي آخر : أنا أقتله بهذا الحجر فذهب فأعمى الله بصره .\r{ وَسَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَءَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ } سبق في سورة «البقرة» تفسيره .\r{ إِنَّمَا تُنذِرُ } إنذاراً يترتب عليه البغية المرومة . { مَنِ اتبع الذكر } أي القرآن بالتأمل فيه والعمل به . { وَخشِىَ الرحمن بالغيب } وخاف عقابه قبل حلوله ومعاينة أهواله ، أو في سريرته ولا يغتر برحمته فإنه كما هو رحمن ، منتقم قهار . { فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } .","part":5,"page":49},{"id":2050,"text":"{ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى } الأموات بالبعث أو الجهال بالهداية . { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } ما أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة . { وَءَاثَارَهُمْ } الحسنة كعلم علموه وحبيس وقفوه ، والسيئة كإشاعة باطل وتأسيس ظلم . { وَكُلَّ شىْءٍ أحصيناه فِى إِمَامٍ مُّبِينٍ } يعني اللوح المحفوظ .\r{ واضرب لَهُم } ومثل لهم من قولهم هذه الأشياء على ضرب واحد أي مثال واحد ، وهو يتعدى إلى مفعولين لتضمنه معنى الجعل وهما : { مَّثَلاً أصحاب القرية } على حذف مضاف أي اجعل لهم مثل أصحاب القرية مثلاً ، ويجوز أن يقتصر على واحد ويجعل المقدر بدلاً من الملفوظ أو بياناً له ، والقرية انطاكية . { إِذْ جَاءَهَا المرسلون } بدل من أصحاب القرية ، و { المرسلون } رسل عيسى E إلى أهلها وإضافته إلى نفسه في قوله :\r{ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثنين } لأنه فعل رسوله وخليفته وهما يحيى ويونس ، وقيل غيرهما . { فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا } فقوينا ، وقرأ أبو بكر مخففاً من عزه إذا غلبه وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه ولأن المقصود ذكر المعزز به . { بِثَالِثٍ } وهو شمعون . { فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ } وذَلِكَ أنهم كانوا عبدة أصنام فأرسل إليهم عيسى عليه السلام اثنين ، فلما قربا من المدينة رأيا حبيباً النجار يرعى غنماً فسألهما فأخبراه فقال : أمعكما آية فقالا : نشفي المريض ونبرىء الأكمه والأبرص ، وكان له ولد مريض فمسحاه فبرأ فآمن حبيب وفشا الخبر ، فشفي على أيديهما خلق كثير وبلغ حديثهما إلى الملك وقال لهما : ألنا إله سوى آلهتنا؟\rقالا : نعم من أوجدك وآلهتك ، قال حتى أنظر في أمركما فحبسهما ، ثم بعث عيسى شمعون فدخل متنكراً وعاشر أصحاب الملك حتى استأنسوا به وأوصلوه إلى الملك فأنس به ، فقال له يوماً : سمعت أنك حبست رجلين فهل سمعت ما يقولانه ، قال فدعاهما فقال شمعون من أرسلكما قالا : الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك ، فقال صفاه وأوجزا ، قالا : يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، قال وما آيتكما ، قالا : ما يتمنى الملك ، فدعا بغلام مطموس العينين فدعوا الله حتى انشق له بصره ، وأخذا بندقتين فوضعاهما في حدقتيه فصارتا مقلتين ينظر بهما ، فقال شمعون أرأيت لو سألت آلهتك حتى تصنع مثل هذا حتى يكون لك ولها الشرف ، قال ليس لي عنك سر آلهتنا لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع ، ثم قال إن قدر إلهكما على إحياء ميت آمنا به ، فأتوا بغلام مات منذ سبعة أيام فدعوا الله فقام وقال : إني أدخلت في سبعة أودية من النار وأنا أحذركم ما أنتم فيه فآمنوا ، وقال فتحت أبواب السماء فرأيت شاباً حسناً يشفع لهؤلاء الثلاثة فقال الملك من هم قال شمعون وهذان فلما رأى شمعون أن قوله قد أثر فيه نصحه فآمن في جمع ، ومن لم يؤمن صاح عليهم جبريل E فهلكوا .","part":5,"page":50},{"id":2051,"text":"{ قَالُواْ مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون ، ورفع بشر لانتقاض النفي المقتضي إعمال ما بإلا . { وَمَا أَنَزلَ الرحمن مِن شَىْءٍ } وحي ورسالة . { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ } في دعوى الرسالة .\r{ قَالُواْ رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ } استشهدوا بعلم الله وهو يجري مجرى القسم ، وزادوا اللام المؤكدة لأنه جواب عن إنكارهم .\r{ وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ البلاغ المبين } الظاهر البين بالآيات الشاهدة لصحته ، وهو المحسن للاستشهاد فإنه لا يحسن إلا ببينة .\r{ قَالُواْ إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ } تشاءمنا بكم ، وذلك لاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له وتنفرهم عنه . { لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ } عن مقالتكم هذه . { لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r{ قَالُواْ طائركم مَّعَكُمْ } سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم ، وقرىء «طيركم معكم» . { أَئِن ذُكّرْتُم } وعظتم ، وجواب الشرط محذوف مثل تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب ، وقد قرىء بألف بين الهمزتين وبفتح أن بمعنى أتطيرتم لأن ذكرتم وأن بغير الاستفهام و «أين ذكرتم» بمعنى طائركم معكم حيث جرى ذكركم وهو أبلغ . { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } قوم عادتكم الإِسراف في العصيان فمن ثم جاءكم الشؤم ، أو في الضلال ولذلك توعدتم وتشاءمتم بمن يجب أن يكرم ويتبرك به .","part":5,"page":51},{"id":2052,"text":"{ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى } هو حبيب النجار وكان ينحت أصنامهم وهو ممن آمن بمحمد E وبينهما ستمائة سنة ، وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه . { قَالَ يَا قَوْمِ اتبعوا المرسلين } .\r{ اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً } على النصح وتبليغ الرسالة . { وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } إلى خير الدارين .\r{ وَمَا لِىَ لاَ أَعْبُدُ الذى فَطَرَنِى } على قراءة غير حمزة فإنه يسكن الياء في الوصل ، تلطف في الإِرشاد بإيراده في معرض المناصحة لنفسه وإمحاض النصح ، حيث أراد لهم ما أراد لها والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم إلى عبادة غيره ولذلك قال : { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } مبالغة في التهديد ثم عاد إلى المساق الأول فقال :\r{ أَءَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرحمن بِضُرّ لاَّ تُغْنِ عَنّي شفاعتهم شَيْئاً } لا تنفعني شفاعتهم . { وَلاَ يُنقِذُونَ } بالنصرة والمظاهرة .\r{ إِنِّى إِذاً لَّفِى ضلال مُّبِينٍ } فإن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضراً بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بين لا يخفى على عاقل ، وقرأ نافع ويعقوب وأبو عمرو بفتح الياء .\r{ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبّكُمْ } الذي خلقكم ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء . { فاسمعون } فاسمعوا إيماني ، وقيل الخطاب للرسل فإنه لما نصح قومه أخذوا يرجمونه فأسرع نحوهم قبل أن يقتلوه .\r{ قِيلَ ادخل الجنة } قيل له ذلك لما قتلوه بشرى له بأنه من أهل الجنة ، أو إكراماً وإذناً في دخولها كسائر الشهداء ، أو لما هموا بقتله رفعه الله إلى الجنة على ما قاله الحسن وإنما لم يقل له لأن الغرض بيان المقول دون المقول له فإنه معلوم ، والكلام استئناف في حيز الجواب عن السؤال عن حاله عند لقاء ربه بعد تصلبه في نصر دينه وكذلك : { قَالَ ياليت قَوْمِى يَعْلَمُونَ } .\r{ بِمَا غَفَرَ لِي رَبّي وَجَعَلَنِي مِنَ المكرمين } فإنه جواب عن السؤال عن قوله عند ذلك القول ، وإنما تمنى علم قومه بحاله ليحملهم على اكتساب مثلها بالتوبة عن الكفر والدخول في الإِيمان والطاعة على دأب الأولياء في كظم الغيظ والترحم على الأعداء ، أو ليعلموا أنهم كانوا على خطأ عظيم في أمره وأنه كان على حق ، وقرىء { المكرمين } و «ما» خبرية أو مصدرية والباء صلة { يَعْلَمُونَ } أو استفهامية جاء على الأصل ، والباء صلة غفر أي بأي شيء { غَفَرَ } لي ، يريد به المهاجرة عن دينهم والمصابرة على أذيتهم .\r{ وَمَا أَنزَلْنَا على قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ } من بعد هلاكه أو رفعه . { مِن جُندٍ مّنَ السماء } لإِهلاكهم كما أرسلنا يوم بدر والخندق بل كفينا أمرهم بصيحة ملك ، وفيه استحقار لإِهلاكهم وإيماء بتعظيم الرسول عليه السلام . { وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ } وما صح في حكمتنا أن ننزل جنداً لإِهلاك قومه إذ قدرنا لكل شيء سبباً وجعلنا ذلك سبباً لانتصارك من قومك ، وقيل { مَا } موصولة معطوفة على { جُندٌ } أي ومما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وأمطار شديدة .","part":5,"page":52},{"id":2053,"text":"{ إِن كَانَتْ } ما كانت الأخذة أو العقوبة . { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } صاح بها جبريل عليه السلام ، وقرئت بالرفع على كان التامة . { فَإِذَا هُمْ خامدون } ميتون ، شبهوا بالنار رمزاً إلى أن الحي كالنار الساطعة والميت كرمادها كما قال لبيد :\rوَمَا المَرْءُ إِلاَّ كَالشّهَابِ وَضَوْئِه ... يَحُورُ رَمَاداً بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ\r{ ياحسرة عَلَى العباد } تعالي فهذه من الأحوال التي من حقها أن تحضري فيها ، وهي ما دل عليها : { مَا يَأْتِيهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئونَ } فإن المستهزئين بالناصحين المخلصين المنوط بنصحهم خير الدارين أحقاء بأن يتحسروا ويتحسر عليهم ، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين ، ويجوز أن يكون تحسراً من الله عليهم على سبيل الاستعارة لتعظيم ما جنوه على أنفسهم ويؤيده قراءة { يا حسرتا } ونصبها لطولها بالجار المتعلق بها ، وقيل بإضمار فعلها والمنادى محذوف ، وقرىء «يا حسرة العباد» بالإِضافة إلى الفاعل أو المفعول ، و «يا حسرة» بالهاء على العباد بإجراء الوصل مجرى الوقف .","part":5,"page":53},{"id":2054,"text":"{ أَلَمْ يَرَوْاْ } ألم يعلموا وهو معلق عن قوله : { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّنَ القرون } لأن { كَمْ } لا يعمل فيها ما قبلها وإن كانت خبرية لأن أصلها الاستفهام . { أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ } بدل من { كَمْ } على المعنى أي ألم يروا كثرة إهلاكنا من قبلهم كونهم غير راجعين إليهم ، وقرىء بالكسر على الاستئناف .\r{ وَإِنْ كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } يوم القيامة للجزاء ، و { إِن } مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة و «ما» مزيدة للتأكيد ، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة { لَّمّاً } بالتشديد بمعنى إلا فتكون إن نافية وجميع فعيل بمعنى مفعول ، و { لَدَيْنَا } ظرف له أو ل { مُحْضَرُونَ } .\r{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة } وقرأ نافع بالتشديد . { أحييناها } خبر ل { الأرض } ، والجملة خبر { ءَايَةً } أو صفة لها إذ لم يرد بها معينة وهي الخبر أو المبتدأ والآية خبرها ، أو استئناف لبيان كونها { ءايَةً } . { وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً } جنس الحب . { فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل ويعاش به .\r{ وَجَعَلْنَا فِيهَا جنات مّن نَّخِيلٍ وأعناب } من أنواع النخل والعنب ، ولذلك جمعهما دون الحب فإن الدال على الجنس مشعر بالاختلاف ولا كذلك الدال على الأنواع ، وذكر النخيل دون التمور ليطابق الحب والأعناب لاختصاص شجرها بمزيد النفع وآثار الصنع . { وَفَجَّرْنَا فِيهَا } وقرىء بالتخفيف ، والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظاً ومعنى . { مِنَ العيون } أي شيئاً من العيون ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، أو { العيون } و { مِنْ } مزيدة عند الأخفش .\r{ لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ } ثمر ما ذكر وهو الجنات ، وقيل الضمير لله تعالى على طريقة الالتفات والإِضافة إليه لأن الثمر بخلقه ، وقرأ حمزة والكسائي بضمتين وهو لغة فيه ، أو جمع ثمار وقرىء بضمة وسكون . { وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ } عطف على الثمر والمراد ما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما ، وقيل { مَا } نافية والمراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم ، ويؤيد الأول قراءة الكوفيين غير حفص بلا هاء فإن حذفه من الصلة أحسن من غيرها . { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } أمر بالشكر من حيث أنه إنكار لتركه .\r{ سبحان الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا } الأنواع والأصناف . { مِمَّا تُنبِتُ الأرض } من النبات والشجر . { وَمِنْ أَنفُسِهِمْ } الذكر والأنثى . { وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ } وأزواجاً مما لم يطلعهم الله تعالى عليه ولم يجعل لهم طريقاً إلى معرفته .\r{ وَءَايَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار } نزيله ونكشفه عن مكانه مستعار من سلخ الجلد والكلام في إعرابه ما سبق . { فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ } داخلون في الظلام .\r{ والشمس تَجْرِى لِمُسْتَقَرّ لَّهَا } لحد معين ينتهي إليه دورها ، فشبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره ، أو لكبد السماء فإن حركتها فيه يوجد فيها بطء بحيث يظن أن لها هناك وقفة قال :\rوَالشَّمْسُ حَيْرَى لَهَا بِالجَوِّ تَدْوِيمُ ... أو لاستقرار لها على نهج مخصوص ، أو لمنتهى مقدر لكل يوم من المشارق والمغارب فإن لها في دورها ثلثمائة وستين مشرقاً ومغرباً ، تطلع كل يوم من مطلع وتغرب من مغرب ثم لا تعود إليهما إلى العام القابل ، أو لمنقطع جريها عند خراب العالم . وقرىء «لا مستقر لها» أي لا سكون فإنها متحركة دائماً و «لا مستقر» على أن «لا» بمعنى ليس . { ذلك } الجري على هذا التقدير المتضمن للحكم التي تكل الفطن عن إحصائها . { تَقْدِيرُ العزيز } الغالب بقدرته على كل مقدور . { العليم } المحيط علمه بكل معلوم .","part":5,"page":54},{"id":2055,"text":"{ والقمر قدرناه } قدرنا مسيره . { مَنَازِلَ } أو سيره في منازل وهي ثمانية وعشرون : السرطان ، البطين ، الثريا ، الدبران ، الهقعة ، الهنعة ، الذراع ، النثرة ، الطرف ، الجبهة ، الزبرة ، الصرفة ، العواء ، السماك ، الغفر ، الزبانا ، الإِكليل ، القلب ، الشولة ، النعائم ، البلدة ، سعد الذابح ، سعد بلع ، سعدالسعود ، سعد الأخبية ، فرغ الدلو المقدم ، فرغ الدلو المؤخر ، الرشا ، وهو بطن الحوت ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه ، فإذا كان في آخر منازله وهو الذي يكون فيه قبيل الإِجتماع دق واستقوس ، وقرأ الكوفيون وابن عامر { والقمر } بنصب الراء . { حتى عَادَ كالعرجون } كالشمراخ المعوج ، فعلون من الانعراج وهو الاعوجاج ، وقرىء { كالعرجون } وهما لغتان كالبزيون والبزيون . { القديم } العتيق وقيل ما مر عليه حول فصاعداً .\r{ لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَا } يصح لها ويتسهل . { أَن تدْرِكَ القمر } في سرعة سيره فإن ذلك يخل بتكون النبات وتعيش الحيوان ، أو في آثاره ومنافعه أو مكانه بالنزول إلى محله ، أو سلطانه فتطمس نوره ، وإيلاء حرف النفي { الشمس } للدلالة على أنها مسخرة لا يتيسر لها إلا ما أريد بها . { وَلاَ اليل سَابِقُ النهار } يسبقه فيفوته ولكن يعاقبه ، وقيل المراد بهما آيتاهما وهما النيران ، وبالسبق سبق القمر إلى سلطان الشمس فيكون عكساً للأول وتبديل الإِدراك بالسبق لأنه الملائم لسرعة سيره . { وَكُلٌّ } وكلهم والتنوين عوض عن المضاف إليه ، والضمير للشموس والأقمار فإن اختلاف الأحوال يوجب تعدداً ما في الذات ، أو للكواكب فإن ذكرهما مشعر بهما . { فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يسيرون فيه بانبساط .\r{ وَءَايَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرّيَّتَهُمْ } أولادهم الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم ، أو صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم ، فإن الذرية تقع عليهن لأنهن مزارعها . وتخصيصهم لأن استقرارهم في السفن أشق وتماسكهم فيها أعجب ، وقرأ نافع وابن عامر { ذرياتهم } . { فِى الفلك المشحون } المملوء ، وقيل المراد فلك نوح E ، وحمل الله ذرياتهم فيها أنه حمل فيها آباءهم الأقدمين وفي أصلابهم هم وذرياتهم ، وتخصيص الذرية لأنه أبلغ في الامتنان وأدخل في التعجب مع الإِيجاز .\r{ وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ } من مثل الفلك . { مَا يَرْكَبُونَ } من الإِبل فإنها سفائن البر أو من السفن والزوارق .\r{ وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلاَ صَرِيخَ لَهُمْ } فلا مغيث لهم يحرسهم عن الغرق ، أو فلا إغاثة كقولهم أتاهم الصريخ . { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ } ينجون من الموت به .\r{ إِلاَّ رَحْمَةً مّنَّا وَمَتَاعاً } إلا لرحمة ولتمتيع بالحياة . { إلى حِينٍ } زمان قدر لآجالهم .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتقوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ } الوقائع التي خلت أو العذاب المعد في الآخرة ، أو نوازل السماء ونوائب الأَرض كقوله : { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض } أو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة أو عكسه ، أو ما تقدم من الذنوب وما تأخر .","part":5,"page":55},{"id":2056,"text":"{ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } لتكونوا راجين رحمة الله ، وجواب إذا محذوف دل عليه قوله : { وَمَا تَأْتِيهِم مّنْ ءَايَةٍ مّنْ ءايات رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } كأنه قال وإذا قيل لهم اتقوا العذاب أعرضوا لأنهم اعتادوه وتمرنوا عليه .\r{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُواْ مِمَّا رِزَقَكُمُ الله } على محاويجكم . { قَالَ الذين كَفَرُواْ } بالصانع يعني معطلة كانوا بمكة . { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } تهكماً بهم من إقرارهم به وتعليقهم الأمور بمشيئته . { أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاءُ الله أَطْعَمَهُ } على زعمكم ، وقيل قاله مشركو قريش حين استطعمهم فقراء المؤمنين إيهاماً بأن الله تعالى لما كان قادراً أن يطعمهم ولم يطعمهم فنحن أحق بذلك ، وهذا من فرط جهالتهم فإن الله يطعم بأسباب منها حث الأغنياء على إطعام الفقراء وتوفيقهم له . { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال مُّبِينٍ } حيث أمرتمونا ما يخالف مشيئة الله ، ويجوز أن يكون جواباً من الله لهم أو حكاية لجواب المؤمنين لهم .","part":5,"page":56},{"id":2057,"text":"{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } يعنون وعد البعث .\r{ مَا يَنظُرُونَ } ما ينتظرون . { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } هي النفخة الأولى . { تَأُخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصّمُونَ } يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم أمرها كقوله : { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } وأصله يختصمون فسكنت التاء أدغمت ثم كسرت الخاء لالتقاء الساكنين ، وقرأ أبو بكر بكسر الياء للاتباع ، وقرأ ابن كثير وورش وهشام بفتح الخاء على إلقاء حركة التاء إليه ، وأبو عمرو وقالون به مع الإِختلاس وعن نافع الفتح فيه والإِسكان والتشديد وكأنه جوز الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني مدغماً ، وقرأ حمزة { يَخِصّمُونَ } من خصمه إذا جادله .\r{ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً } في شيء من أمورهم . { وَلاَ إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ } فيروا حالهم بل يموتون حيث تبغتهم .\r{ وَنُفِخَ فِى الصور } أي مرة ثانية وقد سبق تفسيره في سورة «المؤمنين» . { فَإِذَا هُم مّنَ الأجداث } من القبور جمع جدث وقرىء بالفاء . { إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } يسرعون وقرىء بالضم .\r{ قَالُواْ ياويلنا } وقرىء «يا ويلتنا» . { مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا } وقرىء «من أهبنا» من هب من نومه إذا انتبه ومن هبنا بمعنى أهبنا ، وفيه ترشيح ورمز وإشعار بأنهم لاختلاط عقولهم يظنون أنهم كانوا نياماً ، و { مَن بَعَثَنَا } و «من هبنا» على الجارة والمصدر ، وسكت حفص وحده عليها سكتة لطيفة والوقف عليها في سائر القراءات حسن . { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } مبتدأ وخبر و { مَا } مصدرية ، أو موصولة محذوفة الراجع ، أو { هذا } صفة ل { مَّرْقَدِنَا } و { مَا وَعَدَ } خبر محذوف ، أو مبتدأ خبره محذوف أي { هَذَا مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } ، أو { مَا وَعَدَ الرحمن وَصَدَقَ المرسلون } حق وهو من كلامهم ، وقيل جواب للملائكة أو المؤمنين عن سؤالهم ، معدول عن سننه تذكيراً لكفرهم وتقريعاً لهم عليه وتنبيهاً بأن الذي يهمهم هو السؤال عن البعث دون الباعث كأنهم قالوا : بعثكم الرحمن الذي وعدكم البعث وأرسل إليكم الرسل فصدقوكم وليس الأمر كما تظنون ، فإنه ليس يبعث النائم فيهمكم السؤال عن الباعث وإنما هو البعث الأكبر ذو الأهوال .\r{ إِن كَانَتْ } ما كانت الفعلة . { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } هي النفخة الأخيرة ، وقرئت بالرفع على كان التامة . { فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } بمجرد تلك الصيحة وفي كل ذلك تهوين أمر البعث والحشر واستغناؤهما عن الأسباب التي ينوطان بها فيما يشاهدونه .","part":5,"page":57},{"id":2058,"text":"{ فاليوم لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } حكاية لما يقال لهم حينئذ تصويراً للموعود وتمكيناً له في النفوس وكذا قوله :\r{ إِنَّ أصحاب الجنة اليوم فِى شُغُلٍ فاكهون } متلذذون في النعمة من الفكاهة ، وفي تنكير { شُغُلٍ } وإبهامه تعظيم لما هم فيه من البهجة والتلذذ ، وتنبيه على أنه أعلى ما يحيط به الأفهام ويعرب عن كنهه الكلام ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو { فِى شُغُلٍ } بالسكون ، ويعقوب في رواية «فكهون» للمبالغة وهما خبران ل { إِنْ } ، ويجوز أن يكون { فِى شُغُلٍ } صلة { لفاكهون } ، وقرىء «فكهون» بالضم وهو لغة كنطس ونطس «وفاكهين» «وفكهين» على الحال من المستكهن في الظرف ، و { شُغُلٍ } بفتحتين وفتحة وسكون والكل لغات .\r{ هُمْ وأزواجهم فِى ظلال } جمع ظل كشعاب أو ظلة كقباب ويؤيده قراءة حمزة والكسائي في «ظلل» . { على الأرائك } على السرر المزينة . { مُتَّكِئُونَ } و { هُمْ } مبتدأ خبره { فِى ظلال } ، و { على الأرائك } جملة مستأنفة أو خبر ثان أو { مُتَّكِئُونَ } والجاران صلتان له ، أو تأكيد للضمير في شغل أو في فاكهون ، وعلى الأرائك متكئون خبر آخر لإِن وأزواجهم عطف على { هُمْ } للمشاركة في الأحكام الثلاثة ، و { فِى ظلال } حال من المعطوف والمعطوف عليه .\r{ لَهُمْ فِيهَا فاكهة وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ } ما يدعون به لأنفسهم يفتعلون من الدعاء كاشتوى واجتمل إذا شوى وجمل لنفسه ، أو ما يتداعونه كقولك ارتموه بمعنى تراموه ، أو يتمنون من قولهم ادع علي ما شئت بمعنى تمنه علي ، أو ما يدعونه في الدنيا من الجنة ودرجاتها و { مَا } موصولة أو موصوفة مرتفعة بالابتداء ، و { لَهُمْ } خبرها وقوله :\r{ سلام } بدل منها أو صفة أخرى ، ويجوز أن يكون خبرها أو خبر محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر أي ولهم سلام ، وقرىء بالنصب على المصدر أو الحال أي لهم مرادهم خالصاً . { قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } أي يقول الله أو يقال لهم قولاً كائناً من جهته ، والمعنى أن الله يسلم عليهم بواسطة الملائكة أو بغير واسطة تعظيماً لهم وذلك مطلوبهم ومتمناهم ، ويحتمل نصبه على الاختصاص .\r{ وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون } وانفردوا عن المؤمنين وذلك حين يسار بهم إلى الجنة كقوله : { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ } وقيل اعتزلوا من كل خير أو تفرقوا في النار فإن لكل كافر بيتاً ينفرد به لا يرى ولا يرى .\r{ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان } من جملة ما يقال لهم تقريعاً وإلزاماً للحجة ، وعهده إليهم ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره وجعلها عبادة الشيطان ، لأنه الآمر بها والمزين لها ، وقرىء { أَعْهَدْ } بكسر حرف المضارعة و «أحهد» و «أحد» على لغة بني تميم .","part":5,"page":58},{"id":2059,"text":"{ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيها يحملهم عليه .\r{ وَأَنِ اعبدونى } عطف على { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } . { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } إشارة إلى ما عهد إليهم أو إلى عبادته ، فالجملة استئناف لبيان المقتضي للعهد بشقيه أو بالشق الآخر ، والتنكير للمبالغة والتعظيم ، أو للتبعيض فإن التوحيد سلوك بعض الطريق المستقيم .\r{ وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ } رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته ووضوح إضلاله لمن له أدنى عقل ورأي والجبل الخلق ، وقرأ يعقوب بضمتين وابن كثير وحمزة والكسائي بهما مع تخفيف اللام وابن عامر وأبو عمرو بضمة وسكون مع التخفيف والكل لغات ، وقرىء { جِبِلاًّ } جمع جبلة كخلقة وخلق و «جيلاً» واحد الأجيال .\r{ هذه جَهَنَّمُ التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } .\r{ اصلوها اليوم بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } ذوقوا حرها اليوم بكفركم في الدنيا .\r{ اليوم نَخْتِمُ على أفواههم } نمنعها عن الكلام . { وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } بظهور آثار المعاصي عليها ودلالتها على أفعالها ، أو إنطاق الله إياها وفي الحديث \" إنهم يجحدون ويخاصمون فيختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم \" .","part":5,"page":59},{"id":2060,"text":"{ وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ } لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة . { فاستبقوا الصراط } فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه ، وانتصابه بنزع الخافض أو بتضمين الاستباق معنى الابتدار ، أو جعل المسبوق إليه مسبوقاً على الاتساع أو بالظرف . { فأنى يُبْصِرُونَ } الطريق وجهة السلوك فضلاً عن غيره .\r{ وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم } بتغيير صورهم وإبطال قواهم . { على مكانتهم } مكانهم بحيث يجمدون فيه ، وقرأ أبو بكر «مكاناتهم» . { فَمَا استطاعوا مُضِيّاً } ذهاباً . { وَلاَ يَرْجِعُونَ } ولا رجوعاً فوضع الفعل موضعه للفواصل ، وقيل { لاَ يَرْجِعُونَ } عن تكذيبهم ، وقرىء { مُضِياً } بإتباع الميم الضاد المكسورة لقلب الواو ياء كالمعتى والمعتي ومضياً كصبي ، والمعنى أنهم بكفرهم ونقضهم ما عهد إليهم أحقاء بأن يفعل بهم ذلك لكنا لم نفعل لشمول الرحمة لهم واقتضاء الحكمة إمهالهم .\r{ وَمَن نّعَمّرْهُ } ومن نطل عمره . { نُنَكِّسْهُ فِى الخلق } نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاض بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدء أمره ، وابن كثير على هذه يشبع ضمة الهاء على أصله ، وقرأ عاصم وحمزة «نُنَكّسْهُ» من التنكيس وهو أبلغ والنكس أشهر . { أَفَلاَ يَعْقِلُونَ } أن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما ويزاد غير أنه على تدرج ، وقرأ نافع برواية ابن عامر وابن ذكوان ويعقوب بالتاء لجري الخطاب قبله .\r{ وَمَا علمناه الشعر } رد لقولهم إن محمداً شاعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن ، فإنه لا يماثله لفظاً ولا معنى لأنه غير مقفى ولا موزون ، وليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة ونحوها . { وَمَا يَنبَغِي لَهُ } وما يصح له الشعر ولا يتأتى له إن أراد قرضه على ما خبرتم طبعه نحواً من أربعين سنة ، وقوله E :\r\" أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب \" وقوله :\rهَلٌ أَنَتَ إلا إِصبعٌ دَميت ... وفي سَبِيلِ الله مَا لقيتِ\rاتفاقيٌ من غير تكلف وقصد منه إلى ذلك ، وقد يقع مثله كثيراً في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعراً ، هذا وقد روي أنه حرك الباءين وكسر التاء الأولى بلا إشباع وسكن الثانية ، وقيل الضمير لل { قُرْءانَ } أي وما يصح للقرآن أن يكون شعراً . { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة وإرشاد من الله تعالى . { وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ } وكتاب سماوي يتلى في المعابد ، ظاهر أنه ليس من كلام البشر لما فيه من الإِعجاز .\r{ لّيُنذِرَ } القرآن أو الرسول A ، ويؤيده قراءة نافع وابن عامر ويعقوب بالتاء . { مَن كَانَ حَيّاً } عاقلاً فهما فإن الغافل كالميت ، أو مؤمناً في علم الله تعالى فإن الحياة الأبدية بالإِيمان ، وتخصيص الإِنذار به لأنه المنتفع به . { وَيَحِقَّ القول } وتجب كلمة العذاب .","part":5,"page":60},{"id":2061,"text":"{ عَلَى الكافرين } المصرين على الكفر ، وجعلهم في مقابلة من كان حياً إشعاراً بأنهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أموات في الحقيقة .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا } مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا ، وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها استعارة تفيد مبالغة في الاختصاص ، والتفرد بالإِحداث . { أنعاما } خصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع . { فَهُمْ لَهَا مالكون } متملكون لها بتمليكنا إياها ، أو متمكنون من ضبطها والتصرف فيها بتسخيرنا إياها لهم قال :\rأَصْبَحْتُ لاَ أَحْمِلُ السِّلاَحَ وَلا ... أَمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إِنْ نَفَرَا\r{ وذللناها لَهُمْ } وصيرناها منقادة لهم . { فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ } مركوبهم ، وقرىء «ركوبتهم» ، وهي بمعناه كالحلوب والحلوبة ، وقيل جمعه وركوبهم أي ذو ركوبهم أو فمن منافعها { رَكُوبُهُمْ } . { وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ } أي ما يأكلون لحمه .\r{ وَلَهُمْ فِيهَا منافع } من الجلود والأصواف والأوبار . { ومشارب } من اللبن جمع مشرب بمعنى الموضع ، أو المصدر وأمال الشين ابن عامر وحده برواية هشام . { أَفَلاَ يَشْكُرُونَ } نعم الله في ذلك إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها كيف أمكن التوسل إلى تحصيل هذه المنافع المهمة .\r{ واتخذوا مِن دُونِ الله ءَالِهَةً } أشركوها به في العبادة بعد ما رأوا منه تلك القدرة الباهرة والنعم المتظاهرة ، وعلموا أنه المتفرد بها . { لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ } رجاء أن ينصروهم فيما حزبهم من الأمور والأمر بالعكس لأنهم .\r{ لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ } لآلهتهم . { جُندٌ مٌّحْضَرُونَ } معدون لحفظهم والذب عنهم ، أو { مُحْضَرُونَ } أثرهم في النار .","part":5,"page":61},{"id":2062,"text":"{ فَلاَ يَحْزُنكَ } فلا يهمنك ، وقرىء بضم الياء من أحزن . { قَوْلُهُمْ } في الله بالإِلحاد والشرك ، أو فيك بالتكذيب والتهجين . { إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فنجازيهم عليه وكفى ذلك أن تتسلى به ، وهو تعليل للنهي على الاستئناف ولذلك لو قرىء { أَنَاْ } بالفتح على حذف لام التعليل جاز .\r{ أَوَ لَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خلقناه مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مٌّبِينٌ } تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه بالنسبة إلى إنكارهم الحشر ، وفيه تقبيح بليغ لإِنكاره حيث عجب منه وجعله إفراطاً في الخصومة بينا ومنافاة لجحود القدرة على ما هو أهون مما عمله في بدء خلقه ، ومقابلة النعمة التي لا مزيد عليها وهي خلقه من أخس شيء وأمهنه شريفاً مكرماً بالعقوق والتكذيب . روي «أن أبي بن خلف أتى النبي A بعظم بال يفتته بيده وقال : أترى الله يحيي هذا بعد ما رم ، فقال E : \" نعم ويبعثك ويدخلك النار فنزلت \" وقيل معنى { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فإذا هو بعد ما كان ماء مهيناً مميز منطيق قادر على الخصام معرب عما في نفسه .\r{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً } أمراً عجيباً وهو نفي القدرة على إحياء الموتى ، أو تشبيهه بخلقه بوصفه بالعجز عما عجزوا عنه . { وَنَسِىَ خَلْقَهُ } خلقنا إياه . { قَالَ مَن يُحيِيِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } منكراً إياه مستبعداً له ، والرميم ما بلي من العظام ، ولعله فعيل بمعنى فاعل من رم الشيء صار اسماً بالغلبة ولذلك لم يؤنث ، أو بمعنى مفعول من رممته . وفيه دليل على أن العظم ذو حياة فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء .\r{ قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } فإن قدرته كما كانت لامتناع التغير فيه والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها . { وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } يعلم تفاصيل المخلوقات بعلمه وكيفية خلقها ، فيعلم أجزاء الأشخاص المتفتتة المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق تمييزها ، وضم بعضها إلى بعض على النمط السابق وإعادة الأعراض والقوى التي كانت فيها أو إحداث مثلها .\r{ الذي جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر } كالمرخ والعفار . { نَارًا } بأن يسحق المرخ على العفار وهما خضراوان يقطر منهما الماء فتنقدح النار . { فَإِذَا أَنتُم مّنْه تُوقِدُونَ } لا تشكون فإنها نار تخرج منه ، ومن قدر على إحداث النار من الشجر الأخضر مع ما فيه من المائية المضادة لها بكيفيتها كان أقدر على إعادة الغضاضة فيما كان غضاً فيبس وبلي ، وقرىء من «الشجر الخضراء» على المعنى كقوله { فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } { أَوَ لَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض } مع كبر جرمهما وعظم شأنهما . { بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } في الصغر والحقارة بالإِضافة إليهما ، أو مثلهم في أصول الذات وصفاتها وهو المعاد ، وعن يعقوب «يقدر» .","part":5,"page":62},{"id":2063,"text":"{ بلى } جواب من الله تعالى لتقرير ما بعد النفي مشعر بأنه لا جواب سواه . { وَهُوَ الخلاق العليم } كثير المخلوقات والمعلومات .\r{ إِنَّمَا أَمْرُهُ } إِنَّمَا شأنه . { إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن } أي تكون . { فَيَكُونُ } فهو يكون أي يحدث ، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعاً لمادة الشبهة ، وهو قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق ، ونصبه ابن عامر والكسائي عطفاً على { يِقُولُ } .\r{ فسبحان الذى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْءٍ } تنزيه عما ضربوا له ، وتعجيب عما قالوا فيه معللاً بكونه مالكاً للأمر كله قادراً على كل شيء . { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } وعد ووعيد للمقرين والمنكرين ، وقرأ يعقوب بفتح التاء . وعن ابن عباس Bه : كنت لا أعلم ما روي في فضل يس كيف خصت به فإذا أنه بهذه الآية . وعنه E « إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس ، وأيما مسلم قرأها يريد بها وجه الله غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتين وعشرين مرة ، وأيما مسلم قرىء عنده إذا نزل به ملك الموت سورة يس نزل بكل حرف منها عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفاً يصلون عليه ويستغفرون له ، ويشهدون غسله ويشيعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه ، وأيما مسلم قرأ يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيقبض روحه وهو ريان ، ويمكث في قبره وهو ريان ، ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان » .","part":5,"page":63},{"id":2064,"text":"مكية وآيها مائة واثنتان وثمانون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والصافات صَفَّا * فالزجرات زَجْراً * فالتاليات ذِكْراً } أقسم بالملائكة الصافين في مقام العبودية ، على مراتب باعتبارها تفيض عليهم الأنوار الإِلهية ، منتظرين لأمر الله الزاجرين الأجرام العلوية والسفلية بالتدبير المأمور به فيها ، أو الناس عن المعاصي بإلهام الخير ، أو الشياطين عن التعرض لهم التالين آيات الله وجلايا قدسه على أنبيائه وأولياءه ، أو بطوائف الأجرام المرتبة كالصفوف المرصوصة والأرواح المدبرة لها والجواهر القدسية المستغرقة في بحار القدس { يُسَبّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ } أو بنفوس العلماء الصافين في العبادات الزاجرين عن الكفر والفسوق بالحجج والنصائح التالين آيات الله وشرائعه ، أو بنفوس الغزاة الصافين في الجهاد الزاجرين الخيل ، أو العدو التالين ذكر الله لا يشغلهم عنه مباراة العدو والعطف لاختلاف الذوات ، أو الصفات والفاء لترتيب الوجود كقوله\r:\rيا لهف زيابة للحارث الص ... ابح فالغانم فالآيب\rفإن الصف كمال والزجر تكميل بالمنع عن الشر ، أو الإِشاقة إلى قبول الخير والتلاوة إفاضته أو الرتبة كقوله E \" رحم الله المحلقين فالمقصرين \" غير أنه لفضل المتقدم على المتأخر وهذا للعكس ، وأدغم أبو عمرو وحمزة التاءات فيما يليها لتقاربها فإنها من طرف اللسان وأصول الثنايا .\r{ إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ } جواب للقسم والفائدة فيه تعظيم المقسم به وتأكيد المقسم عليه على ما هو المألوف في كلامهم ، وأما تحقيقه فبقوله تعالى .\r{ رَبُّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المشارق } فإن وجودها وانتظامها على الوجه الأكمل مع إمكان غيره دليل على وجود الصانع الحكيم ووحدته على ما مر غير مرة ، { وَرَبُّ } بدل من واحد أو خبر ثان أو خبر محذوف وما بينهما يتناول أفعال العباد فيدل على أنها من خلقه ، و { المشارق } مشارق الكواكب أو مشارق الشمس في السنة وهي ثلاثمائة وستون مشرقاً ، تشرق كل يوم في واحد وبحسبها تختلف المغارب ، ولذلك اكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة ، وما قيل إنها مائة وثمانون إنما يصح لو لم تختلف أوقات الانتقال .\r{ إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا } القربى منكم . { بِزِينَةٍ الكواكب } بزينة هي { الكواكب } والإِضافة للبيان ، ويعضده قراءة حمزة ويعقوب وحفص بتنوين «زينة» وجر { الكواكب } على إبدالها منه ، أو بزينة هي لها كأضوائها وأوضاعها ، أو بأن زينا { الكواكب } فيها على إضافة المصدر إلى المفعول فإنها كما جاءت اسماً كالليقة جاءت مصدراً كالنسبة ويؤيده قراءة أبي بكر بالتنوين ، والنصب على الأصل أو بأن زينتها { الكواكب } على إضافته إلى الفاعل وركوز الثوابت في الكرة الثامنة وما عدا القمر من السيارات في الست المتوسطة بينها وبين السماء الدنيا أن تحقق لم يقدح في ذلك ، فإن أهل الأرض يرونها بأسرها كجواهر مشرقة متلألئة على سطحها الأزرق بأشكال مختلفة\r.","part":5,"page":64},{"id":2065,"text":"{ وَحِفْظاً } منصوب بإضمار فعله ، أو العطف على «زينة» باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء الدنيا وحفظاً . { مّن كُلّ شيطان مَّارِدٍ } خارج من الطاعة برمي الشهب .\r{ لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى } كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم ، ولا يجوز جعله صفة لكل شيطان فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون ، ولا علة للحفظ على حذف اللام كما في جئتك أن تكرمني ثم حذف أن وأهدرها كقوله :\rألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى ... فإن اجتماع ذلك منكر والضمير ل { كُلٌّ } باعتبار المعنى ، وتعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإِصغاء مبالغة لنفيه وتهويلاً لما يمنعهم عنه ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي «وحفص» بالتشديد من التسمع وهو طلب السماع و { الملأ الأعلى } الملائكة وأشرافهم . { وَيُقْذَفُونَ } ويرمون . { مِن كُلّ جَانِبٍ } من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده .\r{ دُحُوراً } علة أي للدحور وهو الطرد أو مصدر لأنه والقذف متقاربان ، أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر ، وهو ما يطرد به ويقويه القراءة بالفتح وهو يحتمل أيضاً أن يكون مصدراً كالقبول أو صفة له أي قذفاً دحوراً . { وَلَهُمْ عَذَابُ } أي عذاب آخر . { وَاصِبٌ } دائم أو شديد وهو عذاب الآخرة .\r{ إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة } استثناء من واو { يَسْمَعُونَ } ومن بدل منه ، والخطف الاختلاس والمراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة ولذلك عرف الخطفة ، وقرىء «خَطِفَ » بالتشديد مفتوح الخاء ومكسروها وأصلهما اختطف . { فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ } أتبع بمعنى تبع ، والشهاب ما يرى كأن كوكباً انقض ، وما قيل إنه بخار يصعد إلى الأثير فيشتعل فتخمين إن صح لم يناف ذلك إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك ولا في قوله { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُوماً للشياطين } فإن كل نير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه ، ولا يبعد أن يصير الحادث كما ذكر في بعض الأوقات رجماً لشياطين تتصعد إلى قرب الفلك للتسمع ، وما روي أن ذلك حدث بميلاد النبي E إن صح فلعل المراد كثرة وقوعه ، أو مصيره { دُحُوراً } . واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحترق به لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأساً ، ولا يقال إن الشيطان من النار فلا يحترق ، لأنه ليس من النار الصرف كما أن الإِنسان ليس من التراب الخالص مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها . { ثَاقِبٌ } مضيء كأنه يثقب الجو بضوئه .","part":5,"page":65},{"id":2066,"text":"{ فاستفتهم } فاستخبرهم والضمير لمشركي مكة أو لبني آدم . { أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا } يعني ما ذكر من الملائكة والسماء والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب ، و { مِنْ } لتغليب العقلاء ويدل عليه إطلاقه ومجيئه بعد ذلك ، وقراءة من قرأ «أم من عددنا» ، وقوله : { إِنَّا خلقناهم مّن طِينٍ لاَّزِبٍ } فإنه الفارق بينهم وبينها لا بينهم وبين من قبلهم كعاد وثمود ، وإن المراد إثبات المعاد ورد استحالته والأمر فيه بالإِضافة إليهم وإلى من قبلهم سواء ، وتقريره أن استحالة ذلك إما لعدم قابلية المادة ومادتهم الأصلية هي الطين اللازب الحاصل من ضم الجزء المائي إلى الجزء الأرضي وهما باقيان قابلان للانضمام بعد ، وقد علموا أن الإِنسان الأول إنما تولد منه إما لاعترافهم بحدوث العالم أو بقصة آدم وشاهدوا تولد كثير من الحيوانات منه بلا توسط مواقعة ، فلزمهم أن يجوزوا إعادتهم كذلك ، وإما لعدم قدرة الفاعل ومن قدر على خلق هذه الأشياء قدر على ما لا يعتد به بالإِضافة إليها سيما ومن ذلك بدؤهم أولاً وقدرته ذاتية لا تتغير .\r{ بَلْ عَجِبْتَ } من قدرة الله تعالى وإنكارهم للبعث . { وَيَسْخُرُونَ } من تعجبك وتقريرك للبعث ، وقرأ حمزة والكسائي بضم التاء أي بلغ كمال قدرتي وكثرة خلائقي أن تعجبت منها ، وهؤلاء لجهلهم يسخرون منها . أو عجبت من أن ينكر البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يجوزه . والعجب من الله تعالى إما على الفرض والتخييل أو على معنى الاستعظام اللازم له فإنه روعة تعتري الإِنسان عند استعظامه الشيء ، وقيل إنه مقدر بالقول أي : قال يا محمد بل عجبت .\r{ وَإِذَا ذُكّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ } وإذا وعظوا بشيء لا يتعظون به ، أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر لا ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم .\r{ وَإِذَا رَأَوْاْ ءايَةً } معجزة تدل على صدق القائل به . { يَسْتَسْخِرُونَ } يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر ، أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها .\r{ وَقَالُواْ إِن هذا } يعنون ما يرونه . { إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر سحريته .\r{ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } أصله انبعث إذا متنا فبدلوا الفعلية بالاسمية وقدموا الظرف وكرروا الهمزة مبالغة في الإِنكار ، وإشعاراً بأن البعث مستنكر في نفسه وفي هذه الحالة أشد استنكاراً ، فهو أبلغ من قراءة ابن عامر بطرح الهمزة الأولى وقراءة نافع والكسائي ويعقوب بطرح الثانية .\r{ أَوَ ءَابَاؤُنَا الأولون } عطف على محل { إِن } واسمها ، أو على الضمير في «مبعوثون» فإنه مفصول منه بهمزة الاستفهام لزيادة الاستبعاد لبعد زمانهم ، وسكن نافع برواية قالون بن عامر والواو على معنى الترديد .","part":5,"page":66},{"id":2067,"text":"{ قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ داخرون } صاغرون ، وإنما اكتفى به في الجواب لسبق ما يدل على جوازه وقيام المعجز على صدق المخبر عن وقوعه ، وقرىء «قال» أي الله أو الرسول وقرأ الكسائي وحده « نِعْمَ» بالكسر وهو لغة فيه .\r{ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ واحدة } جواب شرط مقدر أي إذا كان ذلك فإنما البعثة { زَجْرَةٌ } أي صيحة واحدة ، وهي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها وأمرها في الإِعادة كأمر { كُنْ } في الإِبداء ولذلك رتب عليها . { فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون ، أو ينتظرون ما يفعل بهم .\r{ وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين } اليوم الذي نجازى بأعمالنا وقد تم به كلامهم وقوله :\r{ هذا يَوْمُ الفصل الذى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } جواب الملائكة ، وقيل هو أيضاً من كلام بعضهم لبعض والفصل القضاء ، أو الفرق بين المحسن والمسيء .\r{ احشروا الذين ظَلَمُواْ } أمر الله للملائكة ، أو أمر بعضهم لبعض بحشر الظلمة من مقامهم إلى الموقف . وقيل منه إلى الجحيم . { وأزواجهم } وأشباههم عابد الصنم مع عبدة الصنم وعابد الكوكب مع عبدته كقوله تعالى : { وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثلاثة } أو نساءهم اللاتي على دينهم أو قرناءهم من الشياطين . { وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } من الأصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم ، وهو عام مخصوص بقوله تعالى : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } الآية ، وفيه دليل على أن { الذين ظَلَمُواْ } هم المشركون . { فاهدوهم إلى صراط الجحيم } فعرفوهم طريقاً ليسلكوها .","part":5,"page":67},{"id":2068,"text":"{ وَقِفُوهُمْ } احبسوهم في الموقف . { إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ } عن عقائدهم وأعمالهم والواو لا توجب الترتيب مع جواز أن يكون موقفهم متعدداً .\r{ مَا لَكُمْ لاَ تناصرون } لا ينصر بعضكم بعضاً بالتخليص ، وهو توبيخ وتقريع .\r{ بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ } منقادون لعجزهم وانسداد الحيل عليهم ، وأصل الاستسلام طلب السلامة أو متسالمون كأنه يسلم بعضهم بعضاً ويخذله .\r{ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } يعني الرؤوساء والأتباع أو الكفرة والقرناء . { يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً للتوبيخ ولذلك فسر ب { يتخاصمون } .\r{ قَالُواْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين } عن أقوى الوجوه وأيمنها ، أو عن الدين أو عن الخير كأنكم تنفعوننا نفع السانح فتبعناكم وهلكنا ، مستعار من يمين الإِنسان الذي هو أقوى الجانبين وأشرفهما وأنفعهما ولذلك سمي يميناً وتيمن بالسانح ، أو عن القوة والقهر فتقسروننا على الضلال ، أو على الحلف فإنهم كانوا يحلفون لهم إنهم على الحق .\r{ قَالُواْ بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } .\r{ وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مّن سلطان بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طاغين } أجابهم الرؤساء أولاً بمنع إضلالهم بأنهم كانوا ضالين في أنفسهم ، وثانياً بأنهم ما أجبروهم على الكفر إذ لم يكن لهم عليهم تسلط وإنما جنحوا إليه لأنهم كانوا قوماً مختارين الطغيان .\r{ فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ } .\r{ فأغويناكم إِنَّا كُنَّا غاوين } ثم بينوا أن ضلال الفريقين ووقوعهم في العذاب كان أمراً مقضياً لا محيص لهم عنه ، وإن غاية ما فعلوا بهم أنهم دعوهم إلى الغي لأنهم كانوا على الغي فأحبوا أن يكونوا مثلهم ، وفيه إيماء بأن غوايتهم في الحقيقة ليست من قبلهم إذ لو كان كل غواية لإِغواء غاو فمن أغواهم .\r{ فَإِنَّهُمْ } فإن الأتباع والمتبوعين . { يَوْمَئِذٍ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } كما كانوا مشتركين في الغواية .\r{ إِنَّا كَذَلِكَ } مثل ذلك الفعل . { نَفْعَلُ بالمجرمين } بالمشركين لقوله تعالى :\r{ إِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ } أي عن كلمة التوحيد ، أو على من يدعوهم إليه .\r{ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو ءالِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ } يعنون محمداً E .\r{ بَلْ جَاءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين } رد عليهم بأن ما جاء به من التوحيد حق قام به البرهان وتطابق عليه المرسلون .\r{ إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا العذاب الأليم } بالإِشراك وتكذيب الرسل ، وقرىء بنصب «العذاب » ، على تقرير النون كقوله\r:\rوَلاَ ذَاكِرُ الله إِلاَّ قَلِيلاً ... وهو ضعيف في غير المحلى باللام وعلى الأصل .\r{ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } إلا مثل ما عملتم .\r{ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } استثناء منقطع إلا أن يكون الضمير في { تُجْزَوْنَ } لجميع المكلفين فيكون استثناؤهم عنه باعتبار المماثلة ، فإن ثوابهم مضاعف والمنقطع أيضاً بهذا الاعتبار .","part":5,"page":68},{"id":2069,"text":"{ أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ } خصائصه من الدوام ، أو تمحض اللذة ولذلك فسره بقوله :\r{ فواكه } فإن الفاكهة ما يقصد للتلذذ دون التغذي والقوت بالعكس ، وأهل الجنة لما أعيدوا على خلقة محكمة محفوظة عن التحلل كانت أرزاقهم فواكه خالصة . { وَهُم مُّكْرَمُونَ } في نيله يصل إليهم من غير تعب وسؤال كما عليه رزق الدنيا .\r{ فِي جنات النعيم } في جنات ليس فيها إلا النعيم ، وهو ظرف أو حال من المستكن في { مُّكْرَمُونَ } ، أو خبر ثان { لأولئك } وكذلك :\r{ على سُرُرٍ } يحتمل الحال أو الخبر فيكون : { متقابلين } حالاً من المستكن فيه أو في { مُّكْرَمُونَ } ، وأن يتعلق ب { متقابلين } فيكون حالاً من ضمير { مُّكْرَمُونَ } .","part":5,"page":69},{"id":2070,"text":"{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ } بإناء فيه خمر أو خمر كقوله :\rوَكَأْسٌ شُرِبَتْ عَلَى لَذَّةٍ ... { مّن مَّعِينٍ } من شراب معين أو نهر معين أي ظاهر للعيون ، أو خارج من العيون وهو صفة للماء من عان الماء إذا نبع . وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء ، أو للإِشعار بأن ما يكون لهم بمنزلة الشراب جامع لما يطلب من أنواع الأشربة لكمال اللذة ، وكذلك قوله :\r{ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ للشاربين } وهما أيضاً صفتان لكأس ، ووصفها ب { لَذَّةٍ } إما للمبالغة أو لأنها تأنيث لذ بمعنى لذيذ كطب ووزنه فعل قال :\rوَلَذّ كَطَعْم الصَرخديّ تَرَكْتُه ... بِأَرْضِ العِدَا مِنْ خَشْيَةِ الحَدَثَانِ\r{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } غائلة كما في خمر الدنيا كالخمار من غاله يغوله إذا أفسده ومنه الغول . { وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ } يسكرون من نزف الشارب فهو نزيف ومنزوف إذا ذهب عقله ، أفرده بالنفي وعطفه على ما يعمه لأنه من عظم فساده كأنه جنس برأسه ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الزاي وتابعهما عاصم في «الواقعة» من أنزف الشارب إذا نفد عقله أو شرابه ، وأصله للنفاد يقال نزف المطعون إذا خرج دمه كله ونزحت الركية حتى نزفتها .\r{ وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } قصرن أبصارهن على أزواجهن . { عِينٌ } نجل العيون جمع عيناء .\r{ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ } شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة فإنه أحسن ألوان الأبدان .\r{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُوَنَ } معطوف على { يُطَافُ عَلَيْهِمْ } أي يشربون فيتحادثون على الشراب قال :\rوَمَا بَقِيَتْ مِنَ اللَّذَّاتِ إِلا ... أَحَادِيثُ الكِرَامِ عَلَى المُدَامِ\rوالتعبير عنه بالماضي للتأكيد فيه فإنه ألذ تلك اللذات إلى العقل ، وتساؤلهم عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا .\r{ قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } في مكالمتهم . { إِنّي كَانَ لِي قَرِينٌ } جليس في الدنيا . . .\r{ يِقُولُ أَءنَّكَ لَمِنَ المصدقين } يوبخني على التصديق بالبعث ، وقرىء بتشديد الصاد من التصدق .\r{ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَدِينُونَ } لمجزيون من الدين بمعنى الجزاء .\r{ قَالَ } أي ذلك القائل . { هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ } إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين ، وقيل القائل هو الله سبحانه وتعالى أو بعض الملائكة يقول لهم : هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار لأريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم؟ وعن أبي عمرو «مُّطَّلِعُونَ فَأَطَّلِعَ» بالتخفيف وكسر النون وضم الألف على أنه جعل اطلاعهم سبب اطلاعه من حيث أن أدب المجالسة يمنع الاستبداد به ، أو خاطب الملائكة على وضع المتصل موضع المنفصل كقوله :\rهُم الآمِرُونَ الخَيْرَ وَالفَاعِلُونَهُ ... أو شبه اسم الفاعل بالمضارع .","part":5,"page":70},{"id":2071,"text":"{ فَأَطَّلِعَ } عليهم . { فَرَءاهُ } أي قرينه . { فِى سَوَاء الجحيم } وسطه .\r{ قَالَ تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ } لتهلكني بالإِغواء ، وقرىء «لتغوين» و { إِن } هي المخففة واللام هي الفارقة .\r{ وَلَوْلاَ نِعْمَةُ رَبّي } بالهداية والعصمة . { لَكُنتُ مِنَ المحضرين } معك فيها .\r{ أَفَمَا نَحْنُ بِمَيّتِينَ } عطف على محذوف أي أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ، أي بمن شأنه الموت وقرىء «بمائتين» .\r{ إِلأ مَوْتَتَنَا الأولى } التي كانت في الدنيا وهي متناولة لما في القبر بعد الإِحياء للسؤال ، ونصبها على المصدر من اسم الفاعل . وقيل على الاستثناء المنقطع . { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } كالكفار ، وذلك تمام كلامه لقرينه تقريعاً له أو معاودة إلى مكالمة جلسائه تحدثاً بنعمة الله ، أو تبجحاً بها وتعجباً منها وتعريضاً للقرين بالتوبيخ .\r{ إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم } يحتمل أن يكون من كلامهم وأن يكون كلام الله سبحانه وتعالى لتقرير قوله والإِشارة إلى ما هم عليه من النعمة والخلود والأمن من العذاب .\r{ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون } أي لنيل مثل هذا يجب أن يعمل العاملون لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام ، وهو أيضاً يحتمل الأمرين .\r{ أذلك خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم } شجرة ثمرها نزل أهل النار ، وانتصاب { نُزُلاً } على التمييز أو الحال وفي ذكره دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقال للنازل ولهم وراء ذلك ما تقصر عنه الأفهام ، وكذلك الزقوم لأهل النار ، وهو : اسم شجرة صغيرة الورق ذفر مرة تكون بتهامة سميت به الشجرة الموصوفة .\r{ إِنَّا جعلناها فِتْنَةً للظالمين } محنة وعذاباً لهم في الآخرة ، أو ابتلاء في الدنيا فإنهم لما سمعوا أنها في النار قالوا كيف ذلك والنار تحرق الشجر ، ولم يعلموا أن من قدر على خلق حيوان يعيش في النار ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجرة في النار وحفظه من الإِحراق .\r{ إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الجحيم } منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترتفع إلى دركاتها .\r{ طَلْعِهَا } حملها مستعار من طلع التمر لمشاركته إياه في الشكل ، أو الطلوع من الشجر . { كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين } في تناهي القبح والهول ، وهو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق الحسن بالملك . وقيل { الشياطين } حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف ، ولعلها سميت بها لذلك .\r{ فَإِنَّهُمْ لأكِلُونَ مِنْهَا } من الشجرة أو من طلعها . { فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } لغلبة الجوع أو الجبر على أكلها .\r{ ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا } أي بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش وطال استسقاؤهم ، ويجوز أن يكون ثم لما في شرابهم من مزيد الكراهة والبشاعة . { لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ } لشراباً من غساق ، أو صديد مشوباً بماء حميم يقطع أمعاءهم ، وقرىء بالضم وهو اسم ما يشاب به والأول مصدر سمي به .","part":5,"page":71},{"id":2072,"text":"{ ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ } مصيرهم . { لإِلَى الجحيم } إلى دركاتها أو إلى نفسها ، فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولهم ، وقيل الحميم خارج عنها لقوله تعالى : { هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن } يوردون إليه كما تورد الإِبل إلى الماء ثم يردون إلى الجحيم ، ويؤيده أنه قرىء «ثم إن منقلبهم» .\r{ إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ فَهُمْ على ءَاثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } تعليل لاستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الآباء في الضلال ، والإِهراع : الإِسراع الشديد كأنهم يزعجون على الإِسراع على { آثارهم } ، وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على نظر وبحث .\r{ وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ } قبل قومك . { أَكْثَرُ الأولين } .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ } أنبياء أنذروهم من العواقب .\r{ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } من الشدة والفظاعة .\r{ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } إلا الذين تنبهوا بإنذارهم فأخلصوا دينهم لله ، وقرىء بالفتح أي الذين أخلصهم الله لدينه والخطاب مع الرسول A ، والمقصود خطاب قومه فإنهم أيضاً سمعوا أخبارهم ورأوا آثارهم .\r{ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ } شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها ، أي ولقد دعانا حين أيس من قومه . { فَلَنِعْمَ المجيبون } أي فأجبناه أحسن الإِجابة فوالله لنعم المجيبون نحن ، فحذف منها ما حذف لقيام ما يدل عليه .\r{ ونجيناه وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم } من الغرق أو أذى قومه .\r{ وَجَعَلْنَا ذُرّيَّتَهُ هُمُ الباقين } إذ هلك من عداهم وبقوا متناسلين إلى يوم القيامة ، إذ روي أنه مات كل من كان معه في السفينة غير بنيه وأزواجهم .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى الأخرين } من الأمم .\r{ سلام على نُوحٍ } هذا الكلام جيء به على الحكاية والمعنى يسلمون عليه تسليماً . وقيل هو سلام من الله عليه ومفعول { تَّرَكْنَا } محذوف مثل الثناء . { فِى العالمين } متعلق بالجار والمجرور ومعناه الدعاء بثبوت هذه التحية في الملائكة والثقلين جميعاً .","part":5,"page":72},{"id":2073,"text":"{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } تعليل لما فعل بنوح من التكرمة بأنه مجازاة له على إحسانه .\r{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } تعليل لإِحسانه بالإِيمان إظهاراً لجلالة قدره وأصالة أمره .\r{ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الأخرين } يعني كفار قومه .\r{ وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ } ممن شايعه في الإِيمان وأصول الشريعة . { لإبراهيم } ولا يبعد اتفاق شرعهما في الفروع أو غالباً ، وكان بينهما ألفان وستمائة وأربعون سنة ، وكان بينهما نبيان هود وصالح عليهما الصلاة والسلام .\r{ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ } متعلق بما في الشيعة من معنى المشايعة أو بمحذوف هو اذكر . { بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } من آفات القلوب أو من العلائق خالص لله أو مخلص له ، وقيل حزين من السليم بمعنى اللديغ . ومعنى المجيء به ربه : إخلاصه له كأنه جاء به متحفاً إياه .\r{ إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ } بدل من الأولى أو ظرف ل { جَاء } أو { سَلِيمٍ } .\r{ أَئِفْكاً ءَالِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ } أي تريدون آلهة دون الله إفكاً مقدم المفعول للعناية ثم المفعول له لأن الأهم أن يقرر أنهم على الباطل ومبنى أمرهم على الافك ، ويجوز أن يكون { إِفْكاً } مفعولاً به و { ءَالِهَةً } بدل منه على أنها إفك في نفسها للمبالغة ، أو المراد بها عبادتها بحذف المضاف أو حالاً بمعنى إفكين .\r{ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبّ العالمين } بمن هو حقيق بالعبادة لكونه ربا للعالمين حتى تركتم عبادته ، أو أشركتم به غيره أو أمنتم من عذابه ، والمعنى إنكار ما يوجب ظناً فضلاً عن قطع يصد عن عبادته ، أو يجوز الإِشراك به أو يقتضي الأمن من عقابه على طريقة الإِلزام وهو كالحجة على ما قبله .\r{ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى النجوم } فرأى مواقعها واتصالاتها ، أو في علمها أو في كتابها ، ولا منع منه مع أن قصده إيهامهم وذلك حين سألوه أن يعبد معهم .\r{ فَقَالَ إِنّي سَقِيمٌ } أراهم أنه استدل بها لأنهم كانوا منجمين على أنه مشارف للسقم لئلا يخرجوه إلى معبدهم ، فإنه كان أغلب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى ، أو أراد إني سقيم القلب لكفركم ، أو خارج المزاج عن الاعتدال خروجاً قل من يخلو منه أو بصدد الموت ومنه المثل : كفى بالسلامة داء ، وقول لبيد\r:\rفَدَعَوْتُ رَبِّي بِالسَّلاَمَةِ جَاهِدا ... لِيُصحّنِي فَإِذَا السَّلاَمَةُ دَاءُ\r{ فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ } هاربين مخافة العدوى .\r{ فَرَاغَ إلى ءالِهَتِهِمْ } فذهب إليها في خفية من روغة الثعلب وأصله الميل بحيلة . { فَقَالَ } أي للأصنام استهزاء . { أَلا تَأْكُلُونَ } يعني الطعام الذي كان عندهم .\r{ مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ } بجوابي .\r{ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ } فمال عليهم مستخفياً ، والتعدية بعلى للاستعلاء وإن الميل لمكروه . { ضَرْباً باليمين } مصدر«لراغ عليهم» لأنه في معنى ضربهم ، أو لمضمر تقديره فراغ عليهم يضربهم وتقييده باليمين للدلالة على قوته فإن قوة الآلة تستدعي قوة الفعل ، وقيل { باليمين } بسبب الحلف وهو قوله :","part":5,"page":73},{"id":2074,"text":"{ تالله لأكِيدَنَّ أصنامكم } فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ } إلى إبراهيم E بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة وبحثوا عن كاسرها فظنوا أنه هو كما شرحه في قوله : { مَن فَعَلَ هذا بِئَالِهَتِنَا } الآية . { يَزِفُّونَ } يسرعون من زفيف النعام . وقرى حمزة على بناء المفعول من أزفه أي يحملون على الزفيف . وقرىء { يَزِفُّونَ } أي يزف بعضهم بعضاً ، و { يَزِفُّونَ } من وزف يزف إذا أسرع و { يَزِفُّونَ } من زفاه إذا حداه كأن بعضهم يزفو بعضاً لتسارعهم إليه { قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ } ما تنحتونه من الأصنام .","part":5,"page":74},{"id":2075,"text":"{ والله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } أي وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه وشكلها وإن كان بفعلهم ، ولذلك جعل من أعمالهم فبإقداره إياهم عليه وخلقه ما يتوقف عليه فعلهم من الدواعي والعدد ، أو عملكم بمعنى معمولكم ليطابق ما تنحتون ، أو إنه بمعنى الحدث فإن فعلهم إذا كان بخلق الله تعالى فيهم كان مفعولهم المتوقف على فعلهم أولى بذلك ، وبهذا المعنى تمسك أصحابنا على خلق الأعمال ولهم أن يرجحوه على الأولين لما فيها من حذف أو مجاز .\r{ قَالُواْ ابنوا لَهُ بنيانا فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم } في النار الشديدة من الجحمة وهي شدة التأجج ، واللام بدل الإِضافة أي جحيم ذلك البنيان .\r{ فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً } فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم . { فجعلناهم الأسفلين } الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهاناً نيراً على علو شأنه ، حيث جعل النار عليه برداً وسلاماً .\r{ وَقَالَ إِنّي ذَاهِبٌ إلى رَبّي } إلى حيث أمرني ربي وهو الشام ، أو حيث أتجرد فيه لعبادته . { سَيَهْدِينِ } إلى ما فيه صلاح ديني أو إلى مقصدي ، وإنما بت القول لسبق وعده أو لفرط توكله ، أو البناء على عادته معه ولم يكن كذلك حال موسى E حين { قَالَ عسى رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السبيل } فلذلك ذكر بصيغة التوقع .\r{ رَبّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين } بعض الصالحين يعينني على الدعوة والطاعة ويؤنسني في الغربة ، يعني الولد لأن لفظ الهبة غالبة فيه ولقوله :\r{ فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } بشره بالولد وبأنه ذكر يبلغ أوان الحلم ، فإن الصبي لا يوصف بالحلم ويكون حليماً وأي حلم مثل حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح وهو مراهق فقال { سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصابرين } وقيل ما نعت الله نبياً بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام ، وحالهما المذكورة بعد تشهد عليه .\r{ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي } أي فلما جَّد وبلغ أن يسعى معه في أعماله ، و { مَعَهُ } متعلق بمحذوف دل عليه { السعي } لا به لأن صلة المصدر لا تتقدمه ولا يبلغ فإن بلوغهما لم يكن معاً كأنه لَمَّا قال : { فَلَمَّا بَلَغَ السعي } فقيل مع من فقيل { مَعَهُ } ، وتخصيصه لأن الأب أكمل في الرفق والاستصلاح له فلا يستسعيه قبل أوانه ، أو لأنه استوهبه لذلك وكان له يومئذ ثلاث عشرة سنة . { قَالَ يَا بَُنَيَّ } وقرأ حفص بفتح الياء . { إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } يحتمل أنه رأى ذلك وأنه رأى ما هو تعبيره ، وقيل إنه رأى ليلة التروية أن قائلاً يقول له : إن الله يأمرك بذبح ابنك ، فلما أصبح روى أنه من الله أو من الشيطان ، فلما أمسى رأى مثل ذلك فعرف أنه من الله ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره وقال له ذلك ، ولهذا سميت الأيام الثلاثة بالتروية وعرفة والنحر ، والأظهر أن المخاطب إسمعيل عليه السلام لأنه الذي وهب له أثره الهجرة ولأن البشارة بإسحاق بعد معطوفة على البشارة بهذا الغلام ، ولقوله E","part":5,"page":75},{"id":2076,"text":"\" أنا ابن الذبيحين \" فأحدهما جده إسمعيل والآخر أبوه عبد الله ، فإن جده عبد المطلب نذر أن يذبح ولداً إن سهل الله له حفر زمزم أو بلغ بنوه عشرة ، فلما سهل أقرع فخرج السهم على عبد الله ففداه بمائة من الإِبل ، ولذلك سنت الدية مائة ولأن ذلك كان بمكة وكان قرنا الكبش معلقين بالكعبة حتى احترقا معها في أيام ابن الزبير ، ولم يكن إسحاق ثمة ولأن البشارة بإسحاق كانت مقرونة بولادة يعقوب منه فلا يناسبها الأمر بذبحه مراهقاً ، وما روي \" أنه E سئل أي النسب أشرف فقال : يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله \" فالصحيح أنه قال : فقال : \" يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم \" والزوائد من الراوي . وما روي أن يعقوب كتب إلى يوسف مثل ذلك لم يثبت . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء فيهما . { فانظر مَاذَا ترى } من الرأي ، وإنما شاوره فيه وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله فيثبت قدمه إن جزع ، ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة بالانقياد له قبل نزوله ، وقرأ حمزة والكسائي «مَاذَا ترى» بضم التاء وكسر الراء خالصة ، والباقون بفتحها وأبو عمرو يميل فتحة الراء وورش بين بين والباقون بإخلاص فتحها . { قَالَ يَا أَبَتِ } وقرأ ابن عامر بفتح التاء . { ا افعل مَا تُؤمَرُ } أي ما تؤمر به فحذفا دفعة ، أو على الترتيب كما عرفت أو أمرك على إرادة المأمور به والإِضافة إلى المأمور ، أو لعله فهم من كلامه أنه رأى أنه يذبحه مأموراً به ، أو علم أن رؤيا الأنبياء حق وأن مثل ذلك لا يقدمون عليه إلا بأمر ، ولعل الأمر في المنام دون اليقظة لتكون مبادرتهما إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص ، وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا . { سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ الله مِنَ الصابرين } على الذبح أو على قضاء الله ، وقرأ نافع بفتح الياء .","part":5,"page":76},{"id":2077,"text":"{ فَلَمَّا أَسْلَمَا } استسلما لأمر الله أو سلما الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه ، وقد قرىء بهما وأصلها سلم هذا لفلان إذا خلص له فإنه سلم من أن ينازع فيه . { وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة . وقيل كبه على وجهه بإشارته لئلا يرى فيه تغيراً يرق له فلا يذبحه ، وكان ذلك عند الصخرة بمنى أو في الموضع المشرف على مسجده ، أو المنحر الذي ينحر فيه اليوم .\r{ وناديناه أَن ياإبراهيم قَدْ صَدَّقْتَ الرؤيا } بالعزم والإِتيان بالمقدمات . وقد روي أنه أمر السكين بقوته على حلقه مراراً فلم تقطع ، وجواب «لما» محذوف تقديره كان ما كان مما ينطلق به الحال ولا يحيط به المقال ، من استبشارهما وشكرهما لله تعالى على ما أنعم عليهما من دفع البلاء بعد حلوله والتوفيق بما لم يوفق غيرهما لمثله ، وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك . { إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين } تعليل لإِفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما ، واحتج به من جوز النسخ قبل وقوعه فإنه E كان مأموراً بالذبح لقوله { ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ } ولم يحصل .\r{ إِنَّ هذا لَهُوَ البلاء المبين } الابتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره ، أو المحنة البينة الصعوبة فإنه لا أصعب منها .\r{ وفديناه بِذِبْحٍ } بما يذبح بدله فيتم به الفعل . { عظِيمٍ } عظيم الجثة سمين ، أو عظيم القدر لأنه يفدي به الله نبياً ابن نبي وأي نبي من نسله سيد المرسلين . قيل كان كبشاً من الجنة . وقيل وعلاً أهبط عليه من ثبير . وروي أنه هرب منه عند الجمرة فرماه بسبع حصيات حتى أخذه فصارت سنة ، والفادي على الحقيقة إبراهيم E وإنما قال وفديناه لأن الله المعطي له والآمر به على التجوز في الفداء أو الإِسناد ، واستدل به الحنفية على أن من نذر ذبح ولده لزمه ذبح شاة وليس فيه ما يدل عليه .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سلام على إبراهيم } سبق بيانه في قصة نوح عليه السلام . { كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } لعله طرح عنه أنا اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة .\r{ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نَبِيّاً مّنَ الصالحين } مقضياً نبوته مقدراً كونه من الصالحين وبهذا الاعتبار وقعا حالين ولا حاجة إلى وجود المبشر به وقت البشارة ، فإن وجود ذي الحال غير شرط بل الشرط مقارنة تعلق الفعل به لاعتبار المعنى بالحال ، فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملاً فيهما مثلاً و { بشرناه } بوجود إسحق أي بأن يوجد إسحق نبياً من الصالحين ، ومع ذلك لا يصير نظير قوله :","part":5,"page":77},{"id":2078,"text":"{ فادخلوها خالدين } فإن الداخلين مقدرون خلودهم وقت الدخول وإسحق لم يكن مقدراً نبوة نفسه وصلاحها حينما يوجد ، ومن فسر الذبيح بإسحق جعل المقصود من البشارة نبوته ، وفي ذكر الصلاح بعد النبوة تعظيم لشأنه وإيماء بأنه الغاية لها لتضمنها معنى الكمال والتكميل بالفعل على الإِطلاق .\r{ وباركنا عَلَيْهِ } على إبراهيم في أولاده . { وعلى إسحاق } بأن أخرجنا من صلبه أنبياء بني إسرائيل وغيرهم كأيوب وشعيب ، أو أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ، وقرىء «وبركنا» . { وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ } في عمله أو إلى نفسه بالإِيمان والطاعة . { وظالم لّنَفْسِهِ } بالكفر والمعاصي . { مُّبِينٌ } ظاهر ظلمه ، وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابها لا يعود عليهما بنقيصه وعيب .\r{ وَلَقَدْ مَنَنَّا على موسى وهارون } أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية .\r{ ونجيناهما وَقَوْمَهُمَا مِنَ الكرب العظيم } من تغلب فرعون أو الغرق .\r{ ونصرناهم } ثم الضمير لهما مع القوم . { فَكَانُواْ هُمُ الغالبين } على فرعون وقومه .\r{ وءاتيناهما الكتاب المستبين } البليغ في بيانه وهو التوراة .\r{ وهديناهما الصراط المستقيم } الطريق الموصل إلى الحق والصواب .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِى الآخرين سلام على موسى وهارون إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } .\r{ إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } سبق مثل ذلك .\r{ وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ المرسلين } هو إلياس بن ياسين سبط هرون أخى موسى بعث بعده . وقيل إدريس لأنه قرىء إدريس وإدراس مكانه وفي حرف أبي Bه . وقيل إيليس وقرأ ابن ذكوان مع خلاف عنه بحذف همزة إلياس .\r{ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلاَ تَتَّقُونَ } عذاب الله .\r{ أَتَدْعُونَ بَعْلاً } أتعبدونه أو أتطلبون الخير منه ، وهو اسم صنم كان لأهل بَكَّ من الشام وهو البلد الذي يقال له الآن بعلبك وقيل البعل الرب بلغة اليمن ، والمعنى أتدعون بعض البعول . { وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الخالقين } وتتركون عبادته ، وقد أشار فيه إلى المقتضي للإنكار المعني بالهمزة ثم صرح به بقوله :\r{ الله رَبَّكُمْ وَرَبَّ ءَابَائِكُمُ الأولين } وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص بالنصب على البدل .\r{ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ } أي في العذاب ، وإنما أطلقه اكتفاء منه بالقرينة ، أو لأن الإِحضار المطلق مخصوص بالشر عرفاً .\r{ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } مستثنى من الواو لا من المحضرين لفساد المعنى .\r{ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين } .\r{ سلام على إِلْ يَاسِينَ } لغة في إلياس كسيناه وسينين ، وقيل جمع له مراد به هو وأتباعه كالمهلبين ، لكن فيه أن العلم إذا جمع يجب تعريفه باللام أو للمنسوب إليه بحذف ياء النسب كالأعجمين وهو قليل ملبس ، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب على إضافة { ءالَ } إلى { يَاسِينَ } لأنهما في المصحف مفصولان فيكون { يَاسِينَ } أبا { إِلْيَاسَ } ، وقيل محمد E أو القرآن أو غيره من كتب الله والكل لا يناسب نظم سائر القصص ولا قوله :\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين } إذ الظاهر أن الضمير لإلياس .","part":5,"page":78},{"id":2079,"text":"{ وَإِنَّ لُوطاً لَّمِنَ المرسلين إِذْ نجيناه وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوزاً فِى الغابرين ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخرين } سبق بيانه .\r{ وَإِنَّكُمْ } يا أهل مكة . { لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ } على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه . { مُّصْبِحِينَ } داخلين في الصباح .\r{ وباليل } أي ومساء أو نهاراً وليلاً ، ولعلها وقعت قريب منزل يمر بها المرتحل عنه صباحاً والقاصد لها مساء . { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أفليس فيكم عقل تعتبرون به .","part":5,"page":79},{"id":2080,"text":"{ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ المرسلين } وقرىء بكسر النون .\r{ إِذْ أَبَقَ } هرب ، وأصله الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن إطلاقه عليه . { إِلَى الفلك المشحون } المملوء .\r{ فساهم } فقارع أهله . { فَكَانَ مِنَ المدحضين } فصار من المغلوبين بالقرعة ، وأصله المزلق عن مقام الظفر . روي أنه لما وعد قومه بالعذاب خرج من بينهم قبل أن يأمره الله ، فركب السفينة فوقفت فقالوا : ها هنا عبد آبق فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ، فقال أنا الآبق ورمى بنفسه في الماء .\r{ فالتقمه الحوت } فابتلعه من اللقمة . { وَهُوَ مُلِيمٌ } داخل في الملامة ، أو آت بما يلام عليها أو مليم نفسه ، وقرىء بالفتح مبنياً من ليم كمشيب في مشوب .\r{ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين } الذاكرين الله كثيراً بالتسبيح مدة عمره ، أو في بطن الحوت وهو قوله { لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين } وقيل من المصلين .\r{ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } حياً وقيل ميتاً ، وفيه حث على إكثار الذكر وتعظيم لشأنه ، ومن أقبل عليه في السراء أخذ بيده عند الضراء .\r{ فنبذناه } بأن حملنا الحوت على لفظه . { بالعراء } بالمكان الخالي غما يغطيه من شجر أو نبت . روي أن الحوت سار مع السفينة رافعاً رأسه يتنفس فيه يونس ويسبح حتى انتهوا إلى البر فلفظه ، واختلف في مدة لبثه فقيل بعض يوم وقيل ثلاثة أيام وقيل سبعة ، وقيل عشرون وقيل أربعون . { وَهُوَ سَقِيمٌ } مما ناله قيل صار بدنه كبدن الطفل حين يولد .\r{ وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ } أي فوقه مظلة عليه . { شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } من شجر ينبسط على وجه الأرض ولا يقوم على ساقه ، يفعيل من قطن بالمكان إذا أقام به ، والأكثر على أنها كانت الدباء غطته بأوراقها عن الذباب فإنه لا يقع عليه ، ويدل عليه أنه قيل لرسول الله A : إنك لتحب القرع ، قال : « أجل هي شجرة أخي يونس » وقيل التين وقيل الموز تغطى بورقه واستظل بأغصانه وأفطر على ثماره .\r{ وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ } هم قومه الذين هرب عنهم وهم أهل نينوى ، والمراد به ما سبق من إرساله أو إرسال ثان إليهم أو إلى غيرهم . { أَوْ يَزِيدُونَ } في مرأى الناظر أي إذا نظر إليهم ، قال هم مائة ألف أو يزيدون والمراد الوصف بالكثرة وقرىء بالواو .\r{ فَئَامِنُواْ } فصدقوه أو فجددوا الإِيمان به بمحضره . { فمتعناهم إلى حِينٍ } إلى أجلهم المسمى ، ولعله إنما لم يختم قصته وقصة لوط بما ختم به سائر القصص تفرقة بينهما وبين أرباب الشرائع الكبر وأولى العزم من الرسل ، أو اكتفاء بالتسليم الشامل لكل الرسل المذكورين في آخر السورة .","part":5,"page":80},{"id":2081,"text":"{ فاستفتهم أَلِرَبّكَ البنات وَلَهُمُ البنون } معطوف على مثله ، في أول السورة أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث ، وساق الكلام في تقريره جاراً لما يلائمه من القصص موصولاً بعضها ببعض ، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم : الملائكة بنات الله ، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر ، التجسيم وتجويز الفناء على الله تعالى ، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة ، وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم ، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مراراً ، وجعله مما { تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً } والإِنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما ، أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم .","part":5,"page":81},{"id":2082,"text":"{ أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون } وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا بها ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء ، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم .\r{ أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله } لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه . { وَإِنَّهُمْ لكاذبون } فيما يتدينون به ، وقرىء «وَلَدَ الله» أي الملائكة ولده ، فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث .\r{ أَصْطَفَى البنات على البنين } استفهام إنكار واستبعاد ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ، وعن نافع كسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها أو على الإِثبات بإضمار القول أي : لكاذبون في قولهم اصطفى ، أو إبداله من { وَلَدَ الله } .\r{ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } بما لا يرتضيه عقل .\r{ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أنه منزه عن ذلك .\r{ أَمْ لَكُمْ سلطان مُّبِينٌ } حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته .\r{ فَأْتُواْ بكتابكم } الذي أنزل عليكم . { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم .\r{ وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجنة نَسَباً } يعني الملائكة ذكرهم باسم جنسهم وضعاً منهم أن يبلغوا هذه المرتبة ، وقيل قالوا إن الله تعالى صاهر الجن فخرجت الملائكة ، وقيل قالوا الله والشياطين إخوان . { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة إِنَّهُمْ } إن الكفرة أو الإِنس والجن إن فسرت بغير الملائكة { لَمُحْضَرُونَ } في العذاب .\r{ سبحان الله عَمَّا يَصِفُونَ } من الولد والنسب .\r{ إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين } استثناء من المحضرين منقطع ، أو متصل إن فسر الضمير بما يعمهم وما بينهما اعتراض أو من { يَصِفُونَ } .\r{ فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } عود إلى خطابهم .\r{ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ } على الله . { بفاتنين } مفسدين الناس بالإِغواء .\r{ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الجحيم } إِلاَّ من سبق في علمه أنه من أهل النار ويصلاها لا محالة ، { وَأَنتُمْ } ضمير لهم ولآلهتهم غلب فيه المخاطب على الغائب ، ويجوز أن يكون { وَمَا تَعْبُدُونَ } لما فيه من معنى المقارنة ساداً مسد الخبر أي إنكم وآلهتكم قرناء لا تزالون تعبدونها ، ما أنتم على ما تعبدونه بفاتنين بباعثين على طريق الفتنة إلا ضالاً مستوجباً للنار مثلكم ، وقرىء { صَال } بالضم على أنه جمع محمول على معنى من ساقط واوه لالتقاء الساكنين ، أو تخفيف صائل على القلب كشاك في شائك ، أو المحذوف منه كالمنسي كما في قولهم : ما باليت به بالة ، فإن أصلها بالية كعافية .","part":5,"page":82},{"id":2083,"text":"{ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم والمعنى : وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة والانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم ، ويحتمل أن يكون هذا وما قبله من قوله { سبحان الله } من كلامهم ليتصل بقوله : { وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجنة } كأنه قال ولقد علمت الملائكة أن المشركين معذبون بذلك وقالوا { سبحان الله } تنزيهاً له عنه ، ثم استثنوا { المخلصين } تبرئة لهم منه ، ثم خاطبوا المشركين بأن الافتتان بذلك للشقاوة المقدرة ، ثم اعترفوا بالعبودية وتفاوت مراتبهم فيه لا يتجاوزونها فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه .\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون } في أداء الطاعة ومنازل الخدمة .\r{ وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون } المنزهون الله عما لا يليق به ، ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعارف ، وما في إن واللام وتوسيط الفصل من التأكيد والاختصاص لأنهم المواظبون على ذلك دائماً من غير فترة دون غيرهم . وقيل هو من كلام النبي E والمؤمنين والمعنى : وما منا إلا له مقام معلوم في الجنة أو بين يدي الله يوم القيامة ، { وَإِنَّا لَنَحْنُ الصافون } له في الصلاة والمنزهون له عن السوء .\r{ وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ } أي مشركوا قريش .\r{ لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مّنَ الأولين } كتاباً من الكتب التي نزلت عليهم .\r{ لَكُنَّا عِبَادَ الله المخلصين } لأخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم .\r{ فَكَفَرُواْ بِهِ } أي لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبة كفرهم .\r{ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } أي وعدنا لهم النصر والغلبة وهو قوله : { إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون } .\r{ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون } وهو باعتبار الغالب والمقضي بالذات ، وإنما سماه كلمة وهي كلمات لانتظامهم في معنى واحد .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فأعرض عنهم . { حتى حِينٍ } هو الموعد لنصرك عليهم وهو يوم بدر ، وقيل يوم الفتح .\r{ وَأَبْصِرْهُمْ } على ما ينالهم حينئذ والمراد بالأمر الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه . { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الآخرة ، و «سوف» للوعيد لا للتبعيد .\r{ أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ } روي أنه لما نزل { فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } قالوا متى هذا فنزلت .\r{ فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } فإذا نزل العذاب بفنائهم ، شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة ، وقيل الرسول وقرىء «نَزَّلَ» على إسناده إلى الجار والمجرور و«نَزَّلَ» أي العذاب . { فَسَاء صَبَاحُ المنذرين } فبئس صباح المنذرين صباحهم ، واللام للجنس وال { صَبَاحُ } مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ، ولما كثر فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحاً وإن وقعت في وقت آخر .\r{ وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ } تأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد للاشعار بأنه يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة ، أو الأول لعذاب الدنيا والثاني لعذاب الآخرة .","part":5,"page":83},{"id":2084,"text":"{ سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } عما قاله المشركون فيه على ما حكي في السورة ، وإضافة الرب إلى العزة لاختصاصها به إذ لا عزة إلا له أو لمن أعزه ، وقد أدرج فيه جملة صفاته السلبية والثبوتية مع الإِشعار بالتوحيد .\r{ وسلام على المرسلين } تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم .\r{ والحمد للَّهِ رَبّ العالمين } على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة ولذلك أخره عن التسليم ، والمراد تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله . وعن علي Bه : من أحب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه من مجلسه : سبحان ربك إلى آخر السورة .\rوعن النبي A \" من قرأ والصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان ، وتباعدت عنه مردة الجن والشياطين ، وبرىء من الشرك وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمناً بالمرسلين» \" .","part":5,"page":84},{"id":2085,"text":"مكية وآيها ست أو ثمان وثمانون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ص } وقرىء بالكسر لالتقاء الساكنين ، وقيل إنه أمر من المصاداة بمعنى المعارضة ، ومنه الصدى فإنه يعارض الصوت الأول أي عارض القرآن بعملك ، وبالفتح لذلك أو لحذف حرف القسم وإيصال فعله إليه ، أو إضماره والفتح في موضع الجر فإنها غير مصروفة لأنها علم السورة وبالجر والتنوين على تأويل الكتاب . { والقرءان ذِى الذَّكْرِ } الواو للقسم إن جعل { ص } اسماً للحرف أو مذكور للتحدي ، أو للرمز بكلام مثل صدق محمد E ، أو للسورة خبر المحذوف أو لفظ الأمر ، وللعطف إن جعل مقسماً به كقولهم : الله لأفعلن بالجر والجواب محذوف دل عليه ما في { ص } من الدلالة على التحدي ، أو الأمر بالمعادلة أي إنه لمعجز أو لواجب العمل به ، أو إن محمداً صادق أو قوله :\r{ بَلِ الذين كَفَرُواْ } أي ما كفر به من كفر لخلل وجده فيه { بَلِ الذين كَفَرُواْ } به . { فِى عِزَّةٍ } أي استكبار عن الحق . { وَشِقَاقٍ } خلاف لله ورسوله ولذلك كفروا به ، وعلى الأولين الإِضراب أيضاً من الجواب المقدر ولكن من حيث إشعاره بذلك والمراد بالذكر العظة أو الشرف والشهره ، أو ذكر ما يحتاج اليه في الدين من العقائد والشرائع والمواعيد ، والتنكير في { عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ } للدلالة على شدتهما ، وقرىء في «غرة» أي غفلة عما يجب عليهم النظر فيه .\r{ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ } وعيد لهم على كفرهم به استكباراً وشقاقاً . { فَنَادَوْاْ } استغاثة أو توبة أو استغفاراً . { وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ } أي ليس الحين حين مناص ، ولا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب ، وثم خصت بلزوم الأحيان وحذف أحد المعمولين ، وقيل هي النافية للجنس أي ولا حين مناص لهم ، وقيل للفعل والنصب بإضماره أي ولا أرى حين مناص ، وقرىء بالرفع على أنه اسم لا أو مبتدأ محذوف الخبر أي ليس حين مناص حاصلاً لهم ، أو لا حين مناص كائن لهم وبالكسر كقوله :\rطَلَبُوا صُلْحَنَا وَلاَتَ أَوان ... فَأَجَبْنَا أَنَّ لاَتَ حِينَ بَقَاءِ\rإما لأن لات تجر الأحيان كما أن لولا تجر الضمائر في قوله :\rلَوْلاَكَ هَذَا العَامُ لَمْ أَحْجُج ... أو لأن أوان شبه بإذ لأنه مقطوع عن الإِضافة إذ أصله أوان صلح ، ثم حمل عليه { مَنَاصٍ } تنزيلاً لما أضيف إليه الظرف منزلته لما بينهما من الاتحاد ، إذ أصله يحن مناصهم ثم بني الحين لإضافته إلى غير متمكن { وَّلاَتَ } بالكسر كجير ، وتقف الكوفية عليها بالهاء كالأسماء والبصرية بالتاء كالأفعال . وقيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الامام ولا يرد عليه أن خط المصحف خارج عن القياس إذ مثله لم يعهد فيه ، والأصل اعتباره إلا فيما خصه الدليل ولقوله :","part":5,"page":85},{"id":2086,"text":"العَاطِفُونَ تَحِينَ لاَ مِنْ عَاطِف ... وَالُمْطعُمونَ زَمَانَ مَا مِنْ مُطْعمِ\rوالمناص المنجا من ناصه ينوصه إذا فاته .\r{ وَعَجِبُواْ أَن جَاءَهُم مٌّنذِرٌ مّنْهُمْ } بشر مثلهم أو أمي من عدادهم . { وَقَالَ الكافرون } وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضباً عليهم وذماً لهم ، وإشعاراً بأن كفرهم جسرهم على هذا القول . { هذا ساحر } فِيمَا يظهره معجزة . { كَذَّابٌ } فيما يقوله على الله تعالى .\r{ أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا } بأن جعل الألوهية التي كانت لهم لواحد . { إِنَّ هذا لَشَىْءٌ عُجَابٌ } بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا ، وما نشاهده من أن الواحد لا يفي علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة ، وقرىء مشدداً وهو أبلغ ككرام وكرام . وروي أنه لما أسلم عمر Bه شق ذلك على قريش ، فأتوا أبا طالب وقالوا أنت شيخنا وكبيرنا ، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا جئناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فاستحضر رسول الله A وقال : هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل عليهم ، فقال E : ماذا يسألونني ، فقالوا : ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك ، فقال : « أرأيتم إن أعطيتكم ما سألتم أمعطي أنتم كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم » ، فقالوا : نعم وعشراً ، فقال : « قولوا لا إله إلا الله » ، فقاموا وقالوا ذلك .","part":5,"page":86},{"id":2087,"text":"{ وانطلق الملأ مِنْهُمْ } وانطلق أشراف قريش من مجلس أبي طالب بعدما بكتهم رسول الله A . { أَنِ امشوا } قائلين بعضهم لبعض { امشوا } . { اصبروا } واثبتوا . { على ءَالِهَتِكُمْ } على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته ، و { أَنِ } هي المفسرة لأن الانطلاق عن مجلس التقاول يشعر بالقول . وقيل المراد بالانطلاق الاندفاع في القول ، و { امشوا } من مشت المرأة إذا كثرت أولادها ومنه الماشية أي اجتمعوا ، وقرىء بغير { أَنٍ } وقرىء «يمشون أن اصبروا» . { إِنَّ هذا لَشَىْءٌ يُرَادُ } إن هذا الأمر لشيء من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له ، أو أن هذا الذي يدعيه من التوحيد أو يقصده من الرئاسة ، والترفع على العرب والعجم لشيء يتمنى أو يريده كل أحد ، أو أن دينكم لشيء يطلب ليؤخذ منكم .\r{ مَّا سَمِعْنَا بهذا } بالذي يقوله . { فِى الملة الأخرة } في الملة التي أدركنا عليها آباءنا ، أو في ملة عيسى E التي هي آخر الملل فإن النصارى يثلثون . ويجوز أن يكون حالاً من هذا أي ما سمعنا من أهل الكتاب ولا الكهان بالتوحيد كائناً في الملة المترقبة . { إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } كذب اختلقه .\r{ ءَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا } إنكار لاختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرئاسة كقولهم { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } وأمثال ذلك دليل على أن مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي . { بْل هُمْ فَي شَكّ مّن ذِكْرِي } من القرآن أو الوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل ، وليس في عقيدتهم ما يبتون به من قولهم { هذا ساحر كَذَّابٌ } { إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق } . { بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ } بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم ، والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه .\r{ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبّكَ العزيز الوهاب } بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخير للنبوة بعض صناديدهم ، والمعنى أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز أي الغالب الذي لا يغلب ، الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء ، ثم رشح ذلك فقال :\r{ أَمْ لَهُم مُّلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } كأنه لما أنكر عليهم التصرف في نبوته بأن ليس عندهم خزائن رحمته التي لا نهاية لها ، أردف ذلك بأنه ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها .","part":5,"page":87},{"id":2088,"text":"{ فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب } جواب شرط محذوف أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم ، فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون . وهو غاية التهكم بهم ، والسبب في الأصل هو الوصلة ، وقيل المراد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية .\r{ جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الأحزاب } أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل { مَهْزُومٌ } مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الإِلهية والتصرف في الأمور الربانية ، أو فلا تكترث بما يقولون و { مَا } مزيدة للتقليل كقولك أكلت شيئاً ما ، وقيل للتعظيم على الهزء وهو لا يلائم ما بعده ، وهنالك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل هذا القول .","part":5,"page":88},{"id":2089,"text":"{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد } ذو الملك الثابت بالأوتاد كقوله :\rوَلَقَدْ غَنوا فِيْهَا بِأَنْعَمِ عِيْشَةٍ ... فِي ظِلِّ ملكٍ ثَابِتِ الأَوْتَادِ\rمأخوذ من ثبات البيت المطنب بأوتاده ، أو ذو الجموع الكثيرة سموا بذلك لأن بعضهم يشد بعضاً كالوتد يشد البناء . وقيل نصب أربع سوار وكان يمد يدي المعذب ورجليه إليها ويضرب عليها أوتاداً ويتركه حتى يموت .\r{ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وأصحاب لْئَيْكَةِ } وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر «ليكة» . { أُوْلَئِكَ الأحزاب } يعني المتحزبين على الرسل الذين جعل الجند المهزوم منهم .\r{ إِن كُلٌّ كَذَّبَ الرسل } بيان لما أسند إليهم من التكذيب على الإِبهام مشتمل على أنواع من التأكيد ليكون تسجيلاً على استحقاقهم للعذاب ، ولذلك رتب عليه : { فَحَقَّ عِقَابِ } وهو إما مقابلة الجمع بالجمع أو جعل تكذيب الواحد منهم تكذيب جميعهم .\r{ وَمَا يَنظُرُ هَؤُلآءِ } وما ينتظر قومك أو الأحزاب فإنهم كالحضور لاستحضارهم بالذكر ، أو حضورهم في علم الله تعالى : { إِلاَّ صَيْحَةً واحدة } هي النفخة الأولى . { مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ } من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين ، أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع ، وقرأ حمزة والكسائي بالضم وهما لغتان .\r{ وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّلْ لَّنَا قِطَّنَا } قسطنا من العذاب الذي توعدنا به ، أو الجنة التي تعدها للمؤمنين وهو من قطه إذا قطعه ، وقيل لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي : عجل لنا صحيفة أعمالنا للنظر فيها . { قَبْلَ يَوْمِ الحساب } استعجلوا ذلك استهزاء .\r{ اصبر على مَا يَقُولُونَ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ } واذكر لهم قصته تعظيماً للمعصية في أعينهم ، فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى صغيرة نزل عن منزلته ووبخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان ، أو تذكر قصته وصن نفسه أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه أدنى إهمال . { ذَا الأيد } ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وآد وأياد بمعنى . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجاع إلى مرضاة الله تعالى ، وهو تعليل ل { الأيد } ودليل على أن المراد به القوة في الدين ، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويقوم نصف الليل .\r{ إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبّحْنَ } قد مر تفسيره ، و { يُسَبّحْنَ } حال وضع موضع مسبحان لاستحضار الحال الماضية والدلالة على تجدد التسبيح حالاً بعد حال . { بالعشى والإشراق } ووقت الإِشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى ، وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق . وعن أم هانىء رضي الله تعالى عنها : أنه E صلى صلاة الضحى وقال","part":5,"page":89},{"id":2090,"text":"\" هذه صلاة الإِشراق \" وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية .\r{ والطير مَحْشُورَةً } إليه من كل جانب ، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشرجملة أدل على القدرة منه مدرجاً ، وقرىء «والطير مَحْشُورَةً» بالمبتدأ والخبر . { كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ } كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح ، والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح وهذا على المداومة عليها ، أو كل منهما ومن داوود E مرجع لله التسبيح .\r{ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ } وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ، وقرىء بالتشديد للمبالغة . قيل : إن رجلاً ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان ، فأوحى إليه أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال : صدقت إني قتلت أباه وأخذت البقرة فعظمت بذلك هيبته . { وَءَاتيْنَاهُ الْحِكْمَةَ } النبوة أو كمال العلم واتقان العمل . { وَفَصْلَ الخطاب } وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل ، أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف ، والإِضمار والحذف والتكرار ونحوها ، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة ، وقيل هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار محل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام الرسول E \" فصل لا نزر ولا هذر \" .","part":5,"page":90},{"id":2091,"text":"{ وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُا الخصم } استفهام معناه التعجيب والتشويق إلى استماعه ، والخصم في الأصل مصدر ولذلك أطلق على الجمع . { إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب } إذ تصعدوا سورة الغرفة ، تفعل من السور كتسنم من السنام ، وإذ متعلق بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم { إِذْ تَسَوَّرُواْ } ، أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داوود E ، وأن إسناد أتى إليه على حذف مضاف أي قصة نبأ الخصم لما فيه من معنى الفعل لا بأتى لأن إتيانه الرسول E لم يكن حينئذ { وَإِذْ } الثانية في { إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ } بدل من الأولى أو ظرف ل { تَسَوَّرُواْ } . { فَفَزِعَ مِنْهُمْ } نزلوا عليه من فوق في يوم الاحتجاب والحرس على الباب لا يتركون من يدخل عليه ، فإنه E كان جزأ زمانه : يوماً للعبادة ، ويوماً للقضاء ، ويوماً للوعظ ، ويوماً للاشتغال بخاصته ، فتسور عليه ملائكة على صورة الإِنسان في يوم الخلوة . { قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ } نحن فوجان متخاصمان على تسمية مصاحب الخصم خصماً . { بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ } وهو على الفرض وقصد التعريض إن كانوا ملائكة وهو المشهور . { فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ } ولا تجر في الحكومة ، وقرىء «وَلاَ تُشْطِطْ» أي ولا تبعد عن الحق ولا تشطط ولا تشاط ، والكل من معنى الشطط وهو من مجاوزة الحد . { واهدنا إلى سَوَاء الصراط } أي إلى وسطه وهو العدل .\r{ إِنَّ هَذَا أَخِى } بالدين أو بالصحبة . { لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِى نَعْجَةٌ واحدة } هي الأنثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة ، والكناية والتمثيل فيما يساق للتعريض أبلغ في المقصود ، وقرىء«تِسْعٌ وَتِسْعُونَ» بفتح التاء ونعجة بكسر النون ، وقرأ حفص بفتح ياء { لِى نَعْجَةً } . { فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا } ملكنيها وحقيقته اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي ، وقيل اجعلها كفلي أي نصيبي . { وَعَزَّنِى فِى الخطاب } وغلبني في مخاطبته إياي محاجة بأن جاء بحجاج لم أقدر على رده ، أو في مغالبته إياي في الخطبة يقال : خطبت المرأة وخطبها هو فخاطبني خطاباً حيث زوجها دوني ، وقرىء «وعازني» أي غالبني «وعزني» على تخفيف غريب .\r{ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ } جواب قسم محذوف قصد به المبالغة في إنكار فعل خليطه وتهجين طمعه ولعله قال ذلك بعد اعترافه ، أو على تقدير صدق المدعي والسؤال مصدر مضاف إلى مفعوله وتعديته إلى مفعول آخر بإلى لتضمنه معنى الإِضافة . { وَإِنَّ كَثِيراً مّنَ الخلطاء } الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط { لَيَبْغِى } ليتعدى . { بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ } وقرىء بفتح الياء على تقدير النون الخفيفة وحذفها كقوله :\rاضْرُبْ عَنْكَ الهُمُومِ ... طَارِقُهَا\rوبحذف الياء اكتفاء بالكسرة .","part":5,"page":91},{"id":2092,"text":"{ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ } أي وهم قليل ، و { مَا } مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم . { وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه } ابتليناه بالذنب أو امتحناه بتلك الحكومة هل يتنبه بها . { فاستغفر رَبَّهُ } لذنبه . { وَخَرَّ رَاكِعاً } ساجداً على تسمية السجود ركوعاً لأنه مبدؤه ، أو خر للسجود راكعاً أي مصلياً كأنه أحرم بركعتي الاستغفار . { وَأَنَابَ } ورجع إلى الله بالتوبة ، وأقصى ما في هذه القضية الإِشعار بأنه E ود أن يكون له ما لغيره ، وكان له أمثاله فنبهه الله بهذه القصة فاستغفر وأناب عنه . وما روي أن بصره وقع على امرأة فعشقها وسعى حتى تزوجها ولدت منه سليمان ، إن صح فلعله خطب مخطوبته أو استنزله عن زوجته ، وكان ذلك معتاداً فيما بينهم وقد واسى الأنصار المهاجرين بهذا المعنى . وما قيل إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مراراً وأمر أن يقدم حتى قتل فتزوجها هزء وافتراء ، ولذلك قال علي Bه : من حدث بحديث داوود عليه السلام على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين . وقيل إن قوماً قصدوا أن يقتلوه فتسوروا المحراب ودخلوا عليه فوجدوا عنده أقواماً فتصنعوا بهذا التحاكم فعلم غرضهم وأراد أن ينتقم منهم ، فظن أن ذلك ابتلاء من الله له { فاستغفر رَبَّهُ } مما هم به { وَأَنَابَ } .\r{ فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك } أي ما استغفر عنه . { وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى } لقربة بعد المغفرة . { وَحُسْنَ مَئَابٍ } مرجع في الجنة .\r{ ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِى الأرض } استخلفناك على الملك فيها ، أو جعلناك خليفة ممن قبلك من الأنبياء القائمين بالحق . { فاحكم بَيْنَ الناس بالحق } بحكم الله . { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى } ما تهوى النفس ، وهو يؤيد ما قيل إن ذنبه المبادرة إلى تصديق المدعي وتظليم الآخر قبل مسألته . { فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } دلائله التي نصبها على الحق . { إِنَّ الذين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الحساب } بسبب نسيانهم وهو ضلالهم عن السبيل ، فإن تذكره يقتضي ملازمة الحق ومخالفة الهوى .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا } لا حكمة فيه ، أو ذوي باطل بمعنى مبطلين عابثين كقوله : { وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ } أو للباطل الذي هو متابعة الهوى ، بل للحق الذي هو مقتضى الدليل من التوحيد والتدرع بالشرع كقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } على وضعه موضع المصدر مثل هنيئاً { ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ } الإِشارة إلى خلقها باطلاً والظن بمعنى المظنون . { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ النار } بسبب هذا الظن .","part":5,"page":92},{"id":2093,"text":"{ أَمْ نَجْعَلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات كالمفسدين فِى الأرض } { أَمْ } منقطعة والاستفهام فيها لإِنكار التسوية بين الحزبين التي هي من لوازم خلقها باطلاً ليدل على نفيه وكذا التي في قوله : { أَمْ نَجْعَلُ المتقين كالفجار } كأنه أنكر التسوية أولاً بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم ، ويجوز أن يكون تكريراً للإِنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم ، والآية تدل على صحة القول بالحشر ، فإن التفاضل بينهما إما أن يكون في الدنيا والغالب فيها عكس ما يقتضي الحكمة فيه ، أو في غيرها وذلك يستدعي أن يكون لهم حالة أخرى يجازون بها .\r{ كتاب أنزلناه إِلَيْكَ مبارك } نفاع ، وقرىء بالنصب على الحال . { لّيَدَّبَّرُواْ ءاياته } ليتفكروا فيها فيعرفواما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني المستنبطة وقرىء ليتدبروا على الأصل ولتدبروا أي أنت وعلماء أمتك . { وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الألباب } وليتعظ به ذوو العقول السليمة ، أو ليستحضروا ما هو كالمركوز في عقولهم من فرط تمكنهم من معرفته بما نصب عليه من الدلائل ، فإن الكتب الإليهة بيان لما لا يعرف إلا من الشرع ، وإرشاد إلى ما يستقل به العقل ، ولعل التدبر للمعلوم الأول والتذكر الثاني . { وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سليمان نِعْمَ العبد } أي نعم العبد سليمان إذ ما بعده تعليل للمدح وهو في حاله . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } رجاع إلى الله بالتوبة ، أو إلى التسبيح مرجع له .\r{ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ } ظرف ل { أَوَّابٌ } أو ل { نِعْمَ } ، والضمير ل { سليمان } عند الجمهور { بالعشى } بعد الظهر { الصافنات } الصافن من الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل ، وهو من الصفات المحمودة في الخيل الذي لا يكاد يكون إلا في العراب الخلص . { الجياد } جمع جواد أو جود ، وهو الذي يسرع في جريه وقيل الذي يجود في الركض ، وقيل جمع جيد . روي أنه E غزا دمشق ونصيبين وأصاب ألف فرس ، وقيل أصابها أبوه من العمالقة فورثها منه فاستعرضها فلم تزل تعرض عليه حتى غربت الشمس وغفل عن العصر ، أو عن ورد كان له فاغتم لما فاته فاستردها فعقرها تقرباً لله .\r{ فَقَالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير عَن ذِكْرِ رَبِى } أصل { أَحْبَبْتُ } أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما أنيب مناب أنبت عدي تعديته ، وقيل هو بمعنى تقاعدت من قوله\r:\rمِثْلُ بَعِيرِ السُّوءِ إِذَا أَحَبَّا ... أي برك ، و { حُبَّ الخير } مفعول له والخير المال الكثير ، والمراد به الخيل التي شغلته ويحتمل أنه سماها خيراً لتعلق الخير بها . قال E « الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة » وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بفتح الياء .","part":5,"page":93},{"id":2094,"text":"{ حتى تَوَارَتْ بالحجاب } أي غربت الشمس ، شبه غروبها بتواري المخبأة بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليها .\r{ رُدُّوهَا عَلَىَّ } الضمير ل { الصافنات } . { فَطَفِقَ مَسْحاً } فأخذ بمسح السيف مسحاً . { بالسوق والأعناق } أي بسوقها وأعناقها يقطعها من قولهم مسح علاوته إذا ضرب عنقه ، وقيل جعل يمسح بيده أعناقها وسوقها حبالها ، وعن ابن كثير «بالسؤق» على همز الواو لضمة ما قبلها كمؤقن ، وعن أبي عمرو «بالسؤوق» وقرىء «بالساق» اكتفاء بالواحد عن الجمع لأمن الالباس .\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا سليمان وَأَلْقَيْنَا على كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } وأظهر ما قيل فيه ما روي مرفوعاً \" أنه قال : لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يجاهد في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله ، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة جاءت بشق رجل ، فو الذي نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرساناً \" وقيل ولد له ابن فاجتمعت الشياطين على قتله فعلم ذلك ، فكان يغدوه في السحاب فما شعر به إلا أن ألقي على كرسيه ميتاً فتنبه على خطئه بأن لم يتوكل على الله . وقيل إنه غزا صيدون من الجزائر فقتل ملكها وأصاب ابنته جرادة ، فأحبها وكان لا يرقأ دمعها جزعاً على أبيها ، فأمر الشياطين فمثلوا لها صورته فكانت تغدو إليها وتروح مع ولائدها يسجدن لها كعادتهن في ملكه ، فأخبره آصف فكسر الصورة وضرب المرأة وخرج إلى الفلاة باكياً متضرعاً ، وكانت له أم ولد اسمها أمينة إذا دخل للطهارة أعطاها خاتمه وكان ملكه فيه ، فأعطاها يوماً فتمثل لها بصورته شيطان اسمه صخر وأخذ الخاتم وتختم به وجلس على كرسيه ، فاجتمع عليه الخلق ونفذ حكمه في كل شيء إلا في نسائه وغير سليمان عن هيئته ، فأتاها لطلب الخاتم فطردته فعرف أن الخطيئة قد أدركته ، فكان يدور على البيوت يتكفف حتى مضى أربعون يوماً عدد ما عبدت الصورة في بيته ، فطار الشيطان وقذف الخاتم في البحر فابتلعته سمكة فوقعت في يده فبقر بطنها فوجد الخاتم فتختم به وخر ساجداً وعاد إليه الملك ، فعلى هذا الجسد صخر سمي به وهو جسم لا روح فيه لأنه كان متمثلاً بما لم يكن كذلك ، والخطيئة تغافله عن حال أهله لأن اتخاذ التماثيل كان جائزاً حينئذ ، وسجود الصورة بغير علمه لا يضره .\r{ قَالَ رَبّ اغفر لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لأَحَدٍ مّن بَعْدِى } لا يتسهل له ولا يكون ليكون معجزة لي مناسبة لحالي ، أو لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة ، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته كقولك : لفلان ما ليس لأحد من الفضل والمال ، على إرادة وصف الملك بالعظمة لا أن لا يعطى أحد مثله فيكون منافسة ، وتقديم الاستغفار على الاستيهاب لمزيد اهتمامه بأمر الدين ووجوب تقديم ما يجعل للدعاء بصدد الإِجابة . وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء . { إِنَّكَ أَنتَ الوهاب } المعطي ما تشاء لمن تشاء .","part":5,"page":94},{"id":2095,"text":"{ فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح } فذللناها لطاعته إجابة لدعوته وقرىء «الرياح» . { تَجْرِى بِأَمْرِهِ رُخَاءً } لينة من الرخاوة لا تزعزع ، أو لا تخالف إرادته كالمأمور المنقاد . { حَيْثُ أَصَابَ } أراد من قولهم أصاب الصواب فأخطأ الجواب .\r{ والشياطين } عطف على { الريح } . { كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ } بدل منه .\r{ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عملة استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء والغوص ، ومردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر ، ولعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى ويمكن تقييدها ، هذا والأقرب أن المراد تميل كفهم عن الشرور بالإِقران في الصفد وهو القيد ، وسمي به العطاء لأنه يرتبط به المنعم عليه . وفرقوا بين فعليهما فقالوا صفده قيده وأصفده أعطاه عكس وعد وأوعد وفي ذلك نكتة .\r{ هذا عَطَاؤُنَا } أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطائنا . { فامنن أَوْ أَمْسِكْ } فاعط من شئت وامنع من شئت . { بِغَيْرِ حِسَابٍ } حال من المستكن في الأمر ، أي غير محاسب على منه وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك أو من العطاء أو صلة له وما بينهما اعتراض . والمعنى أنه عطاء جم لا يكاد يمكن حصره ، وقيل الإِشارة إلى تسخير الشياطين ، والمراد بالمن والإِمساك إطلاقهم وإبقاءهم في القيد .\r{ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى } في الآخرة مع ما له من الملك العظيم في الدنيا . { وَحُسْنَ مَئَابٍ } هو الجنة .\r{ واذكر عَبْدَنَا أَيُّوبَ } هو ابن عيص بن إسحاق وامرأته ليا بنت يعقوب صلوات الله عليه . { إِذْ نادى رَبَّهُ } بدل من { عَبْدَنَا } و { أَيُّوبَ } عطف بيان له . { أَنّى مَسَّنِىَ } بأن مسني ، وقرأ حمزة بإسكان الياء وإسقاطها في الوصل . { الشيطان بِنُصْبٍ } بتعب . { وَعَذَابٍ } ألم وهي حكاية لكلامه الذي ناداه به ولولا هي لقال إنه مسه ، والإِسناد إلى { الشيطان } إما لأن الله مسه بذلك لما فعل بوسوسته كما قيل إنه أعجب بكثرة ماله أو استغاثة مظلوم فلم يغثه ، أو كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه ، أو لسؤاله امتحاناً لصبره فيكون اعترافاً بالذنب أو مراعاة للأدب ، أو لأنه وسوس إلى أتباعه حتى رفضوه وأخرجوه من ديارهم ، أو لأن المراد بالنصب والعذاب ما كان يوسوس إليه في مرضه من عظم البلاء والقنوط من الرحمة ويغريه على الجزع ، وقرأ يعقوب بفتح النون على المصدر ، وقرىء بفتحتين وهو لغة كالرشد والرشد وبضمتين للتثقيل .\r{ اركض بِرِجْلِكَ } حكاية لما أجيب به أي اضرب برجلك الأرض . { هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ } أي فضربها فنبعت عين فقيل هذا مغتسل أي ماء تغتسل به وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك ، وقيل نبعث عينان حارة وباردة فاغتسل من الحارة واشرب من الأخرى .","part":5,"page":95},{"id":2096,"text":"{ وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ } بأن جمعناهم عليه بعد تفرقهم أو أحييناهم بعد موتهم ، وقيل وهبنا له مثلهم . { وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } حتى كان له ضعف ما كان . { رَحْمَةً مّنَّا } لرحمتنا عليه { وذكرى لأُوْلِى الألباب } وتذكيراً لهم لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم .\r{ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً } عطف على اركض والضغث الحزمة الصغيرة من الحشيش ونحوه . { فاضرب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } روي أن زوجته ليا بنت يعقوب وقيل رحمة بنت افراثيم بن يوسف ذهبت لحاجة فأبطأت فحلف إن برىء ضربها مائة ضربة ، فحلل الله يمينه بذلك وهي رخصة باقية في الحدود . { إِنَّا وجدناه صَابِراً } فيما أصابه في النفس والأهل والمال ، ولا يخل به شكواه إلى الله من الشيطان فإنه لا يسمى جزعاً كتمني العافية وطلب الشفاء مع أنه قال ذلك خيفة أن يفتنه أو قومه في الدين . { نِعْمَ العبد } أيوب . { إِنَّهُ أَوَّابٌ } مقبل بشراشره على الله تعالى .\r{ واذكر عِبَادَنَا إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } وقرأ ابن كثير «عَبْدَنَا» وضع الجنس موضع الجمع ، أو على أن { إِبْرَاهِيمَ } وحده لمزيد شرفه عطف بيان له ، { وإسحاق وَيَعْقُوبَ } عطف عليه . { أُوْلِى الأيدى والأبصار } أولي القوة في الطاعة والبصيرة في الدين ، أو أولي الأعمال الجليلة والعلوم الشريفة ، فعبر بالأيدي عن الأعمال لأن أكثرها بمباشرتها وبالأبصار عن المعارف لأنها أقوى مباديها ، وفيه تعريض بالبطلة الجهال أنهم كالزمنى والعماة .\r{ إِنَّا أخلصناهم بِخَالِصَةٍ } جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي : { ذِكْرَى الدار } تذكرهم الدار الآخرة دائماً فإن خلوصهم في الطاعة بسببها ، وذلك لأن مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه وذلك في الآخرة ، وإطلاق { الدار } للاشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر ، وأضاف نافع وهشام { بِخَالِصَةٍ } إلى { ذِكْرِى } للبيان أو لأنه مصدر بمعنى الخلوص فأضيف إلى فاعله .\r{ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار } لمن المختارين من أمثالهم المصطفين عليهم في الخير جمع خير كشر وأشرار . وقيل جمع خير أو خير على تخفيفه كأموات في جمع ميت أو ميت .","part":5,"page":96},{"id":2097,"text":"{ واذكر إسماعيل واليسع } هو ابن أخطوب استخلفه إلياس على بني إسرائيل ثم استنبىء ، واللام فيه كما في قوله :\rرَأَيْتُ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبَارَكاً ... وقرأ حمزة والكسائي «ولليسع» تشبيهاً بالمنقول من ليسع من اللسع . { وَذَا الكفل } ابن عم يسع أو بشر بن أيوب . واختلف في نبوته ولقبه فقيل فر إليه مائة نبي من بني إسرائيل من القتل فآواهم وكفلهم ، وقيل كفل بعمل رجل صالح كان يصلي كل يوم مائة صلاة { وَكُلٌّ } أي وكلهم . { مّنَ الأخيار } .\r{ هذا } إشارة إلى ما تقدم من أمورهم . { ذُكِرٌ } شرف لهم ، أو نوع من الذكر وهو القرآن . ثم شرع في بيان ما أعد لهم ولأمثالهم فقال : { وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ } مرجع .\r{ جنات عَدْنٍ } عطف بيان { لَحُسْنَ مَئَابٍ } وهو من الأعلام الغالبة لقوله { جنات عَدْنٍ التى وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب } وانتصب عنها . { مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب } على الحال والعامل فيها ما في المتقين من معنى الفعل ، وقرئتا مرفوعتين على الابتداء والخبر أو أنهما خبران لمحذوف .\r{ مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ } حالان متعاقبان أو متداخلان من الضمير في لهم لا من المتقين للفصل ، والأظهر أن يدعون استئناف لبيان حالهم فيها ومتكئين حال من ضميره ، والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ ، فإن التغذي للتحلل ولا تحلل ثمة .\r{ وَعِندَهُمْ قاصرات الطرف } لا ينظرون إلى غير أزواجهن . { أَتْرَابٌ } لذات لهم فإن التحاب بين الأقران أثبت ، أو بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية ، واشتقاقه من التراب فإنه يمسهن في وقت واحد .\r{ هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب } لآجاله فإن الحساب علة الوصول إلى الجزاء ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء ليوافق ما قبله .\r{ إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ } انقطاع .\r{ هذا } أي الأمر هذا أو هذا كما ذكر أو خذ هذا . { وَإِنَّ للطاغين لَشَرَّ مَئَابٍ } .\r{ جَهَنَّمَ } إعرابه ما سبق . { يَصْلَوْنَهَا } حال من جهنم . { فَبِئْسَ المهاد } المهد والمفترش ، مستعار من فراش النائم والمخصوص بالذم محذوف وهو { جَهَنَّمَ } لقوله { لَهُم مّن جَهَنَّمَ مهادا } { هذا فَلْيَذُوقُوهُ } ، أي ليذوقوا هذا فليذوقوه ، أو العذاب هذا فليذوقوه ، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره : { حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ } وهو على الأولين خبر محذوف أي هو { حَمِيمٍ } ، والغساق ما يغسق من صديد أهل النار من غسقت العين إذا سال دمعها ، وقرأ حفص وحمزة والكسائي «غَسَّاق» بتشديد السين .\r{ وَءَاخَرُ } أي مذوق أو عذاب آخر ، وقرأ البصريان «وأخرى» أي ومذوقات أو أنواع عذاب أخر . { مِن شَكْلِهِ } من مثل هذا المذوق أو العذاب في الشدة ، وتوحيد الضمير على أنه لما ذكر أو للشراب الشامل للحميم والغساق أو للغساق .","part":5,"page":97},{"id":2098,"text":"وقرىء بالكسر وهو لغة . { أزواج } أجناس خبر ل { ءَاخَرُ } أو صفة له أو للثلاثة ، أو مرتفع بالجار والخبر محذوف مثل لهم .\r{ هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ } حكاية ما يقال للرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار واقتحمها معهم فوج تبعهم في الضلال ، والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها . { لاَ مَرْحَباً بِهِمْ } دعاء من المتبوعين على أتباعهم أو صفة ل { فَوْجٌ } ، أو حال أي مقولاً فيهم لا مرحباً أي ما أتوا بهم رحباً وسعة . { إِنَّهُمْ صَالُو النار } داخلون النار بأعمالهم مثلنا .\r{ قَالُواْ } أي الأتباع للرؤساء . { بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ } بل أنتم أحق بما قلتم ، أو قيل لنا لضلالكم وإضلالكم كما قالوا : { أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا } قدمتم العذاب أو الصلي لنا بإِغوائنا وإغرائنا على ما قدمتموه من العقائد الزائغة والأعمال القبيحة . { فَبِئْسَ القرار } فبئس المقر جهنم .","part":5,"page":98},{"id":2099,"text":"{ قَالُواْ } أي الأتباع أيضاً . { رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِى النار } مضاعفاً أي ذا ضعف وذلك أن يزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين كقوله { رَبَّنَا ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب } { وَقَالُواْ } أي الطاغوت . { مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مّنَ الأشرار } يعنون فقراء المسلمين الذين يسترذلون ويسخرون بهم .\r{ أتخذناهم سُخْرِيّاً } صفة أخرى ل { رِجَالاً } ، وقرأ الحجازيان وابن عامر وعاصم بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي { سُخْرِيّاً } بالضم وقد سبق مثله في «المؤمنين» . { أَمْ زَاغَتْ } مالت . { عَنْهُمُ الأبصار } فلا نراهم { أَمْ } معادلة ل { مَا لَنَا لاَ نرى } على أن المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم كأنهم قالوا : أليسوا ها هنا أم زاغت عنهم أبصارنا ، أو لاتخذناهم على القراءة الثانية بمعنى أي الأمرين فعلنا بهم الاستسخار منهم أم تحقيرهم ، فإن زيغ الأبصار كناية عنه على معنى إنكارهما على أنفسهم ، أو منقطعة والمراد الدلالة على أن استرذالهم والاستسخار منهم كان لزيغ أبصارهم وقصور أنظارهم على رثاثة حالهم .\r{ إِنَّ ذلك } الذي حكيناه عنهم . { لَحَقُّ } لا بد أن يتكلموا به ثم بين ما هو فقال : { تَخَاصُمُ أَهْلِ النار } وهو بدل من لحق أو خبر محذوف ، وقرىء بالنصب على البدل من ذلك .\r{ قُلْ } يا محمد للمشركين . { إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } أنذركم عذاب الله . { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد } الذي لا يقبل الشركة والكثرة في ذاته . { القهار } لكل شيء يريد قهره .\r{ رَبّ ُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } منه خلقها وإليه أمرها . { العزيز } الذي لا يغلب إذا عاقب . { الغفار } الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء ، وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد ووعد ووعيد للموحدين والمشركين ، وتثنية ما يشعر بالوعيد وتقديمه لأن المدعو به هو الإِنذار .\r{ قُلْ هُوَ } أي ما أنبأتكم به من أني نذير من عقوبة من هذه صفته وأنه واحد في ألوهيته ، وقيل ما بعده من نبأ آدم . { نَبَأٌ عَظِيمٌ } .\r{ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } لتمادي غفلتكم فإن العاقل لا يعرض عن مثله كيف وقد قامت عليه الحجج الواضحة ، أما على التوحيد فما مرَّ وأما على النبوة فقوله :\r{ مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ } فإن إخباره عن تقاول الملائكة وما جرى بينهم على ما ورد في الكتب المتقدمة من غير سماع ومطالعة كتاب لا يتصوّر إلا بالوحي ، و { إِذْ } متعلق ب { عِلْمٍ } أو بمحذوف إذ التقرير من علم بكلام الملأ الأعلى .\r{ إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } أي لأنما كأنه لما جوز أن الوحي يأتيه بين بذلك ما هو المقصود به تحقيقاً لقوله { إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } ويجوز أن يرتفع بإسناد يوحى إليه ، وقرىء «إِنَّمَا» بالكسر على الحكاية .","part":5,"page":99},{"id":2100,"text":"{ إِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنّى خالق بَشَراً مّن طِينٍ } بدل من { إِذْ يَخْتَصِمُونَ } مبين له فإن القصة التي دخلت إذ عليها مشتملة على تقاول الملائكة وإبليس في خلق آدم عليه السلام ، واستحقاقه للخلافة والسجود على ما مر في «البقرة» ، غير أنها اختصرت اكتفاء بذلك واقتصاراً على ما هو المقصود منها ، وهو إنذار المشركين على استكبارهم على النبي E بمثل ما حاق بإبليس على استكباره على آدم عليه السلام ، هذا ومن الجائز أن يكون مقاولة الله تعالى إياهم بواسطة ملك ، وأن يفسر «الملأ الأعلى» بما يعم الله تعالى والملائكة .\r{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } عدلت خلقته . { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } وأحييته بنفخ الروح فيه ، وإضافته الى نفسه لشرفه وطهارته . { فَقَعُواْ لَهُ } فخروا له . { ساجدين } تكرمة وتبجيلاً له وقد مر من الكلام فيه في «البقرة» .\r{ فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } .\r{ إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر } تعظم . { وَكَانَ } وصار . { مِنَ الكافرين } باستنكاره أمر الله تعالى واستكباره عن المطاوعة ، أو كان منهم في علم الله تعالى .\r{ قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } خلقته بنفسي من غير توسط كأب وأم ، والثنية لما في خلقه من مزيد القدرة واختلاف الفعل ، وقرىء على التوحيد وترتيب الإنكار عليه للإشعار بأنه المستدعي للتعظيم ، أو بأنه الذي تشبث به في تركه وهو لا يصلح مانعاً إذ للسيد أن يستخدم بعض عبيده لبعض سيما وله مزيد اختصاص . { أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين } تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا واستحق التفوق ، وقيل استكبرت الآن أم لم تزل منذ كنت من المستكبرين ، وقرىء { اسْتَكْبَرْتَ } بحذف الهمزة لدلالة { أَمْ } عليها أو بمعنى الإخبار .\r{ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } إبداء للمانع وقوله : { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } دليل عليه وقد سبق الكلام فيه .\r{ قَالَ فاخرج مِنْهَا } من الجنة أو من السماء ، أو من الصورة الملكية . { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرود من الرحمة ومحل الكرامة .\r{ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى إلى يَوْمِ الدين قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } مر بيانه في «الحجر» .\r{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ } فبسلطانك وقهرك . { لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } الذين أخلصهم الله لطاعته وعصمهم من الضلالة ، أو أخلصوا قلوبهم لله على اختلاف القراءتين .\r{ قَالَ فالحق والحق أَقُولُ } أي فأحق الحق وأقوله ، وقيل «الحق» الأول اسم الله نصبه بحذف حرف القسم كقوله :\rإِنَّ عَلَيْكَ الله أَنْ تُبَايِعَا ... وجوابه { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } وما بينهما اعتراض وهو على الأول جواب محذوف والجملة تفسير ل { الحق } المقول ، وقرأ عاصم وحمزة برفع الأول على الابتداء أي الحق يميني أو قسمي ، أو الخبر أي أنا { الحق } ، وقرئا مرفوعين على حذف الضمير من أقول كقوله : كله لم أصنع .","part":5,"page":100},{"id":2101,"text":"ومجرورين على إضمار حرف القسم في الأول وحكاية لفظ المقسم به في الثاني للتأكيد ، وهو سائغ فيه إذا شارك الأول وبرفع الأول وجره ونصب الثاني وتخريجه على ما ذكرناه ، والضمير في منهم للناس إذ الكلام فيهم والمراد بمنك من جنسك ليتناول الشياطين ، وقيل للثقلين وأجمعين تأكيد له أو للضميرين .\r{ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } أي على القرآن أو تبليغ الوحي . { وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين } المتصفين بما ليسوا من أهله على ما عرفتم من حالي فأنتحل النبوة ، وأتقول القرآن .\r{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } عظة . { للعالمين } للثقلين . { وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ } وهو ما فيه من الوعد والوعيد ، أو صدقه بإتيان ذلك . { بَعْدَ حِينِ } بعد الموت أو يوم القيامة أو عند ظهور الإِسلام وفيه تهديد .\rعن النبي A « من قرأ سورة ( ص ) كان له بوزن كل جبل سخره الله لداود عشر حسنات ، وعصمه الله أن يصر على ذنب صغير أو كبير » .","part":5,"page":101},{"id":2102,"text":"مكية إلا قوله : قل يا عبادي الآية وآيها خمس وسبعون أو اثنتان وسبعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَنزِيلُ الكتاب } خبر محذوف مثل هذا أو مبتدأ خبره . { مِنَ الله العزيز الحكيم } وهو على الأول صلة ل { تَنزِيلَ } ، أو خبر ثان أو حال عمل فيها الإِشارة أو ال { تَنزِيلَ } ، والظاهر أن { الكتاب } على الأول السورة وعلى الثاني القرآن ، وقرىء «تَنزِيلَ» بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ أو الزم .\r{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } ملتبساً بالحق أو بسبب إثبات الحق وإظهاره وتفصيله . { فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين } ممحصاً له الدين من الشرك والرياء ، وقرىء برفع ا«;لدين» عن الاستئناف لتعليل الأمر وتقديم الخبر لتأكيد الاختصاص المستفاد من اللام كما صرح به مؤكداً وإجراؤه مجرى المعلوم المقرر لكثرة حججه وظهور براهينه فقال :\r{ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص } أي ألا هو الذي وجب اختصاصه بأن يخلص له الطاعة ، فإنه المتفرد بصفات الألوهية والاطلاع على الأسرار والضمائر . { والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء } يحتمل المتخذين من الكفرة والمتخذين من الملائكة وعيسى والأصنام على حذف الراجع وإضمار المشركين من غير ذكر لدلالة المساق عليهم ، وهو مبتدأ خبره على الأول . { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } بإضمار القول . { إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } وهو متعين على الثاني ، وعلى هذا يكون القول المضمر بما في حيزه حالاً أو بدلاً من الصلة و { زلفى } مصدر أو حال ، وقرىء «قالوا ما نعبدهم» و «ما نعبدكم إلا لتقربونا إلى الله» حكاية لما خاطبوا به آلهتهم و { نَعْبُدُهُمْ } بضم النون اتباعاً . { فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } من الدين بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم ، وقيل لهم ولمعبوديهم فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونها . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى } لا يوفق للاهتداء إلى الحق . { مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ } فإنهما فاقدا البصيرة .\r{ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً } كما زعموا . { لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء } إذ لا موجود سواه إلا هو مخلوقه لقيام الدلالة على امتناع وجود واجبين ووجوب استناد ما عدا الواجب إليه ، ومن البين أن المخلوق لا يماثل الخالق فيقوم مقام الوالد له ثم قرر ذلك بقوله : { سبحانه هُوَ الله الواحد القهار } فإن الألوهية الحقيقية تتبع الوجوب المستلزم للواحدة الذاتية ، وهي تنافي المماثلة فضلاً عن التوالد لأن كل واحد من المثلين مركب من الحقيقة المشتركة ، والتعين المخصوص والقهارية المطلقة تنافي قبول الزوال المحوج إلى الولد ، ثم استدل على ذلك بقوله :\r{ خَلَقَ السموات والأرض بالحق يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل } يغشى كل واحد منهما الآخر كأنه يلفه عليه لف اللباس باللابس ، أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة ، أو يجعله كاراً عليه كروراً متتابعاً تتابع أكوار العمامة .","part":5,"page":102},{"id":2103,"text":"{ وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى } هو منتهى دوره أو منقطع حركته . { إِلاَّ هُوَ العزيز } القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء . { الغفار } حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة .\r{ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } استدلال آخر بما أوجده في العالم السفلي مبدوء به من خلق الإِنسان لأنه أقرب وأكثر دلالة وأعجب ، وفيه على ما ذكره ثلاث دلالات : خلق آدم أولاً من غير أب وأم ، ثم خلق حواء من قصيراه ، ثم تشعيب الخلق الفائت للحصر منهما . و { ثُمَّ } للعطف على محذوف هو صفة { نَفْسٌ } مثل خلقها أو على معنى واحدة أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها فشفعها بها ، أو على { خَلَقَكُمْ } لتفاوت ما بين الآيتين ، فإن الأولى عادة مستمرة دون الثانية . وقيل أخرج من ظهره ذريته كالذر ثم خلق منها حواء . { وَأَنزَلَ لَكُمْ } وقضى أو قسم لكم ، فإن قضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء حيث كتبت في اللوح المحفوظ ، أو أحدث لكم بأسباب نازلة كأشعة الكواكب والأمطار . { مّنَ الأنعام ثمانية أزواج } ذكر وأنثى من الإِبل والبقر والضأن والمعز . { يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم } بيان لكيفية خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيها من عجائب القدرة ، غير أنه غلب أولي العقل أو خصهم بالخطاب لأنهم المقصودون . { خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ } حيواناً سوياً من بعد عظام مكسوة لحماً من بعد عظام عارية من بعد مضغ من بعد علق من بعد نطف . { فِى ظلمات ثلاث } ظلمة البطن والرحم والمشيمة ، أو الصلب والرحم والبطن . { ذلكم } الذي هذه أفعاله . { الله رَبُّكُمُ } هو المستحق لعبادتكم والمالك . { لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا يشاركه في الخلق غيره . { فأنى تُصْرَفُونَ } يعدل بكم عن عبادته إلى الإشراك .\r{ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ } عن إِيمانكم . { وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر } لاستضرارهم به رحمة عليهم . { وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ } لأنه سبب فلا حكم ، وقرأ ابن كثير ونافع في رواية وأبو عمرو والكسائي بإشباع ضمة الهاء لأنها صارت بحذف الألف موصولة بمتحرك ، وعن أبي عمرو ويعقوب إسكانها وهو لغة فيها . { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ثُمَّ إلى رَبّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بالمحاسبة والمجازاة . { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم .\r{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ } لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه .","part":5,"page":103},{"id":2104,"text":"{ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ } أعطاه من الخول وهو التعهد ، أو الخول وهو الافتخار . { نِعْمَةً مّنْهُ } من الله . { نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ } أي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه ، أو ربه الذي كان يتضرع إليه و { مَا } ؛ مثل الذي في قوله : { وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى } { مِن قَبْلُ } من قبل النعمة . { وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ } وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بفتح الياء ، والضلال والإِضلال لما كانا نتيجة جعله صح تعليله بهما وإن لم يكونا غرضين . { قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً } أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا سند له ، وإقناط للكافرين من التمتع في الآخرة ولذلك علله بقوله : { إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار } على سبيل الاستئناف للمبالغة .","part":5,"page":104},{"id":2105,"text":"{ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } قائم بوظائف الطاعات . { أَنَاءَ اللَّيْلِ } ساعاته وأم متصلة بمحذوف تقديره الكافر خير «أم من هو قانت» ، أو منقطعة والمعنى بل { أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ } كمن هو بضده ، وقرأ الحجازيان وحمزة بتخفيف الميم بمعنى أمن هو قانت لله كمن جعل له أنداداً . { ساجدا وَقَائِماً } حالان من ضمير { قَانِتٌ } ، وقرئا بالرفع على الخبر بعد الخبر والواو للجمع بين الصفتين { يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل . { قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ } نفى لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم . وقيل تقرير للأول على سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون . { إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب } بأمثال هذه البيانات ، وقرىء «يذكر» بالإِدغام .\r{ قُلْ يا عِبَادِي الذين ءَامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ } بلزوم طاعته . { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } أي للذين أحسنوا بالطاعات في الدنيا مثوبة حسنة في الآخرة . وقيل معناه للذين أحسنوا حسنة في الدنيا هي الصحة والعافية ، وفي هذه بيان لمكان { حَسَنَةٌ } . { وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ } فمن تعسر عليه التوفر على الإِحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث يتمكن منه . { إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون } على مشاق الطاعات من احتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها . { أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } أجراً لا يهتدي إليه حساب الحساب ، وفي الحديث إنه \" ينصب الموازين يوم القيامة لأهل الصلاة والصدقة والحج فيوفون بها أجورهم ، ولا ينصب لأهل البلاء بل يصب عليهم الأجر صباً حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل \" { قُلْ إِنّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين } موحداً له .\r{ وَأُمِرْتُ لأِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين } وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدمهم في الدنيا والآخرة ، لأن قصب السبق في الدين بالإِخلاص أو لأنه أول من أسلم وجهه لله من قريش ومن دان بدينهم ، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة ، والإشعار بأن العبادة المقرونة بالإِخلاص وإن اقتضت لذاتها أن يؤمر بها فهي أيضاً تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين ، ويجوز أن تجعل اللام مزيدة كما في أردت لأن أفعل فيكون أمر بالتقدم في الإِخلاص والبدء بنفسه في الدعاء إليه بعد الأمر به .\r{ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى } بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك والرياء . { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } لعظمة ما فيه .\r{ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى } أمر بالإِخبار عن إخلاصه وأن يكون مخلصاً له دينه بعد الأمر بالإِخبار عن كونه مأموراً بالعبادة والإِخلاص خائفاً عن المخالفة من العقاب قطعاً لأطماعهم ، ولذلك رتب عليه قوله :\r{ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مّن دُونِهِ } تهديداً وخذلاناً لهم .","part":5,"page":105},{"id":2106,"text":"{ قُلْ إِنَّ الخاسرين } الكاملين في الخسران . { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } بالضلال . { وَأَهْلِيهِمْ } بالإِضلال . { يَوْمَ القيامة } حين يدخلون النار بدل الجنة لأنهم جمعوا وجوه الخسران . وقيل وخسروا أهليهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا رجوع بعده . { أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين } مبالغة في خسرانهم لما فيه من الاستئناف والتصدير ب { أَلاَ } ، وتوسيط الفصل وتعريف الخسران ووصفه ب { المبين } .\r{ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار } شرح لخسرانهم . { وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ } أطباق من النار هي ظلل للآخرين . { ذلك يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ } ذلك العذاب هو الذي يخوفهم به ليتجنبوا ما يوقعهم فيه . { يَا عِبَادِ فاتقون } ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي .\r{ والذين اجتنبوا الطاغوت } البالغ غاية الطغيان فعلوت منه بتقديم اللام على العين بني للمبالغة في المصدر كالرحموت ، ثم وصف به للمبالغة في النعت ولذلك اختص بالشيطان . { أَن يَعْبُدُوهَا } بدل اشتمال منه . { وَأَنَابُواْ إِلَى الله } وأقبلوا إليه بشراشرهم عما سواه . { لَهُمُ البشرى } بالثواب على ألسنة الرسل ، أو الملائكة عند حضور الموت . { فَبَشّرْ عِبَادِ } .\r{ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } وضع فيه الظاهر موضع ضمير { الذين اجتنبوا } للدلالة على مبدأ اجتنابهم وأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل فالأفضل . { أُوْلَئِكَ الذين هَدَاهُمُ الله } لدينه . { وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الألباب } العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة ، وفي ذلك دلالة على أن الهداية تحصل بفعل الله وقبول النفس لها .","part":5,"page":106},{"id":2107,"text":"{ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار } جملة شرطية معطوفة على محذوف دل عليه الكلام تقديره أأنت مالك أمرهم فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه ، فكررت الهمزة في الجزاء لتأكيد الإِنكار والاستبعاد ، ووضع { مَن فِى النار } موضع الضمير لذلك وللدلالة على أن من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لامتناع الخلف فيه ، وأن اجتهاد الرسل في دعائهم إلى الإيمان سعي في إنقاذهم من النار ، ويجوز أن يكون { أَفَأَنتَ } تنقذ جملة مستأنفة للدلالة على ذلك والإِشعار بالجزاء المحذوف .\r{ لَ 48;كِنِ الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ } علالي بعضها فوق بعض . { مَّبْنِيَّةٌ } بنيت بناء النازل على الأرض . { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } أي من تحت تلك الغرف . { وَعَدَ الله } مصدر مؤكد لأن قوله { لَهُمْ غُرَفٌ } في معنى الوعد . { لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد } ولأن الخلف نقص وهو على الله محال .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً } هو المطر . { فَسَلَكَهُ } فأدخله . { يَنَابِيعَ فِى الأرض } هي عيون ومجاري كائنة فيها ، أو مياه نابعات فيها إذ الينبوع جاء للمنبع وللنابع فنصبها على الظرف أو الحال . { ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ } أصنافه من بر وشعير وغيرهما ، أو كيفياته من خضرة وحمرة وغيرهما . { ثُمَّ يَهِيجُ } يتم جفافه لأنه إذا تم جفافه حان له أن يثور عن منبته . { فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً } من يبسه . { ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما } فتاتاً . { إِنَّ فِى ذَلِكَ لذكرى } لتذاكيراً بأنه لا بد من صانع حكيم دبره وسواه ، أو بأنه مثل الحياة الدنيا فلا تغتر بها . { لأُوْلِى الألباب } إِذْ لاَ يَتَذكر به غيرهم .\r{ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام } حتى تمكن فيه بيسر عبر به عمن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية عنه من حيث أن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق للنفس القابلة للإِسلام . { فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ } يعني المعرفة والاهتداء إلى الحق . وعنه E « إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ، فقيل فما علامة ذلك قال : الإِنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله » وخبر { مِنْ } محذوف دل عليه { فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله } من أجل ذكره وهو أبلغ من أن يكون عن مكان من ، لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبياً عن قبوله من القاسي عنه لسبب آخر ، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بامتناع ذكر شرح الصدر وأسنده إلى الله وقابله بقساوة القلب وأسنده إليه . { أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } يظهر للناظر بأدنى نظر ، والآية نزلت في حمزة وعلي وأبي لهب وولده .","part":5,"page":107},{"id":2108,"text":"{ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث } يعني القرآن ، روي أن أصحاب رسول الله A ملوا ملة فقالوا له حدثنا فنزلت . وفي الابتداء باسم الله وبناء نزل عليه تأكيد للإسناد إليه وتفخيم للمنزل واستشهاد على حسنه . { كتابا متشابها } بدل من { أَحْسَنُ } أو حال منه ، وتشابهه تشابه أبعاضه في الإِعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة . { مَّثَانِيَ } جمع مثنى أو مثنى أو مثن على ما مر في «الحجر» ، وصف به كتاباً باعتبار تفاصيله كقولك : القرآن سور وآيات ، والإِنسان : عظام وعروق وأعصاب ، أو جعل تمييزاً من { متشابها } كقولك : رأيت رجلاً حسناً شمائله . { تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ } تشمئز خوفاً مما فيه من الوعيد ، وهو مثل في شدة الخوف واقشعرار الجلد تقبضه وتركيبه من حروف القشع وهو الأديم اليابس بزيادة الراء ليصير رباعياً كتركيب أقمطر من القمط وهو الشد . { ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله } بالرحمة وعموم المغفرة ، والإِطلاق للإشعار بأن أصل أمره الرحمة وأن رحمته سبقت غضبه ، والتعدية ب { إلى } لتضمين معنى السكون والاطمئنان ، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها . { ذلك } أي الكتاب أو الكائن من الخشية والرجاء . { هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء } هدايته . { وَمَن يُضْلِلِ الله } ومن يخذله . { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يخرجهم من الضلال .","part":5,"page":108},{"id":2109,"text":"{ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ } يجعله درقة يقي به نفسه لأنه يكون يداه مغلولة إلى عنقه فلا يقدر أن يتقي إلا بوجهه . { سُوءَ العذاب يَوْمَ القيامة } كمن هو آمن منه ، فحذف الخبر كما حذف في نظائره .\r{ وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ } أي لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بالموجب لما يقال لهم وهو : { ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } أي وباله ، والواو للحال وقد مقدرة .\r{ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من الجهة التي لا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها .\r{ فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى } الذل . { فِي الحياة الدنيا } كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإِجلاء . { وَلَعَذَابُ الآخرة } المعد لهم . { أَكْبَرُ } لشدته ودوامه . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لو كانوا من أهل العلم والنظر لعلموا ذلك واعتبروا به .\r{ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلّ مَثَلٍ } يحتاج إليه الناظر في أمر دينه . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } يتعظون به .\r{ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } حال من هذا والاعتماد فيها على الصفة كقولك : جاءني زيد رجلاً صالحاً ، أو مدح له . { غَيْرَ ذِى عِوَجٍ } لا اختلال فيه بوجه ما هو أبلغ من المستقيم وأخص بالمعاني . وقيل بالشك استشهاداً بقوله :\rوَقَدْ أَتَاكَ يَقِينٌ غَيْرُ ذِيْ عِوَجٍ ... مِنَ الإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ\rوهو تخصيص له ببعض مدلوله . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } علة أخرى مرتبة على الأولى .\r{ ضَرَبَ الله مَثَلاً } للمشرك والموحد . { رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ متشاكسون وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ } مثل المشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ، ويتنازعوا فيه بعبد يتشارك فيه ، جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه ، والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل و { رَجُلاً } بدل من مثل وفيه صلة { شُرَكَاء } ، والتشاكس والتشاخص الاختلاف . وقرأ نافع وابن عامر والكوفيون «سلاما» بفتحتين ، وقرىء بفتح السين وكسرها مع سكون اللام وثلاثتها مصادر سلم نعت بها ، أو حذف منها ذا ورجل سالم أي وهناك رجل سالم ، وتخصيص الرجل لأنه أفطن للضر والنفع . { هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً } صفة وحالاً ونصبه على التمييز ولذلك وحده ، وقرىء «مثلين» للإشعار باختلاف النوع ، أو لأن المراد على { يَسْتَوِيَانِ } في الوصفين على أن الضمير للمثلين فإن التقدير مثل رجل ومثل رجل . { الحمد للَّهِ } كل الحمد له لا يشاركه فيه على الحقيقة سواه ، لأنه المنعم بالذات والمالك على الإِطلاق . { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } فيشركون به غيره من فرط جهلهم .\r{ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } فإن الكل بصدد الموت وفي عداد الموتى ، وقرىء «مائت» و «مائتون» لأنه مما سيحدث .\r{ ثُمَّ إِنَّكُمْ } على تغليب المخاطب على الغيب . { يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } فتحتج عليهم بأنك كنت على الحق في التوحيد وكانوا على الباطل في التشريك ، واجتهدت في الإرشاد والتبليغ ولجوا في التكذيب والعناد ، ويعتذرون بالأباطيل مثل { أَطَعْنَا سَادَتَنَا } و { وَجَدْنَا ءابَاءنَا } وقيل المراد به الاختصام العام يخاصم الناس بعضهم بعضاً فيما دار بينهم في الدنيا .","part":5,"page":109},{"id":2110,"text":"{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله } بإضافة الولد والشريك إليه . { وَكَذَّبَ بالصدق } وهو ما جاء به محمد A . { إِذْ جَاءهُ } من غير توقف وتفكر في أمره . { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين } وذلك يكفيهم مجازاة لأعمالهم ، واللام تحتمل العهد والجنس ، واستدل به على تكفير المبتدعة فإنهم يكذبون بما علم صدقه وهو ضعيف لأنه مخصوص بمن فاجأ ما علم مجيء الرسول به بالتكذيب .\r{ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ } اللام للجنس ليتناول الرسل والمؤمنين لقوله : { أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون } وقيل هو النبي A والمراد هو ومن تبعه كما في قوله تعالى : { وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } وقيل الجائي هو الرسول والمصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه ، وذلك يقتضي إضمار «الذى» وهو غير جائز . وقرىء «وَصَدَّقَ بِهِ» بالتخفيف أي صدق به الناس فأداه إليهم كما نزل من غير تحريف ، أو صار صادقاً بسببه لأنه معجز يدل على صدقه «وَصَدَّقَ بِهِ» على البناء للمفعول .\r{ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } في الجنة . { ذَلِكَ جَزَاء المحسنين } على إحسانهم .\r{ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ } خص الأسوأ للمبالغة فإنه إذا كفر كان غيره أولى بذلك ، أو للإشعار بأنهم لاستعظامهم الذنوب يحسبون أنهم مقصرون مذنبون وأن ما يفرط منهم من الصغائر أسوأ ذنوبهم ، ويجوز أن يكون بمعنى السيء كقولهم : الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، وقرىء«أسوأ» جمع سوء . { وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ } ويعطيهم ثوابهم . { بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فتعد لهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم فيها .\r{ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ } استفهام إنكار للنفي مبالغة في الإِثبات ، والعبد رسول الله A ويحتمل الجنس ويؤيده قراءة حمزة والكسائي «عباده» ، وفسر بالأنبياء صلوات الله عليهم . { وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ } يعني قريشاً فإنهم قالوا له إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا بعيبك إياها . وقيل إنه بعث خالداً ليكسر العزى فقال له سادنها أُحَذِّرْكَهَا فإن لها شدة ، فعمد إليها خالد فهشم أنفها فنزل تخويف خالد منزلة تخويفه لأنه الآمر له بما خوف عليه . { وَمَن يُضْلِلِ الله } حتى غفل عن كفاية الله له وخوفه بما لا ينفع ولا يضر . { فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } يهديه إلى الرشاد .\r{ وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ } إذ لا راد لفعله كما قال : { أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ } غالب منيع . { ذِى انتقام } ينتقم من أعدائه .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } لوضوح البرهان على تفرده بالخلقية . { قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِىَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ } أي أرأيتم بعد ما تحققتم أن خالق العالم هو الله تعالى وأن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني بضر هل يكشفنه .","part":5,"page":110},{"id":2111,"text":"{ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ } بنفع . { هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ } فيمسكنها عني ، وقرأ أبو عمرو «كاشفات ضُرّهِ» «ممسكات رَحْمَتِهِ» بالتنوين فيهما ونصب ضره ورحمته . { قُلْ حَسْبِىَ الله } كافياً في إصابة الخير ودفع الضر إذ تقرر بهذا التقرير أنه القادر الذي لا مانع لما يريده من خير أو شر . روي أن النبي E سألهم فسكتوا فنزل ذلك ، وإنما قال { كاشفات } و { ممسكات } على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهاً على كمال ضعفها . { عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون } لعلمهم بأن الكل منه تعالى .\r{ قُلْ يا قَوْمِ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على حالكم ، اسم للمكان استعير للحال كما استعير هنا وحيث من المكان للزمان ، وقرىء «مكاناتكم» . { إِنّى عامل } أي على مكانتي فحذف للاختصار والمبالغة في الوعيد ، والإشعار بأن حاله لا يقف فإنه تعالى يزيده على مر الأيام قوة ونصرة ولذلك توعدهم بكونه منصوراً عليهم في الدارين فقال : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } .\r{ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } فإن خزي أعدائه دليل غلبته ، وقد أخزاهم الله يوم بدر . { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } دائم وهو عذاب النار .","part":5,"page":111},{"id":2112,"text":"{ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ } لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في معاشهم ومعادهم . { بالحق } متلبساً به . { فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ } إذ نفع به نفسه . { وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } فإن وباله لا يتخطاها . { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } وما وكلت عليهم لتجبرهم على الهدى وإنما أمرت بالبلاغ وقد بلغت .\r{ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا } أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها إما ظاهراً وباطناً وذلك عند الموت ، أو ظاهراً لا باطناً وهو في النوم . { فَيُمْسِكُ التى قضى عَلَيْهَا الموت } ولا يردها إلى البدن ، وقرأ حمزة والكسائي قُضِيَ بِضَم القاف وكسر الضاد والموت بالرفع . { وَيُرْسِلُ الأخرى } أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة . { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو الوقت المضروب لموته وهو غاية جنس الإرسال . وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أن في ابن آدم نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشمس ، فالنفس التي بها العقل والتمييز ، والروح التي بها النفس والحياة ، فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم قريب مما ذكرناه . { إِنَّ فِى ذَلِكَ } من التوفي والإِمساك والإِرسال . { لاَيَاتٍ } دالة على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته . { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في كيفية تعلقها بالأبدان وتوفيها عنها بالكلية حين الموت ، وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها ، وما يعتريها من السعادة والشقاوة والحكمة في توفيها عن ظواهرها وإرسالها حيناً بعد حين إلى توفي آجالها .\r{ أَمِ اتخذوا } بل اتخذت قريش . { مِن دُونِ الله شُفَعَاءَ } تشفع لهم عند الله . { قُلْ أَوَ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ } ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم .\r{ قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً } لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون هي تماثيلهم ، والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه ورضاه ، ولا يستقل بها ثم قرر ذلك فقال : { لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض } فإنه مالك الملك كله لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه . { ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يوم القيامة فيكون الملك له أيضاً حينئذ .\r{ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ } دون آلهتهم . { اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة } انقبضت ونفرت . { وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ } يعني الأوثان . { إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله ، ولقد بالغ في الأمرين حتى بلغ الغاية فيهما ، فإن الاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه ، والاشمئزاز أن يمتلىء غماً حتى ينقبض أديم وجهه ، والعامل في { إِذَا ذُكِرَ } العامل في إذا المفاجأة .\r{ قُلِ اللهم فَاطِرَ السموات والأرض عالم الغيب والشهادة } التجىء إلى الله بالدعاء لما تحيرت في أمرهم وضجرت من عنادهم وشدة شكيمتهم ، فإنه القادر على الأشياء والعالم بالأحوال كلها .","part":5,"page":112},{"id":2113,"text":"{ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم .\r{ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء العذاب يَوْمَ القيامة } وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص . { وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ } زيادة مبالغة فيه وهو نظير قوله تعالى : { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم } في الوعد .\r{ وَبَدَا لَهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } سيئات أعمالهم أو كسبهم حين تعرض صحائفهم . { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } وأحاط بهم جزاؤه .\r{ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا } إخبار عن الجنس بما يغلب فيه ، والعطف على قوله { وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ } بالفاء لبيان مناقضتهم وتعكيسهم في التسبب بمعنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله وحده ويستبشرون بذكر الآلهة ، فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره ، وما بينهما اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم . { ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا } أعطيناه إياه تفضلاً فإن التخويل مختص به . { قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } مني بوجوه كسبه ، أو بأني سأعطاه لما لي من استحقاقه ، أو من الله بي واستحقاقي ، والهاء فيه لما إن جعلت موصولة وإلا فللنعمة والتذكير لأن المراد شيء منها . { بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } امتحان له أيشكر أم يكفر ، وهو رد لما قاله وتأنيث الضمير باعتبار الخير أو لفظ ال { نعمة } ، وقرىء بالتذكير . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك ، وهو دليل على أن الإِنسان للجنس .\r{ قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ } الهاء لقوله { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } لأنها كلمة أو جملة ، وقرىء بالتذكير { والذين مِن قَبْلِهِمْ } قارون وقومه فإنه قال ورضي به قومه { فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من متاع الدنيا .","part":5,"page":113},{"id":2114,"text":"{ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ } جزاء سيئات أعمالهم أو جزاء أعمالهم ، وسماه سيئة لأنه في مقابلة أعمالهم السيئة رمزاً إلى أن جميع أعمالهم كذلك . { والذين ظَلَمُواْ } بالعتو . { مِنْ هَؤُلاَءِ } المشركين و { مِنْ } للبيان أو للتبعيض . { سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ مَا كَسَبُواْ } كما أصاب أولئك ، وقد أصابهم فإنهم قحطوا سبع سنين وقتل ببدر صناديدهم . { وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ } بفائتين .\r{ أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ } حيث حبس عنهم الرزق سبعاً ثم بسط لهم سبعاً . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } بأن الحوادث كلها من الله بوسط أو غيره .\r{ قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } أفرطوا في الجناية عليها بالإِسراف في المعاصي ، وإضافة العباد تخصصه بالمؤمنين على ما هو عرف القرآن . { لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله } لا تيأسوا من مغفرته أولاً وتفضله ثانياً . { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً } عفواً ولو بَعْدَ بُعْدٍ ، تقييده بالتوبة خلاف الظاهر ويدل على إطلاقه فيما عدا الشرك قوله تعالى : { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } الآية ، والتعليل بقوله : { إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } على المبالغة وإفادة الحصر والوعد بالرحمة بعد المغفرة ، وتقديم ما يستدعي عموم المغفرة مما في { عِبَادِى } من الدلالة على الذلة ، والإِختصاص المقتضيين للترحم ، وتخصيص ضرر الإِسراف بأنفسهم والنهي عن القنوط مطلقاً عن الرحمة فضلاً عن المغفرة ، وإطلاقها وتعليله بأن الله يغفر الذنوب جميعاً ، ووضع اسم { الله } موضع الضمير لدلالته على أنه المستغني والمنعم على الإِطلاق والتأكيد بالجميع . وما روي أنه E قال « ما أحب أن تكون لي الدنيا وما فيها بها ، فقال رجل يا رسول الله ومن أشرك فسكت ساعة ثم قال : ألا ومن أشرك ثلاث مرات » وما روي أن أهل مكة قالوا : يزعم محمد أن من عبد الوثن وقتل النفس بغير حق لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وقد عبدنا الأوثان وقتلنا النفس فنزلت . وقيل في عياش والوليد بن الوليد في جماعة افتتنوا أو في الوحشي لا ينفي عمومها وكذا قوله :\r{ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } بأنها لا تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن التوبة والإِخلاص في العمل وتنافي الوعيد بالعذاب .\r{ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه ، والعزائم دون الرخص أو الناسخ دون المنسوخ ، ولعله ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة . { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } بمجيئه فتتداركوا .","part":5,"page":114},{"id":2115,"text":"{ أَن تَقُولَ نَفْسٌ } كراهة أن تقول وتنكير { نَفْسٌ } لأن القائل بعض الأنفس أو للتكثير كقول الأعشى :\rوَرُبَّ بَقِيعَ لَوْ هَتَفْتُ بِجَوِّه ... أَتَانِي كَرِيمٌ يَنْفُضُ الرَّأْسَ مُغْضبا\r{ يَا حسرتى } وقرىء بالياء على الأصل . { على مَا فَرَّطَتُ } بما قصرت . { فِى جَنبِ الله } في جانبه أي في حقه وهو طاعته . قال سابق البربري :\rأَمَا تَتَّقِينَ الله فِي جَنْبٍ وَامِق ... لَهُ كبدٌ حَرّى عَلَيْكَ تَقَطَّع\rوهو كناية فيها مبالغة كقوله :\rإِنَّ السَّمَاحَةَ وَالمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الحَشْرَجِ\rوقيل ذاته على تقدير مضاف كالطاعة وقيل في قربه من قوله تعالى : { والصَّاحِب بالجنب } وقرىء «في ذكر الله» . { وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين } المستهزئين بأهله ومحل { إِن كُنتَ } نصب على الحال كأنه قال فرطت وأنا ساخر .","part":5,"page":115},{"id":2116,"text":"{ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى } بالإرشاد إلى الحق . { لَكُنتُ مِنَ المتقين } الشرك والمعاصي .\r{ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين } في العقيدة والعمل ، وأو للدلالة على أنها لا تخلوا من هذه الأقوال تحيراً وتعللاً بما لا طائل تحته .\r{ بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين } رد من الله عليه لما تضمنه قوله { لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى } من معنى النفي وفصله عنه لأن تقديمه يفرق القرائن وتأخير المودود يخل بالنظم المطابق للوجود لأنه يتحسر بالتفريط ثم يتعلل بفقد الهداية ثم يتمنى الرجعة ، وهو لا يمنع تأثير قدرة الله في فعل العبد ولا ما فيه من إسناد الفعل إليه كما عرفت وتذكير الخطاب على المعنى ، وقرىء بالتأنيث للنفس .\r{ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله } بأن وصفوه بما لا يجوز كاتخاذ الولد . { وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } بما ينالهم من الشدة أو بما يتخيل عليها من ظلمة الجهل ، والجملة حال إذ الظاهر أن ترى من رؤية البصر واكتفى فيها بالضمير عن الواو . { أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى } مقام . { لّلْمُتَكَبّرِينَ } عن الإِيمان والطاعة وهو تقرير لأنهم يرون كذلك .\r{ وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا } وقرىء وَيُنَجّي . { بِمَفَازَتِهِمْ } بفلاحهم مفعلة من الفوز وتفسيرها بالنجاة تخصيصها بأهم أقسامه وبالسعادة والعمل الصالح إطلاق لها على السبب ، وقرأ الكوفيون غير حفص بالجمع تطبيقاً لهم بالمضاف إليه والباء فيها للسببية صلة لينجي أو لقوله : { لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } وهو حال أو استئناف لبيان المفازة .\r{ الله خالق كُلّ شَىْءٍ } من خير وشر وإيمان وكفر . { وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ وَكِيل } يتولى التصرف .\r{ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره ، وهو كناية عن قدرته وحفظه لها وفيها مزيد دلالة على الاختصاص ، لأن الخزائن لا يدخلها ولا يتصرف فيها الا من بيده مفاتيحها ، وهو جمع مقليد أو مقلاد من قلدته إذا ألزمته ، وقيل جمع إقليد معرب إكليد على الشذوذ كمذاكير . وعن عثمان Bه : أنه سأل النبي A عن المقاليد فقال « تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر ، وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن ، بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير » والمعنى على هذا إن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد ، وهي مفاتيح خير السموات والأرض من تكلم بها أصابه . { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } متصل بقوله { وَيُنَجّى الله الذين اتقوا } وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها ، وتغيير النظم للإشعار بأن العمدة في فلاح المؤمنين فضل الله وفي هلاك الكافرين أن خسروا أنفسهم ، وللتصريح بالوعد والتعريض بالوعيد قضية للكرم أو بما يليه ، والمراد بآيات الله دلائل قدرته واستبداده بأمر السموات والأرض ، أو كلمات توحيده وتمجيده وتخصيص الخسار بهم لأن غيرهم ذو حظ من الرحمة والثواب .","part":5,"page":116},{"id":2117,"text":"{ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون } أي أفغير الله أعبد بعد هذه الدلائل والمواعيد ، و { تَأْمُرُونّى } اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك لفرط غباوتهم ، ويجوز أن ينتصب غير بما دل عليه { تَأْمُرُونّى أَنْ أَعْبُدَ } لأنه بمعنى تعبدونني على أن أصله تأمرونني أن أعبد فحذف إن ورفع كقوله :\rأَلاَ أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أَحْضِر الوَغَى ... ويؤيده قراءة { أَعْبُدُ } بالنصب ، وقرأ ابن عامر «تأمرونني» بإظهار النونين على الأصل ونافع بحذف الثانية فإنها تحذف كثيراً .\r{ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ } أي من الرسل . { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } كلام على سبيل الفرض والمراد به تهييج الرسل وإقناط الكفرة والإِشعار على حكم الأمة ، وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد واللام الأولى موطئة للقسم والأخريان للجواب ، وإطلاق الإِحباط يحتمل أن يكون من خصائصهم لأن شركهم أقبح ، وأن يكون على التقييد بالموت كما صرح به في قوله { وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم } وعطف الخسران عليه من عطف المسبب على السبب .","part":5,"page":117},{"id":2118,"text":"{ بَلِ الله فاعبد } رد لما أمروه به ولولا دلالة التقديم على الاختصاص لم يكن كذلك . { وَكُنْ مّنَ الشاكرين } إنعامه عليك وفيه إشارة الى موجب الاختصاص .\r{ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ } ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شركاء ووصفوه بما لا يليق به ، وقرىء بالتشديد . { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ } تنبيه على عظمته وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإِضافة إلى قدرته ، ودلالة على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين حقيقة ولا مجازاً كقولهم : شابت لمة الليل ، والقبضة المرة من القبض أطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف تسمية بالمصدر أو بتقدير ذات قبضة . وقرىء بالنصب على الظرف تشبيهاً للمؤقت بالمبهم ، وتأكيد { الأرض } بالجميع لأن المراد بها الأرضون السبع أو جميع أبعاضها البادية والغائرة . وقرىء { مطويات } على أنها حال و { السموات } معطوفة على { الأرض } منظومة في حكمها . { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ما أبعد وأعلى من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم ، أو ما يضاف إليه من الشركاء .\r{ وَنُفِخَ فِى الصور } يعني المرة الأولى . { فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض } خر ميتاً أو مغشياً عليه . { إِلاَّ مَن شَاءَ الله } قيل جبريل ومكائيل وإسرافيل فإنهم يموتون بعد . وقيل حملة العرش . { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى } نفخة أخرى وهي تدل على أن المراد بالأُولى ونفخ في الصور نفخة واحدة كما صرح به في مواضع ، وأخرى تحتمل النصب والرفع . { فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ } قائمون من قبورهم أو متوقفون ، وقرىء بالنصب على أن الخبر . { يُنظَرُونَ } وهو حال من ضميره والمعنى : يقلبون أبصارهم في الجوانب كالمبهوتين أو ينتظرون ما يفعل بهم .\r{ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا } بما أقام فيها من العدل ، سماه «نور» لأنه يزين البقاع ويظهر الحقوق كما سمى الظلم ظلمة . وفي الحديث \" الظلم ظلمات يوم القيامة \" ولذلك أضاف اسمه إلى { الأرض } أو بنور خلق فيها بلا واسطة أجسام مضيئة ولذلك أضافه الى نفسه . { وَوُضِعَ الكتاب } للحساب والجزاء من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه ، أو صحائف الأعمال في أيدي العمال ، واكتفى باسم الجنس عن الجمع . وقيل اللوح المحفوظ يقابل به الصحائف { وَجِىء بالنبيين والشهداء } الذين يشهدون للأمم وعليهم من الملائكة والمؤمنين ، وقيل المستشهدون . { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } بين العباد . { بالحق وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى به الوعد .","part":5,"page":118},{"id":2119,"text":"{ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ } جزاءه . { وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ } فلا يفوته شيء من أفعالهم ، ثم فصل التوفية فقال :\r{ وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً } أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة ، جمع زمرة واشتقاقها من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه ، أو من قولهم شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة وهي الجمع القليل . { حتى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها } ليدخلوها و { حتى } وهي التي تحكي بعدها الجملة ، وقرأ الكوفين «فُتِحَتْ» بتخفيف التاء . { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا } تقريعاً وتوبيخاً . { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ } من جنسكم . { يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار ، وفيه دليل على أنه لا تكليف قبل الشرع من حيث إنهم عللوا توبيخهم بإتيان الرسل وتبليغ الكتب . { قَالُواْ بلى ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين } كلمة الله بالعذاب علينا وهو الحكم عليهم بالشقاوة ، وأنهم من أهل النار ووضع الظاهر فيه موضع الضمير للدلالة على اختصاص ذلك بالكفرة ، وقيل هو قوله { لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } { قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } أبهم القائل لتهويل ما يقال لهم . { فَبِئْسَ مَثْوَى } مكان . { المتكبرين } اللام فيه للجنس والمخصوص بالذم سبق ذكره ، ولا ينافي إشعاره بأن مثواهم في النار لتكبرهم عن الحق أن يكون دخولهم فيها لأن كلمة العذاب حقت عليهم ، فإن تكبرهم وسائر مقابحهم مسببة عنه كما قال E \" إِن الله تعالى إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة ، حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة . وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل به النار \" { وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة } إِسراعاً بهم إلى دار الكرامة ، وقيل سيق مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين . { زُمَراً } على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة . { حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها } حذف جواب إذا للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف ، وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم غير منتظرين ، وقرأ الكوفيون «فُتِحَتْ» بالتخفيف . { وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ } لا يعتريكم بعد مكروه . { طِبْتُمْ } طهرتم من دنس المعاصي . { فادخلوها خالدين } مقدرين الخلود فيها ، والفاء للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم ، وهو لا يمنع دخول العاصي بعفوه لأنه مطهره .\r{ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } بالبعث والثواب . { وَأَوْرَثَنَا الأرض } يريدون المكان الذي استقروا فيه على الاستعارة ، وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه .","part":5,"page":119},{"id":2120,"text":"{ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاءُ } أي يتبوأ كل منا في أي مقام أراده من جنته الواسعة ، مع أن في الجنة مقامات معنوية لا يتمانع واردوها . { فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين } الجنة .\r{ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ } محدقين . { مِنْ حَوْلِ العرش } أي حوله و { مِنْ } مزيدة أو لابتداء الحفوف . { يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } ملتبسين بحمده . والجملة حال ثانية أو مقيدة للأولى ، والمعنى ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذاً به ، وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذائذهم هو الاستغراق في صفات الحق . { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق } أي بين الخلق بإدخال بعضهم النار وبعضهم الجنة ، أو بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب تفاضلهم . { وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين } أي على ما قضي بيننا بالحق . والقائلون هم المؤمنون من المقضي بينهم أو الملائكة وطي ذكرهم لتعينهم وتعظيمهم .\rعن النبي A : « من قرأ سورة الزمر لم يقطع رجاءه يوم القيامة وأعطاه الله ثواب الخائفين » عن عائشة Bها : « أنه E كان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر » والله أعلم .","part":5,"page":120},{"id":2121,"text":"مكية وآيها خمس وثمانون\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حَم } أماله ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر صريحاً ، ونافع برواية ورش وأبو عمرو بين بين ، وقرىء بفتح الميم على التحريك لالتقاء الساكنين ، أو النصب بإضمار اقرأ ومنع صرفه للتعريف والتأنيث ، أو لأنها على زنة أعجمي كقابيل وهابيل .\r{ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز العليم } لعل تخصيص الوصفين لما في القرآن من الإِعجاز والحكم الدال على القدرة الكاملة والحكمة البالغة .","part":5,"page":121},{"id":2122,"text":"{ غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول } صفات أخرى لتحقيق ما فيه من الترغيب والترهيب والحث على ما هو المقصود منه ، والإِضافة فيها حقيقية على أنه لم يرد بها زمان مخصوص ، وأريد ب { شَدِيدُ العقاب } مشددة أو الشديد عقابه فحذف اللام للازدواج وأمن الالتباس ، أو إبدال وجعله وحده بدلاً مشوش للنظم وتوسيط الواو بين الأولين لإِفادة الجمع بين محو الذنوب وقبول التوبة ، أو تغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد ، أو تغاير موقع الفعلين لأن الغفر هو الستر فيكون لذنب باق وذلك لمن لم يتب فإن \" التائب من الذنب كمن لا ذنب له \" والتوب مصدر كالتوبة . وقيل جمعاً والطول الفضل بترك العقاب المستحق ، وفي توحيد صفة العذاب مغمورة بصفات الرحمة دليل رجحانها . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } فيجب الإِقبال الكلي على عبادته . { إِلَيْهِ المصير } فيجازي المطيع والعاصي .\r{ مَا يجادل فِى ءايات الله إِلاَّ الذين كَفَرُواْ } لما حقق أمر التنزيل سجل بالكفر على المجادلين فيه بالطعن وإدحاض الحق لقوله : { وجادلوا بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } وأما الجدال فيه لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به وقطع مطاعنهم فيه فمن أعظم الطاعات ، ولذلك قال E \" إن جدالاً في القرآن كفر \" بالتنكير مع أنه ليس جدالاً فيه على الحقيقة . { فَلاَ يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِى البلاد } فلا يغررك إمهالهم وإقبالهم في دنياهم وتقلبهم في بلاد الشام واليمن بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عما قريب بكفرهم أخذ من قبلهم كما قال :\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ } والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود . { وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ } من هؤلاء . { بِرَسُولِهِمْ } وقرىء «برسولها» . { لِيَأْخُذُوهُ } ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيب وقتل من الأخذ بمعنى الأسر . { وجادلوا بالباطل } بما لا حقيقة له . { لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق } ليزيلوه به . { فَأَخَذَتْهُمُ } بالإِهلاك جزاء لهم . { فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ } فإنكم تمرون على ديارهم وترون أثره . وهو تقرير فيه تعجيب .\r{ وكذلك حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } وعيده أو قضاؤه بالعذاب . { عَلَى الذين كَفَرُواْ } بكفرهم . { أَنَّهُمْ أصحاب النار } بدل من كلمة { رَبَّكَ } بدل الكل أو الاشتمال على إرادة اللفظ أو المعنى .\r{ الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ } الكروبيون أعلى طبقات الملائكة وأولهم وجوداً وحملهم إياه وحفيفهم حوله مجاز عن حفظهم وتدبيرهم له ، أو كناية عن قربهم من ذي العرش ومكانتهم عنده وتوسطهم في نفاذ أمره . { يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والإِكرام ، وجعل التسبيح أصلاً والحمد حالاً لأن الحمد مقتضى حالهم دون التسبيح أصلاً .","part":5,"page":122},{"id":2123,"text":"{ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ } أخبر عنهم بالإِيمان إظهاراً لفضله وتعظيماً لأهله ومساق الآية لذلك كما صرح به بقوله : { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } وإشعاراً بأن حملة العرش وسكان الفرش في معرفته سواء رداً على المجسمة واستغفارهم شفاعتهم وحملهم على التوبة وإلهامهم ما يوجب المغفرة ، وفيه تنبيه على أن المشاركة في الإِيمان توجب النصح والشفقة وإن تخالفت الأجناس لأنها أقوى المناسبات كما قال تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } { رَبَّنَا } أي يقولون { رَبَّنَا } وهو بيان ل { يَسْتَغْفِرُونَ } أو حال . { وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً } أي وسعت رحمتك وعلمك فأزيل عن أصله للإغراق في وصفه بالرحمة والعلم والمبالغة في عمومها ، وتقديم الرحمة لأنها المقصودة بالذات ها هنا . { فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ } للذين علمت منهم التوبة واتباع سبيل الحق . { وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم } واحفظهم عنه وهو تصريح بعد إشعار للتأكيد والدلالة على شدة العذاب .\r{ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ } وعدتهم إياها . { وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَائِهِمْ وأزواجهم وَذُرّيَّاتِهِمْ } عطف على هم الأول أي أدخلهم ومعهم هؤلاء ليتم سرورهم ، أو الثاني لبيان عموم الوعد ، وقرىء «جنة عدن» و { صَلُحَ } بالضم و «ذريتهم» بالتوحيد . { إِنَّكَ أَنتَ العزيز } الذي لا يمتنع عليه مقدور . { الحكيم } الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ومن ذلك الوفاء بالوعد . { وَقِهِمُ السيئات } العقوبات أو جزاء السيئات ، وهو تعميم بعد تخصيص ، أو تخصيص بمن { صلح } أو المعاصي في الدنيا لقوله : { وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ } أي ومن تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة كأنهم طلبوا السبب بعد ما سألوا المسبب . { وذلك هُوَ الفوز العظيم } يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما .","part":5,"page":123},{"id":2124,"text":"{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ يُنَادَوْنَ } يوم القيامة فيقال لهم : { لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ } أي لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء . { إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ } ظرف لفعل دل عليه المقت الأول لا له لأنه أخبر عنه ، ولا للثاني لأن مقتهم أنفسهم يوم القيامة حين عاينوا جزاء أعمالهم الخبيثة إلا أن يؤول بنحو : بالصَّيْفِ ضيّعْتِ اللَّبَن . أو تعليل للحكم وزمان المقتين واحد .\r{ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين } إماتتين بأن خلقتنا أمواتاً ثم صيرتنا أمواتاً عند انقضاء آجالنا ، فإن الإماتة جعل الشيء عادم الحياة ابتداء أو بتصيير كالتصغير والتكبير ، ولذلك قيل سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل ، وإن خص بالتصيير فاختيار الفاعل المختار أحد مفعوليه تصيير وصرف له عن الآخر . { وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين } الإحياءة الأولى وإحياءة البعث . وقيل الإِماتة الأولى عند انخرام الأجل والثانية في القبر بعد الإِحياء للسؤال والإِحياءان ما في القبر والبعث ، إذ المقصود اعترافهم بعد المعاينة بما غفلوا عنه ولم يكترثوا به ولذلك تسبب بقوله : { فاعترفنا بِذُنُوبِنَا } فإن اقترافهم لها من اغترارهم بالدنيا وإنكارهم البعث . { فَهَلْ إلى خُرُوجٍ } نوع خروج من النار . { مّن سَبِيلٍ } طريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللاً وتحيراً ولذلك أجيبوا بقوله :\r{ ذلكم } الذي أنتم فيه . { بِأَنَّهُ } بسبب أنه . { إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ } متحداً أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم مقامه في الحالية . { كَفَرْتُمْ } بالتوحيد . { وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ } بالإِشراك . { فالحكم للَّهِ } المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم . { العلى } عن أن يشرك به ويسوى بغيره . { الكبير } حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد .\r{ وَهُوَ الذى يُرِيكُمْ ءاياته } الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم تكميلاً لنفوسكم . { وَيُنَزّلُ لَكُم مّنَ السماء رِزْقاً } أسباب رزق كالمطر مراعاة لمعاشكم . { وَمَا يَتَذَكَّرُ } بالآيات التي هي كالمركوزة في العقول لظهورها المغفول عنها للانهماك في التقليد واتباع الهوى . { إِلاَّ مَن يُنِيبُ } يرجع عن الإِنكار بالإِقبال عليها والتفكر فيها ، فإن الجازم بشيء لا ينظر فيما ينافيه .\r{ فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من الشرك . { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } إخلاصكم وشق عليهم .\r{ رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش } خبران آخران للدلالة على علو صمديته من حيث المعقول والمحسوس الدال على تفرده في الألوهية ، فإن من ارتفعت درجات كماله بحيث لا يظهر دونها كمال وكان العرش الذي هو أصل العالم الجسماني في قبضة قدرته لا يصح أن يشرك به ، وقيل الدرجات مراتب المخلوقات أو مصاعد الملائكة إلى العرش أو السموات أو درجات الثواب .","part":5,"page":124},{"id":2125,"text":"وقرىء «رَفِيعَ» بالنصب على المدح . { يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ } خبر رابع للدلالة على أن الروحانيات أيضاً مسخرات لأمره بإظهار آثارها وهو الوحي ، وتمهيد للنبوة بعد تقرير التوحيد والروح الوحي ومن أمره بيانه لأنه أمر بالخير أو مبدؤه والآمر هو الملك المبلغ . { على مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ } يختاره للنبوة ، وفيه دليل على أنها عطائية . { لّيُنذِرَ } غاية الإلقاء والمستكن فيه لله ، أو لمن أو للروح واللام مع القرب تؤيد الثاني . { يَوْمَ التلاق } يوم القيامة ، فإن فيه تتلاقى الأرواح والأجساد وأهل السماء والأرض أو المعبودون والعباد أو الأعمال والعمال .\r{ يَوْمَ هُم بارزون } خارجون من قبورهم أو ظاهرون لا يسترهم شيء أو ظاهرة نفوسهم لا تحجبهم غواشي الأبدان ، أو أعمالهم وسرائرهم . { لاَ يخفى عَلَى الله مِنْهُمْ شَىْءٌ } من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم ، وهو تقرير لقوله { هُم بارزون } وإزاحة لنحو ما يتوهم في الدنيا . { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به ، أو لما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسائط ، وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائماً .\r{ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } كأنه نتيجة لما سبق ، وتحقيقه أن النفوس تكتسب بالعقائد والأعمال هيئات توجب لذتها وأملها لكنها لا تشعر بها في الدنيا لعوائق تشغلها ، فإذا قامت قيامتها زالت العوائق وأدركت لذاتها وألمها . { لاَ ظُلْمَ اليوم } ينقص الثواب وزيادة العقاب . { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } إذ لا يشغله شأن عن شأن فيصل إليهم ما يستحقونه سريعاً .\r{ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزفة } أي القيامة سميت بها لأزوفها أي قربها ، أو الخطة الآزفة وهي مشارفتهم النار وقيل الموت . { إِذِ القلوب لَدَى الحناجر } فإنها ترتفع عن أماكنها فتلصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا . { كاظمين } على الغم حال من أصحاب القلوب على المعنى لأنه على الإِضافة ، أو منها أو من ضميرها في لدى وجمعه كذلك لأن الكظم من أفعال العقلاء كقوله : { فَظَلَّتْ أعناقهم لَهَا خاضعين } أو من مفعول { أَنذَرَهُمْ } على أنه حال مقدرة . { مَا لِلظَّالِمينَ مِنْ حَمِيمٍ } قريب مشفق . { وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } ولا شفيع مشفع ، والضمائر إن كانت للكفار وهو الظاهر كان وضع الظالمين موضع ضميرهم للدلالة على اختصاص ذلك بهم وأنه لظلمهم .","part":5,"page":125},{"id":2126,"text":"{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين } النظرة الخائنة كالنظرة الثانية إلى غير المحرم واستراق النظر إليه ، أو خيانة الأعين . { وَمَا تُخْفِى الصدور } من الضمائر والجملة خبر خامس للدلالة على أنه ما من خفي إلا وهو متعلق العلم والجزاء { والله يَقْضِى بالحق } لأنه المالك الحاكم على الإطلاق قلا يقضي بشيء إلا وهو حقه { والذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَقْضُونَ بِشَىْءٍ } تهكم بهم لأن الجماد لا يقال فيه إنه يقضي أو لا يقضي . وقرأ نافع وهشام بالتاء على الالتفات أو إضمار قل { إِنَّ الله هُوَ السميع البصير } تقرير لعلمه ب { خَائِنَةَ الأعين } وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون ، وتعريض بحال ما { يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } .\r{ أَوَ لَمْ يَسِيروُاْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ } مآل حال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود . { كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قدرة وتمكناً ، وإنما جيء بالفصل وحقه أن يقع بين معرفتين لمضارعة أفعل من للمعرفة في امتناع دخول اللام عليه . وقرأ ابن عامر «أشد منكم» بالكاف . { وَءَاثَاراً فِى الأَرْضِ } مثل القلاع والمدائن الحصينة . وقيل المعنى وأكثر آثاراً كقوله : متقلداً سيفاً ورمحاً { فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ الله مِن وَاقٍ } يمنع العذاب عنهم .\r{ ذلك } الأخذ . { بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات أو الأحكام الواضحة . { فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِىٌّ } متمكن مما يريده غاية التمكن . { شَدِيدُ العقاب } لا يؤبه بعقاب دون عقابه .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } يعني المعجزات . { وسلطان مُّبِينٍ } وحجة قاهرة ظاهرة ، والعطف لتغاير الوصفين أو لإِفراد بعض المعجزات كالعصا تفخيماً لشأنه .\r{ إلى فِرْعَوْنَ وهامان وَقَارُونَ فَقَالُواْ ساحر كَذَّابٌ } يعنون موسى E ، وفيه تسلية لرسول الله A وبيان لعاقبة من هو أشد الذين كانوا من قبلهم بطشاً وأقربهم زماناً .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اقتلوا أَبْنَاءَ الذين ءَامَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَاءَهُمْ } أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أولاً كي يصدوا عن مظاهرة موسى عليه السلام . { وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } في ضياع ، ووضع الظاهر فيه موضع الضمير لتعميم الحكم والدلالة على العلة .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ موسى } كانوا يكفونه عن قتله ويقولون إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر ، ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة وتعلله بذلك مع كونه سفاكاً في أهون شيء دليل على أنه تيقن أنه نبي فخاف من قتله ، أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له ويؤيده قوله . { وَلْيَدْعُ رَبَّهُ } فإنه تجلد وعدم مبالاة بدعائه . { إِنّي أَخَافُ } إن لم أقتله . { أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ } أن يغير ما أنتم عليه من عبادته وعبادة الأصنام لقوله تعالى : { وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ } { أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد } ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج إن لم يقدر أن يبطل دينكم بالكلية . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالواو على معنى الجمع ، وابن كثير وابن عامر والكوفيون غير حفص بفتح الياء والهاء ورفع الفساد .","part":5,"page":126},{"id":2127,"text":"{ وَقَالَ مُوسَى } أي لقومه لما سمع بكلامه . { إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب } صدر الكلام بأن تأكيداً وإشعاراً على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله ، وخص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية ، وإضافته إليه وإليهم حثاً لهم على موافقته لما في تظاهر الأرواح من استجلاب الإِجابة ، ولم يسم فرعون وذكر وصفاً يعمه وغيره لتعميم الإِستعاذة ورعاية الحق والدلالة على الحامل له على القول . وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي { عُذْتُ } فيه وفي سورة «الدخان» بالإِدغام وعن نافع مثله .\r{ وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } من أقاربه . وقيل { مِنْ } متعلق بقوله : { يَكْتُمُ إيمانه } والرجل إسرائيلي أو غريب موحد كان ينافقهم . { أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً } أتقصدون قتله . { أَن يَقُولَ } لأن يقول ، أو وقت أن يقول من غير روية وتأمل في أمره . { رَبّىَ الله } وحده وهو في الدلالة على الحصر مثل صديقي زيد . { وَقَدْ جَاءكُمْ بالبينات } المتكثرة الدالة على صدقه من المعجزات والاستدلالات . { مّن رَّبّكُمْ } أضافه إليهم بعد ذكر البينات احتجاجاً عليهم واستدراجاً لهم إلى الاعتراف به ، ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال : { وَإِن يَكُ كاذبا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ } لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله . { وَإِن يَكُ صادقا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذى يَعِدُكُمْ } فلا أقل من أن يصيبكم بعضه ، وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإِنصاف وعدم التعصب ، ولذلك قدم كونه كاذباً أو يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده ، كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم وتفسير ال { بَعْضُ } بالكل كقول لبيد :\rتَرَاكَ أَمْكنة إِذَا لَمْ أَرْضَهَا ... أَوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حمامُهَا\rمردود لأنه أراد بال { بَعْضُ } نفسه . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } احتجاج ثالث ذو وجهين :\rأحدهما : أنه لو كان مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات ولما عضده بتلك المعجزات .\rوثانيهما : أن من خذله الله أهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله . ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم ، وعرض به لفرعون بأنه { مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } لا يهديه الله سبيل الصواب وطريق النجاة .\r{ ياقوم لَكُمُ الملك اليوم ظاهرين } غالبين عالين . { فِى الأرض } أرض مصر . { فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله إِن جَاءَنَا } أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد ، وإنما أدرج نفسه في الضميرين لأنه كان منهم في القرابة وليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم . { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ } ما أشير عليكم . { إِلاَّ مَا أرى } وأستصوبه من قتله وما أعلمكم إلا ما علمت من الصواب وقلبي ولساني متواطئان عليه .","part":5,"page":127},{"id":2128,"text":"{ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد } طريق الصواب ، وقرىء بالتشديد على أنه فعال للمبالغة من رشد كعلام ، أو من رشد كعباد لا من أرشد كجبار من أجبر لأنه مقصور على السماع أو بالنسبة إلى الرشد كعواج وبتات .\r{ وَقَالَ الذى ءَامَنَ ياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } في تكذيبه والتعريض له . { مّثْلَ يَوْمِ الأحزاب } مثل أيام الأمم الماضية يعني وقائعهم ، وجمع { الأحزاب } مع التفسير أغنى عن جمع { اليوم } .\r{ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ } مثل جزاء ما كانوا عليه دائباً من الكفر وإيذاء الرسل . { والذين مِن بَعْدِهِمْ } كقوم لوط . { وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْماً لّلْعِبَادِ } فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام ، وهو أبلغ من قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } من حيث أن المنفي فيه حدوث تعلق إرادته بالظلم .\r{ وياقوم إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد } يوم القيامة ينادي فيه بعضهم بعضاً للاستغاثة ، أو يتصايحون بالويل والثبور ، أو يتنادى أصحاب الجنة وأصحاب النار كما حكي في «الأعراف» . وقرىء بالتشديد وهو أن يند بعضهم من بعض كقوله تعالى : { يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ } { يَوْمَ تُوَلُّونَ } عن الموقف . { مُّدْبِرِينَ } منصرفين عنه إلى النار . وقيل فارين عنها . { مَا لَكُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } يعصمكم من عذابه . { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } .\r{ وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ } يوسف بن يعقوب على أن فرعونه فرعون موسى ، أو على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد أو سبطه يوسف بن إبراهيم بن يوسف . { مِن قَبْلُ } من قبل موسى . { بالبينات } بالمعجزات . { فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكّ مِّمَّا جَاءَكُمْ بِهِ } من الدين . { حتى إِذَا هَلَكَ } مات . { قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ الله مِن بَعْدِهِ رَسُولاً } ضما إلى تكذيب رسالته تكذيب رسالة من بعده ، أو جزماً بأن لا يبعث من بعده رسول مع الشك في رسالته ، وقرىء «ألن يبعث الله» على أن بعضهم يقرر بعضاً بنفي البعث . { كذلك } مثل ذلك الضلال . { يُضِلُّ الله } في العصيان . { مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } شاك فيما تشهد به البينات لغلبة الوهم والانهماك في التقليد .\r{ والذين يجادلون فِى ءايات الله } بدل من الموصول الأول لأنه بمعنى الجمع . { بِغَيْرِ سلطان أتاهم } بغير حجة بل إما بتقليد أو بشبهة داحضة . { كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين ءَامَنُواْ } فيه ضمير من وإفراده للفظ ، ويجوز أن يكون «الذين آمنوا» مبتدأ وخبره { كَبُرَ } على حذف مضاف أي : وجدال الذين يجادلون كبر مقتاً أو بغير سلطان وفاعل { كَبُرَ } { كذلك } أي كبر مقتاً مثل ذلك الجدال فيكون قوله : { يَطْبَعُ الله على كُلّ قَلْبِ مُتَكَبّرٍ جَبَّارٍ } استئنافاً للدلالة على الموجب لجدالهم .","part":5,"page":128},{"id":2129,"text":"وقرأ أبو عمرو وابن ذكوان قلب بالتنوين على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما كقولهم : رأت عيني وسمعت أذني ، أو على حذف مضاف أي على كل ذي قلب متكبر .\r{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياهامان ابن لِى صَرْحاً } بناء مكشوفاً عالياً من صرح الشيء إذا ظهر . { لَّعَلّى أَبْلُغُ الأسباب } الطرق .\r{ أسباب السموات } بيان لها أو في إبهامها ثم إيضاحها تفخيم لشأنها وتشويق للسامع إلى معرفتها . { فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى } عطف على { أَبْلُغُ } . وقرأ حفص بالنصب على جواب الترجي ولعله أراد أن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية ، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إياه ، أو إن يرى فساد قول موسى بأن أخباره من إله السماء يتوقف على إطلاعه ووصوله إليه ، وذلك لا يتأتى إلا بالصعود إلى السماء وهو مما لا يقوى عليه الإنسان ، وذلك لجهله بالله وكيفية استنبائه . { وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا } في دعوى الرسالة . { وكذلك } ومثل التزيين ، { زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السبيل } سبيل الرشاد ، والفاعل على الحقيقة هو الله تعالى ويدل عليه أنه قرىء زين بالفتح وبالتوسط الشيطان . وقرأ الحجازيان والشامي وأبو عمرو { وَصُدَّ } على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات ويؤيده : { وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ } أي خسار .\r{ وَقَالَ الذى ءَامَنَ } يعني مؤمن آل فرعون . وقيل موسى E . { ياقوم اتبعون أَهْدِكُمْ } بالدلالة . { سَبِيلَ الرشاد } سبيلاً يصل سالكه إلى المقصود ، وفيه تعريض بأن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي .\r{ ياقوم إِنَّمَا هذه الحياة الدنيا مَتَاعٌ } تمتع يسير لسرعة زوالها . { وَإِنَّ الأخرة هِىَ دَارُ القرار } لخلودها .\r{ مَنْ عَمِلَ سَيّئَةً فَلاَ يجزى إِلاَّ مِثْلَهَا } عدلاً من الله ، وفيه دليل على أن الجنايات تغرم بمثلها . { وَمَنْ عَمِلَ صالحا مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ } بغير تقدير وموازنة بالعمل بل أضعافاً مضاعفة فضلاً منه ورحمة ، ولعل تقسيم العمال وجعل الجزاء جملة إسمية مصدرة باسم الإِشارة ، وتفضيل الثواب لتغليب الرحمة ، وجعل العمل عمدة والإِيمان حالاً للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل وأن ثوابه أعلى من ذلك .\r{ وياقوم مَا لِى أَدْعُوكُمْ إِلَى النجاة وَتَدْعُونَنِى إِلَى النار } كرر ندائهم إيقاظاً لهم عن سنة الغفلة واهتماماً بالمنادى له ، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه ، وعطفه على النداء الثاني الداخل على ما هو بيان لما قبله ولذلك لم يعطف على الأول ، فإن ما بعده أيضاً تفسير لما أجمل فيه تصريحاً أو تعريضاً أو على الأول .\r{ تَدْعُونَنِى لأَكْفُرَ بالله } بدل أو بيان فيه تعليل والدعاء كالهداية في التعدية بإلى واللام .","part":5,"page":129},{"id":2130,"text":"{ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِى بِهِ } بربوبيته . { عِلْمٌ } والمراد نفي المعلوم والإِشعار بأن الألوهية لا بد لها من برهان فاعتقادها لا يصح إلا عن إيقان . { وَأَنَاْ أَدْعُوكُمْ إِلَى العزيز الغفار } المستجمع لصفات الألوهية من كمال القدرة والغلبة وما يتوقف عليه من العلم والإِرادة ، والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران .\r{ لاَ جَرَمَ } لا رد لما دعوه إليه ، و { جَرَمَ } فعل بمعنى حق وفاعله : { أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الأخرة } أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أصلاً لأنها جمادات ليس لها ما يقتضي ألوهيتها أو عدم دعوة مستجابة أو عدم استجابة دعوة لها . وقيل { جَرَمَ } بمعنى كسب وفاعله مستكن فيه أي كسب ذلك الدعاء إليه أن لا دعوة له بمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته ، وقيل فعل من الجرم بمعنى القطع كما إن بدا من لا بد فعل من التبديد وهو التفريق ، والمعنى لا قطع لبطلان دعوة ألوهية الأصنام أي لا ينقطع في وقت ما فتنقلب حقاً ، ويؤيده قولهم لا جرم إنه لغة فيه كالرشد والرشد . { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله } بالموت . { وَأَنَّ المسرفين } في الضلالة والطغيان كالإِشراك وسفك الدماء . { هُمْ أصحاب النار } ملازموها .\r{ فَسَتَذْكُرُونَ } وقرىء { فَسَتَذْكُرُونَ } أي فسيذكر بعضكم بعضاً عند معاينة العذاب . { مَا أَقُولُ لَكُمْ } من النصيحة . { وَأُفَوِّضُ أَمْرِى إِلَى الله } ليعصمني من كل سوء . { إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد } فيحرسهم وكأنه جواب توعدهم المفهوم من قوله :\r{ فَوقَاهُ الله سَيّئَاتِ مَا مَكَرُواْ } شدائد مكرهم . وقيل الضمير لموسى E . { وَحَاقَ بِئَالِ فِرْعَوْنَ } بفرعون وقومه فاستغنى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك . وقيل بطلبة المؤمن من قومه فإنه فر إلى جبل فاتبعه طائفة فوجدوه يصلي والوحوش حوله صفوفاً فرجعوا رعباً فقتلهم . { سُوءُ العذاب } الغرق أو القتل أو النار .\r{ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً } جملة مستأنفة أو { النار } خبر محذوف و { يُعْرَضُونَ } استئناف للبيان ، أو بدل و { يُعْرَضُونَ } حال منها ، أو من الآل وقرئت منصوبة على الاختصاص أو بإضمار فعل يفسره { يُعْرَضُونَ } مثل يصلون ، فإن عرضهم على النار إحراقهم بها من قولهم : عرض الأسارى على السيف إذا قتلوا به ، وذلك لأرواحهم كما روى ابن مسعود أن أرواحهم في أجواف طيور سود تعرض على النار بكرة وعشياً إلى يوم القيامة ، وذكر الوقتين تحتمل التخصيص والتأييد ، وفيه دليل على بقاء النفس وعذاب القبر . { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة } أي هذا ما دامت الدنيا فإذا قامت الساعة قيل لهم : { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ } يا آل فرعون . { أَشَدَّ العذاب } عذاب جهنم فإنه أشد مما كانوا فيه ، أو أشد عذاب جهنم . وقرأ حمزة والكسائي ونافع ويعقوب وحفص { أَدْخِلُواْ } على أمر الملائكة بإدخالهم النار .","part":5,"page":130},{"id":2131,"text":"{ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِى النار } واذكر وقت تخاصمهم فيها ويحتمل العطف على غدوا . { فَيَقُولُ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا } تفصيل له . { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } تباعاً كخدم في جمع خادم أو ذوي تبع بمعنى أتباع على الإِضمار أو التجوز . { فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار } بالدفع أو الحمل ، و { نَصِيباً } مفعول به لما دل عليه { مُّغْنُونَ } أوله بالتضمين أو مصدر كشيئاً في قوله تعالى : { لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئًا } فيكون من صلة ل { مُّغْنُونَ } .\r{ قَالَ الذين استكبروا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا } نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا ، وقرىء «كلا» على التأكيد لأنه بمعنى كلنا وتنوينه عوض عن المضاف إليه ، ولا يجوز جعله حالاً من المستكن في الظرف فإنه لا يعمل في الحال المتقدمة كما يعمل في الظرف المتقدم كقولك كل يوم لك ثوب . { إِنَّ الله قَدْ حَكَمَ بَيْنَ العباد } بأن أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، و { لاَ مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ } { وَقَالَ الذين فِى النار لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ } أي لخزنتها ، ووضع { جَهَنَّمَ } موضع الضمير للتهويل أو لبيان محلهم فيها ، إذ يحتمل أن تكون { جَهَنَّمَ } أبعد دركاتها من قولهم : بئر جهنم بعيدة القعر . { ادعوا رَبَّكُمْ يُخَفّفْ عَنَّا يَوْماً } قدر يوم . { مّنَ العذاب } شيئاً من العذاب ، ويجوز أن يكون المفعول «يوم» بحذف المضاف و { مّنَ العذاب } بيانه .\r{ وَقَالُواْ أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بالبينات } أرادوا به إلزامهم للحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الإِجابة . { قَالُواْ بلى قَالُواْ فادعوا } فإنا لا نجترىء فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم ، وفيه إقناط لهم عن الإِجابة . { وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال } ضياع لا يجاب ، وفيه اقناط لهم عن الإجابة .\r{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءَامَنُواْ } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة . { فِي الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد } أي في الدارين ولا ينتقض ذلك بما كان لأعدائهم عليهم من الغلبة أحياناً إذ العبرة بالعواقب وغالب الأمر ، و { الأشهاد } جمع شاهد كصاحب وأصحاب ، والمراد بهم من يقوم يوم القيامة الشهادة على الناس من الملائكة والأنبياء والمؤمنين .\r{ يَوْمَ لاَ يَنفَعُ الظالمين مَعْذِرَتُهُمْ } بدل من الأول وعدم نفع المعذرة لأنها باطلة ، أو لأنه لم يؤذن لهم فيعتذروا . وقرأ غير الكوفيين ونافع بالتاء . { وَلَهُمُ اللعنة } البعد عن الرحمة . { وَلَهُمْ سُوءُ الدار } جهنم .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَى الهدى } ما يهتدي به في الدين من المعجزات والصحف والشرائع . { وَأَوْرَثْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب } وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة .\r{ هُدًى وذكرى } هداية وتذكرة أو هادياً ومذكراً .","part":5,"page":131},{"id":2132,"text":"{ لأُوْلِى الألباب } لذوي العقول السليمة .\r{ فاصبر } على أذى المشركين . { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ } بالنصر لا يخلفه ، واستشهد بحال موسى وفرعون . { واستغفر لِذَنبِكَ } وأقبل على أمر دينك وتدارك فرطاتك بترك الأولى والاهتمام بأمر العدا بالاستغفار ، فإنه تعالى كافيك في النصر إظهار الأمر . { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ بالعشى والإبكار } ودم على التسبيح والتحميد لربك . وقيل صلِّ لهذين الوقتين ، إذ كان الواجب بمكة ركعتين بكرة وركعتين عشياً .\r{ إِنَّ الذين يجادلون فِى ءايات الله بِغَيْرِ سلطان أتاهم } عام في كل مجادل مبطل وإن نزل في مشركي مكة واليهود حين قالوا : لست صاحبنا بل هو المسيح بن داود يبلغ سلطانه البر والبحر وتسير معه الأنهار . { إِن فِى صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ } إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم ، أو إرادة الرياسة أو إن النبوة والملك لا يكونان إلا لهم . { مَّا هُم ببالغيه } ببالغي دفع الآيات أو المراد . { فاستعذ بالله } فالتجىء إليه . { إِنَّهُ هُوَ السميع البصير } لأقوالكم وأفعالكم .\r{ لَخَلْقُ السموات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس } فمن قدر على خلقها مع عظمها أولاً من غير أصل قدر على خلق الإِنسان ثانياً من أصل ، وهو بيان لا شكل ما يجادلون فيه من أمر التوحيد . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم واتباعهم أهواءهم .\r{ وَمَا يَسْتَوِى الأعمى والبصير } الغافل والمستبصر . { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَلاَ المسىء } والمحسن والمسيء فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت ، وهي فيما بعد البعث وزيادة لا في المسيء لأن المقصود نفي مساواته للمحسن فيما له من الفضل والكرامة ، والعاطف الثاني عطف الموصول بما عطف عليه على { الأعمى والبصير } لتغاير الوصفين في المقصود ، أو الدلالة بالصراحة والتمثيل . { قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ } أي تذكراً ما قليلاً يتذكرون ، والضمير للناس أو الكفار . وقرأ الكوفيون بالتاء على تغليب المخاطب ، أو الالتفات أو أمر الرسول بالمخاطبة .","part":5,"page":132},{"id":2133,"text":"{ إِنَّ الساعة لأَتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا } في مجيئها لوضوح الدلالة على جوازها وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } لا يصدقون بها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به .\r{ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى } اعبدوني . { أَسْتَجِبْ لَكُمْ } أثبكم لقوله : { إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخرين } صاغرين ، وإن فسر الدعاء بالسؤال كان الاستكبار الصارف عنه منزلاً منزلته للمبالغة ، أو المراد بالعبادة الدعاء فإنه من أبوابها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر «سَيُدْخَلُونَ» بضم الياء وفتح الخاء .\r{ الله الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ } لتستريحوا فيه بأن خلقه بارداً مظلماً ليؤدي إلى ضعف الحركات وهدوء الحواس . { والنهار مُبْصِراً } يبصر فيه أو به ، وإسناد الإِبصار إليه مجاز فيه مبالغة ولذلك عدل به عن التعليل إلى الحال : { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس } لا يوازيه فضل ، وللإِشعار به لم يقل لمفضل . { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } لجهلهم بالمنعم وإغفالهم مواقع النعم ، وتكرير الناس لتخصيص الكفران بهم .\r{ ذلكم } المخصوص بالأفعال المقتضية للألوهية والربوبية . { الله رَبُّكُمْ خالق كُلِّ شَىْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أخبار مترادفة تخصص اللاحقة السابقة وتقررها ، وقرىء «خالق» بالنصب على الاختصاص فيكون { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } استئنافاً بما هو كالنتيجة للأوصاف المذكورة . { فأنى تُؤْفَكُونَ } فكيف ومن أي وجه تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره .\r{ كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بئايات الله يَجْحَدُونَ } أي كما أفكوا أفك عن الحق كل من جحد بآيات الله ولم يتأملها .\r{ الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض قَرَاراً والسماء بِنَاءً } استدلال ثان بأفعال أخر مخصوصة . { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } بأن خلقكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء ، والتخطيطات متهيأ لمزاولة الصنائع واكتساب الكمالات . { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } اللذائذ . { ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ فتبارك الله رَبُّ العالمين } فإن كل ما سواه مربوب مفتقر بالذات معرض للزوال .\r{ هُوَ الحي } المتفرد بالحياة الذاتية . { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا موجد سواه ولا موجد يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته . { فادعوه } فاعبدوه . { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعة من الشرك والرياء . { الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } قائلين له .\r{ قُلْ إِنّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَمَّا جَاءَنِى البينات مِن رَّبّى } من الحجج والآيات أو من الآيات فإنها مقوية لأدلة العقل منبهة عليها . { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } بأن أنقاد له أو أخلص له ديني .\r{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً } أطفالاً ، والتوحيد لإرادة الجنس أو على تأويل كل واحد منكم .","part":5,"page":133},{"id":2134,"text":"{ ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } اللام فيه متعلقة بمحذوف تقديره : ثم يبقيكم لتبلغوا وكذا في قوله : { ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً } ويجوز عطفه على { لِتَبْلُغُواْ } وقرأ نافع وأبو عمرو وحفص وهشام «شُيُوخاً» بضم الشين . وقرىء «شيخاً» كقوله « طِفْلاً» . { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ } من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد . { وَلِتَبْلُغُواْ } ويفعل ذلك لتبلغوا : { أَجَلاً مُّسَمًّى } هو وقت الموت أو يوم القيامة . { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في ذلك من الحجج والعبر .\r{ هُوَ الذى يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً } فإذا أراده . { فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } فلا يحتاج في تكوينه إلى عدة وتجشم كلفة ، والفاء الأولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق من حيث أنه يقتضي قدرة ذاتية غير متوقفة على العدد والمواد .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين يجادلون فِى ءايات الله أنى يُصْرَفُونَ } عَن التصديق به وتكريم ذم المجادلة لتعدد المجادل ، أو المجادل فيه أو للتأكيد .\r{ الذين كَذَّبُواْ بالكتاب } بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية . { وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا } من سائر الكتب أو الوحي والشرائع . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } جزاء تكذيبهم .\r{ إِذِ الأغلال فِى أعناقهم } ظرف ل { يَعْلَمُونَ } إذ المعنى على الاستقبال ، والتعبير بلفظ المضي لتيقنه . { والسلاسل } عطف على { الأغلال } أو مبتدأ خبره . { يُسْحَبُونَ } .\r{ فِى الحميم } والعائد محذوف أي يسحبون بها ، وهو على الأول حال . وقرىء { والسلاسل يُسْحَبُونَ } بالنصب وفتح الياء على تقديم المفعول وعطف الفعلية على الاسمية ، { والسلاسل } بالجر حملاً على المعنى { إِذِ الإغلال فِى أعناقهم } بمعنى أعناقهم في الأغلال ، أو إضماراً للباء ويدل عليه القراءة به . { ثُمَّ فِى النار يُسْجَرُونَ } يحرقون من سجر التنور إذا ملأه بالوقود ، ومنه السجير للصديق كأنه سجر بالحب أي ملىء . والمراد أنهم يعذبون بأنواع من العذاب وينقلون من بعضها إلى بعض .\r{ ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } غابوا عنا وذلك قبل أن تقرن بهم آلهتهم ، أو ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم . { بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً } أي بل تبين لنا لم نكن نعبد شيئاً بعبادتهم فإنهم ليسوا شيئاً يعتد به كقولك : حسبته شيئاً فلم يكن . { كذلك } مثل ذلك الضلال . { يُضِلُّ الله الكافرين } حتى لا يهتدوا إلى شيء ينفعهم في الآخرة ، أو يضلهم عن آلهتهم حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا .","part":5,"page":134},{"id":2135,"text":"{ ذلكم } الإِضلال . { بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى الأرض } تبطرون وتتكبرون . { بِغَيْرِ الحق } وهو الشرك والطغيان . { وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ } تتوسعون في الفرح ، والعدول إلى الخطاب للمبالغة في التوبيخ .\r{ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ } الأبواب السبعة المقسومة لكم . { خالدين فِيهَا } مقدرين الخلود . { فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } عن الحق جهنم ، وكان مقتضى النظم فبئس مدخل المتكبرين ولكن لما كان الدخول المقيد بالخلود بسبب الثواء عبر بالمثوى .\r{ فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله } بهلاك الكافرين . { حَقّ } كائن لا محالة . { فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } فإن نرك ، وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل ولا تلحق مع أن وحدها . { بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ } وهو القتل والأسر . { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل أن تراه . { فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ } يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم ، وهو جواب { نَتَوَفَّيَنَّكَ } ، وجواب { نُرِيَنَّكَ } محذوف مثل فذاك ، ويجوز أن يكون جواباً لهما بمعنى إن نعذبهم في حياتك أو لم نعذبهم فإنا نعذبهم في الآخرة أشد العذاب ، ويدل على شدته الاقتصار بذكر الرجوع في هذا المعرض .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ } إذ قيل عدد الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً ، والمذكور قصصهم أشخاص معدودة . { وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِىَ بِئَايَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضته حكمته كسائر القسم ، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها والاستبداد بإتيان المقترح بها . { فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ الله } بالعذاب في الدنيا أو الآخرة . { قُضِىَ بالحق } بإنجاء المحق وتعذيب المبطل . { وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون } المعاندون باقتراح الآيات بعد ظهور ما يغنيهم عنها .\r{ الله الذى جَعَلَ لَكُمُ الأنعام لِتَرْكَبُواْ مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } فإن من جنسها ما يؤكل كالغنم ومنها ما يؤكل ويركب كالإِبل والبقر .\r{ وَلَكُمْ فيِهَا منافع } كالألبان والجلود والأوبار . { وَلِتَبْلُغُواْ عَلَيْهَا حَاجَةً فِى صُدُورِكُمْ } بالمسافرة عليها . { وَعَلَيْهَا } في البر . { وَعَلَى الفلك } في البحر . { تُحْمَلُونَ } وإنما قال { وَعَلَى الفلك } ولم يقل في الفلك للمزاوجة ، وتغيير النظم في الأكل لأنه في حيز الضرورة . وقيل لأنه يقصد به التعيش وهو من الضروريات والتلذذ والركوب والمسافرة عليها قد تكون لأغراض دينية واجبة أو مندوبة ، أو للفرق بين العين والمنفعة .\r{ وَيُرِيكُمْ ءاياته } دلائله الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته . { فَأَىَّ آيَاتِ اللهِ } أي فأي آية من تلك الآيات . { تُنكِرُونَ } فإنها لظهورها لا تقبل الإِنكار ، وهو ناصب «أي» إذا لو قدرته متعلقاً بضميره كان الأولى رفعه والتفرقة بالتاء في أي أغرب منها في الأسماء غير الصفات لإبهامه .\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً فِى الأرض } ما بقي منهم من القصور والمصانع ونحوهما ، وقيل آثار أقدامهم في الأرض لعظم أجرامهم .","part":5,"page":135},{"id":2136,"text":"{ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } «ما» الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى ، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به .\r{ فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات أو الآيات الواضحات . { فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُمْ مِّنَ العلم } واستحقروا علم الرسل ، والمراد بالعلم عقائدهم الزائغة وشبههم الداحضة كقوله : { بَلِ ادرك عِلْمُهُمْ فِى الاخرة } وهو قولهم : لا نبعث ولا نعذب ، وما أظن الساعة قائمة ونحوها ، وسماها علماً على زعمهم تهكماً بهم ، أو علم الطبائع والتنجيم والصنائع ونحو ذلك ، أو علم الأنبياء ، وفرحهم به ضحكهم منه واستهزاؤهم به ويؤيده : { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } وقيل الفرح أيضاً للرسل فإنهم لما رأوا تمادي جهل الكفار وسوء عاقبتهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه وحاق بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم .\r{ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } شدة عذابنا . { قَالُواْ ءَامَنَّا بالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } يعنون الأصنام .\r{ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا } لامتناع قبوله حينئذ ولذلك قال : { لَمْ يَكُ } بمعنى لم يصح ولم يستقم ، والفاء الأولى لأن قوله : { فَمَا أغنى } كالنتيجة لقوله : { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ } ، والثانية لأن قوله : { فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } كالتفسير لقوله : { فَمَا أغنى } والباقيتان لأن رؤية البأس مسببة عن مجيء الرسل وامتناع نفي الإِيمان مسبب عن الرؤية . { سُنَّتَ الله التى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ } أي سن الله ذلك سنة ماضية في العباد وهي من المصادر المؤكدة . { وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون } أي وقت رؤيتهم البأس ، اسم مكان استعير للزمان . عن النبي A : \" من قرأ سورة المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن إلا صلى عليه واستغفر له \" .","part":5,"page":136},{"id":2137,"text":"مكية وآيها ثلاث أو أربع وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حَمَ } إن جعلته مبتدأ فخبره .\r{ تَنزِيلٌ مّنَ الرحمن الرحيم } وإن جعلته تعديداً للحروف ف { تَنزِيلَ } خبر محذوف أو مبتدأ لتخصصه بالصفة وخبره :\r{ كِتَابٌ } وهو على الأولين بدل منه أو خبر آخر أو خبر محذوف ، ولعل افتتاح هذه السور السبع ب { حم } وتسميتها به لكونها مصدرة ببيان الكتاب متشاكلة في النظم والمعنى ، وإضافة ال { تَنزِيلَ } إلى { الرحمن الرحيم } للدلالة على أنه مناط المصالح الدينية والدنيوية . { فُصّلَتْ ءاياته } ميزت باعتبار اللفظ والمعنى . وقرىء { فُصّلَتْ } أي فصل بعضها من بعض باختلاف الفواصل والمعاني ، أو فصلت بين الحق والباطل . { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } نصب على المدح أو الحال من { فُصّلَتْ } ، وفيه امتنان بسهولة قراءاته وفهمه . { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي لقوم يعلمون العربية أو لأهل العلم والنظر ، وهو صفة أخرى ل { قُرْءاناً } أو صلة ل { تَنزِيلَ } ، أو ل { فُصّلَتْ } ، والأول أولى لوقوعه بين الصفات .\r{ بَشِيراً وَنَذِيراً } للعاملين به والمخالفين له ، وقرئا بالرفع على الصفة لل { كِتَابٌ } أو الخبر لمحذوف . { فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ } عن تدبره وقبوله . { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } سماع تأمل وطاعة .\r{ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ } أغطية جمع كنان . { مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءَاذانِنَا وَقْرٌ } صمم ، وأصله الثقل ، وقرىء بالكسر . { وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } يمنعنا عن التواصل ، ومن للدلالة على أن الحجاب مبتدأ منهم ومنه بحيث استوعب المسافة المتوسطة ولم يبق فراغ . وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم ومج أسماعهم له ، وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول A . { فاعمل } على دينك أو في إبطال أمرنا . { إِنَّنَا عاملون } على ديننا أو في إبطال أمرك .\r{ قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ يوحى إِلَىَّ أَنَّمَا إلهكم إله وَاحِدٌ } لست ملكاً ولا جنياً لا يمكنكم التلقي منه ، ولا أدعوكم إلى ما تنبو عنه العقول والاسماع ، وإنما أدعوكم إلى التوحيد والاستقامة في العمل ، وقد يدل عليهما دلائل العقل وشواهد النقل . { فاستقيموا إِلَيْهِ } فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه ، أو فاستووا إليه بالتوحيد والإِخلاص في العمل . { واستغفروه } مما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل ، ثم هددهم على ذلك فقال : { وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ } من فرط جهالتهم واستخفافهم بالله .\r{ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة } لبخلهم وعدم اشفاقهم على الخلق ، وذلك من أعظم الرذائل ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع . وقيل معناه لا يفعلون ما يزكي أنفسهم وهو الإِيمان والطاعة . { وَهُمْ بالآخرة هُمْ كافرون } حال مشعرة بأن امتناعهم عن الزكاة لاستغراقهم في طلب الدنيا وإنكارهم للآخرة .","part":5,"page":137},{"id":2138,"text":"{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ أَجْرٌ } عظيم . { غَيْرُ مَمْنُونٍ } لا يمن به عليهم من المن وأصله الثقل ، أو لا يقطع من مننت الحبل إذا قطعته . وقيل نزلت في المرضى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصلح ما كانوا يعملون .\r{ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } في مقدار يومين ، أو نوبتين وخلق في كل نوبة ما خلق في أسرع ما يكون . ولعل المراد من { الأرض } ما في جهة السفل من الأجرام البسيطة ومن خلقها { فِى يَوْمَيْنِ } أنه خلق لها أصلاً مشتركاً ثم خلق لها صوراً بها صارت أنواعاً ، وكفرهم به إلحادهم في ذاته وصفاته . { وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً } ولا يصح أن يكون له ند . { ذلك } الذي { خَلَقَ الأرض فِى يَوْمَيْنِ } . { رَبّ العالمين } خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها .\r{ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } استئناف غير معطوف على { خَلقَ } للفصل بما هو خارج عن الصلة . { مّن فَوْقِهَا } مرتفعة عليها ليظهر للنظار ما فيها من وجوه الاستبصار وتكون منافعها معرضة للطلاب . { وبارك فِيهَا } وأكثر خيرها بأن خلق فيها أنواع النبات والحيوان . { وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها } أقوات أهلها بأن عين لكل نوع ما يصلحه ويعيش به ، أو أقواتاً تنشأ منها بأن خص حدوث كل قوت بقطر من أقطارها ، وقرىء «وقسم فِيهَا أقواتها» . { فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } في تتمة أربعة أيام كقولك : سرت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام ، وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً . ولعله قال ذلك ولم يقل في يومين للإِشعار باتصالهما باليومين الأولين . والتصريح على الفذلكة . { سَوَاءٌ } أي استوت سواء بمعنى استواء ، والجملة صفة أيام ويدل عليه قراءة يعقوب بالجر . وقيل حال من الضمير في أقواتها أو في فيها ، وقرىء بالرفع على هي سواء . { لّلسَّائِلِينَ } متعلق بمحذوف تقديره هذا الحصر للسائلين عن مدة خلق الأرض وما فيها ، أو بقدر أي قدر فيها الأقوات للطالبين لها .\r{ ثُمَّ استوى إِلَى السماء } قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلوي على غيره ، والظاهر أن ثم لتفاوت ما بين الخلقتين لا للتراخي في المدة لقوله : { والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } ودحوها متقدم على خلق الجبال من فوقها . { وَهِىَ دُخَانٌ } أمر ظلماني ، ولعله أراد به مادتها أو الأجزاء المتصغرة التي كتب منها { فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا } بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وأبرزا ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة . أو { ائتيا } في الوجود على أن الخلق السابق بمعنى التقدير أو الترتيب للرتبة ، أو الإِخبار أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة ، وقد عرفت ما فيه أو لتأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما ويؤيده قراءة «آتيا» في المؤاتاة أي لتوافق كل واحدة أختها فيما أردت منكما . { طَوْعاً أَوْ كَرْهاً } شئتما ذلك أو أبيتما والمراد إظهار كمال قدرته ووجوب وقوع مراده لا إثبات الطوع والكره لهما ، وهما مصدران وقعا موقع الحال . { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } منقادين بالذات ، والأظهر أن المراد تصوير تأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها ، وتمثيلهما بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله : { كُنْ فَيَكُونُ } وما قيل من أنه تعالى خاطبهما وأقدرهما على الجواب إنما يتصور على الوجه الأول والأخير ، وإنما قال طائعين على المعنى باعتبار كونهما مخاطبتين كقوله : { ساجدين }","part":5,"page":138},{"id":2139,"text":"{ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات } فخلقهن خلقاً إبداعياً وأتقن أمرهن ، والضمير ل { السماء } على المعنى أو مبهم ، و { سَبْعَ سموات } حال على الأول وتمييز على الثاني . { فِى يَوْمَيْنِ } قيل خلق السموات يوم الخميس والشمس والقمر والنجوم يوم الجمعة . { وأوحى فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه اختياراً أو طبعاً . وقيل أوحى إلى أهلها بأوامره ونواهيه . { وَزَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح } فإن الكواكب كلها ترى كأنها تتلألأ عليها . { وَحِفْظاً } أي وحفظناها من الآفات ، أو من المسترقة حفظاً . وقيل مفعول له على المعنى كأنه قال : وخصصنا السماء الدنيا بمصابيح زينة وحفظاً . { ذلك تَقْدِيرُ العزيز العليم } البالغ في القدرة والعلم .\r{ فَإِنْ أَعْرَضُواْ } عن الإِيمان بعد هذا البيان . { فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة } فحذرهم أن يصيبهم عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة . { مِّثْلَ صاعقة عَادٍ وَثَمُودَ } وقرىء «صعقة مثل صعقة عاد وثمود» وهي المرة من الصعق أو الصعق يقال صعقته الصاعقة صعقاً فصعق صعقاً .\r{ إِذْ جَاءَتْهُمُ الرسل } حال من { صاعقة عَادٍ } ، ولا يجوز جعله صفة ل { صاعقة } أو ظرفاً ل { أَنذَرْتُكُمْ } لفساد المعنى . { مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } أتوهم من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة ، أو من جهة الزمن الماضي بالإنذار عما جرى فيه على الكفار ، ومن جهة المستقبل بالتحذير عما أعد لهم في الآخرة ، وكل من اللفظين يحتملهما ، أو من قبلهم ومن بعدهم إذ قد بلغتهم خبر المتقدمين وأخبرهم هود وصالح عن المتأخرين داعين إلى الإِيمان بهم أجمعين ، ويحتمل أن يكون عبارة عن الكثرة كقوله تعالى : { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ } { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } بأن لا تعبدوا أو أي لا تعبدوا . { قَالُواْ لَوْ شَاء رَبُّنَا } إرسال الرسل . { لأَنزَلَ ملائكة } برسالته . { فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } على زعمكم . { كافرون } إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لَكُمْ علينا .\r{ فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِى الأرض بِغَيْرِ الحق } فتعظموا فيها على أهلها من غير استحقاق . { وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً } اغتراراً بقوتهم وشوكتهم . قيل كان من قوتهم أن الرجل منهم ينزع الصخرة فيقتلعها بيده . { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً } قدرة فإنه قادر بالذات مقتدر على ما لا يتناهى ، قوي على ما لا يقدر عليه أحد غيره . { وَكَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } يعرفون أنها حق وينكرونها وهو عطف على { فاستكبروا } .\r{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } باردة تهلك بشدة بردها من الصر وهو البرد الذي يصر أي يجمع ، أو شديدة الصوت في هبوبها من الصرير . { فِى أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ } جمع نحسة من نحس نحساً نقيص سعد سعداً ، وقرأ الحجازيان والبصريان بالسكون على التخفيف أو النعت على فعل ، أو الوصف بالمصدر قيل كان آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء .","part":5,"page":139},{"id":2140,"text":"{ لّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا } أضاف ال { عَذَابِ } إلى { الخزى } وهو الذل على قصد وصفة به لقوله : { وَلَعَذَابُ الأخرة أخزى } وهو في الأصل صفة المعذب وإنما وصف به العذاب على الإِسناد المجازي للمبالغة . { وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ } بدفع العذاب عنهم .\r{ وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم } فدللناهم على الحق بنصب الحجج وإرسال الرسل ، وقرىء { ثَمُودَ } بالنصب بفعل مضمر يفسره ما بعده ومنوناً في الحالين وبضم الثاء . { فاستحبوا العمى عَلَى الهدى } فاختاروا الضلالة على الهدى . { فَأَخَذَتْهُمْ صاعقة العذاب الهون } صاعقة من السماء فأهلكتهم ، وإضافتها إلى { العذاب } ووصفه ب { الهون } للمبالغة . { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من اختيار الضلالة .\r{ وَنَجَّيْنَا الذين ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ } من تلك الصاعقة .\r{ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ الله إِلَى النار } وقرىء« يَحْشُرُ» على البناء للفاعل وهو الله D . وقرأ نافع« نَحْشُرُ» بالنون مفتوحة وضم الشين ونصب { أَعْدَاء } . { فَهُمْ يُوزَعُونَ } يحبس أولهم على آخرهم لئلا يتفرقوا وهو عبارة عن كثرة أهل النار .\r{ حتى إِذَا مَا جَاؤُوهَا } إذا حضروها و { مَا } مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور . { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بأن ينطقها الله تعالى ، أو يظهر عليها آثاراً تدل على ما اقترف بها فتنطق بلسان الحال .\r{ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } سؤال توبيخ أو تعجب ، ولعل المراد به نفس التعجب . { قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذى أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ } أي ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء ، أو ليس نطقنا بعجب من قدرة الله الذي أنطق كل حي ، ولو أول الجواب والنطق بدلالة الحال بقي الشيء عاماً في الموجودات الممكنة . { وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } يحتمل أن يكون تمام كلام الجلود وأن يكون استئنافاً .\r{ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ سَمْعُكُمْ وَلاَ أبصاركم وَلاَ جُلُودُكُمْ } أي كنتم تستترون عن الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة ، وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم بها فما استترتم عنها . وفيه تنبيه على أن المؤمن ينبغي أن يتحقق أنه لا يمر عليه حال إلا وهو عليه رقيب . { ولكن ظَنَنتُمْ أَنَّ الله لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مّمَّا تَعْمَلُونَ } فلذلك اجترأتم على ما فعلتم .","part":5,"page":140},{"id":2141,"text":"{ وَذَلِكُمْ } إشارة إلى ظنهم هذا ، وهو مبتدأ وقوله : { ظَنُّكُمْ الذى ظَنَنتُمْ بِرَبّكُمْ أَرْدَاكُمْ } خبران له ويجوز أن يكون { ظَنُّكُمُ } بدلاً و { أَرْدَاكُمْ } خبراً . { فَأَصْبَحْتُمْ مّنَ الخاسرين } إذ صار ما منحوا للاستسعاد به في الدارين سبباً لشقاء المنزلين .\r{ فَإِن يَصْبِرُواْ فالنار مَثْوًى لَّهُمْ } لا خلاص لهم عنها . { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ } يسألوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون . { فَمَا هُم مّنَ المعتبين } المجابين إليها ونظيره قوله تعالى حكاية { أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } وقرىء { وَإِن يَسْتَعْتِبُواْ فَمَا هُم مّنَ المعتبين } ، أي إن يسألوا أن يرضوا ربهم فما هم فاعلون لفوات المكنة .\r{ وَقَيَّضْنَا } وقدرنا . { لَهُمْ } للكفرة . { قُرَنَاءَ } أخدانا من الشياطين يستولون عليهم استيلاء القبض على البيض وهو القشر . وقيل أصل القيض البدل ومنه المقايضة لمعاوضة . { فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ } من أمر الدنيا واتباع الشهوات . { وَمَا خَلْفَهُمْ } مِنْ أمر الآخرة وإنكاره . { وَحَقَّ عَلَيْهِمُ القول } أي كلمة العذاب . { فِى أُمَمٍ } في جملة أمم كقول الشاعر :\rإِنْ تَكُ عَنْ أَحْسَنِ الصَّنِيعَةِ مَأ ... فُوكاً فِفِي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا\rوهو حال من الضمير المجرور . { وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس } وقد عملوا مثل أعمالهم . { إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } تعليل لاستحقاقهم العذاب ، والضمير { لَهُمْ } ولل { أُمَمٌ } .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرءان والغوا فِيهِ } وعارضوه بالخرافات أو ارفعوا أصواتكم بها لتشوشوه على القارىء ، وقرىء بضم الغين والمعنى واحد يقال لغى يلغي ولغا يلغو إذا هذى . { لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } أي تغلبونه على قراءته .\r{ فَلَنُذِيقَنَّ الذين كَفَرُواْ عَذَاباً شَدِيداً } المراد بهم هؤلاء القائلون ، أو عامة الكفار . { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } سيئات أعمالهم وقد سبق مثله .\r{ ذلك } : إشارة إلى الأسوأ . { جَزَاءُ أَعْدَاءِ الله } خبره . { النار } عطف بيان لل { جَزَاء } أو خبر محذوف . { لَّهُمْ فِيهَا } في النار . { دَارُ الخُلْدِ } فإنها دار إقامتهم ، وهو كقولك : في هذه الدار دار سرور ، وتعني بالدار عينها على أن المقصود هو الصفة . { جَزَاءً بِمَا كَانُوا بئاياتنا يَجْحَدُونَ } ينكرون الحق أو يلغون ، وذكر الجحود الذي هو سبب اللغو .\r{ وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا اللذين أضلانا مِنَ الجن والإنس } يعني شيطاني النوعين الحاملين على الضلالة والعصيان . وقيل هما إبليس وقابيل فإنهما سنا الكفر والقتل ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب وأبو بكر والسوسي { أَرِنَا } بالتخفيف كفخذ في فخذ ، وقرأ الدوري باختلاس كسرة الراء . { نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } ندوسهما انتقاماً منهما ، وقيل نجعلهما في الدرك الأسفل . { لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين } مكاناً أو ذلاً .\r{ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله } اعترافاً بربوبيته وإقراراً بوحدانيته .","part":5,"page":141},{"id":2142,"text":"{ ثُمَّ استقاموا } في العمل و { ثُمَّ } لتراخيه عن الإِقرار في الرتبة من حيث أنه مبدأ الاستقامة ، أو لأنها عسر قلما تتبع الإِقرار ، وما روي عن الخلفاء الراشدين في معنى الاستقامة من الثبات على الإِيمان وإخلاص العمل وأداء الفرائض فجزئياتها . { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة } فيما يعن لهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن ، أو عند الموت أو الخروج من القبر . { أَلاَّ تَخَافُواْ } ما تقدمون عليه . { وَلاَ تَحْزَنُواْ } على ما خلفتم وأن مصدرية أو مخففة مقدرة بالباء أو مفسرة . { وَأَبْشِرُواْ بالجنة التى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } في الدنيا على لسان الرسل .\r{ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا } نلهمكم الحق ونحملكم على الخير بدل ما كانت الشياطين تفعل بالكفرة . { وَفِي الأخرة } بالشفاعة والكرامة حيثما يتعادى الكفرة وقرناؤهم . { وَلَكُمْ فِيهَا } في الآخرة { مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ } من اللذائذ { وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ } ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب وهو أعم من الأول .\r{ نُزُلاً مّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ } حال من ما تدعون للإشعار بأن ما يتمنون بالنسبة إلى ما يعطون مما لا يخطر ببالهم كالنزل للضيف .\r{ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى الله } إلى عبادته . { وَعَمِلَ صالحا } فيما بينه وبين ربه . { وَقَالَ إِنَّنِى مِنَ المسلمين } تفاخراً به واتخاذاً للإسلام ديناً ومذهباً من قولهم : هذا قول فلان لمذهبه . والآية عامة لمن استجمع تلك الصفات . وقيل نزلت في النبي A وقيل في المؤذنين .\r{ وَلاَ تَسْتَوِى الحسنة وَلاَ السيئة } في الجزاء وحسن العاقبة و { لا } الثانية مزيدة لتأكيد النفي . { ادفع بالتى هِىَ أَحْسَنُ } ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقاً ، أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات ، وإنما أخرجه مخرج الاستئناف على أنه جواب من قال؛ كيف أصنع؟ للمبالغة ولذلك وضع { أَحْسَنُ } موضع الحسنة . { فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ } أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق .\r{ وَمَا يُلَقَّاهَا } وما يلقى هذه السجية وهي مقابلته الإِساءة بالإحسان . { إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } فَإِنها تحبس النفس عن الانتقام . { وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ } من الخير وكمال النفس وقيل الحظ الجنة .","part":5,"page":142},{"id":2143,"text":"{ وَإِمَّا يَنَزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان } نخس شبه به وسوسته لأنها تبعث الإِنسان على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ ، وجعل النزغ نازغاً على طريقة جديدة ، أو أريد به نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر . { فاستعذ بالله } من شره ولا تطعه . { إِنَّهُ هُوَ السميع } لاستعاذتك . { العليم } بنيتك أو بصلاحك .\r{ وَمِنْ ءاياته اليل والنهار والشمس والقمر لاَ تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ } لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم . { واسجدوا لِلَّهِ الذى خَلَقَهُنَّ } الضمير للأربعة المذكورة ، والمقصود تعليق الفعل بهما إشعاراً بأنهما من عداد ما لا يعلم ولا يختار . { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } فإن السجود أخص العبادات وهو موضع السجود عندنا لاقتران الأمر به ، وعند أبي حنيفة آخر الآية الأخرى لأنه تمام المعنى .\r{ فَإِنِ استكبروا } عن الامتثال . { فالذين عِندَ رَبّكَ } من الملائكة . { يُسَبّحُونَ لَهُ بالليل والنهار } أي دائماً لقوله : { وَهُمْ لاَ يَسْئَمُونَ } أي لا يملون .\r{ وَمِنْ ءاياته أَنَّكَ تَرَى الأرض خاشعة } يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل . { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ } تزخرفت وانتفخت بالنبات ، وقرىء «ربأت» أي زادت . { إِنَّ الذى أحياها } بعد موتها . { لَمُحْىِ الموتى إِنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } من الإِحياء والإِماتة .\r{ إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ } يميلون عن الاستقامة . { فِي ءَايَاتِنَا } بالطعن والتحريف والتأويل الباطل والإِلغاء فيها . { لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا } فنجازيهم على إلحادهم . { أَفَمَن يُلْقَى فِى النَّارِ خَيْرٌ أَم مَن يَأَتِي آمِناً يَوْمَ القِيَامَةِ } قابل الإِلقاء في النار بالإِتيان آمناً مبالغة في إحماد حال المؤمنين . { اعملوا مَا شِئْتُمْ } تهديد شديد . { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وعيد بالمجازاة .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ بالذكر لَمَّا جَاءَهُمْ } بدل من قوله : { إِنَّ الذين يُلْحِدُونَ فِى ءاياتنا } أو مستأنف وخبر { إِن } محذوف مثل معاندون أو هالكون ، أو { أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ } و «الذكر» القرآن . { وَإِنَّهُ لكتاب عَزِيزٌ } كثير النفع عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله وتحريفه .\r{ لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ } لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات أو مما فيه من الأخبار الماضية والأمور الآتية . { تَنزِيلٌ مّنْ حَكِيمٍ } أي حكيم . { حَمِيدٍ } يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه .\r{ مَّا يُقَالُ لَكَ } أي ما يقول لك كفار قومك . { إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } إلا مثل ما قال لهم كفار قومهم ، ويجوز أن يكون المعنى ما يقول الله لك إلا مثل ما قال لهم . { إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةَ } لأنبيائه . { وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ } لأعدائهم ، وهو على الثاني يحتمل أن يكون المقول بمعنى أن حاصل ما أوحي إليك وإليهم ، وعد المؤمنين بالمغفرة والكافرين بالعقوبة .","part":5,"page":143},{"id":2144,"text":"{ وَلَوْ جعلناه قُرْءاناً أعْجَمِيّاً } جواب لقولهم : هلا أنزل القرآن بلغة العجم والضمير «للذكر» . { لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصّلَتْ ءاياته } بينت بلسان نفقهه . { ءأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ } أكلام أعجمي ومخاطب عربي إنكار مقرر للتخصيص ، والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه . وهذا قراءة أبي بكر وحمزة والكسائي ، وقرأ قالون وأبو عمرو بالمد والتسهيل وورش بالمد وإبدال الثانية ألفاً ، وابن كثير وابن ذكوان وحفص بغير المد بتسهيل الثانية وقرىء «أعجمي» وهو منسوب إلى العجم ، وقرأ هشام «أعجمي» على الإِخبار ، وعلى هذا يجوز أن يكون المراد هلا فصلت آياته فجعل بعضها أعجمياً لإِفهام العجم وبعضها عربياً لإِفهام العرب ، والمقصود إبطال مقترحهم باستلزامه المحذور ، أو للدلالة على أنهم لا ينفكون عن التعنت في الآيات كيف جاءت . { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى } إلى الحق . { وَشِفَاءٌ } لما في الصدور في الشك والشبه { والذين لاَ يُؤْمِنُونَ } مبتدأ خبره . { فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ } على تقدير هو في { آذَانِهِمْ وَقْرٌ } لقوله : { وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى } وذلك لتصامهم عن سماعه وتعاميهم عما يريهم من الآيات ، ومن جوز العطف على عاملين مختلفين عطف ذلك على { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدًى } . { أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } أي صم ، وهو تمثيل لهم في عدم قبولهم الحق واستماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة .\r{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ } بالتصديق والتكذيب كما اختلف في القرآن . { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهي العدة بالقيامة وفصل الخصومة حينئذ ، أو تقدير الآجال . { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } باستئصال المكذبين . { وَإِنَّهُمْ } وإن اليهود أو { الذين لاَ يُؤْمِنُونَ } . { لَفِى شَكّ مّنْهُ } من التوراة أو القرآن . { مُرِيبٌ } موجب للاضطراب .","part":5,"page":144},{"id":2145,"text":"{ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ } نفعه . { وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } ضره . { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله .\r{ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعة } أي إذا سئل عنها إذ لا يعلمها إلا هو . { وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَةٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا } من أوعيتها جمع كم بالكسر . وقرأ نافع وابن عامر وحفص «مِن ثمرات» بالجمع لاختلاف الأنواع ، وقرىء بجمع الضمير أيضاً و { مَا } نافية و { مِنْ } الأولى مزيدة للاستغراق ، ويحتمل أن تكون موصولة معطوفة على { الساعة } و { مِنْ } مبينة بخلاف قوله : { وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أنثى وَلاَ تَضَعُ } بِمكان . { إِلاَّ بِعِلْمِهِ } إلا مقروناً بعلمه واقعاً حسب تعلقه به . { وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِى } بزعمكم . { قَالُواْ ءَاذَنَّاكَ } أعلمناك . { مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ } من أحد يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا عنهم لما عاينا الحال فيكون السؤال عنهم للتوبيخ ، أو من أحد يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا . وقيل هو قول الشركاء أي ما منا من يشهد لهم بأنهم كانوا محقين .\r{ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَدْعُونَ } يعبدون . { مِن قَبْلُ } لا ينفعهم أو لا يرونه . { وَظَنُّواْ } وأيقنوا . { مَا لَهُمْ مّن مَّحِيصٍ } مهرب والظن معلق عنه بحرف النفي .\r{ لاَّ يَسْئَمُ الإنسان } لا يمل . { مِن دُعَاءِ الخير } من طلب السعة في النعمة ، وقرىء «من دعاء بالخير» . { وَإِن مَّسَّهُ الشر } الضيقة . { فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ } من فضل الله ورحمته وهذا صفة الكافر لقوله : { إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } وقد بولغ في يأسه من جهة البنية والتكرير وما في القنوط من ظهور أثر اليأس .\r{ وَلَئِنْ أذقناه رَحْمَةً مّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ } بتفريجها عنه . { لَيَقُولَنَّ هذا لِى } حقي أستحقه لمالي من الفضل والعمل ، أولي دائماً لا يزول . { وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } تقوم . { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } أي ولئن قامت على التوهم كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة ، وذلك لاعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلاستحقاق لا ينفك عنه . { فَلَنُنَبّئَنَّ الذين كَفَرُواْ } فلنخبرنهم . { بِمَا عَمِلُواْ } بحقيقة أعمالهم ولنبصرنهم عكس ما اعتقدوا فيها . { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } لا يمكنهم التقصي عنه .\r{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان أَعْرَضَ } عن الشكر . { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } وانحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبراً ، والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله : { فِى جَنبِ الله } { وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ } كثير مستعار مما له عرض متسع للاشعار بكثرته واستمراره ، وهو أبلغ من الطويل إذ الطول أطول الامتدادين ، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله؟\r{ قُلْ أَرَءَيْتُمْ } أخبروني .","part":5,"page":145},{"id":2146,"text":"{ إِن كَانَ } أي القرآن . { مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ } من غير نظر واتباع دليل . { مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ } أي من أضل منكم ، فوضع الموصول موضع الضمير شرحاً لحالهم وتعليلاً لمزيد ضلالهم .\r{ سَنُرِيهِمْ ءاياتنا فِى الأفاق } يعني ما أخبرهم النبي E به من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية ، وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة . { وَفِى أَنفُسِهِمْ } ما ظهر فيما بين أهل مكة وما حل بهم ، أو ما في بدن الإنسان من عجائب الصنع الدالة على كمال القدرة . { حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق } الضمير للقرآن أو الرسول أو التوحيد أو الله { أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبّكَ } أي أو لم يَكف ربك ، والفاء مزيدة للتأكيد كأنه قيل : أو لم تحصل الكفاية به ولا تكاد تزاد في الفاعل إلا مع كفى . { أَنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } بدل منه ، والمعنى أو لم يكفك أنه تعالى على كل شيء شهيد محقق له فيحقق أمرك بإظهار الآيات الموعودة كما حقق سائر الأشياء الموعودة ، أو مطلع فيعلم حالك وحالهم ، أو لم يكف الإنسان رادعاً عن المعاصي أنه تعالى مطلع على كل شيء لا يخفى عليه خافية .\r{ أَلاَ إِنَّهُمْ فِى مِرْيَةٍ } شك ، وقرىء بالضم وهو لغة كخفية وخفية . { مّن لّقَاء رَبّهِمْ } بالبعث والجزاء . { أَلاَ إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ مُّحِيطُ } عالم بجمل الأشياء وتفاصيلها ، مقتدر عليها لا يفوته شيء منها .\rعن النبي A : « من قرأ سورة السجدة أعطاه الله بكل حرف عشر حسنات » .","part":5,"page":146},{"id":2147,"text":"مكية وهي ثلاث وخمسون آية وتسمى سورة «الشورى»\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حَمَ } . { عَسَقَ } لعله اسمان للسورة ولذلك فصل بينهما وعدا آيتين ، وإن كانا اسماً واحداً فالفصل ليطابق سائر الحواميم ، وقرىء «حم سق» .\r{ كَذَلِكَ يُوحِى إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم } أي مثل ما في هذه السورة من المعاني ، أو إيحاء مثل إيحائها أوحى الله إليك وإلى الرسل من قبلك ، وإنما ذكر بلفظ المضارع على حكاية الحال الماضية للدلالة على استمرار الوحي وأن إيحاء مثله عادته ، وقرأ ابن كثير « يُوحَى» بالفتح على أن كذلك مبتدأ و «يُوحَى» خبره المسند إلى ضميره ، أو مصدر و «يُوحَى» مسند إلى إليك ، و { الله } مرتفع بما دل عليه « يُوحَى» ، و { العزيز الحكيم } صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به كما مر في السورة السابقة ، أو بالابتداء كما في قراءة «نوحي» بالنون و { العزيز } وما بعده أخبار أو { العزيز الحكيم } صفتان . وقوله :\r{ لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العلى العظيم } خبران له وعلى الوجوه الأخر استئناف مقرر لعزته وحكمته .\r{ تَكَادُ السموات } وقرأ نافع والكسائي بالياء . { يَتَفَطَّرْنَ } يتشققن من عظمة الله ، وقيل من ادعاء الولد له . وقرأ البصريان وأبو بكر «ينفطرن» بالنون والأول أبلغ لأنه مطاوع فطر وهذا مطاوع فطر ، وقرىء «تتفطرن» بالتاء لتأكيد التأنيث وهو نادر . { مِن فَوْقِهِنَّ } أي يبتدىء الانفطار من جهتهن الفوقانية ، وتخصيصها على الأول لأن أعظم الآيات وأدلها على علو شأنه من تلك الجهة ، وعلى الثاني ليدل على الانفطار من تحتهن بالطريق الأولى . وقيل الضمير للأرض فإن المراد بها الجنس . { والملائكة يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِى الأرض } بالسعي فيما يستدعي مغفرتهم من الشفاعة والإِلهام وإعداد الأسباب المقربة إلى الطاعة ، وذلك في الجملة يعم المؤمن والكافر بل لو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع عم الحيوان بل الجماد ، وحيث خص بالمؤمنين فالمراد به الشفاعة . { أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم } إذ ما من مخلوق إلا وهو ذو حظ من رحمته ، والآية على الأول زيادة تقرير لعظمته وعلى الثاني دلالة على تقدسه عما نسب إليه ، وإن عدم معاجلتهم بالعقاب على تلك الكلمة الشنعاء باستغفار الملائكة وفرط غفران الله ورحمته .\r{ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } شركاء وأنداداً . { الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ } رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها . { وَمَا أَنتَ } يا محمد . { عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } بموكل بهم أو بموكول إليك أمرهم .\r{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءاناً عَرَبِيّاً } الإِشارة إلى مصدر { يُوحِى } أو إلى معنى الآية المتقدمة ، فإنه مكرر في القرآن في مواضع جمة فتكون الكاف مفعولاً به و { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } حال منه .","part":5,"page":147},{"id":2148,"text":"{ لّتُنذِرَ أُمَّ القرى } أهل أم القرى وهي مكة شرفها الله تعالى . { وَمَنْ حَوْلَهَا } من العرب . { وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع } يوم القيامة يجمع فيه الخلائق أو الأرواح أو الأشباح ، أو العمال والأعمال وحذف ثاني مفعول الأول وأول مفعولي الثاني للتهويل وإيهام التعميم ، وقرىء «لينذر» بالياء والفعل «للقرآن» . { لاَ رَيْبَ فِيهِ } اعتراض لا محل له من الإعراب . { فَرِيقٌ فِى الجنة وَفَرِيقٌ فِى السعير } أي بعد جمعهم في الموقف يجمعون أولاً ثم يفرقون ، والتقدير منهم فريق والضمير للمجموعين لدلالة الجمع عليه ، وقرئا منصوبين على الحال منهم أي وتنذر يوم جمعهم متفرقين بمعنى مشارفين للتفرق ، أو متفرقين في داري الثواب والعقاب .\r{ وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحدة } مهتدين أو ضالين . { ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِى رَحْمَتِهِ } بالهداية والحمل على الطاعة . { والظالمون مَا لَهُمْ مّن وَلِىّ وَلاَ نَصِيرٍ } أي يدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه ، ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد إذ الكلام في الإِنذار .\r{ أَمِ اتخذوا } بل اتخذوا . { مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } كالأصنام . { فالله هُوَ الولى } جواب لشرط محذوف مثل إن أرادوا أولياء بحق فالله هو الولي بالحق . { وَهُوَ يُحْيِى الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } كالتقرير لكونه حقيقاً بالولاية .\r{ وَمَا اختلفتم } أنتم والكفار . { فِيهِ مِن شَىْءٍ } من أمر من أمور الدنيا أو الدين . { فَحُكْمُهُ إِلَى الله } مفوض إليه يميز المحق من المبطل بالنصر أو بالإثابة والمعاقبة . وقيل { وَمَا اختلفتم فِيهِ } من تأويل متشابه فارجعوا فيه إلى المحكم من كتاب الله . { ذَلِكُمُ الله رَبّى عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في مجامع الأمور . { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } إليه أرجع في المعضلات .","part":5,"page":148},{"id":2149,"text":"{ فَاطِرُ السموات والأرض } خبر آخر ل { ذلكم } أو مبتدأ خبره . { جَعَلَ لَكُمُ } وقرىء بالجر على البدل من الضمير أو الوصف لإلى الله . { مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم . { أزواجا } نساء . { وَمِنَ الأنعام أزواجا } أي وخلق للأنعام من جنسها أزواجاً ، أو خلق لكم منَّ الأنعام أصنافاً أو ذكوراً وأناثاً . { يَذْرَؤُكُمْ } يكثركم من الذرء وهو البث وفي معناه الذر والذرو والضمير على الأول للناس ، و { الأنعام } على تغليب المخاطبين العقلاء . { فِيهِ } في هذا التدبير وهو جعل الناس والأنعام أزواجاً يكون بينهم توالد ، فإنه كالمنبع للبث والتكثير . { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ } أي ليس مثله شيء يزاوجه ويناسبه ، والمراد من مثله ذاته كما في قولهم : مثلك لا يفعل كذا ، على قصد المبالغة في نفيه عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى ، ونظيره قول رقيقة بنت صيفي في سقيا عبد المطلب : أَلاَ وَفِيهِمْ الطَّيِّبُ الطَاهِرُ لِذَاتِهِ . ومن قال الكاف فيه زائدة لعله عنى أنه يعطى معنى { لَّيْسَ مّثْلِهِ } غير أنه آكد لما ذكرناه . وقيل «مثله» صفته أي ليس كصفته صفة . { وَهُوَ السميع البصير } لكل ما يسمع ويبصر .\r{ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } خزائنها . { يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ } يوسع ويضيق على وقف مشيئته . { إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } فيفعله على ما ينبغي .\r{ شَرَعَ لَكُم مّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى } أي شرع لكم من الدين دين نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ومن بينهما من أرباب الشرائع ، وهو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله : { أَنْ أَقِيمُواْ الدين } وهو الإِيمان بما يجب تصديقه والطاعة في أحكام الله ومحله النصب على البدل من مفعول { شَرَعَ } ، أو الرفع على الاستئناف كأنه جواب وما ذلك المشروع أو الجر على البدل من هاء به . { وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ } ولا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع مختلفة كما قال : { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً ومنهاجا } { كَبُرَ عَلَى المشركين } عظم عليهم . { مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } من التوحيد . { الله يَجْتَبِى إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ } يجتلب إليه والضمير لما تدعوهم أو للدين . { وَيَهْدِى إِلَيْهِ } بالإِشارة والتوفيق . { مَن يُنِيبُ } يقبل إليه .\r{ وَمَا تَفَرَّقُواْ } يعني الأمم السالفة . وقيل أهل الكتاب لقوله : { وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ العلم } العلم بأن التفرق ضلال متوعد عليه ، أو العلم بمبعث الرسل عليهم الصلاة والسلام ، أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما فلم يلتفتوا إليها . { بَغْياً بَيْنَهُمْ } عداوة أو طلباً للدنيا . { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَّبّكَ } بالإِمهال .","part":5,"page":149},{"id":2150,"text":"{ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو يوم القيامة أو آخر أعمارهم المقدرة . { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } باستئصال المبطلين حين اقترفوا لعظم ما اقترفوا . { وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ } يعني أهل الكتاب الذين كانوا في عهد الرسول A ، أو المشركين الذين أورثوا القرآن من بعد أهل الكتاب . وقرىء «ورثوا» و «ورثوا» . { لَفِى شَكٍّ مّنْهُ } من كتابهم لا يعلمونه كما هو أو لا يؤمنون به حق الإيمان ، أو من القرآن . { مُرِيبٍ } مقلق أو مدخل في الريبة .\r{ فَلِذَلِكَ } فلأجل ذلك التفرق أو الكتاب ، أو العلم الذي أوتيته . { فادع } إلى الاتفاق على الملة الحنيفية أو الاتباع لما أوتيت ، وعلى هذا يجوز أن تكون اللام في موضع إلى لإِفادة الصلة والتعليل . { واستقم كَمَا أُمِرْتَ } واستقم على الدعوة كما أمرك الله تعالى . { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ } الباطلة . { وَقُلْ ءَامَنتُ بِمَا أَنزَلَ الله مِن كتاب } يعني جميع الكتب المنزلة لا كالكفار الذين آمنوا ببعض وكفروا ببعض . { وَأُمِرْتُ لأَِعْدِلَ بَيْنَكُمُ } في تبليغ الشرائع والحكومات ، والأول إشارة إلى كمال القوة النظرية وهذا إشارة إلى كمال القوة العملية . { الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } خالق الكل ومتولي أمره . { لَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } وكل مجازى بعمله . { لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ } لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال ولا للخلاف مبدأ سوى العناد . { الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا } يوم القيامة . { وَإِلَيْهِ المصير } مرجع الكل لفصل القضاء ، وليس في الآية ما يدل على متاركة الكفار رأساً حتى تكون منسوخة بآية القتال .\r{ والذين يُحَآجُّونَ فِى الله } في دينه . { مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ } من بعد ما استجاب له الناس ودخلوا فيه ، أو من بعد ما استجاب الله لرسوله فأظهر دينه بنصره يوم بدر ، أو من بعد ما استجاب له أهل الكتاب بأن أقروا بنبوته واستفتحوا به . { حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِمْ } زائلة باطلة . { وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } لمعاندتهم . { وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } على كفرهم .\r{ الله الذى أَنزَلَ الكتاب } جنس الكتاب . { بالحق } ملتبساً بعيداً من الباطل ، أو بما يحق إنزاله من العقائد والأحكام . { والميزان } والشرع الذي توزن به الحقوق ويسوى بين الناس ، أو العدل بأن أنزل الأمر به أو آلة الوزن بأن أوحى بإعدادها . { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ } إتيانها فاتبع الكتاب واعمل بالشرع وواظب على العدل قبل أن يفاجئك اليوم الذي توزن فيه أعمالك وتوفى جزاءك ، وقيل تذكير القريب لأنه بمعنى ذات قرب ، أو لأن الساعة بمعنى البعث\r{ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا } استهزاء . { والذين ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } خائفون منها مع اغتيابها لتوقع الثواب . { وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق } أي الكائن لا محالة .","part":5,"page":150},{"id":2151,"text":"{ أَلآَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فِى الساعة } يجادلون فيها من المرية ، أو من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لأن كلاً من المتجادلين يستخرج ما عند صاحبه بكلام فيه شدة . { لَفِى ضلال بَعِيدٍ } عن الحق فإن البعث أشبه الغائبات إلى المحسوسات ، فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه .\r{ الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ } بر بهم بصنوف من البر لا تبلغها الأفهام . { يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ } أي يرزقه كما يشاء فيخص كلاً من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته . { وَهُوَ القوى } الباهر القدرة . { العزيز } المنيع الذي لا يغلب .","part":5,"page":151},{"id":2152,"text":"{ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة } ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل ولذلك قيل : الدنيا مزرعة الآخرة ، والحرث في الأصل إلقاء البذر في الأرض ويقال للزرع الحاصل منه . { نَزِدْ لَهُ فِى حَرْثِهِ } فنعطه بالواحد عشراً إلى سبعمائة فما فوقها . { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } شيئاً منها على ما قسمنا له . { وَمَا لَهُ فِى الأخرة مِن نَّصِيبٍ } إذ الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى .\r{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ } بل ألهم شركاء ، والهمزة للتقرير والتقريع وشركاؤهم شياطينهم . { شَرَعُواْ لَهُمْ } بالتزيين . { مّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله } كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا . وقيل شركاؤهم أوثانهم وإضافتها إليهم لأنهم متخذوها شركاء ، وإسناد الشرع إليها لأنها سبب ضلالتهم وافتتانهم بما تدينوا به ، أو صور من سنة لهم . { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل } أي القضاء السابق بتأجيل الجزاء ، أو العدة بأن الفصل يكون يوم القيامة . { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } بين الكافرين والمؤمنين ، أو المشركين وشركائهم . { وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقرىء «أن» بالفتح عطفاً على كلمة { الفصل } أي { وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل } وتقدير عذاب الظالمين في الآخرة لقضي بينهم في الدنيا ، فإن العذاب الأليم غالب في عذاب الآخرة .\r{ تَرَى الظالمين } في القيامة . { مُشْفِقِينَ } خائفين . { مِمَّا كَسَبُواْ } من السيئات . { وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ } أي وباله لاحق بهم أشفقوا أو لم يشفقوا . { والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِى روضات الجنات } في أطيب بقاعها وأنزهها . { لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم . { ذلك } إشارة إلى المؤمنين . { هُوَ الفضل الكبير } الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا .\r{ ذَلِكَ الذى يُبَشّرُ الله عِبَادَهُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد ، أو ذلك التبشير الذي يبشره الله عباده . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي « يُبَشّرُ» من بشره وقرىء «يُبَشّرُ» من أبشره . { قُل لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } على ما أتعاطاه من التبليغ والبشارة . { أَجْراً } نفعاً منكم . { إِلاَّ المودة فِى القربى } أي تودوني لقرابتي منكم ، أو تودوا قرابتي ، وقيل الاستثناء منقطع والمعنى : لا أسألكم أجراً قط ولكني أسألكم المودة ، و { فِى القربى } حال منها أي { إِلاَّ المودة } ثابتة في ذوي { القربى } متمكنة في أهلها ، أو في حق القرابة ومن أجلها كما جاء في الحديث \" الحب في الله والبغض في الله \" روي : أنها لما نزلت قيل يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم علينا قال :","part":5,"page":152},{"id":2153,"text":"\" علي وفاطمة وابناهما \" وقيل { القربى } التقرب إلى الله أي إلا أن تودوا الله ورسوله في تقربكم إليه بالطاعة والعمل الصالح ، وقرىء «إلا مودة في القربى» . { وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً } ومن يكتسب طاعة سيما حب آل رسول الله A ، وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ومودته لهم . { نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً } في الحسنة بمضاعفة الثواب ، وقرىء «يزد» أي يزد الله وحسنى . { إِنَّ الله غَفُورٌ } لمن أذنب . { شَكُورُ } لمن أطاع بتوفية الثواب والتفضل عليه بالزيادة .\r{ أَمْ يَقُولُونَ } بل أيقولون . { افترى عَلَى الله كَذِبًا } افترى محمد بدعوى النبوة أو القرآن . { فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ } استبعاد للافتراء عن مثله بالإِشعار على أنه إنما يجترىء عليه من كان مختوماً على قلبه جاهلاً بربه ، فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا ، وكأنه قال : إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجترىء بالافتراء عليه . وقيل يختم على قلبك يمسك القرآن أو الوحي عنه ، أو يربط عليه بالصبر فلا يشق عليك أذاهم . { وَيَمْحُ الله الباطل وَيُحِقُّ الحق بكلماته إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } استئناف لنفي الافتراء عما يقوله بأنه لو كان مفترى لمحقه إذ من عادته تعالى محو الباطل وإثبات الحق بوحيه أو بقضائه أو بوعده ، بمحو باطلهم وإثبات حقه بالقرآن ، أو بقضائه الذي لا مرد له ، وسقوط الواو من { يمح } في بعض المصاحف لاتباع اللفظ كما في قوله تعالى : { وَيَدْعُ الإنسان بالشر } { وَهُوَ الذى يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ } بالتجاوز عما تابوا عنه ، والقبول يعدى إلى مفعول ثان بمن وعن لتضمنه معنى الأخذ والإِبانة ، وقد عرفت حقيقة التوبة . وعن علي رضي الله تعالى عنه : هي اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب الندامة ، ولتضييع الفرائض الإِعادة ، ورد المظالم وإذابة النفس في الطاعة كما ربيتها في المعصية وإذاقتها مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية ، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته . { وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات } صغيرها وكبيرها لمن يشاء . { وَيَعْلَمُ مَا يَفْعَلُونَ } فيجازي ويتجاوز عن إتقان وحكمة ، وقرأ الكوفيون غير أبي بكر «ما تفعلون» بالتاء .\r{ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } أي يستجيب الله لهم فحذف اللام كما حذف في { وَإِذَا كَالُوهُمْ } والمراد إجابة الدعاء أو الإِثابة على الطاعة ، فإنها كدعاء وطلب لما يترتب عليها . ومنه قوله E \" أفضل الدعاء الحمد لله \" أو يستجيبون لله بالطاعة إذا دعاهم إليها . { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } على ما سألوا واستحقوا واستوجبوا له بالاستجابة . { والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل .\r{ وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِى الأرض } لتكبروا وأفسدوا فيها بطراً ، أو لبغى بعضهم على بعض استيلاء واستعلاء وهذا على الغالب ، وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية .","part":5,"page":153},{"id":2154,"text":"{ ولكن يُنَزّلُ بِقَدَرٍ } بتقدير . { مَا يَشَاء } كما اقتضته مشيئته . { إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرُ بَصِيرٌ } يعلم خفايا أمرهم وجلايا حالهم فيقدر لهم ما يناسب شأنهم . روي أن أهل الصفة تمنوا الغنى فنزلت . وقيل في العرب كانوا إذا أخصبوا تحاربوا وإذا أجدبوا انتجعوا .\r{ وَهُوَ الذى يُنَزّلُ الغيث } المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم «يُنَزّلُ» بالتشديد . { مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ } أيسوا منه ، وقرىء بكسر النون . { وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ } في كل شيء من السهل والجبل والنبات والحيوان . { وَهُوَ الولى } الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته . { الحميد } المستحق للحمد على ذلك .\r{ وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض } فإنها بذاتها وصفاتها تدل على وجود صانع قادر حكيم . { وَمَا بَثَّ فِيهِمَا } عطف على { السموات } أو ال { خلقُ } . { مِن دَابَّةٍ } من حي على إطلاق اسم المسبب على السبب ، أو مما يدب على الأرض وما يكون في أحد الشيئين يصدق أن فيها في الجملة . { وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ } أي في أي وقت يشاء . { قَدِيرٌ } متمكن منه و { إِذَا } كما تدخل على الماضي تدخل على المضارع .\r{ وَمَا أصابكم مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } فبسبب معاصيكم ، والفاء لأن { مَا } شرطية أو متضمنة معناه ، ولم يذكرها نافع وابن عامر استغناء بما في الباء من معنى السببية . { وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } من الذنوب فلا يعاقب عليها . والآية مخصوصة بالمجرمين ، فإن ما أصاب غيرهم فلأسباب أخر منها تعريضه للأجر العظيم بالصبر عليه .","part":5,"page":154},{"id":2155,"text":"{ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِى الأرض } فائتين ما قضى عليكم من المصائب . { وَمَا لَكُم مّن دُونِ الله مِن وَلِيّ } يحرصكم عنها . { وَلاَ نَصِيرٍ } يدفعها عنكم .\r{ وَمِنْ ءاياته الجوار } السفن الجارية . { فِى البحر كالأعلام } كالجبال . قالت الخنساء :\rوَإِنَّ صَخْراً لَتَأْتَمُّ الهُدَاةُ بِه ... كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارٌ\r{ إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح } وقرىء «الرياح» . { فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ } فيبقين ثوابت على ظهر البحر . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في آلائه ، أو لكل مؤمن كامل الإِيمان فإن الإِيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر .\r{ أَوْ يُوبِقْهُنَّ } أو يهلكهن بإرسال الريح العاصفة المغرقة ، والمراد إهلاك أهلها لقوله تعالى : { بِمَا كَسَبُواْ } وأصله أو يرسلها فيوبقهن لأنه قسيم يسكن فاقتصر فيه على المقصود كما في قوله تعالى : { وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ } إذ المعنى أو يرسلها فيوبق ناساً بذنوبهم وينج ناساً على العفو منهم ، وقرىء «ويعفو» على الاستئناف .\r{ وَيَعْلَمَ الذين يجادلون فِى ءاياتنا } عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم { وَيَعْلَمَ } ، أو على الجزاء ونصب نصب الواقع جواباً للأشياء الستة لأنه أيضاً غير واجب ، وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على الاسئتناف ، وقرىء بالجزم عطفاً على { يعف } فيكون المعنى ويجمع بين إهلاك قوم وإنجاء قوم وتحذير آخرين . { مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ } محيد من العذاب والجملة معلق عنها الفعل .\r{ فَمَا أُوتِيتُمْ مّن شَىْءٍ فمتاع الحياة الدنيا } تمتعون به مدة حياتكم . { وَمَا عِندَ الله } من ثواب الآخرة . { خَيْرٌ وأبقى لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } لخلوص نفعه ودوامه و { مَا } الأولى موصولة تضمنت معنى الشرط من حيث أن إيتاء ما أوتوا سبب للتمتع بها في الحياة الدنيا فجاءت الفاء في جوابها بخلاف الثانية . وعن علي رضي الله تعالى عنه : تصدق أبو بكر رضي الله تعالى عنه بماله كله فلامه جمع فنزلت .\r{ والذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ } { والذين } بما بعده عطف على { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ } أو مدح منصوب أو مرفوع ، وبناء { يَغْفِرُونَ } على ضميرهم خبراً للدلالة على أنهم الأخصاء بالمغفرة حال الغضب ، وقرأ حمزة والكسائي «كبير الإِثم» .\r{ والذين استجابوا لِرَبّهِمْ } نزلت في الأنصار دعاهم رسول الله A إلى الإِيمان فاستجابوا له . { وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ } ذو شورى بينهم لا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه ، وذلك من فرط تدبرهم وتيقظهم في الأمور ، وهي مصدر كالفتيا بمعنى التشاور . { وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } في سبيل الله الخير .\r{ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ } على ما جعله الله لهم كراهة التذلل ، وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل وهو لا يخالف وصفهم بالغفران ، فإنه ينبىء عن عجز المغفور والانتصار عن مقاومة الخصم ، والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي ، ثم عقب وصفهم بالانتصار للمنع عن التعدي .\r{ وَجَزَاءُ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } وسمى الثانية { سَيّئَةٌ } للازدواج ، أو لأنها تسوء من تنزل به . { فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ } بينه وبين عدوه . { فَأَجْرُهُ عَلَى الله } عدة مبهمة تدل على عظم الموعود . { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين } المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الانتقام .","part":5,"page":155},{"id":2156,"text":"{ وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ } بعد ما ظلم ، وقد قرىء به . { فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مّن سَبِيلٍ } بالمعاتبة والمعاقبة .\r{ إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس } يبتدؤنهم بالإِضرار ويطلبون ما لا يستحقونه تجبراً عليهم . { وَيَبْغُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } على ظلمهم وبغيهم .\r{ وَلَمَن صَبَرَ } على الأذى . { وَغَفَرَ } ولم ينتصر . { إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور } أي إن ذلك منه فحذف كما حذف في قولهم : السمن منوان بدرهم ، للعلم به .\r{ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِىّ مّن بَعْدِهِ } من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله إياه . { وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } حين يرونه فذكر بلفظ الماضي تحقيقاً . { يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدّ مّن سَبِيلٍ } هل إلى رجعة إلى الدنيا .\r{ وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا } على النار ، ويدل عليه { العذاب } . { خاشعين مِنَ الذل } متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل . { يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِىّ } أيبتدىء نظرهم إلى النار مع تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف . { وَقَالَ الذين ءَامَنُواْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } بالتعريض للعذاب المخلد . { يَوْمَ القيامة } ظرف ل { خَسِرُواْ } والقول في الدنيا ، أو لقال أي يقولون إذا رأوهم على تلك الحال . { أَلاَ إِنَّ الظالمين فِى عَذَابٍ مُّقِيمٍ } تمام كلامهم أو تصديق من الله لهم .\r{ وَمَا كَانَ لَهُم مّنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُم مّن دُونِ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ } إلى الهدى أو النجاة .\r{ استجيبوا لِرَبّكُمْ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله } لا يرده الله بعدما حكم به و { مِنْ } صلة ل { مَرَدَّ } . وقيل صلة { يَأْتِىَ } أي من قبل أن يأتي يوم من الله لا يمكن رده . { مَا لَكُمْ مّن مَّلْجَأٍ } مفر . { يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مّن نَّكِيرٍ } إنكار لما اقترفتموه لأنه مدون في صحائف أعمالكم تشهد عليه ألسنتكم وجوارحكم .\r{ فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ حَفِيظاً } رقيباً أو محاسباً . { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ } وقد بلغت . { وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا } أراد بالإِنسان الجنس لقوله : { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ } بليغ الكفران ينسى النعمة رأساً ويذكر البلية ويعظمها ولا يتأمل سببها ، وهذا وإن اختص بالمجرمين جاز إسناده إلى الجنس لغلبتهم واندراجهم فيه . وتصدير الشرطية الأولى ب { إِذَا } والثانية ب { إَنَّ } لأن أذاقة النعمة محققة من حيث أنها عادة مقتضاة بالذات بخلاف إصابة البلية ، وإقامة علة الجزاء مقامه ووضع الظاهر موضع المضمر في الثانية للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة .","part":5,"page":156},{"id":2157,"text":"{ للَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } فله أن يقسم النعمة والبلية كيف يشاء . { يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ } من غير لزوم ومجال اعتراض . { يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إناثا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذكور } .\r{ أَوْ يُزَوّجُهُمْ ذُكْرَاناً وإناثا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً } بدل من { يَخْلُقُ } بدل البعض ، والمعنى يجعل أحوال العباد في الأولاد مختلفة على مقتضى المشيئة فيهب لبعض إما صنفاً واحداً من ذكر أو أنثى أو الصنفين جميعاً ويعقم آخرين ، ولعل تقديم الإِناث لأنها أكثر لتكثير النسل ، أو لأن مساق الآية للدلالة على أن الواقع ما يتعلق به مشيئة الله لا مشيئة الإِنسان والإِناث كذلك ، أو لأن الكلام في البلاء والعرب تعدهن بلاء ، أو لتطييب قلوب آبائهن أو للمحافظة على الفواصل ولذلك عرف الذكور ، أو لجبر التأخير وتغيير العاطف في الثلث لأنه قسيم المشترك بين القسمين ، ولم يحتج إليه الرابع لا فصاحة بأنه قسيم المشترك بين الأقسام المتقدمة . { إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ } فيفعل ما يفعل بحكمة واختيار .\r{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ } وما صح له . { أَن يُكَلّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً } كلاماً خفياً يدرك لأنه بسرعة تمثيل ليس في ذاته مركباً من حروف مقطعة تتوقف على تموجات متعاقبة ، وهو ما يعم المشافه به كما روي في حديث المعراج ، وما وعد به في حديث الرؤية والمهتف به كما اتفق لموسى في طوى والطور ، ولكن عطف قوله : { أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ } عليه يخصه بالأول فالآية دليل على جواز الرؤية لا على امتناعها . وقيل المراد به الإِلهام والإِلقاء في الروع أو الوحي المنزل به الملك إلى الرسل فيكون المراد بقوله : { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ } أو يرسل إليه نبياً فيبلغ وحيه كما أمره ، وعلى الأول المراد بالرسول الملك الموحي إلى الرسل ، ووحياً بما عطف عليه منتصب بالمصدر لأن { مِن وَرَاء حِجَابٍ } صفة كلام محذوف والإِرسال نوع من الكلام ، ويجوز أن يكون وحياً ويرسل مصدرين و { مِن وَرَاء حِجَابٍ } ظرفاً وقعت أحوالاً ، وقرأ نافع { أَوْ يُرْسِلَ } برفع اللام . { إِنَّهُ عَلِىٌّ } عن صفات المخلوقين . { حَكِيمٌ } يفعل ما تقتضيه حكمته فيكلم تارة بوسط ، وتارة بغير وسط إما عياناً وإما من وراء حجاب .\r{ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } يعني ما أوحي إليه ، وسماه روحاً لأن القلوب تحيا به ، وقيل جبريل والمعنى أرسلناه إليك بالوحي . { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } أي قبل الوحي ، وهو دليل على أنه لم يكن متعبداً قبل النبوة بشرع . وقيل المراد هو الإِيمان بما لا طريق إليه إلا السمع . { ولكن جعلناه } أي الروح أو الكتاب أو الإِيمان . { نُوراً نَّهْدِى بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا } بالتوفيق للقبول والنظر فيه . { وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } هو الإِسلام ، وقرىء « لَتَهْدِى» أي ليهديك الله .\r{ صراط الله } بدل من الأول . { الذى لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً . { أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور } بارتفاع الوسائط والتعلقات ، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين . عن النبي A \" من قرأ حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له \" .","part":5,"page":157},{"id":2158,"text":"مكية وقيل إلا قوله : واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا وآيها تسع وثمانون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم } { والكتاب المبين } { إِنَّا جعلناه قُرْءاناً عَرَبِيّاً } أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآناً عربياً ، وهو من البدائع لتناسب القسم والمقسم عليه كقول أبي تمام :\rوَثَنَايَاكَ أَنَّهَا إِغْرِيضُ ... ولعل إقسام الله بالأشياء استشهاد بما فيها من الدلالة على المقسم عليه ، وبالقرآن من حيث أنه معجز مبين لطرق الهدى وما يحتاج إليه في الديانة ، أو بين للعرب ما يدل على أنه تعالى صيره كذلك { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } لكي تفهموا معانيه .\r{ وَإِنَّهُ } عطف على انا ، وقرأ حمزة والكسائي بالكسر على الاستئناف . { فِى أُمّ الكتاب } في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية ، وقرىء أم الكتاب بالكسر . { لَدَيْنَا } محفوظاً عندنا عن التغيير . { لَّعَليٌّ } رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزاً من بينها . { حَكِيمٌ } ذو حكمة بالغة ، أو محكم لا ينسخه غيره . وهما خبران لأن { وَفِى أُمِّ الكتاب } متعلق ب { لَّعَليٌّ } واللام لا تمنعه ، أو حال منه و { لَدَيْنَا } بدل منه أو حال من { أُمِّ الكتاب } .\r{ أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً } أفنذوده ونبعده عنكم مجاز من قولهم : ضرب الغرائب عن الحوض ، قال طرفة :\rاضْرِبْ عَنْكَ الهُمُومَ طَارِقَهَا ... ضَرْبكَ بِالسَّيْفِ قَوْنَس الفَرَسِ\rوالفاء للعطف على محذوف أي انهملكم فنضرب { عَنكُمُ الذكر } ، و { صَفْحاً } مصدر من غير لفظه فإن تنحية الذكر عنهم إعراض أو مفعول له أو حال بمعنى صافحين ، وأصله أن تولي الشيء صفحة عنقك . وقيل إنه بمعنى الجانب فيكون ظرفاً ويؤيده أنه قرىء «صَُفْحاً» بالضم ، وحينئذ يحتمل أن يكون تخفيف صفح جمع صفوح بمعنى صافحين ، والمراد إنكار أن يكون الأمر على خلاف ما ذكر من إنزال الكتاب على لغتهم ليفهموه . { أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ } أي لأن كنتم ، وهو في الحقيقة علة مقتضية لترك الإِعراض عنهم ، وقرأ نافع وحمزة والكسائي { إن } بالكسر على أن الجملة شرطية مخرجة للمحقق مخرج المشكوك استجهالاً لهم ، وما قبلها دليل الجزاء .\r{ وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِى الأولين } { وَمَا يَأْتِيهِم مّنْ نَّبِيٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } تسلية لرسول الله A عن استهزاء قومه .\r{ فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً } أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى الرسول مخبراً عنهم . { ومضى مَثَلُ الأولين } وسلف في القرآن قصتهم العجيبة ، وفيه وعد للرسول ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } لعله لازم مقولهم أو ما دل عليه إجمالاً أقيم مقامه تقريراً لإِلزام الحجة عليهم ، فكأنهم قالوا «الله» كما حكي عنهم في مواضع أخر وهو الذي من صفته ما سرد من الصفات ، ويجوز أن يكون مقولهم وما بعده استئناف { الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً } فتستقرون فيها وقرىء غير الكوفيين «مهاداً» بالإلف .","part":5,"page":158},{"id":2159,"text":"{ وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً } تسلكونها . { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا إلى مقاصدكم ، أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك .\r{ والذى نَزَّلَ مِنَ السماء مَاءً بِقَدَرٍ } بمقدار ينفع ولا يضر . { فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً } مال عنه الماء . وتذكيره لأن البلدة بمعنى البلد والمكان . { كذلك } مثل ذلك الإِنشار . { تُخْرَجُونَ } تنشرون من قبوركم ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي { تخْرَجُونَ } بفتح التاء وضم الراء .\r{ والذى خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا } أصناف المخلوقات . { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ } ما تركبونه على تغليب المتعدي بنفسه على المتعدي بغيره إذ يقال : ركبت الدابة وركبت في السفينة ، أو المخلوق للركوب على المصنوع له أو الغالب على النادر ولذلك قال :\r{ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ } أي ظهور ما تركبون وجمعه للمعنى . { ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ } تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها . { وَتَقُولُواْ سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ } مطيقين من أقرن الشيء إذا أطاقه ، وأصله وجد قرينته إذ الصعب لا يكون قرينة الضعيف . وقرىء بالتشديد والمعنى واحد . وعنه E أنه كان إذا وضع رجله في الركاب قال : « بسم الله » فإذا استوى على الدابة قال : « الحمد لله على كل حال » { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا } إلى قوله :\r{ وَإِنَّا إلى رَبّنَا لَمُنقَلِبُونَ } أي راجعون ، واتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل والنقلة العظمى هو الانقلاب إلى الله تعالى ، أو لأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله تعالى .","part":5,"page":159},{"id":2160,"text":"{ وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً } متصل بقوله : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } أي وقد جعلوا له بعد ذلك الاعتراف من عباده ولداً فقالوا الملائكة بنات الله ، ولعله سماه جزءاً كما سمي بعضاً لأنه بضعة من الوالد دلالة على استحالته على الواحد الحق في ذاته ، وقرأ أبو بكر «جزأ» بضمتين . { إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ } ظاهر الكفران ومن ذلك نسبة الولد إلى الله لأنها من فرط الجهل به والتحقير لشأنه .\r{ أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين } معنى الهمزة في { أَمْ } للإِنكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بأن جعلوا له جزءاًً حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخس مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم ، بحيث إذا بشر أحدهم بها اشتد غمه به كما قال .\r{ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً } بالجنس الذي جعله له مثلاً إذ الولد لا بد وأن يماثل الوالد . { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً } صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة . { وَهُوَ كَظِيمٌ } مملوء قلبه من الكرب ، وفي ذلك دلالات على فساد ما قالوه ، وتعريف البنين بما مر في الذكور ، وقرىء «مسود» و «مسواد» على أن في { ظِلّ } ضمير المبشر و «وَجْهُهُ مُسْوَدّ» جملة وقعت خبراً .\r{ أَوْ مِن يُنَشَّأُ فِى الحلية } أي أو جعلوا له ، أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات . { وَهُوَ فِى الخصام } في المجادلة . { غَيْرُ مُبِينٍ } مقرر لما يدعيه من نقصان العقل وضعف الرأي ، ويجوز أن يكون من مبتدأ محذوف الخبر أي أو من هذا حالة ولده و { فِى الخصام } متعلق ب { مُّبِينٌ } ، وإضافة { غَيْرِ } إليه لا يمنعه لما عرفت . وقرأ حمزة والكسائي وحفص { يُنَشَّأُ } أي يربي . وقرىء { يُنَشَّأُ } و «يناشأ» بمعناه ونظير ذلك أعلاه وعلاه وعالاه بمعنى .\r{ وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم ، وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله تعالى أنقصهم رأياً وأخسهم صنفاً . وقرىء عبيد وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب «عند» على تمثيل زلفاهم . وقرىء «أنثاً» وهو جمع الجمع . { أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ } أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثاً ، فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم به . وقرأ نافع «أَشْهَدُواْ» بهمزة الاستفهام وهمزة مضمومة بين بين ، و «آأشهدوا» بمدة بينهما . { سَتُكْتَبُ شهادتهم } التي شهدوا بها على الملائكة . { وَيُسْئَلُونَ } أي عنها يوم القيامة ، وهو وعيد شديد . وقرىء «سيكتب» و «سنكتب» بالياء والنون . و «شهاداتهم» وهي أن الله جزء أو أن له بنات وهن الملائكة ويساءلون من المساءلة .\r{ وَقَالُواْ لَوْ شَاءَ الرحمن مَا عبدناهم } أي لو شاء عدم عبادة الملائكة ما عبدناهم فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها أو على حسنها ، وذلك باطل لأن المشيئة ترجح بعض الممكنات على بعض مأموراً كان أو منهياً حسناً كان أو غيره ، ولذلك جهلهم فقال : { مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يتمحلون تمحلاً باطلاً ، ويجوز أن تكون الإِشارة إلى أصل الدعوى كأنه لما أبدى وجوه فسادها وحكى شبهتهم المزيفة نفى أن يكون لهم بها علم من طريق العقل ، ثم أضرب عنه إلى إنكار أن يكون لهم سند من جهة النقل فقال :\r{ أَمْ ءاتيناهم كتابا مّن قَبْلِهِ } من قبل القرآن أو ادعائهم ينطق على صحة ما قالوه .","part":5,"page":160},{"id":2161,"text":"{ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } بذلك الكتاب متمسكون .","part":5,"page":161},{"id":2162,"text":"{ بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّهْتَدُونَ } أي لا حجة لهم على عقلية ولا نقلية ، وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة ، وال { أُمَّةٍ } الطريقة التي تؤم كالراحلة للمرحول إليه ، وقرئت بالكسر وهي الحالة التي يكون عليها الأم أي القاصد ومنها الدين .\r{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على ءاثارهم مُّقْتَدُونَ } تسلية لرسول الله A ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم ، وأن مقدميهم أيضاً لم يكن لهم سند منظور إليه ، وتخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد .\r{ قُلْ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ } أي أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ، وهي حكاية أمر ماض أوحي إلى النذير ، أو خطاب لرسول الله A ، ويؤيد الأول أنه قرأ ابن عامر وحفص { قَالَ } وقوله : { قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافرون } أي وإن كان أهدى إقناطاً للنذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه .\r{ فانتقمنا مِنْهُمْ } بالاستئصال . { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } ولا تكترث بتكذيبهم .\r{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالدليل ، أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم . { لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِى بَرَاءٌ مّمَّا تَعْبُدُونَ } بريء من عبادتكم أو معبودكم ، مصدر نعت به ولذلك استوى فيه الواحد والمتعدد والمذكر والمؤنث ، وقرىء «بريء» و «براء» ككريم وكرام .\r{ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى } استثناء منقطع أو متصل على أن «ما» يعم أولي العلم وغيرهم ، وأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام والأوثان ، أو صفة على أن «ما» موصوفة أي إنني بريء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني . { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } سيثبتني على الهداية ، أو سيهديني إلى ما وراء ما هداني إليه .\r{ وَجَعَلَهَا } وجعل إبراهيم E أو الله كلمة التوحيد . { كَلِمَةً باقية فِى عَقِبِهِ } في ذريته فيكون فيهم أبداً من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ، وقرىء { كَلِمَةَ } و { فِى عَقِبِهِ } على التخفيف و«في عاقبه» أي فيمن عقبه . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } يرجع من أشرك بدعاء من وحد .\r{ بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاَءِ وَءَابَاءَهُمْ } هَؤُلاَء المعاصرين للرسول A من قريش وآباءهم بالمد في العمر والنعمة ، فاغتروا لذلك وانهمكوا في الشهوات . وقرىء«مَتَّعْتُ» بالفتح على أنه تعالى اعترض به على ذاته في قوله : { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية } مبالغة في تعييرهم . { حتى جَاءهُمُ الحق } دعوة التوحيد أو القرآن . { وَرَسُولٌ مُّبِينٌ } ظاهر الرسالة بما له من المعجزات ، أو { مُّبِينٌ } للتوحيد بالحجج والآيات .\r{ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الحق } لينبههم عن غفلتهم { قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافرون } زادوا شرارة فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به ، فسموا القرآن سحراً وكفروا به واستحقروا الرسول .","part":5,"page":162},{"id":2163,"text":"{ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين } من إحدى القريتين مكة والطائف . { عظِيمٌ } بالجاه والمال كالوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي ، فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ، ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية ، لا التزخرف بالزخارف الدنيوية .\r{ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتِ رَبّكَ } إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم ، والمراد بالرحمة النبوة . { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى الحياة الدنيا } وهم عاجزون عن تدبيرها وهي خويصة أمرهم في دنياهم ، فمن أين لهم أن يدبروا أمر النبوة التي هي أعلى المراتب الإنسية ، وإطلاق المعيشة يقتضي أن يكون حلالها وحرامها من الله . { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ درجات } وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره . { لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً } ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم فيحصل بينهم تآلف وتضام ينتظم بذلك نظام العالم ، لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر ، ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى منه . { وَرَحْمَتُ رَبَّكَ } يعني هذه النبوة وما يتبعها . { خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه .\r{ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً واحدة } لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه . { لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ } ومصاعد جمع معراج ، وقرىء و «معاريج» جمع معراج . { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } يعلون السطوح لحقارة الدنيا ، و { لِبُيُوتِهِمْ } بدل من { لِمَنْ } بدل الاشتمال أو على كقولك : وهبت له ثوباً لقميصه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «وسقفاً» اكتفاء بجميع البيوت ، وقرىء «سقفاً» بالتخفيف و «سقوفاً» و «سقفاً» وهي لغة في سقف . { وَلِبُيُوتِهِمْ أبوابا وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ } أي أبواباً وسرراً من فضة .\r{ وَزُخْرُفاً } وزينة عطف على { سَقْفاً } أو ذهباً عطف على محل من فضة { وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا متاع الحياة الدنيا } إِن هي المخففة واللام هي الفارقة . وقرأ عاصم وحمزة وهشام بخلاف عنه لما بالتشديد بمعنى إلا وأن نافية ، وقرىء به مع أن وما { والأخرة عِندَ رَبّكَ لِلْمُتَّقِينَ } عَن الكفر والمعاصي ، وفيه دلالة على أن العظيم هو العظيم في الآخرة لا في الدنيا ، وإشعار بما لأجله لم يجعل ذلك للمؤمنين حتى يجتمع الناس على الإِيمان ، وهو أنه تمتع قليل بالإِضافة إلى ما لهم في الآخرة مخل به في الأغلب لما فيه من الآفات قل من يتخلص عنها كما أشار إليه بقوله :\r{ وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن } يتعام ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمسحوسات وإنهماكه في الشهوات ، وقرىء« يَعْشَ» بالفتح أي يعم يقال عشي إذا كان في بصره آفة وعشى إذا تعشى بلا آفة كعرج وعرج ، وقرىء «يعشو» على أن { مِنْ } موصولة .","part":5,"page":163},{"id":2164,"text":"{ نُقَيّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } يوسوسه ويغويه دائماً ، وقرأ يعقوب بالياء على إسناده إلى ضمير { الرحمن } ، ومن رفع «يعشو» ينبغي أن يرفع { نُقَيّضْ } .\r{ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل } عن الطريق الذي من حقه أن يسبل ، وجمع الضميرين للمعنى إذ المراد جنس العاشي والشيطان المقيض له . { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } الضمائر الثلاثة الأول له والباقيان للشيطان .\r{ حتى إِذَا جَاءَنَا } أي العاشي ، وقرأ الحجازيان وابن عامر وأبو بكر «جاءانا» أي العاشي والشيطان . { قَالَ } أي العاشي للشيطان . { ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين } بعد المشرق من المغرب ، فغلب المشرق وثنى وأضيف البعد إليهما . { فَبِئْسَ القرين } أنت .\r{ وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم } أي ما أنتم عليه من التمني . { إِذ ظَّلَمْتُمْ } إذ صح إنكم ظلمتم أنفسكم في الدنيا بدل من { اليوم } . { أَنَّكُمْ فِى العذاب مُشْتَرِكُونَ } لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وشياطينكم في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه ، ويجوز أن يسند الفعل إليه بمعنى . ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب كما ينفع الواقعين في أمر صعب معاونتهم في تحمل أعبائه وتقسمهم لمكابدة عنائه ، إذ لكل منكم ما لا تسعه طاقته . وقرىء { إِنَّكُمْ } بالكسر وهو يقوي الأول .\r{ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِى العمى } إِنكار وتعجب من أن تحمل هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقروناً بالصمم . كان رسول الله A يتعب نفسه في دعاء قومه وهم لا يزيدون إلا غياً فنزلت . { وَمَن كَانَ فِى ضلال مُّبِينٍ } عطف على { العمى } باعتبار تغاير الوصفين ، وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى .","part":5,"page":164},{"id":2165,"text":"{ فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } أي فإِن قبضناك قبل أن نبصرك عذابهم ، و «ما» مزيدة مؤكدة بمنزلة لام القسم في استجلاب النون المؤكدة { فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ } بعذاب في الدنيا والآخرة .\r{ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذى وعدناهم } أو إِن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب ، وقرأ يعقوب برواية رويس أو { نُرِيَنَّكَ } بإسكان النون وكذا { نَذْهَبَنَّ } . { فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ } لاَ يَفوتوننا .\r{ فاستمسك بالذى أُوحِىَ إِلَيْكَ } من الآيات والشرائع ، وقرىء «أُوحِىَ» على البناء للفاعل وهو الله تعالى . { إِنَّكَ على صراط مُّسْتَقِيمٍ } لا عوج له .\r{ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ } لشرف لك . { وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ } أي عَنْهُ يوم القيامة وعن قيامكم بحقه .\r{ وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } أي واسأل أممهم وعلماء دينهم ، وقرأ ابن كثير والكسائي بتخفيف الهمزة . { أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ ءَالِهَةً يُعْبَدُونَ } هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم ، والمراد به الاستشهاد بإجماع الأنبياء على التوحيد والدلالة على أنه ليس بدع ابتدعه فيكذب ويعادي له ، فإنه كان أقوى ما حملهم على التكذيب والمخالفة .\r{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ فَقَالَ إِنّى رَسُولُ رَبّ العالمين } يريد باقتصاصه تسلية رسول الله A ومناقضة قولهم { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } والاستشهاد بدعوة موسى عليه السلام إلى التوحيد ليتأملوا فيها .\r{ فَلَمَّا جَاءَهُم بئاياتنا إِذَا هُم مِنْهَا يَضْحَكُونَ } فَاجَئوا وقت ضحكهم منها ، أو استهزؤوا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها .\r{ وَمَا نُرِيِهِم مّنْ ءايَةٍ إِلاَّ هِىَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا } إلا هي بالغة أقصى درجات الإِعجاز بحيث يحسب الناظر فيها أنها أكبر مما يقاس إليها من الآيات ، والمراد وصف الكل بالكبر كقولك : رأيت رجالاً بعضهم أفضل من بعض ، وكقوله :\rمَنْ تَلْقَ مِنْهُمْ تَقُلْ لاَقَيْتُ سَيِّدَهُم ... مِثْلُ النُّجُومِ الَّتي يَسْرِي بِهَا السَّارِي\rأو { إِلا } وهي مختصة بنوع من الاعجاز مفضلة على غيرها بذلك الاعتبار . { وأخذناهم بالعذاب } كالسنين والطوفان والجراد . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } على وجه يرجى رجوعهم .\r{ وَقَالُواْ يَآ أَيُّهَ الساحر } نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم ، أو لأنهم كانوا يسمون العالم الماهر ساحراً . وقرأ ابن عامر بضم الهاء { ادع لَنَا رَبَّكَ } فيكشف عنا العذاب . { بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } بعهده عندك من النبوة ، أو من أن يستجيب دعوتك ، أو أن يكشف العذاب عمن اهتدى ، أو { بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } فوفيت به وهو الإِيمان والطاعة . { إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ } .\r{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } فاجئوا نكث عهدهم بالاهتداء .\r{ ونادى فِرْعَوْنُ } بنفسه أو بمناديه . { فِى قَوْمِهِ } في مجمعهم أو فيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم . { قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار } أنهار النيل ومعظمها أربعة أنهر : نهر الملك ، ونهر طولون ، ونهر دمياط ، ونهر تنيس . { تَجْرِى مِن تَحْتِى } تحت قصري أو أمري ، أو بين يدي في جناني والواو إما عاطفة لهذه { الأنهار } على الملك و { تَجْرِى } حال منها . أو واو حال وهذه مبتدأ و { الأنهار } صفتها و { تَجْرِى } خبرها . { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } ذلك .","part":5,"page":165},{"id":2166,"text":"{ أَمْ أَنَا خَيْرٌ } مَع هذه المملكة والبسطة . { مّنْ هذا الذى هُوَ مَهِينٌ } ضعيف حقير لا يستعد للرئاسة ، من المهانة وهي القلة . { وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ } الكلام لما به من الرتة فكيف يصلح للرسالة ، و { أَمْ } إما منقطعة والهمزة فيها للتقرير إذ قدم من أسباب فضله ، أو متصلة على إقامة المسبب مقام السبب . والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون فتعلمون أني خير منه .\r{ فَلَوْلاَ أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مّن ذَهَبٍ } أي فهلا ألقي عليه مقاليد الملك إن كان صادقاً ، إذ كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه وطوقوه بسوار وطوق من ذهب ، وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار على تعويض التاء من ياء أساوير . وقد قرىء به وقرأ يعقوب وحفص «أَسْوِرَةٌ» وهي جمع سوار . وقرىء «أساور» جمع « أَسْوِرَةٌ» و «أُلْقِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ» و «أساور» على البناء للفاعل وهو الله تعالى . { أَوْ جَاءَ مَعَهُ الملئكة مُقْتَرِنِينَ } مقرونين يعينونه أو يصدقونه من قرنته به فاقترن ، أو متقارنين من اقترن بمعنى تقارن .\r{ فاستخف قَوْمَهُ } فطلب منهم الخفة في مطاوعته أو فاستخف أحلامهم . { فَأَطَاعُوهُ } فيما أمرهم به { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق .\r{ فَلَمَّا ءاسَفُونَا } أغَضبونا بالإِفراط في العناد والعصيان منقول من أسف إذا اشتد غضبه . { انتقمنا مِنْهُمْ فأغرقناهم أَجْمَعِينَ } في اليم .\r{ فجعلناهم سَلَفاً } قدوة لمن بعدهم من الكفار يقتدون به في استحقاق مثل عقابهم ، مصدر نعت به أو جمع سالف كخدم وخادم ، وقرأ حمزة والكسائي بضم السين واللام جمع سليف كرغف ورغيف ، أو سالف كصبر جمع صابر أو سلف كخشب . وقرىء «سَلَفاً» بإبدال ضمة اللام فتحة أو على أنه جمع سلفة أي ثلة قد سلفت . { وَمَثَلاً لّلأَخِرِينَ } وعظة لهم أو قصة عجيبة تسير مسير الأمثال لهم فيقال : مثلكم مثل قوم فرعون .\r{ وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً } أي ضربه ابن الزبعرى لما جادل رسول الله A في قوله تعالى : { إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ } أو غيره بأن قال النصارى أهل كتاب وهم يعبدون عيسى عليه السلام ويزعمون أنه ابن الله والملائكة أولى بذلك ، أو على قوله تعالى : { وَاسْئلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا } أو أن محمداً يريد أن نعبده كما عبد المسيح . { إِذَا قَوْمُكَ } في قريش { مِنْهُ } من هذا المثل . { يَصِدُّونَ } يضجون فرحاً لظنهم أن الرسول A صار ملزماً به . وقرأ نافع وابن عامر والكسائي بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه . وقيل هما لغتان نحو يعكف ويعكف .\r{ وَقَالُواْ ءأالهتنا أَمْ هُوَ } أي آلهتنا خير عندك أم عيسى عليه السلام فإن يكن في النار فلتكن آلهتنا معه ، أو آلهتنا الملائكة خير أم عيسى عليه السلام فإذا أجاز أن يعبد ويكون ابن الله آلهتنا أولى بذلك ، أو آلهتنا خير أم محمد A فنعبده وندع آلهتنا .","part":5,"page":166},{"id":2167,"text":"وقرأ الكوفيون «أآلهتنا» بتحقيق الهمزتين وألف بعدهما . { مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من الباطل . { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } شداد الخصومة حراص على اللجاج .\r{ إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ } بالنبوة . { وجعلناه مَثَلاً لّبَنِى إسراءيل } أمراً عجيباً كالمثل السائر لبني إسرائيل ، وهو كالجواب المزيح لتلك الشبهة .\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ } لولدنا منكم يا رجال كما ولدنا عيسى من غير أب ، أو لجعلنا بدلكم . { ملائكة فِى الأرض يَخْلُفُونَ } ملائكة يخلفونكم في الأرض ، والمعنى أن حال عيسى عليه السلام وإن كانت عجيبة فإنه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك ، وأن الملائكة مثلكم من حيث أنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليداً كما جاز خلقها إبداعاً ، فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى الله سبحانه وتعالى .\r{ وَإِنَّهُ } وإن عيسى عليه السلام . { لَعِلْمٌ لّلسَّاعَةِ } لأن حدوثه أو نزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها ، أو لأن احياء الموتى يدل على قدرة الله تعالى عليه . وقرىء { لَعِلْمٌ } أي لعلامة ولذكر على تسمية ما يذكر به ذكراً ، وفي الحديث ينزل عيسى عليه السلام على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها أفيق وبيده حربة يقتل بها الدجال ، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح فيتأخر الإِمام فيقدمه عيسى E ويصلي خلفه على شريعة محمد E ، ثم يقتل الخنازير ويكسر الصليب ، ويخرب البيع والكنائس ، ويقتل النصارى إلا من آمن به . وقيل الضمير للقرآن فإن فيه الإعلام بالساعة والدلالة عليها . { فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا } فَلا تشكن فيها . { واتبعون } واتبعوا هداي أو شرعي أو رسولي . وقيل هو قول الرسول A أمر أن يقوله . { هذا } الذي أدعوكم إليه . { صراط مُّسْتَقِيمٍ } لا يضل سالكه .","part":5,"page":167},{"id":2168,"text":"{ وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان } عن المتابعة . { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ثابت عداوته بأن أخرجكم عن الجنة وعرضكم للبلية .\r{ وَلَمَّا جَاءَ عيسى بالبينات } بالمعجزات أو بآيات الإِنجيل ، أو بالشرائع الواضحات . { قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة } بالإِنجيل أو بالشريعة . { وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذى تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } وهو ما يكون من أمر الدين لا ما يتعلق بأمر الدنيا ، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا لبيانه ، ولذلك قال E « أنتم أعلم بأمر دنياكم » { فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ } فيما أبلغه عنه .\r{ إِنَّ الله هُوَ رَبّى وَرَبُّكُمْ فاعبدوه } بيان لما أمرهم بالطاعة فيه ، وهو اعتقاد التوحيد والتعبد بالشرائع . { هذا صراط مُّسْتَقِيمٌ } الإِشارة إلى مجموع الأمرين وهو تتمة كلام عيسى E ، أو استئناف من الله تعالى يدل على ما هو المقتضي للطاعة في ذلك .\r{ فاختلف الأحزاب } الفرق المتحزبة . { مِن بَيْنِهِمْ } من بين النصارى أو اليهود والنصارى من بين قومه المبعوث إليهم . { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ ظَلَمُواْ } من المتحزبين { مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ } هو القيامة .\r{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } الضمير لقريش أو { لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } . { أَن تَأْتِيهُمُ } بدل من { الساعة } والمعنى هل ينظرون إلا إتيان الساعة . { بَغْتَةً } فجأة . { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } غَافِلُونَ عنها لاشتغالهم بأمور الدنيا وإنكارهم لها .\r{ الأخلاء } الأحباء . { يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي يتعادون يومئذ لانقطاع العلق لظهور ما كانوا يتخالون له سبباً للعذاب . { إِلاَّ المتقين } فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الآباد .\r{ ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } حكاية لما ينادي به المتقون المتحابون في الله يومئذ ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بغير الياء .\r{ الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا } صفة المنادي . { وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } حال من الواو أي الذين آمنوا مخلصين ، غير أن هذه العبارة آكد وأبلغ .\r{ ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم } نساؤكم المؤمنات . { تُحْبَرُونَ } تسرون سروراً يظهر حباره أي أثره على وجوهكم ، أو تزينون من الحبر وهو حسن الهيئة أو تكرمون إكراماً يبالغ فيه ، والحبرة المبالغة فيما وصف بجميل .\r{ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مّن ذَهَبٍ وأكواب } الصحاف جمع صحفة ، والأكواب جمع كوب وهو كوز لا عروة له . { وَفِيهَا } وفي الجنة { مَا تَشْتَهِى الأنفس } وقرأ نافع وابن عامر وحفص { تَشْتَهِيهِ الأنفس } على الأصل . { وَتَلَذُّ الأعين } بمشاهدته وذلك تعميم بعد تخصيص ما يعد من الزوائد في التنعم والتلذذ . { وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون } فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الحال .\r{ وَتِلْكَ الجنة التى أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وقرأ ورثتموها ، شبه جزاء العمل بالميراث لأنه يخلفه عليه العامل ، وتلك إشارة إلى الجنة المذكورة وقعت مبتدأ والجنة خبرها ، و { التى أُورِثْتُمُوهَا } صفتها أو { الجنة } صفة { تِلْكَ } و { التى } خبرها أو صفة { الجنة } والخبر { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ، وعليه يتعلق الباء بمحذوف لا ب { أُورِثْتُمُوهَا } .","part":5,"page":168},{"id":2169,"text":"{ لَكُمْ فِيهَا فاكهة كَثِيرَةٌ مّنْهَا تَأْكُلُونَ } بعضها تأكلون لكثرتها ودوام نوعها ، ! ولعل تفصيل التنعم بالمطاعم والملابس وتكريره في القرآن وهو حقير بالإضافة إلى سائر نعائم الجنة لما كان بهم من الشدة والفاقة .\r{ إِنَّ المجرمين } الكاملين في الإِجرام وهم الكفار لأنه جعل قسيم المؤمنين بالآيات ، وحكى عنهم ما يخص بالكفار . { فِى عَذَابِ جَهَنَّمَ خالدون } خبر إن أو خالدون خبر والظرف متعلق به .\r{ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ } لا يخفف عنهم من فترت عنه الحمى إذا سكنت قليلاً والتركيب للضعف . { وَهُمْ فِيهِ } في العذاب { مُّبْلِسُونَ } آيسون من النجاة .\r{ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } مر مثله غير مرة وهم فصل .","part":5,"page":169},{"id":2170,"text":"{ وَنَادَوْاْ يامالك } وقرىء «يا مال» على الترخيم مكسوراً ومضموماً ، ولعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام ولذلك اختصروا فقالوا : { لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } والمعنى سل ربنا أن يقضي علينا من قضى عليه إذا أماته ، وهو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة { قَالَ إِنَّكُمْ ماكثون } لا خلاص لكم بموت ولا بغيره .\r{ لَقَدْ جئناكم بالحق } بالإِرسال والإِنزال ، وهو تتمة الجواب إن كان في { قَالَ } ضمير الله وإلا فجواب منه فكأنه تعالى تولى جوابهم بعد جواب مالك . { ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقّ كارهون } لما في اتباعه من إتعاب النفس وآداب الجوارح .\r{ أَمْ أَبْرَمُواْ أَمْراً } في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته . { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } أمراً في مجازاتهم والعدول عن الخطاب للإشعار بأن ذلك أسوأ من كراهتهم ، أو أم أحكم المشركون أمراً من كيدهم بالرسول { فَإِنَّا مُبْرِمُونَ } كيدنا بهم ، ويؤيده قوله :\r{ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ } حديث أنفسهم بذلك . { ونجواهم } وتناجيهم . { بلى } نسمعهما . { وَرُسُلُنَا } والحفظة مع ذلك . { لَدَيْهِمْ } ملازمة لهم . { يَكْتُبُونَ } ذلك .\r{ قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } منكم فإن النبي A يكون أعلم بالله وبما يصح له وبما لا يصح له ، وأولى بتعظيم ما يوجب تعظيمه ومن تعظيم الوالد تعظيم ولده ، ولا يلزم من ذلك صحة كينونة الولد وعبادته له إذ المحال قد يستلزم المحال بل المراد نفيهما على أبلغ الوجوه كقوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } غير أن { لَوْ } ثم مشعرة بانتفاء الطرفين ، و { إن } ههنا لا تشعر به ولا بنقيضه فإنها لمجرد الشريطة بل الانتفاء معلوم لانتفاء اللازم الدال على انتفاء ملزومه ، والدلالة على أن إنكاره الولد ليس لعناد ومراء بل لو كان لكان أولى الناس بالاعتراف به . وقيل معناه إن كان له ولد في زعمكم فأنا أول العابدين لله الموحدين له أو الآنفين منه ، أو من أن يكون له ولد من عبد يعبد إذا اشتد أنفه ، أو ما كان له ولد فأنا أول الموحدين من أهل مكة . وقرأ حمزة والكسائي { وَلَدَ } بالضم وسكون اللام .\r{ سبحان رَبِّ السموات والأرض رَبّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ } عن كونه ذا ولد فإن هذه الأجسام لكونها أصولاً ذات استمرار تبرأت عما يتصف به سائر الأجسام من توليد المثل ، فما ظنك بمبدعها وخالقها .\r{ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ } في باطلهم . { وَيَلْعَبُواْ } في دنياهم . { حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } أي يوم القيامة ، وهو دلالة على أن قولهم هذا جهل واتباع هوى ، وإنهم مطبوع على قلوبهم معذبون في الآخرة .","part":5,"page":170},{"id":2171,"text":"{ وَهُوَ الذى فِى السماء إله وَفِى الأرض إله } مستحق لأن يعبد فيهما ، والظرف متعلق به لأنه بمعنى المعبود أو متضمن معناه كقولك : هو حاتم في البلد ، وكذا فيمن قرأ «الله» والراجع مبتدأ محذوف لطول الصلة بمتعلق الخبر والعطف عليه ، ولا يجوز جعله خبراً له لأنه لا يبقى له عائد لكن لو جعل صلة وقدر الإِله مبتدأ محذوف يكون به جملة مبينة للصلة دالة على أن كونه في السماء بمعنى الألوهية دون الاستقرار ، وفيه نفي الآلهة السماوية والأرضية واختصاصه باستحقاق الألوهية .\r{ وَهُوَ الحكيم العليم } كالدليل عليه .\r{ وَتَبَارَكَ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } كالهواء . { وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة } العلم بالساعة التي تقوم القيامة فيها . { وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } للجزاء ، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وعاصم وروح بالتاء على الالتفات للتهديد .\r{ وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة } كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله . { إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بالتوحيد ، والاستثناء متصل إن أريد بالموصول كل ما عبد من دون الله لاندراج الملائكة والمسيح فيه ، ومنفصل إن خص بالأصنام .\r{ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ } سألت العابدين أو المعبودين . { لَيَقُولُنَّ الله } لتعذر المكابرة فيه من فرط ظهوره { فأنى يُؤْفَكُونَ } يصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره .\r{ وَقِيلِهِ } وقول الرسول ونصبه للعطف على سرهم ، أو على محل الساعة أو لإِضمار فعله أي وقال { قيله } . وجره عاصم وحمزة عطفاً على { الساعة } ، وقرىء بالرفع على أنه مبتدأ خبره . { يارب إِنَّ هَؤُلاَءِ قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ } أو معطوف على { عِلْمُ الساعة } بتقدير مضاف . وقيل هو قسم منصوب بحذف الجار أو مجرور بإضماره ، أو مرفوع بتقدير { وَقِيلِهِ يارب } قسمي ، و { إِنَّ هَؤُلآء } جوابه .\r{ فاصفح عَنْهُمْ } فأعرض عن دعوتهم آيساً عن إيمانهم . { وَقُلْ سلام } تسلم منكم ومتاركة . { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } تسلية للرسول A وتهديد لهم ، وقرأ نافع وابن عامر بالتاء على أنه من المأمور بقوله . عن النبي A \" من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة { ياعبادي لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } \" .","part":5,"page":171},{"id":2172,"text":"مكية إِلا قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب } الآية ، وهي سبع أو تسع وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حَم والكتاب المبين } القرآن والواو للعطف إن كان { حم } مقسماً به وإلا فللقسم والجواب قوله :\r{ إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةٍ مباركة } ليلة القدر ، أو البراءة ابتدىء فيها إنزاله ، أو أنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا من اللوح المحفوظ ، ثم أنزل على الرسول A نجوماً وبركتها لذلك ، فإن نزول القرآن سبب للمنافع الدينية والدنيوية ، أو لما فيها من نزول الملائكة والرحمة وإجابة الدعوة وقسم النعمة وفصل الأقضية . { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } استئناف يبين المقتضى للإنزال وكذلك قوله :\r{ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } فَإِن كونها مفرق الأمور المحكمة أو الملتبسة بالحكمة يستدعي أن ينزل فيها القرآن الذي هو من عظائمها ، ويجوز أن يكون صفة { لَيْلَةٍ مباركة } وما بينهما اعتراض ، وهو يدل على أن الليلة ليلة القدر لأنه صفتها لقوله : { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم مّن كُلّ أَمْرٍ } وقرىء «يُفْرَقُ» بالتشديد و { يُفْرَقُ } كل أي يفرقه الله ، و«نفرق» بالنون .\r{ أَمْراً مّنْ عِنْدِنَا } أي أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا على مقتضى حكمتنا ، وهو مزيد تفخيم للأمر ويجوز أن يكون حالاً من كل أوامر ، أو ضميره المستكن في { حَكِيمٌ } لأنه موصوف ، وأن يكون المراد به مقابل النهي وقع مصدراً ل { يُفْرَقُ } أو لفعله مضمراً من حيث أن الفرق به ، أو حالاً من أحد ضميري { أنزلناه } بمعنى آمرين أو مأموراً . { إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } .\r{ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } بدل من { إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ } أي أنزلنا القرآن لأن من عادتنا إرسال الرسل بالكتب إلى العباد لأجل الرحمة عليهم ، وضع الرب موضع الضمير للإِشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك ، فإنه أعظم أنواع التربية أو علة ل { يُفْرَقُ } أو { أمْراً } ، و { رَحْمَةً } مفعول به أي يفصل فيها كل أمر أو تصدر الأوامر { مّنْ عِنْدِنَا } لأن من شأننا أن نرسل رحمتنا ، فإن فصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها وصدور الأوامر الإِلهية من باب الرحمة ، وقرىء { رَحْمَةً } على تلك رحمة . { إِنَّهُ هُوَ السميع العليم } يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم ، وهو بما بعده تحقيق لربوبيته فإنها لا تحق إلا لمن هذه صفاته .\r{ رَبِّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } خبر آخر أو استئناف . وقرأ الكوفيون بالجر بدلاً { مِن رَبّكَ } . { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } أي إن كنتم من أهل الإيقان في العلوم ، أو كنتم موقنين في إقراركم إذا سئلتم من خلقها؟ فقلتم الله ، علمتم أن الأمر كما قلنا ، أو إن كنتم مريدين اليقين فاعلموا ذلك .\r{ لاَ إله إِلاَّ هُوَ } إذ لا خالق سواه . { يُحْيِي وَيُميتُ } كما تشاهدون . { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ الأولين } وقرئا بالجر بدلاً { مِن رَبّكَ } .","part":5,"page":172},{"id":2173,"text":"{ بَلْ هُمْ فِى شَكّ يَلْعَبُونَ } رد لكونهم موقنين .\r{ فارتقب } فانتظر لهم . { يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ } يوم شدة ومجاعة فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره ، أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار ، أو لأن العرب تسمي الشر الغالب دخاناً وقد قحطوا حتى أكلوا جيف الكلاب وعظامها ، وإسناد الإتيان إلى السماء لأن ذلك يكفه عن الأمطار ، أو يوم ظهور الدخان المعدود في أشراط الساعة لما روي أنه E لما قال : أول الآيات الدخان ونزول عيسى عليه السلام ، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر . قيل وما الدخان فتلا رسول الله A الآية وقال : « يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوماً وليلة ، أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره » أو يوم القيامة والدخان يحتمل المعنيين .\r{ يَغْشَى الناس } يحيط بهم صفة للدخان وقوله : { هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ } .\r{ رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ } مقدر بقول وقع حالاً و { إِنَّا مْؤْمِنُونَ } وعد بالإِيمان إن كشف العذاب عنهم .\r{ أنى لَهُمُ الذكرى } من أين لهم وكيف يتذكرون بهذه الحالة . { وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ } بين لهم ما هو أعظم منها في إيجاب الإدكار من الآيات والمعجزات .\r{ ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } أي قال بعضهم يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف وقال آخرون إنه { مَّجْنُونٍ } .\r{ إِنَّا كَاشِفُواْ العذاب } بدعاء النبي E فإنه لما دعا رفع القحط { قَلِيلاً } كشفا قليلاً أو زماناً قليلاً وهو ما بقي من أعمارهم . { إِنَّكُمْ عَائِدُونَ } إلى الكفر غب الكشف ، ومن فسر الدخان بما هو من الأشراط قال إذا جاء الدخان غوث الكفار بالدعاء فيكشفه الله عنهم بعد الأربعين ، فريثما يكشفه عنهم يرتدون ، ومن فسره بما في القيامة أوله بالشرط والتقدير .\r{ يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى } يوم القيامة أو يوم بدر ظرف لفعل دل عليه . { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } لا لمنتقمون فإن إن تحجزه عنه ، أو بدل من { يَوْمَ تَأْتِى } . وقرىء { نَبْطِشُ } أي نجعل البطشة الكبرى باطشة بهم ، أو نحمل الملائكة على بطشهم وهو التناول بصولة .\r{ وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ } امتحناهم بإرسال موسى عليه السلام إليهم ، أو أوقعناهم في الفتنة بالإِمهال وتوسيع الرزق عليهم . وقرىء بالتشديد للتأكيد أو لكثرة القوم . { وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ } على الله أو على المؤمنين أو في نفسه لشرف نسبه وفضل حسبه .\r{ أَنْ أَدُّواْ إِلَىَّ عِبَادَ الله } بأن أدوهم إلى وأرسلوا معي ، أو بأن أدوا إلي حق الله من الإِيمان وقبول الدعوة يا عباد الله ، ويجوز أن تكون { أن } مخففة ومفسرة لأن مجيء الرسول يكون برسالة ودعوة . { إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ } غير متهم لدلالة المعجزات على صدقه ، أو لائتمان الله إياه على وحيه وهو علة الأمر .","part":5,"page":173},{"id":2174,"text":"{ وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله } ولا تتكبروا عليه بالاستهانة بوحيه ورسوله ، و { أن } كالأولى في وجهيها . { إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ } علة للنهي ولذكر ال { أَمِينٌ } مع الأداء ، والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى .\r{ وَإِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ } التجأت إليه وتوكلت عليه . { أَن تَرْجُمُونِ } أن تؤذوني ضرباً أو شتماً أو أن تقتلوني . وقرىء «عت» بالإدغام فيه .\r{ وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فاعتزلون } فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي ، ولا تتعرضوا إليَّ بسوء فإنه ليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه فلا حكم .\r{ فَدَعَا رَبَّهُ } بعدما كذبوه . { أَنْ هَؤُلآءِ } بأن هؤلاء { قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ } وهو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سماه دعاء ، وقرىء بالكسر على إضمار القول .\r{ فَأَسْرِ بِعِبَادِى لَيْلاً } أي فقال أسر أو قال إن كان الأمر كذلك { فَأَسْرِ } ، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير بوصل الهمزة من سرى { إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم .\r{ واترك البحر رَهْواً } مفتوحاً ذا فجوة واسعة أو ساكناً على هيئته بعد ما جاوزته ولا تضربه بعصاك ولا تغير منه شيئاً ليدخله القبط { إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ } وقرىء بالفتح بمعنى لأنهم .\r{ كَمْ تَرَكُواْ } كثيراً تركوا . { مّن جنات وَعُيُونٍ } .\r{ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } محافل مزينة ومنازل حسنة .\r{ وَنَعْمَةٍ } وتنعم . { كَانُواْ فِيهَا فاكهين } متنعمين ، وقرىء «فكهين» .\r{ كذلك } مثل ذلك الإِخراج أخرجناهم أو الأمر كذلك . { وأورثناها } عطف على المقدر أو على { تَرَكُواْ } . { قَوْماً ءَاخَرِينَ } ليسوا منهم في شيء وهم بنو إسرائيل ، وقيل غيرهم لأنهم لم يعودوا إلى مصر .\r{ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السماء والأرض } مجاز من عدم الاكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم كقولهم : بكت عليهم السماء والأرض وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك . ومنه ما روي في الأخبار : إن المؤمن ليبكي عليه مصلاه ومحل عبادته ومصعد عمله ومهبط رزقه . وقيل تقديره فما بكت عليهم أهل السماء والأرض { وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ } ممهلين إلى وقت آخر .","part":5,"page":174},{"id":2175,"text":"{ وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِى إسراءيل مِنَ العذاب المهين } من استعباد فرعون وقتله أبناءهم .\r{ مِن فِرْعَوْنَ } بدل من { العذاب } على حذف المضاف ، أو جعله عذاب لإِفراطه في التعذيب ، أو حال من المهين بمعنى واقعاً من جهته ، وقرىء { مِن فِرْعَوْنَ } على الاستفهام تنكير له لنكر ما كان عليه من الشيطنة . { إِنَّهُ كَانَ عَالِياً } متكبراً . { مِّنَ المسرفين } في العتو والشرارة ، وهو خبر ثان أي كان متكبراً مسرفاً ، أو حال من الضمير في { عَالِياً } أي كان رفيع الطبقة من بينهم .\r{ وَلَقَدِ اخترناهم } اخترنا بني إسرائيل . { على عِلْمٍ } عالمين بأنهم أحقاء بذلك ، أو مع علم منا بأنهم يزيغون في بَعض الأحوال . { عَلَى العالمين } لكثرة الأنبياء فيهم أو على عالمي زمانهم .\r{ وءاتيناهم مِنَ الآيات } كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى . { مَا فِيهِ بَلَؤٌاْ مُّبِينٌ } نعمة جلية أو اختبار ظاهر .\r{ إِنَّ هَؤُلآء } يعني كفار قريش لأن الكلام فيهم وقصة فرعون وقومه مسوقة للدلالة على أنهم مثلهم في الإِصرار على الضلالة ، والإِنذار عن مثل ما حل بهم . { لَيَقُولُونَ } .\r{ إِنْ هِىَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى } ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية ، ولا قصد فيه إلى إثبات ثانية كما في قولك : حج زيد الحجة الأولى ومات . وقيل لما قيل إنكم تموتون موتة يعقبها حياة كما تقدم منكم موتة كذلك قالوا إن هي إلا موتتنا الأولى ، أي ما الموتة التي من شأنها كذلك إلا الموتة الأولى . { وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ } بمبعوثين .\r{ فَأْتُواْ بِئَابَائِنَا } خطاب لمن وعدهم بالنشور من الرسول والمؤمنين . { إِن كُنتُمْ صادقين } في وعدكم ليدل عليه .\r{ أَهُمْ خَيْرٌ } في القوة والمنعة . { أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ } تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحير الحيرة وبنى سمرقند . وقيل هدمها وكان مؤمناً وقومه كافرين ولذلك ذمهم دونه . وعنه E : \" ما أدري أكان تبع نبياً أم غير نبي \" وقيل لملوك اليمن التبابعة لأنهم يتبعون كما قيل لهم الأقيال لأنهم يتقيلون . { والذين مِن قَبْلِهِمْ } كعاد وثمود . { أهلكناهم } استئناف بمآل قوم تبع ، { والذين مِن قَبْلِهِمْ } هدد به كفار قريش أوحال بإضمار قد أو خبر من الموصول إن استؤنف به . { إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } بيان للجامع المقتضي للإهلاك .\r{ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } وَمَا بين الجنسين وقرىء «وما بينهن» . { لاَعِبِينَ } لاهين ، وهو دليل على صحة الحشر كما مر في الأنبياء وغيرها .\r{ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق } إلا بسبب الحق الذي اقتضاه الدليل من الإيمان والطاعة ، أو البعث والجزاء . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } لقلة نظرهم .\r{ إِنَّ يَوْمَ الفصل } فصل الحق عن الباطل ، أو المحق عن المبطل بالجزاء ، أو فصل الرجل عن أقاربه وأحبائه .","part":5,"page":175},{"id":2176,"text":"{ ميقاتهم } وقت موعدهم . { أَجْمَعِينَ } وقرىء { ميقاتهم } بالنصب على أنه الاسم أي إن ميعاد جزائهم في { يَوْمُ الفصل } .\r{ يَوْمَ لاَ يُغْنِى } بدل من { يَوْمُ الفصل } أو صفة ل { ميقاتهم } ، أو ظرف لما دل عليه الفصل لاله الفصل . { مَوْلَى } من قرابة أو غيرها . { عَن مَّوْلًى } أي مولى كان . { شَيْئاً } من الاغناء . { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } الضمير ل { مَوْلَى } الأول باعتبار المعنى لأنه عام .\r{ إِلاَّ مَن رَّحِمَ الله } بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه ، ومحله الرفع على البدل من الواو والنصب على الاستثناء { إِنَّهُ هُوَ العزيز } لا ينصر منه من أراد تعذيبه . { الرحيم } لمن أراد أن يرحمه .\r{ إِنَّ شَجَرَة الزقوم } وقرىء بكسر الشين ومعنى { الزقوم } سبق في «الصافات» .\r{ طَعَامُ الأثيم } الكثير الآثام ، والمراد به الكافر لدلالة ما قبله وما بعده عليه .\r{ كالمهل } وهو ما يمهل في النار حتى يذوب . وقيل دردي الزيت . { يَغْلِي فِى البطون } وقرأ ابن كثير وحفص ورويس بالياء على أن الضمير لل { طَعَامٌ } ، أو { الزقوم } لا «للمهل» إذ الأظهر أن الجملة حال من أحدهما .\r{ كَغَلْىِ الحميم } غلياناً مثل غليه .\r{ خُذُوهُ } على إرادة القول والمقول له الزبانية . { فاعتلوه } فجروه والعتل الأخذ بمجامع الشيء وجره بقهر ، وقرأ الحجازيان وابن عامر ويعقوب بالضم وهما لغتان . { إلى سَوَاءِ الجحيم } وسطه .","part":5,"page":176},{"id":2177,"text":"{ ثُمَّ صُبُّواْ فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الحميم } كان أصله يصب من فوق رؤوسهم الحميم فقيل يصب من { فَوْقَ } رؤوسهم { عَذَابِ } هو { الحميم } للمبالغة ، ثم أضيف ال { عَذَابِ } إلى { الحميم } للتخفيف وزيد من الدلالة على أن المصبوب بعض هذا النوع .\r{ ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } أي وقولوا له ذلك استهزاء به وتفريعاً على ما كان يزعمه ، وقرأ الكسائي «أنك» بالفتح أي ذق لأنك أو { عَذَابِ } { إِنَّكَ } .\r{ إِنَّ هَذَا } إن هذا ال { عَذَابِ } . { مَا كُنتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ } تشكون وتمارون فيه .\r{ إِنَّ المتقين فِى مَقَامٍ } في موضع إقامة ، وقرأ نافع وابن عامر بضم الميم { أَمِين } يأمن صاحبه عن الآفة والانتقال .\r{ فِى جنات وَعُيُونٍ } بدل من مقام جيء به للدلالة على نزاهته ، واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب .\r{ يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } خبر ثان أو حال من الضمير في الجار أو استئناف ، والسندس ما رَقَّ من الحرير والاستبرق ما غلظ منه معرب استبره ، أو مشتق من البراقة . { متقابلين } في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض . { كذلك } الأمر كذلك أو آتيناهم مثل ذلك . { وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ } قرناهم بهن ولذلك عدي بالباء ، والحوراء البيضاء والعيناء عظيمة العينين ، واختلف في أنهن نساء الدنيا أو غيرها .\r{ يَدْعُونَ فِيهَا بِكلّ فاكهة } يطلبون ويأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه لا يتخصص شيء منها بمكان ولا بزمان . { ءامِنِينَ } من الضرر .\r{ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الأولى } بل يحيون فيها دائماً ، والاستثناء منقطع أو متصل والضمير للآخرة و { الموت } أول أحوالها ، أو الجنة والمؤمن يشارفها بالموت ويشاهدها عنده فكأنه فيها ، أو الإِستثناء للمبالغة في تعميم النفي وامتناع { الموت } فكأنه قال : { لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت } إلا إذا أمكن ذوق الموتة الأولى في المستقبل . { ووقاهم عَذَابَ الجحيم } وقرىء «ووقاهم» على المبالغة .\r{ فَضْلاً مّن رَّبّكَ } أي أعطوا كل ذلك عطاء وتفضلاً منه . وقرىء بالرفع أي ذلك فضل . { ذلك هُوَ الفوز العظيم } لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب .\r{ فَإِنَّمَا يسرناه بِلَسَانِكَ } سهلناه حيث أنزلناه بلغتك وهو فذلكة السورة . { لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لعلهم يفهمونه فيتذكرون به ما لم يتذكروا .\r{ فارتقب } فانتظر ما يحل بهم . { إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ } منتظرون ما يحل بك . عن النبي A \" من قرأ حم الدخان ليلة جمعة أصبح مغفوراً له \" .","part":5,"page":177},{"id":2178,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم { حم تَنزِيلُ الكتاب } إن جعلت { حم } مبتدأ خبره { تَنزِيلُ الكتاب } احتجت إلى إضمار مثل ذلك { تَنزِيلُ } { حم } ، وإن جعلتها تعديداً للحروف كان { تَنزِيلُ } مبتدأ خبره : { مِنَ الله العزيز الحكيم } وقيل { حم } مقسم به و { تَنزِيلُ الكتاب } صفته وجواب القسم :\r{ إِنَّ فِى السموات والأرض لأيات لّلْمُؤْمِنِينَ } وهو يحتمل أن يكون على ظاهره وأن يكون المعنى إن في خلق السموات لقوله :\r{ وَفِى خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ } وَلاَ يحسن عطف ما على الضمير المجرور بل عطفه على المضاف إليه بأحد الاحتمالين ، فإن بثه وتنوعه واستجماعه لما به يتم معاشه إلى غير ذلك دلائل على وجود الصانع المختار . { ءَايَاتٍ لِقَوْمٍ يُوقنُونَ } محمول على محل إن واسمها ، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالنصب حملاً على الاسم .\r{ واختلاف اليل والنهار وَمَا أَنَزَلَ الله مِنَ السماء مَّن رِزْقٍ } من مطر وسماه رزقاً لأنه سببه . { فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها . { وَتَصْرِيفِ الرياح } باختلاف جهاتها وأحوالها ، وقرأ حمزة والكسائي «وتصريف الريح» . { آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } فيه القراءتان ويلزمهما العطف على عاملين في والابتداء ، أو أن إلا أن يضمر في أو ينصب { آيات } على الاختصاص أو يرفع بإضمار هي ، ولعل اختلاف الفواصل الثلاث لاختلاف الآيات في الدقة والظهور .\r{ تِلْكَ آيات الله } أي تلك الآيات دلائله { نَتْلُوهَا عَلَيْكَ } حال عاملها معنى الإِشارة . { بالحق } ملتبسين به أو ملتبسة به . { فَبِأَىِّ حَدِيثٍ بَعْدَ الله وَآيَاتِهِ تُؤمِنُونَ } أي بعد { آيات اللهِ } ، وتقديم اسم { الله } للمبالغة والتعظيم كما في قولك أعجبني زيد وكرمه أو بعد حديث { الله } وهو [ في ] القرآن كقوله تعالى : { الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث } و { ءاياته } دلائله المتلوة أو القرآن ، والعطف لتغاير الوصفين . وقرأ الحجازيان وحفص وأبو عمرو وروح { يُؤْمِنُونَ } بالياء ليوافق ما قبله .\r{ وَيْلٌ لّكُلّ أَفَّاكٍ } كذاب . { أَثِيمٍ } كثير الآثام .\r{ يَسْمَعُ ءايات الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ } يقيم على كفره . { مُسْتَكْبِراً } عن الإِيمان بالآيات و { ثُمَّ } لاستبعاد الإِصرار بعد سماع الآيات كقوله :\rيَرَى غَمَرات ثُمَّ يَزُورهَا ... { كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا } أي كأنه فخففت وحذف ضمير الشأن والجملة في موضع الحال ، أي يصر مثل غير السامع . { فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } على إصراره والبشارة على الأصل أو التهكم .\r{ وَإِذَا عَلِمَ مِنْ ءاياتنا شَيْئاً } وإذا بَلغه شيء من { ءاياتنا } وعلم أنه منها . { اتخذها هُزُواً } لذلك من غير أن يرى فيها ما يناسب الهزء ، والضمير ل { ءاياتنا } وفائدته الإِشعار بأنه إذا سمع كلاماً وعلم أنه من الآيات بادر إلى الاستهزاء بالآيات كلها ولم يقتصر على ما سمعه ، أو لشيء لأنه بمعنى الآية . { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } .","part":5,"page":178},{"id":2179,"text":"{ مّن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ } من قدامهم لأنهم متوجهون إليها ، أو من خلفهم لأنها بعد آجالهم . { وَلاَ يُغْنِى عَنْهُم } ولا يدفع عنهم . { مَّا كَسَبُواْ } من الأموال والأولاد . { شَيْئاً } من عذاب الله . { وَلاَ مَا اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَاء } أي الأصنام . { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } لا يتحملونه .\r{ هذا هُدًى } الإِشارة إلى القرآن ويدل عليه قوله : { والذين كَفَرُواْ بئايات رَبّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص برفع { أَلِيمٌ } وال { رِجْزَ } أشد العذاب .\r{ الله الذى سَخَّرَ لَكُمُ البحر } بأن جعله أملس السطح يطفو عليه ما يتخلخل كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه . { لِتَجْرِىَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ } بتسخيره وأنتم راكبوها . { وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } التجارة والغوص والصيد وغيرها . { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } هذه النعم .","part":5,"page":179},{"id":2180,"text":"{ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى السموات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً } بأن خلقها نافعة لكم . { مِنْهُ } حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه ، أو خبر لمحذوف أي هي جميعاً منه ، أو ل { مَا فِي السموات } { وَسَخَّرَ لَكُمُ } تكرير للتأكيد أو ل { مَّا فِى الأرض } ، وقرىء منه على المفعول له ومنه على أنه فاعل { سَخَّرَ } على الإِسناد المجازي أو خبر محذوف . { إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في صنائعه .\r{ قُل لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغْفِرُواْ } حذف المقول لدلالة الجواب عليه ، والمعنى قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا . { لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله } لاَ يتوقعون وقائعه بأعدائه من قولهم أيام العرب لوقائعهم ، أو لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لنصر المؤمنين وثوابهم ووعدهم بها . والآية نزلت في عمر Bه شتمه غفاري فهم أن يبطش به ، وقيل إنها منسوخة بآية القتال . { لِيَجْزِىَ قَوْماً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } علة للأمر ، والقوم هم المؤمنون أو الكافرون أو كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو الشيوع ، والكسب المغفرة أو الإساءة أو ما يعمهما . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «لنجزي» بالنون وقرىء « لِيَجْزِىَ» قوم «وليجزي قوماً» أي ليجزي الخير أو الشر أو الجزاء ، أعني ما يجزى به لا المصدر فإن الإسناد إليه سيما مع المفعول به ضعيف .\r{ مَّنْ عَمِلَ صالحا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا } أي لها ثواب العمل وعليها عقابه . { ثُمَّ إلى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ } فَيجازيكم على أعمالكم .\r{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا بَنِى إسراءيل الكتاب } التوراة . { والحكم } والحكمة النظرية والعملية أو فصل الخصومات . { والنبوة } إذ كثر فيهم الأنبياء ما لم يكثروا في غيرهم . { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } مما أحل الله من اللذائذ . { وفضلناهم عَلَى العالمين } حيث آتيناهم ما لم نؤت غيرهم .\r{ وءاتيناهم بينات مّنَ الأمر } أدلة في أمر الدين ويندرج فيها المعجزات . وقيل آيات من أمر النبي E مبينة لصدقه . { فَمَا اختلفوا } في ذلك الأمر . { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ العلم } بحقيقة الحال . { بَغْياً بَيْنَهُمْ } عداوة وحسداً . { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بالمؤاخذة والمجازاة .\r{ ثُمَّ جعلناك على شَرِيعَةٍ } طريقة { مِنَ الأمر } من أمر الدين . { فاتبعها } فاتبع شريعتك الثابتة بالحجج . { وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الذين لاَ يَعْلَمُونَ } آراء الجهال التابعة للشهوات ، وهم رؤساء قريش قالوا له ارجع إلى دين آبائك .\r{ إِنَّهُمْ لَن يُغْنُواْ عَنكَ مِنَ الله شَيْئاً } مما أراد بك . { وَإِنَّ الظالمين بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } إذ الجنسية علة الانضمام فلا توالهم باتباع أهوائهم . { والله وَلِىُّ المتقين } فواله بالتقى واتباع الشريعة .","part":5,"page":180},{"id":2181,"text":"{ هذا } أي القرآن أو اتباع الشريعة . { بَصَائِرَ لِلنَّاسِ } بينات تبصرهم وجه الفلاح . { وهدى } من الضلالة . { وَرَحْمَةٌ } وَنعمة من الله . { لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } يطلبون اليقين .\r{ أَمْ حَسِبَ الذين اجترحوا السيئات } أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان والاجتراح الاكتساب ومنه الجارحة . { أَن نَّجْعَلَهُمْ } أن نصيرهم . { كالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } مثلهم وهو ثاني مفعولي نجعل وقوله : { سَوَاءً محياهم ومماتهم } بدل منه إن كان الضمير للموصول الأول لأن المماثلة فيه إذ المعنى انكار أن يكون حياتهم ومماتهم سيين في البهجة والكرامة كما هو للمؤمنين ، ويدل عليه قراءة حمزة والكسائي وحفص { سَوَآء } بالنصب على البدل أو الحال من الضمير في الكاف ، أو المفعولية والكاف حال وإن كان للثاني فحال منه أو استئناف يبين المقتضى للانكار ، وإن كان لهما فبدل أو حال من الثاني ، وضمير الأول والمعنى إنكار أن يستووا بعد الممات في الكرامة أو ترك المؤاخذة كما استووا في الرزق والصحة في الحياة ، أو استئناف مقرر لتساوي محيا كل صنف ومماته في الهدى والضلال ، وقرىء«مَمَاتَهُمْ» بالنصب على أن { محياهم ومماتهم } ظرفان كمقدم الحاج . { سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ساء حكمهم هذا أو بئس شيئاً حكموا به ذلك .","part":5,"page":181},{"id":2182,"text":"{ وَخَلَقَ الله السموات والأرض بالحق } كأنه دليل على الحكم السابق من حيث أن خلق ذلك بالحق المقتضي للعدل يستدعي انتصار المظلوم من الظالم ، والتفاوت بين المسيء والمحسن وإذا لم يكن في المحيا كان بعد الممات . { ولتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } عَطف على بالحق لأنه في معنى العلة أو على علة محذوفة مثل ليدل بها على قدرته أو ليعدل { ولتجزي } . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب وتضعيف عقاب ، وتسمية ذلك ظلماً ولو فعله الله لم يكن منه ظلماً لأنه لو فعله غيره لكان ظلماً كالابتلاء والاختبار .\r{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ } ترك متابعة الهدى إلى متابعة الهوى فكأنه يعبده ، وقرىء «آلهة هواه» لأنه كان أحدهم يستحسن حجراً فيعبده فإذا رأى أحسن منه رفضه إليه . { وَأَضَلَّهُ الله } وخذله . { على عِلْمٍ } عالِماً بضلاله وفساد جوهر روحه . { وَخَتَمَ على سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ } فلا يبالي بالمواعظ ولا يتفكر في الآيات . { وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غشاوة } فلا ينظر بعين الاستبصار والاعتبار ، وقرأ حمزة والكسائي «غشوة» . { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ الله } من بعد إضلاله . { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } وقرىء «تتذكرون» .\r{ وَقَالُواْ مَا هِىَ } ما الحياة أو الحال . { إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا } التي نحن فيها . { نَمُوتُ وَنَحْيَا } أي نكون أمواتاً نطفاً وما قبلها ونحيا بعد ذلك ، أو نموت بأنفسنا ونحيا ببقاء أولادنا ، أو يموت بعضنا ويحيا بعضنا ، أو يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة ويحتمل أنهم أرادوا به التناسخ فإنه عقيدة أكثر عبدة الأوثان . { وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدهر } إلا مرور الزمان وهو في الأصل مدة بقاء العالم من دهره إذا غلبه . { وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ } يعني نسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الاستقلال ، أو إنكار البعث أو كليهما . { إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ } إذ لا دليل لهم عليه وإنما قالوه بناء على التقليد والإِنكار لما لم يحسوا به .\r{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } واضحات الدلالة على ما يخالف معتقدهم أو مبينات له . { مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ } ما كان لهم متشبث يعارضونها به . { إِلاَّ أَنَّ قَالُوا أئْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ } وإنما سماه حجة على حسبانهم ومساقهم ، أو على أسلوب قولهم .\rتحية بَيْنَهمْ ضَرْبٌ وجِيعٌ ... فإنه لا يلزم من عدم حصول الشيء حالاً امتناعه مطلقاً .\r{ قُلِ الله يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } على ما دلت عليه الحجج . { ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يَوْمِ القيامة لاَ رَيْبَ فِيهِ } فإن من قدر على الابتداء قدر على الإعادة ، والحكمة اقتضت الجمع للمجازاة على ما قرر مراراً ، والوعد المصدق بالآيات دل على وقوعها ، وإذا كان كذلك أمكن الإتيان بآبائهم لكن الحكمة اقتضت أن يعادوه يوم الجمع للجزاء .","part":5,"page":182},{"id":2183,"text":"{ ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } لقلة تفكرهم وقصور نظرهم على ما يحسونه .\r{ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } تعميم للقدرة بعد تخصيصها . { وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ المبطلون } أي ويخسر يوم تقوم و { يَوْمَئِذٍ } بدل منه .\r{ وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً } مجتمعة من الجثوة وهي الجماعة ، أو باركة مستوفزة على الركب . وقرىء «جاذية» أي جالسة على أطراف الأصابع لاستيفازهم . { كُلُّ أمَّةٍ تدعى إلى كتابها } صحيفة أعمالها . وقرأ يعقوب { كُلٌّ } على أنه بدل من الأول وتدعى صفة أو مفعول ثان . { اليوم تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } محمول على القول .\r{ هذا كتابنا } أضاف صحائف أعمالهم إلى نفسه لأنه أمر الكتبة أن يكتبوا فيها أعمالهم . . { يَنطِقُ عَلَيْكُم بالحق } يشهد عليكم بما عملتم بلا زيادة ولا نقصان . { إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ } نستكتب الملائكة . { مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أعمالكم .","part":5,"page":183},{"id":2184,"text":"{ فَأَمَّا الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى رَحْمَتِهِ } التي من جملتها الجنة . { ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين } الظاهر لخلوصه عن الشوائب .\r{ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ أَفَلَمْ تَكُنْ ءاياتى تتلى عَلَيْكُمْ } أي فيقال لهم ألم يأتكم رسلي { أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ } ، فحذف القول والمعطوف عليه اكتفاء بالمقصود واستغناء بالقرينة . { فاستكبرتم } عن الإِيمان بها . { وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } عادتكم الإِجرام .\r{ وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله } يحتمل الموعود به والمصدر . { حَقّ } كائن هو أو متعلقه لا محالة : { والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا } إفراد للمقصود ، وقرأ حمزة بالنصب عطفاً على اسم إن . { قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا الساعة } أي شيء الساعة استغراباً لها . { إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً } أصله نظن ظناً فأدخل حرفا النفي والاستثناء لإثبات الظن ونفي ما عداه كأنه قال : ما نحن نظن ظناً ، أو لنفي ظنهم فيما سوى ذلك مبالغة ثم أكده بقوله : { وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } أي لإِمكانه ، ولعل ذلك قول بعضهم تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تليت عليهم من الآيات في أمر الساعة .\r{ وَبَدَا لَهُمْ } ظهر لهم . { سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } على ما كانت عليه بأن عرفوا قبحها وعاينوا وخامة عاقبتها ، أو جزاءها . { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } وهو الجزاء .\r{ وَقِيلَ اليوم نَنسَاكُمْ } نترككم في العذاب ترك ما ينسى . { كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } كما تركتم عدته ولم تبالوا به ، وإضافة لقاء إلى يوم إضافة المصدر إلى ظرفه . { وَمَأْوَاكُمُ النار وَمَا لَكُمْ مّن ناصرين } يخلصونكم منها .\r{ ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ اتخذتم ءايات الله هُزُواً } استهزأتم بها ولم تتفكروا فيها . { وَغَرَّتْكُمُ الحياة الدنيا } فحسبتم أن لا حياة سواها . { فاليوم لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا } وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء . { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } لا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي يرضوه لفوات أوانه .\r{ فَلِلَّهِ الحمد رَبّ السموات وَرَبّ الأرض رَبّ العالمين } إذا لكل نعمة منه ودال على كمال قدرته . { وَلَهُ الكبرياء فِى السموات والأرض } إذ ظهر فيها آثارها . { وَهُوَ العزيز } الذي لا يغلب . { الحكيم } فيما قدر وقضى فاحمدوه وكبروه وأطيعوا له . عن النبي A « من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته يوم الحساب » .","part":5,"page":184},{"id":2185,"text":"مكية وآيها أربع أو خمس وثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم مَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } إلا خلقاً ملتبساً بالحق وهو ما تقتضيه الحكمة والمعدلة ، وفيه دلالة على وجود الصانع الحكيم ، والبعث للمجازاة على ما قررناه مراراً . { وَأَجَلٌ مُّسَمًّى } وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه الكل وهو يوم القيامة ، أو كل واحد وهو آخر مدة بقائه المقدرة له . { والذين كَفَرُواْ عَمَّا أُنذِرُواْ } من هول ذلك الوقت ، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية . { مُّعْرِضُونَ } لا يتفكرون فيه ولا يستعدون لحلوله .\r{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السموات } أي أخبروني عن حال آلهتكم بعد تأمل فيها ، هل يعقل أن يكون لها في أنفسها مدخل في خلق شيء من أجزاء العالم فتستحق به العبادة . وتخصيص الشرك بالسموات احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية . { ائتونى بكتاب مّن قَبْلِ هذا } من قبل هذا الكتاب يعني القرآن فإنه ناطق بالتوحيد . { أَوْ أثارة مّنْ عِلْمٍ } أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين هل فيها ما يدل على استحقاقهم للعبادة أو الأمر به . { إِن كُنتُمْ صادقين } في دعواكم ، وهو إلزام بعدم ما يدل على ألوهيتهم بوجه ما نقلاً بعد إلزامهم بعدم ما يقتضيها عقلاً ، وقرىء «إثارة» بالكسر أي مناظرة فإن المناظرة تثير المعاني ، و «أثرة» أي شيء أوثرتم به وأثرة بالحركات الثلاث في الهمزة وسكون الثاء فالمفتوحة للمرة من مصدر أثر الحديث إذا رواه والمكسورة بمعنى الأثرة والمضمومة اسم ما يؤثر .\r{ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ } إنكار أن يكون أحد أضل من المشركين حيث تركوا عبادة السميع البصير المجيب القادر الخبير إلى عبادة من لا يستجيب لهم لو سمع دعاءهم ، فضلاً أن يعلم سرائرهم ويراعي مصالحهم . { إلى يَوْمِ القيامة } ما دامت الدنيا . { وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غافلون } لأنهم إما جمادات وإما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم .\r{ وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَاءً } يضرونهم ولا ينفعونهم . { وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمْ كافرين } مكذبين بلسان الحال أو المقال . وقيل الضمير للعابدين وهو كقوله تعالى : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيّنَاتٍ } واضحات أو مبينات . { قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقّ } لأجله وفي شأنه ، والمراد به الآيات ووضعه موضع ضميرها ووضع { الذين كَفَرُواْ } موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق وعليهم بالكفر والانهماك في الضلالة . { لَمَّا جَاءهُمْ } حينما جاءهم من غير نظر وتأمل . { هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر بطلانه .\r{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } إضراب عن ذكر تسميتهم إياه سحراً إلى ذكر ما هو أشنع منه وإنكار له وتعجيب .","part":5,"page":185},{"id":2186,"text":"{ قُلْ إِنِ افتريته } على الفرض . { فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً } أي إن عاجلني الله بالعقوبة فلا تقدرون على دفع شيء منها فكيف أجترىء عليه وأعرض نفسي للعقاب من غير توقع نفع ولا دفع ضر من قبلكم . { هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ } تندفعون فيه من القدح في آياته . { كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } يشهد لي بالصدق والبلاغ وعليكم بالكذب والإِنكار ، وهو وعيد بجزاء إفاضتهم ، { وَهُوَ الغفور الرحيم } وعد بالمغفرة والرحمة لمن تاب وآمن وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم جرمهم .\r{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مّنَ الرسل } بديعاً منهم أدعوكم إلى ما لا يدعون إليه ، أو أقدر على ما لم يقدروا عليه ، وهو الإِتيان بالمقترحات كلها ونظيره الخف بمعنى الخفيف . وقرىء بفتح الدال على أنه كقيم أو مقدر بمضاف أي ذا بدع . { وَمَا أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ } في الدارين على التفضيل إذ لا علم لي بالغيب ، و { لا } لتأكيد النفي المشتمل على إما يفعل بي { وَمَا } إما موصولة منصوبة أو استفهامية مرفوعة . وقرىء { يَفْعَلُ } أي يفعل الله . { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ } لا أتجاوزه ، وهو جواب عن اقتراحهم الإِخبار عما لم يوح إليه من الغيوب ، أو استعجال المسلمين أن يتخلصوا من أذى المشركين . { وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ } من عقاب الله . { مُّبِينٌ } بين الإِنذار بالشواهد المبينة والمعجزات المصدقة .","part":5,"page":186},{"id":2187,"text":"{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله } أي القرآن . { وَكَفَرْتُمْ بِهِ } وقد كفرتم به ، ويجوز أن تكون الواو عاطفة على الشرط وكذا الواو في قوله : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل } إلا أنها تعطفه بما عطف عليه على جملة ما قبله ، والشاهد هو عبد الله بن سلام وقيل موسى E وشهادته ما في التوراة من نعت الرسول E . { على مِثْلِهِ } مثل القرآن وهو ما في التوراة من المعاني المصدقة للقرآن المطابقة له ، أو مثل ذلك وهو كونه من عند الله . { فَئَامَنَ } أي بالقرآن لما رآه من جنس الوحي مطابقاً للحق . { واستكبرتم } عن الإِيمان . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } استئناف مشعر بأن كفرهم به لضلالهم المسبب عن ظلمهم ، ودليل على الجواب المحذوف مثل ألستم ظالمين .\r{ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } لأجلهم . { لَّوْ كَانَ } الإِيمان أو ما أتى به محمد E . { خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ } وهم سقاط إذ عامتهم فقراء وموال ورعاة ، وإنما قاله قريش وقيل بنو عامر وغطفان وأسد وأشجع لما أسلم جهينة ومزينة وأسلم وغفار ، أو اليهود حين أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه . { وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ } ظرف لمحذوف مثل ظهر عنادهم وقوله : { فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ } مسبب عنه وهو كقولهم : أساطير الأولين . { وَمِن قَبْلِهِ } وَمَن قَبل القرآن وهو خبر لقوله : { كِتَابُ موسى } ناصب لقوله : { إَمَامًا وَرَحْمَةً } على الحال . { وهذا كتاب مُّصَدّقٌ } لكتاب موسى أو لما بين يديه وقد قرىء به . { لّسَاناً عَرَبِيّاً } حال من ضمير { كِتَابٌ } في { مُّصَدّقُ } أو منه لتخصصه بالصفة ، وعاملها معنى الإِشارة وفائدتها الإِشعار بالدلالة على أن كونه مصدقاً للتوراة كما دل على أنه حق دل على أنه وحي وتوقيف من الله سبحانه وتعالى . وقيل مفعول { مُّصَدّقُ } أي يصدق ذا لسان عربي بإعجازه . { لّيُنذِرَ الذين ظَلَمُواْ } علة { مُّصَدّقُ } ، وفيه ضمير الكتاب أو الله أو الرسول ، ويؤيد الأخير قراءة نافع وابن عامر والبزي بخلاف عنه ويعقوب بالتاء { وبشرى لِلْمُحْسِنِينَ } عطف على محله .\r{ إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } جَمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم والإِستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل ، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد . { فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } من لحوق مكروه . { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على فوات محبوب ، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط .\r{ أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من اكتساب الفضائل العلمية والعملية ، وخالدين حال من المستكن في أصحاب وجزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء .","part":5,"page":187},{"id":2188,"text":"{ وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً } وقرأ الكوفيون «إحساناً» ، وقرىء { حَسَنًا } أي إيصاء { حَسَنًا } . { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً } ذات كره أو حملاً ذا كره وهو المشقة ، وقرأ الحجازيان وأبو عمرو وهشام بالفتح وهما لغتان كالفُقُر والفَقُر . وقيل المضموم اسم والمفتوح مصدر . { وَحَمْلُهُ وفصاله } ومدة { حَمْلُهُ وفصاله } ، والفصال الفطام ويدل عليه قراءة يعقوب «وفصله» أو وقته والمراد به الرضاع التام المنتهى به ولذلك عبر به كما يعبر بالأمد عن المدة ، قال :\rكُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِل عِدَّةَ العُم ... رِ وَمَود إِذَا انْتَهَى أَمَدّهُ\r{ ثَلاَثُونَ شَهْراً } كل ذلك بيان لما تكابده الأم في تربية الولد مبالغة في التوصية بها ، وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأنه إذا حط منه الفصال حولان لقوله تعالى : { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة } بقي ذلك وبه قال الأطباء ولعل تخصيص أقل الحمل وأكثر الرضاع لانضباطهما وتحقق ارتباط حكم النسب والرضاع بهما . { حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ } إذا اكتهل واستحكم قوته وعقله . { وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً } قيل لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين . { قَالَ رَبّ أَوْزِعْنِى } ألهمني وأصله أولعني من أوزعته بكذا . { أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ } يعني نعمة الدين أو ما يعمها وغيرها ، وذلك يؤيد ما روي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه لأنه لم يكن أحد أسلم هو وأبواه من المهاجرين والأنصار سواه . { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } نكرة للتعظيم أو لأنه أراد نوعاً من الجنس يستجلب رضا الله D . { وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى } واجعل لي الصلاح سارياً في ذريتي راسخاً فيهم ونحوه قوله :\rوَإِنْ تَعْتَذِرْ بالمَحل عَنْ ذِي ضُرُوعِهَا ... إِلَى الضَيْفِ يَجْرَحُ فِي عَرَاقِيبهَا نَصْلي\r{ إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } عما لا ترضاه أو يشغل عنك . { وَإِنّى مِنَ المسلمين } المخلصين لك .","part":5,"page":188},{"id":2189,"text":"{ أُوْلَئِكَ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ } يعني طاعاتهم فإن المباح حسن ولا يثاب عليه . { وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيَّئَاتِهِمْ } لتوبتهم ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيهما . { فِى أصحاب الجنة } كائنين في عدادهم أو مثابين أو معدودين فيهم . { وَعْدَ الصدق } مصدر مؤكد لنفسه فإن يتقبل ويتجاوز وعد { الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } أي في الدنيا .\r{ والذى قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا } مبتدأ خبره { أولئك } ، والمراد به الجنس وإن صح نزولها في عبد الرحمن بن أبي بكر قبل إسلامه ، فإن خصوص السبب لا يوجب التخصيص . وفي { أُفّ } قراءات ذكرت في سورة «بني إسرائيل» . { أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ } أبعث ، وقرأ هشام «أتعداني» بنون واحدة مشددة . { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى } فلم يرجع أحد منهم . { وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ الله } يقولان الغياث بالله منك ، أو يسألانه أن يغيثه بالتوفيق للإِيمان . { وَيْلَكَ ءامِنْ } أي يقولان له { وَيْلَكَ } ، وهو الدعاء بالثبور بالحث على ما يخاف على تركه . { إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هذا إِلاَّ أساطير الأولين } أباطيلهم التي كتبوها .\r{ أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } بأنهم أهل النار وهو يرد النزول في عبد الرحمن لأنه يدل على أنه من أهلها لذلك وقد جب عنه إن كان لإسلامه . { فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ } كقوله في أصحاب الجنة . { مّنَ الجن والإنس } بيان للأمم . { إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } تعليل للحكم على الاستئناف .\r{ وَلِكُلّ } من الفريقين . { درجات مّمَّا عَمِلُواْ } مراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر ، أو من أجل ما عملوا وال { درجات } غالبة في المثوبة وها هنا جاءت على التغليب . { وَلِيُوَفّيَهُمْ أعمالهم } جزاءها ، وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي وابن ذكوان بالنون . { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } بنقص ثواب وزيادة عقاب .\r{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } يعذبون بها . وقيل تعرض النار عليهم فقلب مبالغة كقولهم : عرضت الناقة على الحوض . { أَذْهَبْتُمْ } أي يقال لهم أذهبتم ، وهو ناصب اليوم وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالاستفهام غير أن ابن كثير يقرؤه بهمزة ممدودة وهما يقرآن بها وبهمزتين محققتين . { طيباتكم } لذاتكم . { فِى حياتكم الدنيا } باستيفائها . { واستمتعتم بِهَا } فما بقي لكم منها شيء . { فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون } الهوان وقد قرىء به . { بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ } بسبب الاستكبار الباطل والفسوق عن طاعة الله ، وقرىء { تَفْسِقُونَ } بالكسر .","part":5,"page":189},{"id":2190,"text":"{ واذكر أَخَا عَادٍ } يعني هوداً . { إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف } جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج ، وكانوا يسكنون بين رمال مشرفة على البحر بالشحر من اليمن . { وَقَدْ خَلَتِ النذر } الرسل . { مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ } قبل هود وبعده والجملة حال أو اعتراض . { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } أي لا تعبدوا ، أو بأن لا تعبدوا فإن النهي عن الشيء إنذار من مضرته . { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هائل بسبب شرككم .\r{ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا } لتصرفنا . { عَنْ ءالِهَتِنَا } عن عبادتها . { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب على الشرك . { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في وعدك . { قَالَ إِنَّمَا العلم عِندَ الله } لا علم لي بوقت عذابكم ولا مدخل لي فيه فأستعجل به ، وإنما علمه عند الله فيأتيكم به في وقته المقدر له . { وَأُبَلّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ } إليكم وما على الرسول إلا البلاغ . { ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } لا تعلمون أن الرسل بعثوا مبلغين منذرين لا معذبين مقترحين .\r{ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً } سحاباً عرض في أفق السماء . { مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ } متوجه أوديتهم ، والإضافة فيه لفظية وكذا في قوله : { قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا } أي يأتينا بالمطر . { بَلْ هُوَ } أي قال هود E { بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ } من العذاب ، وقرىء «قل» «بل» : { رِيحٌ } هي ريح ، ويجوز أن يكون بدل ما . { فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } صفتها وكذا قوله :\r{ تُدَمّرُ } تهلك . { كُلَّ شَىْءٍ } من نفوسهم وأحوالهم . { بِأَمْرِ رَبّهَا } إذ لا توجد نابضة حركة ولا قابضة سكون إلا بمشيئته ، وفي ذكر الأمر والرب وإضافة إلى الريح فوائد سبق ذكرها مراراً ، وقرىء «يدمر كل شيء» من دمر دماراً إذا هلك فيكون العائد محذوفاً أو الهاء في { رَبُّهَا } ، ويحتمل أن يكون استئنافاً للدلالة على أن لكل ممكن فناء مقضياً لا يتقدم ولا يتأخر ، وتكون الهاء لكل شيء فإنه بمعنى الأشياء { فَأْصْبَحُواْ لاَ تُرَى إِلاَّ مساكنهم } أي فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا بحيث لو حضرت بلادهم لا ترى إلا مساكنهم ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم » بالياء المضمومة ورفع المساكن . { كذلك نَجْزِي القوم المجرمين } . روي أن هوداً عليه السلام لما أحس بالريح اعتزل بالمؤمنين في الحظيرة وجاءت الريح فأمالت الأحقاف على الكفرة ، وكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيام ، ثم كشفت عنهم واحتملتهم تقذفتهم في البحر .\r{ وَلَقَدْ مكناهم فِيمَا إِن مكناكم فِيهِ } { إن } نافية وهي أحسن من ما ههنا لأنها توجب التكرير لفظاً ولذلك قلبت ألفها هاء في مهما ، أو شرطية محذوفة الجواب والتقدير ، ولقد مكناهم في الذي أوفي شيء إن مكناكم فيه كان بغيكم أكثر ، أو صلة كما في قوله :","part":5,"page":190},{"id":2191,"text":"يُرَجِّي المَرْءُ مَا إِنْ لاَ يَرَاه ... ويعرض دُونَ أدناهُ الخُطُوبُ\rوالأول أظهر وأوفق لقوله : { هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً } { كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً } { وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً } ليعرفوا تلك النعم ويستدلوا بها على مانحها تعالى ويواظبوا على شكرها . { فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مّن شَىْءٍ } من الإِغناء وهو القليل . { إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ } صلة { فَمَا أغنى } وهو ظرف جرى مجرى التعليل من حيث إن الحكم مرتب على ما أضيف إليه وكذلك حيث . { وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ } من العذاب\r{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ } يا أهل مكة . { مّنَ القرى } كحجر ثمود وقرى قوم لوط . { وَصَرَّفْنَا الايات } بتكريرها . { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } عن كفرهم .","part":5,"page":191},{"id":2192,"text":"{ فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً ءالِهَةَ } فهلا منعتهم من الهلاك آلهتهم الذين يتقربون بهم إلى الله تعالى حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وأول مفعولي { اتخذوا } الراجع إلى الموصول محذوف ، وثانيهما { قُرْبَاناً } و { ءالِهَةً } بدل أو عطف بيان ، أو { ءالِهَةً } و { قُرْبَاناً } حال أو مفعول له على أنه بمعنى التقرب . وقرىء « قُربَاناً» بضم الراء . { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } غابوا عن نصرهم وامتنع أن يستمدوا بهم امتناع الاستمداد بالضال . { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } وذلك الاتخاذ الذي هذا أثره صرفهم عن الحق ، وقرىء«إِفْكِهِمْ» بالتشديد للمبالغة ، و «آفكهم» أي جعلهم آفكين و «آفكهم» أي قولهم الآفك أي ذو الإِفك . { وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } .\r{ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مّنَ الجن } أملناهم إليك والنفر دون العشرة وجمعه أنفار . { يَسْتَمِعُونَ القرءان } حَال محمولة على المعنى . { فَلَمَّا حَضَرُوهُ } أي القرآن أو الرسول . { قَالُواْ أَنصِتُواْ } قالُوا بعضهم لبعض اسكتوا لنسمعه . { فَلَمَّا قُضِىَ } أتم وفرغ من قراءته ، وقرىء على بناء الفاعل وهو ضمير الرسول E . { وَلَّوْاْ إلى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ } أي منذرين إياهم بما سمعوا . روي أنهم وافوا رسول الله A بوادي النخلة عند منصرفه من الطائف يقرأ في تهجده .\r{ قَالُواْ يَا قَوْمُنَا إِنَّا سَمِعْنَا كتابا أُنزِلَ مِن بَعْدِ موسى } قيل إنما قالوا ذلك لأنهم كانوا يهودا أو ما سمعوا بأمر عيسى E . { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى الحق } من العقائد . { وإلى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ } من الشرائع .\r{ ياقومنا أَجِيبُواْ دَاعِىَ الله وَءامِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مّنْ ذُنُوبِكُمْ } بعض ذنوبكم ، وهو ما يكون في خالص حق الله فإن المظالم لا تغفر بالإِيمان . { وَيُجِرْكُمْ مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } هو معد للكفار ، واحتج أبو حنيفة Bه باقتصارهم على المغفرة والإِجارة على أن لا ثواب لهم ، والأظهر أنهم في توابع التكليف كبني آدم .\r{ وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِىَ الله فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِى الأرض } إذ لا ينجي منه مهرب . { وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ } يمنعونه منه . { أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } حيث أعرضوا عن إجابة من هذا شأنه .\r{ أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذى خَلَقَ السموات والأرض وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ } ولم يتعب ولم يعجز ، والمعنى أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإِيجاد أبد الأباد . { بِقَادِرٍ على أَن يُحْيِىِ الموتى } أي قادر ، ويدل عليه قراءة يعقوب «يقدر» ، والباء مزيدة لتأكيد النفي فإنه مشتمل على { أن } وما في حيزها ولذلك أجاب عنه بقوله : { بلى إِنَّهُ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٍ } تقرير للقدرة على وجه عام يكون كالبرهان على المقصود ، كأنه صَدَّرَ السورة بتحقيق المبدأ أراد ختمها بإثبات المعاد .","part":5,"page":192},{"id":2193,"text":"{ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار } منصوب بقول مضمر مقوله : { أَلَيْسَ هذا بالحق } والإِشارة إلى العذاب . { قَالُواْ بلى وَرَبّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ } بكفركم في الدنيا ، ومعنى الأمر هو الإِهانة بهم والتوبيخ لهم .\r{ فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُو العزم مِنَ الرسل } أولو الثبات والجد منهم فإنك من جملتهم ، و { مِنْ } للتبيين ، وقيل للتبعيض ، و { أُوْلُو العزم } منهم أصحاب الشرائع اجتهدوا في تأسيسها وتقريرها وصبروا على تحمل مشاقها ومعاداة الطاعنين فيها ، ومشاهيرهم : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى عليهم السلام . وقيل الصابرون على بلاء الله كنوح صبر على أذى قومه كانوا يضربونه حتى يغشى عليه ، وإبراهيم على النار وذبح ولده والذبيح على الذبح ، ويعقوب على فقد الولد والبصر ، ويوسف على الجب والسجن ، وأيوب على الضر ، وموسى قال له قومه { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } وداود بكى على خطيئته أربعين سنة ، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة . { وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ } لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة . { كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة . { بَلاَغٌ } هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة بلاغ أي كفاية ، أو تبليغ من الرسول E ويؤيده أنه قرىء «بلغ» ، وقيل { بَلاَغٌ } مبتدأ خبره { لَهُمْ } و { مَا } بينهما اعتراض أي لهم وقت يبلغون إليه كأنهم إذا بلغوه ورأوا ما فيه استقصروا مدة عمرهم ، وقرىء بالنصب أي بلغوا بلاغاً . { فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون } الخارجون عن الاتعاظ أو الطاعة ، وقرىء يهلك بفتح اللام وكسرها من هلك وهلك ، ونهلك بالنون ونصب القوم . عن النبي A \" من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا \" .","part":5,"page":193},{"id":2194,"text":"( وتسمىسورة القتال وهي مدنية وقيل مكية وآيها سبع أو ثمان وثلاثون أو أربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم {\rالذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } امتنعوا عن الدخول في الإِسلام وسلوك طريقه ، أو منعوا الناس عنه كالمطعمين يوم بدر ، أو شياطين قريش أو المصريين من أهل الكتاب . أو عام في جميع من كفر وصد . { أَضَلَّ أعمالهم } جعل مكارمهم كصلة الرحم وفك الأسارى وحفظ الجوار ضالة أي ضائعة محيطة بالكفر ، أو مغلوبة مغمورة فيه كما يضل الماء في اللبن ، أو ضلال حيث لم يقصدوا به وجه الله ، أو أبطل ما عملوه من الكيد لرسوله والصد عن سبيله بنصر رسوله وإظهار دينه على الدين كله .\r{ والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } يعم المهاجرين والأنصار والذين آمنوا من أهل الكتاب وغيرهم . { وَءَامَنُواْ بِمَا نُزّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ } تخصيص للمنزل عليه مما يجب الإيمان به تعظيماً له وإشعاراً بأن الإيمان لا يتم دونه ، وأنه الأصل فيه ولذلك أكده بقوله : { وَهُوَ الحق مِن رَّبّهِمْ } اعتراضاً على طريقة الحصر . وقيل حقيقته بكونه ناسخاً لا ينسخ ، وقرىء «نَزَّلَ» على البناء للفاعل و «أنزل» على البناءين و «نَزَلَ» بالتخفيف . { كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم } سترها بالإِيمان وعملهم الصالح . { وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ } في الدين والدنيا بالتوفيق والتأييد .\r{ ذلك } إشارة إلى ما مر من الإِضلال والتكفير والإِصلاح وهو مبتدأ خبره . { بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وَأَنَّ الذين ءامَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِِّهِمْ } بسبب اتباع هؤلاء الباطل واتباع هؤلاء الحق ، وهذا تصريح بما أشعر به ما قبلها ولذلك سمي تفسيراً . { كذلك } مثل ذلك الضرب . { يَضْرِبُ الله لِلنَّاسِ } يبين لهم . { أمثالهم } أحوال الفريقين أو أحوال الناس ، أو يضرب أمثالهم بأن جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكفار والإِضلال مثلاً لخيبتهم واتباع الحق مثلاً للمؤمنين ، وتكفير السيئات مثلاً لفوزهم .\r{ فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ } في المحاربة . { فَضَرْبَ الرقاب } أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر ، وأنيب منابه مضافاً إلى المفعول ضماً إلى التأكيد والاختصار . والتعبير به عن القتل إشعاراً بأنه ينبغي أن يكون بضرب الرقاب حيث أمكن ، وتصوير له بأشنع صورة . { حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ } أكثرتم قتلهم وأغلظتموه من الثخين وهو الغليظ . { فَشُدُّواْ الوثاق } فأسروهم واحفظوهم ، والوثاق بالفتح والكسر ما يوثق به . { فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً } أي فإما تمنون منا أو تفدون فداء ، والمراد التخيير بعد الأسر بين المن والإِطلاق وبين أخذ الفداء ، وهو ثابت عندنا فإن الذكر الحر المكلف إذا أسر تخير الإِمام بين القتل والمن والفداء ، والاسترقاق منسوخ عند الحنفية أو مخصوص بحرب بدر فإنهم قالوا يتعين القتل أو الاسترقاق . وقرىء «فدا» كعصا .","part":5,"page":194},{"id":2195,"text":"{ حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا } آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع ، أي تنقضي الحرب ولم يبق إلا مسلم أو مسالم . وقيل آثامها والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم ، وهو غاية للضرب أو الشد أو للمن والفداء أو للمجموع بمعنى أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم . وقيل بنزول عيسى E { ذلك } أي الأمر ذلك ، أو افعلوا بهم ذلك . { وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } لا نتقم منهم بالاستئصال . { ولكن لّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } ولكن أمركم بالقتال ليبلوا المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوهم فيستوجبوا الثواب العظيم والكافرين بالمؤمنين بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم كي يرتدع بعضهم عن الكفر . { والذين قَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ الله } أي جاهدوا ، وقرأ البصريان وحفص «قَتِلُواْ» أي استشهدوا . { فَلَن يُضِلَّ أعمالهم } فلن يضيعها ، وقرىء «يُضِلَّ» من ضل ويضل على البناء للمفعول .","part":5,"page":195},{"id":2196,"text":"{ سَيَهْدِيهِمْ } إلى الثواب ، أو سيثبت هدايتهم . { وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ } .\r{ وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ } وقد عرفها لهم في الدنيا حتى اشتاقوا إليها فعملوا ما استحقوها به ، أو بينها لهم بحيث يعلم كل واحد منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنه منذ خلق ، أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة ، أو حددها لهم بحيث يكون لكل جنة مفرزة .\r{ يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله } إن تنصروا دينه ورسوله . { يَنصُرْكُمُ } على عدوكم . { وَيُثَبّتْ أَقْدَامَكُمْ } في القيام بحقوق الإِسلام والمجاهدة مع الكفار .\r{ والذين كَفَرُواْ فَتَعْساً لَّهُمْ } فعثوراً لهم وانحطاطاً ونقضه لما قال الأعشى :\rفالتعس أولى بها من أن أقول لَعَا ... وانتصابه بفعله الواجب إضماره سماعاً ، والجملة خبر { الذين كَفَرُواْ } أو مفسرة لناصبه . { وَأَضَلَّ أعمالهم } عطف عليه .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ الله } القرآن لما فيه من التوحيد والتكاليف المخالفة لما ألفوه واشتهته أنفسهم ، وهو تخصيص وتصريح بسببه الكفر بالقرآن للتعس والإِضلال . { فَأَحْبَطَ أعمالهم } كرره إشعاراً بأنه يلزم الكفر بالقرآن ولا ينفك عنه بحال .\r{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ } استأصل عليهم ما اختص بهم من أنفسهم وأهليهم وأموالهم . { وللكافرين } من وضع الظاهر موضع المضمر . { أمثالها } أمثال تلك العاقبة أو العقوبة ، أو الهلكة لأن التدمير يدل عليها ، أو السنة لقوله تعالى : { سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ } { ذَلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الذين ءامَنُواْ } ناصرهم على أعدائهم . { وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ } فيدفع العذاب عنهم وهو لا يخالف قوله : { وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق } فإن المولى فيه بمعنى المالك .\r{ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ } ينتفعون بمتاع الدنيا . { وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنعام } حريصين غافلين عن العاقبة . { والنار مَثْوًى لَّهُمْ } منزل ومقام .\r{ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ } على حذف المضاف وإجراء أحكامه على المضاف إليه ، والإِخراج باعتبار التسبب . { أهلكناهم } بأنواع العذاب . { فَلاَ ناصر لَهُمْ } يدفع عنهم العذاب وهو كالحال المحكية .\r{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } حجة من عنده وهو القرآن ، أو ما يعمه والحجج العقلية كالنبي A والمؤمنين . { كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } كالشرك والمعاصي . { واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ } في ذلك لا شبهة لهم عليه فضلاً عن حجة .\r{ مَّثَلُ الجنة التى وُعِدَ المتقون } أي فيما قصصنا عليك صفتها العجيبة . وقيل مبتدأ خبره : { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار } ، وتقدير الكلام أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد ، أو أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد فعري عن حرف الإِنكار وحذف ما حذف استغناء يجري مثله تصويراً لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع للهوى ، بمكابرة من يسوي بين الجنة والنار ، وهو على الأول خبر محذوف تقديره : أفمن هو خالد في هذه الجنة كمن هو خالد في النار ، أو بدل من قوله : { كَمَن زُيّنَ } وما بينهما اعتراض لبيان ما يمتاز به من على بينة في الآخرة تقريراً لإِنكار المساواة .","part":5,"page":196},{"id":2197,"text":"{ فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاءٍ غَيْرِ ءاسِنٍ } استئناف لشرح المثل أو حال من العائد المحذوف ، أو خبر لمثل و { ءاسِنٍ } من أسن الماء بالفتح إذا تغير طعمه وريحه ، أو بالكسر على معنى الحدوث . وقرأ ابن كثير «أسن» . { وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } لم يصر قارصاً ولا حازراً . { وأنهار مّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ للشاربين } لذيذة لا يكون فيها كراهة طعم وريح ولا غائلة سكر وخمار تأنيث لذ أو مصدر نعت به بإضمار ذات ، أو تجوز وقرئت بالرفع على صفة الأنهار والنصب على العلة . { وأنهار مّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى } لم يخالطه الشمع وفضلات النحل وغيرها ، وفي ذلك تمثيل لما يقوم مقام الأشربة في الجنة بأنواع ما يستلذ منها في الدنيا بالتجريد عما ينقصها وينغصها ، والتوصيف بما يوجب غزارتها واستمرارها . { وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلّ الثمرات } صنف على هذا القياس . { وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ } عطف على الصنف المحذوف ، أو مبتدأ خبره محذوف أي لهم مغفرة . { كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار وَسُقُواْ مَاءً حَمِيماً } مكان تلك الأشربة . { فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } من فرط الحرارة .","part":5,"page":197},{"id":2198,"text":"{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ } يعني المنافقين كانوا يحضرون مجلس الرسول A ويسمعون كلامه فإذا خرجوا { قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم } أي لعلماء الصحابة رضي الله تعالى عنهم . { مَاذَا قَالَ ءانِفاً } ما الذي قال الساعة ، استهزاء أو استعلاماً إذا لم يلقوا له آذانهم تهاوناً به ، و { ءانِفاً } من قولهم أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة ، ومنه استأنف وائتنف وهو ظرف بمعنى وقتاً مؤتنفاً ، أو حال من الضمير في { قَالَ } وقرأ ابن كثير «أنفاً» .\r{ أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ } فلذلك استهزؤوا وتهاونوا بكلامه .\r{ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى } أي زادهم الله بالتوفيق والإِلهام ، أو قول الرسول E . { وَآتاهُمْ تَقْوَاهُمْ } بين لهم ما يتقون أو أعانهم على تقواهم ، أو أعطاهم جزاءها .\r{ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة } فهل ينتظرون غيرها . { أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً } بدل اشتمال من { الساعة } ، وقوله : { فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا } كالعلة له ، وقرىء أن تأتهم على أنه شرط مستأنف جزاؤه : { فأنى لَهُمْ إِذَا جَاءتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } والمعنى أن تأتهم الساعة بغتة لأنه قد ظهر أماراتها كمبعث النبي E ، وانشقاق القمر فكيف لهم { ذِكْرَاهُمْ } أي تذكرهم { إِذَا جَاءتْهُمُ } الساعة بغتة ، وحينئذ لا يفرغ له ولا ينفع .\r{ فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلا الله واستغفر لِذَنبِكَ } أي إذا علمت سعادة المؤمنين وشقاؤة الكافرين فاثبت على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية وتكميل النفس بإصلاح أحوالها وأفعالها وهضمها بالاستغفار { لِذَنبِكِ } . { وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } ولذنوبهم بالدعاء لهم والتحريض على ما يستدعي غفرانهم ، وفي إعادة الجار وحذف المضاف إشعار بفرط احتياجهم وكثرة ذنوبهم وأنها جنس آخر ، فإن الذنب له ماله تبعة ما بترك الأولى . { والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ } في الدنيا فإنها مراحل لا بد من قطعها . { وَمَثْوَاكُمْ } في العقبى فإنها دار إقامتكم فاتقوا الله واستغفروه وأعدوا لمعادكم .\r{ وَيَقُولُ الذين ءامَنُواْ لَوْلاَ نُزّلَتْ سُورَةٌ } أي هلا { نُزّلَتْ سُورَةٌ } في أمر الجهاد . { فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُّحْكَمَةٌ } مبينة لا تشابه فيها . { وَذُكِرَ فِيهَا القتال } أي الأمر به . { رَأَيْتَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } ضعف في الدين وقيل نفاق . { يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } جبناً ومخافة . { فأولى لَهُمْ } فويل { لَهُمْ } ، أفعل من الولي وهو القرب ، أو فعلى من آل ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه أو يؤول إليه أمرهم .","part":5,"page":198},{"id":2199,"text":"{ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } استئناف أي أمرهم { طَاعَةٌ } أو { طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ } خير لهم ، أو حكاية قولهم لقراءة أُبيّ «يقولون طاعة» . { فَإِذَا عَزَمَ الأمر } أي جد وهو لأصحاب الأمر ، وإسناده إليه مجاز وعامل الظرف محذوف ، وقيل { فَلَوْ صَدَقُواْ الله } أي فيما زعموا من الحرص على الجهاد أو الإِيمان . { لَكَانَ } الصدق . { خَيْراً لَّهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ } فهل يتوقع منكم . { إِن تَوَلَّيْتُمْ } أمور الناس وتأمرتم عليهم ، أو اعرضتم وتوليتم عن الإِسلام . { أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تناحراً على الولاية وتجاذباً لها ، أو رجوعاً إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من التغاور ومقاتلة الأقارب ، والمعنى أنهم لضعفهم في الدين وحرصهم على الدنيا أحقاء بأن يتوقع ذلك منهم من عرف حالهم ويقول لهم : هل عسيتم ، وهذا على لغة الحجاز فإن بني تميم لا يلحقون الضمير به وخبره { أَن تُفْسِدُواْ } و { إِن تَوَلَّيْتُمْ } اعتراض ، وعن يعقوب { تَوَلَّيْتُمْ } أي إن تولاكم ظلمة خرجتم معهم وساعدتموهم في الإِفساد وقطيعة الرحم { وَتُقَطّعُواْ } من القطع ، وقرىء { تقطعوا } من التقطع .","part":5,"page":199},{"id":2200,"text":"{ أولئك } إشارة إلى المذكورين . { الذين لَعَنَهُمُ الله } لإِفسادهم وقطعهم الأرحام . { فَأَصَمَّهُمْ } عن استماع الحق . { وأعمى أبصارهم } فلا يهتدون سبيله .\r{ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان } يتصفحونه وما فيه من المواعظ والزواجر حتى لا يجسروا على المعاصي . { أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا } لا يصل إليها ذكر ولا ينكشف لها أمر ، وقيل { أَمْ } منقطعة ومعنى الهمزة فيها التقرير ، وتنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم أو للإِشعار بأنها لإِبهام أمرها في القساوة ، أو لفرط جهالتها ونكرها كأنها مبهمة منكورة وإضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها لا تجانس الأقفال المعهودة . وقرىء «إقفالها» على المصدر .\r{ إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم } أي ما كانوا عليه من الكفر . { مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } بالدلائل الواضحة والمعجزات الظاهرة . { الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ } سهل لهم اقتراف الكبائر من السول وهو الاسترخاء . وقيل حملهم على الشهوات من السول وهو التمني ، وفيه أن السول مهموز قلبت همزته واواً لضم ما قبلها ولا كذلك التسويل ، ويمكن رده بقولهم هما يتساولان وقرىء «سَوَّلَ» على تقدير مضاف أي كيد الشيطان { سَوَّلَ لَهُمْ } . { وأملى لَهُمْ } ومد لهم في الآمال والأماني ، أو أمهلهم الله تعالى ولم يعاجلهم بالعقوبة لقراءة يعقوب «وَأمْلِي لَهُمْ» ، أي وأنا أملي لهم فتكون الواو للحال أو الاستئناف ، وقرأ أبو عمرو «وَأمْلِي لَهُمْ» على البناء للمفعول وهو ضمير { الشيطان } أو { لَهُمْ } .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله } أي قال اليهود للذين كفروا بالنبي E بعدما تبين لهم نعته للمنافقين ، أو المنافقون لهم أو أحد الفريقين للمشركين . { سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأمر } في بعض أموركم أو في بعض ما تأمرون به كالقعود عن الجهاد والموافقة في الخروج معهم إن أخرجوا ، والتظافر على الرسول A . { والله يَعْلَمُ أَسْرَارَهُمْ } ومنها قولهم هذا الذي أفشاه الله عليهم ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص «إِسْرَارَهُمْ »على المصدر .\r{ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة } فكيف يعملون ويحتالون حينئذ ، وقرىء «توفاهم» وهو يحتمل الماضي والمضارع المحذوف إحدى تاءيه . { يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم } تصوير لتوفيهم بما يخافون منه ويجبنون عن القتال له .\r{ ذلك } إشارة إلى التوفي الموصوف . { بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله } من الكفر ككتمان نعت الرسول E وعصيان الأمر . { وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ } ما يرضاه من الإِيمان والجهاد وغيرهما من الطاعات . { فَأَحْبَطَ أعمالهم } لذلك .\r{ أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن يُخْرِجَ الله } أن لن يبرز الله لرسوله A والمؤمنين . { أضغانهم } أَحقادهم .\r{ وَلَوْ نَشَاءُ لأريناكهم } لعرفناكهم بدلائل تعرفهم بأعيانهم . { فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم } بعلاماتهم التي نسمهم بها ، واللام لام الجواب كررت في المعطوف . { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول } جواب قسم محذوف و { لَحْنِ القول } أسلوبه ، أو إمالته إلى جهة تعريض وتورية ، ومنه قيل للمخطىء لاحن لأنه يعدل بالكلام عن الصواب . { والله يَعْلَمُ أعمالكم } فيجازيكم على حساب قصدكم إذ الأعمال بالنيات .","part":5,"page":200},{"id":2201,"text":"{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } بالأمر بالجهاد وسائر التكاليف الشاقة . { حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين } على مشاقه . { وَنَبْلُوَ أخباركم } ما يخبر به عن أعمالكم فيظهر حسنها وقبحها ، أو أخبارهم عن إيمانهم وموالاتهم المؤمنين في صدقها وكذبها . وقرأ أبو بكر الأفعال الثلاثة بالياء لتوافق ما قبلها ، وعن يعقوب «وَنَبْلُوَ» بسكون الواو على تقدير ونحن نبلو .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَاقُّواْ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى } هم قريظة والنضير أو المطعمون يوم بدر . { لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً } بكفرهم وصدهم ، أو لن يضروا رسول الله A بمشاقته وحذف المضاف لتعظيمه وتفظيع مشاقته . { وَسَيُحْبِطُ أعمالهم } ثواب حسنات أعمالهم بذلك ، أو مكايدهم التي نصبوها في مشاقته فلا يصلون بها إلى مقاصدهم ولا تثمر لهم إلا القتل والجلاء عن أوطانهم .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم } بما أبطل به هؤلاء كالكفر والنفاق والعجب والرياء والمن والأذى ونحوها ، وليس فيه دليل على إحباط الطاعات بالكبائر .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } عام في كل من مات على كفره وإن صح نزوله في أصحاب القليب ، ويدل بمفهومه على أنه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه .\r{ فَلاَ تَهِنُواْ } فلا تضعفوا . { وَتَدْعُواْ إِلَى السلم } ولا تدعوا إلى الصلح خوراً وتذللاً ، ويجوز نصبه بإضمار إن وقرىء «ولا تدعوا» من ادعى بمعنى دعا ، وقرى أبو بكر وحمزة بكسر السين . { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ } الأغلبون . { والله مَعَكُمْ } ناصركم . { وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم } ولن يضيع أعمالكم ، من وترت الرجل إذا قتلت متعلقاً به من قريب أو حميم فأفردته منه من الوتر ، شبه به تعطيل ثواب العمل وإفراده منه .\r{ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } لإثبات لها . { وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ } ثواب إيمانكم وتقواكم . { وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم } جميع أموالكم بل يقتصر على جزء يسير كربع العشر والعشر .\r{ إِنْ يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ } فيجهدكم بطلب الكل والإِحفاء والإِلحاف المبالغة وبلوغ الغاية يقال : أحفى شاربه إذ استأصله . { تَبْخَلُواْ } فلا تعطوا . { وَيُخْرِجْ أضغانكم } ويضغنكم على رسول الله A والضمير في يخرج لله تعالى ، ويؤيده القراءة بالنون أو البخل لأنه سبب الإِضغان ، وقرىء «وتخرج» بالتاء والياء ورفع { أضغانكم } .\r{ هَا أَنتُمْ هؤلاء } أي أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون وقوله : { تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } استئناف مقرر لذلك ، أو صلة ل { هَؤُلاء } على أنه بمعنى الذين وهو يعم نفقة الغزو والزكاة وغيرهما . { فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ } ناس يبخلون وهو كالدليل على الآية المتقدمة .","part":5,"page":201},{"id":2202,"text":"{ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ } فإن نفع الإنفاق وضر البخل عائدان إليه ، والبخل يعدى بعن وعلى لتضمنه معنى الإِمساك والتعدي فإنه إمساك عن مستحق . { والله الغنى وَأَنتُمُ الفقراء } فما يأمركم به فهو لاحتياجكم إليه فإن امتثلتم فلكم وإن توليتم فعليكم . { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ } عطف على { إِن تُؤْمِنُواْ } . { يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ } يقم مقامكم قوماً آخرين . { ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم } في التولي والزهد في الإِيمان ، وهم الفرس \" لأنه سئل E عنه وكان سلمان إلى جنبه فضرب فخذه وقال : «هذا وقومه» \" أو الأنصار أو اليمن أو الملائكة . عن النبي A \" من قرأ سورة محمد كان حقاً على الله أن يسقيه من أنهار الجنة \" .","part":5,"page":202},{"id":2203,"text":"مدنية نزلت في مرجع رسول الله A من الحديبية وآيها تسع وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } وعد بفتح مكة ، والتعبير عنه بالماضي لتحققه أو بما اتفق له في تلك السنة كفتح خيبر وفدك ، أو إخبار عن صلح الحديبية وإنما سماه فتحاً لأنه كان بعد ظهوره على المشركين حتى سألوا الصلح وتسبب لفتح مكة ، وفرغ به رسول الله A لسائر العرب فغزاهم وفتح مواضع وأدخل في الإِسلام خلقاً عظيماً ، وظهر له في الحديبية آية عظيمة وهي أنه نزح ماؤها بالكلية فتمضمض ثم مجه فيها فدرت بالماء حتى شرب جميع من كان معه ، أو فتح الروم فإنهم غلبوا الفرس في تلك السنة . وقد عرفت كونه فتحاً للرسول E في سورة «الروم» . وقيل الفتح بمعنى القضاء أي قضينا لك أن تدخل مكة من قابل .\r{ لّيَغْفِرَ لَكَ الله } علة للفتح من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار والسعي في إزاحة الشرك وإعلاء الدين وتكميل النفوس الناقصة قهراً ليصير ذلك بالتدريج اختياراً ، وتخليص الضعفة عن أيدي الظلمة . { مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه . { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بإعلاء الدين وضم الملك إلى النبوة . { وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً } في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرئاسة .\r{ وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً } نصراً فيه عز ومنعة ، أو يعز به المنصور فوصف بوصفه مبالغة .\r{ هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة } الثبات والطمأنينة . { فِى قُلُوبِ المؤمنين } حتى ثبتوا حيث تقلق النفوس وتدحض الأقدام . { لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم } يقيناً مع يقينهم برسوخ العقيدة واطمئنان النفس عليها ، أو نزل فيها السكون إلى ما جاء به الرسول A ليزدادوا إيماناً بالشرائع مع إيمانهم بالله واليوم الآخر . { لِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض } يدبر أمرها فيسلط بعضها على بعض تارة ويوقع فيما بينهم السلم أخرى كما تقتضيه حكمته . { وَكَانَ الله عَلِيماً } بالمصالح . { حَكِيماً } فيما يقدر ويدبر .\r{ لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا } علة بما بعده لما دل عليه قوله تعالى : { وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض } من معنى التدبير ، أي دبر ما دبر من تسليط المؤمنين ليعرفوا نعمة الله فيه ويشكروها فيدخلهم الجنة ويعذب الكفار والمنافقين لما غاظهم من ذلك ، أو { فَتَحْنَا } أو { أَنَزلَ } أو جميع ما ذكر أو { لِيَزْدَادُواْ } ، وقيل إنه بدل منه بدل الاشتمال . { وَيُكَفّرَ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ } يغطيها ولا يظهرها . { وَكَانَ ذلك } أي الإِدخال والتكفير . { عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً } لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر ، وعند حال من الفوز .","part":5,"page":203},{"id":2204,"text":"{ وَيُعَذّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات } عطف على { يَدْخُلِ } إلا إذا جعلته بدلاً فيكون عطفاً على المبدل منه . { الظانين بالله ظَنَّ السوء } ظن الأمر السوء وهو أن لا ينصر رسوله والمؤمنين . { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } دائرة ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين لا يتخطاهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { دَائِرَةُ السوء } بالضم وهما لغتان ، غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما في الأصل مصدر { وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ } عطف لما استحقوه في الآخرة على ما استوجبوه في الدنيا ، والواو في الأخيرين والموضع موضع الفاء إذ اللعن سبب للاعداد ، والغضب سبب له لاستقلال الكل في الوعيد بلا اعتبار النسبية . { وَسَاءتْ مَصِيراً } جهنم . { وَلِلَّهِ جُنُودُ السموات والأرض وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً } .\r{ إِنَّا أرسلناك شَاهِداً } على أمتك . { وَمُبَشّراً وَنَذِيراً } على الطاعة والمعصية .\r{ لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } الخطاب للنبي A والأمة ، أو لهم على أن خطابه منزل منزلة خطابهم . { وَتُعَزّرُوهُ } وتقووه بتقوية دينه ورسوله { وَتُوَقّرُوهُ } وتعظموه . { وَتُسَبّحُوهُ } وتنزهوه أو تصلوا له . { بُكْرَةً وَأَصِيلاً } غدوة وعشياً أو دائماً . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو الأفعال الأربعة بالياء ، وقرىء« تعزروه» بسكون العين و «تعزروه» بفتح التاء وضم الزاي وكسرها و «تعززوه» بالزاءين «وَتُوَقّرُوهُ» من أوقره بمعنى وقره .\r{ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } لأنه المقصود ببيعته . { يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ } حال أو استئناف مؤكد له على سبيل التخييل . { فَمَن نَّكَثَ } نقض العهد . { فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه . { وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عَلَيْهِ الله } في مبايعته { فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً } هو الجنة ، وقرىء «عهد» وقرأ حفص { عَلَيْهِ } بضم الهاء وابن كثير ونافع وابن عامر وروح «فسنؤتيه» بالنون . والآية نزلت في بيعة الرضوان .","part":5,"page":204},{"id":2205,"text":"{ سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب } هم أسلم وجهينة ومزينة وغفار استنفرهم رسول الله A عام الحديبية فتخلفوا واعتلوا بالشغل بأموالهم وأهاليهم ، وإنما خلفهم الخذلان وضعف العقيدة والخوف من مقاتلة قريش إن صدوهم . { شَغَلَتْنَا أموالنا وَأَهْلُونَا } إذ لم يكن لنا من يقوم بأشغالهم ، وقرىء بالتشديد للتكثير . { فاستغفر لَنَا } من الله على التخلف . { يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ } تكذيب لهم في الاعتذار والاستغفار . { قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مّنَ الله شَيْئاً } فمن يمنعكم من مشيئته وقضائه . { إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً } ما يضركم كقتل أو هزيمة أو خلل في المال والأهل عقوبة على التخلف ، وقرأ حمزة والكسائي بالضم . { أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً } ما يضاد ذلك ، وهو تعريض بالرد . { بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً } فيعلم تخلفكم وقصدكم فيه .\r{ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً } لظنكم أن المشركين يستأصلونهم ، وأهلون جمع أهل وقد يجمع على أهلات كأرضات على أن أصله أهلة وأما أهال فاسم جمع كليال . { وَزُيّنَ ذَلِكَ فِى قُلُوبِكُمْ } فتمكن فيها ، وقرىء على البناء للفاعل وهو الله أو الشيطان . { وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء } الظن المذكور ، والمراد التسجيل عليه ب { السوء } أو هو وسائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة . { وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً } هالكين عند الله لفساد عقيدتكم وسوء نيتكم .\r{ وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سَعِيراً } وضع الكافرين موضع الضمير إيذاناً بأن من لم يجمع بين الإِيمان بالله ورسوله فهو كافر وأنه مستوجب للسعير بكفره ، وتنكير سعيراً للتهويل أو لأنها نار مخصوصة .\r{ وَللَّهِ مُلْكُ السموات والأرض } يدبره كيف يشاء . { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء } إذ لا وجوب عليه . { وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً } فإن الغفران والرحمة من ذاته والتعذيب داخل تحت قضائه بالعرض ، ولذلك جاء في الحديث الإلهي \" سبقت رحمتي غضبي \" { سَيَقُولُ المخلفون } يعني المذكورين . { إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا } يعني مغانم خيبر فإنه E رجع من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست وأقام بالمدينة بقيتها وأوائل المحرم ، ثم غزا خيبر بمن شهد الحديبية ففتحها وغنم أموالاً كثيرة فخصها بهم . { ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُواْ كلام الله } أن يغيروه وهو وعده لأهل الحديبية أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر ، وقيل قوله تعالى : { لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا } والظاهر أنه في تبوك . والكلام اسم للتكليم غلب في الجملة المفيدة وقرأ حمزة والكسائي «كلم الله» وهو جمع كلمة . { قُل لَّن تَتَّبِعُونَا } نفي في معنى النهي . { كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ } .","part":5,"page":205},{"id":2206,"text":"من قبل تهيئهم للخروج إلى خيبر . { فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا } أن يشارككم في الغنائم ، وقرىء بالكسر . { بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ } لا يفهمون . { إِلاَّ قَلِيلاً } إلا فهما قليلاً وهو فطنتهم لأمور الدنيا ، ومعنى الإِضراب الأول رد منهم أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات للحسد ، والثاني رد من الله لذلك وإثبات لجهلهم بأمور الدين .\r{ قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب } كرر ذكرهم بهذا الاسم مبالغة في الذم وإشعاراً بشناعة التخلف . { سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله A ، أو المشركين فإنه قال : { تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ } أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإِسلام لا غير كما دل عليه قراءة «أو يسلموا» ، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو يعطي الجزية . وهو يدل على إمامة أبي بكر Bه إذا لم تتفق هذه الدعوة لغيره إلا إذا صح أنهم ثقيف وهوازن فإن ذلك كان في عهد النبوة . وقيل فارس والروم ومعنى { يُسْلِمُونَ } ينقادون ليتناول تقبلهم الجزية . { فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً } هو الغنيمة في الدنيا والجنة في الآخرة . { وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مّن قَبْلُ } عن الحديبية . { يُعَذّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً } لتضاعف جرمكم .\r{ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ } لما أوعد على التخلف نفي الحرج عن هؤلاء المعذورين استثناء لهم عن الوعيد . { وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهر } فصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد لسبق رحمته ، ثم جبر ذلك بالتكرير على سبيل التعميم فقال : { وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً } إذ الترهيب ها هنا أنفع من الترغيب ، وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» و «نُعَذِّبُهُ» بالنون .\r{ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة } روي : أنه A لما نزل الحديبية بعث جواس بن أمية الخزاعي إلى أهل مكة ، فهموا به فمنعه الأحابيش فرجع ، فبعث عثمان بن عفان Bه فحبسوه فأرجف بقتله ، فدعا رسول الله A أصحابه وكانوا ألفاً وثلثمائة أو وأربعمائة أو وخمسمائة ، وبايعهم على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفروا عنهم وكان جالساً تحت سمرة أو سدرة . { فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ } من الإِخلاص . { فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ } الطمأنينة وسكون النفس بالتشجيع أو الصلح . { وأثابهم فَتْحاً قَرِيباً } فتح خيبر غب انصرافهم ، وقيل مكة أو هجر .\r{ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا } يعني مغانم خيبر . { وَكَانَ الله عَزِيزاً حَكِيماً } غالباً مراعياً مقتضى الحكمة .","part":5,"page":206},{"id":2207,"text":"{ وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا } وهي ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة . { فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه } يعني مقام خيبر . { وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ } أي أيدي أهل خيبر وخلفائهم من بني أسد وغطفان ، أو أيدي قريش بالصلح . { وَلِتَكُونَ } هذه الكفة أو الغنيمة . { آيَةً لّلْمُؤْمِنِينَ } أمارة يعرفون بها أنهم من الله بمكان ، أو صدق الرسول في وعدهم فتح خيبر في حين رجوعه من الحديبية ، أو وعد المغانم أو عنواناً لفتح مكة والعطف على محذوف هو علة ل { كَفَّ } ، أو «عجل» مثل لتسلموا ، أو لتأخذوا أو العلة لمحذوف مثل فعل ذلك . { وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً } هو الثقة بفضل الله والتوكل عليه .\r{ وأخرى } ومغانم أخرى معطوفة على هذه ، أو منصوبة بفعل يفسره { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } مثل قضى ، ويحتمل رفعها بالابتداء لأنها موصوفة وجرها بإضمار رب . { لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا } بعد لما كان فيها من الجولة . { قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } استولى فأظفركم بها وهي مغانم هوازن أو فارس . { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْءٍ قَدِيراً } لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء .\r{ وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ } من أهل مكة ولم يصالحوا . { لَوَلَّوُاْ الأدبار } لانهزموا . { ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً } يحرسهم . { وَلاَ نَصِيراً } ينصرهم .\r{ سُنَّةَ الله التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ } أي سنَّ غُلَّبة أنبيائه سنة قديمة فيمن مضى من الأمم كما قال تعالى : { لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } { وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً } تغييراً .\r{ وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ } أي أيدي كفار مكة . { وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ } في داخل مكة . { مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } أظهركم عليهم ، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة إلى الحديبية ، فبعث رسول الله A خالد بن الوليد على جند فهزمهم حتى أدخلهم حيطان مكة ثم عاد . وقيل كان ذلك يوم الفتح واستشهد به على أن مكة فتحت عنوة وهو ضعيف إذ السورة نزلت قبله . { وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ } من مقاتلتهم أولاً طاعة لرسوله وكفهم ثانياً لتعظيم بيته ، وقرأ أبو عمرو بالياء { بَصِيراً } فيجازيهم عليه .\r{ هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } يدل على أن ذلك كان عام الحديبية ، والهدي ما يهدى إلى مكة . وقرىء { الهدي } وهو فعيل بمعنى مفعول ، ومحله مكانه الذي يحل فيه نحره والمراد مكانه المعهود وهو منى لا مكانه الذي لا يجوز أن ينحر في غيره ، وإلا لما نحره الرسول A حيث أحصر فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم . { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } لم تعرفوهم بأعيانهم لاختلاطهم بالمشركين .","part":5,"page":207},{"id":2208,"text":"{ أَن تطؤهم } أن توقعوا بهم وتبيدهم قال :\rوَوَطَئْتْنَا وَطْأْ عَلَى حَنَق ... وَطْءَ المُقَيَّدِ ثَابِت الهَرَمِ\rوقال E \" إن آخر وطأة وطئها الله بوج \" وهو وادٍ بالطائف كان آخر وقعة للنبي A بها ، وأصله الدوس وهو بدل الاشتمال من { رِجَالٌ } { وَنِسَاء } أو من ضميرهم في { تَعْلَمُوهُمْ } . { فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ } من جهتهم . { مَّعَرَّةٌ } مكروه كوجوب الدية والكفارة بقتلهم وللتأسف عليهم ، وتعيير الكفار بذلك والإِثم بالتقصير في البحث عنهم مفعلة عن عره إذا أعراه ما يكرهه . { بِغَيْرِ عِلْمٍ } متعلق ب { أَن تَطَؤُهُمْ } أي تطؤوهم غير عالمين بهم ، وجواب { لَوْلاَ } محذوف لدلالة الكلام عليه ، والمعنى { لَوْلاَ } كراهة أن تهلكوا أناساً مؤمنين بين أظهر الكافرين جاهلين بهم يصيبكم بإهلاكهم مكروه لما كف أيديكم عنهم . { لّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ } علة لما دل عليه كف الأيدي عن أهل مكة صوناً لمن فيها من المؤمنين ، أي كان ذلك ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير أو للإِسلام . { مَن يَشَآء } من مؤمنيهم أو مشركيهم . { لَوْ تَزَيَّلُواْ } لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض ، وقرىء «تزايلوا» . { لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } بالقتل والسبي .\r{ إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } مقدر باذكر أو ظرف { لَعَذَّبْنَا } أو { صَدُّوكُمْ } . { فِى قُلُوبِهِمُ الحمية } الأنفة . { حَمِيَّةَ الجاهلية } التي تمنع إذعان الحق . { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } فأنزل عليهم الثبات والوقار وذلك ما روي «أنه E لما هم بقتالهم بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص ليسألوه أن يرجع من عامه على أن يخلي له قريش مكة من القابل ثلاثة أيام ، فأجابهم وكتبوا بينهم كتاباً ، فقال E لعلي Bه : \" اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، فقالوا ما نعرف هذا اكتب باسمك اللهم ثم قال : اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله أهل مكة فقالوا : لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت وما قاتلناك ، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة ، فقال E : اكتب ما يريدون \" فَهَمَّ المؤمنون أن يأبوا ذلك ويبطشوا عليهم فأنزل الله السكينة عليهم فتوقروا وتحملوا . { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } كلمة الشهادة أو بسم الله الرحمن الرحيم محمد رسول الله اختارها لهم ، أو الثبات والوفاء بالعهد وإضافة ال { كَلِمَةَ } إلى { التقوى } لأنها سببها أو كلمة أهلها . { وَكَانُواْ أَحَقَّ بِهَا } من غيرهم . { وَأَهْلُهَا } والمستأهلين لها . { وَكَانَ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيماً } فيعلم أهل كل شيء وييسره له .\r{ لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا } رأى E أنه وأصحابه دخلوا مكة آمنين وقد حلقوا وقصروا ، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أن ذلك يكون في عامهم ، فلما تأخر قال بعضهم والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا البيت فنزلت والمعنى صدقة في رؤياه .","part":5,"page":208},{"id":2209,"text":"{ بالحق } ملتبساً به فإن ما رآه كائن لا محالة في وقته المقدر له وهو العام القابل ، ويجوز أن يكون { بالحق } صفة مصدر محذوف أي صدقاً ملتبساً { بالحق } وهو القصد إلى التمييز بين الثابت على الإِيمان والمتزلزل فيه ، وأن يكون قسماً إما باسم الله تعالى أو بنقيض الباطل وقوله : { لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام } جوابه وعلى الأولين جواب قسم محذوف . { إِن شَاءَ الله } تعليق للعدة . بالمشيئة تعليماً للعباد ، أو إشعاراً بأن بعضهم لا يدخل لموت أو غيبة أو حكاية لما قاله ملك الرؤيا ، أو النبي A لأصحابه . { ءامِنِينَ } حال من الواو والشرط معترض . { مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } أي محلقاً بعضكم ومقصراً آخرون . { لاَ تخافون } حال مؤكدة أو استئناف أي لا تخافون بعد ذلك . { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ } من الحكمة في تأخير ذلك . { فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ } من دون دخولكم المسجد أو فتح مكة . { فَتْحاً قَرِيباً } هو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الموعود .\r{ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } ملتبساً به أو بسببه أو لأجله . { وَدِينِ الحق } وبدين الإِسلام . { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } ليغلبه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقاً وإظهار فساد ما كان باطلاً ، أو بتسليط المسلمين على أهله إذ ما من أهل دين إلا وقد قهرهم المسلمون ، وفيه تأكيد لما وعده من الفتح . { وكفى بالله شَهِيداً } على أن ما وعده كائن أو على نبوته بإظهار المعجزات .\r{ مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله } جملة مبينة للمشهود به ، ويجوز أن يكون { رَسُولِ الله } صفة و { مُحَمَّدٌ } خبر محذوف أو مبتدأ : { والذين مَعَهُ } معطوف عليه وخبرهما . { أَشِدَّاءُ عَلَى الكفار رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ } و { أَشِدَّاء } جمع شديد و { رُحَمَاء } جمع رحيم ، والمعنى أنهم يغلظون على من خالف دينهم ويتراحمون فيما بينهم كقوله : { أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين } { تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً } لأنهم مشتغلون بالصلاة في أكثر أوقاتهم . { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً } الثواب والرضا . { سيماهم فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود } يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود ، فعلى من سامه إذا أعلمه وقد قرئت ممدودة و { مّنْ أَثَرِ السجود } بيانها أو حال من المستكن في الجار . { ذلك } إشارة إلى الوصف المذكور . أو إشارة مبهمة يفسرها { كَزَرْعٍ } . { مَثَلُهُمْ فِى التوراة } صفتهم العجيبة الشأن المذكورة فيها . { وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل } عطف عليه أن ذلك مثلهم في الكتابين وقوله : { كَزَرْعٍ } تمثيل مستأنف أو تفسير أو مبتدأ و { كَزَرْعٍ } خبره .","part":5,"page":209},{"id":2210,"text":"{ أَخْرَجَ شَطْأَهُ } فراخه يقال أشطأ الزرع إذا فرخ ، وقرأ ابن كثير وابن عامر برواية ابن ذكوان { شَطْأَهُ } بفتحات وهو لغة فيه ، وقرىء «شطاه» بتخفيف الهمزة و «شطاءه» بالمد و «شطه» بنقل حركة الهمزة وحذفها و «شطوه» بقلبها واواً . { فَآزَرَهُ } فقواه من المؤازرة وهي المعاونة أو من الإيزار وهي الإعانة وقرأ ابن عامر برواية ابن ذكوان { فَأزَرَهُ } كأجره في آجره . { فاستغلظ } فصار من الدقة إلى الغلظ . { فاستوى على سُوقِهِ } فاستقام على قصبه جمع ساق ، وعن ابن كثير «سؤقه» بالهمزة . { يُعْجِبُ الزراع } بكثافته وقوته وغلظه وحسن منظره ، وهو مثل ضربه الله تعالى للصحابة قلوا في بدء الإِسلام ثم كثروا واستحكموا فترقى أمرهم بحيث أعجب الناس . { لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار } علة لتشبيههم بالزرع في زكاته واستحكامه أو لقوله : { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } فإن الكفار لما سمعوه غاظهم ذلك ومنهم للبيان . عن النبي A \" من قرأ سورة الفتح فكأنما كان ممن شهد مع محمد E فتح مكة \" .","part":5,"page":210},{"id":2211,"text":"مدنية وآيها ثما ني عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُقَدّمُواْ } أي لا تقدموا أمراً ، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن ، أو ترك لأن المقصود نفي التقديم رأساً أو لا تتقدموا ومنه مقدمة الجيش لمتقدميهم ، ويؤيده قراءة يعقوب«لاَ تُقَدّمُواْ» . وقرىء «لاَ تُقَدّمُواْ» من القدوم . { بَيْنَ يَدَىِ الله وَرَسُولِهِ } مستعار مما بين الجهتين المسامتتين ليدي الإنسان تهجيناً لما نهوا عنه ، والمعنى لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكما به . وقيل المراد بين يدي رسول الله A وذكر الله تعظيم له وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله . { واتقوا الله } في التقديم أو مخالفة الحكم . { إِنَّ الله سَمِيعٌ } لأقوالكم . { عَلِيمٌ } بأفعالكم .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أصواتكم فَوْقَ صَوْتِ النبى } أي إذا كلمتموه فلا تجاوزوا أصواتكم عن صوته . { وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ } ولا تبلغوا به الجهر الدائر بينكم بل اجعلوا أصواتكم أخفض من صوته محاماة على الترحيب ومراعاة للأدب . وقيل معناه ولا تخاطبوه باسمه وكنيته كما يخاطب بعضكم بعضاً وخاطبوه بالنبي والرسول ، وتكرير النداء لاستدعاء مزيد الاستبصار والمبالغة في الاتعاظ والدلالة على استقلال المنادى له وزيادة الاهتمام به . { أَن تَحْبَطَ أعمالكم } كراهة أن تحبط فيكون علة للنهي ، أو لأن تحبط على أن النهي عن الفعل المعلل باعتبار التأدية لأن في الجهر والرفع استخفافاً قد يؤدي إلى الكفر المحبط ، وذلك إذا انضم إليه قصد الإِهانة وعدم المبالاة . وقد روي : أن ثابت بن قيس كان في أذنه وقر وكان جهورياً ، فلما نزلت تخلف عن رسول الله A فتفقده ودعاه فقال : يا رسول الله لقد أنزلت إليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط ، فقال E : \" لست هناك إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة \" { وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } أنها محبطة .\r{ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم } يخفضونها . { عِندَ رَسُولِ الله } مراعاة للأدب أو مخافة عن مخالفة النهي . قيل كان أبو بكر وعمر بعد ذلك يسرانه حتى يستفهمهما . { أُوْلَئِكَ الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى } جربها للتقوى ومرنها عليها ، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها ، فإن الامتحان سبب المعرفة واللام صلة محذوف أو للفعل باعتبار الأصل ، أو ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الشاقة لأجل التقوى ، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها ، أو أخلصها للتقوى من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبثه . { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم . { وَأَجْرٌ عَظِيمٌ } لغضهم وسائر طاعاتهم ، والتنكير للتعظيم والجملة خبر ثان لأن أو استئناف لبيان ما هو جزاء الغاضين إحماداً لحالهم كما أخبر عنهم بجملة مؤلفة من معرفتين ، والمبتدأ إسم الإِشارة المتضمن لما جعل عنواناً لهم ، والخبر الموصول بصلة دلت على بلوغهم أقصى الكمال مبالغة في الاعتداد بغضهم والارتضاء له ، وتعريضاً بشناعة الرفع والجهر وأن حال المرتكب لهما على خلاف ذلك .","part":5,"page":211},{"id":2212,"text":"{ إَنَّ الذين يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الحجرات } من خارجها خلفها أو قدامها ، ومن ابتدائية فإن المناداة نشأت من جهة الوراء ، وفائدتها الدلالة على أن المنادي داخل الحجرة إذ لا بد وأن يختلف المبتدأ والمنتهى بالجهة ، وقرىء «الحجرات » بفتح الجيم ، وسكونها وثلاثتها جمع حجرة وهي القطعة من الأرض المحجورة بحائط ، ولذلك يقال لحظيرة الإِبل حجرة . وهي فعلة بمعنى مفعول كالغرفة والقبضة ، والمراد حجرات نساء النبي E وفيها كناية عن خلوته بالنساء ومناداتهم من ورائها إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من روائها ، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له ، فأسند فعل الأبعاض إلى الكل . وقيل إن الذي ناداه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس ، وفدا على رسول الله A في سبعين رجلاً من بني تميم وقت الظهيرة وهو راقد فقالا يا محمد اخرج إلينا ، وإنما أسند إلى جميعهم لأنهم رضوا بذلك أو أمروا به ، أو لأنه وجد فيما بينهم . { أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة سيما لمن كان بهذا المنصب .\r{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حتى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ } أي ولو ثبت صبرهم وانتظارهم حتى تخرج إليهم ، فإن أن وإن دلت بما في حيزها على المصدر دلت بنفسها على الثبوت ، ولذلك وجب إضمار الفعل وحتى تفيد أن الصبر ينبغي أن يكون مغنياً بخروجه ، فإن حتى مختصة بغاية الشيء في نفسه ولذلك تقول : أكلت السمكة حتى رأسها ، ولا تقول حتى نصفها ، بخلاف إلى فإنها عامة ، وفي { إِلَيْهِمُ } إشعار بأنه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتى يفاتحهم بالكلام أو يتوجه إليهم . { لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ } لكان الصبر خيراً لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب ، والإِسعاف بالمسؤول إذ روي أنهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر فأطلق النصف وفادى النصف . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب التاركين تعظيم الرسول E .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } فتعرفوا وتصفحوا ، روي أنه E بعث الوليد بن عقبة مصدقاً إلى بني المصطلق وكان بينه وبينهم إحنة ، فلما سمعوا به استقبلوه فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله A قد ارتدوا ومنعوا الزكاة فهم بقتالهم فنزلت . وقيل بعث إليهم خالد بن الوليد فوجدهم منادين بالصلاة متهجدين فسلموا إليه الصدقات فرجع ، وتنكير الفاسق والنبأ للتعميم ، وتعليق الأمر بالتبين على فسق المخبر يقتضي جواز قبول خبر العدل من حيث إن المعلق على شيء بكلمة إن عدم عند عدمه ، وأن خبر الواحد لو وجب تبينه من حيث هو كذلك لما رتب على الفسق ، إذ الترتيب يفيد التعليل وما بالذات لا يعلل بالغير .","part":5,"page":212},{"id":2213,"text":"وقرأ حمزة والكسائي فتثبتوا أي فتوقفوا إلى أن يتبين لكم الحال . { أَنْ تُصِيبُوا } كراهة إصابتكم . { قَوْمَاً بِجَهَالَةٍ } جاهلين بحالهم . { فَتُصْبِحُواْ } فتصيروا . { على مَا فَعَلْتُمْ نادمين } مغتمين غما لازماً متمنين أنه لم يقع ، وتركيب هذه الأحرف الثلاثة دائر مع الدوام .\r{ واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله } أن بما في حيزه ساد مسد مفعولي اعلموا باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله : { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الأمر لَعَنِتُّمْ } فإنه حال من أحد ضميري فيكم ، ولو جعل استئنافاً لم يظهر للأمر فائدة . والمعنى أن فيكم رسول الله على حال يجب تغييرها وهي أنكم تريدون أن يتبع رأيكم في الحوادث ، ولو فعل ذلك { لَعَنِتُّمْ } أي لوقعتم في الجهد من العنت ، وفيه إشعار بأن بعضهم أشار إليه بالإِيقاع ببني المصطلق وقوله : { ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } استدراك ببيان عذرهم ، وهو أنه من فرط حبهم للإِيمان وكراهتهم للكفر حملهم على ذلك لما سمعوا قول الوليد ، أو بصفة من لم يفعل ذلك منهم إحماداً لفعلهم وتعريضاً بذم من فعل ويؤيده قوله : { أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون } أي أولئك المستثنون هم الذين أصابوا الطريق السوي ، { وَكَرَّهَ } يتعدى بنفسه إلى مفعول واحد فإذا شدد زاد له آخر ، لكنه لما تضمن معنى التبعيض نزل كره منزلة بغض فعدي إلى آخر بإلى ، أو نزل إليكم منزلة مفعول آخر . و { الكفر } : تغطية نعم الله بالجحود . { والفسوق } : الخروج عن القصد { والعصيان } : الامتناع عن الانقياد .\r{ فَضْلاً مّنَ الله وَنِعْمَةً } تعليل ل { كَرِهَ } أو { حَبَّبَ } ، وما بينهما اعتراض لا ل { الرشدون } فإن الفضل فعل الله ، والرشد وإن كان مسبباً عن فعله مسند إلى ضميرهم أو مصدر لغير فعله فإن التحبيب والرشد فضل من الله وإنعام . { والله عَلِيمٌ } بأحوال المؤمنين وما بينهم من التفاضل { حَكِيمٌ } حيث يفضل وينعم بالتوفيق عليهم .","part":5,"page":213},{"id":2214,"text":"{ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا } تقاتلوا والجمع باعتبار المعنى فإن كل طائفة جمع . { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا } بالنصح والدعاء إلى حكم الله تعالى . { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى } تعدت عليها . { فقاتلوا التى تَبْغِى حتى تَفِىء إلى أَمْرِ الله } ترجع إلى حكمه أو ما أمر به ، وإنما أطلق الفيء على الظل لرجوعه بعد نسخ الشمس ، والغنيمة لرجوعها من الكفار إلى المسلمين . { فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل } بفصل ما بينهما على ما حكم الله ، وتقييد الإِصلاح بالعدل ها هنا لأنه مظنة الحيف من حيث إنه بعد المقاتلة . { وَأَقْسِطُواْ } واعدلوا في كل الأمور . { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } يحمد فعلهم بحسن الجزاء . والآية نزلت في قتال حدث بين الأوس والخزرج في عهده E بالسعف والنعال ، وهي تدل على أن الباغي مؤمن وأنه إذا قبض عن الحرب ترك كما جاء في الحديث لأنه فيء إلى أمر الله تعالى ، وأنه يجب معاونة من بغى عليه بعد تقديم النصح والسعي في المصالحة .\r{ إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } من حيث إنهم منتسبون إلى أصل واحد وهو الإِيمان الموجب للحياة الأبدية ، وهو تعليل وتقرير للأمر بالإِصلاح ولذلك كرره مرتباً عليه بالفاء فقال : { فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ } ووضع الظاهر موضع الضمير مضافاً إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والتخصيص ، وخص الإثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهم الشقاق . وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج . وقرىء «بين إخوتكم» و «إخوانكم» . { واتقوا الله } في مخالفة حكمه والإِهمال فيه . { لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } على تقواكم .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مّن نّسَاءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنّ } أي لا يسخر بعض المؤمنين والمؤمنات من بعض إذ قد يكون المسخور منه خيراً عند الله من الساخر ، والقوم مختص بالرجال لأنه إما مصدر نعت به فشاع في الجمع أو جمع لقائم كزائر وزور ، والقيام بالأمور وظيفة الرجال كما قال تعالى : { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } وحيث فسر بالقبيلين كقوم عاد وفرعون ، فإما على التغليب أو الاكتفاء بذكر الرجال على ذكرهن لأنهن توابع ، واختيار الجمع لأن السخرية تغلب في المجامع و { عَسَى } باسمها استئناف بالعلة الموجبة للنهي ولا خبر لها لإِغناء الاسم عنه . وقرىء «عسوا أن يكونا» و «عسين أن يكن» فهي على هذا ذات خبر . { وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } أي ولا يغتب بعضكم بعضاً فإن المؤمنين كنفس واحدة ، أو لا تفعلوا ما تلمزون به فإن من فعل ما يستحق به اللمز فقد لمز نفسه . واللمز الطعن باللسان . وقرأ يعقوب بالضم . { وَلاَ تَنَابَزُواْ بالألقاب } ولا يدع بعضكم بعضاً بلقب السوء ، فإن النبز مختص بلقب السوء عرفاً .","part":5,"page":214},{"id":2215,"text":"{ بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان } أي بئس الذكر المرتفع للمؤمنين أن يذكروا بالفسوق بعد دخولهم الإِيمان واشتهارهم به ، والمراد به إما تهجين نسبة الكفر والفسق وإلى المؤمنين خصوصاً إذ روي أن الآية نزلت في صفية بنت حيي Bها ، أتت رسول الله A فقالت : إن النساء يقلن لي يا يهودية بنت يهوديين ، فقال لها « هلا قلت إن أبي هارون وعمي موسى وزوجي محمد عليهم السلام » أو للدلالة على أن التنابز فسق والجمع بينه وبين الإِيمان مستقبح . { وَمَن لَّمْ يَتُبْ } عما نهى عنه . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } بوضع العصيان موضع الطاعة وتعريض النفس للعذاب .\r{ ا ياأيها الذين ءامَنُواْ اجتنبوا كَثِيراً مّنَ الظن } كونوا منه على جانب ، وإبهام الكثير ليحتاط في كل ظن ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل ، فإن من الظن ما يجب اتباعه كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى ، وما يحرم كالظن في الإِلهيات والنبوات وحيث يحالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين ، وما يباح كالظن في الأمور المعاشية . { إِنَّ بَعْضَ الظن إِثْمٌ } مستأنف للأمر ، والإِثم الذنب الذي يستحق العقوبة عليه . والهمزة فيه بدل من الواو كأنه يثم الأعمال أي يكسرها . { وَلاَ تَجَسَّسُواْ } ولا تبحثوا عن عورات المسلمين ، تفعل من الجس باعتبار ما فيه من معنى الطلب كالتلمس ، وقرىء بالحاء من الحس الذي هو أثر الجس وغايته ولذلك قيل للحواس الخمس الجواس . وفي الحديث « لا تتبعوا عورات المسلمين ، فإن من تتبع عوراتهم تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته » { وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً } ولا يذكر بعضكم بعضاً بالسوء في غيبته . وسئل E عن الغيبة فقال : « أن تذكر أخاك بما يكرهه ، فإن كان فيه فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه فقد بهته » { أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً } تمثيل لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفحش وجه مع مبالغات الاستفهام المقرر ، وإسناد الفعل إلى أحد للتعميم وتعليق المحبة بما هو في غاية الكراهة ، وتمثيل الاغتياب بأكل لحم الإِنسان وجعل المأكول أخاً وميتاً وتعقيب ذلك بقوله : { فَكَرِهْتُمُوهُ } تقريراً وتحقيقاً لذلك . والمعنى إن صح ذلك أو عرض عليكم هذا فقد كرهتموه ولا يمكنكم إنكار كراهته ، وانتصاب { مَيْتًا } على الحال من اللحم أو الأخ وشدده نافع . { واتقوا الله إِنَّ الله تَوَّابٌ رَّحِيمٌ } لمن اتقى ما نهى عنه وتاب مما فرط منه ، والمبالغة في ال { تَوَّابٌ } لأنه بليغ في قبول التوبة إذ يجعل صاحبها كمن لم يذنب ، أو لكثرة المتوب عليهم أو لكثرة ذنوبهم ، روي : أن رجلين من الصحابة بعثا سلمان إلى رسول الله A يبغي لهما إداماً ، وكان أسامة على طعامه فقال : ما عندي شيء فأخبرهما سلمان فقالا : لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها ، فلما راحا إلى رسول الله A قال لهما : « ما لي أرى حضرة اللحم في أفواهكما » ، فقالا : ما تناولنا لحماً ، فقال : « إنكما قد اغتبتما » فنزلت .","part":5,"page":215},{"id":2216,"text":"{ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } من آدم وحواء عليهما السلام ، أو خلقنا كل واحد منكم من أب وأم فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب . ويجوز أن يكون تقريراً للأخوة المانعة عن الاغتياب . { وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ } الشعب الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد وهو يجمع القبائل . والقبيلة تجمع العمائر . والعمارة تجمع البطون . والبطن تجمع الأفخاذ . والفخذ يجمع الفضائل ، فخزيمة شعب ، وكنانة قبيلة ، وقريش عمارة ، وقصي بطن ، وهاشم فخذ ، وعباس فصيلة . وقبل الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب . { لتعارفوا } ليعرف بعضكم بعضاً لا للتفاخر بالآباء والقبائل . وقرىء { لتعارفوا } بالإِدغام و «لتتعارفوا» و «لتعرفوا» . { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } فإن التقوى بها تكمل النفوس وتتفاضل بها الأشخاص ، فمن أراد شرفاً فليلتمسه منها كما قال E \" من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله \" وقال E \" يا أيها الناس إنما الناس رجلان مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله \" { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بكم { خَبِيرٌ } ببواطنكم .\r{ قَالَتِ الأعراب ءامَنَّا } نزلت في نفر من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة وأظهروا الشهادتين ، وكانوا يقولون لرسول الله A أتيناك بالأثقال والعيال ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون الصدقة ويمنون . { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } إذ الإِيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ، ولم يحصل لكم إلا لما مننتم على الرسول E بالإِسلام وترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة . { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فإن الإِسلام انقياد ودخول في السلم وإظهار الشهادتين وترك المحاربة ، يشعر به وكان نظم الكلام أن يقول لا تقولوا آمنا { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } ، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم فعدل منه إلى هذا النظم احترازاً من النهي عن القول بالإِيمان والجزم بإسلامهم ، وقد فقد شرط اعتباره شرعاً . { وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِى قُلُوبِكُمْ } توقيت ل { قُولُواْ } فإنه حال من ضميره أي : { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } ولم تواطىء قلوبكم ألسنتكم بعد . { وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } بالإِخلاص وترك النفاق . { لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أعمالكم } لا ينقصكم من أجورها . { شَيْئاً } من لات يليت ليتا إذا نقص ، وقرأ البصريان «لا يألتكم» من الألت وهو لغة غطفان . { إِنَّ الله غَفُورٌ } لما فرط من المطيعين . { رَّحِيمٌ } بالتفضل عليهم .\r{ إِنَّمَا المؤمنون الذين ءامَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } لم يشكوا من ارتاب مطاوع رابه إذا أوقعه في الشك مع التهمة ، وفيه إشارة إلى ما أوجب نفي الإِيمان عنهم ، و { ثُمَّ } للإشعار بأن اشتراط عدم الارتياب في اعتبار الإِيمان ليس حال الإِيمان فقط بل فيه وفيما يستقبل فهي كما في قوله :","part":5,"page":216},{"id":2217,"text":"{ ثُمَّ استقاموا } { وجاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } في طاعته والمجاهدة بالأموال والأنفس تصلح للعبادات المالية والبدنية بأسرها . { أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } الذين صدقوا في إدعاء الإِيمان .\r{ قُلْ أَتُعَلّمُونَ الله بِدِينِكُمْ } أتخبرونه به بقولكم { آمنا } . { والله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } لا يخفى عليه خافية ، وهو تجهيل لهم وتوبيخ . روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة جاؤوا وخلفوا أنهم مؤمنون معتقدون فنزلت هذه الآية .\r{ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُواْ } يعدون إسلامهم عليك منة وهي النعمة التي لا يستثيب موليها ممن بذلها إليه ، من المن بمعنى القطع لأن المقصود بها قطع حاجته . وقيل النعمة الثقيلة من المن . { قُل لاَّ تَمُنُّواْ عَلَىَّ إسلامكم } أي بإسلامكم ، فنصب بنزع الخافض أو تضمين الفعل معنى الاعتدال . { بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ للإيمان } على ما زعمتم مع أن الهداية لا تستلزم الاهتداء ، وقرىء «إن هَداكُمْ» بالكسر و { إِذْ هَداكُمْ } . { إِن كُنتُمْ صادقين } في ادعاء الإِيمان ، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله أي فلله المنة عليكم ، وفي سياق الآية لطف وهو أنهم لما سموا ما صدر عنهم إيماناً ومنوا به فنفى أنه إيماٌن وسماه إسلاماً بأن قال يمنون عليكم بما هو في الحقيقة إسلام وليس بجدير أن يمن به عليك ، بل لو صح ادعاؤهم للإِيمان فلله المنة عليهم بالهداية له لا لهم .\r{ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض } ما غاب فيهما . { والله بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } في سركم وعلانيتكم فكيف يخفى عليه ما في ضمائركم ، وقرأ ابن كثير بالياء لما في الآية من الغيبة . عن النبي A \" من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر بعدد من أطاع الله وعصاه \" .","part":5,"page":217},{"id":2218,"text":"مكية وهي خمس وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ق والقرءان المجيد } الكلام فيه كما مر في { ص والقرءان ذِى الذكر } و { المجيد } ذو المجد والشرف على سائر الكتب ، أو لأنه كلام المجيد ، أو لأن من علم معانيه وامتثل أحكامه مجد .\r{ بَلْ عَجِبُواْ أَن جَاءهُمْ مُّنذِرٌ مّنْهُمْ } إنكار لتعجبهم مما ليس بعجب ، وهو أن ينذرهم أحد من جنسهم أو من أبناء جلدتهم . { فَقَالَ الكافرون هذا شَىْء عَجِيبٌ } حكاية لتعجبهم ، وهذا إشارة إلى اختيار الله محمداً A للرسالة ، وإضمار ذكرهم ثم إظهاره للاشعار بتعنتهم بهذا المقال ، ثم التسجيل على كفرهم بذلك أو عطف لتعجبهم من البعث على تعجبهم من البعثة ، والمبالغة فيه بوضع الظاهر موضع ضميرهم وحكاية تعجبهم مبهماً إن كانت الإِشارة إلى منهم يفسره ما بعده ، أو مجملاً إن أهون مما يشاهدون من صنعه .\r{ أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } أي أنرجع إذا متنا وصرنا تراباً ، ويدل على المحذوف قوله : { ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ } أي بعيد عن الوهم أو العادة أو الإِمكان . وقيل الرجع بمعنى المرجوع .\r{ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ } ما تأكل من أجساد موتاهم ، وهو رد لاستبعادهم بإزاحة ما هو الأصل فيه ، وقيل إنه جواب القسم واللام محذوف لطول الكلام . { وَعِندَنَا كتاب حَفِيظٌ } حافظ لتفاصيل الأشياء كلها ، أو محفوظ عن التغيير ، والمراد إما تمثيل علمه بتفاصيل الأشياء بعلم من عنده كتاب محفوظ يطالعه ، أو تأكيد لعلمه بها بثبوتها في اللوح المحفوظ عنده .\r{ بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } يعني النبوة الثابتة بالمعجزات ، أو النبي A ، أو القرآن . { لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ } وقرىء «لَّمّاً» بالكسر . { فِى أَمْرٍ مَّرِيجٍ } مضطرب من مرج الخاتم في أصبعه إذا خرج ، وذلك قولهم تارة أنه { شَاعِرٌ } وتارة أنه { ساحر } وتارة أنه كاهن .\r{ أَفَلَمْ يَنظُرُواْ } حين كفروا بالبعث . { إِلَى السماء فَوْقَهُمْ } إلى آثار قدرة الله تعالى في خلق العالم . { كَيْفَ بنيناها } رفعناها بلا عمد . { وزيناها } بالكواكب . { وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ } فتوق بأن خلقها ملساء متلاصقة الطباق .\r{ والأرض مددناها } بسطناها . { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ } جبالاً ثوابت . { وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ } أي من كل صنف . { بَهِيجٍ } حسن .\r{ تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه ، وهما علتان للأفعال المذكورة معنى وإن انتصبنا عن الفعل الأخير .\r{ وَنَزَّلْنَا مِنَ السماء مَاء مباركا } كثير المنافع { فَأَنبَتْنَا بِهِ جنات } أشجاراً وأثماراً . { وَحَبَّ الحصيد } وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد كالبر والشعير .\r{ والنخل باسقات } طوالاً أو حوامل من أبسقت الشاة إذا حملت فيكون من أفعل فهو فاعل ، وإفرادها بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها .","part":5,"page":218},{"id":2219,"text":"وقرىء لأجل القاف . { لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ } منضود بعضه فوق بعض ، والمراد تراكم الطلع أو كثرة ما فيه من الثمر .\r{ رّزْقاً لّلْعِبَادِ } علة ل { أَنبَتْنَا } أو مصدر ، فإن الإِنبات رزق . { وَأَحْيَيْنَا بِهِ } بذلك الماء . { بَلْدَةً مَّيْتاً } أرضاً جدبة لا نماء فيها . { كذلك الخروج } كما حييت هذه البلدة يكون خروجكم أحياء بعد موتكم .\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وأصحاب الرس وَثَمُودُ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ } أراد بفرعون إياه وقومه ليلائم ما قبله وما بعده . { وإخوان لُوطٍ } أخدانه لأنهم كانوا أصهاره .","part":5,"page":219},{"id":2220,"text":"{ وأصحاب الأيكة وَقَوْمُ تُّبَّعٍ } سبق في «الحجر» و« الدخان» { كُلٌّ كَذَّبَ الرسل } أي كل واحد أو قوم منهم أو جميعهم ، وإفراد الضمير لإِفراد لفظه . { فَحَقَّ وَعِيدِ } فوجب وحل عليه وعيدي ، وفيه تسلية للرسول A وتهديد لهم .\r{ أَفَعَيِينَا بالخلق الأول } أي أفعجزنا عن الإِبداء حتى نعجز عن الإِعادة ، من عيي بالأمر إذا لم يهتد لوجه عمله والهمزة فيه للإِنكار . { بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي هم لا ينكرون قدرتنا على الخلق الأول بل هم في خلط ، وشبهة في خلق مستأنف لما فيه من مخالفة العادة ، وتنكير الخلق الجديد لتعظيم شأنه والإِشعار بأنه على وجه غير متعارف ولا معتاد .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ } ما تحدثه به نفسه وهو ما يخطر بالبال ، والوسوسة الصوت الخفي ومنها وسواس الحلي ، والضمير لما إن جعلت موصولة والباء مثلها في صوت بكذا ، أو ل { الإنسان } إن جعلت مصدرية والباء للتعدية . { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد } أي ونحن أعلم بحاله ممن كان أقرب إليه { مِنْ حَبْلِ الوريد } ، تجوز بقرب الذات لقرب العلم لأنه موجبة و { حَبْلِ الوريد } مثل في القرب قال :\rوالموت أدنى من الوريد ... وال { حَبْلِ } العرق وإضافته للبيان ، والوريدان عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها بالوتين يردان من الرأس إليه ، وقيل سمي وريداً لأن الروح ترده .\r{ إِذْ يَتَلَقَّى المتلقيان } مقدر باذكر أو متعلق ب { أَقْرَبُ } ، أي هو أعلم بحاله من كل قريب حين يتلقى أي يتلقن الحفيظان ما يتلفظ به ، وفيه إيذان بأنه غني عن استحفاظ الملكين فإنه أعلم منهما ومطلع على ما يخفى عليهما ، لكنه لحكمة اقتضته وهي ما فيه من تشديد يثبط العبد عن المعصية ، وتأكيد في اعتبار الأعمال وضبطها للجزاء وإلزام للحجة يوم يقوم الاشهاد . { عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } أي { عَنِ اليمين } قعيد { وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ } ، أي مقاعد كالجليس فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كقوله\r:\rفإني وقيار بها لغريب ... وقد يطلق الفعل للواحد والمتعدد كقوله تعالى { وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } { مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ } ما يرمي به من فيه . { إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ } ملك يرقب عمله . { عَتِيدٌ } معد حاضر ، ولعله يكتب عليه ما فيه ثواب أو عقاب وفي الحديث \" كاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشراً ، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر \" { وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ } لما ذكر استبعادهم البعث للجزاء وأزاح ذلك بتحقيق قدرته وعلمه أعلمهم بأنهم يلاقون ذلك عن قريب عند الموت وقيام الساعة ، ونبه على اقترابه بأن عبر عنه بلفظ الماضي ، وسكرة الموت شدته الذاهبة بالعقل والباء للتعدية كما في قولك : جاء زيد بعمرو .","part":5,"page":220},{"id":2221,"text":"والمعنى وأحضرت سكرة الموت حقيقة الأمر أو الموعود الحق ، أو الحق الذي ينبغي أن يكون من الموت أو الجزاء ، فإن الإِنسان خلق له أو مثل الباء في { تَنبُتُ بالدهن } وقرىء «سكرة الحق بالموت» على أنها لشدتها اقتضت الزهوق أو لاستعقابها له كأنها جاءت به ، أو على أن الباء بمعنى مع . وقيل { سَكْرَةُ الحق } سكرة الله وإضافتها إليه للتهويل . وقرىء «سكرات الموت» . { ذلك } أي الموت . { مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ } تميل وتنفر عنه والخطاب للإِنسان .\r{ وَنُفِخَ فِى الصور } يعني نفخة البعث . { ذَلِكَ يَوْمَ الوعيد } أي وقت ذلك يوم تحقق الوعيد وإنجازه والإِشارة إلى مصدر { نُفِخَ } .\r{ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } ملكان أحدهما يسوقه والآخر يشهد بعمله ، أو ملك جامع للوصفين . وقيل السائق كاتب السيئات ، والشهيد كاتب الحسنات . وقيل السائق نفسه أو قرينه والشهيد جوارحه أو أعماله ، ومحل { مَّعَهَا } النصب على الحال من كل لإِضافته إلى ما هو في حكم المعرفة .","part":5,"page":221},{"id":2222,"text":"{ لَّقَدْ كُنتَ فِى غَفْلَةٍ مّنْ هذا } على إضمار القول والخطاب { لِكُلّ نَفْسٍ } إذ ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة أو للكافر . { فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ } الغطاء الحاجب لأمور المعاد وهو الغفلة ، والانهماك في المحسوسات والإِلف بها وقصور النظر عليها . { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } نافذ لزوال المانع للأبصار . وقيل الخطاب للنبي E والمعنى : كنت في غفلة من أمر الديانة فكشفنا عنك غطاء الغفلة بالوحي وتعليم القرآن ، { فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ } ترى ما لا يرون وتعلم ما لا يعلمون . ويؤيد الأول قراءة من كسر التاء والكافات على خطاب النفس .\r{ وَقَالَ قَرِينُهُ } قال الملك الموكل عليه . { هذا مَا لَدَىَّ عَتِيدٌ } هذا ما هو مكتوب عندي حاضر لدي ، أو الشيطان الذي قيض له هذا ما عندي وفي ملكتي عتيد لجهنم هيأته لها باغوائي وإضلالي ، و { مَا } إن جعلت موصوفة ف { عَتِيدٌ } صفتها وإن جعلت موصولة فبدلها أو خبر بعد خبر أو خبر محذوف .\r{ أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ } خطاب من الله تعالى للسائق والشهيد ، أو الملكين من خزنة النار ، أو لواحد وتثنية الفاعل منزل منزلة تثنية الفعل وتكريره كقوله :\rفَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفَّانَ أَنْزَجِر ... وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمٍ عِرْضاً مُمنعاً\rأَو الألف بدل من نون التأكيد على إجراء الوصل مجرى الوقف ، ويؤيده أنه قرىء «ألقين» بالنون الخفيفة . { عَنِيدٍ } معاند للحق .\r{ مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } كثير المنع للمال عن حقوقه المفروضة . وقيل المراد بالخير الإِسلام فإن الآية نزلت في الوليد بن المغيرة لما منع بني أخيه عنه . { مُعْتَدٍ } متعد . { مُرِيبٍ } شاك في الله وفي دينه .\r{ الذى جَعَلَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } مبتدأ متضمن معنى الشرط وخبره . { فألقياه فِى العذاب الشديد } أو بدل من { كُلَّ كَفَّارٍ } فيكون { فألقياه } تكريراً للتوكيد ، أو مفعول لمضمر يفسره { فألقياه } .\r{ قَالَ قرِينُهُ } أي الشيطان المقيض له ، وإنما استؤنفت كما تستأنف الجمل الواقعة في حكاية التقاول فإنه جواب لمحذوف دل عليه . { رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } كأن الكافر قال هو أطغاني ف { قَالَ قرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ } بخلاف الأولى فإنها واجبة العطف على ما قبلها للدلالة على الجمع بين مفهوميهما في الحصول ، أعني مجيء كل نفس مع الملكين وقول قرينه : { ولكن كَانَ فِى ضلال بَعِيدٍ } فأعنته عليه فإن إغواء الشياطين إنما يؤثر فيمن كان مختل الرأي مائلاً إلى الفجور كما قال تعالى : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } { قَالَ } أي الله تعالى . { لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَىَّ } أي في موقف الحساب فإنه لا فائدة فيه ، وهو استئناف مثل الأول .","part":5,"page":222},{"id":2223,"text":"{ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بالوعيد } على الطغيان في كتبي وعلى ألسنة رسلي فلم يبق لكم حجة . وهو حال تعليل للنهي أي { لاَ تَخْتَصِمُواْ } عالمين بأني أوعدتكم ، والباء مزيدة أو معدية على أن قدم بمعنى تقدم ، ويجوز أن يكون { بالوعيد } حالاً والفعل واقعاً على قوله :\r{ مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي . وعفو بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو تدل على تخصيص الوعيد . { وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ } فأعذب من ليس لي تعذيبه .\r{ يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امتلات وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ } سؤال وجواب جيء بهما للتخييل والتصوير ، والمعنى أنها مع اتساعها تطرح فيها الجنة والناس فوجاً فوجاً حتى تمتلىء لقوله تعالى : { لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ } أو أنها من السعة بحيث يدخلها من يدخلها وفيها بعد فراغ ، أو أنها من شدة زفيرها وحدتها وتشبثها بالعصاة كالمستكثرة لهم والطالبة لزيادتهم . وقرأ نافع وأبو بكر يقول بالباء وال { مَّزِيدٍ } إما مصدر كالمحيد أو مفعول كالمبيع ، و { يَوْمٍ } مقدر باذكر أو ظرف ل { نُفِخَ } فيكون ذلك إشارة إليه فلا يفتقر إلى تقدير مضاف .","part":5,"page":223},{"id":2224,"text":"{ وَأُزْلِفَتِ الجنة لِلْمُتَّقِينَ } قربت لهم . { غَيْرَ بَعِيدٍ } مكاناً غير بعيد ، ويجوز أن يكون حالاً وتذكيره لأنه صفة محذوف ، أو شيئاً غير بعيد أو على زنة المصدر أو لأن الجنة بمعنى البستان .\r{ هذا مَا تُوعَدُونَ } على إضمار القول والإِشارة إلى الثواب أو مصدر { أُزْلِفَتْ } . وقرأ ابن كثير بالياء . { لِكُلّ أَوَّابٍ } رجاع إلى الله تعالى ، بدل من «المتقين» بإعادة الجار . { حَفِيظٌ } حافظ لحدوده .\r{ مَّنْ خَشِىَ الرحمن بالغيب وَجَاء بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ } بعد بدل أو بدل من موصوف { أَوَّابٌ } ، ولا يجوز أن يكون في حكمه لأن { مِنْ } لا يوصف به أو مبتدأ خبره .\r{ ادخلوها } على تأويل يقال لهم { ادخلوها } ، فإن من بمعنى الجمع وبالغيب حال من الفاعل أو المفعول ، أو صفة لمصدر أي خشية ملتبسة بالغيب حيث خشي عقابه وهو غائب ، أو العقاب بعد غيب أو هو غائب عن الأعين لا يراه أحد . وتخصيص { الرحمن } للإِشعار بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه ، أو بأنهم يخشون مع علمهم بسعة رحمته ، ووصف القلب بالإِنابة إذ الاعتبار برجوعه إلى الله . { بِسَلامٍ } سالمين من العذاب وزوال النقم ، أو مسلماً عليكم من الله وملائكته . { ذَلِكَ يَوْمُ الخلود } يوم تقدير الخلود كقوله تعالى : { فادخلوها خالدين } { لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } وهو ما لا يخطر ببالهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر .\r{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ } قبل قومك . { مّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً } قوة كعاد وثمود وفرعون . { فَنَقَّبُواْ فِى البلاد } فخرقوا في البلاد وتصرفوا فيها ، أو جالوا في الأرض كل مجال حذر الموت ، فالفاء على الأول للتسبب وعلى الثاني لمجرد التعقيب ، وأصل التنقيب التنقير عن الشيء والبحث عنه . { هَلْ مِن مَّحِيصٍ } أي لهم من الله أو من الموت . وقيل الضمير في { نَقَّبُوا } لأهل مكة أي ساروا في أسفارهم في بلاد القرون فهل رأوا لهم محيصاً حتى يتوقعوا مثله لأنفسهم ، ويؤيده أنه قرىء « فَنَقَّبُواْ» على الأمر ، وقرىء «فَنَقَّبُواْ » بالكسر من النقب وهو أن ينتقب خف البعير أي أكثروا السير حتى نقبت أقدامهم أو أخفاف مراكبهم .\r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما ذكر في هذه السورة . { لِذِكْرِى } لتذكرة . { لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } أي قلب واع يتفكر في حقائقه . { أَوْ أَلْقَى السمع } أي أصغى لاستماعه . { وَهُوَ شَهِيدٌ } حاضر بذهنه ليفهم معانيه ، أو شاهد بصدقه فيتعظ بظواهره وينزجر بزواجره ، وفي تنكير ال { قَلْبٌ } وإبهامه تفخيم وإشعار بأن كل قلب لا يتفكر ولا يتدبر كلا قلب .\r{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا * السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ } مر تفسيره مراراً .","part":5,"page":224},{"id":2225,"text":"{ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ } من تعب وإعياء ، وهو رد لما زعمت اليهود من أنه تعالى بدأ خلق العالم يوم الأحد وفرغ منه يوم الجمعة واستراح يوم السبت واستلقى على العرش .\r{ فاصبر على مَا يَقُولُونَ } ما يقول المشركون من إنكارهم البعث ، فإن من قدر على خلق العالم بلا عياء قدر على بعثهم والانتقام منهم ، أو ما يقول اليهود من الكفر والتشبيه . { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } ونزهه عن العجز عما يمكن والوصف بما يوجب التشبيه حامداً له على ما أنعم عليك من إصابة الحق وغيرها . { قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ الغروب } يعني الفجر والعصر وقد عرفت فضيلة الوقتين .\r{ وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ } أي وسبحه بعض الليل . { وأدبار السجود } وأعقاب الصلوات جمع دبر من أدبر ، وقرأ الحجازيان وحمزة وخلف بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت . وقيل المراد بالتسبيح الصلاة ، فالصلاة قبل طلوع الصبح وقبل الغروب : الظهر ، والعصر . ومن الليل : العشاءان ، والتهجد وأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات . وقيل الوتر بعد العشاء .","part":5,"page":225},{"id":2226,"text":"{ واستمع } لما أخبرك به من أحوال القيامة ، وفيه تهويل وتعظيم للمخبر به . { يَوْمَ يُنَادِ المناد } إسرافيل أو جبريل عليهما الصلاة والسلام فيقول : أيتها العظام البالية واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء . { مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } بحيث يصل نداؤه إلى الكل على سواء ، ولعله في الإِعادة نظيركن في الإِبداء ، ويوم نصب بما دل عليه يوم الخروج .\r{ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصيحة } بدل منه و { الصيحة } النفخة الثانية . { بالحق } متعلق ب { الصيحة } والمراد به البعث للجزاء . { ذَلِكَ يَوْمُ الخروج } من القبور ، وهو من أسماء يوم القيامة وقد يقال للعيد .\r{ إِنَّا نَحْنُ نُحْىِ وَنُمِيتُ } في الدنيا . { وَإِلَيْنَا المصير } للجزاء في الآخرة .\r{ يَوْمَ تَشَقَّقُ } تتشقق ، وقرى «تنشق» . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو بتخفيف الشين . { الأرض عَنْهُمْ سِرَاعاً } مسرعين . { ذَلِكَ حَشْرٌ } بعث وجمع . { عَلَيْنَا يَسِيرٌ } هين ، وتقديم الظرف للاختصاص فإن ذلك لا يتيسر إلا على العالم القادر لذاته الذي لا يشغله شأن عن شأن ، كما قال الله تعالى : { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحدة } { نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ } تسلية لرسول الله A وتهديد لهم . { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } بمسلط تقسرهم على الإِيمان ، أو تفعل بهم ما تريد وإنما أنت داع . { فَذَكّرْ بالقرءان مَن يَخَافُ وَعِيدِ } فإنه لا ينتفع به غيره . عن النبي A \" من قرأ سورة «ق» هون الله عليه تارات الموت وسكراته \" والله أعلم .","part":5,"page":226},{"id":2227,"text":"مكية وآيها ستون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والذاريات ذَرْواً } يعني الرياح تذرو التراب وغيره ، أو النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد ، أو الأسباب التي تذري الخلائق من الملائكة وغيرهم . وقرأ أبو عمرو وحمزة بإدغام التاء في الذال .\r{ فالحاملات وِقْراً } فالسحب الحاملة للأمطار ، أو الرياح الحاملة للسحاب ، أو النساء الحوامل ، أو أسباب ذلك . وقرىء «وِقْراً» على تسمية المحمول بالمصدر .\r{ فالجاريات يُسْراً } فالسفن الجارية في البحر سهلاً ، أو الرياح الجارية في مهابها ، أو الكواكب التي تجري في منازلها . و { يُسْراً } صفة مصدر محذوف أي جرياً ذا يسر .\r{ فالمقسمات أَمْراً } الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها ، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة ، أو الريح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب ، فإن حملت على ذوات مختلفة بالفاء لترتيب الأقسام بها باعتبار ما بينها من التفاوت في الدلالة على كمال القدرة ، وإلا فالفاء لترتيب الأفعال إذ الرياح مثلاً تذرو الأبخرة إلى الجو حتى تنعقد سحاباً ، فتحمله فتجري به باسطة له إلى حيث أمرت به فتقسم المطر . { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لصادق } .\r{ وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ } جواب القسم كأنه استدل باقتداره على هذه الأشياء العجيبة المخالفة لمقتضى الطبيعة على اقتداره على البعث للجزاء الموعود ، وما موصولة أو مصدرية و { الدين } الجزاء والواقع الحاصل .\r{ والسماء ذَاتِ الحبك } ذات الطرائق ، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي يسلكها النظار وتتوصل بها إلى المعارف ، أو النجوم فإن لها طرائق أو أنها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي . جمع حبيكة كطريقة وطرق أو حباك كمثال ومثل . وقرىء « الحبك» بالسكون و «الحبك » كالإِبل و« الحبك » كالسلك و «الحبك» كالجبل و « الحبك» كالنعم و« الحبك » كالبرق .\r{ إِنَّكُمْ لَفِى قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ } في الرسول A وهو قولهم تارة أنه { شَاعِرٌ } وتارة أنه { ساحر } وتارة أنه { مَّجْنُونٍ } ، أو في القرآن أو القيامة أو أمر الديانة ، ولعل النكتة في هذا القسم تشبيه أقوالهم في اختلافها وتنافي أغراضها بطرائق السموات في تباعدها واختلاف غاياتها .\r{ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ } يصرف عنه والضمير للرسول أو القرآن أو الإيمان ، من صرف إذ لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسة إليه ، أو يصرف من صرف في علم الله وقضائه ويجوز أن يكون الضمير لل { قَوْلَ } على معنى يصدر { أُفِكَ } من أفك عن القول المختلف وبسببه كقوله :\rينهون عن أكل وعن شرب ... أي يصدر تناهيهم عنهما وسببهما وقرىء { أُفِكَ } بالفتح أي من أفك الناس وهم قريش كانوا يصدون الناس عن الإِيمان .","part":5,"page":227},{"id":2228,"text":"{ قُتِلَ الخرصون } الكذابون من أصحاب القول المختلف ، وأصله الدعاء بالقتل أجري مجرى اللعن .\r{ الذين هُمْ فِى غَمْرَةٍ } في جهل يغمرهم . { ساهون } غافلون عما أمروا به .\r{ يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدين } أي فيقولون متى يوم الجزاء أي وقوعه ، وقرىء { إيَّانَ } بالكسر .\r{ يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } يحرقون جواب للسؤال أي يقع { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } ، أو هو { يَوْمَ هُمْ عَلَى النار يُفْتَنُونَ } ، وفتح { يَوْمٍ } لإِضافته إلى غير متمكن ويدل عليه أنه قرىء بالرفع .\r{ ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ } أي مقولاً لهم هذا القول . { هذا الذى كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } هذا العذاب هو الذي كنتم به تستعجلون ، ويجوز أن يكون هذا بدلاً من { فِتْنَتَكُمْ } و { الذى } صفته .\r{ إِنَّ المتقين فِى جنات وَعُيُونٍ ءاخِذِينَ مَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } قابلين لما أعطاهم راضين به ، ومعناه أن كل ما آتاهم حسن مرضي متلقى بالقبول . { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ } قد أحسنوا أعمالهم وهو تعليل لاستحقاقهم ذلك .\r{ كَانُواْ قَلِيلاً مّن اليل مَا يَهْجَعُونَ } تفسير لإِحسانهم و { مَا } مزيدة أي يهجعون في طائفة من الليل ، أو { يَهْجَعُونَ } هجوعاً قليلاً أو مصدرية أو موصولة أي في قليل من الليل هجوعهم ، أو ما يهجعون فيه ولا يجوز أن تكون نافية لأن { مَا } بعدها لا يعمل فيما قبلها . وفيه مبالغات لتقليل نومهم واستراحتهم ذكر القليل و { اليل } الذي هو وقت السبات ، والهجوع الذي هو الفرار من النوم وزيادة { مَا } .\r{ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي أنهم مع قلة هجوعهم وكثرة تهجدهم إذا أسحروا أخذوا في الاستغفار كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم ، وفي بناء الفعل على الضمير إشعاراً بأنهم أحقاء بذلك لوفور علمهم بالله وخشيتهم منه .\r{ وَفِى أموالهم حَقٌّ } نصيب يستوجبونه على أنفسهم تقرباً إلى الله وإشفاقاً على الناس . { لَّلسَّائِلِ والمحروم } للمستجدي والمتعفف الذي يظن غنياً فيحرم الصدقة .\r{ وَفِى الأرض ءايات لّلْمُوقِنِينَ } أي فيها دلائل من أنواع المعادن والحيوانات ، أو وجوه دلالات من الدحو والسكون وارتفاع بعضها عن الماء واختلاف أجزائها في الكيفيات والخواص والمنافع ، تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته وإرادته ووحدته وفرط رحمته .\r{ وَفِى أَنفُسِكُمْ } أي وفي أنفسكم آيات إذ ما في العالم شيء إلا وفي الإِنسان له نظير يدل دلالته مع ما انفرد به من الهيئات النافعة والمناظر البهية والتركيبات العجيبة ، والتمكن من الأفعال الغريبة واستنباط الصنائع المختلفة واستجماع الكمالات المتنوعة . { أَفلاَ تُبْصِرُونَ } تنظرون نظر من يعتبر .","part":5,"page":228},{"id":2229,"text":"{ وَفِى السماء رِزْقُكُمْ } أسباب رزقكم أو تقديره . وقيل المراد ب { السماء } السحاب وبالرزق المطر فإنه سبب الأقوات . { وَمَا تُوعَدُونَ } من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة ، أو لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء . وقيل إنه مستأنف خبره :\r{ فَوَرَبّ السماء والأرض إِنَّهُ لَحَقٌّ } وعلى هذا فالضمير ل { مَا } وعلى الأول يحتمل أن يكون له ولما ذكر من أمر الآيات والرزق والوعد . { مّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ } أي مثل نطقكم كما أنه لا شك لكم في أنكم تنطقون ينبغي أن لا تشكوا في تحقق ذلك ، ونصبه على الحال من المستكن في لحق أو الوصف لمصدر محذوف أي أنه لحق حقاً مثل نطقكم . وقيل إنه مبني على الفتح لإضافته إلى غير متمكن وهو ما إن كانت بمعنى شيء ، وإن بما في حيزها إن جعلت زائدة ومحله الرفع على أنه صفة { لَحَقُّ } ، ويؤيده قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر بالرفع .\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبراهيم } فيه تفخيم لشأن الحديث وتنبيه على أنه أوحي إليه ، والضيف في الأصل مصدر ولذلك يطلق على الواحد والمتعدد . قيل كانوا إثني عشر ملكاً . وقيل ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل ، وسماهم ضيفاً لأنهم كانوا في صورة الضيف . { المكرمين } أي مكرمين عند الله أو عند إبراهيم إذ خدمهم بنفسه وزوجته .\r{ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } ظرف لل { حَدِيثُ } أو ال { ضَيْفِ } أو { المكرمين } . { فَقَالُواْ سَلامًا } أي نسلم عليك سلاماً . { قَالَ سلام } أي عليكم سلام عدل به إلى الرفع بالابتداء لقصد الثبات حتى تكون تحيته أحسن من تحيتهم ، وقرئا مرفوعين وقرأ حمزة والكسائي «قال سلم» وقرىء منصوباً والمعنى واحد . { قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } أي أنتم قوم منكرون ، وإنما أنكرهم لأنه ظن أنهم بنو آدم ولم يعرفهم ، أو لأن السلام لم يكن تحيتهم فإنه علم الإِسلام وهو كالتعرف عنهم .\r{ فَرَاغَ إلى أَهْلِهِ } فذهب إليهم في خفية من ضيفه فإن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى حذراً من أن يكفه الضيف أو يصير منتظراً . { فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ } لأنه كان عامة ماله البقر .\r{ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ } بأن وضعه بين أيديهم . { قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ } أي منه ، وهو مشعر بكونه حنيذا ، والهمزة فيه للعرض والحث على الأكل على طريقة الأدب أن قاله أول ما وضعه ، وللإِنكار إن قاله حينما رأى إعراضهم .\r{ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } فأضمر منهم خوفاً لما رأى إعراضهم عن طعامه لظنه أنهم جاؤوه لشر . وقيل وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب . { قَالُواْ لاَ تَخَفْ } إنا رسل الله . قيل مسح جبريل العجل بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه فعرفهم وأمن منهم . { وَبَشَّرُوهُ بغلام } هو اسحاق عليه السلام . { عَلِيمٌ } يكمل علمه إذ بلغ .\r{ فَأَقْبَلَتِ امرأته } سارة إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم . { فِى صَرَّةٍ } في صيحة من الصرير ، ومحله النصب على الحال أو المفعول إن أول فأقبلت بأخذت . { فَصَكَّتْ وَجْهَهَا } فلطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجب . وقيل وجدت حرارة دم الحيض فلطمت وجهها من الحياء . { وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ } أي أنا عجوز عاقر فكيف ألد .","part":5,"page":229},{"id":2230,"text":"{ قَالُواْ كَذَلِكِ } مثل ذلك الذي بشرنا به . { قَالَ رَبُّكِ } وإنما نخبرك به عنه . { إِنَّهُ هُوَ الحكيم العليم } فيكون قوله حقاً وفعله محكماً .\r{ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } لما علم أنهم ملائكة وأنهم لا ينزلون مجتمعين إلا لأمر عظيم سأل عنه .\r{ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } يعنون قوم لوط .\r{ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن طِينٍ } يريد السجيل فإنه طين متحجر .\r{ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبّكَ } مرسلة من أسمت الماشية ، أو معلمة من السومة وهي العلامة . { لِلْمُسْرِفِينَ } المجاوزين الحد في الفجور .\r{ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا } في قرى قوم لوط وإضمارها ولم يجر ذكرها لكونها معلومة . { مِنَ المؤمنين } ممن آمنَ بلوط .\r{ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مّنَ المسلمين } غير أهل بيت من المسلمين ، واستدل به على اتحاد الإِيمان والإِسلام وهو ضعيف لأن ذلك لا يقتضي إلا من صدق المؤمن والمسلم على من اتبعه ، وذلك لا يقتضي اتحاد مفهوميهما لجواز صدق المفهومات المختلفة على ذات واحدة .\r{ وَتَرَكْنَا فِيهَا ءايَةً } علامة . { لّلَّذِينَ يَخَافُونَ العذاب الأليم } فإنهم المعتبرون بها وهي تلك الأحجار ، أو صخر منضود فيها أو ماء أسود منتن .\r{ وَفِى موسى } عطف على { وَفِى الأرض } ، أو { ترَكْنَا فِيهَا } على معنى وجعلنا في موسى كقوله :\rعلفتها تبناً وماء بارداً ... {\rإِذْ أرسلناه إلى فِرْعَوْنَ بسلطان مُّبِينٍ } هو معجزاته كالعصا واليد .\r{ فتولى بِرُكْنِهِ } فأعرض عن الإِيمان به كقوله { وَنَأَى بِجَانِبِهِ } أو فتولى بما كان يتقوى به من جنوده ، وهو اسم لما يركن إليه الشيء ويتقوى به . وقرىء بضم الكاف . { وَقَالَ ساحر } أي هو ساحر . { أَوْ مَجْنُونٌ } كأنه جعل ما ظهر عليه من الخوارق منسوباً إلى الجن ، وتردد في أنه حصل ذلك باختياره وسعيه أو بغيرهما .\r{ فأخذناه وَجُنُودَهُ فنبذناهم فِى اليم } فأغرقناهم في البحر . { وَهُوَ مُلِيمٌ } آت بما يلام عليه من الكفر والعناد ، والجملة حال من الضمير في { فأخذناه } .\r{ وَفِى عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الريح العقيم } سماها عقيماً لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم ، أو لأنها لم تتضمن منفعة ، وهي الدبور أو الجنوب أو النكباء .\r{ مَا تَذَرُ مِن شَىْءٍ أَتَتْ } مرت . { عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كالرميم } كالرماد من الرم وهو البلى والتفتت .\r{ وَفِى ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُواْ حتى حِينٍ } تفسيره قوله : { تَمَتَّعُواْ فِى دَارِكُمْ ثلاثة أَيَّامٍ } { فَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبّهِمْ } فاستكبروا عن امتثاله . { فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة } أي العذاب بعد الثلاث . وقرأ الكسائي «الصعقة» وهي المرة من الصعق . { وَهُمْ يَنظُرُونَ } إليها فإنها جاءتهم معاينة بالنهار .\r{ فَمَا استطاعوا مِن قِيَامٍ } كقوله : { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جاثمين } وقيل من قولهم ما يقوم به إذا عجز عن دفعه . { وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ } ممتنعين منه .\r{ وَقَوْمَ نُوحٍ } أي وأهلكنا قوم نوح لأن ما قبله يدل عليه . أو أذكر ويجوز أن يكون عطفاً على محل { فِى عَادٍ } ، ويؤيده قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بالجر . { مِن قَبْلُ } من قبل هؤلاء المذكورين . { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فاسقين } خارجين عن الاستقامة بالكفر والعصيان .","part":5,"page":230},{"id":2231,"text":"{ والسماء بنيناها بِأَيْدٍ } بقوة . { وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ } لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والموسع القادر على الإنفاق . أو { لَمُوسِعُونَ } السماء أو ما بينها وبين الأرض أو الرزق .\r{ والأرض فرشناها } مهدناها لتستقروا عليها . { فَنِعْمَ الماهدون } أي نحن .\r{ وَمِن كُلّ شَىْء } من الأجناس . { خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } نوعين { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فتعلمون أن التعدد من خواص الممكنات وأن الواجب بالذات لا يقبل التعدد والانقسام .\r{ فَفِرُّواْ إِلَى الله } من عقابه بالإِيمان والتوحيد وملازمة الطاعة . { إِنّى لَكُمْ مّنْهُ } أي من عذابه المعد لمن أشرك أو عصى . { نَذِيرٌ مُّبِينٌ } بين كونه منذراً من الله بالمعجزات ، أو { مُّبِينٌ } ما يجب أن يحذر عنه .\r{ وَلاَ تَجْعَلُواْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } إفراد لأعظم ما يجب أن يفر منه . { إِنّى لَكُمْ مّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } تكرير للتأكيد ، أو الأول مرتب على ترك الإِيمان والطاعة والثاني على الإِشراك .\r{ كذلك } أي الأمر مثل ذلك ، والإِشارة إلى تكذيبهم الرسول وتسميتهم إياه { ساحراً أو مجنوناً } وقوله : { مَا أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ مّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُواْ ساحر أَوْ مَجْنُونٌ } كالتفسير له ، ولا يجوز نصبه ب { أتى } أو ما يفسره لأن ما بعد { مَا } النافية لا يعمل فيما قبلها .\r{ أَتَوَاصَوْاْ بِهِ } أي كأن الأولين والآخرين منهم أوصى بعضهم بعضاً بهذا القول حتى قالوه جميعاً . { بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغون } إضراب عن أن التواصي جامعهم لتباعد أيامهم إلى أن الجامع لهم على هذا القول مشاركتهم في الطغيان الحامل عليه .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } فاعرض عن مجادلتهم بعدما كررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإِصرار والعناد . { فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ } على الإِعراض بعد ما بذلت جهدك في البلاغ .\r{ وَذَكَرَ } ولا تدع التذكير والموعظة . { فَإِنَّ الذكرى تَنفَعُ المؤمنين } من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة .\r{ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } لما خلقهم على صورة متوجهة إلى العبادة مغلبة لها ، جعل خلقهم مُغيابها مبالغة ذلك ، ولو حمل على ظاهره مع أن الدليل يمنعه لنا في ظاهر قوله : { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مّنَ الجن والإنس } وقيل معناه إلا لأمرهم بالعبادة أو ليكونوا عباداً لي .\r{ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مّن رّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ } أي ما أريد أن أصرفكم في تحصيل رزقي فاشتغلوا بما أنتم كالمخلوقين له والمأمورين به ، والمراد أن يبين أن شأنه مع عباده ليس شأن السادة مع عبيدهم ، فإنهم إنما يملكونهم ليستعينوا بهم في تحصيل معايشهم ، ويحتمل أن يقدر بقل فيكون بمعنى قوله : { قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً } { إِنَّ الله هُوَ الرزاق } الذي يرزق كل ما يفتقر إلى الرزق ، وفيه إيماء باستغنائه عنه ، وقرىء «إني أنا الرزاق» { ذُو القوة المتين } شديد القوة ، وقرىء { المتين } بالجر صفة ل { القوة } .","part":5,"page":231},{"id":2232,"text":"{ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً } أي للذين ظلموا رسول الله A بالتكذيب نصيباً من العذاب . { مّثْلَ ذَنُوبِ أصحابهم } مثل نصيب نظرائهم من الأمم السالفة ، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلاء ، فإن الذنوب هو الدلو العظيم المملوء . { فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ } جواب لقولهم : { متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صادقين } { فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوْمِهِمُ الذى يُوعَدُونَ } من يوم القيامة أو يوم بدر . عن النبي A « من قرأ سورة والذاريات أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا » .","part":5,"page":232},{"id":2233,"text":"مكية وآيها تسع أو ثمان وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والطور } يريد طور سنين ، وهو جبل بمدين سمع فيه موسى عليه السلام كلام الله تعالى ، { والطور } الجبل بالسريانية أو ما طار من أوج الإِيجاد إلى حضيض المواد ، أو من عالم الغيب إلى عالم الشهادة .\r{ وكتاب مُّسْطُورٍ } مكتوب ، والسطر ترتيب الحروف المكتوبة . والمراد به القرآن أو ما كتبه الله في اللوح المحفوظ ، أو ألواح موسى عليه السلام ، أو في قلوب أوليائه من المعارف والحكم أو ما تكتبه الحفظة .\r{ فِى رَقّ مَّنْشُورٍ } الرق الجلد الذي يكتب فيه استعير لما كتب فيه الكتاب ، وتنكيرهما للتعظيم والإِشعار بأنهما ليسا من المتعارف فيما بين الناس .\r{ والبيت المعمور } يعني الكعبة وعمارتها بالحجاج والمجاورين ، أو الضراح وهو في السماء الرابعة وعمرانه كثرة غاشيته من الملائكة ، أو قلب المؤمن وعمارته بالمعرفة والإِخلاض .\r{ والسقف المرفوع } يعني السماء .\r{ والبحر المسجور } أي المملوء وهو المحيط ، أو الموقد من قوله : { وَإِذَا البحار سُجّرَتْ } روي أنه تعالى يجعل يوم القيامة البحار ناراً يسجر بها نار جهنم ، أو المختلط من السجير وهو الخليط .\r{ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ لَوَاقِعٌ } لنازل .\r{ مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ } يدفعه ، ووجه دلالة هذه الأمور المقسم بها على ذلك أنها أمور تدل على كمال قدرة الله تعالى وحكمته وصدق أخباره وضبطه أعمال العباد للمجازاة .\r{ يَوْمَ تَمُورُ السماء مَوْراً } تضطرب ، والمور تردد في المجيء والذهاب ، وقيل تحرك في تموج و { يَوْمٍ } ظرف .\r{ وَتَسِيرُ الجبال سَيْراً } أي تسير عن وجه الأرض فتصير هباء .\r{ فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي إذا وقع ذلك فويل لهم .\r{ الذين هُمْ فِى خَوْضٍ يَلْعَبُونَ } أي في الخوض في الباطل .\r{ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } يدفعون إليها دفعاً بعنف ، وذلك بأن تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم فيدفعون إلى النار . وقرىء « يَدَّعُونَ» من الدعاء فيكون دعا حالاً بمعنى مدعوين ، و { يَوْمٍ } بدل من { يَوْمَ تَمُورُ } أو ظرف لقول مقدر محكية .","part":5,"page":233},{"id":2234,"text":"{ هذه النار التى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } أي يقال لهم ذلك .\r{ أَفَسِحْرٌ هذا } أي كنتم تقولون للوحي هذا سحر أفهذا المصداق أيضاً سحر ، وتقديم الخبر لأنه المقصود بالإِنكار والتوبيخ . { أَمْ أَنتُمْ لاَ تُبْصِرُونَ } هذا أيضاً كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ، ما يدل عليه وهو تقريع وتهكم أو : أم سدت أبصاركم كما سدت في الدنيا على زعمكم حين قلتم { إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا } { اصلوها فاصبروا أَوْ لاَ تَصْبِرُواْ } أي ادخلوها على أي وجه شئتم من الصبر وعدمه فإنه لا محيص لكم عنها . { سَوَاء عَلَيْكُمْ } أي الأمران الصبر وعدمه . { إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } تعليل للاستواء فإنه لما كان الجزاء واجب الوقوع كان الصبر وعدمه سيين في عدم النفع .\r{ إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَعِيمٍ } في أية جنات وأي نعيم ، أو في { جنات وَنَعِيمٍ } مخصوصة بهم .\r{ فاكهين } ناعمين متلذذين . { بِمَا ءاتاهم رَبُّهُمْ } وقرىء «فكهين» و «فاكهون» على أنه الخبر والظرف لغو . { ووقاهم رَبُّهُمْ عَذَابَ الجحيم } عطف على { ءاتاهم } إن جعل { مَا } مصدرية ، أو { فِي جنات } أو حال بإضمار قد من المستكن في الظرف أو الحال ، أو من فاعل آتي أو مفعوله أو منهما .\r{ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً } أي أكلا وشرابا { هَنِيئَاً } ، أو طعاماً وشراباً { هَنِيئَاً } وهو الذي لا تنغيص فيه . { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بسببه أو بدله ، وقيل الباء زائدة و «ما» فاعل { هَنِيئَاً } ، والمعنى هنأكم ما كنتم تعملون أي جزاؤه .\r{ مُتَّكِئِينَ على سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ } مصطفة { وزوجناهم بِحُورٍ عِينٍ } الباء لما في التزويج من معنى الوصل والإِلصاق ، أو للسببية إذ المعنى صيرناهم أزواجاً بسببهن ، أو لما في التزويج من معنى الإلصاق والقرن ولذلك عطف .\r{ والذين ءامَنُواْ } على حور أي قرناهم بأزواج حور ورفقاء مؤمنين . وقيل إنه مبتدأ { أَلْحَقْنَا بِهِمْ } وقوله : { واتبعتهم ذُرّيَّتُهُم بإيمان } اعتراض للتعليل ، وقرأ ابن عامر ويعقوب «ذرياتهم» بالجمع وضم التاء للمبالغة في كثرتهم والتصريح ، فإن الذرية تقع على الواحد والكثير ، وقرأ أبو عمرو و «أتبعناهم ذرياتهم» أي جعلناهم تابعين لهم في الإِيمان . وقيل { بإيمان } حال من الضمير أو الذرية أو منهما وتنكيره للتعظيم ، أو الإِشعار بأنه يكفي للإِلحاق المتابعة في أصل الإِيمان . { أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ } في دخول الجنة أو الدرجة . لما روي أنه E قال \" إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه لتقربهم عينه ثم تلا هذه الآية \" وقرأ نافع وابن عامر والبصريان { ذرياتهم } . { وَمَا ألتناهم } وما نقصناهم . { مّنْ عَمَلِهِم مّن شَىْء } بهذا الإِلحاق فإنه كان يحتمل أن يكون بنقص مرتبة الآباء أو بإعطاء الأبناء بعض مثوباتهم ، ويحتمل أن يكون بالتفصيل عليهم وهو اللائق بكمال لطفه . وقرأ ابن كثير بكسر اللام من ألت يألت ، وعنه «لتناهم» من لات يليت و «آلتناهم» من آلت يولت ، و «والتناهم» من ولت يلت ومعنى الكل واحد . { كُلُّ امرىء بِمَا كَسَبَ رَهَينٌ } بعمله مرهون عند الله تعالى فإن عمل صالحاً فكه وإلا أهلكه .","part":5,"page":234},{"id":2235,"text":"{ وأمددناهم بفاكهة وَلَحْمٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } أي وزدناهم وقتاً بعد وقت ما يشتهون من أنواع التنعم .\r{ يتنازعون فِيهَا } يتعاطون هم وجلساؤهم بتجاذب . { كَأْساً } خمراً سماها باسم محلها ولذلك أنث الضمير في قوله : { لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ } أي لا يتكلمون بلغو الحديث في أثناء شربها ، ولا يفعلوا ما يؤثم به فاعله كما هو عادة الشاربين في الدنيا ، وذلك مثل قوله تعالى : { لاَ فِيهَا غَوْلٌ } وقرأهما ابن كثير والبصريان بالفتح .\r{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } أي بالكأس . { غِلْمَانٌ لَّهُمْ } أي مماليك مخصوصون بهم . وقيل هم أولادهم الذين سبقوهم . { كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ } مصون في الصدف من بياضهم وصفائهم . وعنه A \" والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب \" { وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ } يسأل بعضهم بعضاً عن أحواله وأعماله .\r{ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا قَبْلَ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ } خائفين من عصيان الله معتنين بطاعته ، أو وجلين من العاقبة .\r{ فَمَنَّ الله عَلَيْنَا } بالرحمة والتوفيق . { ووقانا عَذَابَ السموم } عذاب النار النافذة في المسام نفوذ السموم ، وقرىء «ووقانا» بالتشديد .\r{ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ } من قبل ذلك في الدنيا . { نَدْعُوهُ } نعبده أو نسأله الوقاية . { إِنَّهُ هُوَ البر } المحسن ، وقرأ نافع والكسائي «أَنَّهُ» بالفتح . { الرحيم } الكثير الرحمة .\r{ فَذَكّرْ } فاثبت على التذكير ولا تكترث بقولهم . { فَمَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبَّكَ } بحمد الله وإنعامه . { بكاهن وَلاَ مَجْنُونٍ } ، كما يقولون .\r{ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } ما يقلق النفوس من حوادث الدهر ، وقيل { المنون } الموت فعول من منه إذا قطعه .\r{ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنّى مَعَكُمْ مّنَ المتربصين } أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي .\r{ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أحلامهم } عقولهم . { بهذا } بهذا التناقض في القول فإن الكاهن يكون ذا فطنة ودقة نظر ، والمجنون مغطى عقله والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل ، ولا يتأتى ذلك من المجنون وأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه . { أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } مجاوزون الحد في العناد وقرىء «بل هم» .","part":5,"page":235},{"id":2236,"text":"{ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ } اختلقه من تلقاء نفسه . { بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ } فيرمونه بهذه المطاعن لكفرهم وعنادهم .\r{ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } مثل القرآن . { إِن كَانُواْ صادقين } في زعمهم إذ فيهم كثير ممن عدوا فصحاء فهو رد للأقوال المذكورة بالتحدي ، ويجوز أن يكون رد للتقول فإن سائر الأقسام ظاهر الفساد .\r{ أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْء } أم أحدثوا وقدروا من غير محدث ومقدر فلذلك لا يعبدونه ، أو من أجل لا شيء من عبادة ومجازاة . { أَمْ هُمُ الخالقون } يؤيد الأول فإن معناه أم خلقوا أنفسهم ولذاك عقبه بقوله :\r{ أَمْ خَلَقُواْ السموات والأرض } وَ { أَمْ } في هذه الآيات منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار . { بَل لاَّ يُوقِنُونَ } إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله إذ لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته .\r{ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبّكَ } خزائن رزقه حتى يرزقوا النبوة من شاؤوا ، أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختارته حكمته . { أَمْ هُمُ المُصَيْطَرُون } الغالبون على الأشياء يدبرونها كيف شاؤوا . وقرأ قنبل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين وحمزة بخلاف عن خلاد بين الصاد والزاي ، والباقون بالصاد خاصة .\r{ ا أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ } مرتقى إلى السماء . { يَسْتَمِعُونَ فِيهِ } صاعدين فيه إلى كلام الملائكة وما يوحي إليهم من علم الغيب حتى يعلموا ما هو كائن . { فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بسلطان مُّبِينٍ } بحجة واضحة تصدق استماعه .\r{ أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون } فيه تسفيه لهم وإشعار بأن من هذا رأيه لا يعد من العقلاء فضلاً أن يترقى بروحه إلى عالم الملكوت فيتطلع على الغيوب .\r{ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً } على تبليغ الرسالة . { فَهُم مّن مَّغْرَمٍ } من التزام غرم . { مُّثْقَلُونَ } محملون الثقل فلذلك زهدوا في اتباعك .\r{ أَمْ عِندَهُمُ الغيب } اللوح المحفوظ المثبت فيه المغيبات . { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } منه .\r{ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً } وهو كيدهم في دار الندوة برسول الله A . { فالذين كَفَرُواْ } يحتمل العموم والخصوص فيكون وضعه موضع الضمير للتسجيل على كفرهم ، والدلالة على أنه الموجب للحكم المذكور .\r{ هُمُ المكيدون } هم الذين يحيق بهم الكيد أو يعود عليهم وبال كيدهم ، وهو قتلهم يوم بدر أو المغلوبون في الكيد من كايدته فكدته .\r{ أَمْ لَهُمْ إله غَيْرُ الله } يعينهم ويحرسهم من عذابه . { سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم أو شركة ما يشركونه به .\r{ وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً } قطعة . { مّنَ السماء ساقطا يَقُولُواْ } من فرط طغيانهم وعنادهم . { سحاب مَّرْكُومٌ } هذا سحاب تراكم بعضه على بعض ، وهو جواب قولهم { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء }","part":5,"page":236},{"id":2237,"text":"{ فَذَرْهُمْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى فِيهِ يُصْعَقُونَ } وهو عند النفخة الأولى ، وقرىء . «يلقوا» وقرأ ابن عامر وعاصم { يُصْعَقُونَ } على المبني للمفعول من صعقه أو أصعقه .\r{ يَوْمَ لاَ يُغْنِى عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً } أي شيئاً من الإِغناء في رد العذاب . { وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله .\r{ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } يحتمل العموم والخصوص . { عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ } أي دون عذاب الآخرة وهو عذاب القبر أو المؤاخذة في الدنيا كقتلهم ببدر والقحط سبع سنين . { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذَلِكَ .\r{ واصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } بإمهالهم وإبقائك في عنائهم . { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا } في حفظنا بحيث نراك ونكلؤك وجمع العين لجمع الضمير والمبالغة بكثرة أسباب الحفظ . { وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ حِينَ تَقُومُ } من أي مكان قمت أو من منامك أو إلى الصلاة .\r{ وَمِنَ اليل فَسَبّحْهُ } فإن العبادة فيه أشق على النفس وأبعد من الرياء ، ولذلك أفرده بالذكر وقدمه على الفعل { وإدبار النجوم } وإذا أدبرت النجوم من آخر الليل ، وقرىء بالفتح أي في أعقابها إذا غربت أو خفيت . عن رسول الله A \" من قرأ سورة والطور كان حقاً على الله أن يؤمنه من عذابه وأن ينعمه في جنته \" .","part":5,"page":237},{"id":2238,"text":"مكية وآيها إحدى أو اثنتان وستون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والنجم إِذَا هوى } أقسم بجنس النجوم أو الثريا فإنه غلب فيها إذا غرب أو انتثر يوم القيامة أو انقض أو طلع فإنه يقال : هوى هوياً بالفتح إذا سقط وغرب ، وهويا بالضم إذا علا وصعد ، أو بالنجم من نجوم القرآن إذا نزل أو النبات إذا سقط على الأرض ، أو إذا نما وارتفع على قوله :\r{ مَا ضَلَّ صاحبكم } ما عدل محمد A عن الطريق المستقيم ، والخطاب لقريش . { وَمَا غوى } وما اعتقد باطلاً والخطاب لقريش ، والمراد نفي ما ينسبون إليه .\r{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } وما يصدر نطقه بالقرآن عن الهوى .\r{ إِنْ هُوَ } ما القرآن أو الذي ينطق به . { إِلاَّ وَحْىٌ يوحى } أي إلا وحي يوحيه الله إليه ، واحتج به من لم ير الاجتهاد له . وأجيب عنه بأنه إذا أوحي إليه بأن يجتهد كان اجتهاده وما يستند إليه وحياً ، وفيه نظر لأن ذلك حينئذ يكون بالوحي لا الوحي .\r{ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى } ملك شديد قواه وهو جبريل عليه السلام فإنه الواسطة في إبداء الخوارق ، روي أنه قلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين .\r{ ذُو مِرَّةٍ } حصافة في عقله ورأيه . { فاستوى } فاستقام على صورته الحقيقية التي خلقه الله تعالى عليها . قيل ما رآه أحد من الأنبياء في صورته غير محمد E مرتين ، مرة في السماء ومرة في الأرض ، وقيل استوى بقوته على ما جعل له من الأمر .\r{ وَهُوَ بالأفق الاعلى } في أفق السماء والضمير لجبريل عليه السلام .\r{ ثُمَّ دَنَا } من النبي E . { فتدلى } فتعلق به وهو تمثيل لعروجه بالرسول A . وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا فيكون من الرسول إشعاراً بأنه عرج به غير منفصل عن محله تقريراً لشدة قوته ، فإن التدلي استرسال مع تعلق كتدلي الثمرة ، ويقال دلى رجليه من السرير وأدلى دلوه ، والدوالي الثمر المعلق .\r{ فَكَانَ } جبريل عليه السلام كقولك : هو مني معقد إزار ، أو المسافة بينهما . { قَابَ قَوْسَيْنِ } مقدارهما . { أَوْ أدنى } على تقديركم كقوله أو يزيدون ، والمقصود تمثيل ملكة الاتصال وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس .\r{ فأوحى } جبريل عليه السلام . { إلى عَبْدِهِ } عبد الله واضماره قبل الذكر لكونه معلوماً كقوله : { على ظَهْرِهَا } { مَا أوحى } جبريل عليه السلام وفيه تفخيم للموحى به أو الله إليه ، وقيل الضمائر كلها لله تعالى وهو المعني بشديد القوى كما في قوله تعالى : { إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين } ودنوه منه برفع مكانته وتدليه جذبه بشراشره إلى جناب القدس .","part":5,"page":238},{"id":2239,"text":"{ مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى } ما رأى ببصره من صورة جبريل عليه السلام أو الله تعالى ، أي ما كذب بصره بما حكاه له فإن الأمور القدسية تدرك أولاً بالقلب ثم تنتقل منه إلى البصر ، أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك ولو قال ذلك كان كاذباً لأنه عرفه بقلبه كما رآه ببصره ، أو ما رآه بقلبه والمعنى أنه لم يكن تخيلاً كاذباً . ويدل عليه \" أنه E سئل هل رأيت ربك؟ فقال رأيته بفؤادي \" . وقرأ هشام ما كذب أي صدقه ولم يشك فيه .\r{ أفتمارونه على مَا يرى } أفتجادلونه عليه ، من المراء وهو المجادلة واشتقاقه من مرى الناقة كأن كلا من المتجادلين يمري ما عند صاحبه . وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب «أفتمرونه» أي أفتغلبونه في المراء من ماريته فمريته ، أو أفتجحدونه من مراه حقه إذا جحده وعلى لتضمين الفعل معنى الغلبة فإن المماري والجاحد يقصدان بفعلهما غلبة الخصم .\r{ وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أخرى } مرة أخرى فعلة من النزول أقيمت مقام المرة ونصبت نصبها إشعاراً بأن الرؤية في هذه المرة كانت أيضاً بنزول ودنو والكلام في المرئي والدنو ما سبق . وقيل تقديره ولقد رآه نازلاً نزلة أخرى ، ونصبها على المصدر والمراد به نفي الريبة عن المرة الأخيرة .\r{ عِندَ سِدْرَةِ المنتهى } التي ينتهي إليها أعمال الخلائق وعلمهم ، أو ما ينزل من فوقها ويصعد من تحتها ، ولعلها شبهت بالسدرة وهي شجرة النبق لأنهم يجتمعون في ظلها . وروي مرفوعاً أنها في السماء السابعة .\r{ عِندَهَا جَنَّةُ المأوى } الجنة التي يأوي إليها المتقون أو أرواح الشهداء .","part":5,"page":239},{"id":2240,"text":"{ إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى } تعظيم وتكثير لما يغشاها بحيث لا يكتنهها نعت ولا يحصيها عد ، وقيل يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون الله عندها .\r{ مَا زَاغَ البصر } ما مال بصر رسول الله A عما رآه . { وَمَا طغى } وما تجاوزه بل أثبته إثباتاً صحيحاً مستيقناً ، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها وما جاوزها .\r{ لَقَدْ رأى مِنْ ءايات رَبّهِ الكبرى } أي والله لقد رأى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل إنها المعنية بما { رأى } . ويجوز أن تكون { الكبرى } صفة لل { ءايات } على أن المفعول محذوف أي شيئاً من آيات ربه أو { مِنْ } مزيدة .\r{ أَفَرَءيْتُمُ اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى } هي أصنام كانت لهم ، فاللات كانت لثقيف بالطائف أو لقريش بنخلة وهي فعلة من لوى لأنهم كانوا يلوون عليها أي يطوفون . وقرأ هبة الله عن البزي ورويس عن يعقوب«اللات» بالتشديد على أنه سمي به لأنه صورة رجل كان يلت السويق بالسمن ويطعم الحاج . { والعزى } بالتشديد سمرة لغطفان كانوا يعبدونها فبعث إليها رسول الله A خالد بن الوليد فقطعها ، وأصلها تأنيث الأعز { ومناة } صخرة كانت لهذيل وخزاعة أو لثقيف وهي فعلة من مناه إذا قطعه فإنهم كانوا يذبحون عندها القرابين ومنه منى . وقرأ ابن كثير { مناة } وهي مفعلة من النوء فإنهم كانوا يستمطرون الأنواء عندها تبركاً بها ، وقوله { الثالثة الأخرى } صفتان للتأكيد كقوله تعالى : { يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ } أو { الأخرى } من التأخر في الرتبة .\r{ أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى } إنكار لقولهم الملائكة بنات الله ، وهذه الأصنام استوطنها جنيات هن بناته ، أو هياكل الملائكة وهو المفعول الثاني لقوله { أَفَرَءيْتُمُ } .\r{ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى } جائرة حيث جعلتم له ما تستنكفون منه وهي فعلى من الضيز وهو الجور ، لكنه كسر فاؤه لتسلم الياء كما فعل في بيض فإن فعلى بالكسر لم تأت وصفاً . وقرأ ابن كثير بالهمز من ضأزه إذا ظلمه على أنه مصدر نعت به .\r{ إِنْ هِىَ إِلاَّ أَسْمَاء } الضمير للأصنام أي ما هي باعتبار الألوهية إلا أسماء تطلقونها عليها لأنهم يقولون أنها آلهة وليس فيها شيء من معنى الألوهية ، أو للصفة التي تصفونها بها من كونها آلهة وبنات وشفعاء ، أو للأسماء المذكورة فإنهم كانوا يطلقون اللات عليها باعتبار استحقاقها للعكوف على عبادتها ، والعزى لعزتها ومناة لاعتقادهم أنها تستحق أن يتقرب إليها بالقرابين . { سَمَّيْتُمُوهَا } سميتم بها .\r{ أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ } بهواكم . { مَّا أَنزَلَ الله بِهَا مِن سلطان } برهان تتعلقون به . { إِن يَتَّبِعُونَ } وقرىء بالتاء . { إِلاَّ الظن } إلا توهم أن ما هم عليه حق تقليداً وتوهماً باطلاً . { وَمَا تَهْوَى الأنفس } وما تشتهيه أنفسهم . { وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ الهدى } الرسول أو الكتاب فتركوه .\r{ أَمْ للإنسان مَا تمنى } { أَمْ } منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإِنكار ، والمعنى ليس له كل ما يتمناه والمراد نفي طمعهم في شفاعة الآلهة وقولهم : { لَئِنْ رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } وقوله : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } ونحوهما .\r{ فَلِلَّهِ الأخرة والأولى } يعطي منهما ما يشاء لمن يريد وليس لأحد أن يتحكم عليه في شيء منهما .","part":5,"page":240},{"id":2241,"text":"{ وَكَمْ مّن مَّلَكٍ فِى السموات لاَ تُغْنِى شفاعتهم شَيْئاً } وكثير من الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئاً ولا تنفع .\r{ إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ الله } في الشفاعة . { لِمَن يَشَاء } من الملائكة أن يشفع أو من الناس أن يشفع له . { ويرضى } ويراه أهلاً لذلك فكيف تشفع الأصنام لعبدتهم .\r{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة } أي كل واحد منهم . { تَسْمِيَةَ الأنثى } بأن يسموه بنتاً .\r{ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ } أي بما يقولون ، وقرىء بها أي بالملائكة أو بالتسمية . { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن وَإَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق شَيْئًا } فإن الحق الذي هو حقيقة الشيء لا يدرك إلا بالعلم ، والظن لا اعتبار له في المعارف الحقيقية ، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها .\r{ فَأَعْرَضَ عَمَّنْ تولى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا } فأعرض عن دعوته والاهتمام بشأنه فإن من غفل عن الله وأعرض عن ذكره . وانهمك في الدنيا بحيث كانت منتهى همته ومبلغ علمه لا تزيده الدعوة إلا عناداً وإصراراً على الباطل .\r{ ذلك } أي أمر الدنيا أو كونها شهية . { مَبْلَغُهُمْ مّنَ العلم } لا يتجاوزه علمهم والجملة اعتراض مقرر لقصور هممهم بالدنيا وقوله : { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى } تعليل للأمر بالإِعراض أي إنما يعلم الله من يجيب ممن لا يجيب فلا تتعب نفسك في دعوتهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلغت .\r{ وَللَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } خلقاً وملكاً . { لِيَجْزِىَ الذين أساؤوا بِمَا عَمِلُواْ } بعقاب ما عملوا من السوء أو بمثله أو بسبب ما عملوا من السوء ، وهو بمثله دل عليه ما قبله أي خلق العالم وسواه للجزاء ، أو ميز الضال عن المهتدي وحفظ أحوالهم لذلك { وَيِجْزِى الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى } بالمثوبة الحسنى وهي الجنة ، أو بأحسن من أعمالهم أو بسبب الأعمال الحسنى .\r{ الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم } ما يكبر عقابه من الذنوب وهو ما رتب عليه الوعيد بخصوصه . وقيل ما أوجب الحد . وقرأ حمزة والكسائي وخلف كبير الإِثم على إرادة الجنس أو الشرك . { والفواحش } ما فحش من الكبائر خصوصاً . { إِلاَّ اللمم } إلا ما قل وصغر فإنه مغفور من مجتنبي الكبائر ، والاستثناء منقطع ومحل { الذين } النصب على الصفة أو المدح أو الرفع على أنه خبر محذوف . { إِنَّ رَبَّكَ واسع المغفرة } حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر ، أو له أن يغفر ما شاء من الذنوب صغيرها وكبيرها ، ولعله عقب به وعيد المسيئين ووعد المحسنين لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته ولا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى . { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ } أعلم بأحوالكم منكم .","part":5,"page":241},{"id":2242,"text":"{ إِذْ أَنشَأَكُمْ مّنَ الأرض وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِى بُطُونِ أمهاتكم } علم أحوالكم ومصارف أموركم حين ابتدأ خلقكم من التراب بخلق آدم وحينما صوركم في الأرحام . { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } فلا تثنوا عليها بزكاء العمل وزيادة الخير ، أو بالطهارة عن المعاصي والرذائل . { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } فإنه يعلم التقي وغيره منكم قبل أن يخرجكم من صلب آدم عليه السلام .\r{ أَفَرَأَيْتَ الذى تولى } عن اتباع الحق والثبات عليه .\r{ وأعطى قَلِيلاً وأكدى } وقطع العطاء من قولهم أكدى الحافر إذا بلغ الكدية وهي الصخرة الصلبة فترك الحفر . والأكثر على أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يتبع رسول الله A فعيره بعض المشركين وقال : تركت دين الأشياخ وضللتهم قال أخشى عذاب الله تعالى فضمن أن يتحمل عنه العقاب إن أعطاه بعض ماله فارتد وأعطى بعض المشروط ثم بخل بالباقي .\r{ أَعْنْدَهُ عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى } يعلم أن صاحبه يتحمل عنه .","part":5,"page":242},{"id":2243,"text":"{ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ موسى وإبراهيم الذى وفى } وفى وأتم ما التزمه وأمر به ، أو بالغ في الوفاء بما عاهد الله ، وتخصيصه بذلك لاحتماله ما لم يحتمله غيره كالصبر على نار نمروذ حتى أتاه جبريل عليه السلام حين ألقي في النار فقال ألك حاجة ، فقال أما إليك فلا ، وذبح الولد وأنه كان يمشي كل يوم فرسخاً يرتاد ضيفاً فإن وافقه أكرمه وإلا نوى الصوم ، وتقديم موسى E لأن صحفه وهي التوراة كانت أشهر وأكبر عندهم .\r{ أَلاَّ تَزِرُ وازرة وِزْرَ أخرى } أن هي المخففة من الثقيلة وهي بما بعدها في محل الجر بدلاً مما { فِى صُحُفِ موسى } ، أو الرفع على هو أن { لا تَزِرُ } كأنه قيل ما في صحفهما؟ فأجاب به ، والمعنى أنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره ولا يخالف ذلك قوله : { كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى الأرض فَكَأَنَّمَا قَتَلَ الناس جَمِيعاً } وقوله E ، « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » فإن ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره .\r{ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } إلا سعيه أي كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير لا يثاب بفعله ، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت فلكون الناوي له كالنائب عنه .\r{ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى ثُمَّ يُجْزَاهُ الجزاء الأوفى } أي يجزى العبد سعيه بالجزاء الأوفر فنصب بنزع الخافض ، ويجوز أن يكون مصدراً وأن تكون الهاء للجزاء المدلول عليه بيجزى و { الجزاء } بدله .\r{ وَأَنَّ إلى رَبّكَ المنتهى } انتهاء الخلائق ورجوعهم ، وقرىء بالكسر على أنه منقطع عما في الصحف وكذلك ما بعده .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وأبكى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } لا يقدر على الإِماتة والإِحياء غيره فإن القاتل ينقض البنية والموت يحصل عنده بفعل الله تعالى على سبيل العادة .\r{ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى } تدفق في الرحم أو تخلق ، أو يقدر منها الولد من منى إذا قدر .\r{ وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى } الإِحياء بعد الموت وفاء بوعده ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو النشاءة بالمدة وهو أيضاً مصدر نشأ .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ أغنى وأقنى } وأعطى القنية وهو ما يتأثل من الأموال ، وإفرادها لأنها أشرف الأموال أو أرضى وتحقيقه جعل الرضا له قنية .\r{ وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشعرى } يعني العبور وهي أشد ضياء من الغميصاء ، عبدها أبو كبشة أحد أجداد النبي A وخالف قريشاً في عبادة الأوثان ، ولذلك كانوا يسمون الرسول A ابن أبي كبشة ، ولعل تخصيصها للإِشعار بأنه E وإن وافق أبا كبشة في مخالفاتهم خالفه أيضاً في عبادتها .","part":5,"page":243},{"id":2244,"text":"{ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأولى } القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكاً بعد قوم نوح E . وقيل { عَاداً الأولى } قوم هود وعاد الأخرى إرم . وقرىء «عَاداً لولي» بحذف الهمزة ونقل ضمها إلى لام التعريف وقرأ نافع وأبو عمرو «عَاداً لولي» بضم اللام بحركة الهمزة وبادغام التنوين ، وقالون بعد ضمة اللام بهمزة ساكنة في موضع الواو .\r{ وَثَمُودَاْ } عطف على { عَاداً } لأن ما بعده لا يعمل فيه ، وقرأ عاصم وحمزة بغير تنوين ويقفان بغير الألف والباقون بالتنوين ويقفون بالألف . { فَمَا أبقى } الفريقين .","part":5,"page":244},{"id":2245,"text":"{ وَقَوْمَ نُوحٍ } أيضاً معطوف عليه . { مِن قَبْلُ } من قبل عاد وثمود . { إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَظْلَمَ وأطغى } من الفريقين لأنهم كانوا يؤذونه وينفرون عنه ويضربونه حتى لا يكون به حراك .\r{ والمؤتفكة } والقرى التي ائتفكت بأهلها أي انقلبت وهي قرى قوم لوط . { أهوى } بعد أن رفعها فقلبها .\r{ فغشاها مَا غشى } فيه تهويل وتعميم لما أصابهم .\r{ فَبِأَىّ آلاَءِ رَبّكَ تتمارى } تتشكك والخطاب للرسول A ، أو لكل أحد والمعدودات وإن كانت نعماً ونقماً سماها { ءالآء } من قبل ما في نقمه من العبر والمواعظ للمعتبرين ، والانتقام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين .\r{ هذا نَذِيرٌ مّنَ النذر الأولى } أي هذا القرآن إنذار من جنس الإِنذارات المتقدمة ، أو هذا الرسول نذير من جنس المنذرين الأولين .\r{ أَزِفَتِ الأزفة } دنت الساعة الموصوفة بالدنو في نحو قوله تعالى : { اقتربت الساعة } .\r{ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ الله كَاشِفَةٌ } ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله لكنه لا يكشفها ، أو الآن بتأخيرها إلا الله ، أو ليس لها كاشفة لوقتها إلا الله إذ لا يطلع عليه سواه ، أو ليس لها من غير الله كشف على أنها مصدر كالعافية .\r{ أَفَمِنْ هذا الحديث } يعني القرآن { تَعْجَبُونَ } إنكاراً .\r{ وَتَضْحَكُونَ } استهزاء . { وَلاَ تَبْكُونَ } تحزناً على ما فرطتم .\r{ وَأَنتُمْ سامدون } لاهون أو مستكبرون من سمد البعير في مسيره إذا رفع رأسه ، أو مغنون لتشغلوا الناس عن استماعه من الثمود وهو الغناء .\r{ فاسجدوا لِلَّهِ واعبدوا } أي واعبدوه دون الآلهة .\rعن النبي A « من قرأ سورة النجم أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد وجحد به بمكة » .","part":5,"page":245},{"id":2246,"text":"مكية وآيها خمس وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ اقتربت الساعة وانشق القمر } روي أن الكفار سألوا رسول الله A آية فانشق القمر . وقيل معناه سينشق يوم القيامة ويؤيد الأول أنه قرىء «وقد انشق القمر» أي اقتربت الساعة وقد حصل من آيات اقترابها انشقاق القمر ، وقوله :\r{ وَإِن يَرَوْاْ ءايَةً يُعْرِضُواْ } عن تأملها والإِيمان بها . { وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ } مطرد وهو يدل على أنهم رأوا قبله آيات أخر مترادفة ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك ، أو محكم من المرة يقال أمررته فاستمر إذا أحكمته فاستحكم ، أو مستبشع من استمر الشيء إذا اشتدت مرارته أو مار ذاهب لا يبقى .\r{ وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ } وهو ما زين لهم الشيطان من رد الحق بعد ظهوره ، وذكرهما بلفظ الماضي للإِشعار بأنهما من عادتهم القديمة . { وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ } منته إلى غاية من خذلان أو نصر في الدنيا وشقاؤه ، أو سعادة في الآخرة فإن الشيء إذا انتهى إلى غايته ثبت واستقر ، وقرىء بالفتح أي ذو مستقر بمعنى استقرار وبالكسر والجر على أنه صفة أمر ، وكل معطوف على الساعة .\r{ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ } في القرآن { مّنَ الأنباء } أنباء القرون الخالية أو أنباء الآخرة . { مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ } ازدجار من تعذيب أو وعيد ، وتاء الافتعال تقلب دالاً مع الذال والدال والزاي للتناسب ، وقرىء «مزجر» بقلبها زايا وإدغامها .\r{ حِكْمَةٌ بالغة } غايتها لا خلل فيها وهي بدل من ما أو خبر لمحذوف ، وقرىء بالنصب حالاً من ما فإنها موصولة أو مخصوصة بالصفة نصب الحال عنها . { فَمَا تُغْنِى النذر } نفي أو استفهام إنكار ، أي فأي غناء تغني النذر وهو جمع نذير بمعنى المنذر ، أو المنذر منه أو مصدر بمعنى الإِنذار .\r{ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ } لعلمك بأن الإِنذار لا يغني فيهم . { يَوْمَ يَدْعُ الداع } إسرافيل ، ويجوز أن يكون الدعاء فيه كالأمر في قوله : { كُنْ فَيَكُونُ } وإسقاط الياء اكتفاء بالكسرة للتخفيف وانتصاب { يَوْمٍ } ب { يُخْرِجُونَ } أو بإضمار اذكر . { إلى شَىْءٍ نُّكُرٍ } فظيع تنكره النفوس لأنها لم تعهد مثله وهو هول يوم القيامة ، وقرأ ابن كثير بالتخفيف ، وقرىء «نكراً » بمعنى أنكر .\r{ خُشَّعاً أبصارهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث } أي يخرجون من قبورهم خاشعاً ذليلاً أبصارهم من الهول ، وإفراده وتذكيره لأن فاعله ظاهر غير حقيقي التأنيث ، وقرىء «خاشعة» على الأصل ، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم { خُشَّعاً } ، وإنما حسن ذلك ولم يحسن مررت برجال قائمين غلمانهم لأنه ليس على صيغة تشبه الفعل ، وقرىء «خشع أبصارهم» على الابتداء والخبر فتكون الجملة حالاً . { كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ } في الكثرة والتموج والانتشار في الأمكنة .","part":5,"page":246},{"id":2247,"text":"{ مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع } مسرعين مادي أعناقهم إليه ، أو ناظرين إليه . { يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ } صعب .\r{ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ } قبل قومك . { فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } نوحاً عليه السلام وهو تفصيل بعد إجمال ، وقيل معناه كذبوه تكذيباً على عقب تكذيب كلما خلا منهم قرن مكذب تبعه قرن مكذب ، أو كذبوه بعدما كذبوا الرسل . { وَقَالُواْ مَجْنُونٌ } هو مجنون . { وازدجر } وزجر عن التبليغ بأنواع الأذية ، وقيل إنه من جملة قيلهم أي هو مجنون وقد ازدجرته الجن وتخبطته .\r{ فَدَعَا رَبَّهُ أَنّى } بأني وقرىء بالكسر على إرادة القول . { مَغْلُوبٌ } غَلبني قومي . { فانتصر } فانتقم لي منهم وذلك بعد يأسه منهم . فقد روي أن الواحد منهم كان يلقاه فيخنقه حتى يخر مغشياً عليه فيفيق ويقول : « اللَّهُم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » .","part":5,"page":247},{"id":2248,"text":"{ فَفَتَحْنَا أبواب السماء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ } منصب ، وهو مبالغة وتمثيل لكثرة الأمطار وشدة انصابها ، وقرأ ابن عامر ويعقوب ففتحنا بالتشديد لكثرة الأبواب .\r{ وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً } وجعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة ، وأصله وفجرنا عيون الأرض فغير للمبالغة . { فَالْتَقَى الماء } ماء السماء وماء الأرض ، وقرىء «الماءان» لاختلاف النوعين «الماوان» بقلب الهزة واواً . { على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ } على حال قدرها الله تعالى في الأزل من غير تفاوت ، أو على حال قدرت وسويت وهو أن قدر ما أنزل على قدر ما أخرج ، أو على أمر قدره الله تعالى وهو هلاك قوم نوح بالطوفان .\r{ وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ ألواح } ذات أخشاب عريضة . { وَدُسُرٍ } ومسامير جمع دسار من الدسر ، وهو الدفع الشديد وهي صفة للسفينة أقيمت مقامها من حيث أنها كالشرح لها تؤدي مؤداها .\r{ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا } بمرأى منا أي محفوظة بحفظنا . { جَزَاءً لّمَن كَانَ كُفِرَ } أي فعلنا ذلك جزاء لنوح لأنه نعمة كفروها ، فإن كل نبي نعمة من الله تعالى ورحمة على أمته ، ويجوز أن يكون على حذف الجار وإيصال الفعل إلى الضمير ، وقرىء «لِمَنْ كُفِرَ» أي للكافرين .\r{ وَلَقَدْ تركناها } أي السفينة أو الفعلة . { ءايَةً } يعتبر بها إذ شاع خبرها واشتهر . { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } معتبر ، وقرىء «مذتكر» على الأصل ، و «مذكر» بقلب التاء ذالاً والإِدغام فيها .\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } استفهام تعظيم ووعيد ، والنذر يحتمل المصدر والجمع .\r{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان } سهلناه أو هيأناه من يسر ناقته للسفر إذا رحلها . { لِلذّكْرِ } للادكار والاتعاظ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر ، أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ . { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ .\r{ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } وإنذاري أتى لهم بالعذاب قبل نزوله ، أو لمن بعدهم في تعذيبهم .\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً } بارداً أو شديد الصوت . { فِى يَوْمِ نَحْسٍ } شؤم . { مُّسْتَمِرٌّ } أي استمر شؤمه ، أو استمر عليهم حتى أهلكهم ، أو على جميعهم كبيرهم وصغيرهم فلم يبق منهم أحداً ، أو اشتد مرارته وكان يوم الاربعاء آخر الشهر .\r{ تَنزِعُ الناس } تقلعهم ، روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر وتمسك بعضهم ببعض فنزعتهم الريح منها وصرعتهم موتى . { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ } أصول نخل منقلع عن مغارسه ساقط على الأرض . وقيل شبهوا بالاعجاز لأن الريح طيرت رؤوسهم وطرحت أجسادهم ، وتذكير { مُّنقَعِرٍ } للحمل على اللفظ ، والتأنيث في قوله { أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ } للمعنى .\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ } كرره للتهويل . وقيل الأول لما حاق بهم في الدنيا ، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة كما قال أيضاً في قصتهم { لنذيقنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى } { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر } بالإِنذارات والمواعظ ، أو الرسل .","part":5,"page":248},{"id":2249,"text":"{ فَقَالُواْ أَبَشَراً مّنَّا } من جنسنا أو من حملنا لا فضل له علينا ، وانتصابه بفعل يفسره وما بعده وقرىء بالرفع على الابتداء والأول أوجه للاستفهام . { واحدا } منفرداً لاتبع له أو من آحادهم دون أشرافهم . { نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَّفِى ضلال وَسُعُرٍ } جمع سعير كأنه عكسوا عليه فرتبوا على اتباعهم إياه ما رتبه على ترك اتباعهم له ، وقيل السعر الجنون ومنه ناقة مسعورة .\r{ ءَأُلْقِي الذكر } الكتاب أو الوحي . { عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا } وفينا من هو أحق منه بذلك . { بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ } حمله بطره على الترفع علينا بادعائه إياه .\r{ سَيَعْلَمُونَ غَداً } عند نزول العذاب بهم أو يوم القيامة . { مَّنِ الكذاب الأشر } الذي حمله أشره على الاستكبار عن الحق وطلب الباطل أصالح عليه السلام أم من كذبه؟ وقرأ ابن عامر وحمزة ورويس ستعلمون على الالتفات أو حكاية ما أجابهم به صالح ، وقرىء «الأشر» كقولهم حذر في حذر و «الأشر» أي الأبلغ في الشرارة وهو أصل مرفوض كالأخير .\r{ إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة } مخرجوها وباعثوها . { فِتْنَةً لَّهُمْ } امتحاناً لهم . { فارتقبهم } فانتظرهم وتبصر ما يصنعون . { واصطبر } على أذاهم .\r{ وَنَبّئْهُمْ أَنَّ الماء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ } مقسوم لها يوم ولهم يوم ، و { بَيْنَهُمْ } لتغليب العقلاء . { كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ } يحضره صاحبه في نوبته أو يحضره عنه غيره . { فَنَادَوْاْ صاحبهم } قدار بن سالف أحيمر ثمود { فتعاطى فَعَقَرَ } فاجترأ على تعاطي قتلها فقتلها أو فتعاطى السيف فقتلها والتعاطي تناول الشيء بتكلف .\r{ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحدة } صيحة جبريل عليه السلام . { فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر } كالشجر اليابس المتكسر الذي يتخذه من يعمل الحظيرة لأجلها أو كالحشيش اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء ، وقرىء بفتح الظاء أي كهشيم الحظيرة أو الشجر المتخذ لها .\r{ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُذَكّرٌ } . { كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر } . { إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حاصبا } ريحاً تحصبهم بالحجارة أي ترميهم . { إِلاَّ آلَ لُوطٍ نجيناهم بِسَحَرٍ } في سحر وهو آخر الليل أو مسحرين .\r{ نّعْمَةً مّنْ عِندِنَا } إنعاماً منا وهو علة لنجينا . { كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ } نعمتنا بالإِيمان والطاعة .","part":5,"page":249},{"id":2250,"text":"{ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ } لوط . { بَطْشَتَنَا } أخذتنا بالعذاب . { فَتَمَارَوْاْ بالنذر } فكذبوا بالنذر متشاكين .\r{ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ } قصدوا الفجور بهم . { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } فمسحناها وسويناها بسائر الوجه . روي أنهم لما دخلوا داره عنوة صفقهم جبريل عليه السلام صفقة فأعماهم . { فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ } فقلنا لهم ذوقوا على ألسنة الملائكة أو ظاهر الحال .\r{ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً } وقرىء «بُكْرَةً» غير مصروفة على أن المراد بها أول نهار معين . { عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ } يستقر بهم حتى يسلمهم إلى النار .\r{ فَذُوقُواْ عَذَابِى وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرءان لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } كرر ذلك في كل قصة إشعاراً بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب واستماع كل قصة مستدع للادكار والاتعاظ ، واستئنافاً للتنبيه والاتعاظ لئلا يغلبهم السهو والغفلة ، وهكذا تكرير قوله : { فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } ونحوهما .\r{ وَلَقَدْ جَاء ءالَ فِرْعَوْنَ النذر } اكتفى بذكرهم عن ذكره للعلم بأنه أولى بذلك منهم .\r{ كَذَّبُواْ بئاياتنا كُلَّهَا } يعني الآيات التسع . { فأخذناهم أَخْذَ عِزِيزٍ } لا يغالب . { مُّقْتَدِرٍ } لا يعجزه شيء .\r{ أكفاركم } يا معشر العرب . { خَيْرٌ مّنْ أُوْلَئِكُمْ } الكفار المعدودين قوة وعدة أو مكانة وديناً عند الله تعالى . { أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِى الزبر } أم نزل لكم في الكتب السماوية أن من كفر منكم فهو في أمان من العذاب .\r{ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ } جماعة أمرنا . { مُّنتَصِرٌ } ممتنع لا نرام أو منتصر من الأعداء لا نغلب ، أو متناصر ينصر بعضنا بعضاً والتوحيد على لفظ الجميع .\r{ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } أي الأدبار وإفراده لإِرادة الجنس ، أو لأن كل واحد يولي دبره وقد وقع ذلك يوم بدر وهو من دلائل النبوة . وعن عمر رضي الله تعالى عنه \" أنه لما نزلت قال : لم أعلم ما هو فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله A يلبس الدرع ويقول : سيهزم الجمع ، فعلمته \" » .\r{ بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ } موعد عذابهم الأصلي وما يحيق بهم في الدنيا فمن طلائعه . { والساعة أدهى } أشد ، والداهية أمر فظيع لا يهتدي لدوائه . { وَأَمَرُّ } مذاقاً من عذاب الدنيا .\r{ إِنَّ المجرمين فِى ضلال } عن الحق في الدنيا . { وَسُعُرٍ } ونيران في الآخرة .\r{ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } يجرون عليها . { ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } أي يقال لهم ذوقوا حر النار وألمها فإن مسها سبب التألم بها ، وسقر علم لجهنم ولذلك لم يصرف من سقرته النار وصقرته إذا لوحته .\r{ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خلقناه بِقَدَرٍ } أي إنا خلقنا كل شيء مقدراً مرتباً على مقتضى الحكمة ، أو مقدراً مكتوباً في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ، وكل شيء منصوب بفعل يفسره ما بعده ، وقرىء بالرفع على الابتداء وعلى هذا فالأولى أن يجعل خلقناه خبراً لا نعتاً ليطابق المشهورة في الدلالة على أن كل شيء مخلوق بقدر ، ولعل اختيار النصب ها هنا مع الإِضمار لما فيه من النصوصية على المقصود .","part":5,"page":250},{"id":2251,"text":"{ وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ واحدة } إلا فعلة واحدة وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة ، أو { إِلا } كلمة واحدة وهو قوله كن . { كَلَمْحٍ بالبصر } في اليسر والسرعة ، وقيل معناه معنى قوله تعالى : { وَمَا أَمْرُ الساعة إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } .\r{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أشياعكم } أشباهكم في الكفر ممن قبلكم . { فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ } متعظ .","part":5,"page":251},{"id":2252,"text":"{ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِى الزبر } مكتوب في كتب الحفظة .\r{ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ } من الأعمال . { مُّسْتَطَرٌ } مسطور في اللوح .\r{ إِنَّ المتقين فِى جنات وَنَهَرٍ } أنهار واكتفى باسم الجنس ، أو سعة أو ضياء من النهار . وقرىء { نهر } وبضم الهاء جمع نهر كأسد وأسد .\r{ فِى مَقْعَدِ صِدْقٍ } في مكان مرضي ، وقرىء «مقاعد صدق» . { عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ } مقربين عند من تعالى أمره في الملك ، والاقتدار بحيث أبهمه ذوو الأفهام .\rعن النبي A \" من قرأ سورة القمر في كل غب بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر \" .","part":5,"page":252},{"id":2253,"text":"مكية او مدنية او متبعضة وآيها ثمان وسبعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الرحمن عَلَّمَ القرءان } لما كانت السورة مقصورة على تعداد النعم الدنيوية والآخروية صدرها ب { الرحمن } ، وقدم ما هو أصل النعم الدينية وأجلها وهو إنعامه بالقرآن وتنزيله وتعليمه ، فإنه أساس الدين ومنشأ الشرع وأعظم الوعي وأعز الكتب ، إذ هو بإعجازه واشتماله على خلاصتها مصدق لنفسه ومصداق لها ، ثم اتبعه قوله :\r{ خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان } إيماء بأن خلق البشر وما يميز به عن سائر الحيوان من البيان ، وهو التعبير عما في الضمير وإفهام الغير لما أدركه لتلقي الوحي وتعرف الحق وتعلم الشرع ، وإخلاء الجمل الثلاث التي هي أخبار مترادفة ل { الرحمن } عن العاطف لمجيئها على نهج التعديد .\r{ الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } يجريان بحساب معلوم مقدر في بروجهما ومنازلهما ، وتتسق بذلك أمور الكائنات السفلية وتختلف الفصول والأوقات ، ويعلم السنون والحساب .\r{ والنجم } والنبات الذي ينجم أي يطلع من الأرض ولا ساق له . { والشجر } الذي له ساق . { يَسْجُدَانِ } ينقادان لله تعالى فيما يريد بهما طبعاً انقياد الساجد من المكلفين طوعاً ، وكان حق النظم في الجملتين أن يقال : وجرى الشمس والقمر ، وأسجد النجم والشجر . أو { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } ، والنجم والشجر يسجدان له ، ليطابقا ما قبلهما وما بعدهما في اتصالهما ب { الرحمن } ، لكنهما جردتا عما يدل على الاتصال إشعاراً بأن وضوحه يغنيه عن البيان ، وإدخال العاطف بينهما لاشتراكهما في الدلالة على أن ما يحس به من تغيرات أحوال الأجرام العلوية والسفلية بتقديره وتدبيره .\r{ والسماء رَفَعَهَا } خلقها مرفوعة محلاً ومرتبة ، فإنها منشأ أقضيته ومتنزل أحكامه ومحل ملائكته ، وقرىء بالرفع على الابتداء . { وَوَضَعَ الميزان } العدل بأن وفر على كل مستعد مستحقه ، ووفى كل ذي حق حقه حتى انتظم أمر العالم واستقام كما قال عليه السلام \" بالعدل قامت السموات والأرض \" أو ما يعرف به مقادير الأشياء من ميزان ومكيال ونحوهما ، كأنه لما وصف السماء بالرفعة من حيث إنها مصدر القضايا والإقرار أراد وصف الأرض بما فيها مما يظهر به التفاوت ويعرف به المقدار ويسوى به الحقوق والمواجب .\r{ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِى الميزان } لئلا تطغوا فيه أي لا تعتدوا ولا تجاوزوا الانصاف ، وقرىء «لا تطغوا» على إرادة القول .\r{ وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان } ولا تنقصوه فإن من حقه أن يسوى لأنه المقصود من وضعه ، وتكريره مبالغة في التوصية به وزيادة حث على استعماله ، وقرىء «وَلاَ تُخْسِرُواْ» بفتح التاء وضم السين وكسرها ، و« تُخْسِرُواْ» بفتحها على أن الأصل { وَلاَ تُخْسِرُواْ } في { الميزان } فحذف الجار وأوصل الفعل .\r{ والأرض وَضَعَهَا } خفضها مدحوة . { لِلأَنَامِ } للخلق . وقيل الأنام كل ذي روح .","part":5,"page":253},{"id":2254,"text":"{ فِيهَا فاكهة } ضروب مما يتفكه به . { والنخل ذَاتُ الاكمام } أوعية التمر جمع كم ، أو كل ما يكم أي يغطى من ليف وسعف وكفري فإنه ينتفع به كالمكموم كالجذع والجمار والتمر .\r{ والحب ذُو العصف } كالحنطة والشعير وسائر ما يتغذى به ، و { العصف } ورق النبات اليابس كالتين . { والريحان } يعني المشموم ، أو الرزق من قولهم : خرجت أطلب ريحان الله ، وقرأ ابن عامر «والحب ذا العصف والريحان» أي وخلق الحب والريحان أو وأخص ، ويجوز أن يراد وذا الريحان فحذف المضاف ، وقرأ حمزة والكسائي «والريحان» بالخفض ما عدا ذلك بالرفع ، وهو فيعلان من الروح فقلبت الواو ياء وأدغم ثم خفف ، وقيل «روحان» فقلبت واوه ياء للتخفيف .","part":5,"page":254},{"id":2255,"text":"{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } الخطاب للثقلين المدلول عليهما بقوله : { لِلأَنَامِ } وقوله : { أَيُّهَا الثقلان } .\r{ خَلَقَ الإنسان مِن صلصال كالفخار } الصلصال الطين اليابس الذي له صلصلة ، والفخار الخزف وقد خلق الله آدم من تراب جعله طيناً ثم حمأ مسنوناً ، ثم صلصالاً فلا يخالف ذلك قوله خلقه من تراب ونحوه .\r{ وَخَلَقَ الجان } الجن أو أبا الجن . { مِن مَّارِجٍ } من صاف من الدخان . { مّن نَّارٍ } بيان ل { مَّارِجٍ } فإنه في الأصل للمضطرب من مرج إذ اضطرب .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات وخلاصة الكائنات .\r{ رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين } مشرقي الشتاء والصيف ومغربيهما .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى ، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول وحدوث ما يناسب كل فصل فيه إلى غير ذلك .\r{ مَرَجَ البحرين } أرسلهما من مرجت الدابة إذا أرسلتها ، والمعنى أرسل البحر الملح والبحر العذب . { يَلْتَقِيَانِ } يتجاوران ويتماس سطوحهما ، أو بحري فارس والروم يلتقيان في المحيط لأنهما خليجان يتشعبان منه .\r{ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ } حاجز من قدرة الله تعالى أو من الأرض . { لاَّ يَبْغِيَانِ } لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة وإبطال الخاصية ، أو لا يتجاوزان حديهما بإغراق ما بينهما .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانِ } كبار الدر وصغاره ، وقيل المرجان الخرز الأحمر ، وإن صح أن الدر يخرج من الملح فعلى الأول إنما قال منهما لأنه مخرج من مجتمع الملح والعذب ، أو لأنهما لما اجتمعا صارا كالشيء الواحد فكأن المخرج من أحدهما كالمخرج منهما . وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب { يَخْرُجُ } ، وقرىء «نُخْرِجُ» و «يَخْرُجُ» بنصب { الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَلَهُ الجوار } أي السفن جمع جارية ، وقرىء بحذف الياء ورفع الراء كقوله :\rلَهَا ثَنَايَا أَرْبَعٌ حِسَانٌ @ وَأَرْبَعٌ فَكُلُهَا ثَمَانٍ . ... { المُنْشَآتُ } المرفوعات الشرع ، أو المصنوعات وقرأ حمزة وأبو بكر بكسر الشين أي الرافعات الشرع ، أو اللاتي ينشئن الأمواج أو السير . { فِى البحر كالأعلام } كالجبال جمع علم وهو الجبل الطويل .","part":5,"page":255},{"id":2256,"text":"{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } من خلق مواد السفن والإِرشاد إلى أخذها وكيفية تركيبها وإجرائها في البحر بأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره .\r{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا } من على الأرض من الحيوانات أو المركبات و { مِنْ } للتغليب ، أو من الثقلين . { فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبّكَ } ذاته ولو استقريت جهات الموجودات وتفحصت وجوهها وجدتها بأسرها فانية في حد ذاتها إلا وجه الله أي الوجه الذي يلي جهته . { ذُو الجلال والإكرام } ذو الاستغناء المطلق والفضل العام .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما ذكرنا قبل من بقاء الرب وإبقاء ما لا يحصى مما هو على صدد الفناء رحمة وفضلاً ، أو مما يترتب على فناء الكل من الإِعادة والحياة الدائمة والنعيم المقيم .\r{ يَسْأَلُهُ مَن فِى السموات والأرض } فَإِنَهم مفتقرون إليه في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ، ويعن لهم المراد بالسؤال ما يدل على الحاجة إلى تحصيل الشيء في ذواتهم وصفاتهم نطقاً كان أو غيره . { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ } كل وقت يحدث أشخاصاً ويحدد أحوالاً على ما سبق به قضاؤه ، وفي الحديث \" من شأنه أن يغفر ذنباً ويفرج كرباً ويرفع قوماً ويضع آخرين \" وهو رد لقول اليهود إن الله لا يقضي يوم السبت شيئاً .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما يسعف به سؤالكما وما يخرج لكما من مكمن العدم حيناً فحيناً .\r{ سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثقلان } آي سنتجرد لحسابكم وجزائكم وذلك يوم القيامة ، فإنه تعالى لا يفعل فيه غيره وقيل تهديد مستعار من قولك لمن تهدده سأفرغ لك ، فإن المتجرد للشيء كان أقوى عليه وأجد فيه ، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وقريء «سنفرغ إليكم» أي سنقصد إليكم . و { الثقلان } الإِنس والجن سميا بذلك لثقلهما على الأرض أو لرزانة رأيهما وقدرهما ، أو لأنهما مثقلان بالتكليف .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ يَا مَعْشَرَ الجنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السموات والأرض هاربين من الله فارين من قضائه . { فانفذوا } فاخرجوا . { لاَ تَنفُذُونَ } لا تقدرون على النفوذ . { إِلاَّ بسلطان } إلا بقوة وقهر وأنى لكم ذلك ، أو إن قدرتم أن تنفذوا لتعلموا ما في السموات والأرض { فانفذوا } لتعلموا لكن { لاَ تَنفُذُونَ } ولا تعلمون إلا ببينة نصبها الله تعالى فتعرجون عليها بأفكاركم .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي من التنبيه والتحذير والمساهلة والعفو مع كمال القدرة ، أو مما نصب من المصاعد العقلية والمعارج النقلية فتنفذون بها إلى ما فوق السموات العلا .\r{ يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ } لهب . { مّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ } ودخان قال :\rتُضِيءُ كَضَوْءِ السِرَاجِ السَّلِي ... طِ لَمْ يَجْعَلِ الله فِيهِ نُحَاساً\rأو صفر مذاب يصب على رؤوسهم ، وقرأ ابن كثير« شوَاظٌ » بالكسر وهو لغة «وَنُحَاس» بالجر عطفاً على { نَّارٍ } ، ووافقه فيه أبو عمرو ويعقوب في رواية ، وقرىء «ونحس» وهو جمع كلحف . { فَلاَ تَنتَصِرَانِ } فلا تمتنعان .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } فإن التهديد لطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار في عداد الآلاء .","part":5,"page":256},{"id":2257,"text":"{ فَإِذَا انشقت السماء فَكَانَتْ وَرْدَةً } أي حمراء كوردة وقرئت بالرفع على كان التامة فيكون من باب التجريد كقوله :\rوَلَئِنْ بَقِيتُ لأَرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ... تَحْوِي الغَنَائِمِ أَوْ يَمُوتَ كَرِيمُ\r{ كالدهان } وهو اسم لما يدهن به كالحزام ، أو جمع دهن وقيل هو الأديم الأحمر .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما يكون بعد ذلك .\r{ فَيَوْمَئِذٍ } أي فيوم تنشق السماء . { لاَّ يُسْئَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَانٌّ } لأنهم يعرفون بسيماهم وذلك حين ما يخرجون من قبورهم ويحشرون إلى الموقف ذوداً ذوداً على اختلاف مراتبهم ، وأما قوله تعالى : { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ } ونحوه فحين يحاسبون في المجمع ، والهاء للإِنس باعتبار اللفظ فإنه وإن تأخر لفظاً تقدم رتبة .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } أي مما أنعم الله على عباده المؤمنين في هذا اليوم .\r{ يُعْرَفُ المجرمون بسيماهم } وهو ما يعلوهم من الكآبة والحزن . { فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام } مجموعاً بينهما ، وقيل يؤخذون { بالنواصى } تارة وب { الأقدام } أخرى .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ هذه جَهَنَّمُ التى يُكَذّبُ بِهَا المجرمون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا } بين النار يحرقون بها . { وَبَيْنَ حَمِيمٍ } ماء حار . { آنٍ } بلغ النهاية في الحرارة يصب عليهم ، أو يسقون منه ، وقيل إذا استغاثوا من النار أغيثوا بالحميم .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب ، أو قيامه على أحواله من قام عليه إذا راقبه ، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين فأضيف إلى الرب تفخيماً وتهويلاً ، أو ربه و { مَّقَامِ } مفخم للمبالغة كقوله :\rذَعَرَّتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ @ مَقَامَ الذِّئْبِ كَالرَّجُلِ اللَّعِينِ ... { جَنَّتَانِ } جنة للخائف الإِنسي والأخرى للخائف الجني ، فإن الخطاب للفريقين والمعنى لكل خائفين منكما أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله ، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي ، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه ، أو روحانية وجسمانية وكذا ما جاء مثنى بعد .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ } أنواع من الأشجار والثمار جمع فِنْ ، أو أغصان جمع فنن وهي الغصنة التي تتشعب من فرع الشجرة ، وتخصيصها بالذكر لأنها التي تورق وتثمر وتمد الظل .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ } حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل . قيل إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل . { فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ فِيهِمَا مِن كُلّ فاكهة زَوْجَانِ } صنفان غريب ومعروف ، أو رطب ويابس .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ } من ديباج ثخين وإذا كانت البطائن كذلك فما ظنك بالظهائر ، و { مُتَّكِئِينَ } مدح للخائفين أو حال منهم ، لأن من خاف في معنى الجمع . { وَجَنَى الجنتين دَانٍ } قريب يناله القاعد والمضطجع ، { وَجَنَى } اسم بمعنى مجني وقرىء بكسر الجيم .","part":5,"page":257},{"id":2258,"text":"{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِنَّ } في الجنان فإن جنتان تدل على جنان هي للخائفين أو فيما فيهما من الأماكن والقصور ، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش . { قاصرات الطرف } نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن . { لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } لم يمس الإِنسيات إنس ولا الجنيات جن ، وفيه دليل على أن الجن يطمثون . وقرأ الكسائي بضم الميم . { فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان } أي حمرة الوجنة وبياض البشرة وصفائهما .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ هَلْ جَزَاء الإحسان } في العمل . { إِلاَّ الإحسان } في الثواب وهو الجنة .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ } ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للخائفين المقربين { جَنَّتَانِ } لمن دونهم من أصحاب اليمين .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ } خضراوان تضربان إلى السواد من شدة الخضرة ، وفيه إشعار بأن الغالب على هاتين الجنتين النبات والرياحين المنبسطة على وجه الأرض ، وعلى الأوليين الأشجار والفواكه دلالة على ما بينهما من التفاوت { فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } فوارتان بالماء هو أيضاً أقل مما وصف به الأوليين وكذا ما بعده .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ فِيهِمَا فاكهة وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } عطفهما على الفاكهة بياناً لفضلهما ، فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء وثمرة الرمان فاكهة ودواء ، واحتج به أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على أن من حلف لا يأكل فاكهة فأكل رطباً أو رماناً لم يحنث . { فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } .\r{ فِيهِنَّ خيرات } أي خيرات فخففت لأن خيراً الذي بمعنى أخير لا يجمع ، وقد قرىء على الأصل . { حِسَانٌ } حسان الخَلْقِ وَالخُلُقِ .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ حُورٌ مقصورات فِى الخيام } قصرن في خدورهن ، يقال امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة أي مخدرة ، أو مقصورات الطرف على أزواجهن .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانٌّ } كحور الأولين وهم أصحاب الجنتين فإنهما يدلان عليهم .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ } وسائد أو نمارق جمع رفرفة . وقيل الرفرف ضرب من البسط أو ذيل الخيمة وقد يقال لكل ثوب عريض . { خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ حِسَانٍ } العبقري منسوب إلى عبقر ، تزعم العرب أنه اسم بلد للجن فينسبون إليه كل شيء عجيب ، والمراد به الجنس ولذلك جمع { حِسَانٌ } حملاً على المعنى .\r{ فَبِأَىّ ءَالاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ تبارك اسم رَبّكَ } تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته فما ظنك لذاته ، وقيل الإِسم بمعنى الصفة أو مقحم كما في قوله :\rإلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلاَمِ عَلَيْكُمَا ... { ذِى الجلال والإكرام } وقرأ ابن عامر بالرفع صفة للإِسم .\rعن النبي A « من قرأ سورة الرحمن أدى شكر ما أنعم الله تعالى عليه » .","part":5,"page":258},{"id":2259,"text":"مكية وآيها ست وتسعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا وَقَعَتِ الواقعة } إذا حدثت القيامة ، سماها واقعة لتحقق وقوعها وانتصاب { إِذَا } بمحذوف مثل اذكر أو كان كيت وكيت .\r{ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ } أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله تعالى ، أو تكذب في نفيها كما تكذب الآن ، واللام مثلها في قوله تعالى : { قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } أو ليس لأحد في وقعتها كاذبة فإنه من أخبر عنها صدق ، أو ليس لها حينئذ نفس تحدث صاحبها بإطاقة شدتها واحتمالها وتغريه عليها من قولهم : كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم ، إذا شجعته عليه وسولت له أنه يطيقه .\r{ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ } تخفض قوماً وترفع آخرين ، وهو تقرير لعظمتها فإن الوقائع العظام كذلك ، أو بيان لما يكون حينئذ من خفض أعداء الله ورفع أوليائه ، أو إزالة الأجرام عن مقارها بنثر الكواكب وتسيير الجبال في الجو ، وقرئتا بالنصب على الحال .\r{ إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً } حركت تحريكاً شديداً بحيث ينهدم ما فوقها من بناء وجبل ، والظرف متعلق ب { خَافِضَةٌ } أو بدل من { إِذَا وَقَعَتِ } .\r{ وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً } أي فتتت حتى صارت كالسويق الملتوت من بس السويق إذا لته ، أو سيقت وسيرت من بس الغنم إذا ساقها .\r{ فَكَانَتْ هَبَاء } غباراً . { مُّنبَثّاً } منتشراً .\r{ وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً } أصنافاً . { ثلاثة } وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر زوج .\r{ فأصحاب الميمنة مَا أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة مَا أصحاب المشئمة } فأصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنيئة من تيمنهم بالميامن وتشاؤمهم بالشمائل ، أو { أصحاب الميمنة } و { وأصحاب المشئمة } الذين يؤتون صحائفهم بأيمانهم والذين يأتونها بشمائلهم ، أو أصحاب اليمن والشؤم فإن السعداء ميامين على أنفسهم بطاعتهم والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم . والجملتان الاستفهاميتان خبران لما قبلهما بإقامة الظاهر مقام الضمير ومعناهما التعجب من حال الفريقين .","part":5,"page":259},{"id":2260,"text":"{ والسابقون السابقون } والذين سبقوا إلى الإِيمان والطاعة بعد ظهور الحق من غير تلعثم وتوان ، أو سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات ، أو الأنبياء فإنهم مقدموا أهل الأديان هم الذين عرفت حالهم وعرفت مآلهم كقول أبي النجم :\rأَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي ... أو الذين سبقوا إلى الجنة { أُوْلَئِكَ المقربون فِي جنات النعيم } الذين قربت درجاتهم في الجنة وأعليت مراتبهم .\r{ ثُلَّةٌ مّنَ الأولين } أي هم كثير من الأولين يعني الأمم السالفة من لدن آدم إلى سيدنا محمد E .\r{ وَقَلِيلٌ مّنَ الآخرين } يعني أمة محمد E ولا يخالف ذلك قوله E « إن أمتي يكثرون سائر الأمم » لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثر من سابقي هذه الأمة ، وتابعو هذه أكثر من تابعيهم ، ولا يرده قوله في أصحاب اليمين ، { ثُلَّةٌ مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين } . لأن كثرة الفريقين لا تنافي أكثرية أحدهما ، وروي مرفوعاً أنهما من هذه الأمة ، واشتقاقها من الثل وهو القطع .\r{ على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ } خبر آخر للضمير المحذوف ، وال { مَّوْضُونَةٍ } المنسوجة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت ، أو المتواصلة من الوضن وهو نسج الدرع .\r{ مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا متقابلين } حالان من الضمير في { على سُرُرٍ } .\r{ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ } للخدمة . { ولدان مُّخَلَّدُونَ } مبقون أبداً على هيئة الولدان وطراوتهم .\r{ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } حال الشرب وغيره ، والكوب إناء بلا عروة ولا خرطوم له ، والإِبريق إناء له ذلك . { وَكَأْسٍ مّن مَّعِينٍ } من خمر .\r{ لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا } بخمار . { وَلاَ يُنزِفُونَ } ولا تنزف عقولهم ، أو لا ينفد شرابهم . وقرأ الكوفيون بكسر الزاي { لاَّ يُصَدَّعُونَ } بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون .\r{ وفاكهة مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } أي يختارون .\r{ وَلَحْمِ طَيْرٍ مّمَّا يَشْتَهُونَ } يتمنون .\r{ وَحُورٌ عِينٌ } عطف على { ولدان } ، أو مبتدأ محذوف الخبر أي وفيها أو ولهم حور ، وقرأ حمزة والكسائي بالجر عطفاً على { جنات بتقدير مضاف أي هم في جنات ومصاحبة حور ، أو على أكواب لأن معنى { يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ } ينعمون بأكواب ، وقرئتا بالنصب على ويؤتون حوراً .","part":5,"page":260},{"id":2261,"text":"{ كأمثال اللؤلؤ المكنون } المصون عما يضربه في الصفاء والنقاء .\r{ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي يفعل ذلك كله بهم جزاء بأعمالهم .\r{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً } باطلاً . { وَلاَ تَأْثِيماً } ولا نسبة إلى الإِثم أي لا يقال لهم أثمتم .\r{ إِلاَّ قِيلاً } أي قولاً . { سلاما سلاما } بدل من { قِيلاً } كقوله تعالى : { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سلاما } أو صفته أو مفعوله بمعنى إلا أن يقولوا سلاماً ، أو مصدر والتكرير للدلالة على فشو السلام بينهم . وقرىء «سلام سلام» على الحكاية .\r{ وأصحاب اليمين مَا أصحاب اليمين فِى سِدْرٍ مَّخْضُودٍ } لا شوك فيه من خضد الشوك إذا قطعه ، أو مثني أغصانه من كثرة حمله من خضد الغصن إذا ثناه وهو رطب .\r{ وَطَلْحٍ } وشجر موز ، أو أم غيلان وله أنوار كثيرة طيبة الرائحة ، وقرىء بالعين . { مَّنْضُودٍ } نضد حمله من أسفله إلى أعلاه .\r{ وَظِلّ مَّمْدُودٍ } منبسط لا يتقلص ولا يتفاوت .\r{ وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ } يسكب لهم أين شاؤوا وكيف شاؤوا بلا تعب ، أو مصبوب سائل كأنه لما شبه حال السابقين في التنعم بأعلى ما يتصور لأهل المدن شبه حال أصحاب اليمين بأكمل ما يتمناه أهل البوادي إشعاراً بالتفاوت بين الحالين .\r{ وفاكهة كَثِيرَةٍ } كثيرة الأجناس .\r{ لاَّ مَقْطُوعَةٍ } لا تنقطع في وقت . { وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } لا تمنع عن متناولها بوجه .\r{ وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ } رفيعة القدر أو منضدة مرتفعة . وقيل الفرش النساء وارتفاعها أنها على الأرائك ، ويدل عليه قوله :\r{ إِنَّا أنشأناهن إِنشَاءً } أي ابتدأناهن ابتداء جديداً من غير ولادة إبداء أو إعادة . وفي الحديث \" هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطاً رمصاً ، جعلهن الله بعد الكبر أتراباً على ميلاد واحد ، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكاراً \" { فجعلناهن أبكارا } . { عُرُباً } متحببات إلى أزواجهن جمع عروب ، وسكن راءه حمزة وأبو بكر وروي عن نافع وعاصم مثله . { أَتْرَاباً } فإن كلهن بنات ثلاث وثلاثين وكذا أزواجهن .\r{ لأصحاب اليمين } متعلق ب { أَنشَأْنَا } أو «جعلنا» ، أو صفة ل { أَبكاراً } أو خبر لمحذوف مثل هن أو لقوله :\r{ ثُلَّةٌ مّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مّنَ الآخرين } وهي على الوجه الأول خبر محذوف .\r{ وأصحاب الشمال مَا أصحاب الشمال فِى سَمُومٍ } في حر نار ينفذ في المُسام . { وَحَمِيمٍ } وماء متناه في الحرارة .\r{ وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } من دخان أسود يفعول من الحممة .\r{ لاَّ بَارِدٍ } كسائر الظل . { وَلاَ كَرِيمٍ } ولا نافع ، نفى بذلك ما أوهم الظل من الاسترواح .\r{ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ } منهمكين في الشهوات .\r{ وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم } الذنب العظيم يعني الشرك ، ومنه بلغ الغلام الحنث أي الحلم ووقت المؤاخذة بالذنب ، وحنث في يمينه خلاف بر فيها وتحنث إذا تأثم .\r{ وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وعظاما أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ } كررت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقاً وخصوصاً في هذا الوقت كما دخلت العاطفة في قوله :\r{ أَوَ ءَابَاؤُنَا الأولون } للدلالة على ذلك أشد إنكاراً في حقهم لتقادم زمانهم وللفصل بها حسن العطف على المستكن في { لَمَبْعُوثُونَ } ، وقرأ نافع وابن عامر { أَوْ } بالسكون وقد سبق مثله ، والعامل في الظرف ما دل عليه «مبعوثون» لا هو للفصل بأن والهمزة .","part":5,"page":261},{"id":2262,"text":"{ قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ } . وقرىء «لمجمعون» . { إلى ميقات يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } إلى ما وقت به الدنيا وحدث من يوم معين عند الله معلوم له .\r{ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضالون المكذبون } أي بالبعث والخطاب لأهل مكة وأضرابهم .\r{ لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مّن زَقُّومٍ } { مِنْ } الأولى للابتداء والثانية للبيان .\r{ فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون } من شدة الجوع .\r{ فشاربون عَلَيْهِ مِنَ الحميم } لغلبة العطش ، وتأنيث الضمير في منها وتذكيره في { عَلَيْهِ } على معنى الشجر ولفظه ، وقرىء «من شجرة» فيكون التذكير لل { زَقُّومٍ } فإنه تفسيرها .\r{ فشاربون شُرْبَ الهيم } الإِبل التي بها الهيام وهو داء يشبه الاستسقاء ، جمع أهيم وهيماء قال ذو الرمة :\rفَأَصْبَحَّتُ كَالهَيْمَاءِ لاَ المَاءُ مُبْردٌ ... صَدَاهَا وَلاَ يَقْضِي عَلَيْهَا هَيَامُهَا\rوقيل الرمال على أنه جمع هيام بالفتح وهو الرمل الذي لا يتماسك جمع على هيم كسحب ، ثم خفف وفعل به ما فعل بجمع أبيض وكل من المعطوف والمعطوف عليه أخص من الآخر من وجه فلا اتحاد ، وقرأ نافع وحمزة وعاصم { شُرْبَ } بضم الشين .\r{ هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين } يوم الجزاء فما ظنك بما يكون لهم بعد ما استقروا في الجحيم ، وفيه تهكم كما في قوله : { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } لأن النزل ما يعد للنازل تكرمة له ، وقرىء «نُزُلُهُمْ» بالتخفيف .\r{ نَحْنُ خلقناكم فَلَوْلاَ تُصَدّقُونَ } بالخلق متيقنين محققين للتصديق بالأعمال الدالة عليه ، أو بالبعث فإن من قدر على الإِبداء قدر على الإِعادة .\r{ أَفَرَءَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ } أي ما تقذفونه في الأرحام من النطف ، وقرىء بفتح التاء من منى النطفة بمعنى أمناها .\r{ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ } تجعلونه بشراً سوياً . { أَم نَحْنُ الخالقون } .\r{ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت } قسمناه عليكم وأقتنا موت كل بوقت معين ، وقرأ ابن كثير بتخفيف الدال . { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } لا يسبقنا أحد فيهرب من الموت أو يغير وقته ، أو لا يغلبنا أحد من سبقته على كذا إذا غلبته عليه .\r{ على أَن نُّبَدّلَ أمثالكم } على الأول حال أو علة ل { قَدَّرْنَآ } وعلى بمعنى اللام ، { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } اعتراض وعلى الثاني صلة ، والمعنى على أن نبدل منكم أشباهكم فنخلق بدلكم ، أو نبدل صفاتكم على أن أمثالكم جمع مثل بمعنى صفة . { وَنُنشِئَكُمْ فِيمَا لاَ تَعْلَمُونَ } في خلق أو صفات لا تعلمونها .","part":5,"page":262},{"id":2263,"text":"{ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ } أن من قدر عليها قدر على النشأة الأخرى فإنها أقل صنعاً لحصول المواد وتخصيص الاجزاء وسبق المثال ، وفيه دليل على صحة القياس .\r{ أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ } تبذرون حبه .\r{ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ } تنبتونه . { أَمْ نَحْنُ الزرعون } المنبتون .\r{ لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حطاما } هشيماً . { فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ } تعجبون أو تندمون على اجتهادكم فيه ، أو على ما أصبتم لأجله من المعاصي فتتحدثون فيه ، والفكه التنقل بصنوف الفاكهة وقد استعير للتنقل بالحديث ، وقرىء «فَظَلْتُمْ» بالكسر و« فظللتم» على الأصل .\r{ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ } لملزمون غرامة ما أنفقنا ، أو مهلكون لهلاك رزقنا من الغرام ، وقرأ أبو بكر «أئنا لمغرمون» على الاستفهام .\r{ بَلْ نَحْنُ } قوم . { مَحْرُومُونَ } حرمنا رزقنا ، أو محدودون لا مجدودون .\r{ أَفَرَءيْتُمُ الماء الذى تَشْرَبُونَ } أي العذب الصالح للشرب .\r{ ءَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن } من السحاب واحده مزنة ، وقيل { المزن } السحاب الأبيض وماؤه أعذب . { أَمْ نَحْنُ المنزلون } بقدرتنا والرؤية إن كانت بمعنى العلم فمتعلقة بالاستفهام .\r{ لَوْ نَشَاءُ جعلناه أُجَاجاً } ملحاً أو من الأجيج فإنه يحرق الفم ، وحذف اللام الفاصلة بين جواب ما يتمحض للشرط وما يتضمن معناه لعلم السامع بمكانها ، أو الاكتفاء بسبق ذكرها أو يختص ما يقصد لذاته ويكون أهم وفقده أصعب بمزيد التأكيد . { فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ } أمثال هذه النعم الضرورية .\r{ أَفَرَءيْتُمُ النار التى تُورُونَ } تقدحون .\r{ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ المنشئون } يعني الشجرة التي منها الزناد .\r{ نَحْنُ جعلناها } جعلنا نار الزناد . { تَذْكِرَةً } تبصرة في أمر البعث كما مر في سورة «يس» ، أو في الظلام أو تذكيراً وأنموذجاً لنار جهنم . { ومتاعا } ومنفعة . { لّلْمُقْوِينَ } الذين ينزلون القواء وهي القفر ، أو للذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام ، من أقوت الدار إذا خلت من ساكنيها .\r{ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } فأحدث التسبيح بذكر اسمه تعالى أو بذكره فإن إطلاق اسم الشيء ذكره والعظيم صفة للاسم أو الرب ، وتعقيب الأمر بالتسبيح لما عدد من بدائع صنعه وإنعامه إما لتنزيهه تعالى عما يقول الجاحدون لوحدانيته الكافرون لنعمته ، أو للتعجب من أمرهم في غمط نعمه ، أو للشكر على ما عدها من النعم .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ } إذ الأمر أوضح من أن يحتاج إلى قسم ، أو فأقسم و «لا» مزيدة للتأكيد كما في { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } أو فلأنا أقسم فحذف المبتدأ وأشبع فتحة لام الابتداء ، ويدل عليه قراءة { فَلاَ أُقْسِمُ } أو { فَلا } رد لكلام يخالف المقسم عليه . { بمواقع النجوم } بمساقطها ، وتخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها والدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره ، أو بمنازلها ومجاريها . وقيل النجوم نجوم القرآن ومواقعها أوقات نزولها ، وقرأ حمزة والكسائي بموقع .","part":5,"page":263},{"id":2264,"text":"{ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ } لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة وكمال الحكمة وفرط الرحمة ، ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى ، وهو اعتراض في اعتراض فإنه اعتراض بين القسم والمقسم عليه ، و { لَّوْ تَعْلَمُونَ } اعتراض بين الموصوف والصفة .\r{ إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ } كثير النفع لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد ، أو حسن مرضي في جنسه .\r{ فِى كتاب مَّكْنُونٍ } مصون وهو اللوح المحفوظ .\r{ لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } لا يطلع على اللوح إلا المطهرون من الكدورات الجسمانية وهم الملائكة ، أو لا يمس القرآن { إِلاَّ المطهرون } من الأحداث فيكون نفياً بمعنى النهي ، أو لا يطلبه { إِلاَّ المطهرون } من الكفر ، وقرىء «المتَطَهِرُونَ» و «المطهرون » من أطهره بمعنى طهره و «المطهرون» أي أنفسهم أو غيرهم بالاستغفار لهم والإِلهام .\r{ تَنزِيلٌ مّن رَّبّ العالمين } صفة ثالثة أو رابعة للقرآن ، وهو مصدر نعت به وقرىء بالنصب أي نزل تنزيلاً .\r{ أفبهذا الحديث } يعني القرآن . { أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ } متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاوناً به .\r{ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ } أي شكر رزقكم . { أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ } أي بمانحه حيث تنسبونه إلى الأنواء ، وقرىء «شكركم» أي تجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به وتكذبون أي بقولكم في القرآن أنه سحر وشعر ، أو في المطر أنه من الأنواء .\r{ فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم } أي النفس .\r{ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ } حالكم ، والخطاب لمن حول المحتضر والواو للحال .\r{ وَنَحْنُ أَقْرَبُ } أي ونحن أعلم . { إِلَيْهِ } إلى المحتضر . { مّنكُمْ } عبر عن العلم بالقرب الذي هو أقوى سبب الاطلاع . { ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ } لا تدركون كنه ما يجري عليه .\r{ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ } أي مجزيين يوم القيامة أو مملوكين مقهورين من دانه إذا أذله واستعبده ، وأصل التركيب للذل والانقياد .\r{ تَرْجِعُونَهَا } ترجعون النفس إلى مقرها وهو عامل الظرف والمحضض عليه ب { فَلَوْلا } الأولى والثانية تكرير للتوكيد وهي بما في حيزها دليل جواب الشرط ، والمعنى إن كنتم غير مملوكين مجزيين كما دل عليه جحدكم أفعال الله وتكذيبكم بآياته . { إِن كُنتُمْ صادقين } في أباطيلكم { فَلَوْلا } ترجعون الأرواح إلى الأبدان بعد بلوغها الحلقوم .\r{ فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المقربين } أي إن كان المتوفى من السابقين .\r{ فَرَوْحٌ } فله استراحة وقرىء «فَرَوْحٌ» بالضم وفسر بالرحمة لأنها كالسبب لحياة المرحوم وبالحياة الدائمة . { وَرَيْحَانٌ } ورزق طيب . { وَجَنَّةُ نَعِيمٍ } ذات تنعم .\r{ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنْ أصحاب اليمين فسلام لَّكَ } يا صاحب اليمين . { مِنْ أصحاب اليمين } أي من إخوانك يسلمون عليك .","part":5,"page":264},{"id":2265,"text":"{ وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين } يعني أصحاب الشمال ، وإنما وصفهم بأفعالهم زجراً عنها وإشعاراً بما أوجب لهم ما أوعدهم به .\r{ فَنُزُلٌ مّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } وذلك ما يجد في القبر من سموم النار ودخانها .\r{ إِنَّ هَذَا } أي الذي ذكر في السورة أو في شأن الفرق . { لَهُوَ حَقُّ اليقين } أي حق الخبر اليقين .\r{ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } فنزهه بذكر اسمه تعالى عما لا يليق بعظمه شأنه .\rعن النبي A « من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبداً » .","part":5,"page":265},{"id":2266,"text":"مدنية وقيل مكية وآيها تسع وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات والأرض } ذكر ها هنا وفي «الحشر» و «الصف» بلفظ الماضي ، وفي «الجمعة» و «التغابن» بلفظ المضارع إشعاراً بأن من شأن ما أسند إليه أن يسبحه في جميع أوقاته ، لأنه دلالة جِبِلِّية لا تختلف باختلاف الحالات ، ومجيء المصدر مطلقاً في «بني إسرائيل» أبلغ من حيث إنه يشعر بإطلاقه على استحقاق التسبيح من كل شيء وفي كل حال ، وإنما عدي باللام وهو متعد بنفسه مثل نصحت له في نصحته إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله وخالصاً لوجهه . { وَهُوَ العزيز الحكيم } حال يشعر بما هو المبدأ للتسبيح .\r{ لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض } فإنه الموجد لها والمتصرف فيها . { يُحْيِي وَيُمِيتُ } استئناف أو خبر لمحذوف { وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ } من الإِحياء والإِماتة وغيرهما . { قَدِيرٌ } تام القدرة .\r{ هُوَ الأول } السابق على سائر الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها . { والآخر } الباقي بعد فنائها ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها ، أو { هُوَ الأول } الذي تبتدىء منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات ، أو { الأول } خارجاً و { الآخر } ذهناً . { والظاهر والباطن } الظاهر وجوده لكثرة دلائله والباطن حقيقة ذاته فلا تكتنهها العقول ، أو الغالب على كل شيء والعالم بباطنه والواو الأولى والأخيرة للجمع بين الوصفين ، والمتوسطة للجمع بين المجموعين . { وَهُوَ بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } يستوي عنده الظاهر والخفي .\r{ هُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الأرض } كالبذور . { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } كالزروع . { وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء } كالأمطار . { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } كالأبخرة . { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم عليه ، ولعل تقديم الخلق على العلم لأنه دليل عليه .","part":5,"page":266},{"id":2267,"text":"{ لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض } ذكره مع الإِعادة كما ذكره مع الإِبداء لأنه كالمقدمة لهما . { وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور } .\r{ يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى اليل وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بمكنوناتها .\r{ آمِنُوا بالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ } من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي في الحقيقة له لا لكم ، أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها والتصرف فيها ، وفيه حث على الإِنفاق وتهوين له على النفس . { فالذين ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ } وعد فيه مبالغات جعل الجملة اسمية وإعادة ذكر الإِيمان والإِنفاق وبناء الحكم على الضمير وتنكير الأجر ووصفه بالكبر .\r{ وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله } أي وما تصنعون غير مؤمنين به كقولك : مالك قائماً . { والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبّكُمْ } حال من ضمير تؤمنون ، والمعنى أي عذر لكم في ترك الإِيمان والرسول يدعوكم إليه بالحجج والآيات . { وَقَدْ أَخَذَ ميثاقكم } أي وقد أخذ الله ميثاقكم بالإِيمان قبل ذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر ، والواو للحال من مفعول { يَدْعُوكُمْ } ، وقرأ أبو عمرو وعلى البناء للمفعول ورفع «ميثاقكم» . { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه .\r{ هُوَ الذى يُنَزّلُ على عَبْدِهِ ءايات بينات لّيُخْرِجَكُمْ } أي الله أو العبد . { مِنَ الظلمات إِلَى النور } من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان . { وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءوفٌ رَّحِيمٌ } حيث نبهكم بالرسول والآيات ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية .\r{ وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ } وأي شيء لكم في { أَلاَّ تُنفِقُواْ } . { فِى سَبِيلِ الله } فيما يكون قربة إليه . { وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السموات والأرض } يرث كل شيء فيهما فلا يبقى لأحد مال ، وإذا كان كذلك فإنفاقه بحيث يستخلف عوضاً يبقى وهو الثواب كان أولى . { لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً } بيان لتفاوت المنفقين باختلاف أحوالهم من السبق وقوة اليقين ، وتحري الحاجات حثاً على تحري الأفضل منها بعد الحث على الإِنفاق ، وذكر القتال للاستطراد وقسيم من أنفق محذوف لوضوحه ودلالة ما بعده عليه ، و { الفتح } فتح مكة إذ عز الإِسلام به وكثر أهله وقلت الحاجة إلى المقاتلة والإِنفاق . { مّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ } أي من بعد الفتح . { وقاتلوا وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } أي وعد الله كلا من المنفقين المثوبة الحسنى وهي الجنة . وقرأ ابن عامر «وكُلٌ» بالرفع على الابتداء أي وكل وعده الله ليطابق ما عطف عليه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } عالم بظاهره وباطنه فيجازيكم على حسبه ، والآية نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه فإنه أول من آمن وأنفق في سبيل الله وخاصم الكفار حتى ضرب ضرباً أشرف به على الهلاك .","part":5,"page":267},{"id":2268,"text":"{ مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا } أي من الذي ينفق ماله في سبيله رجاء أن يعوضه ، فإنه كمن يقرضه وحسن الإِنفاق بالإِخلاص فيه وتحري أكرم المال وأفضل الجهات له . { فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } أي يعطي أجره أضعافاً . { وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } أي وذلك الأجر المضموم إليه الأضعاف كريم في نفسه ينبغي أن يتوخى وإن لم يضاعف ، فكيف وقد يضاعف أضعافاً . وقرأ عاصم «فَيُضَاعِفَهُ» بالنصب على جواب الاستفهام باعتبار المعنى فكأنه قال : أيقرض الله أحد فيضاعفه له . وقرأ ابن كثير «فيضعفه» مرفوعاً وقرأ ابن عامر ويعقوب «فيضعفه» منصوباً .\r{ يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات } ظرف لقوله { وَلَهُ } أو { فَيُضَاعِفَهُ } أو مقدر باذكر { يسعى نُورُهُم } ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة . { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين . { بُشْرَاكُمُ اليوم جنات } أي يقول لهم من يتلقاهم من الملائكة { بُشْرَاكُمُ } أي المبشر به جنات ، أو { بُشْرَاكُمُ } دخول جنات . { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذلك الفوز العظيم } الإِشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة .\r{ يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات } بدل من { يَوْمَ تَرَى } . { لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ انظرونا } انتظرونا فإنهم يسرع بهم إلى الجنة كالبرق الخاطف ، أو انظروا إلينا فإنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنور بين أيديهم . وقرأ حمزة «أنظرونا» على أن اتئادهم ليلحقوا بهم إمهال لهم . { نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ } نصب منه . { قِيلَ ارجعوا وَرَاءكُمْ } إلى الدنيا . { فالتمسوا نُوراً } بتحصيل المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة ، فإنه يتولد منها أو إلى الموقف فإنه من ثمة يقتبس ، أو إلى حيث شئتم فاطلبوا نوراً آخر فإنه لا سبيل لكم إلى هذا ، وهو تهكم بهم وتخييب من المؤمنين أو الملائكة { فَضُرِبَ بَيْنَهُم } بين المؤمنين والمنافقين . { بِسُورٍ } بحائط . { لَّهُ بَابٌ } يدخل منه المؤمنون . { بَاطِنُهُ } باطن السور أو الباب . { فِيهِ الرحمة } لأنه يلي الجنة . { وظاهره مِن قِبَلِهِ العذاب } من جهته لأنه يلي النار .\r{ ينادونهم أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ } يريدون موافقتهم في الظاهر . { قَالُواْ بلى ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ } بالنفاق . { وَتَرَبَّصْتُمْ } بالمؤمنين الدوائر . { وارتبتم } وشككتم في الدين . { وَغرَّتْكُمُ الأمانى } كامتداد العمر . { حتى جَاء أَمْرُ الله } وهو الموت . { وَغَرَّكُم بالله الغرور } الشيطان أو الدنيا .\r{ فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ } فداء وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتاء . { وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ } ظاهراً وباطناً . { مَأْوَاكُمُ النار هِىَ مولاكم } هي أولى بكم كقول لبيد :\rفَغَدَتْ كِلاَ الفرجَيْنِ تَحْسِبُ أَنَّه ... مَوْلَى المَخَافَةِ خَلْفَهَا وَأمامها\rوحقيقته مجراكم أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كقولك : هو مئنة الكرم أي مكان قول القائل إنه لكريم ، أو مكانكم عما قريب من الولي وهو القرب ، أو ناصركم على طريقة قوله :","part":5,"page":268},{"id":2269,"text":"تَحِيَّةٌ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ وَجِيعٌ ... أو متوليكم يتولاكم كما توليتم موجباتها في الدنيا . { وَبِئْسَ المصير } النار .\r{ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله } ألم يأت وقته يقال أنى الأمر يأني أنياً وأناً إذا جاء إناه ، وقرىء «ألم يئن» بكسر الهمزة وسكون النون من آن يئين بمعنى أتى وألماً يأن . روي أن المؤمنين كانوا مجدبين بمكة فلما هاجروا أصابوا الرزق والنعمة ففتروا عما كانوا عليه فنزلت . { وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق } أي القرآن وهو عطف على الذكر عطف أحد الوصفين على الآخر ، ويجوز أن يراد بالذكر أن يذكر الله ، وقرأ نافع وحفص ويعقوب { نَزَّلَ } بالتخفيف . وقرىء «أنزل» . { وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ } عطف على { تَخْشَعَ } ، وقرأ رويس بالتاء والمراد النهي عن مماثلة أهل الكتاب فيما حكي عنهم بقوله : { فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } أي فطال عليهم الأجل لطول أعمارهم وآمالهم ، أو ما بينهم وبين أنبيائهم { فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ } . وقرىء { الأمد } وهو الوقت الأطول . { وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن دينهم رافضون لما في كتابهم من فرط القسوة .\r{ اعلموا أَنَّ الله يُحْييِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا } تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة بالإِحياء والإموات ترغيباً في الخشوع وزجراً عن القساوة . { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } كي تكمل عقولكم .\r{ إِنَّ المصدقين والمصدقات } إن المتصدقين والمتصدقات ، وقد قرىء بهما ، وقرأ ابن كثير وأبو بكر بتخفيف الصاد أي الذين صدقوا الله ورسوله . { وَأَقْرَضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً } عطف على معنى الفعل في المحل باللام لأن معناه : الذين أصدقوا ، أو صدقوا وهو على الأول للدلالة على أن المعتبر هو التصدق المقرون بالإِخلاص . { يضاعف لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ } معناه والقراءة في { يضاعف } كما مر غير أنه لم يجزم لأنه خبر إن وهو مسند إلى { لَهُمْ } أو إلى ضمير المصدر .\r{ والذين ءَامَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصديقون والشهداء عِندَ رَبّهِمْ } أي أولئك عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء ، أو هم المبالغون في الصدق فإنهم آمنوا وصدقوا جميع أخبار الله ورسله والقائمون بالشهادة لله ولهم ، أو على الأمم يوم القيامة . وقيل { والشهداء عِندَ رَبّهِمْ } مبتدأ وخبر ، والمراد به الأنبياء من قوله : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ } أو الذين استشهدوا في سبيل الله . { لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم ولكنه من غير تضعيف ليحل التفاوت ، أو الأجر والنور الموعودان لهم . { والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أولئك أصحاب الجحيم } فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار من حيث أن التركيب يشعر بالاختصاص والصحبة تدل على الملازمة عرفاء .","part":5,"page":269},{"id":2270,"text":"{ اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الأموال والأولاد } لما ذكر حال الفريقين في الآخرة حقر أمور الدنيا أعني ما لا يتوصل به إلى الفوز الآجل ، بأن بين أنها أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال لأنها لعب يتعب الناس فيه أنفسهم جداً إتعاب الصبيان في الملاعب من غير فائدة ، ولهو يلهون به أنفسهم عما يهمهم وزينة كالملابس الحسنة والمواكب البهية والمنازل الرفيعة ، وتفاخر بالأنساب أو تكاثر بالعدد والعدد ، ثم قرر ذلك بقوله : { كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً } وهو تمثيل لها في سرعة تقضيها وقلة جدواها يحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث ، أو الكافرون بالله لأنهم أشداء إعجاباً بزينة الدنيا ولأن المؤمن إذا رأى معجباً انتقل فكره إلى قدرة صانعه فأعجب بها ، والكافر لا يتخطى فكره عما أحس به فيستغرق فيه إعجاباً ، ثم هاج أي يبس بعاهة فاصفر ثم صار حطاماً ، ثم عظم أمور الآخرة الأبدية بقوله : { وَفِى الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ } تنفيراً عن الانهماك في الدنيا وحثاً على ما يوجب كرامة العقبى ، ثم أكد ذلك بقوله : { وَمَغْفِرَةٌ مّنَ الله ورضوان } أي لمن أقبل عليها ولم يطلب إلا الآخرة . { وَما الحياة الدنيا إِلاَّ متاع الغرور } أي لمن أقبل عليها ولم يطلب بها الآخرة .\r{ سَابِقُواْ } سارعوا مسارعة المسابقين في المضمار . { إلى مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ } إلى موجباتها . { وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السماء والأرض } أي عرضها كعرضهما وإن كان العرض كذلك فما ظنك بالطول ، وقيل المراد به البسطة كقوله : { فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرُسُلِهِ } فيه دليل على أن الجنة مخلوقة وأن الإِيمان وحده كاف في استحقاقها . { ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء } ذلك الموعود يتفضل به على من يشاء من غير إيجاب . { والله ذُو الفضل العظيم } منه التفضل بذلك وإن عظم قدره .\r{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الأرض } كجدب وعاهة . { وَلاَ فِى أَنفُسِكُمْ } كمرض وآفة . { إِلاَّ فِى كتاب } إلا مكتوبة في اللوح مثبتة في علم الله تعالى . { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } نخلقها والضمير لل { مُّصِيبَةٍ } أو { الأرض } أو للأنفس . { إِنَّ ذلك } أي إثباته في كتاب . { عَلَى الله يَسِيرٌ } لاستغنائه تعالى فيه عن العدة والمدة . { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ } أي أثبت وكتب كي لا تحزنوا { على مَا فَاتَكُمْ } من نعم الدنيا { وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } بما أعطاكم الله منها فإن من علم أن الكل مقدر هان عليه الأمر ، وقرأ أبو عمرو { بِمَا ءاتاكم } من الإِتيان ليعادل ما فاتكم ، وعلى الأول فيه إشعار بأن فواتها يلحقها إذ خليت وطباعها ، وأما حصولها وإبقاؤها فلا بد لهما من سبب يوجدها ويبقيها ، والمراد نفي الآسي المانع عن التسليم لأمر الله والفرح الموجب للبطر والاحتيال ، ولذلك عقبه بقوله : { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } إذ قل من يثبت نفسه في حالي الضراء والسراء .","part":5,"page":270},{"id":2271,"text":"{ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل } بدل من كل مختال فإن المختال بالمال يضن به غالباً أو مبتدأ خبره محذوف مدلول عليه بقوله : { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد } لأن معناه ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه وعن إنفاقه محمود في ذاته لا يضره الإِعراض عن شكره ولا ينفعه التقرب إليه بشكر من نعمه ، وفيه تهديد وإشعار بأن الأمر بالإِنفاق لمصلحة المنفق وقرأ نافع وابن عامر { فَإِنَّ الله الغنى } .\r{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا } أي الملائكة إلى الأنبياء أو الأنبياء إلى الأمم . { بالبينات } بالحجج والمعجزات . { وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب } ليبين الحق ويميز صواب العمل . { والميزان } لتسوى به الحقوق ويقام به العدل كما قال تعالى : { لِيَقُومَ الناس بالقسط } وإنزاله إنزال أسبابه والأمر باعداده ، وقيل أنزل الميزان إلى نوح عليه السلام ، ويجوز أن يراد به العدل . { لِيَقُومَ الناس بالقسط } لتقام به السياسة وتدفع به الأعداء كما قال : { وَأَنزْلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } فإن آلات الحروب متخذة منه . { ومنافع لِلنَّاسِ } إذ ما من صنعة إلا والحديد آلاتها . { وَلِيَعْلَمَ الله مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ } باستعمال الأسلحة في مجاهدة الكفار والعطف على محذوف دل عليه ما قبله فإنه حال يتضمن تعليلاً ، أو اللام صلة لمحذوف أي أنزله ليعلم الله . { بالغيب } حال من المستكن في ينصره . { إِنَّ الله قَوِىٌّ } ، على إهلاك من أراد إهلاكه . { عَزِيزٌ } لا يفتقر إلى نصرة وإنما أمرهم بالجهاد لينتفعوا به ويستوجبوا ثواب الامتثال فيه .","part":5,"page":271},{"id":2272,"text":"{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وإبراهيم وَجَعَلْنَا فِى ذُرّيَّتِهِمَا النبوة والكتاب } بأن استنبأناهم وأوحينا إليهم الكتب . وقيل المراد بالكتب الخط . { فَمِنْهُمْ } فمن الذرية أو من المرسل إليهم وقد دل عليهم { أَرْسَلْنَا } . { مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن الطريق المستقيم والعدول عن السنن القابلة للمبالغة في الذم والدلالة على أن الغلبة للضلال .\r{ ثُمَّ قَفَّيْنَا على ءاثارهم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ } أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى عليه السلام ، والضمير لنوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم ، أو من عاصرهما من الرسل لا للذرية ، فإن الرسل الملقى بهم من الذرية . { وَآتيْنَاهُ الإِنْجِيلَ } وقرىء بفتح الهمزة وأمره أهون من أمر البرطيل لأنه أعجمي . { وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً } وقرىء «رآفة» على فعالة . { وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها } أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها ، أو رهبانية مبتدعة على أنها من المجعولات وهي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس ، منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي ، وقرئت بالضم كأنها منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان . { مَا كتبناها عَلَيْهِمْ } ما فرضناها عليهم . { إِلاَّ ابتغاء رضوان الله } استثناء منقطع أي ولكنهم ابتدعوها { ابتغاء رضوان الله } . وقيل متصل فإن { مَا كتبناها عَلَيْهِمْ } بمعنى ما تعبدناهم بها وهو كما ينفي الإِيجاب المقصود منه دفع العقاب ينفي الندب المقصود منه مجرد حصول مرضاة الله ، وهو يخالف قوله { ابتدعوها } إلا أن يقال { ابتدعوها } ثم ندبوا إليها ، أو { ابتدعوها } بمعنى استحدثوها وأتوا بها ، أو لأنهم اخترعوها من تلقاء أنفسهم . { فَمَا رَعَوْهَا } أي فما رعوها جميعاً . { حَقَّ رِعَايَتِهَا } بضم التثليث والقول بالاتحاد وقصد السمعة والكفر بمحمد E ونحوها إليها . { فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا } أتوا بالإِيمان الصحيح ومن ذلك الإِيمان بمحمد A وحافظوا حقوقها . { مِنْهُمْ } من المتسمين باتباعه . { أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ فاسقون } خارجون عن حال الاتباع .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } بالرسل المتقدمة . { اتقوا الله } فيما نهاكم عنه . { وَآمِنُوا بِرَسُولِه } محمد E . { يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ } نصيبين . { مّن رَّحْمَتِهِ } لإيمانكم بمحمد A إيمانكم بمن قبله ، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق وإن كان منسوخاً ببركة الإِسلام ، وقيل الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره A . { وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ } يريد المذكور في قوله : { يسعى نُورُهُم } أو الهدى الذي يسلك به إلى جناب القدس . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\r{ لّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب } أي ليعلموا و «لا» مزيدة ويؤيده أنه قرىء «ليعلم» و «لكي يعلم» و «لأن يعلم» بادغام النون في الياء .","part":5,"page":272},{"id":2273,"text":"{ أَلاَّ يَقْدِرُونَ على شَىْء مّن فَضْلِ الله } أن هي المخففة والمعنى : أنه لا ينالون شيئاً مما ذكر من فضله ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله وهو مشروط بالإِيمان به ، أو لا يقدرون على شيء من فضله فضلاً عن أن يتصرفوا في أعظمه وهو النبوة فيخصوها بمن أرادوا ويؤيده قوله : { وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء والله ذُو الفضل العظيم } وقيل «لا» غير مزيدة ، والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون به على شيء من فضل الله ولا ينالونه ، فيكون { وَأَنَّ الفضل } عطفاً على { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } ، وقرىء «ليلا يعلم» ووجهه أن الهمزة حذفت وأدغمت النون في اللام ثم أبدلت ياء . وقرىء «ليلا» على أن الأصل في الحروف المفردة الفتح .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسله أجمعين \" .","part":5,"page":273},{"id":2274,"text":"مدنية وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني ، وآيها اثنتان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى إِلَى الله } روي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت ، فاستفتت رسول الله A فقال : « حرمت عليه » ، فقالت : ما طلقني فقال : « حرمت عليه » ، فاغتمت لصغر أولادها وشكت إلى الله تعالى فنزلت هذه الآيات الأربع ، وقد تشعر بأن الرسول E أو المجادلة يتوقع أن الله يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها ، وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين . { والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما } تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب . { إِنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ } للأقوال والأحوال .","part":5,"page":274},{"id":2275,"text":"{ الذين يظاهرون مِنكُمْ مّن نّسَائِهِمْ } الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي مشتق من الظهر ، وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء أنثى محرم ، وفي { مّنكُمْ } تهجين لعادتهم فيه فإنه كان من إيمان أهل الجاهلية ، وأصل { يظاهرون } يتظاهرون وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «يظاهرون» من أظاهر وعاصم { يظاهرون } من ظاهر . { مَّا هُنَّ أمهاتهم } أي على الحقيقة . { إِنْ أمهاتهم إِلاَّ اللائى وَلَدْنَهُمْ } فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها الله بهن كالمرضعات وأزواج الرسول A ، وعن عاصم أمهاتهم بالرفع على لغة بني تميم ، وقرىء ب «أمهاتهم» وهو أيضاً على لغة من ينصب . { وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ القول } إذ الشرع أنكره . { وَزُوراً } منحرفاً عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم . { وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ } لما سلف منه مطلقاً ، أو إذا تيب عنه .\r{ والذين يظاهرون مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ } أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل : عاد الغيث على ما أفسد ، وهو بنقض ما يقتضيه وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زماناً يمكنه مفارقتها فيه ، إذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها عنه وهو أقل ما ينتقض به . وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة . وعند مالك بالعزم على الجماع ، وعند الحسن بالجماع . أو بالظهار في الإِسلام على أن قوله { يظاهرون } بمعنى يعتادون الظهار إذ كانوا يظاهرون في الجاهلية ، وهو قول الثوري أو بتكراره لفظاً وهو قول الظاهرية ، أو معنى بأن يحلف على ما قال وهو قول أبي مسلم أو إلى المقول فيها بامساكها ، أو استباحة استمتاعها أو وطئها . { فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } أي فعليهم أو فالواجب اعتقاق رقبة والفاء للسببية ، ومن فوائدها الدلالة على تكرر وجوب التحرير بتكرر الظهار ، والرقبة مقيدة بالإيمان عندنا قياساً على كفارة القتل . { مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } أن يستمتع كل من المظاهر عنها بالآخر لعموم اللفظ ومقتضى التشبيه ، أو أن يجامعها وفيه دليل على حرمة ذلك قبل التكفير . { ذلكم } أي ذلكم الحكم بالكفارة . { تُوعَظُونَ بِهِ } لأنه يدل على ارتكاب الجناية الموجبة للغرامة ويردع عنه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } لا تخفى عليه خافية .\r{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي الرقبة والذي غاب ماله واجد . { فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا } فإن أفطر بغير عذر لزمه الاستئناف وإن أفطر لعذر ففيه خلاف ، وإن جامع المظاهر عنها ليلاً لم ينقطع التتابع عندنا خلافاً لأبي حنيفة ومالك رضي الله تعالى عنهما . { فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ } أي الصوم لهرم أو مرض مزمن أو شبق مفرط فإنه A رخص للأعرابي المفطر أن يعدل لأجله .","part":5,"page":275},{"id":2276,"text":"{ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً } ستين مداً بمد رسول الله A ، وهو رطل وثلث لأنه أقل ما قيل في الكفارات وجنسه المخرج في الفطرة ، وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعاً من غيره ، وإنما لم يذكر التماس مع الطعام اكتفاء بذكره مع الآخرين ، أو لجوازه في خلال الإطعام كما قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه . { ذلك } أي ذلك البيان أو التعليم للأحكام ومحله النصب بفعل معلل بقوله : { لّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } ، أي فَرضَ ذَلِكَ لتصدقوا بالله وَرَسُولِهِ في قبول شرائعهِ وَرَفْض مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ في جاهليتكم { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } لا يجوز تعديها . { وللكافرين } أي الذين لا يقبلونها . { عَذَابٌ أَلِيمٌ } هو نظير قوله تعالى : { وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنِ العالمين } { إِنَّ الذين يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ } يعادونهما فإن كلاً من المتعادين في حد غير حد الآخر ، أو يضعون أو يختارون حدوداً غير حدودهما . { كُبِتُواْ } أخزوا وأهلكوا وأصل الكبت الكب . { كَمَا كُبِتَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } يعني كفار الأمم الماضية . { وَقَدْ أَنزَلْنَا ءايات بينات } تدل على صدق الرسول وما جاء به . { وللكافرين عَذَابٌ مُّهِينٌ } يذهب عزهم وتكبرهم .\r{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله } منصوب ب { مُّهِينٌ } أو بإضمار اذكر . { جَمِيعاً } كلهم لا يدع أحداً غير مبعوث أو مجتمعين . { فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي على رؤوس الأشهاد تشهيراً لحالهم وتقريراً لعذابهم . { أحصاه الله } أحاط به عدداً لم يغب منه شيء . { وَنَسُوهُ } لكثرته أو تعاونهم به . { والله على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٌ } لا يغيب عنه شيء .\r{ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } كلياً وجزئياً . { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة } أي ما يقع من تناجي ثلاثة ، ويجوز أن يقدر مضاف أو يؤول { نجوى } بمتناجين ويجعل { ثلاثة } صفة لها ، واشتقاقها من النجوة وهي ما ارتفع من الأرض فإن السر أمر مرفوع إلى الذهن لا يتيسر لكل أحد أن يطلع عليه . { إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } إلا الله يجعلهم أربعة من حيث أنه يشاركهم في الاطلاع عليها ، والاستثناء من أعم الأحوال . { وَلاَ خَمْسَةٍ } ولا نجوى خمسة . { إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } وتخصيص العددين إما لخصوص الواقعة فإن الآية نزلت في تناجي المنافقين ، أو لأن الله تعالى وتر يحب الوتر ، والثلاثة أول الأوتار أو لأن التشاور لا بد له من اثنين يكونان كالمتنازعين وثالث يتوسط بينهما ، وقرىء { ثلاثة } و { خَمْسَةٍ } بالنصب على الحال بإضمار { يتناجون } أو تأويل { نجوى } بمتناجين . { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ } ولا أقل مما ذكر كالواحد والاثنين . { وَلاَ أَكْثَرَ } كالستة وما فوقها . { إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ } يعلم ما يجري بينهم . وقرأ يعقوب ولا أكثر بالرفع عطفاً على محل من { نجوى } أو محل لا أدنى بأن جعلت لا لنفي الجنس . { أَيْنَمَا كَانُواْ } فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكاني حتى يتفاوت باختلاف الأمكنة . { ثُمَّ يُنَبّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة } تفضيحاً لهم وتقريراً لما يستحقونه من الجزاء . { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْءٍ عَلِيمٌ } لأن نسبة ذاته المقتضية للعلم إلى الكل على السواء .","part":5,"page":276},{"id":2277,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } ، نزلت في اليهود والمنافقين كانوا يتناجون فيما بينهم ويتغامزون بأعينهم إذا رأوا المؤمنين فنهاهم رسول الله A ثم عادوا لمثل فعلهم . { ويتناجون بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول } أي بما هو إثم وعدوان للمؤمنين وتواص بمعصية الرسول ، وقرأ حمزة «وينتجون» وهو يفتعلون من النجوى وروي عن يعقوب مثله . { وَإِذَا جَاءوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيّكَ بِهِ الله } فيقولون السام عليك ، أو أنعم صباحاً والله تعالى يقول : { وسلام على عِبَادِهِ الذين اصطفى } { وَيَقُولُونَ فِى أَنفُسِهِمْ } فيما بينهم . { لَوْلاَ يُعَذّبُنَا الله بِمَا نَقُولَ } هلا يعذبنا الله بذلك لو كان محمد نبياً . { حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ } عذاباً . { يَصْلَوْنَهَا } يَدخلونها . { فَبِئْسَ المصير } جهنم .\r{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجُوْا بِالإِثْمِ وَالعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ } كما يفعله المنافقون وعن يعقوب «فلا تنتجوا» . { وتناجوا بالبر والتقوى } بما يتضمن خير المؤمنين والاتقاء عن معصية الرسول . { واتقوا الله الذى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فيما تأتون وتذرون فإنه مجازيكم عليه .\r{ إِنَّمَا النجوى } أَي النجوى بالإِثم والعدوان . { مِنَ الشيطان } فإنه المزين لها والحامل عليها . { لِيَحْزُنَ الذين ءامَنُواْ } بتوهمهم أنها في نكبة أصابتهم . { وَلَيْسَ } أي الشيطان أو التناجي . { بِضَارّهِمْ } بضار المؤمنين . { شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله } إلا بمشيئته . { وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } ولا يبالوا بنجواهم .\r{ ا ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى المجالس } توسعوا فيه وليفسح بعضكم عن بعض من قولهم : افسح عني أي تنح ، وقرىء «تفاسحوا» والمراد بالمجلس الجنس ويدل عليه قراءة عاصم بالجمع ، أو مجلس رسول الله A فإنهم كانوا يتضامون به تنافساً على القرب منه وحرصاً على استماع كلامه . { فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ } فيما تريدون التفسح فيه من المكان والرزق والصدر وغيرها . { وَإِذَا قِيلَ انشزوا } انهضوا للتوسعة أو لما أمرتم به كصلاة أو جهاد ، أو ارتفعوا عن المجلس . { فَانشُزُواْ } وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بضم الشين فيهما . { يَرْفَعِ الله الذين ءامَنُواْ مِنكُمْ } بالنصر وحسن الذكر في الدنيا ، وإيوائهم غرف الجنان في الآخرة . { والذين أُوتُواْ العلم درجات } ويرفع العلماء منهم خاصة درجات بما جمعوا من العلم والعمل ، فإن العلم مع علو درجته يقتضي العمل المقرون به مزيد رفعة ، ولذلك يقتدى بالعالم في أفعاله ولا يقتدى بغيره . وفي الحديث \" فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب \" { والله بِمَا تَعْمَلَونَ خَبِيرٌ } تهديد لمن لم يتمثل الأمر أو استكرهه .\r{ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا ناجيتم الرسول فَقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صَدَقَةً } فتصدقوا قدامها مستعار ممن له يدان ، وفي هذا الأمر تعظيم الرسول وإنفاع الفقراء والنهي عن الإِفراط في السؤال ، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الآخرة ومحب الدنيا ، واختلف في أنه للندب أو للوجوب لكنه منسوخ بقوله : { ءأشفقتم } وهو إن اتصل به تلاوة لم يتصل به نزولاً .","part":5,"page":277},{"id":2278,"text":"وعن على كرم الله وجهه إن في كتاب الله آية ما عمل بها أحد غيري ، كان لي دينار فصرفته فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم . وهو على القول بالوجوب لا يقدح في غيره فلعله لم يتفق للأغنياء مناجاة في مدة بقائه ، إذ روي أنه لم يبق إلا عشراً وقيل إلا ساعة . { ذلك } أي ذلك التصدق . { خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } أي لانْفُسِكُم من الريبة وحب المال وهو يشعر بالندبية لكن قوله : { فإن لَمْ تَجُِدُوا فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيم } أي لمن لم يجده حيث رخص له في المناجاة بلا تصدق أدل على الوجوب .\r{ أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نجواكم صدقات } أخفتم الفقر من تقديم الصدقة أو أخفتم التقديم لما يعدكم الشيطان عليه من الفقر وجمع { صدقات } لجمع المخاطبين ، أو لكثرة التناجي . { فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ الله عَلَيْكُمْ } بأن رخص لكم أن لا تفعلوه ، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنب تجاوز الله عنه لما رأى منهم مما قام مقام توبتهم وإذ على بابُّها وقيل بمعنى إذا أو إن . { فَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكواة } . فلا تفرطوا في أدائهما . { وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } في سائر الأوامر ، فإن القيام بها كالجابر للتفريط في ذلك . { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } ظاهراً وباطناً .\r{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ } والوا . { قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } يعني اليهود . { مَّا هُم مّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ } لأنهم منافقون مذبذبون بين ذلك . { وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب } وهو ادعاء الإسلام . { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن المحلوف عليه كذب كمن يحلف بالغموس ، وفي هذا التقييد دليل على أن الكذب يعم ما يعلم المخبر عدم مطابقته وما لا يعلم . وروي أنه E كان في حجرة من حجراته فقال « يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار وينظر بعين شيطان ، فدخل عبد الله بن نبتل المنافق وكان أزرق فقال E له : علام تشتمني أنت وأصحابك ، فحلف بالله ما فعل ثم جاء بأصحابه فحلفوا فنزلت » .","part":5,"page":278},{"id":2279,"text":"{ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } نوعاً من العذاب متفاقماً . { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } فتمرنوا على سوء العمل وأصروا عليه .\r{ اتخذوا أيمانهم } أي التي حلفوا بها ، وقرىء بالكسر أي «أيمانهم» الذي أظهروه . { جُنَّةً } وقاية دون دمائهم وأموالهم . { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } فصدوا الناس في خلال أمنهم عن دين الله بالتحريش والتثبيط . { فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ } وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم . وقيل الأول عذاب القبر وهذا عذاب الآخرة .\r{ لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم مّنَ الله شَيْئاً أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } قد سبق مثله .\r{ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ } أي لله تعالى على أنهم مسلمون . { كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ } في الدنيا ويقولون إنهم لمنكم . { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء } في حلفهم الكاذب لأن تمكن النفاق في نفوسهم بحيث يخيل إليهم في الآخرة أن الأيمان الكاذبة تروج الكذب على الله كما تروجه عليكم في الدنيا . { أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون } البالغون الغاية في الكذب حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة ويحلفون عليه .\r{ استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان } استولى عليهم من حذت الإِبل وأحذتها إذا استوليت عليها ، وهو مما جاء على الأصل . { فأنساهم ذِكْرَ الله } لا يذكرونه بقلوبهم ولا بألسنتهم . { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشيطان } جنوده وأتباعه . { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشيطان هُمُ الخاسرون } لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد وعرضوها للعذاب المخلد .\r{ إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ الله وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِى الأذلين } في جملة من هو أذل خلق الله .\r{ كتاب الله } في اللوح . { لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } أي بالحجة ، وقرأ نافع وابن عامر «رُسُلِى» بفتح الياء . { إِنَّ الله قَوِىٌّ } على نصر أنبيائه . { عَزِيزٌ } لا يغلب عليه شيء في مراده .\r{ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } أي لا ينبغي أن تجدهم وادين أعداء الله ، والمراد أنه لا ينبغي أن يوادوهم . { وَلَوْ كَانُواْ ءَابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إخوانهم أَوْ عَشِيرَتَهُمْ } ولو كان المحادون أقرب الناس إليهم . { أولئك } أي الذين لم يوادوهم . { كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } أثبته فيها ، وهو دليل على خروج العمل من مفهوم الإِيمان ، فإن جزء الثابت في القلب يكون ثابتاً فيه ، وأعمال الجوارح لا تثبت فيه . { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ } أي من عند الله وهو نور القلب أو القرآن ، أو بالنصر على العدو . قيل الضمير ل { الإيمان } فإنه سبب لحياة القلب . { وَيُدْخِلُهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا رَضِىَ الله عَنْهُمْ } بطاعتهم . { وَرَضُواْ عَنْهُ } بقضائه أو بما وعدهم من الثواب . { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الله } جنده وأنصار دينه . { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } الفائزون بخير الدارين .\rعن النبي A \" من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة \" .","part":5,"page":279},{"id":2280,"text":"مدنية وآيها أربع وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } روي \" أنه عليه السلام لما قدم المدينة صالح بني النضير على أن لا يكونوا له ولا عليه ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : إنه النبي المنعوت في التوراة بالنصرة ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكباً إلى مكة وحالفوا أبا سفيان ، فأمر رسول الله A أخا كعب من الرضاعة فقتله غيلة ، ثم صبحهم بالكتائب وحاصرهم حتى صالحوا على الجلاء فجلا أكثرهم إلى الشام ولحقت طائفة بخيبر والحيرة \" فأنزل الله تعالى { سَبَّحَ للَّهِ } إلى قوله : { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } .\r{ هُوَ الذى أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن ديارهم لأَِوَّلِ الحشر } أي في أول حشرهم من جزيرة العرب إذ لم يصبهم هذا الذل قبل ذلك ، أو في أول حشرهم للقتال أو الجلاء إلى الشام ، وآخر حشرهم إجلاء عمر رضي الله تعالى عنه إياهم من خيبر إليه ، أو في أول حشر الناس إلى الشام وآخر حشرهم أنهم يحشرون إليه عند قيام الساعة فيدركهم هناك ، أو أن ناراً تخرج من المشرق فتحشرهم إلى المغرب . والحشر إخراج جمع من مكان إلى آخر . { مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ } لشدة بأسهم ومنعتهم . { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مّنَ الله } أي أن حصونهم تمنعهم من بأس الله وتغيير النظم ، وتقديم الخبر وإسناد الجملة إلى ضميرهم للدلالة على فرط وثوقهم بحصانتها واعتقادهم في أنفسهم أنهم في عزة ومنعة بسببها ، ويجوز أن تكون { حُصُونُهُم } فاعلاً ل { مَّانِعَتُهُمْ } . { فاتاهم الله } أي عذابه وهو الرعب والاضطرار إلى الجلاء ، وقيل الضمير ل { المؤمنين } أي فأتاهم نصر الله ، وقرىء { فاتاهم الله } أي العذاب أو النصر . { مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ } لقوة وثوقهم . { وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرعب } وأثبت فيها الخوف الذي يرعبها أي يملؤها . { يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ } ضناً بها على المسلمين وإخراجاً لما استحسنوا من آلاتها . { وَأَيْدِى المؤمنين } فإنهم أيضاً كانوا يخربون ظواهرها نكاية وتوسيعاً لمجال القتال . وعطفها على «أيديهم» من حيث أن تخريب المؤمنين مسبب عن نقضهم فكأنهم استعملوهم فيه ، والجملة حال أو تفسير ل { الرعب } . وقرأ أبو عمرو « يُخْرِبُونَ» بالتشديد وهو أبلغ لما فيه من التكثير . وقيل الإِخراب التعطيل أو ترك الشيء خراباً والتخريب الهدم . { فاعتبروا ياأولى الأبصار } فاتعظوا بحالهم فلا تغدروا ولا تعتمدوا على غير الله ، واستدل به على أن القياس حجة من حيث أنه أمر بالمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له على ما قررناه في الكتب الأصولية .","part":5,"page":280},{"id":2281,"text":"{ وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء } الخروج من أوطانهم . { لَعَذَّبَهُمْ فِى الدنيا } بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة . { وَلَهُمْ فِى الآخرة عَذَابُ النار } استئناف معناه أنهم إن نجوا من عذاب الدنيا لم ينجوا من عذاب الآخرة .\r{ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّواْ الله وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } الإِشارة إلى ما ذكر مما حاق بهم وما كانوا بصدده وما هو معد لهم أو إلى الأخير .\r{ مَا قَطَعْتُمْ مّن لّينَةٍ } أي شيء قطعتم من نخلة فعلة من اللون ويجمع على ألوان ، وقيل من اللين ومعناها النخلة الكريمة وجمعها أليان . { أَوْ تَرَكْتُمُوهَا } الضمير لما وتأنيثه لأنه مفسر باللينة . { قَائِمَةً على أُصُولِهَا } وقرىء «أصلها» اكتفاء بالضمة عن الواو أو على أنه كرهن . { فَبِإِذْنِ الله } فبأمره . { وَلِيُخْزِىَ الفاسقين } علة لمحذوف أي وفعلتم أو وأذن لكم في القطع ليجزيهم على فسقهم بما غاظهم منه . \" روي أنه E لما أمر بقطع نخيلهم قالوا : قد كنت يا محمد تنهى عن الفساد في الأرض فما بال قطع النخل وتحريقها فنزلت \" واستدل به على جواز هدم ديار الكفار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم .","part":5,"page":281},{"id":2282,"text":"{ وَمَا أَفَاء الله على رَسُولِهِ } وما أعاده عليه بمعنى صيره له أورده عليه ، فإنه كان حقيقاً بأن يكون له لأنه تعالى خلق الناس لعبادته وخلق ما خلق لهم ليتوسلوا به إلى طاعته فهو جدير بأن يكون للمطيعين . { مِنْهُمْ } من بني النضير أو من الكفرة . { فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ } فما أجريتم على تحصيله من الوجيف وهو سرعة السير . { مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ } ما يركب من الإِبل غلب فيه كما غلب الراكب على راكبه ، وذلك إن كان المراد فيءُ بني النضير ، فلأن قراهم كانت على ميلين من المدينة فمشوا إليها رجالاً غير رسول الله A فإنه ركب جملاً أو حماراً ، ولم يجر مزيد قتال ولذلك لم يعط الأنصار منه شيئاً إلا ثلاثة كانت بهم حاجة . { ولكن الله يُسَلّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَاءُ } بقذف الرعب في قلوبهم . { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } فيفعل ما يريد تارة بالوسائط الظاهرة وتارة بغيرها .\r{ مَّا أَفَاء الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى } بيان للأول ولذلك لم يعطف عليه . { فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } اختلف في قسم الفيء ، فقيل يسدس لظاهر الآية ويصرف سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد ، وقيل يخمس لأن ذكر الله للتعظيم ويصرف الآن سهم الرسول E إلى الإِمام على قول وإلى العساكر والثغور على قول وإلى مصالح المسلمين على قول . وقيل يخمس خمسه كالغنيمة فإنه E كان يقسم الخمس كذلك ويصرف الأخماس الأربعة كما يشاء والآن على الخلاف المذكور . { كَيْلاَ يَكُونَ } أي الفيء الذي حقه أن يكون للفقراء . وقرأ هشام في رواية بالتاء . { دُولَةً بَيْنَ الأغنياء مِنكُمْ } الدولة ما يتداوله الأغنياء ويدور بينهم كما كان في الجاهلية ، وقرىء { دُولَةً } بمعنى كيلا يكون الفيء ذا تداول بينهم أو أخذه غلبة تكون بينهم ، وقرأ هشام «دُولَةً» بالرفع على كان التامة أي كيلا يقع دولة جاهلية . { وَمَا ءاتاكم الرسول } وما أعطاكم من الفيء أو من الأمر . { فَخُذُوهُ } لأنه حلال لكم ، أو فتمسكوا به لأنه واجب الطاعة . { وَمَا نهاكم عَنْهُ } عن أخذه منه ، أو عن إتيانه . { فانتهوا } عنه . { واتقوا الله } في مخالفة رسوله . { إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب } لمن خالفه .\r{ لِلْفُقَرَاء المهاجرين } بدل من { ذَا القربى } و { مَا } عطف عليه فإن { الرسول } لا يسمى فقيراً ، ومن أعطى أغنياء ذوي القربى خصص الإبدال بما بعده ، والفيء بفيء بني النضير . { الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن ديارهم وأموالهم } فإن كفار مكة أخرجوهم وأخذوا أموالهم . { يَبْتَغُونَ فَضْلاً مّنَ الله وَرِضْوَاناً } حال مقيدة لإخراجهم بما يوجب تفخيم شأنهم . { وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ } بأنفسهم وأموالهم .","part":5,"page":282},{"id":2283,"text":"{ أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } في إيمانهم .\r{ والذين تَبَوَّءوا الدار والإيمان } عطف على المهاجرين ، والمراد بهم الأنصار الذين ظهر صدقهم فإنهم لزموا المدينة والإِيمان وتمكنوا فيهما ، وقيل المعنى تبوءوا دار الهجرة ودار الإِيمان فحذف المضاف من الثاني والمضاف إليه من الأول وعوض عنه اللام ، أو تبوءوا الدار وأخلصوا الإِيمان كقوله :\rعَلَفْتُهَا تِبْناً وَمَاءٌ بَارِداً ... وقيل سمى المدينة بالإِيمان لأنها مظهره ومصيره . { مِن قَبْلِهِمُ } من قبل هجرة المهاجرين . وقيل تقدير الكلام والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإِيمان . { يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } ولا يثقل عليهم . { وَلاَ يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ } في أنفسهم . { حَاجَةً } ما تحمل عليه الحاجة كالطلب والحزازة والحسد والغيظ . { مّمَّا أُوتُواْ } مما أعطي المهاجرون من الفيء وغيره . { وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ } ويقدمون المهاجرين على أنفسهم حتى إن كان عنده امرأتان نزل عن واحدة وزوجها من أحدهم . { وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } حاجة من خصاص البناء وهي فرجه . { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } حتى يخالفها فيما يغلب عليها من حب المال وبغض الإِنفاق . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } الفائزون بالثناء العاجل والثواب الآجل .\r{ والذين جَاؤُوا مّن بَعْدِهِمْ } هم الذين هاجروا حين قوي الإِسلام ، أو التابعون بإحسان وهم المؤمنون بعد الفريقين إلى يوم القيامة ولذلك قيل : إن الآية قد استوعبت جميع المؤمنين . { يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا ولإخواننا الذين سَبَقُونَا بالإيمان } أي لإِخواننا في الدين . { وَلاَ تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلاًّ لّلَّذِينَ ءَامَنُواْ } حقداً لهم . { رَبَّنَا إِنَّكَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } فحقيق بأن تجيب دعاءنا .","part":5,"page":283},{"id":2284,"text":"{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نافقوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } يريد الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر أو الصداقة والموالاة . { لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ } من دياركم . { لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ } في قتالكم أو خذلانكم . { أَحَداً أَبَداً } أي من رسول الله A والمؤمنين . { وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ } لنعَاوننكم . { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } لعلمه بأنهم لا يفعلون ذلك كما قال :\r{ لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ } وكان كذلك فإن ابن أبي وأصحابه راسلوا بني النضير بذلك ثم أخلفوهم ، وفيه دليل على صحة النبوة وإعجاز القرآن . { وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ } على الفرض والتقدير . { لَيُوَلُّنَّ الأدبار } انهزاماً . { ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ } بعد بل يخذلهم الله ولا ينفعهم نصرة المنافقين ، أو نفاقهم إذ ضمير الفعلين يحتمل أن يكون لليهود وأن يكون للمنافقين .\r{ لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً } أي أشد مرهوبية مصدر للفعل المبني للمفعول . { فِى صُدُورِهِمْ } فإنهم كانوا يضمرون مخافتهم من المؤمنين . { مِنَ الله } على ما يظهرونه نفاقاً فإن استبطان رهبتكم سبب لإِظهار مرهبة الله . { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لا يعلمون عظمة الله حتى يخشوه حق خشيته ويعلموا أنه الحقيق بأن يخشى .\r{ لاَ يقاتلونكم } اليهود والمنافقون . { جَمِيعاً } مجتمعين متفقين . { إِلاَّ فِى قُرًى مُّحَصَّنَةٍ } بالدروب والخنادق . { أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ } لفرط رهبتهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «جدار» وأمال أبو عمرو فتحة الدال . { بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ } أي وليس ذلك لضعفهم وجبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضاً ، بل لقذف الله الرعب في قلوبهم ولأن الشجاع يجبن والعزيز يذل إذا حارب الله ورسوله . { تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً } مجتمعين متفقين . { وَقُلُوبُهُمْ شتى } متفرقة لافتراق عقائدهم واختلاف مقاصدهم . { ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ } ما فيه صلاحهم وإن تشتت القلوب يوهن قواهم .\r{ كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي مثل اليهود كمثل أهل بدر ، أو بني قينقاع إن صح أنهم أخرجوا قبل النضير ، أو المهلكين من الأمم الماضية . { قَرِيبًا } في زمان قريب وانتصابه بمثل إذ التقدير كوجود مثل . { ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } سوء عاقبة كفرهم في الدنيا . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة .\r{ كَمَثَلِ الشيطان } أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان . { إِذْ قَالَ للإنسان اكفر } أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور . { فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنّى بَرِىءٌ مّنكَ إِنّى أَخَافُ الله رَبَّ العالمين } تبرأ منه مخافة أن يشاركه في العذاب ولم ينفعه ذلك كما قال .\r{ فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِى النار خالدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الظالمين } والمراد من الإِنسان الجنس . قيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر { لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنّي جَارٌ لَّكُمْ } الآية . وقيل راهب حمله على الفجور والارتداد وقرىء { عاقبتهما } و «خالدان» على أنه خبر إن و { فِى النار } لغو .","part":5,"page":284},{"id":2285,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ } ليوم القيامة سماه به لدنوه أو لأن الدنيا كيوم والآخرة كغده ، وتنكيره للتعظيم وأما تنكير النفس فلاستقلال الأنفس النواظر فيما قدمن للآخرة كأنه قال : فلتنظر نفس واحدة في ذلك . { واتقوا الله } تكرير للتأكيد ، أو الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل والثاني في ترك المحارم لاقترانه بقوله : { إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } وهو كالوعيد على المعاصي .\r{ وَلاَ تَكُونُواْ كالذين نَسُواْ الله } نسوا حقه . { فأنساهم أَنفُسَهُمْ } فجعلهم ناسين لها حتى لم يسمعوا ما ينفعها ولم يفعلوا ما يخلصها ، أو أراهم يوم القيامة من الهول ما أنساهم أنفسهم . { أُولَئِكَ هُمُ الفاسقون } الكاملون في الفسوق .\r{ لاَ يَسْتَوِى أصحاب النار وأصحاب الجنة } الذين استكملوا نفوسهم فاستأهلوا الجنة والذين استمهنوها فاستحقوا النار ، واحتج به أصحابنا على أن المسلم لا يقتل بالكافر . { أصحاب الجنة هُمُ الفائزون } بالنعيم المقيم .\r{ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله } تمثيل وتخييل كما مر في قوله : { إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة } ولذلك عقبه بقوله : { وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } فإن الإِشارة إليه وإلى أمثاله . والمراد توبيخ الإِنسان على عدم تخشعه عند تلاوة القرآن لقساوة قلبه وقلة تدبره ، والتصدع التشقق . وقرىء «مصدعاً» على الإِدغام .\r{ هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الغيب والشهادة } ما غاب عن الحس من الجواهر القدسية وأحوالها ، وما حضر له من الأجرام وأعراضها ، وتقديم { الغيب } لتقدمه في الوجود وتعلق العلم القديم به ، أو المعدوم والموجود ، أو السر والعلانية . وقيل الدنيا والآخرة . { هُوَ الرحمن الرحيم } .\r{ هُوَ الله الذى لاَ إله إِلاَّ هُوَ الملك القدوس } البالغ في النزاهة عما يوجب نقصاناً . وقرىء بالفتح وهو لغة فيه . { السلام } ذو السلامة من كل نقص وآفة ، مصدر وصف به للمبالغة . { المؤمن } واهب الأمن ، وقرىء بالفتح بمعنى المؤمن به على حذف الجار . { المهيمن } الرقيب الحافظ لكل شيء مفيعل من الأمن قلبت همزته هاء . { العزيز الجبار } الذي جبر خلقه على ما أراده ، أو جبر حالهم بمعنى أصلحه . { المتكبر } الذي تكبر عن كل ما يوجب حاجة أو نقصاناً . { سبحان الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } إذ لا يشركه في شيء من ذلك .\r{ هُوَ الله الخالق } المقدر للأشياء على مقتضى حكمته . { البَارِيءُ } الموجد لها بريئاً من التفاوت . { المصور } الموجد لصورها وكيفياتها كما أراد . ( ومن أراد الإِطناب في شرح هذه الأسماء وأخواتها فعليه بكتابي المسمى بمنتهى المنى ) . { لَهُ الأسماء الحسنى } لأنها دالة على محاسن المعاني . { يُسَبّحُ لَهُ مَا فِى السموات والأرض } لتنزهه عن النقائص كلها . { وَهُوَ العزيز الحكيم } الجامع للكمالات بأسرها فإنها راجعة إلى الكمال في القدرة والعلم .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الحشر غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر \" .","part":5,"page":285},{"id":2286,"text":"{ مدنية وآيها ثلاث عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ } نزلت في حاطب بن أبي بلتعة ، فإنه لما علم أن رسول الله A يغزو أهل مكة كتب إليهم أن رسول الله A يريدكم فخذوا حذركم ، \" وأرسل كتابه مع سارة مولاة بني المطلب ، فنزل جبريل عليه السلام فأعلم رسول الله ، فبعث رسول الله A علياً وعماراً وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد وقال : انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب حاطب إلى أهل مكة ، فخذوه منها وخلوها فإن أبت فاضربوا عنقها ، فأدركوها ثمة فجحدت فهموا بالرجوع ، فسل علي رضي الله تعالى عنه السيف فأخرجته من عقاصها ، فاستحضر رسول الله A حاطباً وقال : ما حملك عليه؟ فقال : يا رسول الله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولكني كنت امرأ ملصقاً في قريش وليس لي فيهم من يحمي أهلي ، فأردت أن آخذ عندهم يداً وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئاً ، فصدقه رسول الله A وعذره \" { تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } تفضون إليهم المودة بالمكاتبة ، والباء مزيدة أو إخبار رسول الله A بسبب المودة ، والجملة حال من فاعل { لاَ تَتَّخِذُواْ } أو صفة لأولياء جرت على غير من هي له ، ولا حاجة فيها إلى إبراز الضمير لأنه مشروط في الاسم دون الفعل . { وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا جَاءكُمْ مّنَ الحق } حال من فاعل أحد الفعلين . { يُخْرِجُونَ الرسول وإياكم } أي من مكة وهو حال من { كَفَرُواْ } أو استئناف لبيانه . { أَن تُؤْمِنُواْ بالله رَبّكُمْ } بأن تؤمنوا به وفيه تغليب المخاطب والالتفات من التكلم إلى الغيبة للدلالة على ما يوجب الإِيمان . { إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ } عن أوطانكم . { جِهَاداً فِى سَبِيلِى وابتغاء مَرْضَاتِى } علة للخروج وعمدة للتعليق وجواب الشرط محذوف دل عليه { لاَ تَتَّخِذُواْ } . { تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بالمودة } بدل من { تُلْقُونَ } أو استئناف معناه : أي طائل لكم في أسرار المودة أو الإخبار بسبب المودة . { وَأَنَاْ أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ } أي منكم . وقيل { أَعْلَمُ } مضارع والباء مزيدة و «ما» موصولة أو مصدرية . { وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ } أي من يفعل الاتخاذ . { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل } أخطأه .\r{ إِن يَثْقَفُوكُمْ } يظفروا بكم . { يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَاءً } ولا ينفعكم إلقاء المودة إليهم . { وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسوء } ما يسوؤكم كالقتل والشتم . { وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ } وتمنوا ارتدادكم ، ومجيء { وَدُّواْ } وحده بلفظ الماضي للإِشعار بأنهم { وَدُّواْ } قبل كل شيء ، وأن ودادتهم حاصلة وإن لم يثقفوكم .\r{ لَن تَنفَعَكُمْ أرحامكم } قراباتكم .","part":5,"page":286},{"id":2287,"text":"{ وَلاَ أولادكم } الذين توالون المشركين لأجلهم . { يَوْمَ القيامة يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ } يفرق بينكم بما عراكم من الهول فيفر بعضكم من بعض فما لكم ترفضون اليوم حق الله لمن يفر منكم غداً ، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الصاد والتشديد وفتح الفاء ، وقرأ ابن عامر «يُفَصّلُ » على البناء للمفعول وهو { بَيْنِكُمْ } ، وقرأ عاصم { يُفَصّلُ } . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم عليه .\r{ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } قدوة . اسم لما يؤتسى به . { فِى إبراهيم والذين مَعَهُ } صفة ثانية أو خبر كان و { لَكُمْ } لغو أو حال من المستكن في { حَسَنَةٌ } أو صلة لها لا ل { أُسْوَةٌ } لأنها وصفت . { إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ } ظرف لخبر كان . { إِنَّا بُرَاءُ مّنكُمْ } جمع بريء كظريف وظرفاء . { وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله كَفَرْنَا بِكُمْ } أي بدينكم أو بمعبودكم ، أو بكم وبه فلا نعتد بشأنكم وآلهتكم . { وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء أَبَداً حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ } فتنقلب العداوة والبغضاء ألفة ومحبة . { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } استثناء من قوله { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فإن استغفاره إبراهيم عليه السلام لأبيه الكافر ليس مما ينبغي أن يأتسوا به ، فإنه كان قبل النهي أو لموعدة وعدها إياه . { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } من تمام قوله المستثنى ولا يلزم من استثناء المجموع استثناء جميع أجزائه . { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المصير } متصل بما قبل الاستثناء أو أمر من الله للمؤمنين بأن يقولوه تتميماً لما وصاهم به من قطع العلائق بينهم وبين الكفار .","part":5,"page":287},{"id":2288,"text":"{ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نتحمله . { واغفر لَنَا } ما فرط منا { رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم } ومن كان كذلك كان حقيقاً بأن يجير المتوكل ويجيب الداعي .\r{ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تكرير لمزيد الحث على التأسي بإبراهيم ولذلك صدر بالقسم وأبدل قوله : { لّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر } من { لَكُمْ } فإنه يدل على أنه لا ينبغي لمؤمن أن يترك التأسي بهم ، وإن تركه مؤذن بسوء العقيدة ولذلك عقبه بقوله : { وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ الله هُوَ الغنى الحميد } فإنه جدير بأن يوعد به الكفرة .\r{ عَسَى الله أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الذين عَادَيْتُم مّنْهُم مَّوَدَّةً } لما نزل { لاَ تَتَّخِذُواْ } عادى المؤمنون أقاربهم المشركين وتبرؤوا عنهم ، فوعدهم الله بذلك وأنجز إذ أسلم أكثرهم وصاروا لهم أولياء . { والله قَدِيرٌ } على ذلك . { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لما فرط منكم في موالاتهم من قبل ولما بقي في قلوبكم من ميل الرحم .\r{ لاَّ ينهاكم الله عَنِ الذين لَمْ يقاتلوكم فِى الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مّن دياركم } أي لا ينهاكم عن مبرَّة هؤلاء لأن قوله : { أَن تَبَرُّوهُمْ } بدل من { الذين } . { وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ } وتفضوا إليهم بالقسط أي العدل . { إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين } العادلين ، روي أن قتيلة بنت عبد العزى قدمت مشركة على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا ، فلم تقبلها ولم تأذن لها بالدخول فنزلت .\r{ إِنَّمَا ينهاكم الله عَنِ الذين قاتلوكم فِى الدين وَأَخْرَجُوكُم مّن دياركم وظاهروا على إخراجكم } كمشركي مكة فإن بعضهم سعوا في إخراج المؤمنين وبعضهم أعانوا المخرجين . { أَن تَوَلَّوْهُمْ } بدل من { الذين } بدل الاشتمال . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } لوضعهم الولاية في غير موضعها .\r{ ا ي&amp;\rى1648;أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا جَاءكُمُ المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } فاختبروهن بما يغلب على ظنكم موافقة قلوبهم لسانهم في الإِيمان . { الله أَعْلَمُ بإيمانهن } فإنه المطلع على ما في قلوبهم . { فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مؤمنات } العلم الذي يمكنكم تحصيله وهو الظن الغالب بالحلف وظهور الأمارات ، وإنما سماه علماً إيذاناً بأنه كالعلم في وجوب العمل به . { فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الكفار } أي إلى أزواجهن الكفرة لقوله : { لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } والتكرير للمطابقة والمبالغة ، أو الأولى لحصول الفرقة والثانية للمنع عن الاستئناف . { وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا } ما دفعوا إليهن من المهور ، وذلك لأن صلح الحديبية جرى : على أن من جاءنا منكم رددناه . فلما تعذر عليه ردهن لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن . « إذ روي أنه E كان بعد الحديبية إذ جاءته سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالباً لها فنزلت . فاستحلفها رسول الله A فحلفت فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر رضي الله تعالى عنه »","part":5,"page":288},{"id":2289,"text":"{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ } فإن الإِسلام حال بينهن وبين أزواجهن الكفار . { إِذَا آتيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } شرط إيتاء المهر في نكاحهن إيذاناً بأن ما أعطى أزواجهن لا يقوم مقام المهر . { وَلاَ تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ الكوافر } بما يعتصم به الكافرات من عقد وسبب جمع عصمة ، والمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات ، وقرأ البصريان «وَلاَ تُمْسِكُواْ » بالتشديد . { وَاسْئَلُواْ مَا أَنفَقْتُمْ } من مهور نسائكم اللاحقات بالكفار . { وَلْيَسْئَلُواْ مَا أَنفَقُواْ } من مهور أزواجهم المهاجرات . { ذَلِكُمْ حُكْمُ الله } يعني جميع ما ذكر في الآية . { يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } استئناف أو حال من الحكم على حذف الضمير ، أو جعل الحكم حاكماً على المبالغة . { والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } يشرع ما تقتضيه حكمته .","part":5,"page":289},{"id":2290,"text":"{ وَإِن فَاتَكُمْ } وإن سبقكم وانفلت منكم . { شَىْءٌ مّنْ أزواجكم } أحد من أزواجكم ، وقد قرىء به وإيقاع { شَىْء } موقعه للتحقير والمبالغة في التعميم ، أو { شَىْء } من مهورهن . { إِلَى الكفار فعاقبتم } فجاءت أي نوبتكم من أداء المهر ، شبه الحكم بأداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره . { فَاتُواْ الذين ذَهَبَتْ أزواجهم مّثْلَ مَا أَنفَقُواْ } من مهر المهاجرة ولا تؤتوه زوجها الكافر . روي أنه لما نزلت الآية المتقدمة أبى المُشركون أن يؤدوا مهر الكوافر فنزلت . وقيل معناه إن فاتكم فأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة { فَاتُواْ } بدل الفائت من الغنيمة . { واتقوا الله الذى أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ } فإن الإِيمان به يقتضي التقوى منه .\r{ ياأيها النبى إِذَا جَاءكَ المؤمنات يُبَايِعْنَكَ على أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بالله شَيْئاً } نزلت يوم الفتح فإنه E لما فرغ من بيعة الرجال أخذ في بيعة النساء . { وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أولادهن } يريد وأد البنات . { وَلاَ يَأْتِينَ ببهتان يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ } في حسنة تأمرهن بها ، والتقييد بالمعروف مع أن الرسول A لا يأمر إلا به تنبيه على أنه لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق . { فَبَايِعْهُنَّ } إذا بايعنك بضمان الثواب على الوفاء بهذه الأشياء . { واستغفر لَهُنَّ الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِمْ } يعني عامة الكفار أو اليهود . إذ روي أنها نزلت في بعض فقراء المسلمين كانوا يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم . { قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخرة } لكفرهم بها أو لعلمهم بأنهم لاحظ لهم فيها لعنادهم الرسول المنعوت في التوراة المؤيد بالآيات . { كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أصحاب القبور } أن يبعثوا أو يثابوا أو ينالهم خير منهم ، وعلى الأول وضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر آيسهم .\rعن النبي A « من قرأ سورة الممتحنة كان له المؤمنون والمؤمنات شفعاء يوم القيامة » .","part":5,"page":290},{"id":2291,"text":"مدنية ، وقيل مكية وآيها أربع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العزيز الحكيم } سبق تفسيره .\r{ ا ياأيها الذين ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } روي أن المسلمين قالوا : لو علمنا أحب الأعمال إلى الله تعالى لبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا فأنزل الله { إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } فولوا يوم أحد فنزلت . و { لَمْ } مركبة من لام الجر وما الاستفهامية والأكثر على حذف ألفها مع حرف الجر لكثرة استعمالها معاً واعتناقهما في الدلالة على المستفهم عنه .\r{ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ } المقت أشد البغض ونصبه على التمييز للدلالة على أن قولهم هذا مقت خالص { كَبُرَ } عند من يحقر دونه كل عظيم ، مبالغة في المنع عنه .\r{ إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يقاتلون فِى سَبِيلِهِ صَفّاً } مصطفين مصدر وصف به . { كَأَنَّهُم بنيان مَّرْصُوصٌ } في تراصهم من غير فرجة ، حال من المستكن في الحال الأولى . والرص اتصال بعض البناء بالبعض واستحكامه .\r{ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } مقدراً باذكر أو كان كذا . { ياقوم لِمَ تُؤْذُونَنِى } بالعصيان والرمي بالادرة . { وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } بما جئتكم من المعجزات ، والجملة حال مقررة للإنكار فإن العلم بنبوته يوجب تعظيمه ويمنع إيذاءه ، { وَقَدْ } لتحقيق العلم . { فَلَمَّا زَاغُواْ } عن الحق . { أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب . { والله لاَ يَهْدِى الفاسقين } هداية موصلة إلى معرفة الحق أو إلى الجنة .\r{ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابنى إسراءيل } ولعله لم يقل { يَا قَوْم } كما قال موسى E لأنه لا نَسب له فيهم . { إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة وَمُبَشّراً } في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة وتبشيري { بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى } . والعامل في الحالين ما في الرسول من معنى الإِرسال لا الجار لأنه لغو إذ هو صلة للرسول فلا يعمل . { بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ } يعني محمداً E ، والمعنى أن ديني التصديق بكتب الله وأنبيائه ، فذكر أول الكتب المشهورة الذي حكم به النبيون والنبي الذي هو خاتم المرسلين . { فَلَمَّا جَاءهُم بالبينات قَالُواْ سِحْرٌ مُّبِينٌ } الإِشارة إلى ما جاء به أو إليه ، وتسميته سحر للمبالغة ويؤيده قراءة حمزة والكسائي هذا «ساحراً» على أن الإِشارة إلى عيسى E .\r{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله الكذب وَهُوَ يدعى إِلَى الإسلام } أي لا أحد أظلم ممن يدعى إلى الإِسلام الظاهر حقيته المقتضي له خبر الدارين فيضع موضع إجابته الافتراء على الله بتكذيب رسوله وتسميته آياته سحراً فإنه يعم إثبات المنفي ونفي الثابت وقرىء «يدعى» يقال دعاه وادعاه كلمسه والتمسه . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } لا يرشدهم إلى ما فيه فلاحهم .\r{ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } أي يريدون أن يطفئوا ، واللام مزيدة لما فيها من معنى الإِرادة تأكيداً لها كما زيدت لما فيها من معنى الاضافة تأكيداً لها في لا أبا لك ، أو { يُرِيدُونَ } الافتراء { لِيُطْفِئُواْ } . { نُورَ الله } يعني دينه أو كتابه أو حجته . { بأفواههم } بطعنهم فيه . { والله مُتِمُّ نُورِهِ } مبلغ غايته بنشره وإعلائه ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وحفص بالإضافة . { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } إرغاماً لهم .","part":5,"page":291},{"id":2292,"text":"{ هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى } بالقرآن أو المعجزة . { وَدِينِ الحق } والملة الحنيفية . { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } ليغلبه على جميع الأديان . { وَلَوْ كَرِهَ المشركون } لما فيه من محض التوحيد وإبطال الشرك .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وقرأ ابن عامر« تُنجِيكُم » بالتشديد .\r{ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } استئناف مبين للتجارة وهو الجمع بين الإِيمان والجهاد المؤدي إلى كمال عزهم ، والمراد به الأمر وإنما جيء بلفظ الخبر إيذاناً بأن ذلك مما لا يترك . { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني ما ذكر من الإِيمان والجهاد . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } إن كنتم من أهل العلم إذ الجاهل لا يعتد بفعله .\r{ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ } جواب للأمر المدلول عليه بلفظ الخبر ، أو لشرط أو استفهام دل عليه الكلام تقديره أن تؤمنوا وتجاهدوا ، أو هل تقبلون أن أدلكم يغفر لكم ، ويبعد جعله جواباً لهل أدلكم لأن مجرد دلالته لا توجب المغفرة { وَيُدْخِلْكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ومساكن طَيّبَةً فِى جنات عَدْنٍ ذَلِكَ الفوز العظيم } الإِشارة إلى ما ذكر من المغفرة وإدخال الجنة .\r{ وأخرى تُحِبُّونَهَا } ولكم إلى هذه النعمة المذكورة نعمة أخرى عاجلة محبوبة ، وفي { تُحِبُّونَهَا } تعريض بأنهم يؤثرون العاجل على الآجل ، وقيل { أخرى } منصوبة بإضمار يعطيكم ، أو تحبون أو مبتدأ خبره : { نَصْرٌ مّن الله } وهو على الأول بدل أو بيان وعلى قول النصب خبر محذوف ، وقد قرىء بما عطف عليه بالنصب عى البدل ، أو الاختصاص أو المصدر . { وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } عاجل . { وَبَشّرِ المؤمنين } عطف على محذوف مثل : قل يا أيها الذين آمنوا { وَبَشّرِ } ، أو على { تُؤْمِنُونَ } فإنه في معنى الأمر كأنه قال : آمنوا وجاهدوا أيها المؤمنون وبشرهم يا رسول الله بما وعدتهم عليهما آجلاً وعاجلاً .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ كُونُواْ أنصار الله } وقرأ الحجازيان وأبو عمرو بالتنوين واللام لأن المعنى كونوا بعض أنصار الله . { كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيّينَ مَنْ أنصارى إِلَى الله } أي من جندي موجهاً إلى نصرة الله ليطابق قوله تعالى : { قَالَ الحواريون نَحْنُ أَنْصَارُ الله } والإِضافة الأولى إضافة أحد المتشاركين إلى الآخر لما بينهما من الاختصاص ، والثانية إضافة الفاعل إلى المفعول والتشبيه باعتبار المعنى إذ المراد قل لهم كما قال عيسى ابن مريم ، أو كونوا أنصاراً كما قال الحواريون حين قال لهم عيسى { مَنْ أَنصَارِى إِلَى الله } . والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به وكانوا اثني عشر رجلاً من الحور وهو البياض . { فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إَسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ } أي بعيسى . { فَأَيْدَّنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ } بالحجة وبالحرب وذلك بعد رفع عيسى . { فَأَصْبَحُواْ ظاهرين } فصاروا غالبين .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الصف كان عيسى مصلياً عليه مستغفراً له ما دام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه \" .","part":5,"page":292},{"id":2293,"text":"مدنية وآيها إحدى وعشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم } وقد قرىء الصفات الأربع بالرفع على المدح .\r{ هُوَ الذى بَعَثَ فِى الأميين } أي في العرب لأن أكثرهم لا يكتبون ولا يقرؤون . { رَسُولاً مّنْهُمْ } من جملتهم أمياً مثلهم . { يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءاياته } من كونه أمياً مثلهم لم يعهد منه قراءة ولا تعلم . { وَيُزَكّيهِمْ } من خبائث العقائد والأعمال . { وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة } القرآن والشريعة ، أو معالم الدين من المنقول والمعقول ، ولو لم يكن له سواه معجزة لكفاه . { وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضلال مُّبِينٍ } من الشرك وخبث الجاهلية ، وهو بيان لشدة احتياجهم إلى نبي يرشدهم ، وإزاحة لما يتوهم أن الرسول تعلم ذلك من معلم ، و { إن } هي المخففة واللام تدل عليها .\r{ وَءاخَرِينَ مِنْهُمْ } عطف على { الأميين } ، أو المنصوب في { يَعْلَمُهُمْ } وهم الذين جاؤوا بعد الصحابة إلى يوم الدين ، فإن دعوته وتعليمه يعم الجميع . { لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ } لم يلحقوا بهم بعد وسيلحقون . { وَهُوَ العزيز } في تمكينه من هذا الأمر الخارق للعادة . { الحكيم } في اختياره وتعليمه .\r{ ذلك فَضْلُ الله } ذلك الفضل الذي امتاز به عن أقرانه فضله . { يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ } تفضلاً وعطية . { والله ذُو الفضل العظيم } الذي يستحقر دونه نعيم الدنيا ، أو نعيم الآخرة أو نعميهما .\r{ مَثَلُ الذين حُمّلُواْ التوراة } علموها وكلفوا العمل بها . { ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا } لم يعملوا بها أو لم ينتفعوا بما فيها . { كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً } كتباً من العلم يتعب في حملها ولا ينتفع بها ، ويحمل حال والعامل فيه معنى المثل أو صفة إذ ليس المراد من { الحمار } معيناً . { بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بئايات الله } أي مثل الذين كذبوا وهم اليهود المكذبون بآيات الله الدالة على نبوة محمد E ، ويجوز أن يكون الذين صفة للقوم والمخصوص بالذم محذوفاً . { والله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين } .\r{ قُلْ يا أَيُّهَا الذين هَادُواْ } تهودوا . { إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ الناس } إذ كانوا يقولون نحن أبناء الله وأحباؤه . { فَتَمَنَّوُاْ الموت } فتمنوا من الله أن يميتكم وينقلكم من دار البلية إلى محل الكرامة . { إِن كُنتُمْ صادقين } في زعمكم .","part":5,"page":293},{"id":2294,"text":"{ وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ } بسبب ما قدموا من الكفر والمعاصي . { والله عَلِيمٌ بالظالمين } فيجازيهم على أعمالهم .\r{ قُلْ إِنَّ الموت الذى تَفِرُّونَ مِنْهُ } وتخافون أن تتمنوه بلسانكم مخافة أن يصيبكم فتؤخذوا بأعمالكم . { فَإِنَّهُ ملاقيكم } لاحق بكم لا تفوتونه ، والفاء لتضمن الاسم معنى الشرط باعتبار الوصف ، وكأن فرارهم يسرع لحوقه بهم . وقد قرىء بغير فاء ويجوز أن يكون الموصول خبراً والفاء عاطفة . { ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة فَيُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } بأن يجازيكم عليه .\r{ ياأيها الذين ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة } أي إذا أذن لها . { مِن يَوْمِ الجمعة } بيان ل { إِذَا } وإنما سمي جمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة ، وكانت العرب تسميه العروبة . وقيل سماه كعب بن لؤي لاجتماع الناس فيه إليه ، وأول جمعة جمعها رسول الله A أنه لما قدم المدينة نزل قباء فأقام بها إلى الجمعة ، ثم دخل المدينة وصلى الجمعة في واد لبني سالم بن عوف . { فاسعوا إلى ذِكْرِ الله } فامضوا إليه مسرعين قصداً فإن السعي دون العدو ، وال { ذُكِرَ } الخطبة ، وقيل الصلاة والأمر بالسعي إليها يدل على وجوبها . { وَذَرُواْ البيع } واتركوا المعاملة . { ذلكم } أي السعي إلى ذكر الله . { خَيْرٌ لَّكُمْ } من المعاملة فإن نفع الآخرة خير وأبقى . { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } الخير والشر الحقيقيين ، أو إن كنتم من أهل العلم .\r{ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة } أديت وفرغ منها . { فانتشروا فِى الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله } إطلاق لما حظر عليهم ، واحتج به من جعل الأمر بعد الحظر للإباحة . وفي الحديث « ابتغوا من فضل الله ليس بطلب الدنيا وإنما هو عيادة مريض وحضور جنازة وزيارة أخ في الله » { واذكروا الله كَثِيراً } واذكروه في مجامع أحوالكم ولا تخصوا ذكره بالصلاة . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } بخير الدارين .\r{ وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } روي أنه E كان يخطب للجمعة فمرت عليه عير تحمل الطعام ، فخرج الناس إليهم إلا اثني عشر رجلاً فنزلت . وإفراد التجارة برد الكناية لأنها المقصودة ، فإن المراد من اللهو الطبل الذي كانوا يستقبلون به العير ، والترديد للدلالة على أن منهم من انفض لمجرد سماع الطبل ورؤيته ، أو للدلالة على أن الإنفضاض إلى التجارة مع الحاجة إليها والانتفاع بها إذا كان مذموماً كان الانفضاض إلى اللهو أَولى بذلك . وقيل تقديره إذا رأوا تجارة انفضوا إليها وإذا رأوا لهواً انفضوا إليه . { وَتَرَكُوكَ قَائِماً } أي على المنبر . { قُلْ مَا عِندَ الله } من الثواب . { خَيْرٌ مّنَ اللهو وَمِنَ التجارة } فإن ذلك محقق مخلد بخلاف ما تتوهمون من نفعهما { والله خَيْرُ الرزقين } فتوكلوا عليه واطلبوا الرزق منه .\rعن النبي A « من قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أتى الجمعة ومن لم يأتها في أمصار المسلمين » .","part":5,"page":294},{"id":2295,"text":"مدنية وآيها إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا جَاءكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله } الشهادة إخبار عن علم من الشهود وهو الحضور والاطلاع ، ولذلك صدق المشهور به وكذبهم في الشهادة بقوله : { والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } لأنهم لم يعتقدوا ذلك .\r{ اتخذوا أيمانهم } حلفهم الكاذب أو شهادتهم هذه ، فإنها تجري مجرى الحلف في التوكيد ، وقرىء «إيمانهم» { جُنَّةُ } وقاية من القتل والسبي . { فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله } صداً أو صدوداً . { إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من نفاقهم وصدهم .\r{ ذلك } إشارة إلى الكلام المتقدم أي ذلك القول الشاهد على سوء أعمالهم ، أو إلى الحال المذكورة من النفاق والكذب والاستجنان بالإِيمان . { بِأَنَّهُمْ آمَنُوا } بسبب أنهم آمنوا ظَاهراً . { ثُمَّ كَفَرُواْ } سراً ، أو { ءامَنُواْ } إذا رأوا آية { ثُمَّ كَفَرُواْ } حيثما سمعوا من شياطينهم شبهة . { فَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ } حتى تمرنوا على الكفر فاستحكموا فيه . { فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ } حقية الإِيمان ولا يعرفون صحته .\r{ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أجسامهم } لضخامتها وصباحتها . { وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ } لذلاقتهم وحلاوة كلامهم ، وكان ابن أبيّ جسيما فصيحاً يحضر مجلس رسول الله A في جمع مثله ، فيعجب بهيكلهم ويصغي إلى كلامهم . { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } حال من الضمير المجرور في { قَوْلُهُمْ } أي تسمع لما يقولونه مشبهين بأخشاب منصوبة مسندة إلى الحائط في كونهم أشباحاً خالية عن العلم والنظر ، وقيل ال { خُشُبٌ } جمع خشباء وهي الخشبة التي نُخِرَ جَوْفُهَا ، شبهوا بها في حسن المنظر وقبح المخبر ، وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل عن ابن كثير بسكون الشين على التخفيف ، أو على أنه كبدن في جمع بدنة { يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ } أي واقعة عليهم لجبنهم واتهامهم ، ف { عَلَيْهِمْ } ثاني مفعولي { يَحْسَبُونَ } ، ويجوز أن يكون صلته والمفعول : { هُمُ العدو } وعلى هذا يكون الضمير للكل وجمعه بالنظر إلى الخبر لكن ترتب قوله : { فاحذرهم } عليه يدل على أن الضمير للمنافقين . { قاتلهم الله } دعاء عليهم وهو طلب من ذاته أن يلعنهم ، أو تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك . { أنى يُؤْفَكُونَ } كيف يصرفون عن الحق .\r{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله لَوَّوْاْ رُؤُوُسَهُمْ } عطفوها إعراضاً واستكبارً عن ذلك ، وقرأ نافع بتخفيف الواو . { رُءوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ } يعرضون عن الاستغفار . { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتذار .","part":5,"page":295},{"id":2296,"text":"{ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } لرسوخهم في الكفر . { إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } الخارجين عن مظنة الاستصلاح لانهماكهم في الكفر والنفاق .\r{ هُمُ الذين يَقُولُونَ } أي للأنصار . { لاَ تُنفِقُواْ على مَنْ عِندَ رَسُولِ الله حتى يَنفَضُّواْ } يعنون فقراء المهاجرين .\r{ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السموات والأرض } بيده الأرزاق والقسم . { ولكن المنافقين لاَ يَفْقَهُونَ } ذلك لجهلهم بالله .\r{ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى المدينة لَيُخْرِجَنَّ الأعز مِنْهَا الأذل } روي أن أعرابياً نازع أنصارياً في بعض الغزوات على ماء ، فضرب الأعرابي رأسه بخشبة ، فشكى إلى ابن أُبيّ فقال : لا تنفقوا على من عند رسول الله A حتى ينفضوا ، وإذا رجعنا إلى المدينة فليخرجن الأعز منها الأذل ، عنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله A . وقرىء « لَيُخْرِجَنَّ» بفتح الياء و «لَيُخْرِجَنَّ » على بناء المفعول و «لنخرجن» بالنون ، ونصب «الأعز» و « الأذل» على هذه القراءات مصدر أو حال على تقدير مضاف كخروج أو إخراج أو مثل . { وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } ولله الغلبة والقوة ولمن أعزه من رسوله والمؤمنين .\r{ ولكن المنافقين لاَ يَعْلَمُونَ } من فرط جهلهم وغرورهم .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أموالكم وَلاَ أولادكم عَن ذِكْرِ الله } لا يشغلكم تدبيرها والاهتمام بها عن ذكره الصلوات وسائر العبادات المذكرة للمعبود ، والمراد نهيهم عن اللهو بها . وتوجيه النهي إليها للمبالغة ولذا قال : { وَمَن يَفْعَلْ ذلك } أي اللهوا بها وهو الشغل . { فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } لأنهم باعوا العظيم الباقي بالحقير الفاني .\r{ وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم } بعض أموالكم إدخاراً للآخرة . { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ أَحَدَكُمُ الموت } أي يرى دلالته { فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِى } هلا أمهلتني . { إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } أمد غير بعيد . { فَأَصَّدَّقَ } فأتصدق . { وَأَكُن مّنَ الصالحين } بالتدارك ، وجزم { أَكُنْ } للعطف على موضع الفاء وما بعده ، وقرأ أبو عمروا «وأكون» منصوباً عطفاً على { فأصادق } ، وقرىء بالرفع على وأنا أكون فيكون عدة بالصلاح .\r{ وَلَن يُؤَخّرَ الله نَفْساً } ولن يمهلها . { إِذَا جَاء أَجَلُهَا } آخر عمرها . { والله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } فمجاز عليه ، وقرأ أبو بكر بالياء ليوافق ما قبله في الغيبة .\rعن النبي A \" من قرأ سورة المنافقين برىء من النفاق \" .","part":5,"page":296},{"id":2297,"text":"مختلف فيها وآيها ثماني عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ يُسَبّحُ لِلَّهِ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } بدلالتها على كماله واستغنائه . { لَهُ الملك وَلَهُ الحمد } قدم الظرفين للدلالة على اختصاص الأمرين به من حيث الحقيقة . { وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } لأن نسبة ذاته المقتضية للقدرة إلى الكل على سواء ثم شرع فيما ادعاه فقال :\r{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ } مقدر كفره موجه إليه ما يحمله عليه . { وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } مقدر إيمانه موفق لما يدعوه إليه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيعاملكم بما يناسب أعمالكم .\r{ خَلقَ السموات والأرض بالحق } بالحكمة البالغة . { وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ } فصوركم من جملة ما خلق فيهما بأحسن صورة ، حيث زينكم بصفوة أوصاف الكائنات ، وخصكم بخلاصة خصائص المبدعات ، وجعلكم أنموذج جميع المخلوقات . { وَإِلَيْهِ المصير } فأحسنوا سرائركم حتى لا يمسخ بالعذاب ظواهركم .\r{ يَعْلَمُ مَا فِى السموات والأرض وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ والله عَلِيمُ بِذَاتِ الصدور } فلا يخفى عليه ما يصح أن يعلم كلياً كان أو جزئياً ، لأن نسبة المقتضى لعلمه إلى الكل واحدة ، وتقديم تقرير القدرة على العلم لأن دلالة المخلوقات على قدرته أولاً وبالذات وعلى علمه بما فيها من الإتقان والاختصاص ببعض الأنحاء .\r{ أَلَمْ يَأْتِكُمْ } يا أيها الكفار . { نَبَأْ الذين كَفَرُواْ مِنْ قَبْلُ } كقوم نوح وهود وصالح عليهم السلام . { فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ } ضرر كفرهم في الدنيا ، وأصله الثقل ومنه الوبيل لطعام يثقل على المعدة ، والوابل المطر الثقيل القطار . { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } في الآخرة .\r{ ذلك } أي المذكور من الوبال والعذاب . { بِأَنَّهُ } بسبب أن الشأن . { كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بالبينات } بالمعجزات . { فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا } أنكروا وتعجبوا من أن يكون الرسل بشراً والبشر يطلق للواحد والجمع . { فَكَفَرُواْ } بالرسل { وَتَوَلَّواْ } عن التدبر في البينات . { واستغنى الله } عن كل شيء فضلاً عن طاعتهم . { والله غَنِىٌّ } عن عبادتهم وغيرها . { حَمِيدٌ } يدل على حمده كل مخلوق .\r{ زَعَمَ الذين كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ } الزعم ادعاء العلم ولذلك يتعدى إلى مفعولين وقد قام مقامهما أن بما في حيزه . { قُلْ بلى } أي بلى تبعثون . { وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ } قسم أكد به الجواب . { ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } بالمحاسبة والمجازاة . { وَذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } لقبول المادة وحصول القدرة التامة .\r{ فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ } محمد E . { والنور الذى أَنزَلْنَا } يعني القرآن فيه بإعجازه ظاهر بنفسه مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه . { والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } فمجاز عليه .\r{ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ } ظرف { لَتُنَبَّؤُنَّ } أو مقدر باذكر ، وقرأ يعقوب «نجمعكم» .","part":5,"page":297},{"id":2298,"text":"{ لِيَوْمِ الجمع } لأجل ما فيه من الحساب والجزاء والجمع جمع الملائكة والثقلين . { ذَلِكَ يَوْمُ التغابن } يغبن فيه بعضهم بعضاً لنزول السعداء منازل الأشقياء لو كانوا سعداء وبالعكس ، مستعار من تغابن التجار واللام فيه للدلالة على أن التغابن الحقيقي هو التغابن في أمور الآخرة لعظمها ودوامها . { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا } أي عملاً صالحاً . { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته وَيُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً } وقرأ نافع وابن عامر بالنون فيهما . { ذلك الفوز العظيم } الإِشارة إلى مجموع الأمرين ، ولذلك جعله الفوز العظيم لأنه جامع للمصالح من دفع المضار وجلب المنافع .","part":5,"page":298},{"id":2299,"text":"{ والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا أُوْلَئِكَ أصحاب النار خالدين فِيهَا وَبِئْسَ المصير } كأنها والآية المتقدمة بيان ل { التغابن } وتفصيل له .\r{ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } إلا بتقديره وإرادته . { وَمَن يُؤْمِن بالله يَهْدِ قَلْبَهُ } للثبات والاسترجاع عند حلولها ، وقرىء { يَهْدِ قَلْبَهُ } بالرفع على إقامته مقام الفاعل وبالنصب على طريقة { سَفِهَ نَفْسَهُ } ويهدأ بالهمزة أي يسكن . { والله بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ } حتى القلوب وأحوالها .\r{ وَأَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا على رَسُولِنَا البلاغ المبين } أي فإن توليتم فلا بأس عليه إذ وظيفته التبليغ وقد بلغ .\r{ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } لأن إيمانهم بأن الكل منه يقتضي ذلك .\r{ ياأيها الذين ءامَنُواْ إِنَّ مِنْ أزواجكم وأولادكم عَدُوّاً لَّكُمْ } يشغلكم عن طاعة الله أو يخاصمكم في أمر الدين أو الدنيا . { فاحذروهم } ولا تأمنوا غوائلهم . { وَأَن تَعْفُواْ } عن ذنوبهم بترك المعاقبة . { وَتَصْفَحُواْ } بالإِعراض وترك التثريب عليها . { وَتَغْفِرُواْ } بإخفائها وتمهيد معذرتهم فيها . { فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يعاملكم بمثل ما عملتم ويتفضل عليكم .\r{ إِنَّمَا أموالكم وأولادكم فِتْنَةٌ } اختبار لكم . { والله عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ } لمن آثر محبة الله وطاعته على محبة الأموال والأولاد والسعي لهم .\r{ فاتقوا الله مَا استطعتم } أي ابذلوا في تقواه جهدكم وطاقتكم . { واسمعوا } مواعظه . { وَأَطِيعُواْ } أوامره . { وَأَنْفِقُواْ } في وجوه الخير خالصاً لوجهه . { خَيْرًا لأَِنْفُسِكُمْ } أي افعلوا ما هو خير لها ، وهو تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر ، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف تقديره : انفاقاً خيراً أو خبراً لكان مقدراً جواباً للأوامر . { وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المفلحون } سبق تفسيره .\r{ إِن تُقْرِضُواْ الله } تصرفوا المال فيما أمره . { قَرْضًا حَسَنًا } مقروناً بإخلاص وطيب قلب . { يضاعفه لَكُمْ } . يجعل لكم بالواحد عشراً إلى سبعمائة وأكثر ، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب «يضعفه لكم» . { وَيَغْفِرْ لَكُمْ } ببركة الإنفاق . { والله شَكُورٌ } يعطي الجزيل بالقليل . { حَلِيمٌ } لا يعاجل بالعقوبة .\r{ عالم الغيب والشهادة } لا يخفي عليه شيء . { العزيز الحكيم } تام القدرة والعلم .\rعن النبي A \" من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة \" والله أعلم .","part":5,"page":299},{"id":2300,"text":"{ مدنية وآيها اثنتا عشرة أو إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rياأيها النبى إِذَا طَلَّقْتُمُ النساء } خص النداء وعم الخطاب بالحكم لأنه أمام أمته فنداؤه كندائهم ، أو لأن الكلام معه والحكم يعمهم . والمعنى إذا أردتم تطليقهن على تنزيل المشارف له منزلة الشارع فيه . { فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أي في وقتها وهو الطهر ، فإن اللام في الأزمان وما يشبهها للتأقيت ، ومن عدة العدة بالحيض علق اللام بمحذوف مثل مستقبلات ، وظاهره يدل على أن العدة بالأطهار وأن طلاق المعتدة بالأقراء ينبغي أن يكون في الطهر ، وأنه يحرم في الحيض من حيث إن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده ولا يدل على عدم وقوعه ، إذ النهي لا يستلزم الفساد ، كيف و « قد صح أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما طلق امرأته حائضاً أمره النبي A بالرجعة وهو سبب نزوله » . { وَأَحْصُواْ العدة } واضبطوها وأكملوها ثلاثة أقراء . { واتقوا الله رَبَّكُمْ } في تطويل العدة والإِضرار بهن . { لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ } من مساكنهن وقت الفراق حتى تنقضي عدتهن . { وَلاَ يَخْرُجْنَ } باستبدادهن أما لو اتفقا على الانتقال جاز إذ الحق لا يعدوهما ، وفي الجمع بين النهيين دلالة على استحقاقهما السكنى ولزومها ملازمة مسكن الفراق وقوله : { إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ } مستثنى من الأول ، والمعنى إلا أن تبذو على الزوج فإنه كالنشوز في إسقاط حقها ، أو إلا أن تزني فتخرج لإِقامة الحد عليها ، أو من الثاني للمبالغة في النهي والدلالة على أن خروجها فاحشة . { وَتِلْكَ حُدُودُ الله } الإشارة إلى الأحكام المذكورة . { وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } بأن عرضها للعقاب . { لا تَدْرِى } أي النفس أو أنت أيها النبي أو المطلق . { لَعَلَّ الله يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً } وهو الرغبة في المطلقة برجعة أو استئناف .\r{ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } شارفن آخر عدتهن . { فَأَمْسِكُوهُنَّ } فراجعوهن . { بِمَعْرُوفٍ } بحسن عشرة وإنفاق مناسب ، { أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ } بإيفاء الحق واتقاء الضرار مثل أن يراجعها ثم يطلقها تطويلاً لعدتها . { وَأَشْهِدُواْ ذَوِى عَدْلٍ مّنْكُمْ } على الرجعة أو الفرقة تبرياً عن الريبة وقطعاً للتنازع ، وهو ندب كقوله تعالى : { وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ } وعن الشافعي وجوبه في الرجعة . { وَأَقِيمُواْ الشهادة } أيها الشهود عند الحاجة . { لِلَّهِ } خالِصاً لوجهه . { ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ } يريد الحث على الإِشهاد والإِقامة ، أو على جميع ما في الآية . { مَن كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر } فإنه المنتفع به والمقصود بذكره . { وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً } .\r{ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ } جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق بالوعد على الإِتقاء عما نهى عنه صريحاً أو ضمناً من الطلاق في الحيض ، والإِضرار بالمعتدة وإخراجها من المسكن ، وتعدي حدود الله وكتمان الشهادة وتوقع جعل على إقامتها بأن يجعل الله له مخرجاً مما في شأن الأزواج من المضايق والغموم ، ويرزقه فرجاً وخلفاً من وجه لم يخطر بباله .","part":5,"page":300},{"id":2301,"text":"أو بالوعد لعامة المتقين بالخلاص عن مضار الدارين والفوز بخيرهما من حيث لا يحتسبون . أو كلام جيء به للاستطراد عند ذكر المؤمنين . وعنه A \" إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم» . { وَمَن يَتَّقِ الله } فما زال يقرؤها ويعيدها \" وروي «أن سالم بن عوف بن مالك الأشجعي أسره العدو ، فشكا أبوه إلى رسول الله A فقال له \" اتق الله وأكثر قول : لا حول ولا قوة إلا بالله . ففعل فبينما هو في بيته إذ قرع ابنه الباب ومعه مائة من الإِبل غفل عنها العدو فاستاقها \" وفي رواية \" رجع ومعه غنيمات ومتاع \" { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } كَافية . { إِنَّ الله بالغ أَمْرِهِ } يبلغ ما يريده ولا يفوته مراد ، وقرأ حفص بالإِضافة ، وقرىء { بالغ أَمْرِهِ } أي نافذ و«بالغا» على أنه حال والخبر : { قَدْ جَعَلَ الله لِكُلّ شَىْءٍ قَدْراً } تقديراً أو مقدراً ، أو أجلاً لا يتأتى تغييره ، وهو بيان لوجوب التوكل وتقرير لما تقدم من تأقيت الطلاق بزمان العدة والأمر بإحصائها ، وتمهيد لما سيأتي من مقاديرها .\r{ واللاتى يَئِسْنَ مِنَ المحيض مِن نّسَائِكُمْ } لكبرهن . { إِنِ ارتبتم } شككتم في عدتهن أي جهلتهم . { فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثة أَشْهُرٍ } روي أنه لما نزل { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء } قيل فما عدة الَّلاتي لم يحضن فنزلت . { واللاتي لَمْ يَحِضْنَ } أي واللاتي لم يحضن بعد كذلك . { وأولات الأحمال أَجَلُهُنَّ } منتهى عدتهن . { أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } وهو حكم يعم المطلقات والمتوفى عنهم أزواجهن ، والمحافظة على عمومه أولى من محافظة عموم قوله تعالى : { والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أزواجا } لأن عموم أولات الأحمال بالذات وعموم أزواجا بالعرض ، والحكم معلل ها هنا بخلافه ثمة ، ولأنه صح أن سبيعة بنت الحرث وضعت بعد وفاة زوجها بليال فذكرت ذلك لرسول الله A فقال \" قد حللت فتزوجي \" ولأنه متأخر النزول فتقديمه في العمل تخصيص وتقديم الآخر بناء للعام على الخاص والأول راجح للوفاق عليه . { وَمَن يَتَّقِ الله } في أحكامه فيراعي حقوقها . { يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً } يسهل عليه أمره ويوفقه للخير .\r{ ذَلِكَ أَمْرُ الله } إشارة إلى ما ذكر من الأحكام . { أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ الله } في أحكامه فيراعي حقوقها . { يُكَفّرْ عَنْهُ سيئاته } فإن الحسنات يذهبن السيئات { وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً } بالمضاعفة .\r{ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم } أي مكان من مكان سكناكم . { مّن وُجْدِكُمْ } من وسعكم أي مما تطيقونه ، أو عطف بيان لقوله من { حَيْثُ سَكَنتُم } . { وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ } في السكنى . { لِتُضَيّقُواْ عَلَيْهِنَّ } فتلجئوهن إلى الخروج . { وَإِن كُنَّ أولات حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حتى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ } فيخرجن من العدة ، وهذا يدل على اختصاص استحقاق النفقة بالحامل من المعتدات والأحاديث تؤيده . { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ } بعد انقطاع علقة النكاح . { فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } على الإِرْضَاع . { وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ } وليأمر بعضكم بعضاً بجميل في الإِرضاع والأجر . { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ } تضايقتم . { فَسَتُرْضِعُ لَهُ أخرى } امرأة أخرى ، وفيه معاتبة للأم على المعاسرة .","part":5,"page":301},{"id":2302,"text":"{ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا ءاتَاهُ الله } أي فلينفق كل من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه . { لاَ يُكَلّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَا ءاتَاهَا } فَإِنه تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ، وفيه تطييب لقلب المعسر ولذلك وعد له باليسر فقال : { سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً } أي عاجلاً وآجلاً .\r{ وَكَأَيّن مّن قَرْيَةٍ } أهل قرية . { عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ } أعرضت عنه إعراض العاتي المعاند . { فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً } بالاستقصاء والمناقشة . { وعذبناها عَذَاباً نُّكْراً } منكراً والمراد حساب الآخرة ، وعذابها والتعبير بلفظ الماضي للتحقيق .\r{ فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا } عقوبة كفرها ومعاصيها . { وَكَانَ عاقبة أَمْرِهَا خُسْراً } لا ربح فيه أصلاً .\r{ أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً } تكرير للوعيد وبيان لما يوجب التقوى المأمور بها في قوله : { فاتقوا الله ياأولى الألباب } ويجوز أن يكون المراد بالحساب استقصاء ذنوبهم وإثباتها في صحف الحفظة ، وبالعذاب ما أصيبوا به عاجلاً . { الذين ءامَنُواْ قَدْ أَنزَلَ الله إِلَيْكُمْ ذِكْراً } .\r{ رَسُولاً } يعني بالذكر جبريل عليه السلام لكثرة ذكره ، أو لنزوله بالذكر وهو القرآن ، أو لأنه مذكور في السموات أو ذا ذكر أي شرف ، أو محمداً E لمواظبته على تلاوة القرآن ، أو تبليغه وعبر عن إرساله بالإِنزال ترشيحاً ، أو لأنه مسبب عن إنزال الوحي إليه ، وأبدل منه { رَسُولاً } للبيان أو أراد به القرآن ، و { رَسُولاً } . منصوب بمقدر مثل أرسل أو ذكراً مصدر ورسولاً مفعوله أو بدله على أنه بمعنى الرسالة . { يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيات الله مبينات } حال من اسم { الله } أو صفة { رَسُولاً } ، والمراد ب { الذين كَفَرُواْ } في قوله : { لّيُخْرِجَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } الذين آمنوا بعد إنزاله أي ليحصل لهم ما هم عليه الآن من الإيمان والعمل الصالح أو ليخرج من علم أو قدر أنه يؤمن { مِنَ الظلمات إِلَى النور } من الضلالة إلى الهدى . { وَمَن يُؤْمِن بالله وَيَعْمَلْ صالحا يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً } وقرأ نافع وابن عامر «ندخله» بالنون . { قَدْ أَحْسَنَ الله لَهُ رِزْقاً } فيه تعجيب وتعظيم لما رزقوا من الثواب .\r{ الله الذى خَلَقَ سَبْعَ سموات } مبتدأ وخبر . { وَمِنَ الأرض مِثْلَهُنَّ } أي وخلق مثلهن في العدد من الأرض ، وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر : { يَتَنَزَّلُ الأمر بَيْنَهُنَّ } أي يجري أمر الله وقضاؤه بينهن وينفذ حكمه فيهن . { لّتَعْلَمُواْ أَنَّ الله على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَىْءٍ عِلْمَا } علة ل { خلقَ } أو ل { يَتَنَزَّلُ } ، أو مضمر يعمهما فإن كلا منهما يدل على كمال قدرته وعلمه .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله A \" .","part":5,"page":302},{"id":2303,"text":"مدنية وآيها اثنتا عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ياأيها النبى لِمَ تُحَرّمُ مَا أَحَلَّ الله لَكَ } « روي أنه E خلا بمارية في نوبة عائشة رضي الله تعالى عنها أو حفصة ، فاطلعت على ذلك حفصة فعاتبته فيه فحرم مارية فنزلت . وقيل شرب عسلاً عند حفصة ، فواطأت عائشة سودة وصفية فقلن له إنا نشمُّ منك ريح المعافير فحرم العسل فنزلت » . { تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَجِكَ } تفسير ل { تُحَرّمُ } أو حال من فاعله أو استئناف لبيان الداعي إليه . { والله غَفُورٌ } لك هذه الزلة فإنه لا يجوز تحريم ما أحله الله . { رَّحِيمٌ } رحمك حيث لم يؤاخذك به وعاتبك محاماة على عصمتك .\r{ قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } قد شرع لكم تحليلها وهو حل ما عقَّدتهُ بالكفارة ، أو الاستثناء فيها بالمشيئة حتى لا تحنث من قولهم : حلل في يمينه إذا استثنى فيها ، واحتج بها من رأى التحريم مطلقاً أو تحريم المرأة يميناً ، وهو ضعيف إذ لا يلزم من وجوب كفارة اليمين فيه كونه يميناً مع احتمال أنه E أتى بلفظ اليمين كما قيل { والله مولاكم } متولي أمركم { وَهُوَ العليم } بما يصلحكم { الحكيم } المتقن في أفعاله وأحكامه { وَإِذَ أَسَرَّ النبى إلى بَعْضِ أزواجه } يعني حفصة { حَدِيثاً } تحريم مارية أو العسل أو أن الخلافة بعده لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما { فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ } أي فلما أخبرت حفصة عائشة رضي الله تعالى عنهما بالحديث { وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ } واطلع النبي E على الحديث أي على إفشائه . { عَرَّفَ بَعْضَهُ } عرف الرسول A حفصة بعض ما فعلت . { وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ } عن أعلام بعض تكرماً أو جازاها على بعض بتطليقه إياها وتجاوز عن بعض ، ويؤيده قراءة الكسائي بالتخفيف فإنه لا يحتمل ههنا غيره لكن المشدد من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والمخفف بالعكس ، ويؤيد الأول قوله : { فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هذا قَالَ نَبَّأَنِىَ العليم الخبير } فإنه أوفق للإِسلام .\r{ إِن تَتُوبَا إِلَى الله } خطاب لحفصة وعائشة على الالتفات للمبالغة في المعاتبة . { فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } فقد وجد منكما ما يوجب التوبة ، وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة رسول الله E بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه . { وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ } وإن تتظاهرا عليه بما يسؤوه ، وقرأ الكوفيون بالتخفيف . { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } فلن يعدم من يظاهره من الله والملائكة وصلحاء المؤمنين ، فإن الله ناصره وجبريل رئيس الكروبيين قرينه ، ومن صلح من المؤمنين أتباعه وأعوانه .","part":5,"page":303},{"id":2304,"text":"{ وَالْمَلَئِكَةُ بَعْدَ ذلك ظَهِيرٌ } متظاهرون ، وتخصيص جبريل عليه السلام لتعظيمه ، والمراد بالصالح الجنس ولذلك عمم بالإِضافة وبقوله بعد ذلك تعظيم لمظاهرة الملائكة من جملة ما ينصره الله تعالى به .\r{ عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزواجا خَيْراً مّنكُنَّ } على التغليب ، أو تعميم الخطاب ، وليس فيه ما يدل على أنه لم يطلق حفصة وأن في النساء خيراً منهن لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة والمعلق بما لم يقع لا يجب وقوعه ، وقرأ نافع وأبو عمرو { يُبْدِلَهُ } بالتخفيف . { مسلمات مؤمنات } مقرات مخلصات أو منقادات مصدقات . { قانتات } مصليات أو مواظبات على الطاعات . { تائبات } عن الذنوب . { عابدات } متعبدات أو متذللات لأمر الرسول E . { سائحات } صائمات سمي الصائم سائحاً لأنه يسبح بالنهار بلا زاد ، أو مهاجرات . { ثيبات وَأَبْكَاراً } وسط العاطف بينهما لتنافيهما ولأنهما في حكم صفة واحدة إذ المعنى مشتملات على الثبيات والأبكار .","part":5,"page":304},{"id":2305,"text":"{ ياأيها الذين ءامَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ } بترك المعاصي وفعل الطاعات . { وَأَهْلِيكُمْ } بالنصح والتأديب ، وقرىء و «أهلوكم» عطف على واو { قُواْ } ، فيكون { أَنفُسَكُمْ } أنفس القبيلين على تغليب المخاطبين . { نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة } ناراً تتقد بهما اتقاد غيرها بالحطب . { عَلَيْهَا مَلَئِكَةٌ } تلِي أمرها وهم الزبانية . { غِلاَظٌ شِدَادٌ } غلاظ الأقوال شداد الأفعال ، أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة . { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ } فيما مضى . { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } فيما يستقبل ، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به .\r{ ياأيها الذين كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ اليوم إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي يقال لهم ذلك عند دخولهم النار ، والنهي عن الاعتذار لأنه لا عذر لهم أو العذر لا ينفعهم .\r{ ي { أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً } بالغة في النصح وهو صفة التائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة ، وصفت به على الإِسناد المجازي مبالغة أو في النصاحة ، وهي الخياطة كأنها تنصح ما خرق الذنب . وقرأ أبو بكر بضم النون وهو مصدر بمعنى النصح كالشكر والشكور ، و النصاحة كالثبات والثبوت تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحاً ، أو توبوا نصوحاً لأنفسكم . وسئل علي رضي الله تعالى عنه عن التوبة فقال : يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة ، وللفرائض الإعادة ، ورد المظالم ، واستحلال الخصوم ، وأن تعزم على أن لا تعود ، وأن تربي نفسك في طاعة الله كما ربيتها في المعصية . { عسى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سيئاتكم وَيُدْخِلَكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار } ذكر بصيغة الأطماع جرياً على عادة الملوك ، وإشعاراً بأنه تفضل والتوبة غير موجبة وأن العبد ينبغي أن يكون بين خوف ورجاء . { يَوْمَ لاَّ يُخْزِى الله النبى } ظرف ل { يدخلكم } { والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } عطف على النبي E إحماداً لهم وتعريضاً لمن ناوأهم ، وقيل مبتدأ خبره : { نُورُهُمْ يسعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } أي على الصراط . { يَقُولُونَ } إذا طفىء نور المنافقين . { رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا واغفر لَنَا إِنَّكَ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } وقيل تتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلاً .\r{ ا ياأيها النبى جاهد الكفار } بالسيف { والمنافقين } بالحجة . { واغلظ عَلَيْهِمْ } واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم به إذا بلغ الرفق مداه . { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المصير } جهنم أو مأواهم .\r{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ } مَثَّلَ الله تعالى حالهم في أنهم يعاقبون بكفرهم ولا يحابون بما بينهم وبين النبي A والمؤمنين من النسبة بحالهما . { كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صالحين } يريد به تعظيم نوح ولوط عليهما السلام . { فَخَانَتَاهُمَا } بالنفاق . { فَلَمْ يُغْنِينَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً } فلم يغن النبيان عنهما بحق الزواج شيئاً إغناء ما . { وَقِيلَ } أي لهما عند موتهما أو يوم القيامة . { ادخلا النار مَعَ الداخلين } مع سائر الداخلين من الكفرة الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء عليهم السلام .","part":5,"page":305},{"id":2306,"text":"{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ } شبه حالهم في أن وصلة الكافرين لا تضرهم بحال آسية Bها ومنزلتها عند الله مع أنها كانت تحت أعدى أعداء الله . { إِذْ قَالَتِ } ظرف للمثل المحذوف . { رَبّ ابن لِى عِندَكَ بَيْتاً فِى الجنة } قريباً من رحمتك أو في أعلى درجات المقربين . { وَنَجّنِى مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ } من نفسه الخبيثة وعمله السيء . { وَنَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } من القبط التابعين له في الظلم .\r{ وَمَرْيَمَ ابنة عِمْرَانَ } عطف على { امرأة فِرْعَوْنَ } تسلية للأرامل . { التى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا } من الرجال { فَنَفَخْنَا فِيهِ } في فرجها ، وقرىء «فيها» أي في { مَرْيَمَ } أو في الجملة . { مِن رُّوحِنَا } من روح خلقناه بلا توسط أصل . { وَصَدَّقَتْ بكلمات رَبَّهَا } بصحفه المنزلة أو بما أوحى إلى أنبيائه . { وَكِتَابِهِ } وَما كتب في اللوح المحفوظ ، أو جنس الكتب المنزلة وتدل عليه قراءة البصريين وحفص بالجمع ، وقرىء «بكلمة الله وكتابه» أي بعيسى عليه السلام والإِنجيل . { وَكَانَتْ مِنَ القانتين } من عداد المواظبين على الطاعة ، والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم ، أو من نسلهم فتكون { مِنْ } ابتدائية .\rعن النبي A \" كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا أربع : آسية بنت مزاحم امرأة فرعون : ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد . وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام \" وعنه E \" من قرأ سورة التحريم آتاه الله توبة نصوحاً \" .","part":5,"page":306},{"id":2307,"text":"{ مكية ، وتسمى الواقية والمنجية لأنها تقي قارئها وتنجيه من عذاب القبر ، وآيها ثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rتَبَارَكَ الذى بِيَدِهِ الملك } بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها . { وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } على كل ما يشاء قدير .\r{ الذى خَلَقَ الموت والحياة } قدرهما أو أوجد الحياة وأزالها حسبما قدره ، وقدم الموت لقوله : { وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم } ولأنه أدعى إلى حسن العمل . { لِيَبْلُوَكُمْ } ليعاملكم المختبر بالتكليف أيها المكلفون . { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } أصوبه وأخلصه ، وجاء مرفوعاً : \" أحسن عقلاً وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعته \" جملة واقعة موقع المفعول ثانياً لفعل البلوى المتضمن معنى العلم ، وليس هذا من باب التعليق لأنه يخل به وقوع الجملة خبراً لما لا يعلق الفعل عنها بخلاف ما إذا وقعت موقع المفعولين . { وَهُوَ العزيز } الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل . { الغفور } لمن تاب منهم .\r{ الذى خَلَقَ سَبْعَ سموات طِبَاقاً } مطابقة بعضها فوق بعض مصدر طابقت النعل إذا خلطتها طبقاً على طبق وصف به ، أو طوبقت طباقاً أو ذات طباق جمع طبق كجبل وجبال ، أو طبقة كرحبة ورحاب . { مَّا ترى فِى خَلْقِ الرحمن مِن تفاوت } وقرأ حمزة والكسائي «من تفوت» ومعناهما واحد كالتعاهد والتعهد ، وهو الاختلاف وعدم التناسب من الفوت كأن كلا من المتفاوتين فات عنه بعض ما في الآخر ، والجملة صفة ثانية ل { سَبْعَ } وضع فيها خلق الرحمن موضع الضمير للتعظيم ، والإِشعار بأنه تعالى يخلق مثل ذلك بقدرته الباهرة رحمة وتفضلاً ، وأن في إبداعها نعماً جليلة لا تحصى ، والخطاب فيها للرسول أو لكل مخاطب وقوله : { فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ } متعلق به على معنى التسبب أي قد نظرت إليها مراراً فانظر إليها مرة أخرى متأملاً فيها لتعاين ما أخبرت به من تناسبها واستقامتها واستجماعها ما ينبغي لها ، وال { فُطُورٍ } الشقوق والمراد الخلل من فطره إذا شقه .\r{ ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي رجعتين أخريين في ارتياد الخلل والمراد بالتثنية التكرير والتكثير كما في لبيك وسعديك ، ولذلك أجاب الأمر بقوله : { يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا } بعيداً عن إصابة المطلوب كأنه طرد عنه طرداً بالصغار { وَهُوَ حَسِيرٌ } كليل من طول المعاودة وكثرة المراجعة .\r{ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا } أقرب السموات إلى الأرض . { بمصابيح } بالكواكب المضيئة بالليل إضاءة السرج فيها ، والتنكير للتعظيم ولا يمنع ذلك كون بعض الكواكب مركوزة في سموات فوقها إذ التزيين بإظهارها فيها . { وجعلناها رُجُوماً للشياطين } وجعلنا لها فائدة أخرى وهي رجم أعدائكم ، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو مصدر سمي به ما يرجم به بانقضاض الشهب المسببة عنها . وقيل معناه وجعلناها رجوماً وظنوناً لشياطين الإِنس وهم المنجمون . { وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السعير } في الآخرة بعد الإِحراق بالشهب في الدنيا .","part":5,"page":307},{"id":2308,"text":"{ والذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } من الشياطين وغيرهم . { عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المصير } وقرىء بالنصب على أن { لِلَّذِينَ } عطف على { لَهُمْ } و { عَذَابِ } على { عَذَابِ السعير } .\r{ إِذَا أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقًا } صوتاً كصوت الحمير . { وَهِىَ تَفُورُ } تغلي بهم غليان المرجل بما فيه .\r{ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ } تتفرق غيظاً عليهم ، وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ، ويجوز أن يراد غيظ الزبانية . { كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ } جماعة من الكفرة . { سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ } يخوفكم هذا العذاب وهو توبيخ وتبكيت .\r{ قَالُواْ بلى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَىْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِى ضلال كَبِيرٍ } أي فكذبنا الرسل وأفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإِنزال والإِرسال رأساً ، وبلغنا في نسبتهم إلى الضلال ، فالنذير إما بمعنى الجمع لأنه فعيل أو مصدر مقدر بمضاف أي أهل إنذار ، أو منعوت به للمبالغة أو الواحد والخطاب له ولأمثاله على التغليب ، أو إقامة تكذيب الواحد مقام تكذيب الكل ، أو على أن المعنى قالت الأفواج قد جاء إلى كل فوج منا رسول من الله فكذبناهم وضللناهم ، ويجوز أن يكون الخطاب من كلام الزبانية للكفار على إرادة القول فيكون الضلال ما كانوا عليه في الدنيا ، أو عقابه الذي يكونون فيه .\r{ وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ } كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتماداً على ما لاح من صدقهم بالمعجزات . { أَوْ نَعْقِلُ } فنتفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين . { مَا كُنَّا فِى أصحاب السعير } في عدادهم ومن جملتهم .\r{ فاعترفوا بِذَنبِهِمْ } حين لا ينفعهم ، والاعتراف إقرار عن معرفة ، والذنب لم يجمع لأنه في الأصل مصدر ، أو المراد به الكفر . { فَسُحْقًا لأصحاب السعير } فأسحقهم الله سحقاً أبعدهم من رحمته ، والتغليب للإِيجاز والمبالغة والتعليل وقرأ الكسائي بالتثقيل .\r{ إِنَّ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بالغيب } يخافون عذابه غائباً عنهم لم يعاينوه بعد ، أو غائبين عنه أو عن أعين الناس ، أو بالمخفي منهم وهو قلوبهم . { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم . { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } تصغر دونه لذائذ الدنيا .\r{ وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجهروا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } بالضمائر قبل أن يعبر عنها سراً أو جهراً .","part":5,"page":308},{"id":2309,"text":"{ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } ألا يعلم السر والجهر من أوجد الأشياء حسبما قدرته حكمته . { وَهُوَ اللطيف الخبير } المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن ، أو ألا يعلم الله من خلقه ، وهو بهذه المثابة والتقييد بهذه الحال يستدعي أن يكون ل { يَعْلَمْ } مفعول ليفيد ، روي : أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء ، فيخبر الله بها رسوله A فيقولون : أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد فنبه الله على جهلهم .\r{ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً } لينة يسهل لكم السلوك فيها . { فامشوا فِى مَنَاكِبِهَا } في جوانبها أو جبالها ، وهو مثل لفرط التذليل فإن منكب البعير ينبو عن أن يطأه الراكب ولا يتذلل له ، فإذا جعل الأرض في الذل بحيث يمشي في مناكبها لم يبق شيء لم يتذلل . { وَكُلُواْ مِن رّزْقِهِ } والتمسوا من نعم الله . { وَإِلَيْهِ النشور } المرجع فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم .\r{ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِى السماء } يعني الملائكة الموكلين على تدبير هذا العالم ، أو الله تعالى على تأويل { مَّن فِى السماء } أمره أو قضاؤه ، أو على زعم العرب فإنهم زعموا أنه تعالى في السماء ، وعن ابن كثير «وامنتم» بقلب الهمزة الأولى واواً لانضمام ما قبلها ، «وآمنتم» بقلب الثانية ألفاً ، وهو قراءة نافع وأبي عمرو ورويس . { أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض } فيغيبكم فيها كما فعل بقارون وهو بدل الاشتمال . { فَإِذَا هِىَ تَمُورُ } تضطرب ، والمور التردد في المجيء والذهاب .\r{ أَمْ أَمِنتُمْ مّن فِى السماء أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصبا } أن يمطر عليكم حصباء . { فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } كيف إنذاري إذا شاهدتم المنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ .\r{ وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ } إنكاري عليهم بإنزال العذاب ، وهو تسلية للرسول A وتهديد لقومه المشركين .\r{ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات } باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها ، فإنهن إذا بسطنها صففن قوادمها . { وَيَقْبِضْنَ } ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن وقتاً بعد وقت للاستظهار به على التحريك ، ولذلك عدل به إلى صيغة الفعل للتفرقة بين الأصل في الطيران والطارىء عليه . { مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الجو على خلاف الطبع . { إِلاَّ الرحمن } الشامل رحمته كل شيء بأن خلقهن على أشكال وخصائص هيأتهن للجري في الهواء . { إِنَّهُ بِكُلّ شَىْءٍ بَصِيرٌ } يعلم كيف يخلق الغرائب ويدبر العجائب .\r{ أَمَّنْ هذا الذى هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مّن دُونِ الرحمن } عديل لقوله { أَوَ لَمْ يَرَوْاْ } على معنى أو لم تنظروا في أمثال هذه الصنائع ، فلم تعلموا قدرتنا على تعذيبهم بنحو خسف وإرسال حاصب ، أم لكم جند ينصركم من دون الله إن أرسل عليكم عذابه فهو كقوله","part":5,"page":309},{"id":2310,"text":"{ أَمْ لَهُمْ الِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مّن دُونِنَا } إلا أنه أخرج مخرج الاستفهام عن تعيين من ينصرهم إشعاراً بأنهم اعتقدوا هذا القسم ، و { مِنْ } مبتدأ و { هذا } خبره و { الذى } بصلته صفته و { يَنصُرْكُمُ } وصف ل { جُندٌ } محمول على لفظه . { إِنِ الكافرون إِلاَّ فِى غُرُورٍ } لا معتمد لهم .\r{ أَمَّنْ هذا الذى يَرْزُقُكُمْ } أم من يشار إليه ويقال { هذا الذى يَرْزُقُكُمْ } . { إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ } بإمساك المطر وسائر الأسباب المخلصة والموصلة له إليكم . { بَل لَّجُّواْ } تمادوا . { فِى عُتُوّ } عناد . { وَنُفُورٍ } شراد عن الحق لتنفر طباعهم عنه .\r{ أَفَمَن يَمْشِى مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى } يقال كببته فأكب وهو من الغرائب كقشع الله السحاب فأقشع ، والتحقيق أنهما من باب أنفض بمعنى صار ذا كب وذا قشع ، وليس مطاوعي كب وقشع بل المطاوع لهما أنكب وانقشع ، ومعنى { مُكِبّاً } أنه يعثر كل ساعة ويخر على وجهه لوعورة طريقه واختلاف أجزائه ، ولذلك قابله بقوله : { أَمَّن يَمْشِى سَوِيّاً } قائماً سالماً من العثار . { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } مستوي الأجزاء والجهة ، والمراد تمثيل المشرك والموحد بالسالكين والدينين بالمسلكين ، ولعل الاكتفاء بما في الكب من الدلالة على حال المسلك للإشعار بأن ما عليه المشرك لا يستأهل أن يسمى طريقاً ، كمشي المتعسف في مكان متعاد غير مستو . وقيل المراد بالمكب الأعمى فإنه يتعسف فينكب وبالسوي البصير ، وقيل من { يَمْشِى مُكِبّاً } هو الذي يحشر على وجهه إلى النار ومن { يَمْشِى سَوِيّاً } الذي يحشر على قدميه إلى الجنة .","part":5,"page":310},{"id":2311,"text":"{ قُلْ هُوَ الذى أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السمع } لتسمعوا المواعظ . { والأبصار } لتنظروا صنائعه . { والأفئدة } لتتفكروا وتعتبروا . { قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } باستعمالها فيما خلقت لأجلها .\r{ قُلْ هُوَ الذى ذَرَأَكُمْ فِى الأضرض وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } للجزاء .\r{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } أي الحشر أو ما وعدوا به من الخسف والحاصب . { إِن كُنتُمْ صادقين } يعنون النبي E والمؤمنين .\r{ قُلْ إِنَّمَا العلم } أي علم وقته . { عَندَ الله } لا يطلع عليه غيره . { وَإِنَّمَا أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } والإِنذار يكفي فيه العلم بل الظن بوقوع المحذر منه .\r{ فَلَمَّا رَأَوْهُ } أي الوعد فإنه بمعنى الموعود . { زُلْفَةً } ذا زلفة أي قرب منهم . { سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ } بأن علتها الكآبة وساءتها رؤية العذاب . { وَقِيلَ هذا الذى كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ } تطلبون وتستعجلون تفتعلون من الدعاء ، أو { تَدْعُونَ } أن لا بعث فهو من الدعوى .\r{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِىَ الله } أماتني . { وَمَن مَّعِىَ } من المؤمنين . { أَوْ رَحِمَنَا } بتأخير آجالنا . { فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } أي لا ينجيهم أحد من العذاب متنا أو بقينا ، وهو جواب لقولهم { نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون } { قُلْ هُوَ الرحمن } الذي أدعوكم إليه مولى النعم كلها . { آمَنَّا بِهِ } للعلم بذلك { وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا } للوثوق عليه والعلم بأن غيره بالذات لا يضر ولا ينفع ، وتقديم الصلة للتخصيص والإِشعار به . { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِى ضلال مُّبِينٍ } منا ومنكم ، وقرأ الكسائي بالياء .\r{ قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً } غائراً في الأرض بحيث لا تناله الدلاء مصدر وصف به . { فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَّعِينٍ } جار أو ظاهر سهل المأخذ .\rعن النبي A « من قرأ سورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر » .","part":5,"page":311},{"id":2312,"text":"مكية وآيها ثنتان وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ن } من أسماء الحروف ، وقيل اسم الحوت والمراد به الجنس أو البهموت وهو الذي عليه الأرض ، أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أشد سواداً من النفس يكتب به ، ويؤيد الأول سكونه وكتبه بصورة الحرف . { والقلم } وهو الذي خط اللوح ، أو الذي يخط به أقسم به تعالى لكثرة فوائده وأخفى ابن عامر والكسائي ويعقوب النون إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل ، فإن النون الساكنة تخفى مع حروف الفم إذا اتصلت بها . وقد روي ذلك عن نافع وعاصم ، وقرئت بالفتح والكسر ك { ص } . { وَمَا يَسْطُرُونَ } وما يكتبون والضمير ل { القلم } بالمعنى الأول على التعظيم ، أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس وإسناد الفعل إلى الأدلة وإجراؤه مجرى أولي العلم لإِقامته مقامهم ، أو لأصحابه أو للحفظة و { مَا } مصدرية أو موصولة .\r{ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ } جواب القسم والمعنى ما أنت بمجنون منعماً عليك بالنبوة وحصافة الرأي ، والعامل في الحال معنى النفي وقيل { بِمَجْنُونٍ } الباء لا تمنع عمله فيما قبله لأنها مزيدة ، وفيه نظر من حيث المعنى .\r{ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً } على الاحتمال والإبلاغ . { غَيْرَ مَمْنُونٍ } مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط .\r{ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } إذ تتحمل من قومك ما لا يتحمل أمثالك ، وسئلت عائشة رضي الله تعالى عنها عن خلقه A فقالت : كان خلقه القرآن ، ألست تقرأ القرآن { قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون } .\r{ فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ بِأَيّكُمُ المفتون } أيكم الذي فتن بالجنون والباء مزيدة ، أو بأيكم الجنون على أن المفتون مصدر كالمعقول والمجلود ، أو بأي الفريقين منكم المجنون أبفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين ، أي في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم .\r{ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } وهم المجانين على الحقيقة . { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } الفائزين بكمال العقل .\r{ فَلاَ تُطِعِ المكذبين } تهييج للتصميم على معاصاتهم .\r{ وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ } تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك ، أو توافقهم فيه أحياناً . { فَيُدْهِنُونَ } فيلاينونك بترك الطعن والموافقة ، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن ، أو للسببية أي { وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ } فهم يدهنون حينئذ ، أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعاً فيه ، وفي بعض المصاحف «فيدهنوا» على أنه جواب التمني .\r{ وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ } كثير الحلف في الحق والباطل . { مُّهِينٌ } حقير الرأي من المهانة وهي الحقارة .","part":5,"page":312},{"id":2313,"text":"{ هَمَّازٍ } عياب . { مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } نقال للحديث على وجه السعاية . { مَّنَّاعٍ لّلْخَيْرِ } يمنع الناس عن الخير من الإِيمان والإِيقان والعمل الصالح . { مُعْتَدٍ } متجاوز في الظلم . { أَثِيمٍ } كثير الآثام .\r{ عُتُلٍ } جافٍ غليظ من عتله إذا قاده بعنف وغلظة . { بَعْدَ ذَلِكَ } بعدما عد من مثالبه . { زَنِيمٍ } دعي مأخوذ من زنمتي الشاة وهما المتدليتان من أذنها وحلقها ، قيل هو الوليد بن المغيرة ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة من مولده . وقيل الأخنس بن شريق أصله من ثقيف وعداده في زهرة .\r{ أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } قال ذلك حينئذ لأنه كان متمولاً مستظهراً بالبنين من فرط غروره ، لكن العامل مدلول قال لانفسه ، لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله ، ويجوز أن يكون علة ل { لاَ تطع } أي لا تطع من هذه مثاله لأن كان ذا مال . وقرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب وأبو بكر «أن كان» على الاستفهام ، غير أن ابن عامر جعل الهمزة الثانية بين بين أي «الأن كان ذا مال» كذب ، أو أتطيعه لأن كان ذا مال . وقرىء «أن كان» بالكسر على أن شرط الغنى في النهي عن الطاعة كالتعليل بالفقر في النهي عن قتل الأولاد ، أو { أن } شرطه للمخاطب أي لا تطعه شارطاً يساره لأنه إذا أطاع للغني فكأنه شرطه في الطاعة .\r{ سَنَسِمُهُ } بالكي . { عَلَى الخرطوم } على الأنف وقد أصاب أنف الوليد جراحة يوم بدر فبقي أثره ، وقيل هو عبارة عن أن يذله غاية الإِذلال كقولهم : جدع أنفه ، رغم أنفه ، لأن السمة على الوجه سيما على الأنف شين ظاهر ، أو نسود وجهه يوم القيامة .\r{ إِنَّا بلوناهم } بلونا أهل مكة شرفها الله تعالى ، بالقحط . { كَمَا بَلَوْنَا أصحاب الجنة } يريد البستان الذي كان دون صنعاء بفرسخين ، وكان لرجل صالح وكان ينادي الفقراء وقت الصرام ويترك لهم ما أخطأه المنجل وألقته الريح ، أو بعد من البساط الذي يبسط تحت النخلة فيجتمع لهم شيء كثير ، فلما مات قال بنوه إن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق علينا الأمر ، فحلفوا { لَيَصْرِمُنَّهَا } وقت الصباح خفية عن المساكين كما قال : { إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ } ليقطعنها داخلين في الصباح .\r{ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } ولا يقولون إن شاء الله ، وإنما سماه استثناء لما فيه من الإِخراج غير أن المخرج به خلاف المذكور والمخرج بالاستثناء عينه ، أو لأن معنى لأخرج إن شاء الله ولا أخرج إلى أن يشاء الله واحد ، أو { وَلاَ يَسْتَثْنُونَ } حصة المساكين كما كان يخرج أبوهم .\r{ فَطَافَ عَلَيْهَا } على الجنة . { طَئِفٌ } بلاء طائف . { مِن رَبّكَ } مبتدأ منه . { وَهُمْ نَائِمُونَ } .\r{ فَأَصْبَحَتْ كالصريم } كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء .","part":5,"page":313},{"id":2314,"text":"فعيل بمعنى مفعول ، أو كالليل باحتراقها واسودادها ، أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليبس سميا بالصريم لأن كلا منهما ينصرم عن صاحبه أو كالرمل .\r{ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ } أن أخرجوا أو بأن أخرجوا إليه غدوة ، وتعدية الفعل بعلى إما لتضمنه معنى الاقبال أو لتشبيه الغدو للصرام بغدو العدو المتضمن لمعنى الاستيلاء . { إِن كُنتُمْ صارمين } قاطعين له .\r{ فانطلقوا وَهُمْ يتخافتون } يتشاورون فيما بينهم وخفى وخفت وخفد بمعنى الكتم ، ومنه الخفدود للخفاش .\r{ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا اليوم عَلَيْكُمْ مّسْكِينٌ } { إن } مفسرة وقرىء بطرحها على إضمار القول ، والمراد بنهي المسكين عن الدخول المبالغة في النهي عن تمكينه من الدخول كقولهم : لا أرينك ها هنا .\r{ وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قادرين } وغدوا قادرين على نكد لا غير ، من حاردت السنة إذا لم يكن فيها مطر ، وحاردت الإِبل إذا منعت درها . والمعنى أنهم عزموا أن يتنكدوا على المساكين فتنكد عليهم بحيث لا يقدرون إلا على النكد ، أو غدوا حاصلين على النكد والحرمان مكان كونهم قادرين على الانتفاع . وقيل الحرد بمعنى الحرد وقد قرىء به أي لم يقدروا إلا على حنق بعضهم لبعض كقوله : { يتلاومون } وقيل الحرد والقصد والسرعة قال :\rأَقْبَلَ سَيْلُ جَاءَ مِنْ أَمْر ... الله يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغلَّة\rأي غدوا قاصدين إلى جنتهم بسرعة قادرين عند أنفسهم على صرامها وقيل علم للجنة .\r{ فَلَمَّا رَأَوْهَا } أول ما رأوها . { قَالُواْ إِنَّا لَضَالُّونَ } طريق جنتنا وما هي بها .","part":5,"page":314},{"id":2315,"text":"{ بَلْ نَحْنُ } أي بعد ما تأملوه وعرفوا أنها هي قالوا { بَلْ نَحْنُ } { مَحْرُومُونَ } حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا .\r{ قَالَ أَوْسَطُهُمْ } رأياً ، أو سناً . { أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبّحُونَ } لولا تذكرونه وتتوبون إليه من خبث نيتكم ، وقد قاله حينما عزموا على ذلك ويدل على هذا المعنى .\r{ قَالُواْ سبحان رَبّنَا إِنَّا كُنَّا ظالمين } أي لولا تستثنون فسمي الاستثناء تسبيحاً لتشاركهما في التعظيم ، أو لأنه تنزيه على أن يجري في ملكه ما لا يريده .\r{ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يتلاومون } يلوم بعضهم بعضاً فإن منهم من أشار بذلك ومنهم من استصوبه ، ومنهم من سكت راضياً ، ومنهم من أنكره .\r{ قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طاغين } متجاوزين حدود الله تعالى .\r{ عسى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مّنْهَا } ببركة التوبة والاعتراف بالخطيئة . وقد روي أنهم أبدلوا خيراً منها وقرىء { يُبْدِلَنَا } بالتخفيف . { إِنَّا إلى رَبّنَا راغبون } راجون العفو طالبون الخير و { إلى } لانتهاء الرغبة ، أو لتضمنها معنى الرجوع .\r{ كَذَلِكَ العذاب } مثل ذلك العذاب الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة العذاب في الدنيا . { وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ } أعظم منه . { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } لاحترزوا عما يؤديهم إلى العذاب .\r{ إِنَّ لّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبّهِمْ } أي في الآخرة ، أو في جوار القدس . { جنات النعيم } جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص .\r{ أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين } إنكار لقول الكفرة ، فإنهم كانوا يقولون : إن صح أنا نبعث كما يزعم محمد ومن معه لم يفضلونا بل نكون أحسن حالاً منهم كما نحن عليه في الدنيا .\r{ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } التفات فيه تعجب من حكمهم واستبعاد له ، وإشعار بأنه صادر من اختلال فكر واعوجاج رأي .\r{ أَمْ لَكُمْ كتاب } من السماء . { فِيهِ تَدْرُسُونَ } تقرأون .\r{ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ } إن لكم ما تختارونه وتشتهونه ، وأصله «أن لكم» بالفتح لأنه المدروس فلما جيء باللام كسرت ، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استئنافاً وتخير الشيء واختاره أخذ خيره .\r{ أَمْ لَكُمْ أيمان عَلَيْنَا } عهود مؤكدة بالإِيمان . { بالغة } متناهية في التوكيد ، وقرئت بالنصب على الحال والعامل فيها أحد الظرفين . { إلى يَوْمِ القيامة } متعلق بالمقدر في { لَكُمْ } أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا نخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم ، أو ب { بالغة } أي أيمان تبلغ ذلك اليوم . { إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ } جواب القسم لأن معنى أم لكم أيمان علينا أم أقسمنا لكم .","part":5,"page":315},{"id":2316,"text":"{ سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ } بذلك الحكم قائم يدعيه ويصححه .\r{ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء } يشاركونهم في هذا القول . { فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُواْ صادقين } في دعواهم إذ لا أقل من التقليد ، وقد نبه سبحانه وتعالى في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل يدل عليه الاستحقاق أو وعد أو محض تقليد ، على الترتيب تنبيهاً على مراتب النظر وتزييفاً لما لا سند له . وقيل المعنى { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء } يعني الأصنام يجعلونهم مثل المؤمنين في الآخرة كأنه لما نفى أن تكون التسوية من الله تعالى نفى بهذا أن تكون مما يشاركون الله به .\r{ يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ } يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب وكشف الساق مثل في ذلك ، وأصله تشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب . قال حاتم .\rأَخو الحَرْبِ إنْ عَضَّتْ بِهِ الحَرْبُ عَضَّهَا ... وَإِنْ شَمَرَتْ عَنْ سَاقِهَا الحَرْبُ شَمَّرَا\rأو يوم يكشف عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عياناً مستعار من ساق الشجر وساق الإِنسان ، وتنكيره للتهويل أو للتعظيم . وقرىء «تكشف» و «تكشف» بالتاء على بناء الفاعل أو المفعول والفعل للساعة أو الحال . { وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود } توبيخاً على تركهم السجود إن كان اليوم يوم القيامة ، أو يدعون إلى الصلوات لأوقاتها إن كان وقت النزع . { فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } لذهاب وقته أو زوال القدرة عليه .\r{ خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } تلحقهم ذلة . { وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود } في الدنيا أو زمان الصحة . { وَهُمْ سالمون } متمكنون منه مزاحو العلل فيه .\r{ فَذَرْنِى وَمَن يُكَذّبُ بهذا الحديث } كله إِليَّ فإني أكفيكه . { سَنَسْتَدْرِجُهُم } سندنيهم من العذاب درجة درجة بالإِمهال وإدامة الصحة وازدياد النعمة . { مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ } أنه استدراج وهو الإِنعام عليهم لأنهم حسبوه تفضيلاً لهم على المؤمنين .\r{ وَأُمْلِى لَهُمْ } وأمهلهم . { إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ } لا يدفع بشيء ، وإنما سمي إنعامه استدراجاً بالكيد لأنه في صورته .\r{ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً } على الإِرشاد . { فَهُم مّن مَّغْرَمٍ } من غرامة . { مُّثْقَلُونَ } يحملها فيعرضون عنك .\r{ أَمْ عِندَهُمُ الغيب } اللوح أو المغيبات . { فَهُمْ يَكْتُبُونَ } منه ما يحكمون به ويستغنون به عن علمك .\r{ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } وهو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم . { وَلاَ تَكُن كصاحب الحوت } يونس E . { إِذْ نادى } في بطن الحوت . { وَهُوَ مَكْظُومٌ } مملوء غيظاً من الضجر فتبتلي ببلائه .\r{ لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مّن رَّبّهِ } يعني التوفيق للتوبة وقبولها وحسن تذكير الفعل للفصل ، وقرىء «تداركته» و «تداركه» أي تتداركه على حكاية الحال الماضية بمعنى لولا كان يقال فيه تتداركه . { لَنُبِذَ بالعراء } بالأرض الخالية عن الأشجار . { وَهُوَ مَذْمُومٌ } مليم مطرود عن الرحمة والكرامة . وهو حال يعتمد عليها الجواب لأنها المنفية دون النبذ .\r{ فاجتباه رَبُّهُ } بأن رد الوحي إليه ، أو استنبأه إن صح أنه لم يكن نبياً قبل هذه الواقعة . { فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين } من الكاملين في الصلاح بأن عصمه من أن يفعل ما تركه أولى ، وفيه دليل على خلق الأفعال والآية نزلت حين هم رسول الله A أن يدعو على ثقيف ، وقيل بأحد حين حل به ما حل فأراد أن يدعو على المنهزمين .","part":5,"page":316},{"id":2317,"text":"{ وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ لَيُزْلِقُونَكَ بأبصارهم } { إن } هي المخففة واللام دليلها والمعنى : إنهم لشدة عداوتهم ينظرون إليك شزراً بحيث يكادون يزلون قدمك ، أو يهلكونك من قولهم نظر إليَّ نظراً يكاد يصرعني ، أي لو أمكنه بنظره الصرع لفعله ، أو أنهم يكادون يصيبونك بالعين . إذ روي أنه كان في بني أسد عيانون ، فأراد بعضهم أن يعين رسول الله A فنزلت . وفي الحديث \" إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر \" ولعله يكون من خصائص بعض النفوس . وقرأ نافع { لَيُزْلِقُونَكَ } من زلقته فزلق كحزنته فحزن ، وقرىء «ليزهقونك» أي ليهلكونك . { لَمَّا سَمِعُواْ الذكر } أي القرآن أي ينبعث عند سماعه بغضهم وحسدهم . { وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ } حيرة في أمره وتنفيراً عنه .\r{ وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ } لما جننوه لأجل القرآن بين أنه ذكر عام لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلاً وأميزهم رأياً .\rعن النبي A \" من قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن الله أخلاقهم \" .","part":5,"page":317},{"id":2318,"text":"مكية ، وآيها اثنتان وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ الحاقة } أي الساعة أو الحالة التي يحق وقوعها ، أو التي تحق فيها الأمور أي تعرف حقيقتها ، أو تقع فيها حواق الأمور من الحساب والجزاء على الإِسناد المجازي ، وهي مبتدأ خبرها .\r{ مَا الحاقة } وأصله ما هي أي : أي شيء هي على التعظيم لشأنها والتهويل لها ، فوضع الظاهر موضع الضمير لأنه أهول لها .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحاقة } وأي شيء أعلمك ما هي ، أي أنك لا تعلم كنهها فإنها أعظم من أن تبلغها دراية أحد ، و { مَا } مبتدأ و { أَدْرَاكَ } خبره .\r{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة } بالحالة التي تقرع فيها الناس بالإِفزاع والأجرام بالانفطار والانتشار ، وإنما وضعت موضع ضمير { الحاقة } زيادة في وصف شدتها .\r{ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة وهي الصيحة ، أو الرجفة لتكذيبهم { بالقارعة } ، أو بسبب طغيانهم بالتكذيب وغيره على أنها مصدر كالعاقبة وهو لا يطابق قوله :\r{ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ } أي شديدة الصوت أو البرد من الصر أو الصر . { عَاتِيَةٍ } شديدة العصف كأنها عتت على خزانها فلم يستطيعوا ضبطها ، أو على { عَادٍ } فلم يقدروا على ردها .\r{ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ } سلطها عليهم بقدرته ، وهو استئناف أو صفة جيء به لنفي ما يتوهم من أنها كانت من اتصالات فلكية ، إذ لو كانت لكان هو المقدر لها والمسبب . { سَبْعَ لَيَالٍ وثمانية أَيَّامٍ حُسُوماً } متتابعات جمع حاسم من حسمت الدابة إذا تابعت بين كيها ، أو نحسات حسمت كل خير واستأصلته ، أو قاطعات قطعت دابرهم ، ويجوز أن يكون مصدراً منتصباً على العلة بمعنى قطعاً ، أو المصدر لفعله المقدر حالاً أي تحسمهم { حُسُوماً } ويؤيده القراءة بالفتح ، وهي كانت أيام العجوز من صبيحة أربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر ، وإنما سميت عجوزاً لأنها عجز الشتاء ، أو لأن عجوزاً من عاد توارت في سرب فانتزعها الريح في الثامن فأهلكتها . { فَتَرَى القوم } إن كنت حاضرهم { فِيهَا } في مهابها أو في الليالي والأيام . { صرعى } موتى جمع صريع . { كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ } أصول نخل . { خَاوِيَةٍ } متأكلة الأجواف .\r{ فَهَلْ ترى لَهُم مّن بَاقِيَةٍ } من بقية أو نفس باقية ، أو بقاء .\r{ وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ } ومن تقدمه ، وقرأ البصريان والكسائي { وَمِن قَبْلِهِ } أي ومن عنده من أتباعهِ ، ويدل عليه أنه قرىء «ومن معه» . { والمؤتفكات } قرى قوم لوط والمراد أهلها . { بِالْخَاطِئَةِ } بالخطأ أو بالفعلة ، أو الأفعال ذات الخطأ .\r{ فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ } أي فعصت كل أمة رسولها . { فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً } زائدة في الشدة زيادة أعمالهم في القبح .","part":5,"page":318},{"id":2319,"text":"{ إِنَّا لَمَّا طغى الماء } جاوز حده المعتاد ، أو طغى على خزانه وذلك في الطوفان وهو يؤيد من قبله . { حملناكم } أي آباءكم وأنتم في أصلابهم . { فِى الجارية } في سفينة نوح E .\r{ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ } لنجعل الفعلة وهي إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين . { تَذْكِرَةً } عبرة ودلالة على قدرة الصانع وحكمته وكمال قهره ورحمته . { وَتَعِيَهَا } وتحفظها ، وعن ابن كثير «تَعْيهَا» بسكون العين تشبيهاً بكتف ، والوعي أن تحفظ الشيء في نفسك والإِيعاء أن تحفظه في غيرك . «وَتَعِيَهَا أُذُنٌ واعية» من شأنها أن تحفظ ما يجب حفظه بتذكره وإشاعته والتفكر فيه والعمل بموجبه ، والتنكير للدلالة على قلتها وأن من هذا شأنه مع قلته تسبب لانجاء الجم الغفير وإدامة نسلهم . وقرأ نافع «أَذِنَ» بالتخفيف .\r{ فَإِذَا نُفِخَ فِى الصور نَفْخَةٌ واحدة } لما بالغ في تهويل القيامة وذكر مآل المكذبين بها تفخيماً لشأنها وتنبيهاً على مكانها عاد إلى شرحها ، وإنما حسن إسناد الفعل إلى المصدر لتقيده وحسن تذكيره للفصل ، وقرىء { نَفْخَةً } بالنصب على إسناد الفعل إلى الجار والمجرور والمراد بها النفخة الأولى التي عندها خراب العالم .\r{ وَحُمِلَتِ الأرض والجبال } رفعت من أماكنها بمجرد القدرة الكاملة ، أو بتوسط زلزلة أو ريح عاصفة . { فَدُكَّتَا دَكَّةً واحدة } فضربت الجملتان بعضها ببعض ضربة واحدة فيصير الكل هباء ، أو فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضاً لا عوج فيها ولا أمتا لأن الدك سبب للتسوية ، ولذلك قيل ناقة دكاء للتي لا سنام لها ، وأرض دكاء للمتسعة المستوية .\r{ فَيَوْمَئِذٍ } فحينئذ . { وَقَعَتِ الواقعة } قامت القيامة .\r{ وانشقت السماء } لنزول الملائكة . { فَهِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ } ضعيفة مسترخية .\r{ والملك } والجنس المتعارف بالملك . { على أَرْجَائِهَا } جوانبها جمع رجا بالقصر ، ولعله تمثيل لخراب السماء بخراب البنيان وانضواء أهلها إلى أطرافها وحواليها ، وإن كان على ظاهره فلعل هلاك الملائكة أثر ذلك . { وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ } فوق الملائكة الذين هم على الأرجاء ، أو فوق الثمانية لأنها في نية التقديم . { يَوْمَئِذٍ ثمانية } ثمانية أملاك ، لما روي مرفوعاً \" أنهم اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة أمدهم الله بأربعة آخرين \" وقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله ، ولعله أيضاً تمثيل لعظمته بما يشاهد من أحوال السلاطين يوم خروجهم على الناس للقضاء العام وعلى هذا قال :\r{ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ } تشبيهاً للمحاسبة بعرض السلطان العسكر لتعرف أحوالهم ، وهذا وإن كان بعد النفخة الثانية لكن لما كان اليوم اسماً لزمان متسع تقع فيه النفختان والصعقة والنشور والحساب وإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار صح ظرفاً للكل . { لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ } سريرة على الله تعالى حتى يكون العرض للاطلاع عليها ، وإنما المراد منه إفشاء الحال والمبالغة في العدل ، أو على الناس كما قال الله تعالى : { يَوْمَ تبلى السرائر } وقرأ حمزة والكسائي بالياء للفصل .\r{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ } تفصيل للعرض . { فَيَقُولُ } تبجحاً . { هَاؤُمُ اقرؤا كتابيه } هاء اسم لخذ ، وفيه لغات أجودها هاء يا رجل وهاء يا امرأة وهاؤ ما يا رجلان أو امرأتان ، وهاؤم يا رجال وهاؤن يا نسوة ، ومفعوله محذوف و { كتابيه } مفعول { اقرؤوا } لأنه أقرب العاملين ، ولأنه لو كان مفعول { هَاؤُمُ } لقيل اقرؤوه إذ الأولى اضماره حيث أمكن ، والهاء فيه وفي { حِسَابِيَهْ } و { مَالِيَهْ } و { سلطانيه } للسكت تثبت في الوقف وتسقط في الوصل واستحب الوقف لثباتها في الإِمام ولذلك قرىء بإثباتها في الوصل .","part":5,"page":319},{"id":2320,"text":"{ إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } أي علمت ، ولعله عبر عنه بالظن إشعاراً بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالباً .\r{ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } ذات رضا على النسبة بالصيغة . أو جعل الفعل لها مجازاً وذلك لكونها صافية عن الشوائب دائمة مقرونة بالتعظيم .\r{ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } مرتفعة المكان لأنها في السماء ، أو الدرجات أو الأبنية والأشجار .\r{ قُطُوفُهَا } جمع قطف وهو ما يجتنى بسرعة والقطف بالفتح المصدر . { دَانِيَةٌ } يتناولها القاعد .\r{ كُلُواْ واشربوا } بإضمار القول وجمع الضمير للمعنى . { هَنِيئَاً } أكلاً وشرباً { هَنِيئَاً } أو هنئتم { هَنِيئَاً } . { بِمَا أَسْلَفْتُمْ } يما قدمتم من الأعمال الصالحة . { فِى الأيام الخالية } الماضية من أيام الدنيا .\r{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ } لما يرى من قبح العمل وسوء العاقبة . { ياليتنى لَمْ أُوتَ كتابيه } .\r{ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ يَا لَيْتَهَا } يا ليت الموتة التي متها . { كَانَتِ القاضية } القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها ، أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضت علي لأنه صادفها أمر من الموت فتمناه عندها ، أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة ولم أخلق فيها حياً .\r{ مَا أغنى عَنّى مَالِيَهْ } مالي من المال والتبع وما نفى والمفعول محذوف ، أو استفهام إنكار مفعول لأغنى .\r{ هَلَكَ عَنّى سُلْطَانِيهْ } ملكي وتسلطي على الناس ، أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا ، وقرأ حمزة «عني» «مالي» «عني سلطاني» بحذف الهاءين في الوصل والباقون بإثباتها في الحالين .\r{ خُذُوهُ } يقوله الله تعالى لخزنة النار . { فَغُلُّوهُ } .\r{ ثُمَّ الجحيم صَلُّوهُ } ثم لا تصلوه إلا الجحيم ، وهي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس .\r{ ثُمَّ فِى سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً } أي طويلة . { فَاْسْلُكُوهُ } فأدخلوه فيها بأن تلقوها على جسده وهو فيما بينها مرهق لا يقدر على حركة ، وتقديم ال { سِلْسِلَةٍ } كتقديم { الجحيم } للدلالة على التخصيص والاهتمام بذكر أنواع ما يعذب به ، و { ثُمَّ } لتفاوت ما بينها في الشدة .","part":5,"page":320},{"id":2321,"text":"{ إِنَّهُ كَانَ لاَ يُؤْمِنُ بالله العظيم } تعليل على طريقة الاستئناف للمبالغة ، وذكر { العظيم } للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة فمن تعظم فيها استوجب ذلك .\r{ وَلاَ يَحُضُّ على طَعَامِ المسكين } ولا يحث على بذل طعامه أو على إطعامه فضلاً عن أن يبذل من ماله ، ويجوز أن يكون ذكر الحض للإِشعار بأن تارك الحض بهذه المنزلة فكيف بتارك الفعل . وفيه دليل على تكليف الكفار بالفروع ، ولعل تخصيص الأمرين بالذكر لأن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب .\r{ فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ } قريب يحميه .\r{ وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ } غسالة أهل النار وصديدهم فعلين من الغسل .\r{ لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون } أصحاب الخطايا من خطىء الرجل إذا تعمد الذنب لا من الخطأ المضاد للصواب ، وقرىء «الخاطيون» بقلب الهمزة ياء و «الخاطون» بطرحها .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ } لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم ، أو ف { أُقْسِمُ } و { لا } مزيدة أو فلا رد لإنكارهم البعث و { أُقْسِمُ } مستأنف . { بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ } بالمشاهدات والمغيبات وذلك يتناول الخالق والمخلوقات بأسرها .\r{ إِنَّهُ } إن القرآن . { لَقَوْلُ رَسُولٍ } يبلغه عن الله تعالى فإن الرسول لا يقول عن نفسه . { كَرِيمٌ } على الله تعالى وهو محمد أو جبريل عليهما الصلاة والسلام .\r{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } كما تزعمون تارة . { قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ } تصدقون لما ظهر لكم صدقه تصديقاً قليلاً لفرط عنادكم .\r{ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ } كما تدعون أخرى . { قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ } تذكرون تذكراً قليلاً ، فلذلك يلتبس الأمر عليكم وذكر الإِيمان مع نفي الشاعرية وللتذكر مع نفي الكاهنية ، لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند بخلاف مباينته للكهانة ، فإنها تتوقف على تذكر أحوال الرسول ومعاني القرآن المنافية لطريقة الكهنة ومعاني أقوالهم . وقرأ ابن كثير ويعقوب بالياء فيهما .\r{ تَنزِيلٌ } هو تنزيل . { مِن رَّبّ العالمين } نزله على لسان جبريل عليه السلام .\r{ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل } سمي الافتراء تقولاً لأنه قول متكلف والأقوال المفتراة أقاويل تحقيراً لها كأنه جمع أفعولة من القول كالأضاحيك .\r{ لأخَذْنَا مِنْهُ باليمين } بيمينه .\r{ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين } أي نياط قلبه بضرب عنقه ، وهو تصوير لإِهلاكه بأفظع ما يفعله الملوك بمن يغضبون عليه ، وهو أن يأخذ المقتول بيمينه ويكفحه بالسيف ويضرب به جيده ، وقيل اليمين بمعنى القوة .\r{ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ } عن القتل أو المقتول . { حاجزين } دافعين وصف لأحد فإنه عام والخطاب للناس . { وَإِنَّهُ } وإن القرآن . { لَتَذْكِرَةٌ لّلْمُتَّقِينَ } لأنهم المنتفعون به .\r{ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذّبِينَ } فنجازيهم على تكذيبهم .\r{ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الكافرين } إذا رأوا ثواب المؤمنين به .\r{ وَإِنَّهُ لَحَقُّ اليقين } لليقين الذي لا ريب فيه .\r{ فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } فسبح الله بذكر اسمه العظيم تنزيهاً له عن الرضا بالتقول عليه وشكراً على ما أوحى إليك .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله تعالى حساباً يسيراً \" .","part":5,"page":321},{"id":2322,"text":"{ مكية وآيها أربع وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\rسَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ } أي دعا داع به بمعنى استدعاه ولذلك عدى الفعل بالباء والسائل هو النضر بن الحارث فإنه قال { إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } الآية أو أبو جهل فإنه قال { فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مّنَ السماء } ساله استهزاء أو الرسول E استعجل بعذابهم وقرأ نافع وابن عامر « سال» وهو إما من السؤال على لغة قريش قال :\rسالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب\rأو من السيلان ويؤيده أنه قرىء «سال سيل» على أن السيل مصدر بمعنى السائل كالغور والمعنى سال واد بعذاب ومضى الفعل لتحقق وقوعه إما في الدنيا وهو قتل بدر أو في الآخرة وهو عذاب النار .\r{ للكافرين } صفة أخرى لعذاب أو صلة ل { وَاقِعٍ } وإن صح أن السؤال كان عمن يقع به العذاب كان جواباً والباء على هذا لتضمن { سَأَلَ } معنى اهتم { لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ } يرده .\r{ مِنَ الله } من جهته لتعلق إرادته { ذِي المعارج } ذي المصاعد وهي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب العمل الصالح أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السموات فإن الملائكة يعرجون فيها .\r{ تَعْرُجُ الملئكة والروح إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها على التمثيل والتخيل والمعنى أنها بحيث لو قدر قطعها في زمان لكان في زمان يقدر بخمسين ألف سنة من سني الدنيا وقيل تعرج الملائكة والروح إلى عرشه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة من حيث إنهم يقطعون فيه ما يقطع الإنسان فيها لو فرض لا أن ما بين أسفل العالم وأعلى شرفات العرش مسيرة خمسين ألف سنة لأن ما بين مركز الأرض ومقعر السماء الدنيا على ما قيل مسيرة خمسمائة عام وثخن كل واحدة من السموات السبع والكرسي والعرش كذلك وحيث قال { فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ } يريد زمان عروجهم من الأرض إلى محدب السماء الدنيا وقيل { فِى يَوْمٍ } متعلق ب { وَاقِعٍ } أو { سَالَ } إذا جعل من السيلان والمراد به يوم القيامة واستطالته إما لشدته على الكفار أو لكثرة ما فيه من الحالات والمحاسبات أو لأنه على الحقيقة كذلك والروح جبريل عليه السلام وإفراده لفضله أو خلق أعظم من الملائكة .\r{ فاصبر صَبْراً جَمِيلاً } لا يشوبه استعجال واضطراب قلب وهو متعلق ب { سَأَلَ } لأن السؤال كان عن استهزاء أو تعنت وذلك مما يضجره أو عن تضجر واستبطاء للنصر أو ب { سَأَلَ } لأن المعنى قرب وقوع العذاب { فاصبر } فقد شارفت الانتقام .","part":5,"page":322},{"id":2323,"text":"{ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ } الضمير للعذاب أو يوم القيامة { بَعِيداً } من الإِمكان .\r{ وَنَرَاهُ قَرِيباً } منه أو من الوقوع .\r{ يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل } ظرف ل { قَرِيبًا } أي يمكن { يَوْمَ تَكُونُ } أو لمضمر دل عليه { وَاقِعٍ } أو بدل من { فِى يَوْمٍ } إن علق به والمهل المذاب في «مهل» كالفلزات أو دردي الزيت .\r{ وَتَكُونُ الجبال كالعهن } كالصوف المصبوغ ألواناً لأن الجبال مختلفة الألوان فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح .\r{ وَلاَ يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً } ولا يسأل قريب قريباً عن حاله وعن ابن كثير «وَلاَ يُسْئَلَ» على بناء المفعول أي لا يطلب من حميم حميم أو لا يسأل منه حاله .\r{ يُبَصَّرُونَهُمْ } استئناف أو حال تدل على أن المانع من هذا السؤال هو التشاغل دون الخفاء أو ما يغني عنه من مشاهدة الحال كبياض الوجه وسواده وجمع الضميرين لعموم الحميم . { يَوَدُّ المجرم } .\r{ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وصاحبته وَأَخِيهِ } حال من أحد الضميرين أو استئناف يدل على أن اشتغال كل مجرم بنفسه بحيث يتمنى أن يفتدي بأقرب الناس إليه وأعلقهم بقلبه فضلاً أن يهتم بحاله ويسأل عنها وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم { يَوْمَئِذٍ } وقرىء بتنوين «عَذَابٍ» ونصب { يَوْمَئِذ } به لأنه بمعنى تعذيب .","part":5,"page":323},{"id":2324,"text":"{ وَفَصِيلَتِهِ } وعشيرته الذين فصل عنهم { التى تُؤْوِيِه } تضمه في النسب أو عند الشدائد .\r{ وَمَن فِى الأرض جَمِيعاً } من الثقلين أو الخلائق { ثُمَّ يُنجِيهِ } عطف على { يفتدى } أي ثم ينجيه الافتداء و { ثُمَّ } للاستبعاد .\r{ كَلاَّ } ردع للمجرم عن الودادة ودلالة على أن الافتداء لا ينجيه { إِنَّهَا } الضمير للنار أو مبهم يفسره { لظى } وهو خبر أو بدل أو للقصة و { لظى } مبتدأ خبره :\r{ نَزَّاعَةً للشوى } وهو اللهب الخالص وقيل علم للنار منقول من اللظى بمعنى اللهب وقرأ حفص عن عاصم { نَزَّاعَةً } بالنصب على الاختصاص أو الحال المؤكدة أو المتنقلة على أن { لظى } بمعنى متلظية والشوى والأطراف أو جمع شواة وهي جلدة الرأس .\r{ تَدْعُواْ } تجذب وتحضر كقول ذي الرمة :\rتدعو أنفه الريب ... مجاز عن جذبها وإحضارها لمن فرَّ عنها وقيل تدعو زبانيتها وقيل تدعو تهلك من قولهم دعاه الله إذا أهلكه { مَنْ أَدْبَرَ } عن الحق { وتولى } عن الطاعة .\r{ وَجَمَعَ فَأَوْعَى } وجمع المال فجعله في وعاء وكنزه حرصاً وتأميلاً .\r{ إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعاً } شديد الحرص قليل الصبر .\r{ إِذَا مَسَّهُ الشر } الضر { جَزُوعاً } يكثر الجزع .\r{ وَإِذَا مَسَّهُ الخير } السعة { مَنُوعاً } يبالغ بالإِمساك والأوصاف الثلاثة أحوال مقدرة أو محققة لأنها طبائع جبل الإنسان عليها و { إِذَا } الأولى ظرف ل { جَزُوعاً } والأخرى ل { مَنُوعاً } .","part":5,"page":324},{"id":2325,"text":"{ إِلاَّ المصلين } استثناء للموصوفين بالصفات المذكورة بعد من المطبوعين على الأحوال المذكورة قبل لمضادة تلك الصفات لها من حيث إنها دالة على الاستغراق في طاعة الحق والإشفاق على الخلق والإيمان بالجزاء والخوف من العقوبة وكسر الشهوة وإيثار الآجل على العاجل وتلك ناشئة من الانهماك في حب العاجل وقصور النظر عليها .\r{ الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ } لا يشغلهم عنها شاغل .\r{ والذين فِى أموالهم حَقٌّ مَّعْلُومٌ } كالزكوات والصدقات الموظفة .\r{ لَّلسَّائِلِ } الذي يسأل { والمحروم } الذي لا يسأل فيحسب نفسه غنياً فيحرم .\r{ والذين يُصَدّقُونَ بِيَوْمِ الدين } تصديقاً بأعمالهم وهو أن يتعب نفسه ويصرف ماله طمعاً في المثوبة الأخروية ولذلك ذكر { الدين } .\r{ والذين هُم مّنْ عَذَابِ رَبّهِم مُّشْفِقُونَ } خائفون على أنفسهم .\r{ إِنَّ عَذَابَ رَبّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ } اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد يأمن عذاب الله وإن بالغ في طاعته .\r{ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافظون إِلاَّ على أزواجهم أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَاء ذلك فَأُوْلَئِكَ هُمُ العادون } سبق تفسيره في سورة «المؤمنين» .\r{ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } حافظون وقرأ ابن كثير { لأمانتهم } يعني لا يخونون ولا ينكرون ولا يخفون ما علموه من حقوق الله وحقوق العباد .","part":5,"page":325},{"id":2326,"text":"{ والذين هُم بشهاداتهم قَائِمُونَ } وقرأ يعقوب وحفص «بشهاداتهم» لاختلاف الأنواع .\r{ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ } فيراعون شرائطها ويكملون فرائضها وسننها وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولاً وآخراً باعتبارين للدلالة على فضلها وإنافتهما على غيرها وفي نظم هذه الصلاة مبالغات لا تخفى .\r{ أُوْلَئِكَ فِى جنات مُّكْرَمُونَ } بثواب الله تعالى .\r{ فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ } حولك { مُهْطِعِينَ } مسرعين .\r{ عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال عِزِينَ } فرقا شتى جمع عزة وأصلها عزوة من العزو وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى وكان المشركون يحتفون حول رسول الله A حلقاً ويستهزئون بكلامه .\r{ أَيَطْمَعُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ } بلا إيمان وهو إنكار لقولهم لو صح ما يقوله لنكون فيها أفضل حظاً منهم كما في الدنيا .\r{ كَلاَّ } ردع لهم عن هذا الطمع { إِنَّا خلقناهم مّمَّا يَعْلَمُونَ } تعليل له والمعنى أنهم مخلقون من نطفة مذرة لا تناسب عالم القدس فمن لم يستكمل بالإِيمان والطاعة ولم يتخلق بالأخلاق الملكية لم يستعد لدخولها أو إنكم مخلوقون من أجل ما تعلمون وهو تكميل النفس بالعلم والعمل فمن لم يستكملها لم يتبوأ في منازل الكاملين أو الاستدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضاً مستحيلاً عندهم بعد ردعهم عنه .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ بِرَبّ المشارق والمغارب إِنَّا لقادرون على أَن نُّبَدّلَ خَيْراً مّنْهُمْ } أي نهلكهم ونأتي بخلق أمثل منهم أو نعطي محمداً A بدلكم من هو خير منكم وهم الأنصار . { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ } بمغلوبين إن أردنا ذلك .\r{ فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذى يُوعَدُونَ } مر في آخر سورة «الطور» .\r{ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً } مسرعين جمع سريع { كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ } منصوب للعبادة أو علم { يُوفِضُونَ } يسرعون وقرأ ابن عامر وحفص { إلى نُصُبٍ } بضم النون والصاد والباقون من السبعة « نَصَبٌ» بفتح النون وسكون الصاد وقرىء بالضم على أنه تخفيف { نُصَبٌ } أو جمع .\r{ خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } مر تفسيره { ذَلِكَ اليوم الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ } في الدنيا .\rعن النبي A \" من قرأ سورة { سَأَلَ سَائِلٌ } أعطاه الله ثواب الذين هم { لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون } \" .","part":5,"page":326},{"id":2327,"text":"مكية وآيها تسع أو ثمان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ } أي بأن أي بالإِنذار ، أو بأن قلنا له { أُنذِرَ } ، ويجوز أن تكون مفسرة لتضمن الإِرسال معنى القول ، وقرىء بغير { أن } على إرادة القول . { قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } عذاب الآخرة أو الطوفان .\r{ قَالَ يَا قَوْم إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ أَنِ اعبدوا الله واتقوه وَأَطِيعُونِ } مر في «الشعراء» نظيره وفي { أن } يحتمل الوجهان .\r{ يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ } يغفر لكم بعض ذنوبكم وهو ما سبق فإن الإِسلام يجبه فلا يؤاخذكم به في الآخرة { وَيُؤَخّرْكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } هو أقصى ما قُدِّر لكم بشرط الإِيمان والطاعة . { إِنَّ أَجَلَ الله } إن الأجل الذي قدره . { إِذَا جَاء } على الوجه المقدر به آجلاً وقيل إذا جاء الأجل الأطول . { لاَ يُؤَخَّرُ } فبادروا في أوقات الإمهال والتأخير . { لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } لو كنتم من أهل العلم والنظر لعلمتم ذلك ، وفيه أنهم لانهماكهم في حب الحياة كأنهم شاكون في الموت .\r{ قَالَ رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } أي دائماً .\r{ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } عن الإِيمان والطاعة ، وإسناد الزيادة إلى الدعاء على السببية كقوله : { فَزَادَتْهُمْ إيمانا } { وَإِنّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ } إلى الإِيمان . { لِتَغْفِرَ لَهُمْ } بسببه . { جَعَلُواْ أصابعهم فِى ءاذانهم } سدوا مسامعهم عن استماع الدعوة . { واستغشوا ثِيَابَهُمْ } تغطوا بها لئلا يروني كراهة النظر إلي من فرط كراهة دعوتي أو لئلا أعرفهم فأدعوهم ، والتعبير بصيغة الطلب للمبالغة . { وَأَصَرُّواْ } وأكبوا على الكفر والمعاصي مستعار من أصر الحمار على العانة إذا صر أذنيه وأقبل عليها . { واستكبروا } عن اتباعي . { استكبارا } عظيماً .\r{ ثُمَّ إِنّى دَعَوْتُهُمْ جهارا ثُمَّ إِنّى أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } أي دعوتهم مرة بعد أخرى وكرة بعد أولى على أي وجه أمكنني ، و { ثُمَّ } لتفاوت الوجوه فإن الجهار أغلظ من الإِسرار والجمع بينهما أغلظ من الإِفراد لتراخي بعضها عن بعض ، و { جهارا } نصب على المصدر لأنه أحد نوعي الدعاء ، أو صفة مصدر محذوف بمعنى دعاء { جهارا } أي مجاهراً به أو الحال فيكون بمعنى مجاهراً .","part":5,"page":327},{"id":2328,"text":"{ فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ } بالتوبة عن الكفر . { إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً } للتائبين وكأنهم لما أمرهم بالعبادة قالوا : إن كنا على حق فلا نتركه وإن كنا على باطل فكيف يقبلنا ويلطف بنا من عصيناه ، فأمرهم بما يجب معاصيهم ويجلب إليهم المنح ولذلك وعدهم عليه ما هو أوقع في قلوبهم . وقيل لما طالت دعوتهم وتمادى إصرارهم حبس الله عنهم القطر أربعين سنة ، وأعقم أرحام نسائهم فوعدهم بذلك على الاستغفار عما كانوا عليه بقوله :\r{ يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بأموال وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جنات وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً } ولذلك شرع الاستغفار في الاستسقاء . و { السماء } تحتمل المظلة والسحاب ، والمدرار كثير الدرور ويستوي في هذا البناء المذكر والمؤنث ، والمراد بال { جنات } البساتين .","part":5,"page":328},{"id":2329,"text":"{ مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً } لا تأملون له توقيراً أي تعظيماً لمن عبده وأطاعه فتكونوا على حال تأملون فيها تعظيمها إياكم ، و { لِلَّهِ } بيان للموقر ولو تأخر لكان صلة ل { وَقَاراً } ، أو لا تَعتقدون له عظمة فتخافوا عصيانه ، وإنما عبر عن الاعتقاد بالرجاء التابع لأدنى الظن مبالغة .\r{ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً } حال مقررة للإنكار من حيث إنها موجبة للرجاء فإنه خلقهم { أَطْوَاراً } أي تارات ، إذ خلقهم أولاً عناصر ، ثم مركبات تغذي الإِنسان ، ثم أخلاطاً ، ثم نطفاً ، ثم علقاً ، ثم مضغاً ، ثم عظاماً ولحوماً ، ثم أنشأهم خلقاً آخر ، فإنه يدل على أنه يمكن أن يعيدهم تارة أخرى فيعظمهم بالثواب وعلى أنه تعالى عظيم القدرة تام الحكمة ، ثم أتبع ذلك ما يؤيده من آيات الآفاق فقال :\r{ أَلَمْ تَرَوْاْ كَيْفَ خَلَقَ الله سَبْعَ سموات طِبَاقاً وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُوراً } أي في السموات وهو في السماء الدنيا وإنما نسب إليهن لما بينهن من الملابسة . { وَجَعَلَ الشمس سِرَاجاً } مثلها به لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عما حوله .\r{ والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض نَبَاتاً } أنشأكم منها فاستعير الإِنبات للإنشاء لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض ، وأصله { أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرض } إنباتاً فنبتم نباتاً ، فاختصره اكتفاء بالدلالة الالتزامية .\r{ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا } مقبورين . { وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً } بالحشر ، وأكده بالمصدر كما أكد به الأول دلالة على أن الإعادة محققة كالابداء ، وأنها تكون لا محالة .\r{ والله جَعَلَ لَكُمُ الأرض بِسَاطاً } . تتقلبون عليها .\r{ لّتَسْلُكُواْ مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً } واسعة جمع فج ومن لتضمن الفعل معنى الاتخاذ .","part":5,"page":329},{"id":2330,"text":"{ قَالَ نُوحٌ رَّبّ إِنَّهُمْ عصونى } فيما أمرتهم به . { واتبعوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً } واتبعوا رؤساءهم البطرين بأموالهم المغترين بأولادهم بحيث صار ذلك سبباً لزيادة خسارهم في الآخرة ، وفيه أنهم إنما اتبعوهم لوجاهة حصلت لهم بالأموال والأولاد وأدت بهم إلى الخسار ، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي والبصريان «وَوَلَدُهُ » بالضم والسكون على أنه لغة كالحزن والحزن أو جمع كالأسد .\r{ وَمَكَرُواْ } عطف على { لَّمْ يَزِدْهُ } والضمير لمن وجمعه للمعنى . { مَكْراً كُبَّاراً } كبيراً في الغاية فإنه أبلغ من كبار وهو من كبير ، وذلك احتيالهم في الدين وتحريش الناس على أذى نوح عليه السلام .\r{ وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ } أي عبادتها . { وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } { وَلاَ تَذَرُنَّ } هؤلاء خصوصاً ، قيل هي أسماء رجال صالحين كانوا بين آدم ونوح فلما ماتوا صوروا تبركاً بهم ، فلما طال الزمان عبدوا . وقد انتقلت إلى العرب فكان ود لكلب ، وسواع لهمدان ، ويغوث لمذحج ، ويعوق لمراد ، ونسر لحمير . وقرأ نافع «وُدّاً» بالضم وقرىء «يغوثاً» و «يعوقاً» للتناسب ، ومنع صرفهما للعلمية والعجمة .\r{ وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } الضمير للرؤساء أو للأصنام كقوله : { إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا } { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ ضَلاَلاً } عطف على { رَّبّ إِنَّهُمْ عصونى } ، ولعل المطلوب هو الضلال في ترويج مكرهم ومصالح دنياهم لا في أمر دينهم ، أو الضياع والهلاك كقوله : { إِنَّ المجرمين فِى ضلال وَسُعُرٍ } { مّمَّا خطيئاتهم } من أجل خطيئاتهم ، و «ما» مزيدة للتأكيد والتفخيم ، وقرأ أبو عمرو «مما خطاياهم» . { أُغْرِقُواْ } بالطوفان . { فَأُدْخِلُواْ نَاراً } المراد عذاب القبر أو عذاب الآخرة ، والتعقيب لعدم الاعتداد بما بين الإِغراق والإِدخال ، أو لأن المسبب كالمتعقب للسبب وإن تراخى عنه لفقد شرط أو وجود مانع ، وتنكير النار للتعظيم أو لأن المراد نوع من النيران . { فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ الله أَنصَاراً } تعريض لهم باتخاذ آلهة من دون الله لا تقدر على نصرهم .\r{ وَقَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً } أي أحداً وهو مما يستعمل في النفي العام فيعال من الدار ، أو الدور وأصله ديوار ففعل به ما بأصل سيد الأفعال وإلا لكان دواراً .\r{ إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُواْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً } قال ذلك لما جربهم واستقرى أحوالهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فعرف شيمهم وطباعهم .\r{ رَّبّ اغفر لِى ولوالدى } لملك بن متوشلخ وشمخا بنت أنوش وكانا مؤمنين . { وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِىَ } منزلي أو مسجدي أو سفينتي . { مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات } إلى يوم القيامة . { وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً } هلاكاً .\rعن النبي A \" من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح \" .","part":5,"page":330},{"id":2331,"text":"مكية ، وآيها ثمان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أُوحِىَ إِلَىَّ } وقرىء «أحي» وأصله وحى من وحى إليه فقلبت الواو همزة لضمتها ووحى على الأصل وفاعله : { أَنَّهُ استمع نَفَرٌ مّنَ الجن } والنفر ما بين الثلاثة إلى العشرة ، و { الجن } أجسام عاقلة خفية يغلب عليهم النارية أو الهوائية . وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل نفوس بشرية مفارقة عن أبدانها ، وفيه دلالة على أنه E ما رآهم ولم يقرأ عليهم وإنما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته فسمعوها فأخبر الله به رسوله . { فَقَالُواْ } لما رجعوا إلى قومهم . { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً } كتاباً . { عَجَبًا } بديعاً مبايناً لكلام الناس في حسن نظمه ودقة معناه . وهو مصدر وصف به للمبالغة .","part":5,"page":331},{"id":2332,"text":"{ يَهْدِى إِلَى الرشد } إلى الحق والصواب . { فَآمَنَّا بِهِ } بالقرآن . { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبّنَا أَحَداً } على ما نطقت به الدلائل القاطعة على التوحيد .","part":5,"page":332},{"id":2333,"text":"{ وَأَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } قرأه ابن كثير والبصريان بالكسر على أنه من جملة المحكي بعد القول ، وكذا ما بعده إلا قوله : { وأن لو استقاموا } { وَأَنَّ المساجد } ، { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } فإنها من جملة الموحى به ووافقهم نافع وأبو بكر إلا في قوله : { وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ } على أنه استئناف أو مقول ، وفتح الباقون الكل إلا ما صدر بالفاء على أن ما كان من قولهم فمعطوف على محل الجار والمجرور في { بِهِ } كأنه قيل : صدقنا { أَنَّهُ تعالى جَدُّ رَبّنَا } أي عظمته من جد فلان في عيني إذا عظم ، أو سلطانه أو غناه مستعار من الجد الذي هو البخت ، والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته أو لسلطانه أو لغناه وقوله : { مَا اتخذ صاحبة وَلاَ وَلَداً } بيان لذلك ، وقرىء «جداً» على التمييز { جِدُّ رَبّنَا } بالكسر أي صدق ربوبيته ، كأنهم سمعوا من القرآن ما نبههم على خطأ ما اعتقدوه من الشرك واتخاذ الصاحبة والولد .","part":5,"page":333},{"id":2334,"text":"{ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا } إبليس أو مردة الجن . { عَلَى الله شَطَطاً } قولاً ذا شطط وهو البعد ومجاوزة الحد ، أو هو شطط لفرط ما أشط فيه ، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله .\r{ وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الإنس والجن عَلَى الله كَذِباً } اعتذار عن اتباعهم السفيه في ذلك بظنهم أن أحداً لا يكذب على الله ، و { كَذِبًا } نصب على المصدر لأنه نوع من القول أو الوصف المحذوف ، أي قولاً مكذوباً فيه ، ومن قرأ «ن لَّن تَقُولَ»أَ كيعقوب جعله مصدراً لأن التقول لا يكون إلا { كَذِبًا } .\r{ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مّنَ الجن } فإن الرجل كان إذا أمسى بقفر قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه . { فَزَادوهُمْ } فزادوا الجن باستعاذتهم بهم . { رَهَقاً } كبراً وعتواً ، أو فزاد الجن والإِنس غياً بأن أصلوهم حتى استعاذوا بهم ، والرهق في الأصل غشيان الشيء .\r{ وَأَنَّهُمْ } وأن الإِنس . { ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمْ } أيها الجن أو بالعكس ، والآيتان من كلام الجن بعضهم أو استئناف كلام من الله تعالى ، ومن فتح { أن } فيهما جعلهما من الموحى به . { أَن لَّن يَبْعَثَ الله أَحَداً } ساد مسد مفعولي { ظَنُّواْ } .\r{ وَأَنَّا لَمَسْنَا السماء } طَلَبنا بلوغ السماء أو خبرها ، واللمس مستعار من المس للطلب كالجس يقال ألمسه والتمسه وتلمسه كطلبه واطلبه وتطلبه . { فوجدناها مُلِئَتْ حَرَساً } حراساً اسم جمع كالخدم . { شَدِيداً } قوياً وهم الملائكة الذين يمنعونهم عنها . { وَشُهُباً } جمع شهاب وهو المضيء المتولد من النار .\r{ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد لِلسَّمْعِ } مقاعد خالية عن الحرس والشهب ، أو صالحة للترصد والاستماع ، و { لِلسَّمْعِ } صلة ل { نَقْعُدُ } أو صفة ل { مقاعد } . { فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً } أي شهاباً راصداً له ولأجله يمنعه عن الاستماع بالرجم ، أو ذوي شهاب راصدين على أنه اسم جمع للراصد ، وقد مر بيان ذلك في «الصافات» .\r{ وَأَنَّا لاَ نَدْرِى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الأرض } بحراسة السماء . { أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً } خيراً .\r{ وَأَنَّا مِنَّا الصالحون } المؤمنون الأبرار . { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } أي قوم دون ذلك فحذف الموصوف وهم المقتصدون . { كُنَّا طَرَائِقَ } ذوي طرائق أي مذاهب ، أو مثل طرائق في اختلاف الأحوال أو كانت طرائقنا طرائق . { قِدَداً } متفرقة مختلفة جمع قدة من قد إذا قطع .\r{ وَأَنَّا ظَنَنَّا } علمنا . { أَن لَّن نُّعْجِزَ الله فِى الأرض } كائنين في الأرض أينما كنا فيها . { وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً } هاربين منها إلى السماء ، أو لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمراً ولن نعجزه هرباً إلى طلبنا .","part":5,"page":334},{"id":2335,"text":"{ وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الهدى } أي القرآن . { آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبّهِ فَلاَ يَخَافُ } فهو لا يخاف ، وقرىء «فَلاَ يُخَفَّفُ» والأول أدل على تحقيق نجاة المؤمنين واختصاصها بهم . { بَخْساً وَلاَ رَهَقاً } نقصاً في الجزاء ولا أن يرهقه ذلة ، أو جزاء بخس لأنه لم يبخس لأحد حقاً ولم يرهق ظلماً ، لأن من حق المؤمن بالقرآن أن يجتنب ذلك .\r{ وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون } الجائرون عن طريق الحق وهو الإيمان والطاعة . { فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَداً } توخوا رشداً عظيماً يبلغهم إلى دار الثواب .\r{ وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً } توقد بهم كما توقد بكفار الإِنس .\r{ وَأَنْ لَوِ استقاموا } أي أن الشأن لو استقام الجن أو الإِنس أو كلاهما . { عَلَى الطريقة } أي على الطريقة المثلى . { لأسقيناهم مَّاء غَدَقاً } لوسعنا عليهم الرزق ، وتخصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب .\r{ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } لنختبرهم كيف يشكرونه ، وقيل معناه أن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم . { وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبّهِ } عن عبادته أو موعظته أو وحيه . { يَسْلُكْهُ } يدخله وقرأ غير الكوفيين بالنون . { عَذَاباً صَعَداً } شاقاً يعلو المعذب ويغلبه مصدر وصف به .\r{ وَأَنَّ المساجد لِلَّهِ } مختصة به . { فَلاَ تَدْعُواْ مَعَ الله أَحَداً } فلا تعبدوا فيها غيره ، ومن جعل { أن } مقدرة باللام علة للنهي ألغى فائدة الفاء ، وقيل المراد ب { المساجد } الأرض كلها لأنها جعلت للنبي E مسجداً . وقيل المسجد الحرام لأنه قيل المساجد ومواضع السجود على أن المراد النهي عن السجود لغير الله ، وآرابه السبعة أو السجدات على أنه جمع مسجد .\r{ وَأَنَّهُ لَّمَا قَامَ عَبْدُ الله } أي النبي E وإنما ذكر بلفظ العبد للتواضع فإنه واقع موقع كلامه عن نفسه ، والاشعار بما هو المقتضى لقيامه . { يَدْعُوهُ } يعبده { كَادُواْ } كاد الجن . { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } متراكمين من ازدحامهم عليه تعجباً مما رأوا من عبادته وسمعوا من قراءته ، أو كاد الإنس والجن يكونون عليه مجتمعين لإِبطال أمره ، وهو جمع لبدة وهي ما تلبد بعضه على بعض كلبدة الأسد ، وعن ابن عامر «لُبَداً» بضم اللام جمع لبدة وهي لغة . وقرىء «لَبَداً» كسجداً جمع لابد و «لِبَداً» كصبر جمع لبود .\r{ قَالَ إِنَّمَا ادعوا رَبّى وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً } فليس ذلك ببدع ولا منكر يوجب تعجبكم أو إطباقكم على مقتي ، وقرأ عاصم وحمزة «قل» على الأمر للنبي E ليوافق ما بعده .\r{ قُلْ إِنّى لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلاَ رَشَداً } ولا نفعاً أو غياً ، عبر عن أحدهما باسمه وعن الآخر باسم سببه أو مسببه إشعاراً بالمعنيين .","part":5,"page":335},{"id":2336,"text":"{ قُلْ إِنّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ الله أَحَدٌ } إن أراد بي سوءاً . { وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً } منحرفاً أو ملتجأ وأصله المدخل من اللحد .\r{ إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله } استثناء من قوله لا أملك فإن التبليغ إرشاد وإنفاع وما بينهما اعتراض مؤكد لنفي الاستطاعة ، أو من ملتحداً أو معناه أن لا أبلغ بلاغاً وما قبله دليل الجواب . { ورسالاته } عطف على { بَلاَغاً } و { مِنَ الله } صفته فإن صلته عن كقوله A : « بلغوا عني ولو آية » { وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ } في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه . { فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } وقرىء { فَانٍ } على فجزاؤه أن . { خالدين فِيهَا أَبَداً } جمعه للمعنى .\r{ حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } في الدنيا كوقعة بدر ، أو في الآخرة والغاية لقوله : { يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً } بالمعنى الثاني ، أو لمحذوف دل عليه الحال من استضعاف الكفار وعصيانهم له . { فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً } هو أم هم .\r{ قُلْ إِنْ أَدْرِى } ما أدري . { أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبّى أَمَداً } غاية تطول مدتها كأنه لما سمع المشركون { حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ } قالوا متى يكون إنكاراً ، فقيل قل إنه كائن لا محالة ولكن لا أدري ما وقته .\r{ عالم الغيب } هو عالم الغيب . { فَلاَ يُظْهِرُ } فلا يطلع . { على غَيْبِهِ أَحَداً } أي على الغيب المخصوص به علمه .\r{ إِلاَّ مَنِ ارتضى } لعلم بعضه حتى يكون له معجزة . { مِن رَّسُولٍ } بيان ل { مِنْ } ، واستدل به على إبطال الكرامات ، وجوابه تخصيص الرسول بالملك والإظهار بما يكون بغير وسط ، وكرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون تلقياً عن الملائكة كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء . { فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ } من بين يدي المرتضى { وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً } حرساً من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين وتخاليطهم .\r{ لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ } أي ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبريل والملائكة النازلون بالوحي ، أو ليعلم الله تعالى أن قد أبلغ الأنبياء بمعنى ليتعلق علمه به موجوداً . { رسالات رَبّهِمْ } كما هي محروسة من التغيير . { وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ } بما عند الرسل . { وأحصى كُلَّ شَىْءٍ عَدَداً } حتى القطر والرمل .\rعن النبي A « من قرأ سورة الجن كان له بعدد كل جني صدق محمداً أو كذب به عتق رقبة » .","part":5,"page":336},{"id":2337,"text":"مكية ، وآيها تسع عشرة أو عشرون\rبسم الله الرحيم الرحيم\r{ ياأيها المزمل } أصله المتزمل من تزمل بثيابه إذا تلفف بها فأدغم التاء في الزاي وقد قرىء به ، وب «المزمل » مفتوحة الميم ومكسورتها أي زمله غيره ، أو زمل نفسه ، سمي به النبي E تهجيناً لما كان عليه فإنه كان نائماً ، أو مرتعداً مما دهشه من بدء الوحي متزملاً في قطيفة أو تحسيناً له . \" إذ روي : أنه E كان يصلي متلففاً بمرط مفروش على عائشة رضي الله تعالى عنها فنزلت \" أو تشبيهاً له في تثاقله بالمتزمل لأنه لم يتمرن بعد في قيام الليل ، أو من تزمل الزمل إذا تحمل الحمل أي الذي تحمل أعباء النبوة .\r{ قُمِ اليل } أي قم إلى الصلاة ، أو داوم عليها فيه ، وقرىء بضم الميم وفتحها للإتباع أو التخفيف . { إِلاَّ قَلِيلاً } .\r{ نّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً أَوْ زِدْ عَلَيْهِ } الاستثناء { مِّنَ اليل } و { نّصْفَهُ } بدل من { قَلِيلاً } وقلته بالنسبة إلى الكل ، والتخيير بين قيام النصف والزائد عليه كالثلثين والناقص عنه كالثلث ، أو { نّصْفَهُ } بدل من { اليل } والاستثناء منه والضمير في { مِنْهُ } و { عَلَيْهِ } للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بينه وبين الأقل منه كالربع ، والأكثر منه كالنصف أو للنصف والتخيير بين أن يقوم أقل منه على البت وأن يختار أحد الأمرين من الأقل والأكثر ، أو الاستثناء من إعداد الليل فإنه عام والتخيير بين قيام النصف والناقص عنه الزائد عليه . { وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً } اقرأه على تؤدة وتبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها من قوله ثغر رتل ورتل إذا كان مفلجاً .\r{ إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً } يعني القرآن فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين سيما على الرسول A إذ كان عليه أن يتحملها ويحملها أمته ، والجملة اعتراض يسهل التكليف عليه بالتهجد ، ويدل على أنه مشق مضاد للطبع مخالف للنفس ، أو رصين لرزانة لفظه ومتانة معناه ، أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر وتجريد للنظر ، أو ثقيل في الميزان أو على الكفار والفجار ، أو ثقيل تلقيه لقوله عائشة رضي الله تعالى عنها : رأيته E ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد ، فيفصم عنه وإن جبينه ليرفض عرقاً . وعلى هذا يجوز أن يكون صفة للمصدر والجملة على هذه الأوجه للتعليل مستأنف ، فإن التهجد يعد للنفس ما به تعالج ثقله .\r{ إِنَّ نَاشِئَةَ اليل } إِن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض وقام قال :\rنَشَأْنَا إِلَى خَوْصٍ بَرَانِيهَا السُّرَى ... وَأَلْصِقَ مِنْهَا مُشْرِفَاتِ القَمْاحِدِ\rأو قيام الليل على أن ال { نَاشِئَةَ } له أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث ، أو ساعات الليل لأنها تحدث واحدة بعد أخرى ، أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت . { هِىَ أَشَدُّ وَطْأً } أي كلفة أو ثبات قدم ، وقرأ أبو عمرو وابن عامر وطاء بكسر الواو وألف ممدودة أي مواطأة القلب اللسان لها ، أو فيها أو موافقة لما يراد منها من الخضوع والإِخلاص . { وَأَقْوَمُ قِيلاً } أي وأسد مقالاً أو أثبت قراءة لحضور القلب وهدوء الأصوات .","part":5,"page":337},{"id":2338,"text":"{ إِنَّ لَكَ فِى النهار سَبْحَاً طَوِيلاً } تقلباً في مهماتك واشتغالاً بها فعليك بالتهجد ، فإن مناجاة الحق تستدعي فراغاً . وقرىء «سبخاً» أي تفرق قلب بالشواغل مستعار من سبخ الصوف وهو نقشه ونشر أجزائه .\r{ واذكر اسم رَبّكَ } ودم على ذكره ليلاً ونهاراً ، وذكر الله يتناول كل ما يذكر به تسبيح وتهليل وتمجيد وتحميد وصلاة وقراءة قرآن ودراسة علم . { وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً } وانقطع إليه بالعبادة وجرد نفسك عما سواه ، ولهذه الرمزة ومراعاة الفواصل وضعه موضع تبتلاً .\r{ رَّبُّ المشرق والمغرب } خبر محذوف أو مبتدأ خبره : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } وقرأ ابن عامر والكوفيون غير حفص ويعقوب بالجر على البدل من ربك ، وقيل بإضمار حرف القسم وجوابه { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } . { فاتخذه وَكِيلاً } مسبب عن التهليل ، فإن توحده بالألوهية يقتضي أن توكل إليه الأمور .\r{ واصبر على مَا يَقُولُونَ } من الخرافات . { واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً } بأن تجانبهن وتداريهم ولا تكافئهم وتكل أمرهم إلى الله فالله يكفيكهم كما قال :\r{ وَذَرْنِى والمكذبين } دعني وإياهم وكل أمرهم فإن بي غنية عنك في مجازاتهم . { أُوْلِي النعمة } أرباب التنعم ، يريد صناديد قريش . { مَهِّلْهُمْ قَلِيلاً } زماناً أو إمهالاً .\r{ إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً } تعليل للأمر ، والنكل القيد الثقيل . { وَجَحِيماً } .\r{ وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ } طعاماً ينشب في الحلق كالضريع والزقوم . { وَعَذَاباً أَلِيماً } ونوعاً آخر من العذاب مؤلماً لا يعرف كنهه إلا الله تعالى ، ولما كانت العقوبات الأربع مما تشترك فيها الأشباح والأرواح فإن النفوس العاصية المنهمكة في الشهوات تبقى مقيدة بحبها والتعلق بها عن التخلص إلى عالم المجردات متحرقة بحرقة الفرقة متجرعة غصة الهجران معذبة بالحرمان عن تجلي أنوار القدس ، فسر العذاب بالحرمان عن لقاء الله تعالى .\r{ يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال } تضطرب وتتزلزل ظرف لما في { إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً } من معنى الفعل .\r{ وَكَانَتِ الجبال كَثِيباً } رملاً مجتمعاً كأنه فعيل بمعنى مفعول من كثبت الشيء إذا جمعته . { مَّهِيلاً } منثوراً من هيل هيلاً إذا نثر .\r{ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً } يا أهل مكة . { شاهدا عَلَيْكُمْ } يشهد عليكم يوم القيامة بالإِجابة والامتناع . { كَمَا أَرْسَلْنَا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً } يعني موسى E ولم يعينه لأن المقصود لم يتعلق به .","part":5,"page":338},{"id":2339,"text":"{ فعصى فِرْعَوْنُ الرسول } عرفه لسبق ذكره . { فأخذناه أَخْذاً وَبِيلاً } ثقيلاً من قولهم طعام وبيل لا يستمرأ لثقله ، ومنه الوابل للمطر العظيم .\r{ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ } أنفسكم . { إِن كَفَرْتُمْ } بقيتم على الكفر . { يَوْماً } عذاب يوم . { يَجْعَلُ الولدان شِيباً } من شدة هوله وهذا على الفرض أو التمثيل ، وأصله أن الهموم تضعف القوى وتسرع الشيب ، ويجوز أن يكون وصفاً لليوم بالطول .\r{ السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ } منشق والتذكير على تأويل السقف أو إضمار شيء . { بِهِ } بشدة ذلك اليوم على عظمها وأحكامها فضلاً عن غيرها والباء للآلة . { كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً } الضمير لله D أو لليوم على إضافة المصدر إلى المفعول .\r{ إِنَّ هذه } أي الآيات الموعدة . { تَذْكِرَةٌ } عظة . { فَمَن شَاءَ } أن يتعظ . { اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } أي يتقرب إليه بسلوك التقوى .\r{ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَىِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعداً منه ، وقرأ ابن كثير والكوفيون { وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ } بالنصب عطفاً على { أدنى } . { وَطَائِفَةٌ مّنَ الذين مَعَكَ } ويقوم ذلك جماعة من أصحابك . { والله يُقَدّرُ اليل والنهار } لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله تعالى ، فإن تقديم اسمه مبتدأ مبنياً عليه { يُقَدّرُ } يشعر بالاختصاص ويؤيده قوله : { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ } أي لن تحصوا تقدير الأوقات ولن تستطيعوا ضبط الساعات . { فَتَابَ عَلَيْكُمْ } بالترخص في ترك القيام المقدر ورفع التبعة فيه كما رفع التبعة عن التائب . { فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرءان } فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل ، عبر عن الصلاة بالقرآن كما عبر عنها بسائر أركانها ، قيل كان التهجد واجباً على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به ، ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس ، أو فاقرؤوا القرآن بعينه كيفما تيسر عليكم . { عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى } استئناف يبين حكمه أخرى مقتضية الترخيص والتخفيف ولذلك كرر الحكم مرتباً عليه وقال : { وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله } والضرب في الأرض ابتغاء للفضل المسافرة للتجارة وتحصيل العلم { وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاَة } المفروضة . { وَآتَوُاْ الزكواة } الواجبة . { وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً } يريد به الأمر في سائر الانفاقات في سبل الخيرات ، أو بأداء الزكاة على أحسن وجه ، والترغيب فيه بوعد العوض كما صرح به في قوله : { وَمَا تُقَدّمُواْ لأَِنفُسِكُمْ مّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً } من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت أو من متاع الدنيا ، و { خَيْرًا } ثاني مفعولي { تَجِدُوهُ } وهو تأكيد أو فصل ، لأن أفعل من كالمعرفة ولذلك يمتنع من حرف التعريف ، وقرىء «هو خير» على الابتداء والخبر . { واستغفروا الله } في مجامع أحوالكم فإن الإِنسان لا يخلو من تفريط . { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .\rعن النبي A \" من قرأ سورة المزمل رفع الله عنه العسر في الدنيا والآخرة \" .","part":5,"page":339},{"id":2340,"text":"مكية ، وآيها خمس وخمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ياأيها المدثر } أي المتدثر وهو لابس الدثار . \" روي أنه E قال «كنت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني وشمالي فلم أر شيئاً ، فنظرت فوقي فإذا هو على عرش بين السماء والأرض يعني الملك الذي ناداه فرعبت فرجعت إلى خديجة فقلت : دثروني ، فنزل جبريل \" وقال : { يأَيُّهَا المدثر } ولذلك قيل هي أول سورة نزلت . وقيل تأذى من قريش فتغطى بثوبه مفكراً ، أو كان نائماً مدثراً فنزلت ، وقيل المراد بالمدثر المتدثر بالنبوة والكمالات النفسانية ، أو المختفي فإنه كان بحراء كالمختفي فيه على سبيل الاستعارة ، وقرىء { المدثر } أي الذي دثر هذا الأمر وعصب به .\r{ قُمِ } من مضجعك أو قم قيام عزم وجد . { فَأَنذِرْ } مطلق للتعميم أو مقدر بمفعول دل عليه قوله : { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } أو قوله : { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً } { وَرَبَّكَ فَكَبّرْ } وخصص ربك بالتكبير وهو وصفه بالكبرياء عقداً وقولاً \" روي أنه لما نزل كبر رسول الله A وأيقن أنه الوحي \" وذلك لأن الشيطان لا يأمر بذلك والفاء فيه وفيما بعده لإِفادة معنى الشرط وكأنه قال : وما يكن فكبر ربك ، أو الدلالة على أن المقصود الأول من الأمر بالقيام أن يكبر ربه عن الشرك والتشبيه ، فإن أول ما يجب معرفة الصانع وأول ما يجب بعد العلم بوجوده تنزيهه ، والقوم كانوا مقرين به .\r{ وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلوات محبوب في غيرها ، وذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة بتقصيرها مخافة جر الذيول فيها ، وهو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة ، أو طهر نفسك من الأخلاق الذميمة والأفعال الدنيئة ، فيكون أمراً باستكمال القوة العملية بعد أمره باستكمال القّوة النظرية والدعاء إليه ، أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد والضجر وقلة الصبر .\r{ والرجز فاهجر } فاهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك وغيره من القبائح ، وقرأ يعقوب وحفص« والرجز» بالضم وهو لغة كالذكر .\r{ وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } أي لا تعط مستكثراً ، نهى عن الاستفزاز وهو أن يهب شيئاً طامعاً في عوض أكثر ، نهي تنزيه أو نهياً خاصاً به لقوله E \" المستفزز يثاب من هبته \" والموجب له ما فيه من الحرص والضنة ، أو { لا تَمْنُن } على الله تعالى بعبادتك مستكثراً إياها ، أو على الناس بالتبليغ مستكثراً به الأجر منهم أو مستكثراً إياه ، وقرىء { تَسْتَكْثِرُ } بالسكون للوقف أو الإبدال من تمنن على أنه من بكذا ، أو { تَسْتَكْثِرُ } بمعنى تجده كثيراً وبالنصب على إضمار أن ، وقد قرىء بها وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بحذفها وإبطال عملها ، كما روي : أحضر الوغى .","part":5,"page":340},{"id":2341,"text":"بالرفع .\r{ وَلِرَبّكَ } لوجهه أو أمره . { فاصبر } فاستعمل الصبر ، أو فاصبر على مشاق التكاليف وأذى المشكرين .\r{ فَإِذَا نُقِرَ } نفخ . { فِى الناقور } في الصور فاعول من النقر بمعنى التصويت وأصله القرع الذي هو سبب الصوت ، والفاء للسببية كأنه قال : اصبر على زمان صعب تلقى فيه عاقبة صبرك وأعداؤك عاقبة ضرهم ، و «إذا» ظرف لما دل عليه قوله :\r{ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرين } لأن معناه عسر الأمر على الكافرين ، وذلك إشارة إلى وقت النقر ، وهو مبتدأ خبره { يَوْمٌ عَسِيرٌ } و { يَوْمَئِذٍ } بدل أو ظرف لخبره إذ التقدير : فذلك الوقت وقت وقوع { يَوْمٌ عَسِيرٌ } . { غَيْرُ يَسِيرٍ } تأكيد يمنع أن يكون عسيراً عليهم من وجه ويشعر بيسره على المؤمنين .","part":5,"page":341},{"id":2342,"text":"{ ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً } نزلت في الوليد بن المغيرة ، و { وَحِيداً } حال من الياء أي ذرني وحدي معه فإني أكفيكه ، أو من التاء أي ومن خلقته وحدي لم يشركني في خلقه أحد ، أو من العائد المحذوف أي من خلقته فريداً لا مال له ولا ولد ، أو ذم فإنه كان ملقباً به فسماه الله به تهكماً ، أو إرادة أنه وحيد ولكن في الشرارة أو عن أبيه فإنه كان زنيماً .\r{ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً } مبسوطاً كثيراً أو ممداً بالنماء ، وكان له الزرع والضرع والتجارة .\r{ وَبَنِينَ شُهُوداً } حضوراً معه بمكة يتمتع بلقائهم لا يحتاجون إلى سفر لطلب المعاش استغناء بنعمته ، ولا يحتاج إلى أن يرسلهم في مصالحه لكثرة خدمه ، أو في المحافل والأندية لوجاهتهم واعتبارهم . قيل كان له عشرة بنين أو أكثر كلهم رجال ، فأسلم منهم ثلاثة خالد وعمارة وهشام .\r{ وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً } وبسطت له الرياسة والجاه العريض حتى لقب ريحانة قريش والوحيد أي باستحقاقه الرياسة والتقدم .\r{ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ } على ما أوتيه وهو استبعاد لطمعه أما لأنه لا مزيد على ما أوتي ، أو لأنه لا يناسب ما هو عليه من كفران النعم ومعاندة المنعم ولذلك قال :\r{ كَلاَّ إِنَّهُ كان لآياتنا عَنِيداً } فإنه ردع له عن الطمع وتعليل للردع على سبيل الاستئناف بمعاندة آيات المنعم المناسبة لإزالة النعمة المانعة عن الزيادة ، قيل : ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان ماله حتى هلك .\r{ سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } سأغشيه عقبة شاقة المصعد ، وهو مثل لما يلقى من الشدائد . وعنه E \" الصعود جبل من نار يصعد فيه سبعين خريفاً ثم يهوي فيه كذلك أبداً \" { إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ } تعليل أو بيان للعناد ، والمعنى فكر فيما يخيل طعناً في القرآن وقدر في نفسه ما يقول فيه .\r{ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } تعجب من تقديره استهزاء به ، أو لأنه أصاب أقصى ما يمكن أن يقال عليه من قولهم : قتله الله ما أشجعه ، أي بلغ في الشجاعة مبلغاً يحق أن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك . روي أنه مر بالنبي A وهو يقرأ { حم } «السجدة» ، فأتى قومه وقال لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإِنس والجن ، إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى . فقالت قريش صبأ الوليد فقال ابن أخيه أبو جهل : أنا أكفيكموه ، فقعد إليه حزيناً وكلمه بما أحماه فناداهم فقال : تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يخنق ، وتقولون إنه كاهن فهل رأيتموه يتكهن ، وتزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه يتعاطى شعراً ، فقالوا لا فقال : ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ، ففرحوا بقوله وتفرقوا عنه متعجبين منه .","part":5,"page":342},{"id":2343,"text":"{ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ } تكرير للمبالغة وثم للدلالة على أن الثانية أبلغ من الأولى وفيما بعد على أصلها .\r{ ثُمَّ نَظَرَ } أي في أمر القرآن مرة بعد أخرى .\r{ ثُمَّ عَبَسَ } قطب وجهه لما لم يجد فيه مطعناً ولم يدر ما يقول ، أو نظر إلى رسول الله A وقطب في وجهه . { وَبَسَرَ } اتباع لعبس .\r{ ثُمَّ أَدْبَرَ } عن الحق أو الرسول E . { واستكبر } عن اتباعه .\r{ فَقَالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ } يروى ويتعلم ، والفاء للدلالة على أنه لما خطرت هذه الكلمة بباله تفوه بها من غير تلبث وتفكر .\r{ إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ البشر } كالتأكيد للجملة الأولى ولذلك لم يعطف عليها .\r{ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ } تفخيم لشأنها وقوله تعالى :\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ } تفخيم لشأنها وقوله : { لاَ تُبْقِى وَلاَ تَذَرُ } بيان لذلك أو حال من سقر ، والعامل فيها معنى التعظيم والمعنى لا تبقي على شيء يلقى فيها ولا تدعه حتى تهلكه .\r{ لَوَّاحَةٌ لّلْبَشَرِ } أي مسودة لأعالي الجلد ، أو لائحة للناس وقرئت بالنصب على الاختصاص .\r{ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } ملكاً أو صنفاً من الملائكة يلون أمرها ، والمخصص لهذا العدد أن اختلال النفوس البشرية في النظر والعمل بسبب القوى الحيوانية الاثنتي عشرة والطيعية السبع ، أو أن لجهنم سبع دركات ست منها لأصناف الكفار وكل صنف يعذب بترك الاعتقاد والإِقرار ، أو العمل أنواعاً من العذاب تناسبها على كل نوع ملك أو صنف يتولاه وواحدة لعصاة الأمة يعذبون فيها بترك العمل نوعاً يناسبه ويتولاه ملك ، أو صنف أو أن الساعات أربع وعشرون خمسة منها مصروفة في الصلاة فيبقى تسعة عشر قد تصرف فيما يؤاخذ به بأنواع من العذاب يتولاها الزبانية ، وقرىء { تِسْعَةَ عَشَرَ } بسكون العين كراهة توالي حركات فيها هو كاسم واحد و «تسعة أعشر» جمع عشير كيمين وأيمن ، أي تسعة كل عشير جمع يعني نقيبهم أو جمع عشر فتكون تسعين .\r{ وَمَا جَعَلْنَا أصحاب النار إِلاَّ مَلَئِكَةً } ليخالفوا جنس المعذبين فلا يرقون لهم ولا يستروحون إليهم ، ولأنهم أقوى الخلق بأساً وأشدهم غضباً لله . روي أن أبا جهل لما سمع عليها تسعة عشر قال لقريش : أيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل منهم فنزلت . { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } وما جعلنا عددهم إلا العدد الذي اقتضى فتنتهم وهو التسعة عشر ، فعبر بالأثر عن المؤثر تنبيهاً على أنه لا ينفك منه وافتتانهم به استقلالهم واستهزاؤهم به واستبعادهم أن يتولى هذه العدد القليل تعذيب أكثر الثقلين ، ولعل المراد الجعل بالقول ليحسن تعليله بقوله : { لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } أي ليكتسبوا اليقين بنبوة محمد A وصدق القرآن لما رأوا ذلك موافقاً لما في كتابهم .","part":5,"page":343},{"id":2344,"text":"{ وَيَزْدَادَ الذين ءامَنُواْ إيمانا } بالإِيمان به وبتصديق أهل الكتاب به . { وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون } أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإِيمان به وبتصديق أهل الكتاب له . { وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون } أي في ذلك وهو تأكيد للاستيقان وزيادة الإِيمان ونفي لما يعرض للمتيقن حيثما عراه شبهة . { وَلِيَقُولَ الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } شك أو نفاق ، فيكون إخباراً بمكة عما سيكون في المدينة بعد الهجرة . { والكافرون } الجازمون في التكذيب . { مَاذَا أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً } أي شيء أراد بهذا العدد المستغرب استغراب المثل ، وقيل لما استبعدوه حسبوا أنه مثل مضروب . { كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } مثل ذلك المذكور من الإِضلال والهدى يضل الكافرين ويهدي المؤمنين . { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ } جموع خلقه على ما هم عليه . { إِلاَّ هُوَ } إِذ لا سبيل لأحد إلى حصر الممكنات والاطلاع على حقائقها وصفاتها وما يوجب اختصاص كل منها بما يخصه من كم وكيف واعتبار ونسبة . { وَمَا هِىَ } وما سقر أو عدة الخزنة أو السورة . { إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ } إلا تذكرة لهم .","part":5,"page":344},{"id":2345,"text":"{ كَلاَّ } ردع لمن أنكرها ، أو إنكار لأن يتذكروا بها . { والقمر } .\r{ واليل إِذْ أَدْبَرَ } أي أدبر كقبل بمعنى أقبل ، وقرأ نافع وحمزة ويعقوب وحفص «إِذَا دبر» على المضي .\r{ والصبح إِذَا أَسْفَرَ } أضاء .\r{ إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر } أي لإِحدى البلايا الكبر أي البلايا الكبر كثيرة و { سَقَرَ } واحدة منها ، وإنما جمع كبرى على «كبر» إلحاقاً لها بفعله تنزيلاً للألف منزلة التاء كما ألحقت قاصعاء بقاصعة فجمعت على قواصع ، والجملة جواب القسم أو تعليل ل { كَلاَّ } ، والقسم معترض للتأكيد .\r{ نَذِيراً لّلْبَشَرِ } تمييز أي { لإِحْدَى الكبر } إنذاراً أو حال عما دلت عليه الجملة أي كبرت منذرة ، وقرىء بالرفع خبراً ثانياً أو خبراً لمحذوف .\r{ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ } بدل من { لّلْبَشَرِ } أي نذيراً للمتمكنين من السبق إلى الخير والتخلف عنه ، أو { لِمَن شَاء } خبر ل { أَن يَتَقَدَّمَ } فيكون في معنى قوله : { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } مرهونة عند الله مصدر كالشكيمة أطلقت للمفعول كالرهن ولو كانت صفة لقيل رهين .\r{ إِلاَّ أصحاب اليمين } فإنهم فكوا رقابهم بما أحسنوا من أعمالهم ، وقيل هم الملائكة أو الأطفال .\r{ فِي جنات } لا يكتنه وصفها وهي حال من { أصحاب اليمين } ، أو ضميرهم في قوله : { يَتَسَاءلُونَ } .","part":5,"page":345},{"id":2346,"text":"{ عَنِ المجرمين } أي يسأل بعضهم بعضاً أو يسألون غيرهم عن حالهم كقولك : تداعيناه أي دعوناه وقوله :\r{ مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } بجوابه حكاية لما جرى بين المسؤولين والمجرمين أجابوا بها .\r{ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ المصلين } الصلاة الواجبة .\r{ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسكين } أي ما يجب إعطاؤه ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع .\r{ وَكُنَّا نَخُوضُ } نشرع في الباطل . { مَعَ الخائضين } مع الشارعين فيه .\r{ وَكُنَّا نُكَذّبُ بِيَوْمِ الدين } أخره لتعظيمه أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بالقيامة .\r{ حتى أتانا اليقين } الموت ومقدماته .\r{ فَمَا تَنفَعُهُمْ شفاعة الشافعين } لو شفعوا لهم جميعاً .\r{ فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ } أي معرضين عن التذكرة يعني القرآن ، أو ما يعمه و { مُعْرِضِينَ } حال .\r{ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ } شبههم في إعراضهم ونفارهم عن استماع الذكر بحمر نافرة .\r{ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ } أي أسد فعولة من القسر وهو القهر .\r{ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امرىء مّنْهُمْ أَن يؤتى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً } قراطيس تنشر وتقرأ وذلك أنهم قالوا للنبي A : لن نتبعك حتى تأتي كلامنا بكتاب من السماء فيه من الله إلى فلان اتبع محمداً .\r{ كَلاَّ } ردع لهم عن اقتراحهم الآيات . { بَل لاَّ يَخَافُونَ الآخرة } فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف .\r{ كَلاَّ } ردع عن إعراضهم . { إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ } وأي تذكرة .\r{ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } فمن شاء أن يذكره .\r{ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } ذكرهم أو مشيئتهم كقوله : { وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى ، وقرأ نافع «تَذَكَّرُونَ » بالتاء وقرىء بهما مشدداً . { هُوَ أَهْلُ التقوى } حقيق بأن يتقى عقابه . { وَأَهْلُ المغفرة } حقيق بأن يغفر لعباده سيما المتقين منهم .\rوعن النبي A \" من قرأ سورة المدثر أعطاه الله عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد E وكذب به بمكة شرفها الله تعالى \" .","part":5,"page":346},{"id":2347,"text":"مكية وآيها أربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة } إدخال { لا } النافية على فعل القسم للتأكيد شائع في كلامهم قال امرؤ القيس :\rلاَ وَأَبِيكِ ابْنَةَ العَامِري ... لاَ يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّي أَفِرْ\rوقد مر الكلام فيه في قوله : { فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم } وقرأ قنبل «لأقسم» بغير ألف بعد اللام وكذا روي عن البزي .\r{ ا وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة } بالنفس المتقية التي تلوم النفوس المقصرة في التقوى يوم القيامة على تقصيرها ، أو التي تلوم نفسها أبداً وإن اجتهدت في الطاعة أو النفس المطمئنة اللائمة للنفس الأمارة أو بالجنس . لما روي أنه E قال : \" ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وتلوم نفسها يوم القيامة ، إن عملت خيراً قالت كيف لم أزدد وإن عملت شراً قالت يا ليتني كنت قصرت \" أو نفس آدم فإنها لم تزل تتلوم على ما خرجت به من الجنة ، وضمها إلى يوم القيامة لأن المقصود من إقامتها مجازاتها .\r{ أَيَحْسَبُ الإنسان } يعني الجنس وإسناد الفعل إليه لأن فيهم من يحسب ، أو الذي نزل فيه وهو عدي بن أبي ربيعة سأل رسول الله A عن أمر القيامة ، فأخبره به فقال \" لو عاينت ذلك اليوم لم أصدقكك \" أو يجمع الله هذه العُظام . { أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ } بعد تفرقها ، وقرىء «أن لن يجمع» على البناء للمفعول .","part":5,"page":347},{"id":2348,"text":"{ بلى } نجمعها . { قادرين على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } بجمع سلامياته وضم بعضها إلى بعض كما كانت مع صغرها ولطافتها فكيف بكبار العظام ، أو { على أَن نُّسَوّىَ بَنَانَهُ } الذي هو أطرافه فكيف بغيرها ، وهو حال من فاعل الفعل المقدر بعد { بلى } ، وقرىء بالرفع أي نحن قادرون .\r{ بَلْ يُرِيدُ الإنسان } عطف على { أَيَحْسَبُ } فيجوز أن يكون استفهاماً وأن يكون إيجاباً لجواز أن يكون الإِضراب عن المستفهم وعن الاستفهام . { لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ } ليدوم على فجوره فيما يستقبله من الزمان .\r{ يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القيامة } متى يكون يوم القيامة استبعاداً له أو استهزاء .\r{ فَإِذَا بَرِقَ البصر } تحير فزعاً من برق فدهش بصره ، وقرأ نافع بالفتح وهو لغة ، أو من البريق بمعنى لمع من شدة شخوصه ، وقرىء «بلق» من بلق الباب إذا انفتح .\r{ وَخَسَفَ القمر } ذهب ضوؤه وقرىء على البناء للمفعول .\r{ وَجُمِعَ الشمس والقمر } في ذهاب الضوء أو الطلوع من المغرب ، ولا ينافيه الخسوف فإنه مستعار للمحاق ، ولمن حمل ذلك أمارات الموت أن يفسر الخسوف بذهاب ضوء البصر والجمع باستتباع الروح الحاسة في الذهاب ، أو بوصوله إلى من كان يقتبس منه نور العقل من سكان القدس ، وتذكير الفعل لتقدمه وتغليب المعطوف .\r{ يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر } أي الفرار يقوله قول الآيس من وجدانه المتمني ، وقرىء بالكسر وهو المكان .\r{ كَلاَّ } ردع عن طلب المفر . { لاَ وَزَرَ } لا ملجأ مستعار من الحبل واشتقاقه من الوزر وهو الثقل .\r{ إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ } إليه وحده استقرار العباد ، أو إلى حكمه استقرار أمرهم ، أو إلى مشيئته موضع قرارهم يدخل من يشاء الجنة ومن يشاء النار .\r{ يُنَبَّأُ الإنسان يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ } بما قدم من عمل عمله وبما أخر منه لم يعمله ، أو بما قدم من عمل عمله وبما أخر من سنة حسنة أو سيئة عمل بها بعده ، أو بما قدم من مال تصدق به وبما أخر فخلفه ، أو بأول عمله وآخره .\r{ بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ } حجة بينة على أعمالها لأنه شاهد بها ، وصفها بالبصارة على المجاز ، أو عين بصيرة فلا يحتاج إلى الإِنباء .\r{ وَلَوْ ألقى مَعَاذِيرَهُ } ولو جاء بكل ما يمكن أن يعتذر به جمع معذار وهو العذر ، أو جمع معذرة على غير قياس كالمناكير في المنكر فإن قياسه معاذر وذلك أولى وفيه نظر .\r{ لاَ تُحَرّكْ } يا محمد ، { بِهِ } بالقرآن . { لِسَانَكَ } قبل أن يتم وحيه . { لِتَعْجَلَ بِهِ } لتأخذه على عجلة مخافة أن ينفلت منك .\r{ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ } في صدرك . { وَقُرْءانَهُ } وإثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي .","part":5,"page":348},{"id":2349,"text":"{ فَإِذَا قرأناه } بلسان جبريل عليك . { فاتبع قُرْءانَهُ } قراءته وتكرر فيه حتى يرسخ في ذهنك .\r{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ } بيان ما أشكل عليك من معانيه ، وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره ، أو بذكر ما اتفق في أثناء نزول هذه الآيات . وقيل الخطاب مع الإِنسان المذكور والمعنى أنه يؤتى كتابه فيتلجلج لسانه من سرعة قراءته خوفاً ، فيقال له لا تحرك به لسانك لتعجل به فإن علينا بمقتضى الوعد جمع ما فيه من أعمالك وقراءته ، فإذا قرأناه فاتبع قراءته بالإقرار أو التأمل فيه ، ثم إن علينا بيان أمره بالجزاء عليه .\r{ كَلاَّ } ردع للرسول عن عادة العجلة أو للإِنسان عن الاغترار بالعاجل . { بَلْ تُحِبُّونَ العاجلة } .","part":5,"page":349},{"id":2350,"text":"{ وَتَذَرُونَ الآخرة } تعميم للخطاب إشعاراً بأن بني آدم مطبوعون على الاستعجال وإن كان الخطاب للإِنسان ، والمراد به الجنس فجمع الضمير للمعنى ويؤيده قراءة ابن كثير وابن عامر والبصريين بالياء فيهما .\r{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ } بهية متهللة .\r{ إلى رَبّهَا نَاظِرَةٌ } تراه مستغرقة في مطالعة جماله بحيث تغفل عما سواه ولذلك قدم المفعول ، وليس هذا في كل الأحوال حتى ينافيه نظرها إلى غيره ، وقيل منتظرة إنعامه ورد بأن الانتظار لا يسند إلى الوجه وتفسيره بالجملة خلاف الظاهر ، وأن المستعمل بمعناه لا يتعدى بإلى وقول الشاعر :\rوَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ مِن مَلكٍ ... وَالبَحْرُ دُونَك زِدْتَني نِعَماً\rبمعنى السؤال فإن الانتظار لا يستعقب العطاء .\r{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ } شديدة العبوس والباسل أبلغ من الباسر لكنه غلب في الشجاع إذا اشتد كلوحه .\r{ تَظُنُّ } تتوقع أربابها . { أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ } داهية تكسر الفقار .\r{ كَلاَّ } ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة .\r{ إِذَا بَلَغَتِ التراقى } إذا بلغت النفس أعالي الصدر وإضمارها من غير ذكر لدلالة الكلام عليها .\r{ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ } وقال حاضر وصاحبها من يرقيه مما به من الرقية ، أو قال ملائكة الموت أيكم يرقى بروحه ملائكة الرحمة ، أو ملائكة العذاب من الرقي .\r{ وَظَنَّ أَنَّهُ الفراق } وظن المحتضر أن الذي نزل به فراق الدنيا ومحابها .\r{ والتفت الساق بالساق } والتوت ساقه بساقه فلا يقدر على تحريكهما ، أو شدة فراق الدنيا بشدة خوف الآخرة .\r{ إلى رَبّكَ يَوْمَئِذٍ المساق } سوقه إلى الله تعالى وحكمه .\r{ فَلاَ صَدَّقَ } ما يجب تصديقه ، أو فلا صدق ماله أي فلا زكاة . { وَلاَ صلى } ما فرض عليه والضمير فيهما للإنسان المذكور في { أَيَحْسَبُ الإنسان } .\r{ ولكن كَذَّبَ وتولى } عن الطاعة .\r{ ثُمَّ ذَهَبَ إلى أَهْلِهِ يتمطى } يتبختر افتحاراً بذلك من المط ، فإن المتبختر يمد خطاه فيكون أصله يتمطط ، أو من المط وهو الظهر فإنه يلويه .\r{ أولى لَكَ فأولى } ويل لك من الولي ، وأصله أولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في { رَدِفَ لَكُم } أو { أولى لَكَ } الهلاك . وقيل أفعل من الويل بعد القلب أدنى من أدون ، أو فعلى من آل يؤول بمعنى عقباك النار .\r{ ثُمَّ أولى لَكَ فأولى } أي يتكرر ذلك عليه مرة بعد أخرى .\r{ أَيَحْسَبُ الإنسان أَن يُتْرَكَ سُدًى } مهملاً لا يكلف ولا يجازى ، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر والدلالة عليه من حيث إن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح ، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة .\r{ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى } فقدره فعدله .\r{ فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين } للصنفين { الذكر والأنثى } وهو استدلال آخر بالإِبداء على الإِعادة على ما مر تقريره مراراً ولذلك رتب عليه قوله :\r{ أَلَيْسَ ذَلِكَ بقادر على أَن يُحْيِىَ الموتى } .\rعن النبي A « أنه كان إذا قرأها قال سبحانك بلى » وعنه A « من قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبريل يوم القيامة أنه كان مؤمناً به » .","part":5,"page":350},{"id":2351,"text":"مكية وآيها إِحدى وثلاثون\rآية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ هَلْ أتى عَلَى الإنسان } استفهام تقرير وتقريب ولذلك فسر بقد وأصله أهل كقوله :\rأهل رَأَوْنَا بِسَفْحِ القَاعِ ذِي الأَكم ... { حِينٌ مّنَ الدهر } طائفة محدودة من الزمان الممتد الغير المحدود . { لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } بل كان شيئاً منسياً غير مذكور بالإِنسانية كالعنصر والنطفة ، والجملة حال من { الإنسان } أو وصف ل { حِينٍ } بحذف الراجع والمراد بالإِنسان الجنس لقوله :\r{ إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } أو آدم بين أولاً خلقه ثم ذكر خلقه بنيه . { أَمْشَاجٍ } أخلاط جمع مشج أو مشج أو مشيج من مشجت الشيء إذا خلطته ، وجمع النطفة به لأن المراد بها مجموع مني الرجل والمرأة وكل منهما مختلف الأجزاء في الرقة والقوام والخواص ، ولذلك يصير كل جزء منهما مادة عضو . وقيل مفرد كأعشار وأكباش . وقيل ألوان فإن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اختلطا اخضرا ، أو أطوار فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة إلى تمام الخلقة . { نَّبْتَلِيهِ } في موضع الحال أي مبتلين له بمعنى مريدين اختباره أو ناقلين له من حال إلى حال فاستعير له الابتلاء . { فجعلناه سَمِيعاً بَصِيراً } ليتمكن من مشاهدة الدلائل واستماع الآيات ، فهو كالمسبب عن الابتلاء ولذلك عطف بالفاء على الفعل المقيد به ورتب عليه قوله :\r{ إِنَّا هديناه السبيل } أي بنصب الدلائل وإنزال الآيات . { إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } حالان من الهاء ، و { أَمَّا } للتفصيل أو التقسيم أي { هديناه } في حاليه جميعاً أو مقسوماً إليهما بعضهم { شاكرا } بالاهتداء والأخذ فيه ، وبعضهم كفور بالإِعراض عنه ، أو من { السبيل } ووصفه بالشكر والكفر مجاز . وقرىء { أَمَّا } بالفتح على حذف الجواب ولعله لم يقل كافراً ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل ، وإشعاراً بأن الإِنسان لا يخلو عن كفران غالباً وإنما المؤاخذ به التوغل فيه .\r{ إِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين سلاسل } بها يقادون . { وأغلالا } بها يقيدون . { وَسَعِيراً } بها يحرقون ، وتقديم وعيدهم وقد تأخر ذكرهم لأن الإِنذار أهم وأنفع ، وتصدير الكلام وختمه بذكر المؤمنين أحسن ، وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر «سلاسلا» للمناسبة .\r{ إِنَّ الأبرار } جمع بر كأرباب أو بار كأشهاد . { يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ } من خمر وهي في الأصل القدح تكون فيه . { كَانَ مِزَاجُهَا } ما يمزج بها . { كافورا } لبرده وعذوبته وطيب عرفه وقيل اسم ماء في الجنة يشبه الكافور في رائحته وبياضه . وقيل يخلق فيها كيفيات الكافور فتكون كالممزوجة به .\r{ عَيْناً } بدل من { كافورا } إن جعل اسم ماء أو من محل { مِن كَأْسٍ } على تقدير مضاف ، أي ماء عين أو خمرها أو نصب على الاختصاص أو بفعل يفسره ما بعدها .","part":5,"page":351},{"id":2352,"text":"{ يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } أي ملتذاً بها أو ممزوجاً بها ، وقيل الباء مزيدة أو بمعنى من لأن الشرب مبتدأ منها كما هو . { يُفَجّرُونَهَا تَفْجِيراً } يجرونها حيث شاءوا إجراء سهلاً .\r{ يُوفُونَ بالنذر } استئناف ببيان ما رزقوه لأجله كأنه سئل عنه فأجيب بذلك ، وهو أبلغ في وصفهم بالتوفر على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوَجَبه على نفسه لله تعالى كان أوفى بما أوجبه الله تعالى عليه . { ويخافون يَوْماً كَانَ شَرُّهُ } شدائده . { مُسْتَطِيراً } فاشياً غاية الانتشار من استطار الحريق والفجر ، وهو أبلغ من طار ، وفيه إشعار بحسن عقيدتهم واجتنابهم عن المعاصي .\r{ وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ } حب الله تعالى أو الطعام أو الإِطعام . { مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً } يعني أسراء الكفار فإنه A كان يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول « أحسن إليه » أو الأسير المؤمن ويدخل فيه المملوك والمسجون ، وفي الحديث « غريمك أسير فأحسن إلى أسيرك » .","part":5,"page":352},{"id":2353,"text":"{ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله } على إرادة القول بلسان الحال أو المقال إزاحة لتوهم المن وتوقع المكافأة المنقصة للأجر . وعن عائشة رضي الله تعالى عنها : أنها كانت تبعث بالصدقة إلى أهل بيت ثم تسأل المبعوث ما قالوا ، فإن ذكر دعاء دعت لهم بمثله ليبقى ثواب الصدقة لها خالصاً عند الله . { لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً } أي شكراً .\r{ إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا } فلذلك نحسن إليكم أو لا نطلب المكافأة منكم . { يَوْماً } عذاب يوم . { عَبُوساً } تعبس فيه الوجوه أو يشبه الأسد العبوس في ضراوته . { قَمْطَرِيراً } شديد العبوس كالذي يجمع ما بين عينيه من اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قرطيها أو مشتق من القطر والميم مزيدة .\r{ فوقاهم الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم } بسبب خوفهم وتحفظهم عنه . { ولقاهم نَضْرَةً وَسُرُوراً } بدل عبوس الفجار وخزنهم .\r{ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ } بصبرهم على أداء الواجبات واجتناب المحرمات وإيثار الأموال . { جَنَّةُ } بستاناً يأكلون منه . { وَحَرِيراً } يلبسونه . وعن ابن عباس Bهما : أن الحسن والحسين Bهما مرضا فعادهما رسول الله A في ناس فقالوا : يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك ، فنذر علي وفاطمة رضي الله تعالى عنهما وفضة جارية لهما صوم ثلاث إن برئا ، فشفيا وما معهم شيء ، فاستقرض علي من شمعون الخيبري ثلاثة أصوع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص فوضعوها بين أيديهم ليفطروا ، فوقف عليهم مسكين فآثروه وباتوا ولم يذوقوا إلا الماء وأصبحوا صياماً ، فلما أمسوا ووضعوا الطعام وقف عليهم يتيم فآثروه ، ثم وقف عليهم في الثالثة أسير ففعلوا مثل ذلك ، فنزل جبريل عليه السلام بهذه السورة وقال خذها يا محمد هناك الله في أهل بيتك .\r{ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك } حال من هم في { جزاهم } أو صفة ل { جَنَّةُ } . { لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً } يحتملهما وأن يكون حالاً من المستكن في { متئكين } ، والمعنى أنه يمر عليهم فيها هواء معتدل لا حار محم ولا بارد مؤذ ، وقيل الزمهرير القمر في لغة طيء قال راجزهم :\rوَلَيْلَةٌ ظَلاَمُهَا قَدِ اعْتَكَر ... قَطَعْتُهَا وَالزَّمْهَرِيرُ مَا زَهَرْ\rوالمعنى أن هواءها مضيء بذاته لا يحتاج إلى شمس وقمر .\r{ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظلالها } حال أو صفة أخرى معطوفة على ما قبلها ، أو عطف على { جَنَّةُ } أي وجنة أخرى دانية على أنهم وعدوا جنتين كقوله : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } وقرئت بالرفع على أنها خبر { ظلالها } والجملة حال أو صفة . { وَذُلّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً } معطوف على ما قبله أو حال من دانية ، وتذليل القطوف ان تجعل سهلة التناول لا تمتنع على قطافها كيف شاءوا .","part":5,"page":353},{"id":2354,"text":"{ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِئَانِيَةٍ مّن فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ } وأباريق بلا عروة . { كَانَتْ قَوَارِيرَاْ } .\r{ قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ } أي تكونت جامعة بين صفاء الزجاجة وشفيفها وبياض الفضة ولينها ، وقد نون { قَوارِيرَ } من نون «سلاسلاً» وابن كثير الأولى لأنها رأس الآية ، وقرىء { قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ } على هي { قَوارِيرَ } . { قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً } أي قدروها في أنفسهم فجاءت مقاديرها وأشكالها كما تمنوه ، أو قدروها بأعمالهم الصالحة فجاءت على حسبها ، أو قدر الطائفون بها المدلول عليهم بقوله يطاف شرابها على قدر اشتهائهم ، وقرىء { قَدَّرُوهَا } أي جعلوا قادرين لها كما شاءوا من قدر منقولاً من قدرت الشيء .\r{ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً } ما يشبه الزنجبيل في الطعم وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به { عَيْناً فِيهَا تسمى سَلْسَبِيلاً } لسلاسة انحدارها في الحلق وسهولة مساغها ، يقال شراب سلسل وسلسال وسلسبيل ، ولذلك حكم بزيادة الباء والمراد به أن ينفي عنها لذع الزنجيل ويصفها بنقيضه ، وقيل أصله سل سبيلا فسميت به كتأبط شراً لأنه لا يشرب منها إلا من سأل إليها سبيلاً بالعمل الصالح .","part":5,"page":354},{"id":2355,"text":"{ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ ولدان مُّخَلَّدُونَ } دائمون . { إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً } من صفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم وانعكاس شعاع بعضهم إلى بعض .\r{ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ } ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر لأنه عام معناه أن بصرك أينما وقع . { رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً } واسعاً ، وفي الحديث \" أدنى أهل الجنة منزلة ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه \" هذا وللعارف أكبر من ذلك وهو أن تنتقش نفسه بجلايا الملك وخفايا الملكوت ، فيستضيء بأنوار قدس الجبروت .\r{ عاليهم ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ } يعلوهم ثياب الحرير الخضر ما رق منها وما غلظ ، ونصبه على الحال من هم في عليهم أو { حَسِبْتَهُمْ } ، أو { مَلَكًا } على تقدير مضاف أي وأهل ملك كبير عاليهم ، وقرأ نافع { عاليهم } وحمزة بالرفع على أنه خبر { ثِيَابُ } . وقرأ ابن كثير وأبو بكر «خُضْرٍ» بالجر حملاً على { سُندُسٍ } بالمعنى فإنه اسم جنس ، { وَإِسْتَبْرَقٍ } بالرفع عطفاً على { ثِيَابُ } ، وقرأهما حفص وحمزة والكسائي بالرفع ، وقرىء «وَإِسْتَبْرَقٍ» بوصل الهمزة والفتح على أنه استفعل من البريق جعل علماً لهذا النوع من الثياب . { وَحُلُّواْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ } عطف على { وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ } ولا يخالفه قوله { أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } لإمكان الجمع والمعاقبة والتبعيض ، فإن حلي أهل الجنة تختلف باختلاف أعمالهم ، فلعله تعالى يفيض عليهم جزاء لما عملوه بأيديهم حلياً وأنواراً تتفاوت الذهب والفضة ، أو حال من الضمير في { عاليهم } بإضمار قد ، وعلى هذا يجوز أن يكون هذا للخدم وذلك للمخدومين . { وسقاهم رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً } يريد به نوعاً آخر يفوق على النوعين المتقدمين ولذلك أسند سقيه إلى الله D ، ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية والركون إلى ما سوى الحق ، فيتجرد لمطالعة جماله ملتذاً بلقائه باقياً ببقائه ، وهي منتهى درجات الصديقين ولذلك ختم بها ثواب الأبرار .\r{ إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً } على إضمار القول والإِشارة إلى ما عد من ثوابهم . { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُوراً } مجازى عليه غير مضيع .\r{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ القرءان تَنزِيلاً } مفرقاً منجماً لحكمةٍ اقتضته ، وتكرير الضمير مع أن مزيد لاختصاص التنزيل به .\r{ فاصبر لِحُكْمِ رَبّكَ } بتأخير نصرك على كفار مكة وغيرهم . { وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ ءاثِماً أَوْ كَفُوراً } أي كل واحدُ من مرتكب الإِثم الداعي لك إليه ومن الغالي في الكفر الداعي لك إليه ، وأو للدلالة على أنهما سيان في استحقاق العصيان والاستقلال به والقسم باعتبار ما يدعونه إليه ، فإن ترتب النهي على الوصفين مشعر أنه لهما وذلك يستدعي أن تكون المطاوعة في الإِثم والكفر . فإن مطاوعتهما فيما ليس بإثم ولا كفر غير محظور .\r{ واذكر اسم رَبّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً } ودَاوم على ذكره أو دم على صلاة الفجر والظهر والعصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما .","part":5,"page":355},{"id":2356,"text":"{ وَمِنَ اليل فاسجد لَهُ } وبعض الليل فصل له تعالى ، ولعل المراد به صلاة المغرب والعشاء وتقديم الظرف لما في صلاة الليل من مزيد الكلفة والخلوص . { وَسَبّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً } وتهجد له طائفة طويلة من الليل .\r{ إِنَّ هؤلاء يُحِبُّونَ العاجلة وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ } أمامهم أو خلف ظهورهم . { يَوْماً ثَقِيلاً } شديداً مستعار من الثقل الباهظ للحامل ، وهو كالتعليل لما أمر به ونهى عنه .","part":5,"page":356},{"id":2357,"text":"{ نَّحْنُ خلقناهم وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ } وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب . { وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أمثالهم تَبْدِيلاً } وإذا شئنا أهلكناهم و { بَدَّلْنَا أمثالهم تَبْدِيلاً } في الخلقة ، وشدة الأسر يعني النشأة الثانية ولذلك جيء ب { إِذَا } أو بدلنا غيرهم ممن يطيع { وَإِذَا } لتحقق القدرة وقوة الداعية .\r{ إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ } الإِشارة إلى السورة أو الآيات القريبة ، { فَمَن شَاءَ اتخذ إلى رَبّهِ سَبِيلاً } تقرب إليه بالطاعة .\r{ وَمَا تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله } وما تشاءون ذلك إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «يَشَاءونَ » بالياء . { إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً } بما يستأهل كل أحد . { حَكِيماً } لا يشاء إلا ما تقتضيه حكمته .\r{ يُدْخِلُ مَن يَشَاء فِى رَحْمَتِهِ } بالهداية والتوفيق للطاعة . { والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } نصب { الظالمين } بفعل يفسره { أَعَدَّ لَهُمْ } مثل أوعد وكافأ ليطابق الجملة المعطوف عليها ، وقرىء بالرفع على الابتداء .\rعن النبي A \" من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جنة وحريراً \" .","part":5,"page":357},{"id":2358,"text":"مكية وآيها خمسون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والمرسلات عُرْفاً فالعاصفات عَصْفاً والناشرات نَشْراً فالفارقات فَرْقاً فالملقيات ذِكْراً } إقسام بطوائف من الملائكة أرسلهن الله تعالى بأوامره متتابعة . فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره ، ونشرن الشرائع في الأرض ، أو نشرن النفوس الموتى بالجهل بما أوحين من العلم ، ففرقن بين الحق والباطل ، فألقين إلى الأنبياء ذكراً عذراً للمحقين ونذراً للمبطلين ، أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد E ، فعصفن سائر الكتب والأديان بالنسخ ونشرن آثار الهدى والحكم في الشرق والغرب ، وفرقن بين الحق والباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين . أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق ونشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء ، ففرقن بين الحق بذاته والباطل في نفسه فيرون كل شيء هالكاً إلا وجهه ، فألقين ذكراً بحيث لا يكون في القلوب والألسنة إلا ذكر الله تعالى . أو برياح عذاب أرسلن فعصفن ، ورياح رحمة نشرن السحاب في الجو ، ففرقن فألقين ذكراً أي تسببن له ، فإن العاقل إذا شاهد هبوبها وآثارها ذكر الله تعالى وتذكر كمال قدرته ، وعرفاً إما نقيض النكر وانتصابه على العلة أي أرسلن للإِحسان والمعروف ، أو بمعنى المتتابعة من عرف الفرس وانتصابه على الحال .\r{ عُذْراً أَوْ نُذْراً } مصدران لعذر إذا محا الإِساءة وأنذر إذا خوف ، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإِنذار ، أو بمعنى العاذر والمنذر ، ونصبهما على الأولين بالعلية أي { عُذْراً } للمحقين { أَوْ نُذْراً } للمبطلين ، أو البدل من { ذِكْراً } على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد والشرك والإِيمان والكفر وعلى الثالث بالحالية ، وقرأهما أبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص بالتخفيف .\r{ إِنَّمَا تُوعَدُونَ لواقع } جواب القسم ومعناه أن الذي توعدونه من مجيء القيامة كائن لا محالة .\r{ فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ } محقت أو أذهب نورها .\r{ وَإِذَا السماء فُرِجَتْ } صدعت .\r{ وَإِذَا الجبال نُسِفَتْ } كالحب ينسف بالمنسف .\r{ وَإِذَا الرسل أُقّتَتْ } عين لها وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على الأمم بحصوله ، فإنه لا يتعين لهم قبله ، أو بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره ، وقرأ أبو عمرو «وقتت» على الأصل .\r{ لأَيّ يَوْمٍ أُجّلَتْ } أي يقال لأي يوم أخرت ، وضرب الأجل للجمع وهو تعظيم لليوم وتعجيب من هوله ، ويجوز أن يكون ثاني مفعولي { أُقّتَتْ } على أنه بمعنى أعلمت .\r{ لِيَوْمِ الفصل } بيان ليوم التأجيل .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الفصل } ومن أين تعلم كنهه ولم تر مثله .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } أي بذلك ، و { وَيْلٌ } في الأصل مصدر منصوب بإضمار فعله عدل به إلى الرفع للدلالة على ثبات الهلك للمدعو عليه ، و { يَوْمَئِذٍ } ظرفه أو صفته .\r{ أَلَمْ نُهْلِكِ الأولين } كقوم نوح وعاد وثمود ، وقرىء «نُهْلِكِ » من هلكه بمعنى أهلكه .","part":5,"page":358},{"id":2359,"text":"{ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين } أي { ثُمَّ } نحن { نُتْبِعُهُمُ } نظراءهم ككفار مكة ، وقرىء بالجزم عطفاً على { نُهْلِكِ } فيكون { الآخرين } المتأخرين من المهلكين كقوم لوط وشعيب وموسى عليهم الصلاة والسلام .\r{ كذلك } مثل ذلك الفعل . { نَفْعَلُ بالمجرمين } بكل من أجرم .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بآيات الله وأنبيائه فليس تكريراً ، وكذا إن أطلق التكذيب أو علق في الموضعين بواحد ، لأن ال { وَيْلٌ } الأول لعذاب الآخرة وهذا للإِهلاك في الدنيا ، مع أن التكرير للتوكيد حسن شائع في كلام العرب .\r{ أَلَمْ نَخْلُقكُّم مّن مَّاء مَّهِينٍ } نطفة مذرة ذليلة .\r{ فجعلناه فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } هو الرحم .\r{ إلى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ } إلى مقدار معلوم من الوقت قدره الله تعالى للولادة .\r{ فَقَدَرْنَا } على ذلك ، أو فقدرناه ويدل عليه قراءة نافع والكسائي بالتشديد . { فَنِعْمَ القادرون } نحن . { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بقدرتنا على ذلك أو على الإِعادة .\r{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض كِفَاتاً } كافتة اسم لما يكفت أي يضم ويجمع كالضمام والجماع اسم لما يضم ويجمع ، أو مصدر نعت به أو جمع كافت كصائم وصيام ، أو كفت وهو الوعاء أجرى على الأرض باعتبار أقطارها .\r{ أَحْيَاءً وأمواتا } منتصبان على المفعولية وتنكيرهما للتفخيم ، أو لأن أحياء الإِنس وأمواتهم بعض الأحياء والأموات ، أو الحالية من مفعوله المحذوف للعلم به وهو الإِنس ، أو بنجعل على المفعولية و { كِفَاتاً } حال أو الحالية فيكون المعنى بالأحياء ما ينبت وبالأموات ما لا ينبت .\r{ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِىَ شامخات } جبالاً ثوابت طوالاً والتنكير للتفخيم ، أو الإِشعار بأن فيها ما لم يعرف ولم ير { وأسقيناكم مَّاء فُرَاتاً } بخلق الأنهار والمنابع فيها .","part":5,"page":359},{"id":2360,"text":"{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بأمثال هذه النعم .\r{ انطلقوا } أي يقال لهم انطلقوا . { إلى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } من العذاب .\r{ انطلقوا } خصوصاً وعن يعقوب { انطلقوا } على الإِخبار عن امتثالهم للأمر اضطراراً . { إلى ظِلّ } يعني ظل دخان جهنم كقوله تعالى : { وَظِلّ مّن يَحْمُومٍ } { ذِى ثلاث شُعَبٍ } يتشعب لعظمه كما ترى الدخان العظيم يتفرق . تفرق الذوائب ، وخصوصية الثلاث إما لأن حجاب النفس عن أنوار القدس الحس والخيال والوهم ، أو لأن المؤدي إلى هذا العذاب هو القوة الواهمة الحالية في الدماغ والغضبية التي في يمين القلب والشهوية التي في يساره ، ولذلك قيل شعبة تقف فوق الكافر وشعبة عن يمينه وشعبة عن يساره .\r{ لاَّ ظَلِيلٍ } تهكم بهم ورد لما أوهم لفظ ال { ظِلّ } . { وَلاَ يُغْنِى مِنَ اللهب } وغير مغن عنهم من حر اللهب شيئاً .\r{ إِنَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كالقصر } أي كل شرارة { كالقصر } في عظمها ، ويؤيده أنه قرىء «بشرار» ، وقيل هو جمع قصرة وهي الشجرة الغليظة ، وقرىء« كالقصر » بمعنى القصور كرهن ورهن و« كالقصر » جمع قصرة كحاجة وحوج ، و «كالصر» جمع قصرة وهي أصل العنق والهاء للشعب .\r{ كَأَنَّهُ جَمَالاتٌ } جمع جمال أو جمالة جمع جمل . { صُفْرٌ } فإن الشرار بما فيه من النارية يكون أصفر ، وقيل سود لأن سواد الإِبل يضرب إلى الصفرة ، والأول تشبيه في العظم وهذا في اللون والكثرة والتتابع والاختلاط وسرعة الحركة ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص { جمالة } وعن يعقوب { جُمَالاَتٌ } بالضم جمع جُمالة ، وقد قرىء بها وهي الحبل الغليظ من حبال السفينة شبهه بها في امتداده والتفافه .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ } أي بما يستحق فإن النطق بما لا ينفع كلا نطق ، أو بشيء من فرط الدهشة والحيرة وهذا في بعض المواقف ، وقرىء بنصب ال «يَوْمَ» أي هذا الذي ذكر واقع يومئذ .","part":5,"page":360},{"id":2361,"text":"{ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } عطف { فَيَعْتَذِرُونَ } على { يُؤْذَنَ } ليدل على نفي الإِذن والاعتذار عقيبه مطلقاً ، ولو جعله جواباً لدل على أن عدم اعتذارهم لعدم الإذن فأوهم ذلك أن لهم عذراً لكن لا يؤذن لهم فيه .\r{ هذا يَوْمُ الفصل } بين المحق والمبطل . { جمعناكم والأولين } تقرير وبيان للفصل .\r{ فَإِن كَانَ لَكمُ كَيْدٌ فَكِيدُونِ } تقريع لهم على كيدهم للمؤمنين في الدنيا وإظهار لعجزهم .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } إذ لا حيلة لهم في التخلص من العذاب .\r{ إِنَّ المتقين } عن الشرك لأنهم في مقابلة المكذبين . { فِى ظلال وَعُيُونٍ } .\r{ وفواكه مِمَّا يَشْتَهُونَ } مستقرون في أنواع الترفه .\r{ كُلُواْ واشربوا هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } أي مقولاً لهم ذلك .\r{ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى المحسنين } في العقيدة .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } يمحض لهم العذاب المخلد ولخصومهم الثواب المؤبد .\r{ كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُّجْرِمُونَ } حال من المكذبين أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك ، تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا وبما جنوا على أنفسهم من إيثار المتاع القليل على النعيم المقيم .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل .\r{ وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا } أطيعوا وأخضعوا أو صلوا أو اركعوا في الصلاة . إذ روي : أنه نزل حين أمر رسول الله A ثقيفاً بالصلاة فقالوا : لا نجبي أي لا نركع فإنها مسبة . وقيل هو يوم القيامة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون . { لاَ يَرْكَعُونَ } لا يمتثلون واستدل به على أن الأمر للوجوب وأن الكفار مخاطبون بالفروع .\r{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ } بعد القرآن . { يُؤْمِنُونَ } إذا لم يؤمنوا به وهو معجز في ذاته مشتمل على الحجج الواضحة والمعاني الشريفة .\rعن النبي A « من قرأ سورة والمرسلات كتب له أنه ليس من المشركين » .","part":5,"page":361},{"id":2362,"text":"مكية ، وآيها إحدى وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ عَمَّ يَتَسَاءلُونَ } أصله عما فحذف الألف لما مر ، ومعنى هذا الاستفهام تفخيم شأن ما يتساءلون عنه كأنه لفخامته خفي جنسه فيسأل عنه ، والضمير لأهل مكة كانوا يتساءلون عن البعث فيما بينهم ، أو يسألون الرسول E والمؤمنين عنه استهزاء كقولهم : يتداعونهم ويتراءونهم أي يدعونهم ويرونهم ، أو للناس .\r{ عَنِ النبإ العظيم } بيان لشأن المفخم أو صلة { يَتَسَاءلُونَ } و { عَمَّ } متعلق بمضمر مفسر به ، ويدل عليه قراءة يعقوب : «عمه» .\r{ الذى هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ } بجزم النفي والشك فيه ، أو بالإقرار والإِنكار .\r{ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } ردع عن التساؤل ووعيد عليه .\r{ ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ } تكرير للمبالغة و { ثُمَّ } للإشعار بأن الوعيد الثاني أشد ، وقيل الأول عند النزع والثاني في القيامة ، أو الأول للبعث والثاني للجزاء . وعن ابن عامر «ستعلمون» بالتاء على تقدير قل لهم ستعلمون .\r{ أَلَمْ نَجْعَلِ الأرض مهادا والجبال أَوْتَاداً } تذكير ببعض ما عاينوا من عجائب صنعه الدالة على كمال قدرته ليستدلوا بذلك على صحة البعث كما مر تقريره مراراً ، وقرىء «مهداً» أي أنها لهم كالمهد للصبي مصدر سمي به ما يمهد لينوم عليه .\r{ وخلقناكم أزواجا } ذكراً وأنثى .\r{ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً } قطعاً عن الإِحساس والحركة استراحة للقوى الحيوانية وإزاحة لكلاهما ، أو موتاً لأنه أحد التوفيين ومنه المسبوت للميت ، وأصله القطع أيضاً .\r{ وَجَعَلْنَا اليل لِبَاساً } غطاء يستتر بظلمته من أراد الاختفاء .\r{ وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشاً } وقت معاش تتقلبون فيه لتحصيل ما تعيشون به ، أو حياة تنبعثون فيها عن نومكم .\r{ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } سبع سموات أقوياء محكمات لا يؤثر فيها مرور الدهور .\r{ وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً } متلألئاً وقاداً من وهجت النار إذا أضاءت ، أو بالغاً في الحرارة من الوهج وهو الحر والمراد الشمس .","part":5,"page":362},{"id":2363,"text":"{ وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات } السحائب إذا أعصرت أي شارفت أن تعصرها الرياح فتمر كقولك : احصد الزرع إذا حان له أن يحصد ، ومنه أعصرت الجارية إذا دنت أن تحيض ، أو من الرياح التي حان لها أن تعصر السحاب ، أو الرياح ذوات الأعاصير ، وإنما جعلت مبدأ للإنزال لأنها تنشىء السحاب وتدرأ خلافه ، ويؤيده أنه قرىء «بالمعصرات» . { مَاءً ثَجَّاجاً } منصباً بكثرة يقال ثجه وثج بنفسه . وفي الحديث \" أفضل الحج العج والثج \" أي رفع الصوت بالتلبية وصب دماء الهدى ، وقرىء «ثَجَّاجاً» ومثاجج الماء مصابه .\r{ لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً } ما يقتات به وما يعتلف من التبن والحشيش .\r{ وجنات أَلْفَافاً } ملتفة بعضها ببعض جمع لف كجذع . قال :\rجَنَّة لفَّ وَعَيْشٌ مُغْدق ... وَنَدَامى كُلُّهُمْ بِيضٌ زهر\rأو لفيف كشريف أو لف جمع لفاء كخضراء وخضر وأخضار أو متلفة بحذف الزوائد .\r{ إِنَّ يَوْمَ الفصل كَانَ } في علم الله تعالى أو في حكمه . { ميقاتا } حداً تؤقت به الدنيا وتنتهي عنده ، أو حداً للخلائق ينتهون إليه .\r{ يَوْمَ يُنفَخُ فِى الصور } بدل أو بيان ليوم الفصل . { فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً } جماعات من القبور إلى المحشر . روي \" أنه A سئل عنه فقال : يحشر عشرة أصناف من أمتي بعضهم على صورة القردة ، وبعضهم على صورة الخنازير ، وبعضهم منكسون يسبحون على وجوههم ، وبعضهم عمي وبعضهم صم بكم ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم فيسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع ، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم ، وبعضهم مصلوبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتناً من الجيف ، وبعضهم ملبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم \" ثم فسرهم بالقتات وأهل السحت وأكلة الربا والجائرين في الحكم والمعجبين بأعمالهم ، والعلماء الذين خالف قولهم عملهم ، والمؤذين جيرانهم والساعين بالناس إلى السلطان ، والتابعين للشهوات المانعين حق الله تعالى ، والمتكبرين الخيلاء .\r{ وَفُتِحَتِ السماء } وشققت وقرأ الكوفيون بالتخفيف . { فَكَانَتْ أبوابا } فصارت من كثرة الشقوق كأن الكل أبواب أو فصارت ذات أبواب .\r{ وَسُيّرَتِ الجبال } أي في الهواء كالهباء . { فَكَانَتْ سَرَاباً } مثل سراب إذ ترى على صورة الجبال ولم تبق على حقيقتها لتفتت أجزائها وانبثاثها .\r{ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً } موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ، أو خزنة الجنة المؤمنين ليحرسوهم من فيحها في مجازهم عليها ، كالمضمار فإنه الموضع الذي تضمر فيه الخيل ، أو مجدة في ترصد الكفرة لئلا يشذ منها واحد كالمطعان ، وقرىء { أن } بالفتح على التعليل لقيام الساعة .\r{ للطاغين مَئَاباً } مرجعاً ومأوى .\r{ لابثين فِيهَا } وقرأ حمزة وروح «لبثين» وهو أبلغ . { أَحْقَاباً } دهوراً متتابعة ، وليس فيها ما يدل على خروجهم منها إذ لو صح أن الحقب ثمانون سنة أو سبعون ألف سنة ، فليس فيه ما يتقضى تناهي تلك الأحقاب لجواز أن يكون المراد أحقاباً مترادفة كلما مضى حقب تبعه آخر ، وإن كان فمن قبيل المفهوم فلا يعارض المنطق الدال على خلود الكفار ، ولو جعل قوله :\r{ لاَّ يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلاَ شَرَاباً إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً } حالاً من المستكن في { لابثين } أو نصب { أَحْقَاباً } ب { لاَ يَذُوقُونَ } احتمل أن يلبثوا فيها أحقاباً غير ذائقين إلا حميماً وغساقاً ، ثم يبدلون جنساً آخر من العذاب ، ويجوز أن يكون جمع حقب من حقب الرجل إذا أخطأه الرزق ، وحقب العام إذا قل مطره وخيره فيكون حالاً بمعنى لابثين فيها حقبين ، وقوله { لاَ يَذُوقُونَ } تفسير له والمراد بالبرد ما يروحهم وينفس عنهم حر النار أو النوم ، وبالغساق ما يغسق أي يسيل من صديدهم ، وقيل الزمهرير وهو مستثنى من البرد إلا أنه أخر ليتوافق رؤوس الآي ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالتشديد .","part":5,"page":363},{"id":2364,"text":"{ جَزَاءً وفاقا } أي جوزوا بذلك جزاء ذا وفاق لأعمالهم ، أو موافقاً لها أو وافقها وفاقاً ، وقرىء «وفاقا » فعال من وفقه كذا .\r{ إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً } بيان لما وافقه هذا الجزاء .\r{ وَكَذَّبُواْ بئاياتنا كِذَّاباً } تكذيباً وفعال بمعنى تفعيل مطرد شائع في كلام الفصحاء . وقرىء بالتخفيف وهو بمعنى الكذب كقوله :\rفَصَدَقْتَهَا وَكَذَبْتَهَا ... وَالمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذَّابُهْ\rوإنما أقيم مقام التكذيب للدلالة على أنهم كذبوا في تكذيبهم ، أو المكاذبة فإنهم كانوا عند المسلمين كاذبين وكان المسلمون كاذبين عندهم فكان بينهم مكاذبة ، أو كانوا مبالغين في الكذب مبالغة فيه ، وعلى المعنيين يجوز أن يكون حالاً بمعنى كاذبين أو مكاذبين ، ويؤيده أنه قرىء «كَذَّاباً» وهو جمع كاذب ، ويجوز أن يكون للمبالغة فيكون صفة للمصدر أي تكذيباً مفرطاً كذبه .\r{ وَكُلَّ شىْء أحصيناه } وقرىء بالرفع على الابتداء . { كتابا } مصدر لأحصيناه فإن الأحصاء والكتبة يتشاركان في معنى الضبط أو لفعله المقدر أو حال بمعنى مكتوباً في اللوح ، أو صحف الحفظة والجملة اعتراض وقوله :\r{ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً } مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات ومجيئه على طريقة الالتفات للمبالغة . وفي الحديث \" هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار \" { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً } فوزاً أو موضع فوز .\r{ حَدَائِقَ وأعنابا } بساتين فيها أنواع الأشجار المثمرة بدل من { مَفَازاً } بدل الاشتمال والبعض .\r{ وَكَوَاعِبَ } نساء فلكت ثديهن { أَتْرَاباً } لدات { وَكَأْساً دِهَاقاً } ملآنا وأدهق الحوض ملآه .\r{ لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذباً } وقرأ الكسائي بالتخفيف أي كذباً أو مكاذبةٍ ، إذ لا يكذب بعضهم بعضاً .\r{ جَزَاءً مّن رَّبّكَ } . بمقتضى وعده . { عَطَاءً } تفضلاً منه إذ لا يجب عليه شيء ، وهو بدل من { جَزَاء } ، وقيل منتصف به نصب المفعول به . { حِسَاباً } كافياً من أحسبه الشيء إذا كفاه حتى قال حسبي ، أو على حسب أعمالهم وقرىء «حِسَاباً» أي محسباً كالدراك بمعنى المدرك .\r{ رَبِّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا } بدل من ربك وقد رفعه الحجازيان وأبو عمرو على الابتداء . { الرحمن } بالجر صفة له وكذا في قراءة ابن عامر وعاصم ويعقوب بالرفع في قراءة أبي عمرو ، وفي قراءة حمزة والكسائي بجر الأول ورفع الثاني على أنه خبر محذوف ، أو مبتدأ خبره : { لاَ يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَاباً } والواو لأهل السموات والأرض أي لا يملكون خطابه ، والاعتراض عليه في ثواب أو عقاب لأنهم مملوكون له على الاطلاق فلا يستحقون عليه اعتراضاً وذلك لا ينافي الشفاعة بإذنه .","part":5,"page":364},{"id":2365,"text":"{ يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً } تقرير وتوكيد لقوله { لاَّ يَمْلِكُونَ } ، فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه ، فكيف يملكه غيرهم و { يَوْمٍ } ظرف ل { لاَّ يَمْلِكُونَ } ، أو ل { يَتَكَلَّمُونَ } و { الروح } ملك موكل على الأرواح أو جنسها ، أو جبريل عليه السلام أو خلق أعظم من الملائكة .\r{ ذَلِكَ اليوم الحق } الكائن لا محالة . { فَمَن شَاء اتخذ إلى رَبّهِ } إلى ثوابه . { مَئَاباً } بالإيمان والطاعة .\r{ إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } يعني عذاب الآخرة ، وقربه لتحققه فإن كل ما هو آت قريب ولأن مبدأه الموت . { يَوْمَ يَنظُرُ المرء مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } يرى ما قدمه من خير أو شر ، و { المرء } عام . وقيل هو الكافر لقوله : { إِنَّا أنذرناكم } فيكون الكافر ظاهراً وضع موضع الضمير لزيادة الذم ، و { مَا } موصولة منصوبة بينظر أو استفهامية منصوبة ب { قَدَّمْتُ } ، أي ينظر أي شيء قدمت يداه . { وَيَقُولُ الكافر الكافر ياليتنى كُنتُ ترابا } في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف ، أو في هذا اليوم فلم أبعث ، وقيل يحشر سائر الحيوانات للاقتصاص ثم ترد تراباً فيود الكافر حالها .\rعن النبي A « من قرأ سورة عم سقاه الله برد الشراب يوم القيامة » .","part":5,"page":365},{"id":2366,"text":"مكية وآيها خمس أو ست وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم\r{ والنازعات غَرْقاً والناشطات نَشْطاً والسابحات سَبْحاً فالسابقات سَبْقاً }\r{ فالمدبرات أَمْراً } . هذه صفات ملائكة الموت فإنهم ينزعون أرواح الكفار من أبدانهم غرقاً أي إغراقاً في النزع ، فإنهم ينزعونها من أقاصي الأبدان ، أو نفوساً غرقت في الأجساد وينشطون أي يخرجون أرواح المؤمنين برفق من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها ، ويسبحون في إخراجها سبح الغواص الذي يخرج الشيء من أعماق البحر ، فيسبقون بأرواح الكفار إلى النار وبأرواح المؤمنين إلى الجنة ، فيدبرون أمر عقابها وثوابها بأن يهيئوها لإدراك ما أعد لها من الآلام واللذات ، أو الأوليان لهم والباقيات لطوائف من الملائكة يسبحون في مضيها أي يسرعون فيه فيسبقون إلى ما أمروا به فيدبرون أمره ، أو صفات النجوم فإنها تنزع من المشرق إلى المغرب غرقاً في النزع بأن تقطع الفلك حتى تنحط في أقصى الغرب ، وتنشط من برج إلى برج أي تخرج من نشط الثور إذا خرج من بلد إلى بلد ، ويسبحن في الفلك فيسبق بعضها في السير لكونه أسرع حركة فيدبر أمراً نيط بها ، كاختلاف الفصول وتقدير الأزمنة وظهور مواقيت العبادات ، ولما كانت حركاتها من المشرق إلى المغرب قسرية وحركاتها من برج إلى برج ملائمة سمى الأولى نزعاً والثانية نشطاً ، أو صفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقاً أي نزعاً شديداً من إغراق النازع في القوس ، وتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيها فتسبق إلى حظائر القدس فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات ، أو حال سلوكها فإنها تنزع عن الشهوات فتنشط إلى عالم القدس ، فتسبح في مراتب الارتقاء فتسبق إلى الكمالات حتى تصير من المكملات ، أو صفات أنفس الغزاة ، أو أيديهم تنزع القسي بإغراق السهام وينشطون بالسهم للرمي ويسبحون في البر والبحر فيسبقون إلى حرب العدو فيدبرون أمرها ، أو صفات خيلهم فإنها تنزع في أعنتها نزعاً تغرق فيه الأعنة لطول أعناقها وتخرج من دار الإسلام إلى دار الكفر ، وتسبح في حربها فتسبق إلى العدو فتدبر أمر الظفر .\rأقسم الله تعالى بها على قيام الساعة وإنما حذف لدلالة ما بعده عليه .\r{ يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة } وهو منصوب به والمراد ب { الراجفة } الأجرام الساكنة التي تشتد حركتها حينئذ كالأرض والجبال لقوله تعالى : { يَوْمَ تَرْجُفُ الأرض والجبال } أو الواقعة التي ترجف الأجرام عندها وهي النفخة الأولى .\r{ تَتْبَعُهَا الرادفة } التابعة وهي السماء والكواكب تنشق وتنشر ، أو النفخة الثانية . والجملة في موقع الحال .\r{ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ } شديدة الاضطراب من الوجيف وهي صفة القلوب والخبر :\r{ أبصارها خاشعة } أي أبصار أصحابها ذليلة من الخوف ولذلك أضافها إلى القلوب .\r{ يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِى الحافرة } في الحالة الأولى يعنون الحياة بعد الموت من قولهم رجع فلان في حافرته أي طريقه التي جاء فيها ، فحفرها أي أثر فيها بمشيه على النسبة كقوله تعالى : { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } أو تشبيه القائل بالفاعل وقرىء «في الحفرة» بمعنى المحفورة يقال حفرت أسنانه فحفرت حفراً وهي حفرة .\r{ أَئِذَا كُنَّا } وقرأ نافع وابن عامر والكسائي { إِذَا كُنَّا } على الخبر . { عظاما نَاخِرَةً } بالية وقرأ الحجازيان والشامي وحفص وروح «نَّخِرَةً» وهي أبلغ .","part":5,"page":366},{"id":2367,"text":"{ قَالُواْ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسرة } ذات خسران أو خاسر أصحابها ، والمعنى أنها إن صحت فنحن إذاً خاسرون لتكذيبنا بها وهو استهزاء منهم .\r{ فَإِنَّمَا هِىَ زَجْرَةٌ واحدة } متعلق بمحذوف أي لا يستصعبوها فما هي إلا صيحة واحدة يعني النفخة الثانية .\r{ فَإِذَا هُم بالساهرة } فإذا هم أحياء على وجه الأرض بعد ما كانوا أمواتاً في بطنها ، والساهرة والأرض البيضاء المستوية سميت بذلك لأن السراب يجري فيها من قولهم : عين ساهرة للتي يجري ماؤها وفي ضدها نائمة ، أو لأن سالكها يسهر خوفاً وقيل اسم لجهنم .\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى } أليس قد أتاك حديثه فيسليك على تكذيب قومك وتهددهم عليه بأن يصيبهم مثل ما أصاب من هو أعظم منهم .\r{ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بالواد المقدس طُوًى } قد مر بيانه في سورة «طه» .\r{ اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى } على إرادة القول ، وقرىء «أن أذهب» لما في النداء من معنى القول .\r{ فَقُلْ هَل لَّكَ إلى أَن تزكى } هل لك ميل إلى أن تتطهر من الكفر والطغيان ، وقرأ الحجازيان ويعقوب« تزكى » بالتشديد .\r{ وَأَهْدِيَكَ إلى رَبّكَ } وأرشدك إلى معرفته . { فتخشى } بأداء الواجبات وترك المحرمات ، إذ الخشية إنما تكون بعد المعرفة وهذا كالتفصيل لقوله : { فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً } { فَأَرَاهُ الآية الكبرى } أي فذهب وبلغ فأراه المعجزة الكبرى وهي قلب العصا حية فإنه كان المقدم والأصل ، أو مجموع معجزاته فإنها باعتبار دلالتها كالآية الواحدة .\r{ فَكَذَّبَ وعصى } فكذب موسى وعصى الله D بعد ظهور الآية وتحقق الأمر .\r{ ثُمَّ أَدْبَرَ } عن الطاعة . { يسعى } ساعياً في إبطال أمره أو أدبر بعدما رأى الثعبان مرعوباً مسرعاً في مشيه .\r{ فَحَشَرَ } فجمع السحرة أو جنوده . { فنادى } في المجمع بنفسه أو بمناد .\r{ فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى } أعلى كل من يلي أمركم .\r{ فَأَخَذَهُ الله نَكَالَ الآخرة والأولى } أخذا منكلاً لمن رآه ، أو سمعه في الآخرة بالإِحراق وفي الدنيا بالإِغراق ، أو على كلمته { الآخرة } وهي هذه وكلمته الأولى وهو قوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } أو للتنكيل فيهما ، أو لهما ، ويجوز أن يكون مصدراً مؤكداً مقدراً بفعله .\r{ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَعِبْرَةً لّمَن يخشى } لمن كان من شأنه الخشية .","part":5,"page":367},{"id":2368,"text":"{ أأنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً } أصعب خلقاً . { أَمِ السماء } ثم بين كيف خلقها فقال : { بناها } ثم بين البناء فقال :\r{ رَفَعَ سَمْكَهَا } أي جعل مقدار ارتفاعها من الأرض أو ثخنها لذاهب في العلو رفيعاً . { فَسَوَّاهَا } فعدلها أو فجعلها مستوية ، أو فتممها بما يتم به كمالها من الكواكب والتداوير وغيرها من قولهم : سوى فلان أمره إذا أصلحه .\r{ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا } أظلمه منقول من غطش الليل إذا أظلم ، وإنما أضافه إليها لأنه يحدث بحركتها . { وَأَخْرَجَ ضحاها } وأبرز ضوء شمسها . كقوله تعالى : { والشمس وضحاها } يريد النهار .\r{ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها } بسطها ومهدها للسكنى .\r{ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا } بتفجير العيون . { ومرعاها } ورعيها وهو في الأصل لموضع الرعي ، وتجريد الجملة عن العاطف لأنها حال بإضمار قد أو بيان للدحو .\r{ والجبال أرساها } أثبتها وقرىء «والأرض والجبال» بالرفع على الابتداء ، وهو مرجوح لأن العطف على فعلية .\r{ متاعا لَّكُمْ ولأنعامكم } تمتيعاً لكم ولمواشيكم .\r{ فَإِذَا جَاءتِ الطامة } الداهية التي تطم أي تعلو على سائر الدواهي . { الكبرى } التي هي أكبر الطامات وهي القيامة ، أو النفخة الثانية أو الساعة التي يساق فيها أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار .\r{ يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنسان مَا سعى } بأن يراه مدوناً في صحيفته وكان قد نسيه من فرط الغفلة أو طول المدة ، وهو بدل من { فَإِذَا جَاءتِ } و { مَا } موصولة أو مصدرية { وَبُرّزَتِ الجحيم } وأظهرت . { لِمَن يرى } لكل راء بحيث لا تخفى على أحد ، وقرىء { وَبُرّزَتِ } و «لمن رأى» و «لمن ترى» على أن فيه ضمير الجحيم كقوله تعالى : { إِذَا رَأَتْهُمْ مّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ } أو أنه خطاب الرسول A أي لمن تراه من الكفار ، وجواب { فَإِذَا جَاءتِ } محذوف دل عليه { يَوْمَ يَتَذَكَّرُ } أو ما بعده من التفضيل .\r{ فَأَمَّا مَن طغى } حتى كفر .\r{ وَءاثَرَ الحياة الدنيا } فانهمك فيها ولم يستعد للآخرة بالعبادة وتهذيب النفس .\r{ فَإِنَّ الجحيم هِىَ المأوى } هي مأواه واللام فيه سادة مسد الإضافة للعلم بأن صاحب المأوى هو الطاغي ، وهي فصل أو مبتدأ . { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } مقامه بين يدي ربه لعلمه بالمبدأ والمعاد .\r{ وَنَهَى النفس عَنِ الهوى } لعلمه بأنه مرد .","part":5,"page":368},{"id":2369,"text":"{ فَإِنَّ الجنة هِىَ المأوى } ليس له سواها مأوى .\r{ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة أَيَّانَ مرساها } متى إرسَاؤهَا أي إقامتها وإثباتها ، أو منتهاها ومستقرها من مرسى السفينة وهو حيث تنتهي إليه وتستقر فيه .\r{ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } في أي شيء أنت من أن تذكر وقتها لهم أي ما أنت من ذكرها لهم ، وتبيين وقتها في شيء فإن ذكرها لا يزيدهم إلا غياً . ووقتها مما استأثر الله تعالى بعلمه . وقيل { فِيمَ } إنكار لسؤالهم و { أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا } مستأنف ، ومعناه أنت ذكر من ذكرها أي علامة من أشراطها ، فإن إرساله خاتماً للأنبياء أمارة من أماراتها ، وقيل إنه متصل بسؤالهم والجواب .\r{ إلى رَبّكَ منتهاها } أي منتهى علمها .\r{ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } إنما بعثت لإنذار من يخاف هولها ، وهو لا يناسب تعيين الوقت وتخصيص من يخشى لأنه المنتفع به ، وعن أبي عمرو ومنذر بالتنوين والإِعمال على الأصل لأنه بمعنى الحال .\r{ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُواْ } في الدنيا أو في القبور . { إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضحاها } أي عشية يوم أو ضحاه كقوله { إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ } ولذلك أضاف الضحى إلى ال { عَشِيَّةً } لأنهما من يوم واحد .\rعن النبي A « من قرأ سورة النازعات كان ممن حبسه الله في القيامة حتى يدخل الجنة قدر صلاة المكتوبة » .","part":5,"page":369},{"id":2370,"text":"مكية وآيها ثنتان وأربعون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ عَبَسَ وتولى } . { أَن جَاءهُ الأعمى } روي : \" أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله A وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإِسلام ، فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله A قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت ، فكان رسول الله A يكرمه ويقول إذا رآه : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ، واستخلفه على المدينة مرتين \" وقرىء «عَبَّسَ» بالتشديد للمبالغة و { أَن جَاءهُ } علة ل { تولى } ، أو { عَبَسَ } على اختلاف المذهبين ، وقرىء «آأن» بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك ، وذكر الأعمى للإِشعار بعذره في الإِقدام على قطع كلام رسول الله A بالقوم والدلالة على أنه أحق بالرأفة والرفق ، أو لزيادة الإِنكار كأنه قال : تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله :\r{ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يزكى } أي : وأي شيء يجعلك دارياً بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك . وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره .\r{ أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذكرى } أو يتعظ فتنفعه موعظتك ، وقيل الضمير في { لَعَلَّهُ } للكافر أي أنك طمعت في تزكيه بالإِسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره ، فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن ، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جواباً للعل .\r{ أَمَّا مَنِ استغنى فَأَنتَ لَهُ تصدى } تتعرض له بالإِقبال عليه وأصله تتصدى ، وقرأ ابن كثير ونافع «تصدى» بالإِدغام وقرىء . «تصدى» أي تعرض وتدعى إلى التصدي .\r{ وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يزكى } وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم { إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ } { وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يسعى } يسرع طالباً للخير .\r{ وَهُوَ يخشى } الله أو أذية الكفار في إتيانك ، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له .","part":5,"page":370},{"id":2371,"text":"{ فَأَنتَ عَنْهُ تلهى } تتشاغل ، يقال لها عنه والتهى و { تلهى } ، ولعل ذكر التصدق والتلهي للإِشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير ، ومثله لا ينبغي له ذلك .\r{ كَلاَّ } ردع عن المعاتب عليه أو عن معاودة مثله . { إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } .\r{ فَمَن شَاء ذَكَرَهُ } حفظه أو اتعظ به والضميران للقرآن ، أو العتاب المذكور وتأنيث الأول لتأنيث خبره .\r{ فَى صُحُفٍ } مثبتة فيها صفة لتذكرة ، أو خبر ثان أو خبر لمحذوف . { مُّكَرَّمَةٍ } عند الله .\r{ مَّرْفُوعَةٍ } القدر . { مُّطَهَّرَةٍ } منزهة عن أيدي الشياطين :\r{ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ } كتبة من الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب من اللوح أو الوحي ، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله ، أو الأمة جمع سافر من السفر ، أو السفارة والتركيب للكشف يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها .\r{ كِرَامٍ } أعزاء على الله أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم . { بَرَرَةٍ } أتقياء .\r{ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } دعاه عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران ، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ .\r{ مِنْ أَىّ شَىْءٍ خَلَقَهُ } بيان لما أنعم عليه خصوصاً من مبدأ حدوثه ، والاستفهام للتحقير ولذلك أجاب عنه بقوله :\r{ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ } فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال ، أو { فَقَدَّرَهُ } أطواراً إلى أن تم خلقته .\r{ ثُمَّ السبيل يَسَّرَهُ } ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم وألهمه أن ينتكس ، أو ذلل له سبيل الخير والشر ونصب السبيل بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير ، وتعريفه باللام دون الإِضافة للإِشعار بأنه سبيل عام ، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ولذلك عقبه بقوله :\r{ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ } وعد الإِماتة والإِقبار في النعم لأن الإِماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع ، وفي { إِذَا شَاء } إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه ، وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى .\r{ كَلاَّ } ردع للإِنسان بما هو عليه . { لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ } لم يقض بعد من لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله بأمره ، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما .\r{ فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ } إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية .\r{ أَنَاْ صَبَبْنَا الماء صَبّاً } استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام ، وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال .","part":5,"page":371},{"id":2372,"text":"{ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً } أي بالنبات أو بالكراب ، وأسند الشق إلى نفسه إسناد الفعل إلى السبب .\r{ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً } كالحنطة والشعير .\r{ وَعِنَباً وَقَضْباً } يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى .\r{ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً } عظاماً وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها ، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب .\r{ وفاكهة وَأَبّاً } ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع ، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيء للرعي ، أو فاكهة يابسة تؤوب للشتاء .\r{ متاعا لَّكُمْ ولأنعامكم } فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف .\r{ فَإِذَا جَاءتِ الصاخة } أي النفخة وصفت بها مجازاً لأن الناس يصخون لها .\r{ يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ } لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه ، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل : يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه .\r{ لِكُلّ امرىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ } يكفيه في الاهتمام به ، وقرىء «يعنيه» أي يهمه .\r{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ } مضيئة من إسفار الصبح .\r{ ضاحكة مُّسْتَبْشِرَةٌ } لما ترى من النعيم .\r{ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ } غبار وكدورة .\r{ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ } يَغشاها سواد وظلمة .\r{ أُوْلَئِكَ هُمُ الكفرة الفجرة } الذين جمعوا إلى الكفر الفجور ، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة .\rقال النبي A \" من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر \" .","part":5,"page":372},{"id":2373,"text":"مكية وآيها تسع وعشرون آية بسم\rالله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا الشمس كُوّرَتْ } لفت من كورت العمامة إذا لففتها بمعنى رفعت لأن الثوب إذا أريد رفعه لف ، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه في الآفاق وزال أثره ، وألقيت عن فلكها من طعنه فكوره إذا ألقاه مجتمعاً والتركيب للإرادة والجمع وارتفاع الشمس بفعل يفسره ما بعدها أولى لأن إذا الشرطية تطلب الفعل .\r{ وَإِذَا النجوم انكدرت } انقضت قال :\rأَبْصِرْ خَرْبَانَ فَضَاءَ فانكدر ... أو أظلمت من كدرت الماء فانكدر .\r{ وَإِذَا الجبال سُيّرَتْ } عن وجه الأرض أو في الجو .\r{ وَإِذَا العشار } النوق اللواتي أتى على حملهن عشرة أشهر جمع عشراء . { عُطّلَتْ } تركت مهملة ، أو السحائب عطلت عن المطر ، وقرىء بالتخفيف .\r{ وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ } جمعت من كل جانب أو بعثت للقصاص ثم ردت تراباً ، أو أميتت من قولهم إذا أجحفت السنة بالناس حشرتهم ، وقرىء بالتشديد .\r{ وَإِذَا البحار سُجّرَتْ } أحميت أو ملئت بتفجير بعضها إلى بعض حتى تعود بحراً واحداً ، من سجر التنور إذا ملأه بالحطب ليحميه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وروح بالتخفيف .\r{ وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } قرنت بالأبدان أو كل منها بشكلها ، أو بكتابها وعملها أو نفوس المؤمنين بالحور ونفوس الكافرين بالشياطين .\r{ وَإِذَا الموءودة } المدفونة حية وكانت العرب تئد البنات مخافة الإِملاق ، أو لحوق العار بهم من أجلهم .\r{ سُئِلَتْ بِأَىّ ذَنبٍ قُتِلَتْ } تبكيتاً لوائدها كتبكيت النصارى بقوله تعالى لعيسى E { أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذونى وَأُمّىَ إلهين مِن دُونِ الله } وقريء «سألت» أي خاصمت عن نفسها وسألت ، وإنما قيل { قُتِلَتْ } على الإِخبار عنها وقرىء « قُتِلَتْ» على الحكاية .","part":5,"page":373},{"id":2374,"text":"{ وَإِذَا الصحف نُشِرَتْ } يعني صحف الأعمال فإنها تطوى عند الموت وتنشر وقت الحساب . وقيل { نُشِرَتْ } فرقت بين أصحابها . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالتشديد للمبالغة في النشر ، أو لكثرة الصحف أو شدة التطاير .\r{ وَإِذَا السماء كُشِطَتْ } قلعت وأزيلت كما يكشط الإِهاب عن الذبيحة ، وقرىء { قشطت } واعتقاب القاف والكاف كثير .\r{ وَإِذَا الجحيم سُعّرَتْ } أوقدت إيقاداً شديداً وقرأ نافع وابن عامر وحفص ورويس بالتشديد .\r{ وَإِذَا الجنة أُزْلِفَتْ } قربت من المؤمنين . { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } جواب { إِذَا } وإنما صح والمذكور في سياقها اثنتا عشرة خصلة ست منها في مبادىء قيام الساعة قبل فناء الدنيا وست بعده ، لأن المراد زمان متسع شامل لها ولمجازاة النفوس على أعمالها ، و { نَفْسٌ } في معنى العموم كقولهم تمرة خير من جرادة .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ بالخنس } بالكواكب الرواجع من خنس إذا تأخر ، وهي ما سوى النيرين من الكواكب السيارات ولذلك وصفها بقوله :\r{ الجوار الكنس } أي السيارات التي تختفي تحت ضوء الشمس من كنس الوحش إذا دخل كناسه ، وهو بيته المتخذ من أغصان الشجر .\r{ واليل إِذَا عَسْعَسَ } أقبل ظلامه أو أدبر وهو من الأضداد يقال عسعس الليل وسعسع إذا أدبر .\r{ والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } أي أضاء غبرته عند إقبال روح ونسيم .\r{ إِنَّهُ } أي القرآن . { لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } يعني جبريل فإنه قاله عن الله تعالى .\r{ ذِى قُوَّةٍ } كقوله شديد القوى . { عِندَ ذِى العرش مَكِينٍ } عند الله ذي مكانة .\r{ مطاع } في ملائكته . { ثَمَّ أَمِينٍ } على الوحي ، وثم يحتمل اتصاله بما قبله وما بعده ، وقرىء { ثُمَّ } تعظيماً للأمانة وتفضيلاً لها على سائر الصفات .\r{ وَمَا صاحبكم بِمَجْنُونٍ } كما تبهته الكفرة واستدل بذلك على فضل جبريل على محمد E حيث عد فضائل جبريل واقتصر على نفي الجنون عن النبي A ، وهو ضعيف إذ المقصود منه نفي قولهم { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ } افترى على الله كذباً { أم به جنة } لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما .","part":5,"page":374},{"id":2375,"text":"{ وَلَقَدْ رَءاهُ } ولقد رأى رسول الله A جبريل E . { بالأفق المبين } بمطلع الشمس .\r{ وَمَا هُوَ } وما محمد E . { عَلَى الغيب } على ما يخبره من الموحى إليه وغيره من الغيوب . { بِضَنِينٍ } بمتهم من الظنة ، وهي التهمة ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة وابن عامر { بِضَنِينٍ } بالضاد من الضن وهو البخل أي لا يبخل بالتبليغ والتعليم ، والضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره ، والظاء من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا .\r{ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شيطان رَّجِيمٍ } يقول بعض المسترقة للسمع ، وهو نفي لقولهم إنه لكهانة وسحر .\r{ فَأيْنَ تَذْهَبُونَ } استضلال لهم فيما يسلكونه في أمر الرسول A والقرآن ، كقولك لتارك الجادة : أين تذهب .\r{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين } تذكير لمن يعلم .\r{ لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ } بتحري الحق وملازمة الصواب وإبداله من العالمين لأنهم المنتفعون بالتذكير .\r{ وَمَا تَشَاءونَ } الاستقامة يا من يشاؤها . { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } إلا وقت أن يشاء الله مشيئتكم فله الفضل والحق عليكم باستقامتكم . { رَبّ العالمين } مالك الخلق كله .\rقال E « من قرأ سورة التكوير أعاذه الله أن يفضحه حين تنتشر صحيفته » .","part":5,"page":375},{"id":2376,"text":"مكية وآيها تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا السماء انفطرت } انشقت .\r{ وَإِذَا الكواكب انتثرت } تساقطت متفرقة .\r{ وَإِذَا البحار فُجّرَتْ } فتح بعضها إلى بعض فصار الكل بحراً واحداً .\r{ وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } قلب ترابها وأخرج موتاها . وقيل إنه مركب من بعث وراء الإثارة كبسمل ونظيره بحثر لفظاً ومعنى .\r{ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ } من عمل أو صدقة . { وَأَخَّرَتْ } من سيئة أو تركت ، ويجوز أن يراد بالتأخير التضييع وهو جواب { إِذَا } .\r{ ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبّكَ الكريم } أي شيء خدعك وجرأك على عصيانه ، وذكر { الكريم } للمبالغة في المنع عن الاغترار فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي ، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإِشعار بما به يغره الشيطان ، فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة ، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الانهماك في عصيانه اغتراراً بكرمه .","part":5,"page":376},{"id":2377,"text":"{ الذى خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ } صفة ثانية مقررة للربوبية مبينة للكرم منبهة على أن من قدر على ذلك أولاً قدر عليه ثانياً ، والتسوية جعل الأعضاء سليمة مسواة معدة لمنافعها ، والتعديل جعل البنية معدلة متناسبة الأعضاء ، أو معدلة بما تسعدها من القوى . وقرأ الكوفيون «فَعَدَلَكَ» بالتخفيف أي عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت ، أو فصرفك عن خلقه غيرك وميزك بخلقة فارقت خلقة سائر الحيوان .\r{ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ } أي ركبك في أي صورة شاءها ، و { مَا } مزيدة وقيل شرطية ، و { رَكَّبَكَ } جوابها و الظرف صلة { عدلك } ، وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها لأنها بيان لعدلك .\r{ كَلاَّ } ردع عن الاغترار بكرم الله وقوله : { بَلْ تُكَذّبُونَ بالدين } إضراب إلى بيان ما هو السبب الأصلي في اغترارهم ، والمراد { بالدين } الجزاء أو الإِسلام .\r{ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين كِرَاماً كاتبين يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ } تحقيق لما يكذبون به ورد لما يتوقعون من التسامح والإِهمال ، وتعظم الكتبة بكونهم كراماً عند الله لتعظيم الجزاء .\r{ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِى جَحِيمٍ } بيان لما يكتبون لأجله .","part":5,"page":377},{"id":2378,"text":"{ يَصْلَوْنَهَا } يقاسون حرها . { يَوْمِ الدين } .\r{ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ } . لخلودهم فيها . وقيل معناه وما يغيبون عنها قبل ذلك إذ كانوا يجدون سمومها في القبور .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدين } تعجيب وتفخيم لشأن ال { يَوْم } ، أي كنه أمره بحيث لا تدركه دراية دار .\r{ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } تقرير لشدة هوله وفخامة أمره إجمالاً ، ورفع ابن كثير والبصريان { يَوْم } على البدل من { يَوْمِ الدين } ، أو الخبر المحذوف .\rعن النبي A « من قرأ سورة إذا السماء انفطرت كتب الله له بعدد كل قطرة من السماء حسنة ، وبعدد كل قبر حسنة » والله أعلم .","part":5,"page":378},{"id":2379,"text":"مختلف فيها وآيها ست وثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ لّلْمُطَفّفِينَ } التطفيف البخس في الكيل والوزن لأن ما يبخس طفيف أي حقير . روي أن أهل المدينة كانوا أخبث الناس كيلاً فنزلت فأحسنوه ، وفي الحديث « خمس بخمس ما نقض العهد قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم ، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر ، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت ، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين ، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر » { الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ } أي إذا اكتالوا من الناس حقوقهم يأخذونها وافية ، وإنما أبدل { على } بمن للدلالة على أن اكتيالهم لما لهم على الناس ، أو اكتيال يتحامل فيه عليهم .\r{ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ } أي إذا كالوا الناس أو وزنوا لهم . { يُخْسِرُونَ } فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله :\rوَلَقَد جَنَيْتُكَ أَكمؤاً وَعَسَاقلا ... بمعنى جنيت لك أو كالوا مكيلهم فحذف المضاف وأقيم المضاف مقامه ، ولا يحسن جعل المنفصل تأكيداً للمتصل فإنه يخرج الكلام عن مقابلة ما قبله إذ المقصود بيان اختلاف حالهم في الأخذ والدفع ، لا في المباشرة وعدمها ويستدعي إثبات الألف بعد الواو كما هو خط المصحف في نظائره .\r{ أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ } فإن من ظن ذلك لم يتجاسر على أمثال هذه القبائح ، فكيف بمن تيقنه وفيه انكار وتعجيب من حالهم .\r{ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } عظمه لعظم ما يكون فيه { يَوْمَ يَقُومُ الناس } نصب بمبعوثون أو بدل من الجار والمجرور ويؤيده القراءة بالجر { لِرَبّ العالمين } لحكمه .\rوفي هذا الانكار والتعجيب وذكر الظن ووصف اليوم بالعظم ، وقيام الناس فيه لله ، والتعبير عنه برب العالمين مبالغات في المنع عن التطفيف وتعظيم إثمه .\r{ كَلاَّ } ردع عن التطفيف والغفلة عن البعث والحساب . { إِنَّ كتاب الفجار } ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم . { لَفِى سِجّينٍ } كتاب جامع لأعمال الفجرة من الثقلين كما قال :\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجّينٌ كتاب مَّرْقُومٌ } أي مسطور بين الكتابة أو معلم بعلم من رآه أنه لا خير فيه ، فعيل من السجن لقب به الكتاب لأنه سبب الحبس ، أو لأنه مطروح كما قيل : تحت الأرضين في مكان وحش ، وقيل هو اسم مكان والتقدير ما كتاب السجين ، أو محل كتاب مرقوم فحذف المضاف .","part":5,"page":379},{"id":2380,"text":"{ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } بالحق أو بذلك .\r{ الذين يُكَذّبُونَ بِيَوْمِ الدين } صفة مخصصة أو موضحة أو ذامة .\r{ وَمَا يُكَذّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ } متجاوز عن النظر غال في التقليد حتى استقصر قدرة الله تعالى وعلمه فاستحال منه الإِعادة . { أَثِيمٍ } منهمك في الشهوات المخدجة بحيث أشغلته عما وراءها وحملته على الإتقان لما عداه .\r{ إِذَا تتلى عَلَيْهِ ءاياتنا قَالَ أساطير الأولين } من فرط جهله وإعراضه عن الحق فلا تنفعه شواهد النقل كما لم تنفعه دالائل العقل .\r{ كَلاَّ } ردع عن هذا القول . { بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } رد لما قالوه وبيان لما أدى بهم إلى هذا القول ، بأن غلب عليهم حب المعاصي بالانهماك فيها حتى صار ذلك صدأ على قلوبهم فعمي عليهم معرفة الحق والباطل ، . فإن كثرة الأفعال سبب لحصول الملكات كما قال E « إن العبد كلما أذنب ذنباً حصل في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه » والرين الصدأ ، وقرأ حفص { بَلْ رَانَ } بإظهار اللام .\r{ كَلاَّ } ردع عن الكسب الرائن . { إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ } فلا يرونه بخلاف المؤمنين ومن أنكر الرؤية جعله تمثيلاً لإِهانتهم بإهانة من يمنع عن الدخول على الملوك ، أو قدر مضافاً مثل رحمة ربهم ، أو قرب ربهم .\r{ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم } ليدخلون النار ويصلون بها .\r{ ثُمَّ يُقَالُ هذا الذى كُنتُمْ بِهِ تُكَذّبُونَ } تقوله لهم الزبانية .\r{ كَلاَّ } تكرير ليعقب بوعد الأبرار كما عقب الأول بوعيد الفجار إشعاراً بأن التطفيف فجور والإيفاء بر ، أو ردع عن التكذيب . { إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ } .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلّيُّونَ كتاب مَّرْقُومٌ } الكلام فيه ما مر في نظيره .","part":5,"page":380},{"id":2381,"text":"{ يَشْهَدُهُ المقربون } يحضرونه فيحفظونه ، أو يشهدون على ما فيه يوم القيامة .\r{ إِنَّ الأبرار لَفِى نَعِيمٍ على الأرائك } على الأسرة في الحجال . { يَنظَرُونَ } إلى ما يسرده من النعم والمتفرجات .\r{ تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم } بهجة التنعم وبريقه ، وقرأ يعقوب «تُعْرِفُ»على البناء للمفعول و «نَضْرَةُ» بالرفع .\r{ يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ } شراب خالص . { مَّخْتُومٍ ختامه مِسْكٌ } أي مختوم أوانيه بالمسك مكان الطين ، ولعله تمثيل لنفاسته ، أو الذي له ختام أي مقطع هو رائحة المسك ، وقرأ الكسائي «خَاتِمَة» بفتح التاء أي ما يختم به ويقطع . { وَفِى ذَلِكَ } يعني الرحيق أو النعيم . { فَلْيَتَنَافَسِ المتنافسون } فليرتغب المرتغبون .\r{ وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ } علم لعين بعينها سميت تسنيماً لارتفاع مكانها أو رفعة شرابها .","part":5,"page":381},{"id":2382,"text":"{ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا المقربون } فإنهم يشربونها صرفاً لأنهم لم يشتغلوا بغير الله ، وتمزج لسائر أهل الجنة وانتصاب { عَيْناً } على المدح أو الحال { مِن تَسْنِيمٍ } والكلام في الباء كما في { يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } { إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ } يعني رؤساء قريش . { كَانُواْ مِنَ الذين ءامَنُواْ يَضْحَكُونَ } كانوا يستهزئون بفقراء المؤمنين .\r{ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم .\r{ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ انقلبوا فاكهين } متلذذين بالسخرية منهم ، وقرأ حفص «فَكِهِينَ» } .\rوَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُواْ إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّونَ } وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم إلى الضلال .\r{ وَمَا أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ } على المؤمنين . { حافظين } يحفظون عليهم أعمالهم ويشهدون برشدهم وضلالهم .\r{ فاليوم الذين ءَامَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ } حين يرونهم أذلاء مغلوبين في النار . وقيل يفتح لهم باب إلى الجنة فيقال لهم اخرجوا إليها ، فَإِذَا وصلوا أغلق دونهم فيضحك المؤمنون منهم .\r{ عَلَى الأرائك يَنظُرُونَ } حال من { يَضْحَكُونَ } .\r{ هَلْ ثُوّبَ الكفار } أي هل أثيبوا . { مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } وقرأ حمزة والكسائي بادغام اللام في الثاء .\rعن النبي A \" من قرأ سورة المطففين سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة \" .","part":5,"page":382},{"id":2383,"text":"مكية وآيها خمس وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا السماء انشقت } بالغمام كقوله تعالى : { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء بالغمام } وعن علي رضي الله تعالى عنه : تنشق من المجرة .\r{ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } واستمعت له أي انقادت لتأثير قدرته حين أراد انشقاقها انقياد المطواع الذي يأذن للآمر ويذعن له . { وَحُقَّتْ } وجعلت حقيقة بالاستماع والانقياد يقال : حق بكذا فهو محقوق وحقيق .\r{ وَإِذَا الأرض مُدَّتْ } بسطت بأن لا تزال جبالها وآكامها .\r{ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } في الخلو أقصى جهدها حتى لم يبق شيء في باطنها .\r{ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا } في الإِلقاء والتخلي . { وَحُقَّتْ } للإِذن وتكرير { إِذَا } لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة ، وجوابه محذوف للتهويل بالإِبهام أو الاكتفاء بما مر في سورتي «التكوير» و «الانفطار» أو لدلالة قوله .\r{ ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ كَدْحاً فملاقيه } عليه وتقديره لاقى الإِنسان كدحه أي جهداً يؤثر فيه من كدحه إذا خدشه ، أو { فملاقيه } و { ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبّكَ } اعتراض ، والكدح إليه السعي إلى لقاء جزائه .\r{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً } سهلاً لا يناقش فيه .\r{ وَيَنقَلِبُ إلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً } إلى عشيرته المؤمنين ، أو فريق المؤمنين ، أو { أَهْلِهِ } في الجنة من الحور .\r{ وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ كتابه وَرَاء ظَهْرِهِ } أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره . قيل تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره .\r{ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً } يتمنى الثبور ويقول يا ثبوراه وهو الهلاك .\r{ ويصلى سَعِيراً } وقرأ الحجازيان والشامي «ويصلى» لقوله تعالى : { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } وقرىء «ويصلى» لقوله تعالى : { ونصله جَهَنَّمَ . }","part":5,"page":383},{"id":2384,"text":"{ إِنَّهُ كَانَ فِى أَهْلِهِ } أي في الدنيا . { مَسْرُوراً } بطراً بالمال والجاه فارغاً عن الآخرة .\r{ إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ } لن يرجع إلى الله تعالى .\r{ بلى } إيجاب لما بعد { لَنْ } . { إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيراً } عالماً بأعماله فلا يهمله بل يرجعه ويجازيه .\r{ فَلاَ أُقْسِمُ بالشفق } الحمرة التي ترى في أفق المغرب بعد الغروب . وعن أبي حنيفة C تعالى : أنه البياض الذي يليها ، سمي به لرقته من الشفقة .\r{ واليل وَمَا وَسَقَ } وما جمعه وستره من الدواب وغيرها يقال : وسقه فاتسق واستوسق ، قال :\rمُسْتَوْسِقَاتٍ لَوْ يَجِدْنَ سَائِقاً ... أو طرده إلى أماكنه من الوسيقة .\r{ والقمر إِذَا اتسق } اجتمع وتم بدراً .\r{ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَن طَبقٍ } حالاً بعد حال مطابقة لأختها في الشدة ، وهو لما طابق غيره فقيل للحال المطابقة ، أو مراتب من الشدة بعد المراتب هي الموت ومواطن القيامة وأهوالها ، أو هي وما قبلها من الدواهي على أنه جمع طبقة . وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي «لَتَرْكَبُنَّ» بالفتح على خطاب الإنسان باعتبار اللفظ ، أو الرسول E على معنى «لَتَرْكَبُنَّ» حالاً شريفة ومرتبة عالية بعد حال ومرتبة ، أو { طَبَقاً } من أطباق السماء بعد طبق ليلة المعراج وبالكسر على خطاب النفس ، وبالياء على الغيبة و { عَن طَبقٍ } صفة ل { طَبَقاً } أو حال من الضمير بمعنى مجاوز ال { طَبقٍ } أو مجاوزين له .","part":5,"page":384},{"id":2385,"text":"{ فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بيوم القيامة .\r{ وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمُ القرءان لاَ يَسْجُدُونَ } لا يخضعون أو { لاَ يَسْجُدُونَ } لتلاوته . لما روي : أنه E قرأ { واسجد واقترب } فسجد بمن معه من المؤمنين وقريش تصفق فوق رؤوسهم فنزلت . واحتج به أبو حنيفة على وجوب السجود فإنه ذم لمن سمعه ولم يسجد . وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه سجد فيها وقال : والله ما سجدت فيها إلا بعد أن رأيت رسول الله A يسجد فيها .\r{ بَلِ الذين كَفَرُواْ يُكَذّبُونَ } أي بالقرآن .\r{ والله أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ } بما يضمرون في صدورهم من الكفر والعداوة .\r{ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } استهزاء بهم .\r{ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } استثناء منقطع أو متصل ، والمراد من تاب وآمن منهم . { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } مقطوع أو { مَمْنُونٍ } به عليهم .\rوعن النبي A « من قرأ سورة الانشقاق أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره » .","part":5,"page":385},{"id":2386,"text":"مكية وآيها ثنتان وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والسماء ذَاتِ البروج } يعني البروج الاثني عشر شبهت بالقصور لأنها تنزلها السيارات وتكون فيها الثوابت ، أو منازل القمر أو عظام الكواكب سميت بروجاً لظهورها ، أو أبواب السماء فإن النوازل تخرج منها وأصل التركيب للظهور .\r{ واليوم الموعود } يوم القيامة .\r{ وشاهد وَمَشْهُودٍ } ومن يشهد في ذلك اليوم من الخلائق وما أحضر فيه من العجائب ، وتنكيرهما للإبهام في الوصف أي { وشاهد وَمَشْهُودٍ } لا يكتنه وصفهما ، أو المبالغة في الكثرة كأنه قيل : ما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، أو النبي E وأمته ، أو أمته وسائر الأمم ، أو كل نبي وأمته ، أو الخالق والخلق ، أو عكسه فإن الخالق مطلع على خقله وهو شاهد على وجوده ، أو الملك الحفيظ والمكلف أو يوم النحر ، أو عرفة والحجيج ، أو يوم الجمعة والجمع فإنه يشهد له أو كل يوم وأهله .\r{ قُتِلَ أصحاب الأخدود } قيل إنه جواب القسم على تقدير لقد { قَتْلَ } ، والأظهر أنه دليل جواب محذوف كأنه قيل إنهم ملعونون يعني كفار مكة لعن أصحاب الأخدود ، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم ، والأخدود الخد وهو الشق في الأرض ونحوهما بناء ومعنى الحق والأحقوق . روي مرفوعاً : « أن ملكاً كان له ساحراً فلما كبر ضم إليه غلاماً ليعلمه ، وكان في طريقه راهب فمال قلبه إليه ، فرأى في طريقه ذات يوم حية قد حبست الناس فأخذ حجراً وقال : اللَّهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها فقتلها ، وكان الغلام بَعْدُ يبرىء الأكمه والأبرص ويشفي من الأدواء ، وعمي جليس الملك فأبرأه ، فسأله الملك عمن أبرأه فقال ربي فغضب فعذبه فدل على الغلام فعذبه ، فدل على الراهب فقده بالمنشار ، وأرسل الغلام إلى جبل ليطرح من ذروته ، فدعا فرجف بالقوم فهلكوا ونجا ، وأجلسه في سفينة ليغرق فدعا فانكفأت السفينة بمن معه فغرقوا ونجا ، فقال للملك لست بقاتلي حتى تجمع الناس وتصلبني وتأخذ سهماً من كنانتي وتقول : بسم الله رب هذا الغلام ، ثم ترميني به فرماه فوقع في صدغه فمات ، فآمن الناس برب الغلام ، فأمر بأخاديد وأوقدت فيها النيران ، فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست فقال الصبي : يا أماه اصبري فإنك على الحق فاقتحمت » وعن علي رضي الله تعالى عنه . كان بعض ملوك المجوس خطب الناس وقال : إن الله أحل نكاح الأخوات فلم يقبلوه ، فأمر بأخاديد النار فطرح فيها من أبى ، وقيل لما تنصر نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير فأحرق في الأخاديد من لم يرتد .","part":5,"page":386},{"id":2387,"text":"{ النار } بدل من { الأخدود } بدل الاشتمال . { ذَاتِ الوقود } صفة لها بالعظمة وكثرة ما يرتفع بها لهبها ، واللام في { الوقود } للجنس .\r{ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا } على حافة النار . { قُعُودٌ } قاعدون .\r{ وَهُمْ على مَا يَفْعَلُونَ بالمؤمنين شُهُودٌ } يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنهم لم يقصروا فيما أمروا به ، أو يشهدون على ما يفعلون يوم القيامة حين تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم .\r{ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ } وما أنكروا . { إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بالله العزيز الحميد } استثناء على طريقة قوله :\rوَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُم ... بِهِن فُلُولٌ مِنْ قراعِ الكتائبِ\rووصفه بكونه عزيزاً غالباً يخشى عقابه حميداً منعماً يرجى ثوابه وقرر ذلك بقوله :\r{ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والارض وَهُوَ على كُلّ شَىْءٍ شَهِيدٍ } للإِشعار بما يستحق أن يؤمن به ويعبد .\r{ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات } بلوهم بالأذى . { ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ } بكفرهم . { وَلَهُمْ عَذَابُ الحريق } العذاب الزائد في الاحراق بفتنتهم . بل المراد ب { الذين فَتَنُواْ } { أصحاب الأخدود } وب { عَذَابَ الحريق } ما روي أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم .\r{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ذَلِكَ الفوز الكبير } إذ الدنيا وما فيها تصغر دونه .\r{ إِنَّ بَطْشَ رَبّكَ لَشَدِيدٌ } مضاعف عنفه فإن البطش أخذ بعنف .\r{ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىء وَيُعِيدُ } { يُبْدِىء } الخلق ويعيده ، أو { يُبْدِىء } البطش بالكفرة في الدنيا ويعيده في الآخرة .\r{ وَهُوَ الغفور } لمن تاب . { الودود } المحب لمن أطاع .","part":5,"page":387},{"id":2388,"text":"{ ذُو العرش } خالفه ، وقيل المراد ب { العرش } الملك ، وقرىء «ذي العرش» صفة ل { رَبَّكَ } . { المجيد } العظيم في ذاته وصفاته ، فإنه واجب الوجود تام القدرة والحكمة ، وجره حمزة والكسائي صفة ل { رَبَّكَ } ، أو ل { العرش } ومجده علوه وعظمته .\r{ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } لا يمتنع عليه مراد من أفعاله وأفعال غيره .\r{ هَلُ أَتَاكَ حَدِيثُ الجنود فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ } أبدلهما من الجنود لأن المراد ب { فِرْعَوْنُ } هو وقومه ، والمعنى قد عرفت تكذيبهم للرسل وما حاق بهم فتسل واصبر على تكذيب قومك وحذرهم مثل ما أصابهم .\r{ بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ } لا يرعوون عنه ، ومعنى الإِضراب أن حالهم أعجب من حال هؤلاء فإنهم سمعوا قصتهم ورأوا آثار هلاكهم وكذبوا أشد من تكذيبهم .\r{ والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط المحيط .\r{ بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ } بل هذا الذي كذبوا به كتاب شريف وحيد في النظم والمعنى ، وقرىء { قرآن مجيد } بالإِضافة أي قرآن رب مجيد .\r{ فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } من التحريف ، وقرأ نافع «مَّحْفُوظٍ» بالرفع صفة ل { القرءان } ، وقرىء { فِى لَوْحٍ } وهوالهواء يعني ما فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح .\rعن النبي A \" من قرأ سورة البروج أعطاه الله بعدد كل جمعة وعرفة تكون في الدنيا عشر حسنات \" .","part":5,"page":388},{"id":2389,"text":"مكية وآيها سبع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والسماء والطارق } والكوكب البادي بالليل وهو في الأصل لسالك الطريق ، واختص عرفاً بالآتي ليلاً ثم استعمل للبادي فيه .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق الطارق النجم الثاقب } المضيء كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه ، أو الأفلاك والمراد الجنس أو معهود بالثقب وهو زحل ، عبر عنه أولاً بوصف عام ثم فسره بما يخصه تفخيماً لشأنه .\r{ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا } أي إن الشان كل نفس لعليها . { حَافِظٌ } رقيب فإن هي المخففة واللام الفاصلة وما مزيدة . وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة لما على أنها بمعنى الأوان نافية ، والجملة على الوجهين جواب القسم .\r{ فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ } لما ذكر أن كل نفس عليها حافظ اتبعه توصية الإنسان بالنظر في مبدئه ليعلم صحة إعادته فلا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته .\r{ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ } جواب الاستفهام و { مَاء } بمعنى ذي دفق ، وهو صعب فيه دفع والمراد الممتزج من الماءين في الرحم لقوله :\r{ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب } من بين صلب الرجل وترائب المرأة وهي عظام صدرها ، ولو صح أن النطفة تتولد من فضل الهضم الرابع وتنفصل عن جميع الأعضاء حتى تستعد لأن يتولد منها مثل تلك الأعضاء ، ومقرها عروق ملتف بعضها بالبعض عند البيضتين ، فلا شك أن الدماغ أعظم الأعضاء معونة في توليدها ، ولذلك تشبهه ، ويسرع الإِفراط في الجماع بالضعف فيه وله خليفة وهو النخاع! وهو في الصلب وشعب كثيرة نازلة إلى الترائب ، وهما أقرب إلى أوعية المني فلذلك خصّا بالذكر . وقرىء «الصلب» بفتحتين و « الصلب» بضمتين وفيه لغة رابعة وهي «صالب» .\r{ إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } والضمير للخالق ويدل عليه { خُلِقَ } .\r{ يَوْمَ تبلى السرائر } تتعرف ويميز بين ما طاب من الضمائر وما خفي من الأعمال وما خبث منها ، وهو ظرف ل { رَجْعِهِ } .","part":5,"page":389},{"id":2390,"text":"{ فَمَا لَهُ } فما للإنسان . { مِن قُوَّةٍ } من منعة في نفسه يمتنع بها . { وَلاَ نَاصِرٍ } يمنعه .\r{ والسماء ذَاتِ الرجع } ترجع في كل دورة إلى الموضع الذي تتحرك عنه ، وقيل الرجع المطر سمي به كما سمي أوباً لأن الله يرجعه وقتاً فوقتاً ، أو لما قيل من أن السحاب يحمل الماء من البحار ثم يرجعه إلى الأرض ، وعلى هذا يجوز أن يراد ب { السماء } السحاب .\r{ والأرض ذَاتِ الصدع } ما تتصدع عنه الأرض من النبات أو الشق بالنبات والعيون .\r{ إِنَّهُ } إن القرآن . { لَقَوْلٌ فَصْلٌ } فاصل بين الحق والباطل .\r{ وَمَا هوَ بالهزل } فإنه جد كله .\r{ إِنَّهُمْ } يعني أهل مكة . { يَكِيدُونَ كَيْداً } في إبطاله وإطفاء نوره .\r{ وَأَكِيدُ كَيْداً } وأقابلهم بكيد في استدراجي لهم وانتقامي منهم من حيث لا يحتسبون .\r{ فَمَهّلِ الكافرين } فلا تشتغل بالانتقام منهم ، أو لا تستعجل بإهلاكهم . { أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً } أمهالاً يسيراً والتكرير وتغيير البنية لزيادة التسكين .\rعن النبي A « من قرأ سورة الطارق أعطاه الله بكل نجم في السماء عشر حسنات » .","part":5,"page":390},{"id":2391,"text":"مكية وآيها تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } نزه اسمه عن إلحاد فيه بالتأويلات الزائغة وإطلاقه على غيره زاعماً أنهما فيه سواء وذكره الأعلى على وجه التعظيم ، وقرىء «سبحان ربي الأعلى» . وفي الحديث \" لما نزلت { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم } قال E اجعلوها في ركوعكم ، فلما نزلت { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } قال E اجعلوها في سجودكم \" وكانوا يقولون في الركوع اللهم لك ركعت وفي السجود اللهم لك سجدت .\r{ الذى خَلَقَ فسوى } خلق كل شيء فسوى خلقه بأن جعل له ما به يتأتى كماله ويتم معاشه .\r{ والذى قَدَّرَ } أي قدر أجناس الأشياء وأنواعها وأشخاصها ومقاديرها وصفاتها وأفعالها وآجالها . { فهدى } فوجهه إلى أفعاله طبعاً واختياراً بخلق الميول والإِلهامات ونصب الدلائل وانزال الآيات .\r{ والذى أَخْرَجَ المرعى } أنبت ما ترعاه الدواب .\r{ فَجَعَلَهُ } بعد خضرته . { غُثَاء أحوى } يابساً أسود . وقيل { أحوى } حال من المرعى أي أخرجه { أحوى } أي أسود من شدة خضرته .\r{ سَنُقْرِئُكَ } على لسان جبريل E ، أو سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة . { فَلاَ تنسى } أصلاً من قوة الحفظ مع أنك أمي ليكون ذلك آية أخرى لك مع أن الإِخبار به عما يستقبل ووقوعه كذلك أيضاً من الآيات ، وقيل نهي والألف للفاصلة كقوله تعالى { السبيلا } { إِلاَّ مَا شَاءَ الله } نسيانه بأن نسخ تلاوته ، وقيل أراد به القلة والنذرة . لما روي أنه E \" أسقط آية في قراءته في الصلاة فحسب أُبيّ أنها نسخت فسأله فقال : نسيتها \" أو نفى النسيان رأساً فإن القلة تستعمل للنفي . { إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى } ما ظهر من أحوالكم وما بطن ، أو جهرك بالقراءة مع جبريل E وما دعاك إليه من مخافة النسيان فيعلم ما فيه صلاحكم من ابقاء وإنساء .\r{ وَنُيَسّرُكَ لليسرى } ونعدك لطريقة اليسرى في حفظ الوحي ، أو التدين وتوفقك لها ولهذه النكتة قال { نيسرك } لا نيسر لك عطف على { سَنُقْرِئُكَ } ، وأنه يعلم اعتراض .","part":5,"page":391},{"id":2392,"text":"{ فَذَكّرْ } بعد ما استتب لك الأمر . { إِن نَّفَعَتِ الذكرى } لعل هذه الشرطية إنما جاءت بعد تكرير التذكير وحصول اليأس من البعض لئلا يتعب نفسه ويتلهف عليهم كقوله : { وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ } الآية ، أو لذم المذكورين واستبعاد تأثير الذكرى فيهم ، أو للإشعار بأن التذكير إنما يجب إذا ظن نفعه ولذلك أمر بالإِعراض عمن تولى .\r{ سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى } سيتعظ وينتفع بها من يخشى الله تعالى بأن يتأمل فيها فيعلم حقيقتها . وهو يتناول العارف والمتردد .\r{ وَيَتَجَنَّبُهَا } ويتجنب { الذكرى } . { الأشقى } الكافر فإنه أشقى من الفاسق ، أو { الأشقى } من الكفرة لتوغله في الكفر .\r{ الذى يَصْلَى النار الكبرى } نار جهنم فإنه E قال « ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم » أو ما في الدرك الأسفل منها .\r{ ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا } فيستريح . { وَلاَ يحيى } حياة تنفعه .\r{ قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى } تطهر من الكفر والمعصية ، أو تكثر من التقوى من الزكاة ، أو تطهر للصلاة أو أدى الزكاة .\r{ وَذَكَرَ اسم رَبّهِ } بقلبه ولسانه { فصلى } كقوله : { أَقِمِ الصلاة لِذِكْرِي } ويجوز أن يراد بالذكر تكبيرة التحريم ، وقيل { تزكى } تصدق للفطر { وَذَكَرَ اسم رَبّهِ } كبره يوم العيد { فصلى } صلاته .\r{ بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا } فلا تفعلون ما يسعدكم في الآخرة ، والخطاب للأشقين على الالتفات أو على إضمار قل ، أو للكل فإن السعي للدنيا أكثر في الجملة ، وقرأ أبو عمرو بالياء .\r{ والآخرة خَيْرٌ وأبقى } فإن نعيمها ملذ بالذات خالص عن الغوائل لا انقطاع له .\r{ إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى } الإِشارة إلى ما سبق من { قَدْ أَفْلَحَ } فإنه جامع أمر الديانة وخلاصة الكتب المنزلة .\r{ صُحُفِ إبراهيم وموسى } بدل من الصحف الأولى .\rقال A « من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله الله على إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام » .","part":5,"page":392},{"id":2393,"text":"مكية وهي ست وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية } الداهية التي تغشى الناس بشدائدها يعني يوم القيامة ، أو النار من قوله تعالى { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة } ذليلة .\r{ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ } تعمل ما تتعب فيه كجر السلاسل وخوضها في النار خوض الإبل في الوحل ، والصعود والهبوط في تلالها ووهادها ما عملت ، ونصبت في أعمال لا تنفعها يومئذ .\r{ تصلى نَاراً } تدخلها وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر «تصلى» من أصلاه الله ، وقرىء «تُصَّلِّ» بالتشديد للمبالغة . { حَامِيَةً } متناهية في الحر .\r{ تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ } بلغت أناها في الحر .\r{ لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ } يبيس الشبرق وهو شوك ترعاه الإِبل ما دام رطباً ، وقيل شجرة نارية تشبه الضريع ، ولعله طعام هؤلاء والزقوم والغسلين طعام غيرهم ، أو المراد طعامهم ما تتحاماه الإِبل وتعافه لضره وعدم نفعه كما قال تعالى :\r{ لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ } والمقصود من الطعام أحد الأمرين .\r{ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ } ذات بهجة أو متنعمة .\r{ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ } رضيت بعملها لما رأت ثوابه .\r{ فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ } علية المحل أو القدر .\r{ لاَ تُسْمِعُ } يا مخاطب أو الوجوه ، وقرأ على بناء المفعول بالياء ابن كثير وأبو عمرو ورويس وبالتاء نافع . { فِيهَا لاغية } لغواً أو كلمة ذات لغو أو نفساً تلغو ، فإن كلام أهل الجنة الذكر والحِكَم . { فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ } يجري ماؤها ولا ينقطع والتنكير للتعظيم .","part":5,"page":393},{"id":2394,"text":"{ فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ } رفيعة السمك أو القدر .\r{ وَأَكْوابٌ } جمع كوب وهي آنية لا عروة لها . { مَّوْضُوعَةٌ } بين أيديهم .\r{ وَنَمَارِقُ } وسائد جمع نمرقة بالفتح والضم . { مَصْفُوفَةٌ } بعضها إلى بعض .\r{ وَزَارَابيُّ } بسط فاخرة جمع زريبة . { مَبْثُوثَةٌ } مبسوطة .\r{ أَفَلاَ يَنظُرُونَ } نظر اعتبار . { إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ } خلقاً دالاً على كمال قدرته وحسن تدبيره حيث خلقها لجر الأثقال إلى البلاد النائية ، فجعلها عظيمة باركة للمحل ناهضة بالحمل منقادة لمن اقتادها طوال الأعناق لينوء بالأوقار ، ترعى كل نابت وتحتمل العطش إلى عشر فصاعداً ليتأتى لها قطع البوادي والمفاوز ، مع مالها من منافع أخرى ولذلك خصت بالذكر لبيان الآيات المنبثة في الحيوانات التي هي أشرف المركبات وأكثرها صنعاً ، ولأنها أعجب ما عند العرب من هذا النوع . وقيل المراد بها السحاب على الاستعارة .\r{ وَإِلَى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ } بلا عمد .\r{ وَإِلَى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ } فهي راسخة لا تميل .\r{ وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ } بسطت حتى صارت مهاداً ، وقرىء الأفعال الأربعة على بناء الفاعل للمتكلم وحذف الراجع المنصوب ، والمعنى { أَفَلاَ يَنظُرُونَ } إلى أنواع المخلوقات من البسائط والمركبات ليتحققوا كمال قدرة الخالق سبحانه وتعالى ، فلا ينكروا اقتداره على البعث ولذلك عقب به أمر المعاد ورتب عليه الأمر بالتذكير فقال :\r{ فَذَكّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ } فلا عليك إن لم ينظروا ولم يذكروا إذ ما عليك إلا البلاغ .","part":5,"page":394},{"id":2395,"text":"{ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ } بمتسلط ، وعن الكسائي بالسين على الأصل وحمزة بالإِشمام .\r{ إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ } لكن من تولى وكفر .\r{ فَيْعَذّبُهُ الله العذاب الأكبر } يعني عذاب الآخرة . وقيل متصل فإن جهاد الكفار وقتلهم تسلط ، وكأنه أوعدهم بالجهاد في الدنيا وعذاب النار في الآخرة وقيل هو استثناء من قوله { فَذَكّرْ } أي فذكر إلا من تولى وأصر فاستحق العذاب الأكبر ، وما بينهما اعتراض ويؤيد الأول أنه قرىء { إِلاَّ مَن تولى } على التنبيه .\r{ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ } رجوعهم ، وقرىء بالتشديد على أنه فيعلل مصدر فيعل من الإياب ، أو فعال من الأوب قلبت واوه الأولى قلبها في ديوان ثم الثانية للإِدغام .\r{ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ } في المحشر ، وتقديم الخبر للتخصيص والمبالغة في الوعيد .\rعن النبي A « من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حساباً يسيراً » .","part":5,"page":395},{"id":2396,"text":"مكية وآيها ثلاثون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والفجر } أقسم بالصبح أو فلقه كقوله : { والصبح إِذَا تَنَفَّسَ } أو بصلاته .\r{ وَلَيالٍ عَشْرٍ } عشر ذي الحجة ولذلك فسر { الفجر } بفجر عرفة ، أو النحر أو عشر رمضان الأخير وتنكيرها للتعظيم ، وقرىء «وَلَيالٍ عَشْرٍ» بالإِضافة على أن المراد بالعشر الأيام .\r{ والشفع والوتر } والأشياء كلها شفعها ووترها ، أو الخلق لقوله : { وَمِن كُلّ شَىْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } والخالق لأنه فرد ، ومن فسرهما بالعناصر والأفلاك أو البروج والسيارات أو شفع الصلوات ووترها ، أو بيومي النحر وعرفة ، وقد روي مرفوعاً ، أو بغيرها فلعله أفرد بالذكر من أنواع المدلول ما رآه أظهر دلالة على التوحيد ، أو مدخلاً في الدين أو مناسبة لما قبلهما أو أكثر منفعة موجبة للشكر ، وقرىء { والوتر } بكسر الواو وهما لغتان كالحبر والحبر .\r{ واليل إِذَا يَسْرِ } إذا يمضي كقوله : { واليل إِذْ أَدْبَرَ } والتقييد بذلك لما في التعاقب من قوة الدلالة على كمال القدرة ووفور النعمة ، أو يرى فيه من قولهم صلى المقام وحذف الياء للاكتفاء بالكسرة تخفيفاً ، وقد خصه نافع وأبو عمرو بالوقف لمراعاة الفواصل ولم يحذفها ابن كثير ويعقوب أصلاً ، وقرىء { يَسْرِ } بالتنوين المبدل من حرف الاطلاق .\r{ هَلْ فِى ذَلِكَ } القسم أو المقسم به { قَسَمٌ } حلف أو محلوف به . { لّذِى حِجْرٍ } يعتبره ويؤكد به ما يريد تحقيقه ، وال { حِجْرٍ } العقل سمي به لأنه يحجر عما لا ينبغي كما سمي عقلاً ونهية وحصاة من الإِحصاء ، وهو الضبط والمقسم عليه محذوف وهو ليعذبن يدل عليه قوله :\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ } يعني أولاد عاد بن عوصن بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام ، قوم هود سموا باسم أبيهم كما سمي بنو هاشم باسمه .\r{ إِرَمَ } عطف بيان ل { عَادٍ } على تقدير مضاف أي سَبْطُ { إِرَمَ } ، أو أَهْلُ { إِرَمَ } إن صح أنه إسم بلدتهم . وقيل سمي أوائلهم وهم { عَاداً الأولى } باسم جدهم ومنع صرفه للعلمية والتأنيث . { ذَاتِ العماد } ذات البناء الرفيع أو القدود الطوال ، أو الرفعة والثبات . وقيل كان لعاد ابنان شداد وشديد فملكا وقهرا ، ثم مات شديد فخلص الأمر لشداد وملك المعمورة ودانت له ملوكها ، فسمع بذكر الجنة فبنى على مثالها في بعض صحاري عدن جنة وسماها إرم ، فلما تمت سار إليها بأهله ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا . وعن عبد الله ابن قلابة أنه خرج في طلب إبله فوقع عليها .\r{ التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد } صفة أخرى ل { إِرَمَ } والضمير لها سواء جعلت { إِرَمَ } القبيلة أو البلدة .\r{ وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر } قطعوه واتخذوه منازل لقوله : { وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً } { بالواد } وادي القرى .","part":5,"page":396},{"id":2397,"text":"{ وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد } لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا ، أو لتعذيبه بالأوتاد .\r{ الذين طَغَوْاْ فِى البلاد } صفة للمذكورين «عاد» { وَثَمُودُ } { وَفِرْعَوْنَ } ، أو ذم منصوب أو مرفوع .\r{ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد } بالكفر والظلم .\r{ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ } ما خلط لهم من أنواع العذاب ، وأصله الخلط وإنما سمي به الجلد المضفور الذي يضرب به لكونه مخلوط الطاقات بعضها ببعض ، وقيل شبه بال { سَوْطَ } ما أحل بهم في الدنيا إشعاراً بأنه القياس إلى ما أعد لهم في الآخرة من العذاب كالسوط إذا قيس إلى السيف .\r{ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } إلى المكان الذي يترقب فيه الرصد ، مفعال من رصده كالميقات من وقته ، وهو تمثيل لإرصاده العصاة بالعقاب .\r{ فَأَمَّا الإنسان } متصل بقوله : { إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد } كأنه قيل إنه { لبالمرصاد } من الآخرة فلا يريد إلا السعي لها فأما الإنسان فلا يهمه إلا الدنيا ولذاتها . { إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ } اختبره بالغنى واليسر . { فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } بالجاه والمال . { فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ } فضلني بما أعطاني ، وهو خبر المبتدأ الذي هو { الإنسان } ، والفاء لما في «أما» من معنى الشرط ، والظرف المتوسط في تقدير التأخير كأنه قيل : فأما الإنسان فقائل ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإِنعام ، وكذا قوله :\r{ وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } إذ التقدير وأما الإنسان إذا ما ابتلاه أي بالفقر والتقتير ليوازن قسيمه . { فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ } لقصور نظره وسوء فقره ، فإن التقتير قد يؤدي إلى كرامة الدارين ، والتوسعة قد تفضي إلى قصد الأعداء والانهماك في حب الدنيا ولذلك ذمه على قوليه سبحانه وتعالى وردعه عنه بقوله :\r{ كَلاَّ } مع أن قوله الأول مطابق لأكرمه ولم يقل فأهانه وقدر عليه كما قال : { فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ } لأن التوسعة تفضل والإخلال به لا يكون إهانة ، وقرأ ابن عامر والكوفيون «أكرمن» و «أهانن» بغير ياء في الوصل والوقف . وعن أبي عمرو مثله ووافقهم نافع في الوقف وقرأ ابن عامر« فَقَّدَّرَ» بالتشديد .\r{ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم وَلاَ تَحَاضُّونَ على طَعَامِ المسكين } أي بل فعلهم أسوأ من قولهم وأدل على تهالكهم بالمال وهو أنهم لا يكرمون اليتيم بالنفقة والمبرة ، ولا يحثون أهلهم على طعام المسكين فضلاً عن غيرهم ، وقرأ الكوفيون «ولا تحاضون» .\r{ وَتَأْكُلُونَ التراث } الميراث وأصله وراث . { أَكْلاً لَّمّاً } ذا لم أي جمع بين الحلال والحرام فإنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أنصباءهم ، أو يأكلون ما جمعه المورث من حلال وحرام عالمين بذلك .","part":5,"page":397},{"id":2398,"text":"{ وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً } كثيراً مع حرص وشره ، وقرأ أبو عمرو وسهل ويعقوب «لا يكرمون» إلى «ويحبون» بالياء والباقون بالتاء .\r{ كَلاَّ } ردع لهم عن ذلك وإنكار لفعلهم وما بعده وعيد عليه . { إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً } أي دكا بعد دك حتى صارت منخفضة الجبال والتلال ، أو { هَبَاء مُّنبَثّاً } { وَجَاء رَبُّكَ } أي ظهرت آيات قدرته وآثار قهره مثل ذلك بما يظهر عند حضور السلطان من آثار هيبته وسياسته . { والملك صَفّاً صَفّاً } بحسب منازلهم ومراتبهم .\r{ وَجِىء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ } كقوله تعالى : { وَبُرّزَتِ الجحيم } وفي الحديث \" يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها \" { يَوْمَئِذٍ } بدل من إذا دكت الأرض والعامل فيهما . { يَتَذَكَّرُ الإنسان } أي يتذكر معاصيه أو يتعظ لأنه يعلم قبحها فيندم عليها . { وأنى لَهُ الذكرى } أي منفعة الذكرى لئلا يناقض ما قبله ، واستدل به على عدم وجوب قبول التوبة ، فإن هذا التذكر توبة غير مقبولة .\r{ يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } أي لحياتي هذه ، أو وقت حياتي في الدنيا أعمالاً صالحة ، وليس في هذا التمني دلالة على استقلال العبد بفعله فإن المحجور عن شيء قد يتمنى أن كان ممكناً منه .\r{ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } الهاء لله أي لا يتولى عذاب الله ووثاقه يوم القيامة سواه إذ الأمر كله له ، أو للإنسان أي لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه ، وقرأهما الكسائي ويعقوب على بناء المفعول .\r{ ياأيتها النفس المطمئنة } على إرادة القول وهي التي اطمأنت بذكر الله ، فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته فتستفز دون معرفته وتستغني به عن غيره ، أو إلى الحق بحيث لا يريبها شك أو الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، وقد قرىء بهما .\r{ ارجعى إلى رَبّكِ } إلى أمره أو موعده بالموت ، ويشعر ذلك بقول من قال : كانت النفوس قبل الأبدان موجودة في عالم القدس أو البعث ، { رَّاضِيَةً } بما أوتيت . { مَّرْضِيَّةً } عند الله تعالى .\r{ فادخلى فِى عِبَادِى } في جملة عبادي الصالحين .\r{ وادخلى جَنَّتِى } معهم أو في زمرة المقربين فتستضيء بنورهم ، فإن الجواهر القدسية كالمرايا المتقابلة ، أو ادخلي في أجساد عبادي التي فارقت عنها ، وادخلي دار ثوابي التي أعدت لك .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الفجر في الليالي العشر غفر له ، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نوراً يوم القيامة \" .","part":5,"page":398},{"id":2399,"text":"مكية وآيها عشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } أقسم سبحانه بالبلد الحرام وقيده بحلول الرسول E فيه إظهاراً لمزيد فضله ، وإشعاراً بأن شرف المكان بشرف أهله . وقيل { حِلٌّ } مستحل تعرضك فيه كما يستحل تعرض الصيد في غيره ، أو حلال لك أن تفعل فيه ما تريد ساعة من النهار فهو وعد بما أحل له عام الفتح .\r{ وَوَالِدٍ } عطف على { هذا البلد } والوالد آدم أو إبراهيم عليهما الصلاة والسلام . { وَمَا وَلَدَ } ذريته أو محمد E ، والتنكير للتعظيم وإيثار ما على من لمعنى التعجب كما في قوله { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ } تعب ومشقة من كبد الرجل كبداً إذا وجعت كبده ومنه المكابدة ، والإِنسان لا يزال في شدائد مبدؤها ظلمة الرحم ومضيقه ومنتهاها الموت وما بعده ، وهو تسلية للرسول E مما كان يكابده من قريش والضمير في { أَيَحْسَبُ } لبعضهم الذي كان يكابد من أكثر ، أو يفتر بقوته كأبي الأشد بن كلدة فإنه كان يبسط تحت قدميه أديم عكاظي ويجذبه عشرة فينقطع ولا تزال قدماه ، أو لكل أحد منهم أو للإنسان . { أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } فينتقم منه .\r{ يِقُولُ } أي في ذلك الوقت { أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً } كثيراً ، من تلبد الشيء إذا اجتمع ، والمراد ما أنفقه سمعة ومفاخرة ، أو معاداة للرسول E .\r{ أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ } حين كان ينفق أو بعد ذلك فيسأله عنه ، يعني أن الله سبحانه وتعالى يراه فيجازيه ، أو يجده فيحاسبه عليه ثم بين ذلك بقوله :\r{ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ } يبصر بهما .\r{ وَلِسَاناً } يترجم به عن ضميره . { وَشَفَتَيْنِ } يستر بهما فاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغيرها .","part":5,"page":399},{"id":2400,"text":"{ وهديناه النجدين } طريقي الخير والشر ، أو الثديين وأصله المكان المرتفع .\r{ فَلاَ اقتحم العقبة } أي فلم يشكر تلك الأيادي باقتحام العقبة وهو الدخول في أمر شديد ، و { العقبة } الطريق في الجبل استعارها بما فسرها عزَّ وجلّ به من الفك والإطعام في قوله :\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ } لما فيهما من مجاهدة النفس ولتعدد المراد بها حسن وقوع لا موقع لم فإنها لا تكاد تقع إلا مكررة ، إذ المعنى : فَلاَ فَكَ رَقَبةً ولا أَطْعَمَ يَتيماً أو مسكيناً . والمسغبة والمقربة والمتربة مفعلات من سغب إذا جاع وقرب في النسب وترب إذا افتقر ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي « فَكُّ رَقَبَةٍ أو أطعم»على الإِبدال من { اقتحم } وقوله تعالى : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة } اعتراض معناه إنك لم تدر كنه صعوبتها وثوابها .\r{ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ } عطفه على { اقتحم } ، أو { فَكُّ } ب { ثُمَّ } لتباعد الإيمان عن العتق والإطعام في الرتبة لاستقلاله واشتراط سائر الطاعات به . { وَتَوَاصَوْاْ } وأوصى بعضهم بعضاً . { بالصبر } على طاعة الله تعالى . { وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة } بالرحمة على عباده ، أو بموجبات رحمة الله تعالى .\r{ أولئك أصحاب الميمنة } اليمين أو اليمن .\r{ والذين كَفَرُواْ بئاياتنا } بما نصبناه دليلاً على الحق من كتاب وحجة أو بالقرآن . { هُمْ أصحاب المشئمة } الشمال أو الشؤم ، ولتكرير ذكر المؤمنين باسم الإِشارة والكفار بالضمير شأن لا يخفى .\r{ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ } مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته وأغلقته . وقرأ أبو عمرو وحمزة وحفص بالهمزة من آصدته .\rعن النبي A \" من قرأ لا أقسم بهذا البلد أعطاه الله سبحانه وتعالى الأمان من غضبه يوم القيامة \" .","part":5,"page":400},{"id":2401,"text":"مكية وآيها خمس عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والشمس وضحاها } وضوئها إذا أشرقت ، وقيل الضحوة ارتفاع النهار والضحى فوق ذلك ، والضحاء بالفتح والمد إذا امتد النهار وكاد ينتصف .\r{ والقمر إِذَا تلاها } تلا طلوعه طلوع الشمس أول الشهر أو غروبها ليلة البدر ، أو في الاستدارة وكمال النور .\r{ والنهار إِذَا جلاها } جلى الشمس فإنها تتجلى إذا انبسط النهار أو الظلمة ، أو الدنيا أو الأرض وإن لم يجر ذكرها للعلم بها .\r{ واليل إِذَا يغشاها } يغشى الشمس فيغطي ضوءها أو الآفاق ، أو الأرض . ولما كانت واوات العطف نوائب للواو الأولى القسيمة الجارة بنفسها النائبة مناب فعل القسم من حيث استلزمت طرحه معها ، ربطن المجرورات والظرف بالمجرور والظرف المتقدمين ربط الواو لما بعدها في قولك : ضرب زيد عمراً وبكر خالداً على الفاعل والمفعول من غير عطف على عاملين مختلفين .\r{ والسماء وَمَا بناها } ومن بناها وإنما أوثرت على من لإرادة معنى الوصفية كأنه قيل : والشيء القادر الذي بناها ودل على وجوده وكمال قدرته بناؤها ، ولذلك أفرد ذكره وكذا الكلام في قوله :\r{ والأرض وَمَا طحاها وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا } وجعل الماءات مصدرية يجرد الفعل عن الفاعل ويخل بنظم قوله :\r{ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا } بقوله { وَمَا سَوَّاهَا } إلا أن يضمر فيه اسم الله للعلم به وتنكير { نَفْسٌ } للتكثير كما في قوله تعالى : { عَلِمَتْ نَفْسٌ } أو للتعظيم والمراد نفس آدم وإلهام الفجور والتقوى إفهامهما وتعريف حالهما أو التمكين من الإِتيان بهما .","part":5,"page":401},{"id":2402,"text":"{ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكاها } أنماها بالعلم والعمل جواب القسم ، وحذف اللام للطول كأنه لما أراد به الحث على تكميل النفس والمبالغة فيه أقسم عليه بما يدلهم على العلم بوجود الصانع ووجوب ذاته وكمال صفاته الذي هو أقصى درجات القوة النظرية ، ويذكرهم عظائم آلائه ليحملهم على الاستغراق في شكر نعمائه الذي هو منتهى كمالات القوة العملية . وقيل هو استطراد بذكر بعض أحوال النفس ، والجواب محذوف تقديره لَيُدَمْدِمَنَّ الله ، على كفار مكة لتكذيبهم رسوله A كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحاً E .\r{ وَقَدْ خَابَ مَن دساها } نقصها وأخفاها بالجهالة والفسوق ، وأصل دسى دسس كتقضي وتقضض .\r{ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا } بسبب طغيانها ، أو بما أوعدت به من عذابها ذي الطغوى كقوله تعالى : { فَأُهْلِكُواْ بالطاغية } وأصله طغياها وإنما قلبت ياؤه واواً تفرقة بين الإسم والصفة ، وقرىء بالضم كا «الرجعى» .\r{ إِذِ انبعث } حين قام ظرف ل { كَذَّبَتْ } أو طغوى . { أشقاها } أشقى ثمود وهو قدار بن سالف ، أو هو ومن مالأه على قتل الناقة فإن أفعل التفضيل إذا أضفته صلح للواحد والجمع وفضل شقاوتهم لتوليهم العقر .\r{ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله نَاقَةَ الله } أي ذروا ناقة الله واحذروا عقرها . { وسقياها } وسقيها فلا تذودوها عنها . { فَكَذَّبُوهُ } فيما حذرهم منه من حلول العذاب إن فعلوا . { فَعَقَرُوهَا فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ } فأطبق عليهم العذاب وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة إذا ألبسها الشحم . { بِذَنبِهِمْ } بسببه . { فَسَوَّاهَا } فسوى الدمدمة بينهم أو عليهم فلم يفلت منهم صغير ولا كبير ، أو ثمود بالإِهلاك .\r{ وَلاَ يَخَافُ عقباها } أي عاقبة الدمدمة أو عاقبة هلاك ثمود وتبعتها فيبقي بعض الإِبقاء ، والواو للحال وقرأ نافع وابن عامر« فَلا» على العطف .\rعن النبي A \" من قرأ سورة والشمس فكأنما تصدق بكل شيء طلعت عليه الشمس والقمر \" .","part":5,"page":402},{"id":2403,"text":"مكية . وآيها إحدى وعشرون آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ واليل إِذَا يغشى } أي يغشى الشمس أو النهار أو كل ما يواريه بظلامه .\r{ والنهار إِذَا تجلى } ظهر بزوال ظلمة الليل ، أو تبين بطلوع الشمس .\r{ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى } والقادر الذي خلق صنفي الذكر والأنثى من كل نوع له توالد ، أو آدم وحواء وقيل { مَا } مصدرية .\r{ إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى } إن مساعيكم لأشتات مختلفة جمع شتيت .\r{ فَأَمَّا مَنْ أعطى واتقى وَصَدَّقَ بالحسنى } تفصيل مبين لتشتت المساعي . والمعنى من أعطى الطاعة واتقى المعصية وصدق بالكلمة الحسنى وهي ما دلت على حق ككلمة التوحيد .\r{ فَسَنُيَسّرُهُ لليسرى } فسنهيئه للخلة التي تؤدي إلى يسر وراحة كدخول الجنة ، من يسر الفرس إذا هيأه للركوب بالسرج واللجام .\r{ وَأَمَّا مَن بَخِلَ } بما أمر به . { واستغنى } بشهوات الدنيا عن نعيم العقبى .\r{ وَكَذَّبَ بالحسنى } وبإنكار مدلولها .\r{ فَسَنُيَسّرُهُ للعسرى } للخلة المؤدية إلى العسر والشدة كدخول النار .\r{ وَمَا يُغْنِى عَنْهُ مَالُهُ } نفي أو استفهام إنكار . { إِذَا تردى } هلك تفعل من الردى ، أو تردى في حفرة القبر أو قعر جهنم .\r{ إِنَّ عَلَيْنَا للهدى } للإرشاد إلى الحق بموجب قضائنا أو بمقتضى حكمتنا ، أو { إِنَّ عَلَيْنَا } طريقة الهدى كقوله سبحانه وتعالى : { وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل }","part":5,"page":403},{"id":2404,"text":"{ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ والأولى } فنعطي في الدارين ما نشاء لمن نشاء ، أو ثواب الهداية للمهتدين ، أو فلا يضرنا ترككم الاهتداء .\r{ فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى } تتلهب .\r{ لاَ يصلاها } لا يلزمها مقاسياً شدتها . { إِلاَّ الأشقى } إلا الكافر فإن الفاسق وإن دخلها لا يلزمها ولذلك سماه أشقى ووصفه بقوله :\r{ الذى كَذَّبَ وتولى } أي كذب الحق وأعرض عن الطاعة .\r{ وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى الذى } اتقى الشرك والمعاصي فإنه لا يدخلها فضلاً عن أن يدخلها ويصلاها ، ومفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها ولا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق . { يُؤْتِي مَالَهُ } يصرفه في مصارف الخير لقوله : { يتزكى } فإنه بدل من { يُؤْتَي } أو حال من فاعله .\r{ وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تجزى } فيقصد بإيتائه مجازاتها .\r{ إِلاَّ ابتغاء وَجْهِ رَبّهِ الأعلى } استثناء منقطع أو متصل عن محذوف مثل لا يؤتى إلا ابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة .\r{ وَلَسَوْفَ يرضى } وعد بالثواب الذي يرضيه . والآيات نزلت في أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين اشترى بلالاً في جماعة تولاهم المشركون فأعتقهم ، ولذلك قيل : المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف .\rعن النبي A « من قرأ سورة والليل أعطاه الله سبحانه وتعالى حتى يرضى وعافاه من العسر ويسر له اليسر » .","part":5,"page":404},{"id":2405,"text":"مكية . وآيها إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والضحى } ووقت ارتفاع الشمس وتخصيصه لأن النهار يقوى فيه ، أو لأن فيه كلم موسى E ربه وألقى السحرة سجداً ، أو النهار ويؤيده قوله تعالى : { أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } في مقابلة { بَيَاتًا } { واليل إِذَا سجى } سكن أهله أو ركد ظلامه من سجا البحر سجواً إذا سكنت أمواجه ، وتقديم { اليل } في السورة المتقدمة باعتبار الأصل ، وتقديم النهار ها هنا باعتبار الشرف .\r{ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ } ما قطعك قطع المودع ، وقرىء بالتخفيف بمعنى ما تركك وهو جواب القسم . { وَمَا قلى } وما أبغضك ، وحذف المفعول استغناء بذكره من قبل ومراعاة للفواصل . روي أن الوحي تأخر عنه أياماً لتركه الاستثناء كما مر في سورة «الكهف» ، أو لزجره سائلاً ملحاً ، أو لأن جرواً ميتاً كان تحت سريره أو لغيره فقال المشركون : إن محمداً ودعه ربه وقلاه فنزلت رداً عليهم .\r{ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى } فإنها باقية خالصة عن الشوائب وهذه فانية مشوبة بالمضار ، كأنه لما بين أنه سبحانه وتعالى لا يزال يواصله بالوحي والكرامة في الدنيا وعد له ما هو أعلى وأجل من ذلك في الآخرة ، أو لنهاية أمرك خير من بدايته ، فإنه A لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال .\r{ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى } وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر وإعلاء الدين ، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواء ، واللام للابتلاء دخل الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير : ولأنت سوف يعطيك لا للقسم فإنها لا تدخل على المضارع إلا مع النون المؤكدة ، وجمعها مع سوف للدلالة على أن الإِعطاء كائن لا محالة وإن تأخر لحكمه .\r{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فاوى } تعديد لما أنعم عليه تنبيهاً على أنه كما أحسن إليه فيما مضى يحسن إليه فيما يستقبل وأن تأخر . و { يَجِدْكَ } من الوجود بمعنى العلم و { يَتِيماً } مفعولك الثاني أو المصادقة و { يَتِيماً } حال .\r{ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ } عن علم الحكم والأحكام . { فهدى } فعلمك بالوحي والإِلهام والتوفيق للنظر . وقيل وجدك ضالاً في الطريق حين خرج بك أبو طالب إلى الشام أو حين فطمتك حليمة وجاءت بك لتردك إلى جدك ، فأزال ضلالك عن عمك أو جدك .\r{ وَوَجَدَكَ عَائِلاً } فقيراً ذا عيال . { فأغنى } بما حصل لك من ربح التجارة .\r{ فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ } فلا تغلبه على ماله لضعفه ، وقرىء فلا تكهر أي فلا تعبس في وجهه .\r{ وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ } فلا تزجره .\r{ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } فإن التحدث بها شكرها . وقيل المراد بالنعمة النبوة والتحديث بها تبليغها .\rعن النبي A \" من قرأ سورة والضحى جعله الله سبحانه وتعالى فيمن يرضى لمحمد A أن يشفع له وعشر حسنات ، يكتبها الله سبحانه وتعالى بعدد كل يتيم وسائل \" .","part":5,"page":405},{"id":2406,"text":"مكية . وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق فكان غائباً حاضراً ، أو ألم نفسحه بما أودعنا فيه من الحكم وأزلنا عنه ضيق الجهل ، أو بما يسرنا لك تلقي الوحي بعدما كان يشق عليك ، وقيل إنه إشارة إلى ما روي \" أن جبريل E أتى رسول الله A في صباه أو يوم الميثاق ، فاستخرج قلبه فغسله ثم ملأه إيماناً وعلماً \" ولعله إشارة إلى نحو ما سبق ومعنى الاستفهام إنكار نفي الانشراح مبالغة في إثباته ولذلك عطف عليه .\r{ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ } عبأك الثقيل .\r{ الذى أَنقَضَ ظَهْرَكَ } الذي حمله على النقيض وهو صوت الرحل عند الانتقاض من ثقل الحمل وهو ما ثقل عليه من فرطاته قبل البعثة ، أو جهله بالحكم والأحكام أو حيرته ، أو تلقي الوحي أو ما كان يرى من ضلال قومه من العجز عن إرشادهم ، أو من إصرارهم وتعديهم في إيذائه حين دعاهم إلى الإيمان .\r{ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ } بالنبوة وغيرها ، وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه تعالى في كلمتي الشهادة وجعل طاعته طاعته ، وصلى عليه في ملائكته وأمر المؤمنين بالصلاة عليه وخاطبه بالألقاب ، وإنما زاد { لَكَ } ليكون إبهاماً قبل إيضاح فيفيد المبالغة .\r{ فَإِنَّ مَعَ العسر } كضيق الصدر والوزر المنقض للظهر وضلال القوم وإيذائهم . { يُسْراً } كالشرح والوضع والتوفيق للاهتداء والطاعة فلا تيأس من روح الله إذا عراك ما يغمك ، وتنكيره للتعظيم والمعنى بما في «إن» مع من المصاحبة المبالغة في معاقبة اليسر للعسر ، واتصاله به اتصال المتقاربين .\r{ إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً } تكرير للتأكيد أو استئناف وعده بأن { العسر } متبوع بيسر آخر كثواب الآخرة كقولك : إن للصائم فرحة ، إن للصائم فرحة أي فرحة عند الإِفطار وفرحة عند لقاء الرب . وعليه قوله E \" لن يغلب عسر يسرين \" فإن العسر معرف فلا يتعدد سواء كان للعهد أو للجنس ، واليسر منكر فيحتمل أن يراد بالثاني فرد يغاير ما أريد بالأول .\r{ فَإِذَا فَرَغْتَ } من التبيلغ . { فانصب } فاتعب في العبادة شكراً لما عددنا عليك من النعم السالفة ووعدناك من النعم الآتية . وقيل إذا فرغت من الغزو فانصب في العبادة ، أو { فَإِذَا فَرَغْتَ } من الصلاة فانصب بالدعاء .\r{ وإلى رَبّكَ فارغب } بالسؤال ولا تسأل غيره فإنه القادر وحده على إسعافك ، وقرىء «فَرَغِّبْ» أي فرغب الناس إلى طلب ثوابه .\rعن النبي A \" من قرأ سورة ألم نشرح فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني \" .","part":5,"page":406},{"id":2407,"text":"مختلف فيها . وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والتين والزيتون } خصهما من الثمار بالقسم لأن التين فاكهة طيبة لا فصل له وغذاء لطيف سريع الهضم ، ودواء كثير النفع فإنه يلين الطبع ويحلل البلغم ويطهر الكليتين ، ويزيل رمل المثانة ويفتح سدد الكبد والطحال ، ويسمن البدن وفي الحديث \" أنه يقطع البواسير وينفع من النقرس \" . والزيتون فاكهة وإدام ودواء وله دهن لطيف كثير المنافع ، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال ، وقيل المراد بهما جبلان من الأرض المقدسة أو مسجدا دمشق وبيت المقدس ، أو البلدان .\r{ وَطُورِ سِينِينَ } يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى E ربه و { سِينِينَ } و { سَيْنَاء } اسمان للموضع الذي هو فيه .\r{ وهذا البلد الأمين } أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين ، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله والمراد به مكة .\r{ لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } يريد به الجنس . { فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } تعديل بأن خص بانتصاب القامة وحسن الصورة واستجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات .\r{ ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين } بأن جعلناه من أهل النار أو إلى أسفل سافلين وهو النار . وقيل هو أرذل العمر فيكون قوله :\r{ إِلاَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } استثناء منقطعاً . { فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ } لا ينقطع أولاً يمن به عليهم ، وهو على الأولى حكم مرتب على الاستثناء مقرر له .\r{ فَمَا يُكَذّبُكَ } أي فأي شيء يكذبك يا محمد دلالة أو نطقاً . { بَعْدُ بالدين } بالجزاء بعد ظهور هذه الدلائل وقيل «ما» بمعنى من . وقيل الخطاب للإنسان على الالتفات . والمعنى فما الذي يحملك على هذا الكذب .\r{ أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين } تحقيق لما سبق . والمعنى أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد { بِأَحْكَمِ الحاكمين } صنعاً وتدبيراً ومن كان كذلك كان قادراً على الإِعادة والجزاء على ما مر مراراً .\rعن النبي A \" من قرأ سورة والتين أعطاه الله العافية واليقين ما دام حياً ، فإذا مات أعطاه الله من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة \" .","part":5,"page":407},{"id":2408,"text":"مكية . وآيها تسع عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ اقرأ باسم رَبّكَ } أي اقرأ القرآن مفتتحاً باسمه سبحانه وتعالى . أو مستعيناً به . { الذى خَلَقَ } أي الذي له الخلق أو الذي خلق كل شيء ، ثم أفرد ما هو أشرف وأظهر صنعاً وتدبيراً وأدل على وجوب العبادة المقصودة من القراءة فقال :\r{ خَلَقَ الإنسان } أو الذي { خَلَقَ الإنسان } فأبهم أولاً ثم فسر تفخيماً لخلقه ودلالة على عجيب فطرته . { مِنْ عَلَقٍ } جمعه على { الإنسان } في معنى الجمع ولما كان أول الواجبات معرفة الله سبحانه وتعالى نزل أولاً ما يدل على وجوده وفرط قدرته وكمال حكمته .\r{ اقرأ } تكرير للمبالغة ، أو الأول مطلق والثاني للتبليغ أو في الصلاة ولعله لما قيل له : { اقرأ باسم رَبّكَ } فقال : « ما أنا بقارىء » فقيل له اقرأ : { وَرَبُّكَ الأكرم } الزائد في الكرم على كل كريم فإنه سبحانه وتعالى ينعم بلا عوض ويحلم من غير تخوف ، بل هو الكريم وحده على الحقيقة .\r{ الذى عَلَّمَ بالقلم } أي الخط بالقلم ، وقد قرىء به لتقيد به العلوم ويعلم به البعيد .\r{ عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ } بخلق القوى ونصب الدلائل وإنزال الآيات فيعلمك القراءة وإن لم تكن قارئاً ، وقد عدد سبحانه وتعالى مبدأ أمر الإنسان ومنتهاه إظهاراً لما أنعم عليه ، من أن نقله من أخس المراتب إلى أعلاها تقريراً لربوبيته وتحقيقاً لأكرميته ، وأشار أولاً إلى ما يدل على معرفته عقلاً ثم نبه على ما يدل عليها سمعاً .\r{ كَلاَّ } ردع لمن كفر بنعمة الله بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه . { إِنَّ الإنسان ليطغى } .\r{ أَن رَّءاهُ استغنى } أن رأى نفسه ، واستغنى مفعوله الثاني لأنه بمعنى علم ولذلك جاز أن يكون فاعله ومفعوله ضميرين لواحد .\r{ إِنَّ إلى رَبّكَ الرجعى } الخطاب للإنسان على الالتفات تهديداً وتحذيراً من عاقبة الطغيان ، و { الرجعى } مصدر كالبشرى .\r{ أَرَأَيْتَ الذى ينهى عَبْداً إِذَا صلى } نزلت في أبي جهل قال لو رأيت محمداً ساجداً لوطئت عنقه ، فجاءه ثم نكص على عقبيه فقيل له مالك ، فقال إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً وأجنحة . فنزلت ولفظ العبد وتنكيره للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال عبودية المنهي .\r{ أَرَءَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى } أرأيت تكرير للأول وكذا الذي في قوله :\r{ أَرَءيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } والشرطية مفعوله الثاني وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب الشرط الثاني الواقع موقع القسيم له . والمعنى أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على هدى فيما ينهى عنه ، أو آمراً { بالتقوى } فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقده ، أو إن كان على التكذيب للحق والتولي عن الصواب كما تقول ، { أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ الله يرى } ويطلع على أحواله من هداه وضلاله .","part":5,"page":408},{"id":2409,"text":"وقيل المعنى { أَرَأَيْتَ الذى ينهى عَبْداً } يصلي والمنهي على الهدى آمراً بالتقوى ، والناهي مكذب متولٍ فما أعجب من ذا . وقيل الخطاب في الثانية مع الكافر فإنه سبحانه وتعالى كالحاكم الذي حضره الخصمان يخاطب هذا مرة والآخر أخرى ، وكأنه قال يا كافر أخبرني إن كان صلاته هدى ودعاؤه إلى الله سبحانه وتعالى أمراً بالتقوى أتنهاه ، ولعله ذكر الأمر بالتقوى في التعجب والتوبيخ ولم يتعرض له في النهي لأن النهي كان عن الصلاة والأمر بالتقوى ، فاقتصر على ذكر الصلاة لأنه دعوة بالفعل أو لأن نهي العبد إذا صلى يحتمل أن يكون لها ولغيرها ، وعامة أحوالها محصورة في تكميل نفسه بالعبادة وغيره بالدعوة .\r{ كَلاَّ } ردع للناهي . { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } عما هو فيه . { لَنَسْفَعاً بالناصية } لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء وجذبه بشدة ، وقرىء «لنَسْفَعَنَّ» بنون مشددة و«لأسفعن» ، وكتابته في المصحف بالألف على حكم الوقف والاكتفاء باللام عن الإِضافة للعلم بأن المراد ناصية المذكور .\r{ نَاصِيَةٍ كاذبة خَاطِئَةٍ } بدل من الناصية وإنما جاز لوصفها ، وقرئت بالرفع على هي ناصية والنصب على الذم ووصفها بالكذب والخطأ ، وهما لصاحبها على الإسناد المجازي للمبالغة .\r{ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ } أي أهل ناديه ليعينوه وهو المجلس الذي ينتدي فيه القوم . روي أنا أبا جهل لعنه الله مر برسول الله A وهو يصلي فقال : ألم أنهك ، فاغلظ له رسول الله A فقال : \" أتهددني وأنا أكثر أهل الوادي نادياً فنزلت \" { سَنَدْعُ الزبانية } ليجروه إلى النار وهو في الأصل الشرط واحدها زبنية كعفرية من الزبن وهو الدفع ، أو زبني على النسب وأصلها زباني والتاء معوضة عن الياء .\r{ كَلاَّ } ردع أيضاً للناهي . { لاَ تُطِعْهُ } أي أثبت أنت على طاعتك . { واسجد } داوم على سجودك . { واقترب } وتقرب إلى ربك وفي الحديث \" أقرب ما يكون العبد إلى ربه إذا سجد \" عن النبي A \" من قرأ سورة العلق أعطي من الأجر كأنما قرأ المفصل كله \" .","part":5,"page":409},{"id":2410,"text":"مختلف فيها . وآيها خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أنزلناه فِى لَيْلَةِ القدر } الضمير للقرآن فخمه بإضماره من غير ذكر شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح كما عظمه بأن أسند نزله إليه ، وعظم الوقت الذي أنزل فيه بقوله :\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر لَيْلَةُ القدر خَيْرٌ مّنْ أَلْفِ شَهْرٍ } وإنزاله فيها بأن ابتدأ بإنزاله فيها ، أو أنزله جملة من اللوح إلى السماء الدنيا على السفرة ، ثم كان جبريل E ينزله على رسول الله A نجوماً في ثلاث وعشرين سنة . وقيل المعنى { أنزلناه } في فضلها وهي في أوتار العشر الأخير في رمضان ، ولعلها السابعة منها . والداعي إلى إخفائها أن يُحيي من يريدها ليالي كثيرة ، وتسميتها بذلك لشرفها أو لتقدير الأمور فيها لقوله سبحانه وتعالى : { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وذكر الألف إما للتكثير ، \" أو لما روي أنه E ذكر إسرائيلياً يلبس السلاح في سبيل الله ألف شهر ، فعجب المؤمنون وتقاصرت إليهم أعمالهم ، فأعطوا ليلة القدر هي خير من مدة ذلك الغازي \" { تَنَزَّلُ الملائكة والروح فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِم } بيان لما له فُصِّلَتْ على ألف شهر وتنزلهم إلى الأرض ، أو إلى السماء الدنيا أو تقربهم إلى المؤمنين . { مّن كُلّ أَمْرٍ } من أجل كل قدر في تلك السنة ، وقرىء «من كل امرىء» أي من أجل كل إنسان .\r{ سلام هِىَ } ما هي إلا سلامة أي لا يقدر الله فيها إلا السلامة ، ويقضي في غيرها السلامة والبلاء ، أو ما هي إلا سلام لكثرة ما يسلمون فيها على المؤمنين . { حتى مَطْلَعِ الفجر } أي وقت مطلعه أي طلوعه . وقرأ الكسائي بالكسر على أنه كالمرجع أو اسم زمان على غير قياس كالمشرق .\rعن النبي A \" من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر \" .","part":5,"page":410},{"id":2411,"text":"مختلف فيها . وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب } اليهود والنصارى فإنهم كفروا بالإِلحاد في صفات الله سبحانه وتعالى و { مِنْ } للتبيين . { والمشركين } وعبدة الأصنام . { مُنفَكّينَ } عما كانوا عليه من دينهم ، أو الوعد باتباع الحق إذ جاءهم الرسول A . { حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } الرسول E أو القرآن ، فإنه مبين للحق أو معجزة الرسول بأخلاقه والقرآن بإفحامه من تحدى به .\r{ رَسُولٌ مِّنَ الله } بدل من { البينة } بنفسه أو بتقدير مضاف أو مبتدأ . { يَتْلُو صُحُفاً مُّطَهَّرَةً } صفته أو خبره ، والرسول E وإن كان أمياً لكنه لما تلا مثل ما في الصحف كان كالتالي لها . وقيل المراد جبريل E وكون الصحف { مُّطَهَّرَةٍ } أن الباطل لا يأتي ما فيها ، أو أنها لا يمسها إلا المطهرون .\r{ فِيهَا كُتُبٌ قَيّمَةٌ } مكتوبات مستقيمة ناطقة بالحق .\r{ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب } عما كانوا عليه بأن آمن بعضهم أو تردد في دينه ، أو عن وعدهم بالإِصرار على الكفر . { إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة } فيكون كقوله : { وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } وإفراد أهل الكتاب بعد الجمع بينهم وبين المشركين للدلالة على شناعة حالهم ، وأنهم لما تفرقوا مع علمهم كان غيرهم بذلك أولى .\r{ وَمَا أُمِرُواْ } أي في كتبهم بما فيها . { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } لا يشركون به . { حُنَفَاء } مائلين عن العقائد الزائغة . { وَيُقِيمُواْ الصلاة وَيُؤْتُواْ الزكواة } ولكنهم حرفوا وعصوا . { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } دين الملة القيمة .\r{ إِنَّ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين فِى نَارِ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } أي يوم القيامة ، أو في الحال لملابستهم ما يوجب ذلك ، واشتراك الفريقين في جنس العذاب لا يوجب اشتراكهما في نوعه فلعله يختلف لتفاوت كفرهما . { أَوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ البرية } أي الخليقة . وقرأ نافع «البريئة» بالهمز على الأصل .\r{ إِنَّ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ البرية جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ جنات عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا أَبَداً } فيه مبالغات تقديم المدح ، وذكر الجزاء المؤذن بأن ما منحوا في مقابلة ما وصفوا به والحكم عليه بأن من ، { عِندَ رَبّهِمْ } ، وجمع { جنات } وتقييدها إضافة ووصفاً بما تزداد لها نعيماً ، وتأكيد الخلود بالتأييد . { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } استئناف بما يكون لهم زيادة على جزائهم . { وَرَضُواْ عَنْهُ } لأنه بلغهم أقصى أمانيهم . { ذلك } أي المذكور من الجزاء والرضوان . { لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } فإن الخشية ملاك الأمر والباعث على كل خير .\rعن النبي A \" من قرأ سورة لم يكن الذين كفروا كان يوم القيامة مع خير البرية مساء ومقيلاً \" .","part":5,"page":411},{"id":2412,"text":"مختلف فيها . وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا } اضطرابها المقدر لها عند النفخة الأولى ، أو الثانية أو الممكن لها أو اللائق بها في الحكمة ، وقرىء بالفتح وهو اسم الحركة وليس في الأبنية فعلال إلا في المضاعف .\r{ وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } ما في جوفها من الدفائن أو الأموات جمع ثقل وهو متاع البيت .\r{ وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا } لما يبهرهم من الأمر الفظيع ، وقيل المراد ب { الإنسان } الكافر فإن المؤمن يعلم ما لها .\r{ يَوْمَئِذٍ تُحَدّثُ } تحدث الخلق بلسان الحال . { أَخْبَارَهَا } ما لأجله زلزالها وإخراجها . وقيل ينطقها الله سبحانه وتعالى فتخبر بما عمل عليها ، و { يَوْمَئِذٍ } بدل من { إِذَا } وناصبهما { تُحَدّثُ } ، أو أصل و { إِذَا } منتصب بمضمر .\r{ بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا } أي تحدث بسبب إيحاء ربك لها بأن أحدث فيها ما دلت على الأخبار ، أو أَنطقها بها ويجوز أن يكون بدلاً من إخبارها إذ يقال : حدثته كذا وبكذا ، واللام بمعنى إلى أو على أصلها إذ لها في ذلك تشف من العصاة .\r{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ الناس } من مخارجهم من القبور إلى الموقف . { أَشْتَاتاً } متفرقين بحسب مراتبهم . { لّيُرَوْاْ أعمالهم } جزاء أعمالهم ، وقرىء بفتح الياء .\r{ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ } تفصيل { لّيُرَوْاْ } ولذلك قرىء « يُرَهُ» بالضم ، وقرأ هشام بإسكان الهاء ولعل حسنة الكافر وسيئة المجتنب عن الكبائر تؤثران في نقص الثواب والعقاب . وقيل الآية مشروطة بعدم الإحباط والمغفرة ، أو من الأولى مخصوصة بالسعداء والثانية بالأشقياء لقوله { أَشْتَاتاً } ، وال { ذَرَّةٍ } النملة الصغيرة أو الهباء .\rعن النبي A \" من قرأ سورة إذا زلزلت الأرض أربع مرات كان كمن قرأ القرآن كله \" .","part":5,"page":412},{"id":2413,"text":"مختلف فيها ، وآيها إحدى عشرة آية\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ والعاديات ضَبْحاً } أقسم سبحانه بخيل الغزاة تعدو فتضبح ضبحاً ، وهو صوت أنفاسها عند العدو ونصبه بفعله المحذوف ، أو ب { العاديات } فإنها تدل بالالتزام على الضابحات ، أو ضبحاً حال بمعنى ضابحة .\r{ فالموريات قَدْحاً } فالتي توري النار ، والإِيراء إخراج النار يقال قدح الزند فأورى .\r{ فالمغيرات } يغير أهلها على العدو . { صُبْحاً } أي في وقته .\r{ فَأَثَرْنَ } فهيجن . { بِهِ } بذلك الوقت . { نَقْعاً } غباراً أو صياحاً .\r{ فَوَسَطْنَ بِهِ } فتوسطن بذلك الوقت أو بالعدو ، أو بالنقع أي ملتبسات به . { جَمْعاً } من جموع الأعداء ، \" روي : أنه E بعث خيلاً فمضت أشهر لم يأته منهم خبر فنزلت \" . ويحتمل أن يكون القسم بالنفوس العادية أثر كما لهن الموريات بأفكارهن أنوار المعارف ، والمغيرات على الهوى والعادات إذا ظهر لهن مثل أنوار القدس ، { فَأَثَرْنَ بِهِ } شوقاً { فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً } من مجموع العليين .\r{ إِنَّ الإنسان لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } لكفور من كَنَدِ النعمة كنوداً ، أو لعاص بلغة كندة ، أو لبخيل بلغة بني مالك وهو جواب القسم .\r{ وَإِنَّهُ على ذَلِكَ } وإن الإِنسان على كنوده { لَشَهِيدٌ } يشهد على نفسه لظهور أثره عليه ، أو أن الله سبحانه وتعالى على كنوده لشهيد فيكون وعيداً .\r{ وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير } المال من قوله سبحانه وتعالى : { إِن تَرَكَ خَيْرًا } أي مالاً . { لَشَدِيدٌ } لبخيل أو لقوي مبالغ فيه .\r{ أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ } بعث . { مَا فِى القبور } من الموتى وقرىء «بحثر» و «بحت» .\r{ وَحُصّلَ } جمع محصلاً في الصحف أو ميز . { مَا فِى الصدور } من خير أو شر ، وتخصيصه لأنه الأصل .\r{ إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ } وهو يوم القيامة . { لَّخَبِيرٌ } عالم بما أعلنوا وما أسروا فيجازيهم عليه ، وإنما قال { مَا } ثم قال { بِهِمُ } لاختلاف شأنهم في الحالين ، وقرىء { أن } و «خبير» بلا لام . عن النبي A \" من قرأ سورة والعاديات أعطى من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعاً \" .","part":5,"page":413},{"id":2414,"text":"مكية ، وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ القارعة مَا القارعة وَمَا أَدْرَاكَ مَا القارعة } سبق بيانه في «الحاقة» .\r{ يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث } في كثرتهم وذلتهم وانتشارهم واضطرابهم ، وانتصاب { يَوْمَ } بمضمر دلت عليه { القارعة } .\r{ وَتَكُونُ الجبال كالعهن } كالصوف ذي الألوان . { المنفوش } المندوف لتفرق أجزائها وتطايرها في الجو .\r{ فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ موازينه } بأن ترجحت مقادير أنواع حسناته .\r{ فَهُوَ فِى عِيشَةٍ } في عيش . { رَّاضِيَةٍ } ذات رضا أو مرضية .\r{ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ موازينه } بأن لم يكن له حسنة يعبأ بها ، أو ترجحت سيئاته على حسناته .\r{ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ } فمأواه النار المحرقة والهاوية من أسمائها ولذلك قال :\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ } ذات حمى .\rعن النبي A \" من قرأ سورة القارعة ثقل الله بها ميزانه يوم القيامة \" .","part":5,"page":414},{"id":2415,"text":"مختلف فيها ، وآيها ثمان آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ ألهاكم } شغلكم وأصله الصرف إلى اللهو منقول من لها إذا غفل . { التكاثر } التباهي بالكثرة\r{ حتى زُرْتُمُ المقابر } إذا استوعبتم عدد الأحياء صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات ، عبر عن انتقالهم إلى ذكر الموتى بزيارة المقابر . روي أن بني عبد مناف وبني سهم تفاخروا بالكثرة فكثرهم بنو عبد مناف ، فقال بنو سهم إن البغي أهلكنا في الجاهلية فعادونا بالأحياء والأموات فكثرهم بنو سهم ، وإنما حذف المنهي عنه وهو ما يعنيهم من أمر الدين للتعظيم والمبالغة . وقيل معناه { ألهاكم التكاثر } بالأموال والأولاد إلى أن متم وقبرتم مضيعين أعماركم في طلب الدنيا عما هو أهم لكم ، وهو السعي لأخراكم فتكون زيارة القبور عبارة عن الموت .\r{ كَلاَّ } ردع وتنبيه على أن العاقل ينبغي له أن لا يكون جميع همه ومعظم سعيه للدنيا فإن عاقبة ذلك وبال وحسرة . { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } خطأ رأيكم إذا عاينتم ما وراءكم وهو إنذار ليخافوا وينتبهوا من غفلتهم .\r{ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ } تكرير للتأكيد وفي { ثُمَّ } دلالة على أن الثاني أبلغ من الأول ، أو الأول عند الموت أو في القبر والثاني عند النشور .\r{ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين } أي لو تعلمون ما بين أيديكم علم اليقين أي كعلمكم ما تستيقنونه لشغلكم ذلك عن غيره ، أو لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه فحذف الجواب للتفخيم ولا يجوز أن يكون قوله .\r{ لَتَرَوُنَّ الجحيم } جواباً له لأنه محقق الوقوع بل هو جواب قسم محذوف أكد به الوعيد وأوضح به ما أنذرهم منه بعد إبهامه تفخيماً ، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم التاء .\r{ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا } تكرير للتأكيد ، أو الأولى إذا رأيتهم من مكان بعيد والثانية إأذا وردوها ، أو المراد بالأولى المعرفة وبالثانية الإبصار . { عَيْنَ اليقين } أي الرؤية التي هي نفس اليقين ، فإن علم المشاهدة أعلى مراتب اليقين .\r{ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم } الذي ألهاكم ، والخطاب مخصوص بكل من ألهاه دنياه عن دينه و { النعيم } بما يشغله للقرينة والنصوص الكثيرة كقوله : { مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } { كُلُواْ مِنَ الطيبات } وقيل يعمان إذ كل يسأل عن شكره . وقيل الآية مخصوصة بالكفار .\rعن النبي A « من قرأ ألهاكم لم يحاسبه الله سبحانه وتعالى بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا ، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية » .","part":5,"page":415},{"id":2416,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\r{ والعصر } أقسم سبحانه بصلاة العصر لفضلها ، أو بعصر النبوة أو بالدهر لاشتماله على الأعاجيب والتعريض بنفي ما يضاف إليه من الخسران .\r{ إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ } إن الناس لفي خسران في مساعيهم وصرف أعمارهم في مطالبهم ، والتعريف للجنس والتنكير للتعظيم .\r{ إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات } فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا ففازوا بالحياة الأبدية والسعادة السرمدية . { وَتَوَاصَوْاْ بالحق } الثابت الذي لا يصح إنكاره من اعتقاد أو عمل . { وَتَوَاصَوْاْ بالصبر } عن المعاصي أو على الحق ، أو ما يبلو الله به عباده . وهذا من عطف الخاص على العام للمبالغة إلا أن يخص العمل بما يكون مقصوراً على كماله ، ولعله سبحانه وتعالى إنما ذكر سبب الربح دون الخسران اكتفاء ببيان المقصود ، وإشعاراً بأن ما عد إما عد يؤدي إلى خسر ونقص حظ ، أو تكرماً فإن الإبهام في جانب الخسر كرم . عن النبي A « من قرأ سورة والعصر غفر الله له وكان ممن تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر » .","part":5,"page":416},{"id":2417,"text":"مكية ، وآيها تسع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ وَيْلٌ لّكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } الهمز الكسر كالهزم ، واللمز الطعن كاللهز فشاعا في الكسر من أعراض الناس والطعن فيهم ، وبناء فعله يدل على الاعتياد فلا يقال ضحكة ولعنة إلا للمكثر المتعود ، وقرىء «همزة لمزة» بالسكون على بناء المفعول وهو المسخرة الذي يأتي بالأضاحيك فيضحك منه ويشتم . ونزولها في الأخنس بن شريق فإنه كان مغياباً ، أو في الوليد بن المغيرة واغتيابه رسول الله A .\r{ الذى جَمَعَ مَالاً } بدل من كل أو ذم منصوب أو مرفوع ، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي بالتشديد للتكثير { وَعَدَّدَهُ } وجعله عدة للنوازل أو عدة مرة بعد أخرى ، ويؤيده أنه قرىء «وَعَدَّدَهُ» على فك الإِدغام .\r{ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ } تركه خالداً في الدنيا فأحبه كما يحب الخلود ، أو حب المال أغفله عن الموت أو طول أمله حتى حسب أنه مخلد فعمل عمل من لا يظن الموت ، وفيه تعريض بأن المخلد هو السعي للآخرة .\r{ كَلاَّ } ردع له عن حسبانه . { لَيُنبَذَنَّ } ليطرحن . { فِى الحطمة } في النار التي من شأنها أن تحطم كل ما يطرح فيها .\r{ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحطمة } ما [ هذه ] النار التي لها هذه الخاصية .\r{ نَارُ الله } تفسير لها . { الموقدة } التي أوقدها الله وما أوقده لا يقدر غيره أن يطفئه .\r{ التى تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة } تعلو أوساط القلوب وتشتمل عليها ، وتخصيصها بالذكر لأن الفؤاد ألطف ما في البدن وأشده ألماً ، أو لأنه محل العقائد الزائفة ومنشأ الأعمال القبيحة .\r{ إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ } مطبقة من أوصدت الباب إذا أطبقته ، قال :\rتحن إلى أجبال مكة ناقتي ... وَمَنْ دُونِهَا أبواب صنعاء مُوصَدَة\rوقرأ حفص وأبو عمرو وحمزة بالهمزة .\r{ فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ } أي موثقين في أعمدة ممدودة مثل المقاطر التي تقطر فيها اللصوص وقرأ الكوفيون غير حفص بضمتين ، وقرىء «عُمْدٍ» بسكون الميم مع ضم العين .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد E وأصحابه \" رضوان الله عليهم أجمعين .","part":5,"page":417},{"id":2418,"text":"مكية ، وهي خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل } الخطاب للرسول A ، وهو وإن لم يشهد تلك الوقعة لكن شاهد آثارها وسمع بالتواتر أخبارها فكأنه رآها ، وإنما قال { كَيْفَ } ولم يقل ما لأن المراد تذكير ما فيها من وجوه الدلالة على كمال علم الله تعالى وقدرته وعزة بيته وشرف رسوله E فإنها من الإِرهاصات . إذ روي أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله A . قصتها أن أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن من قبل أصحمة النجاشي بنى كنيسة بصنعاء وسماها القليس ، وأراد أن يصرف الحاج إليها ، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلاً فأغضبه ذلك ، فحلف ليهدمن الكعبة فخرج بجيشه ومعه فيل قوي اسمه محمود ، وفيلة أخرى فلما تهيأ للدخول وعبى جيشه قدم الفيل ، وكان كلما وجهوه إلى الحرم برك ولم يبرح ، وإذا رجعوه إلى اليمن أو إلى جهة أخرى هرول ، فأرسل الله تعالى طيراً مع كل واحد في منقاره حجر وفي رجليه حجران ، أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة ، فترميهم فيقع الحجر في رأس الرجل فيخرج من دبره فهلكوا جميعاً . وقرىء { أَلَمْ تَرَ } جداً في إظهار أثر الجازم ، وكيف نصب بفعل لأبتر لما فيه من معنى الاستفهام .\r{ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ } في تعطيل الكعبة وتخريبها . { فِى تَضْلِيلٍ } في تضييع وإبطال بأن دمرهم وعظم شأنها .\r{ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ } جماعات جمع إبالة وهي الحزمة الكبيرة ، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامها . وقيل لا واحد لها كعبابيد وشماطيط .\r{ تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ } وقرىء بالياء على تذكير الطير لأنه اسم جمع ، أو إسناده إلى ضمير ربك . { مِّن سِجّيلٍ } من طين متحجر معرب سنككل وقيل من السجل وهو الدلو الكبير ، أو الاسجال وهو الارسال ، أو من السجل ومعناه من جملة العذاب المكتوب المدون .\r{ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } كورق زرع وقع فيه ، والآكال وهو أن يأكله الدود أو أكل حبه فبقي صفراً منه ، أو كتين أكلته الدواب وراثته .\rعن النبي A « من قرأ سورة الفيل أعفاه الله أيام حياته من الخسف والمسخ » .","part":5,"page":418},{"id":2419,"text":"مكية ، وآيها أربع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ لإيلاف قُرَيْشٍ } متعلق بقوله : { فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت } والفاء لما في الكلام من معنى الشرط ، إذ المعنى أن نعم الله عليهم لا تحصى فإن لم لم يعبدوه لسائر نعمه فليعبدوه لأجل :\r{ إيلافهم رِحْلَةَ الشتاء والصيف } أي الرحلة في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام فيمتارون ويتجرون ، أو بمحذوف مثل أعجبوا أو بما قبله كالتضمين في الشعر أي { فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ } { لإيلاف قُرَيْشٍ } ، ويؤيده أنهما في مصحف أُبيَّ سورة واحدة ، وقرىء «ليألف قريش إلفهم رحلة الشتاء» ، وقريش ولد النضر بن كنانة منقول من تصغير قرش ، وهو دابة عظيمة في البحر تعبث بالسفن فلا تطاق إلا بالنار ، فشبهوا بها لأنها تأكل ولا تؤكل ، وتعلو ولا تعلى ، وصغر الاسم للتعظيم وإطلاق الإِيلاف ، ثم إبدال المقيد عنه للتفخيم . وقرأ ابن عامر «لئلاف» بغير ياء بعد الهمزة .\r{ فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذى أَطْعَمَهُم مّن جُوعٍ } أي بالرحلتين والتنكير للتعظيم ، وقيل المراد به شدة أكلوا فيها الجيف والعظام . { وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ } أصحاب الفيل أو التخطف في بلدهم ومسايرهم ، أو الجذام فلا يصيبهم ببلدهم .\rعن رسول الله A \" من قرأ سورة لإيلاف قريش أعطاه الله عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها \" .","part":5,"page":419},{"id":2420,"text":"مختلف فيها ، وآيها سبع آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ أَرَأَيْتَ } استفهام معناه التعجب ، وقرىء «أريت» بلا همز إلحاقاً بالمضارع ، ولعل تصديرها بحرف الاستفهام سهل أمرها و «أرأيتك» بزيادة الكاف . { الذى يُكَذّبُ بالدين } بالجزاء أو الإِسلام والذي يحتمل الجنس والعهد ويؤيد الثاني قوله :\r{ فَذَلِكَ الذى يَدُعُّ اليتيم } يدفعه دفعاً عنيفاً . وهو أبو جهل كان وصياً ليتيم فجاءه عرياناً يسأله من مال نفسه فدفعه ، أو أبو سفيان نحر جزوراً فسأله يتيم لحماً فقرعه بعصاه ، أو الوليد بن المغيرة ، أو منافق بخيل . وقرىء «يَدع» أي يترك .\r{ وَلاَ يَحُضُّ } أهله وغيرهم . { على طَعَامِ المسكين } لعدم اعتقاده بالجزاء ولذلك رتب الجملة على { يُكَذّبُ } بالفاء .\r{ فَوَيْلٌ لّلْمُصَلّينَ الذين هُمْ عَن صلاتهم سَاهُونَ } أي غافلون غير مبالين بها .\r{ الذين هُمْ يُرَاءونَ } يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم .\r{ وَيَمْنَعُونَ الماعون } الزكاة أو ما يتعاور في العادة والفاء جزائية . والمعنى إذا كان عدم المبالاة باليتيم من ضعف الدين والموجب للذم والتوبيخ فالسهو عن الصلاة التي هي عماد الدين والرياء الذي هو شعبة من الكفر ، ومنع الزكاة التي هي قنطرة الإِسلام أحق بذلك ولذلك رتب عليها الويل ، أو للسببية على معنى { فَوَيْلٌ } لهم ، وإنما وضع المصلين موضع الضمير للدلالة على سوء معاملتهم مع الخالق والخلق .\rعن النبي A \" من قرأ سورة أرأيت غفر له أن كان للزكاة مؤدياً \" .","part":5,"page":420},{"id":2421,"text":"مكية ، وآيها ثلاث آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ } وقرىء «أنطيناك» . { الكوثر } الخير المفرط الكثرة من العلم والعمل وشرف الدارين . \" وروي عنه E أنه نهر في الجنة وعدنيه ربي فيه خير كثير أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأبرد من الثلج وألين من الزبد ، حافتاه الزبرجد وأوانيه من فضة لا يظمأ من شرب منه \" وقيل حوض فيها وقيل أولاده وأتباعه ، أو علماء أمته والقرآن العظيم .\r{ فَصَلّ لِرَبّكَ } فَدُمْ على الصلاة خالصاً لوجه الله تعالى خلاف الساهي عنها المرائي فيها شكراً لإِنعامه ، فإن الصلاة جامعة لأقسام الشكر . { وانحر } البدن التي هي خيار أموال العرب وتصدق على المحاويج خلافاً لمن يدعهم ويمنع عنهم الماعون ، فالسورة كالمقابلة للسورة المتقدمة وقد فسرت الصلاة بصلاة العيد والنحر بالتضحية .\r{ إِنَّ شَانِئَكَ } إن من أبغضك لبغضه الله . { هُوَ الأبتر } الذي لا عقب له إذ لا يبقى له نسل ولا حسن ذكر ، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة ، ولك في الآخرة ما لا يدخل تحت الوصف .\rعن النبي A \" من قرأ سورة الكوثر سقاه الله من كل نهر له في الجنة ، ويكتب له عشر حسنات بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر العظيم \" .","part":5,"page":421},{"id":2422,"text":"مكية ، وآيها ست آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ يَا أَيُّهَا الكافرون } يعني كفرة مخصوصين قد علم الله منهم أنهم لا يؤمنون . « روي أن رهطاً من قريش قالوا يا محمد تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة فنزلت » .\r{ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أي فيما يستقبل فأن لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الاستقبال كما أن { مَا } لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال .\r{ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } أي فيما يستقبل لأنه في قران { لاَ أَعْبُدُ } .\r{ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ } أي في الحال أو فيما سلف .\r{ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ } أي وما عبدتم في وقت ما أنا عابده ، ويجوز أن يكونا تأكيدين على طريقة أبلغ وأما لم يقل ما عبدت ليطابق { مَّا عَبَدتُّمْ } لأنهم كانوا موسومين قبل المبعث بعبادة الأصنام ، وهو لم يكن حينئذ موسوماً بعبادة الله ، وإنما قال { مَا } دون من لأن المراد الصفة كأنه قال : لا أعبد الباطل ولا تعبدون الحق أو للمطابقة . وقيل إنها مصدرية وقيل الأوليان بمعنى الذي والآخريان مصدريتان .\r{ لَكُمْ دِينَكُمْ } الذي أنتم عليه لا تتركونه . { وَلِىَ دِينِ } ديني الذي أنا عليه لا أرفضه ، فليس فيه إذن في الكفر ولا منع عن الجهاد ليكون منسوخاً بآية القتال ، اللهم إلا إذا فسر بالمتاركة وتقرير كل من الفريقين الآخر على دينه ، وقد فسر ال { دِينِ } بالحساب والجزاء والدعاء والعبادة .\rعَن النبي A « من قرأ سورة الكافرون فكأنما قرأ ربع القرآن وتباعدت عنه مردة الشياطين وبرىء من الشرك » .","part":5,"page":422},{"id":2423,"text":"مدنية ، وآيها ثلاث آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله } إظهاره إياك على أعدائك . { والفتح } وفتح مكة ، وقيل المراد جنس نصر الله المؤمنين وفتح مكة وسائر البلاد عليهم ، وإنما عبر عن الحصول بالمجيء تجوزاً للإِشعار بأن المقدرات متوجهة من الأزل إلى أوقاتها المعينة لها فتقرب منها شيئاً فشيئاً ، وقد قرب النصر من وقته فكن مترقباً لوروده مستعداً لشكره .\r{ وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِى دِينِ الله أفواجا } جماعات كثيفة كأهل مكة والطائف واليمن وهوازن وسائر قبائل العرب ، و { يَدْخُلُونَ } حال على أن { رَأَيْتُ } بمعنى أبصرت أو مفعول ثان على أنه بمعنى علمت .\r{ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فتعجب لتيسير الله ما لم يخطر ببال أحد حامداً له ، أو فصل له حامداً على نعمه . « روي أنه A لما دخل مكة بدأ بالمسجد فدخل الكعبة وصلى ثمان ركعات » أو فنزهه تعالى عما كانت الظلمة يقولون فيه حامداً له على أن صدق وعده ، أو فأثن على الله تعالى بصفات الجلال حامداً له على صفات الإِكرام . { واستغفره } هضماً لنفسك واستقصاراً لعملك واستدراكاً لما فرط منك من الالتفات إلى غيره . وعنه E « إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة » وقيل استغفره لأمتك ، وتقديم التسبيح على الحمد ثم الحمد على الاستغفار على طريق النزول من الخالق إلى الخلق . كما قيل ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله . { إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } لمن استغفره مذ خلق المكلفين ، والأكثر على أن السورة نزلت قبل فتح مكة ، وأنه نعي لرسول الله A لأنه لما قرأها بكى العباس Bه ، فقال E ما يبكيك ، فقال : نعيت إليك نفسك ، فقال « إنها لكما تقول » ولعل ذلك لدلالتها على تمام الدعوة وكمال أمر الدين فهي كقوله تعالى : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } أو لأن الأمر باستغفار تنبيه على دنو الأجل ، ولهذا سميت سورة التوديع .\rوعنه E « من قرأ سورة إذا جاء أعطي من الأجر كمن شهد مع محمد E يوم فتح مكة شرفها الله تعالى » .","part":5,"page":423},{"id":2424,"text":"مكية ، وآيها خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ تَبَّتْ } هلكت أو خسرت والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك . { يَدَا أَبِى لَهَبٍ } نفسه كقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } وقيل إنما خصتا لأنه E لما نزل عليه { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين } جمع أقاربه فأنذرهم فقال أبو لهب : تباً لك ألهذا دعوتنا ، وأخذ حجراً ليرميه به فنزلت . وقيل المراد بهما دنياه وأخراه ، وإنما كناه والتكنية تكرمة لاشتهاره بكنيته ولأن اسمه عبد العزى فاستكره ذكره ، ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله ، أو ليجانس قوله : { ذَاتَ لَهَبٍ } وقرىء «أبو لهب» كما قيل علي بن أبو طالب . { وَتَبَّ } إخبار بعد دعاء والتعبير بالماضي لتحقق وقوعه كقوله :\rجَزَانِي جَزَاهُ الله شَرَّ جَزائِه ... جَزاءَ الكِلاَبِ العَاوِيَاتِ وَقَدْ فَعَل\rويدل عليه أنه قرىء «وقد تب» أو الأول إخبار عما كسبت يداه والثاني عن عمل نفسه .\r{ مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ } نفي لإِغناء المال عنه حين نزل به التباب أو استفهام إنكار له ومحلها النصب . { وَمَا كَسَبَ } وكسبه أو مكسوبه بماله من النتائج والأرباح والوجاهة والإِتباع ، أو عمله الذي ظن أنه ينفعه أو ولده عتبة ، وقد افترسه أسد في طريق الشام وقد أحدق به العير ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر بأيام معدودة ، وترك ثلاثاً حتى أنتن ثم استأجروا بعض السودان حتى دفنوه ، فهو إخبار عن الغيب طابقه وقوعه .\r{ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ } اشتعال يريد نار جهنم ، وليس فيه ما يدل على أنه لا يؤمن لجواز أن يكون صليها للفسق ، وقرىء { سيصلى } بالضم مخففاً و { سيصلى } مشدداً .\r{ وامرأته } عطف على المستتر في { سيصلى } أو مبتدأ وهي أم جميل أخت أبي سفيان . { حَمَّالَةَ الحطب } يعني حطب جهنم فإنها كانت تحمل الأوزار بمعاداة الرسول A وتحمل زوجها على إيذائه ، أو اليميمة فإنها كانت توقد نار الخصومة ، أو حزمة الشوك أو الحسك ، فإنها كانت تحملها فتنثرها بالليل في طريق رسول الله A ، وقرأ عاصم بالنصب على الشتم .\r{ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مّن مَّسَدٍ } أي مِمَّا مُسِّدَ أي فَتِلَ ، ومنه رجل ممسود الخلق أي مجدوله ، وهو ترشيح للمجاز أو تصوير لها بصورة الخطابة التي تحمل الحزمة وتربطها في جيدها تحقيراً لشأنها ، أو بياناً لحالها في نار جهنم حيث يكون على ظهرها حزمة من حطب جهنم كالزقوم ، والضريع وفي جيدها سلسلة من النار ، والظرف في موضع الحال أو الخبر وحبل مرتفع به .\rعن النبي A \" من قرأ سورة تبت رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة \" .","part":5,"page":424},{"id":2425,"text":"مختلف فيها ، وآيها أربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } الضمير للشأن كقولك : هو زيد منطلق وارتفاعه بالإِبتداء وخبره الجملة ولا حاجة إلى العائد لأنها هي هو ، أو لما سُئِلَ عنهُ A أي الذي سألتموني عنه هو الله ، إذ \" روي أن قريشاً قالوا : يا محمد صف لنا ربك الذي تدعونا إليه فنزلت \" واحد بدل أو خبر ثان يدل على مجامع صفات الجلال كما دل الله على جميع صفات الكمال إذا الواحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن أنحاء التركيب والتعدد ، وما يستلزم أحدهما كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة وخواصها كوجوب الوجود والقدرة الذاتية والحكمة التامة المقتضية للألوهية وقرىء «هو الله» بلا { قُلْ } مع الاتفاق على أنه لا بد منه في { قُلْ يا أَيُّهَا الكافرون } ، ولا يجوز في «تبت» ، ولعل ذاك لأن سورة «الكافرون» مشاقة الرسول أو موادعته لهم و «تبت» معاتبة عمه فلا يناسب أن تكون منه ، وأما هذا فتوحيد يقول به تارة ويؤمر بأن يدعو إليه أخرى .\r{ الله الصمد } السيد المصمود إليه في الحوائج من صمد إليه إذا قصد ، وهو الموصوف به على الإِطلاق فإنه يستغني عن غيره مطلقاً ، وكل ما عداه محتاج إليه في جميع جهاته ، وتعريفه لعلمهم بصمديته بخلاف أحديته وتكرير لفظة { الله } للإشعار بأن من لم يتصف به لم يستحق الألوهية ، وإخلاء الجملة عن العاطف لأنها كالنتيجة للأولى أو الدليل عليها .\r{ لَمْ يَلِدْ } لأنه لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو يخلف عنه لامتناع الحاجة والفناء عليه ، ولعل الاقتصاد على لفظ الماضي لوروده رداً على من قال الملائكة بنات الله ، أو المسيح ابن الله أو ليطابق قوله : { وَلَمْ يُولَدْ } وذلك لأنه لا يفتقر إلى شيء ولا يسبقه عدم .\r{ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } أي ولم يكن أحد يكافئه أو يماثله من صاحبة أو غيرها ، وكان أصله أن يؤخر الظرف لأنه صلة { كُفُواً } لكن لما كان المقصود نفي المكافأة عن ذاته تعالى قدم تقديماً للأهم ، ويجوز أن يكون حالاً من المستكن في { كُفُواً } أو خبراً ، ويكون { كُفُواً } حالاً من { أَحَدٌ } ، ولعل ربط الجمل الثلاث بالعطف لأن المراد منها نفي أقسام المكافأة فهي كجملة واحدة منبهة عليها بالجمل ، وقرأ حمزة ويعقوب ونافع في رواية «كُفْواً» بالتخفيف ، وحفص { كُفُواً } بالحركة وقلب الهمزة واواً ، ولاشتمال هذه السور مع قصرها على جميع المعارف الإلهية والرد على من ألحد فيها ، \" جاء في الحديث أنها تعدل ثلث القرآن \" فإن مقاصده محصورة في بيان العقائد والأحكام والقصص ومن عدلها بكله اعتبر المقصود بالذات من ذلك .\rوعنه A ، \" أنه سمع رجلاً يقرؤها فقال : «وجبت» \" قيل : يا رسول الله وما وجبت قال : \" وجبت له الجنة \" .","part":5,"page":425},{"id":2426,"text":"مختلف فيها ، وآيها خمس آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ الفَلَقِ } ما يفلق عنه أي يفرق كالفرق فعل بمعنى مفعول ، وهو يعم جميع الممكنات ، فإنه تعالى فلق ظلمة العدم بنور الإِيجاد عنها ، سيما ما يخرج من أصل كالعيون والأمطار والنبات والأولاد ، ويختص عرفاً بالصبح ولذلك فسر به . وتخصيصه لما فيه من تغير الحال وتبدل وحشة الليل بسرور النور ومحاكاة فاتحة يوم القيامة ، والإِشعار بأن من قدر أن يزيل به ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ به ما يخافه ، ولفظ الرب هنا أوقع من سائر أسمائه تعالى لأن الإِعاذة من المضار قريبة .\r{ مِن شَرّ مَا خَلَقَ } خص عالم الخلق بالإستعاذة عنه لانحصار الشرفية ، فإن عالم الأمر خير كله ، وشره اختياري لازم ومتعد كالكفر والظلم ، وطبيعي كإحراق النار وإهلاك السموم .\r{ وَمِن شَرّ غَاسِقٍ } ليل عظيم ظلامه من قوله : { إلى غسق الليل } وأصله الامتلاء يقال غسقت العين إذا امتلأت دمعاً . وقيل السيلان و { غَسَقِ اليل } انصباب ظلامه وغسق العين سيلان دمعه . { إِذَا وَقَبَ } دخل ظلامه في كل شيء ، وتخصيصه لأن المضار فيه تكثر ويعسر الدفع ، ولذلك قيل الليل أخفى للويل . وقيل المراد به القمر فإنه يكسف فيغسق ووقوبه دخوله في الكسوف .\r{ وَمِن شَرّ النفاثات فِى العقد } ومن شر النفوس أو النساء السواحر اللاتي يعقدن عقداً في خيوط وينفثن عليها ، والنفث النفخ مع ريق وتخصيصه . « لما روي أن يهودياً سحر النبي A في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر ، فمرض النبي A ونزلت المعوذتان » وأخبره جبريل E بموضع السحر فأرسل علياً رضي الله تعالى عنه فجاء به فقرأهما عليه ، فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة ، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور ، لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر . وقيل المراد بالنفث في العقد إبطال عزائم الرجال بالحيل مستعار من تليين العقد بنفث الريق ليسهل حلها وإفرادها بالتعريف لأن كل نفاثة شريرة بخلاف كل غاسق وحاسد .\r{ وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه ، فإنه لا يعود ضرر منه قبل ذلك إلى المحسود بل يخص به لاغتمامه بسروره ، وتخصيصه لأنه العمدة في إضرار الإِنسان بل الحيوان غيره ، ويجوز أن يراد بالغاسق ما يخلو عن النور وما يضاهيه كالقوى وب { النفاثات } النباتات ، فإن قواها النباتية من حيث أنها تزيد في طولها وعرضها وعمقها كانت تنفث في العقد الثلاثة ، وبالحاسد الحيوان فإنه إنما يقصد غيره غالباً طمعاً فيما عنده ، ولعل إفرادها من عالم الخلق لأنها الأسباب القريبة للمضرة .\rعن النبي A « لقد أنزلت عليَّ سورتان ما أنزل مثلهما وإنك لن تقرأ سورتين أحب ولا أرضى عند الله منهما يعني المعوذتين » .","part":5,"page":426},{"id":2427,"text":"مختلف فيها ، وآيها ست آيات\rبسم الله الرحمن الرحيم\r{ قُلْ أَعُوذُ } وقرىء في السورتين بحذف الهمزة ونقل حركتهما إلى اللام . { بِرَبّ الناس } لما كانت الاستعاذة في السورة المتقدمة من المضار البدنية وهي تعم الإِنسان وغيره والاستعاذة في هذه السورة من الأضرار التي تعرض للنفوس البشرية وتخصها ، عمم الإِضافة ثمَّ وخصصها بالناس ها هنا فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك أمورهم ويستحق عبادتهم .\r{ مَلِكِ الناس إله الناس } عطفاً بيان له فإن الرب قد لا يكون ملكاً والملك قد لا يكون إلهاً ، وفي هذا النظم دلالة على أنه حقيق بالإعاذة قادراً عليها غير ممنوع عنها وإشعار على مراتب الناظر في المعارف فإنه يعلم أولاً بما عليه من النعم الظاهرة والباطنة أن له رباً ، ثم يتغلل في النظر حتى يتحقق أنه غني عن الكل وذات كل شيء له ومصارف أمره منه ، فهو الملك الحق ثم يستدل به على أنه المستحق للعبادة لا غير ، ويتدرج وجوه الاستعاذة كما يتدرج في الاستعاذة المعتادة ، تنزيلاً لاختلاف الصفات منزلة اختلاف الذات إشعاراً بعظم الآفة المستعاذة منها ، وتكرير { الناس } لما في الإِظهار من مزيد البيان ، والإِشعار بشرف الإِنسان .\r{ مِن شَرّ الوسواس } أي الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة ، وأما المصدر فبالكسر كالزلزال ، والمراد به الموسوس وسمي بفعله مبالغة . { الخناس } الذي عادته أن يخنس أي يتأخر إذا ذكر الإِنسان ربه .\r{ الذى يُوَسْوِسُ فِى صُدُورِ الناس } إذا غفلوا عن ذكر ربهم ، وذلك كالقوة الوهمية ، فإنها تساعد العقل في المقدمات ، فإذا آل الأمر إلى النتيجة خنست وأخذت توسوسه وتشككه ، ومحل { الذى } الجر على الصفة أو النصب أو الرفع على الذم .\r{ مِنَ الجنة والناس } بيان ل { الوسواس } ، أو الذي أو متعلق ب { يُوَسْوِسُ } أي يوسوس في صدورهم من جهة الجِنَّةَ والناس . وقيل بيان ل { الناس } على أن المراد به ما يعم الثقلين ، وفيه تعسف إلا أن يراد به الناسي كقوله تعالى : { يَوْمَ يدعُ الداع } فإن نسيان حق الله تعالى يعم الثقلين .\rعن النبي A « من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تبارك وتعالى » .","part":5,"page":427}],"titles":[{"id":1,"title":"الفاتحة","lvl":1,"sub":0},{"id":1,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":4,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":5,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":6,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":7,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":9,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":11,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":13,"title":"البقرة","lvl":1,"sub":0},{"id":13,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":17,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":19,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":22,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":23,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":24,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":26,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":28,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":29,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":30,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":31,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":32,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":33,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":34,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":35,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":36,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":37,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":39,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":40,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":41,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":44,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":46,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":48,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":50,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":52,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":56,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":60,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":61,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":62,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":64,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":67,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":68,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":69,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":71,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":72,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":73,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":74,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":75,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":77,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":78,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":79,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":80,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":81,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":82,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":83,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":84,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":85,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":86,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":87,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":88,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":89,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":90,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":91,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":92,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":93,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":94,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":95,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":96,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":97,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":98,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":100,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":101,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":102,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":103,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":104,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":105,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":106,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":107,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":108,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":109,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":110,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":111,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":112,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":113,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":114,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":115,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":116,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":117,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":118,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":119,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":120,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":121,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":122,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":123,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":124,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":125,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":126,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":127,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":128,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":129,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":130,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":131,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":132,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":133,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":134,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":135,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":136,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":137,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":138,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":139,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":140,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":142,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":143,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":144,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":145,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":146,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":147,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":148,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":149,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":150,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":151,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":152,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":153,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":154,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":155,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":156,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":157,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":158,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":159,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":160,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":161,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":162,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":163,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":164,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":165,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":166,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":167,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":168,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":169,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":170,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":171,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":172,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":173,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":174,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":175,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":176,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":177,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":178,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":179,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":180,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":182,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":183,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":184,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":185,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":186,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":187,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":188,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":189,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":190,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":191,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":192,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":193,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":194,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":195,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":196,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":197,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":198,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":199,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":200,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":201,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":202,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":203,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":204,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":205,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":206,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":207,"title":"171","lvl":2,"sub":0},{"id":208,"title":"172","lvl":2,"sub":0},{"id":209,"title":"173","lvl":2,"sub":0},{"id":210,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":211,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":212,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":213,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":214,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":215,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":216,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":217,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":218,"title":"183","lvl":2,"sub":0},{"id":219,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":220,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":221,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":223,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":224,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":225,"title":"190","lvl":2,"sub":0},{"id":226,"title":"191","lvl":2,"sub":0},{"id":227,"title":"192","lvl":2,"sub":0},{"id":228,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":229,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":234,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":235,"title":"201","lvl":2,"sub":0},{"id":236,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":237,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":238,"title":"204","lvl":2,"sub":0},{"id":239,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":240,"title":"206","lvl":2,"sub":0},{"id":241,"title":"207","lvl":2,"sub":0},{"id":242,"title":"209","lvl":2,"sub":0},{"id":243,"title":"210","lvl":2,"sub":0},{"id":244,"title":"211","lvl":2,"sub":0},{"id":245,"title":"212","lvl":2,"sub":0},{"id":246,"title":"213","lvl":2,"sub":0},{"id":247,"title":"214","lvl":2,"sub":0},{"id":248,"title":"215","lvl":2,"sub":0},{"id":250,"title":"218","lvl":2,"sub":0},{"id":251,"title":"219","lvl":2,"sub":0},{"id":252,"title":"220","lvl":2,"sub":0},{"id":253,"title":"221","lvl":2,"sub":0},{"id":254,"title":"222","lvl":2,"sub":0},{"id":255,"title":"223","lvl":2,"sub":0},{"id":256,"title":"224","lvl":2,"sub":0},{"id":257,"title":"225","lvl":2,"sub":0},{"id":258,"title":"226","lvl":2,"sub":0},{"id":259,"title":"227","lvl":2,"sub":0},{"id":260,"title":"228","lvl":2,"sub":0},{"id":261,"title":"229","lvl":2,"sub":0},{"id":262,"title":"230","lvl":2,"sub":0},{"id":263,"title":"231","lvl":2,"sub":0},{"id":264,"title":"232","lvl":2,"sub":0},{"id":265,"title":"233","lvl":2,"sub":0},{"id":267,"title":"234","lvl":2,"sub":0},{"id":269,"title":"236","lvl":2,"sub":0},{"id":270,"title":"237","lvl":2,"sub":0},{"id":271,"title":"238","lvl":2,"sub":0},{"id":272,"title":"239","lvl":2,"sub":0},{"id":273,"title":"240","lvl":2,"sub":0},{"id":274,"title":"241","lvl":2,"sub":0},{"id":275,"title":"243","lvl":2,"sub":0},{"id":276,"title":"244","lvl":2,"sub":0},{"id":277,"title":"245","lvl":2,"sub":0},{"id":278,"title":"246","lvl":2,"sub":0},{"id":279,"title":"247","lvl":2,"sub":0},{"id":281,"title":"249","lvl":2,"sub":0},{"id":282,"title":"251","lvl":2,"sub":0},{"id":283,"title":"252","lvl":2,"sub":0},{"id":284,"title":"253","lvl":2,"sub":0},{"id":285,"title":"254","lvl":2,"sub":0},{"id":286,"title":"255","lvl":2,"sub":0},{"id":287,"title":"256","lvl":2,"sub":0},{"id":288,"title":"257","lvl":2,"sub":0},{"id":289,"title":"258","lvl":2,"sub":0},{"id":290,"title":"259","lvl":2,"sub":0},{"id":292,"title":"260","lvl":2,"sub":0},{"id":293,"title":"261","lvl":2,"sub":0},{"id":294,"title":"262","lvl":2,"sub":0},{"id":295,"title":"264","lvl":2,"sub":0},{"id":296,"title":"265","lvl":2,"sub":0},{"id":297,"title":"266","lvl":2,"sub":0},{"id":298,"title":"267","lvl":2,"sub":0},{"id":299,"title":"268","lvl":2,"sub":0},{"id":300,"title":"269","lvl":2,"sub":0},{"id":301,"title":"270","lvl":2,"sub":0},{"id":302,"title":"271","lvl":2,"sub":0},{"id":303,"title":"273","lvl":2,"sub":0},{"id":304,"title":"274","lvl":2,"sub":0},{"id":305,"title":"275","lvl":2,"sub":0},{"id":306,"title":"276","lvl":2,"sub":0},{"id":307,"title":"277","lvl":2,"sub":0},{"id":308,"title":"278","lvl":2,"sub":0},{"id":309,"title":"279","lvl":2,"sub":0},{"id":310,"title":"281","lvl":2,"sub":0},{"id":311,"title":"282","lvl":2,"sub":0},{"id":313,"title":"283","lvl":2,"sub":0},{"id":314,"title":"284","lvl":2,"sub":0},{"id":315,"title":"285","lvl":2,"sub":0},{"id":316,"title":"286","lvl":2,"sub":0},{"id":317,"title":"آل عمران","lvl":1,"sub":0},{"id":317,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":318,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":319,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":321,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":322,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":323,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":324,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":325,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":326,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":327,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":328,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":329,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":330,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":331,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":333,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":335,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":336,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":337,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":341,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":342,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":343,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":344,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":345,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":346,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":347,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":350,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":351,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":352,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":353,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":354,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":355,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":357,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":358,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":361,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":362,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":363,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":364,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":365,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":366,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":367,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":369,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":370,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":371,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":375,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":376,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":377,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":378,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":379,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":380,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":382,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":383,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":384,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":385,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":386,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":388,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":389,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":390,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":391,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":392,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":395,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":396,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":397,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":398,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":399,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":400,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":401,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":402,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":403,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":404,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":405,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":407,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":408,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":409,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":410,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":411,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":414,"title":"174","lvl":2,"sub":0},{"id":415,"title":"175","lvl":2,"sub":0},{"id":416,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":417,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":418,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":419,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":423,"title":"189","lvl":2,"sub":0},{"id":426,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":427,"title":"النساء","lvl":1,"sub":0},{"id":427,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":428,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":429,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":430,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":431,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":435,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":436,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":437,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":438,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":439,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":440,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":441,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":442,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":447,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":448,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":449,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":450,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":451,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":452,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":455,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":456,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":457,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":458,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":462,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":463,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":464,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":465,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":466,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":468,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":471,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":472,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":473,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":474,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":475,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":476,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":477,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":478,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":479,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":480,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":481,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":482,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":483,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":484,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":485,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":486,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":490,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":491,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":492,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":493,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":494,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":495,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":496,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":497,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":499,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":500,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":501,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":502,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":503,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":504,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":505,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":506,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":507,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":508,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":509,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":510,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":513,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":514,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":515,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":516,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":517,"title":"138","lvl":2,"sub":0},{"id":518,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":519,"title":"140","lvl":2,"sub":0},{"id":520,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":521,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":522,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":523,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":524,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":525,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":527,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":528,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":529,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":530,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":531,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":532,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":533,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":534,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":535,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":536,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":537,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":538,"title":"166","lvl":2,"sub":0},{"id":539,"title":"167","lvl":2,"sub":0},{"id":540,"title":"168","lvl":2,"sub":0},{"id":541,"title":"169","lvl":2,"sub":0},{"id":542,"title":"170","lvl":2,"sub":0},{"id":545,"title":"المائدة","lvl":1,"sub":0},{"id":545,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":549,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":551,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":552,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":553,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":554,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":555,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":556,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":557,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":558,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":559,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":560,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":561,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":562,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":563,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":564,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":565,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":566,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":567,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":570,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":571,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":572,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":573,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":574,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":575,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":576,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":577,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":578,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":579,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":580,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":583,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":584,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":585,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":586,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":588,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":591,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":592,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":593,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":594,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":595,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":596,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":597,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":598,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":599,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":600,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":602,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":603,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":604,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":605,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":606,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":609,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":610,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":611,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":612,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":614,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":615,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":616,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":617,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":618,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":622,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":623,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":624,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":625,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":626,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":628,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":629,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":630,"title":"الأنعام","lvl":1,"sub":0},{"id":630,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":631,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":632,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":633,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":634,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":635,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":636,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":637,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":638,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":640,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":641,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":642,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":643,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":645,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":648,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":649,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":650,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":651,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":652,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":653,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":654,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":655,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":656,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":657,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":659,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":660,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":661,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":662,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":663,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":664,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":666,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":667,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":668,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":669,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":670,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":671,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":672,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":673,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":674,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":675,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":676,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":677,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":678,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":679,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":680,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":681,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":683,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":684,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":685,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":686,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":687,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":688,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":689,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":692,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":693,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":694,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":695,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":696,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":697,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":698,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":699,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":701,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":702,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":705,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":706,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":707,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":708,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":710,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":711,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":712,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":713,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":714,"title":"146","lvl":2,"sub":0},{"id":715,"title":"147","lvl":2,"sub":0},{"id":716,"title":"148","lvl":2,"sub":0},{"id":717,"title":"149","lvl":2,"sub":0},{"id":718,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":719,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":720,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":721,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":722,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":723,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":724,"title":"156","lvl":2,"sub":0},{"id":725,"title":"157","lvl":2,"sub":0},{"id":726,"title":"158","lvl":2,"sub":0},{"id":727,"title":"159","lvl":2,"sub":0},{"id":728,"title":"160","lvl":2,"sub":0},{"id":729,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":730,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":731,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":732,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":733,"title":"الأعراف","lvl":1,"sub":0},{"id":733,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":734,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":735,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":736,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":737,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":738,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":739,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":740,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":741,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":742,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":745,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":746,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":747,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":748,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":749,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":750,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":751,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":752,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":753,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":754,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":755,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":756,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":758,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":759,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":760,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":761,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":763,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":764,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":765,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":766,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":767,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":768,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":770,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":771,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":772,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":773,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":774,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":775,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":777,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":778,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":779,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":780,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":781,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":782,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":783,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":785,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":786,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":787,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":788,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":789,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":790,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":791,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":792,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":793,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":794,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":795,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":796,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":797,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":799,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":800,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":802,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":803,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":804,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":805,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":806,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":807,"title":"130","lvl":2,"sub":0},{"id":808,"title":"131","lvl":2,"sub":0},{"id":809,"title":"132","lvl":2,"sub":0},{"id":810,"title":"133","lvl":2,"sub":0},{"id":811,"title":"134","lvl":2,"sub":0},{"id":812,"title":"135","lvl":2,"sub":0},{"id":813,"title":"136","lvl":2,"sub":0},{"id":814,"title":"137","lvl":2,"sub":0},{"id":815,"title":"141","lvl":2,"sub":0},{"id":816,"title":"142","lvl":2,"sub":0},{"id":817,"title":"143","lvl":2,"sub":0},{"id":818,"title":"144","lvl":2,"sub":0},{"id":819,"title":"145","lvl":2,"sub":0},{"id":821,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":822,"title":"151","lvl":2,"sub":0},{"id":823,"title":"152","lvl":2,"sub":0},{"id":824,"title":"153","lvl":2,"sub":0},{"id":825,"title":"154","lvl":2,"sub":0},{"id":826,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":829,"title":"161","lvl":2,"sub":0},{"id":830,"title":"162","lvl":2,"sub":0},{"id":831,"title":"163","lvl":2,"sub":0},{"id":832,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":833,"title":"165","lvl":2,"sub":0},{"id":836,"title":"176","lvl":2,"sub":0},{"id":837,"title":"177","lvl":2,"sub":0},{"id":838,"title":"178","lvl":2,"sub":0},{"id":839,"title":"179","lvl":2,"sub":0},{"id":840,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":841,"title":"181","lvl":2,"sub":0},{"id":842,"title":"182","lvl":2,"sub":0},{"id":843,"title":"183","lvl":2,"sub":0},{"id":844,"title":"184","lvl":2,"sub":0},{"id":845,"title":"185","lvl":2,"sub":0},{"id":846,"title":"186","lvl":2,"sub":0},{"id":847,"title":"187","lvl":2,"sub":0},{"id":848,"title":"188","lvl":2,"sub":0},{"id":850,"title":"194","lvl":2,"sub":0},{"id":851,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":852,"title":"196","lvl":2,"sub":0},{"id":853,"title":"197","lvl":2,"sub":0},{"id":854,"title":"198","lvl":2,"sub":0},{"id":855,"title":"199","lvl":2,"sub":0},{"id":856,"title":"200","lvl":2,"sub":0},{"id":857,"title":"201","lvl":2,"sub":0},{"id":858,"title":"202","lvl":2,"sub":0},{"id":859,"title":"203","lvl":2,"sub":0},{"id":860,"title":"204","lvl":2,"sub":0},{"id":861,"title":"205","lvl":2,"sub":0},{"id":862,"title":"الأنفال","lvl":1,"sub":0},{"id":862,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":863,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":864,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":865,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":866,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":868,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":869,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":870,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":871,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":872,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":873,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":874,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":875,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":877,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":878,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":879,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":880,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":881,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":882,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":884,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":885,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":886,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":887,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":889,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":890,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":891,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":892,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":893,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":894,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":895,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":896,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":897,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":898,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":900,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":901,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":902,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":903,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":904,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":905,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":906,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":907,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":908,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":909,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":911,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":912,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":913,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":914,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":915,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":916,"title":"التوبة","lvl":1,"sub":0},{"id":916,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":917,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":918,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":919,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":920,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":921,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":922,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":923,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":925,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":926,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":927,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":928,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":929,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":930,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":931,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":935,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":936,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":937,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":938,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":939,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":940,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":941,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":942,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":943,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":946,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":947,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":948,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":949,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":950,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":951,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":952,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":953,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":954,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":955,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":957,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":958,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":959,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":961,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":962,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":963,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":964,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":965,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":966,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":968,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":969,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":970,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":971,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":972,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":973,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":974,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":975,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":976,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":977,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":978,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":979,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":980,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":981,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":982,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":983,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":984,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":985,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":986,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":987,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":988,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":989,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":990,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":991,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":992,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":993,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":994,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":995,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":996,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":997,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":998,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":999,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1000,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1001,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":1002,"title":"يونس","lvl":1,"sub":0},{"id":1002,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1003,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1004,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1005,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1006,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1007,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1008,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1009,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1010,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1011,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1013,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1014,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1015,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1017,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1018,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1019,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1020,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1021,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1023,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1024,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1025,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1026,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1027,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1028,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1029,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1030,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1031,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1032,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1033,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1034,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1035,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1036,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1037,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1038,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1039,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1040,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1041,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1042,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1043,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1044,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1045,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1046,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1047,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1048,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1049,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1050,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1051,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1052,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1053,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1054,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1056,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1057,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1058,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1059,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1061,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1062,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1063,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1064,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1065,"title":"هود","lvl":1,"sub":0},{"id":1065,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1066,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1067,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1068,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1069,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1070,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1071,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1072,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1073,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1074,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1076,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1077,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1078,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1079,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1080,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1081,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1082,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1083,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1084,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1085,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1086,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1087,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1088,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1089,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1090,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1091,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1092,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1093,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1094,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1095,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1096,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1097,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1098,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1099,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1100,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1101,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1102,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1103,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1104,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1105,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1106,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1107,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1108,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1109,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1111,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1112,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1113,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1114,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1115,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1116,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1117,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1118,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1119,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1127,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1128,"title":"يوسف","lvl":1,"sub":0},{"id":1128,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1130,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1131,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1132,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1133,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1135,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1136,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1137,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1138,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1139,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1140,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1141,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1142,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1143,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1144,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1145,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1146,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1148,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1149,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1150,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1151,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1152,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1153,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1154,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1155,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1156,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1157,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1158,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1159,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1160,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1161,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1162,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1164,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1165,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1166,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1167,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1168,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1169,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1170,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1171,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1173,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1174,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1175,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1176,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1177,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1178,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1179,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1180,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1181,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1182,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1183,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1184,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1185,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1186,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1187,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1188,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1189,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1190,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1191,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1192,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1193,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1194,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1195,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1196,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1197,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1198,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1199,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1200,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1201,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1202,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1203,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1204,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1205,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1206,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1207,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1208,"title":"الرعد","lvl":1,"sub":0},{"id":1208,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1209,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1210,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1211,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1212,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1213,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1214,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1215,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1216,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1217,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1218,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1219,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1220,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1221,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1222,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1223,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1224,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1225,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1226,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1227,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1228,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1229,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1230,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1231,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1232,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1233,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1234,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1235,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1238,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1239,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1240,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1241,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1242,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1243,"title":"إبراهيم","lvl":1,"sub":0},{"id":1243,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1244,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1245,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1246,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1247,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1248,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1250,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1251,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1252,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1253,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1254,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1255,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1256,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1258,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1259,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1260,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1261,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1262,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1263,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1264,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1265,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1266,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1269,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1270,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1271,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1272,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1273,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1275,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1276,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1277,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1278,"title":"الحجر","lvl":1,"sub":0},{"id":1278,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1279,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1280,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1281,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1282,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1283,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1284,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1285,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1286,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1287,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1288,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1289,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1290,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1291,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1292,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1294,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1295,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1296,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1297,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1298,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1300,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1301,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1302,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1303,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1304,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1306,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1307,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1308,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1309,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1310,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1311,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1312,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1313,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1314,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1315,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1316,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1317,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1318,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1319,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1320,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1321,"title":"النحل","lvl":1,"sub":0},{"id":1321,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1322,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1323,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1324,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1327,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1328,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1329,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1330,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1331,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1332,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1333,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1334,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1335,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1336,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1337,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1338,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1339,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1341,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1342,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1343,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1344,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1345,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1346,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1347,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1348,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1349,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1350,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1351,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1352,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1353,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1356,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1358,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1359,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1360,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1361,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1362,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1363,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1364,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1365,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1366,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1367,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1368,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1369,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1370,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1372,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1373,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1374,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1375,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1376,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1377,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1378,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1379,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1380,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1381,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1382,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1383,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1385,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1386,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1387,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1388,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1390,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1391,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1392,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":1393,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1394,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1395,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1396,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1397,"title":"الإسراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1397,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1398,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1399,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1400,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1401,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1402,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1403,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1404,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1405,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1406,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1407,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1408,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1409,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1410,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1411,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1412,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1413,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1414,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1416,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1417,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1418,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1419,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1422,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1423,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1424,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1425,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1426,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1427,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1428,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1429,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1431,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1432,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1433,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1434,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1436,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1437,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1438,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1439,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1441,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1442,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1443,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1444,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1445,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1446,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1447,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1448,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1449,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1450,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1452,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1453,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1454,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1455,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1456,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1457,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1458,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1459,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1460,"title":"الكهف","lvl":1,"sub":0},{"id":1460,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1461,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1462,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1463,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1464,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1465,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1466,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1467,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1468,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1469,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1470,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1471,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1474,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1475,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1476,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1477,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1478,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1479,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1480,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1481,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1482,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1484,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1485,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1486,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1487,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1488,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1489,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1490,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1491,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1492,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1493,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1494,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1495,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1496,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1498,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1499,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1500,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1503,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1504,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1505,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1506,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1507,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1508,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1509,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1512,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1513,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1514,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1515,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1516,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1517,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1518,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1520,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1521,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1522,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1523,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1524,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1525,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1526,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1527,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1528,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1529,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1530,"title":"مريم","lvl":1,"sub":0},{"id":1530,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1531,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1532,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1533,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1534,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1535,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1536,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1537,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1538,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1539,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1540,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1541,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1542,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1543,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1544,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1545,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1546,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1547,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1549,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1550,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1551,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1552,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1553,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1554,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1555,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1556,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1557,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1558,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1559,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1560,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1561,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1562,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1563,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1564,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1565,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1566,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1567,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1568,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1570,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1571,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1572,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1573,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1574,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1575,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1576,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1577,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1578,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1579,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1580,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1581,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1582,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1583,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1584,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1585,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1586,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1587,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1588,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1589,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1590,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1591,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1592,"title":"طه","lvl":1,"sub":0},{"id":1592,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1593,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1594,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1595,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1596,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1597,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1598,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1599,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1600,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1602,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1603,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1604,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1605,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1606,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1608,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1609,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1610,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1611,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1612,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1613,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":1614,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1615,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":1616,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1617,"title":"50","lvl":2,"sub":0},{"id":1618,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1619,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1620,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1624,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1625,"title":"72","lvl":2,"sub":0},{"id":1626,"title":"73","lvl":2,"sub":0},{"id":1627,"title":"74","lvl":2,"sub":0},{"id":1628,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":1629,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":1630,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":1631,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1632,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1633,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1636,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1637,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1638,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1639,"title":"101","lvl":2,"sub":0},{"id":1640,"title":"102","lvl":2,"sub":0},{"id":1641,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":1642,"title":"104","lvl":2,"sub":0},{"id":1643,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1644,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1645,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1646,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1647,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1649,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1650,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":1651,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1652,"title":"119","lvl":2,"sub":0},{"id":1653,"title":"120","lvl":2,"sub":0},{"id":1654,"title":"121","lvl":2,"sub":0},{"id":1655,"title":"122","lvl":2,"sub":0},{"id":1656,"title":"123","lvl":2,"sub":0},{"id":1657,"title":"124","lvl":2,"sub":0},{"id":1658,"title":"125","lvl":2,"sub":0},{"id":1659,"title":"126","lvl":2,"sub":0},{"id":1660,"title":"127","lvl":2,"sub":0},{"id":1661,"title":"128","lvl":2,"sub":0},{"id":1662,"title":"129","lvl":2,"sub":0},{"id":1664,"title":"الأنبياء","lvl":1,"sub":0},{"id":1664,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1665,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1666,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1667,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1668,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1669,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1670,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1671,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1672,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1673,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1674,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1675,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1676,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1677,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1678,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1679,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1681,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1682,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1683,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1684,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1686,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1687,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1688,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1689,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1690,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1691,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1692,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1693,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1694,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1695,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1696,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1697,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1698,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1699,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1700,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1701,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1702,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1703,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1704,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1705,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1706,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1707,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1708,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1710,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1711,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1712,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1713,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1714,"title":"82","lvl":2,"sub":0},{"id":1715,"title":"83","lvl":2,"sub":0},{"id":1716,"title":"84","lvl":2,"sub":0},{"id":1717,"title":"85","lvl":2,"sub":0},{"id":1718,"title":"86","lvl":2,"sub":0},{"id":1719,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1720,"title":"88","lvl":2,"sub":0},{"id":1721,"title":"89","lvl":2,"sub":0},{"id":1722,"title":"90","lvl":2,"sub":0},{"id":1723,"title":"91","lvl":2,"sub":0},{"id":1724,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1725,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1726,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1727,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1728,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1729,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1731,"title":"105","lvl":2,"sub":0},{"id":1732,"title":"106","lvl":2,"sub":0},{"id":1733,"title":"107","lvl":2,"sub":0},{"id":1734,"title":"108","lvl":2,"sub":0},{"id":1735,"title":"109","lvl":2,"sub":0},{"id":1736,"title":"110","lvl":2,"sub":0},{"id":1737,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1738,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1739,"title":"الحج","lvl":1,"sub":0},{"id":1739,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1740,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1741,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1742,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1743,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1744,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1745,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1746,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":1747,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1748,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":1749,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1750,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1751,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":1752,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1753,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":1754,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1755,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1756,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1757,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1758,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1759,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1760,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1761,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1762,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1763,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1764,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1765,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1766,"title":"29","lvl":2,"sub":0},{"id":1767,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":1768,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1769,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":1770,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":1771,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":1772,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1773,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1774,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1775,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1776,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1777,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1779,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1780,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":1781,"title":"53","lvl":2,"sub":0},{"id":1782,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":1783,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1784,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1785,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1786,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1787,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1788,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1789,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1790,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1791,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1792,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1793,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1794,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1795,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1796,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1797,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1798,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1799,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1802,"title":"المؤمنون","lvl":1,"sub":0},{"id":1802,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1803,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1804,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1805,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1806,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1807,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":1808,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1809,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":1810,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":1811,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1812,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1813,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1814,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":1815,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":1816,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":1817,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":1818,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1819,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1821,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":1822,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1823,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":1824,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":1825,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1826,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":1827,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1828,"title":"44","lvl":2,"sub":0},{"id":1829,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1831,"title":"56","lvl":2,"sub":0},{"id":1832,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1833,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1834,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":1835,"title":"60","lvl":2,"sub":0},{"id":1836,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1837,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1838,"title":"63","lvl":2,"sub":0},{"id":1839,"title":"64","lvl":2,"sub":0},{"id":1840,"title":"65","lvl":2,"sub":0},{"id":1841,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":1842,"title":"67","lvl":2,"sub":0},{"id":1843,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1844,"title":"69","lvl":2,"sub":0},{"id":1845,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1846,"title":"78","lvl":2,"sub":0},{"id":1847,"title":"79","lvl":2,"sub":0},{"id":1848,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":1849,"title":"81","lvl":2,"sub":0},{"id":1850,"title":"92","lvl":2,"sub":0},{"id":1851,"title":"93","lvl":2,"sub":0},{"id":1852,"title":"94","lvl":2,"sub":0},{"id":1853,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1854,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":1855,"title":"97","lvl":2,"sub":0},{"id":1856,"title":"98","lvl":2,"sub":0},{"id":1857,"title":"99","lvl":2,"sub":0},{"id":1858,"title":"100","lvl":2,"sub":0},{"id":1860,"title":"111","lvl":2,"sub":0},{"id":1861,"title":"112","lvl":2,"sub":0},{"id":1862,"title":"113","lvl":2,"sub":0},{"id":1863,"title":"114","lvl":2,"sub":0},{"id":1864,"title":"115","lvl":2,"sub":0},{"id":1865,"title":"116","lvl":2,"sub":0},{"id":1866,"title":"117","lvl":2,"sub":0},{"id":1867,"title":"118","lvl":2,"sub":0},{"id":1868,"title":"النور","lvl":1,"sub":0},{"id":1868,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1869,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":1870,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":1871,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":1872,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":1873,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1876,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1883,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":1887,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":1891,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":1893,"title":"الفرقان","lvl":1,"sub":0},{"id":1893,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1895,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1898,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1902,"title":"35","lvl":2,"sub":0},{"id":1905,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1908,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1911,"title":"الشعراء","lvl":1,"sub":0},{"id":1911,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1913,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":1916,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1918,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1921,"title":"95","lvl":2,"sub":0},{"id":1924,"title":"155","lvl":2,"sub":0},{"id":1927,"title":"195","lvl":2,"sub":0},{"id":1929,"title":"النمل","lvl":1,"sub":0},{"id":1929,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1931,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1934,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1936,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":1938,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1940,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":1942,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":1944,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":1946,"title":"87","lvl":2,"sub":0},{"id":1948,"title":"القصص","lvl":1,"sub":0},{"id":1948,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1949,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":1952,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":1954,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1956,"title":"43","lvl":2,"sub":0},{"id":1958,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":1961,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":1964,"title":"العنكبوت","lvl":1,"sub":0},{"id":1964,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1966,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":1968,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":1970,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":1972,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":1974,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":1975,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":1977,"title":"68","lvl":2,"sub":0},{"id":1978,"title":"الروم","lvl":1,"sub":0},{"id":1978,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1979,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":1981,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":1983,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":1985,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":1987,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":1989,"title":"58","lvl":2,"sub":0},{"id":1990,"title":"لقمان","lvl":1,"sub":0},{"id":1990,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":1992,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":1994,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":1996,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":1998,"title":"السجدة","lvl":1,"sub":0},{"id":1998,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2000,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2002,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2003,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2004,"title":"الأحزاب","lvl":1,"sub":0},{"id":2004,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2007,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2009,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2011,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2013,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2016,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2020,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2022,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2023,"title":"سبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":2023,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2025,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2028,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2031,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2033,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2035,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2037,"title":"فاطر","lvl":1,"sub":0},{"id":2037,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2039,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2041,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2043,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2045,"title":"34","lvl":2,"sub":0},{"id":2047,"title":"42","lvl":2,"sub":0},{"id":2048,"title":"يس","lvl":1,"sub":0},{"id":2048,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2050,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2052,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2054,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2055,"title":"39","lvl":2,"sub":0},{"id":2057,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2058,"title":"54","lvl":2,"sub":0},{"id":2060,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2062,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2064,"title":"الصافات","lvl":1,"sub":0},{"id":2064,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2066,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2068,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2070,"title":"45","lvl":2,"sub":0},{"id":2071,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2073,"title":"80","lvl":2,"sub":0},{"id":2075,"title":"96","lvl":2,"sub":0},{"id":2077,"title":"103","lvl":2,"sub":0},{"id":2080,"title":"139","lvl":2,"sub":0},{"id":2082,"title":"150","lvl":2,"sub":0},{"id":2083,"title":"164","lvl":2,"sub":0},{"id":2084,"title":"180","lvl":2,"sub":0},{"id":2085,"title":"ص","lvl":1,"sub":0},{"id":2085,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2087,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2089,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2091,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2093,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2095,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2097,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2099,"title":"61","lvl":2,"sub":0},{"id":2100,"title":"71","lvl":2,"sub":0},{"id":2102,"title":"الزمر","lvl":1,"sub":0},{"id":2102,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2105,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2107,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2109,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2110,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2112,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2114,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2116,"title":"57","lvl":2,"sub":0},{"id":2118,"title":"66","lvl":2,"sub":0},{"id":2119,"title":"70","lvl":2,"sub":0},{"id":2121,"title":"غافر","lvl":1,"sub":0},{"id":2121,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2122,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2124,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2126,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2127,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2131,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2133,"title":"59","lvl":2,"sub":0},{"id":2135,"title":"75","lvl":2,"sub":0},{"id":2137,"title":"فصلت","lvl":1,"sub":0},{"id":2137,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2139,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2141,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2143,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2145,"title":"46","lvl":2,"sub":0},{"id":2147,"title":"الشورى","lvl":1,"sub":0},{"id":2147,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2149,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2152,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2155,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2156,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2158,"title":"الزخرف","lvl":1,"sub":0},{"id":2158,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2160,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2162,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2163,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2165,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2166,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2168,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2170,"title":"77","lvl":2,"sub":0},{"id":2172,"title":"الدخان","lvl":1,"sub":0},{"id":2172,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2173,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2174,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2175,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2177,"title":"48","lvl":2,"sub":0},{"id":2178,"title":"الجاثية","lvl":1,"sub":0},{"id":2178,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2180,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2182,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2184,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2185,"title":"الأحقاف","lvl":1,"sub":0},{"id":2185,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2187,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2189,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2190,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2192,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2194,"title":"محمد","lvl":1,"sub":0},{"id":2194,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2196,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2198,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2199,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2200,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2201,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2203,"title":"الفتح","lvl":1,"sub":0},{"id":2203,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2205,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2207,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2211,"title":"الحجرات","lvl":1,"sub":0},{"id":2211,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2214,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2216,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2218,"title":"ق","lvl":1,"sub":0},{"id":2218,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2220,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2222,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2224,"title":"31","lvl":2,"sub":0},{"id":2226,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2227,"title":"الذاريات","lvl":1,"sub":0},{"id":2227,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2228,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2229,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2230,"title":"30","lvl":2,"sub":0},{"id":2231,"title":"47","lvl":2,"sub":0},{"id":2233,"title":"الطور","lvl":1,"sub":0},{"id":2233,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2234,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2235,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2236,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2238,"title":"النجم","lvl":1,"sub":0},{"id":2238,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2240,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2241,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2243,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2245,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2246,"title":"القمر","lvl":1,"sub":0},{"id":2246,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2248,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2249,"title":"24","lvl":2,"sub":0},{"id":2250,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2252,"title":"52","lvl":2,"sub":0},{"id":2253,"title":"الرحمن","lvl":1,"sub":0},{"id":2253,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2255,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2256,"title":"25","lvl":2,"sub":0},{"id":2257,"title":"37","lvl":2,"sub":0},{"id":2258,"title":"55","lvl":2,"sub":0},{"id":2259,"title":"الواقعة","lvl":1,"sub":0},{"id":2259,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2260,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2261,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2262,"title":"49","lvl":2,"sub":0},{"id":2263,"title":"62","lvl":2,"sub":0},{"id":2264,"title":"76","lvl":2,"sub":0},{"id":2266,"title":"الحديد","lvl":1,"sub":0},{"id":2266,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2267,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2268,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2270,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2272,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2274,"title":"المجادلة","lvl":1,"sub":0},{"id":2274,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2275,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2277,"title":"8","lvl":2,"sub":0},{"id":2279,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2280,"title":"الحشر","lvl":1,"sub":0},{"id":2280,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2282,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2284,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2285,"title":"18","lvl":2,"sub":0},{"id":2286,"title":"الممتحنة","lvl":1,"sub":0},{"id":2286,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2288,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2290,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2291,"title":"الصف","lvl":1,"sub":0},{"id":2291,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2292,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2293,"title":"الجمعة","lvl":1,"sub":0},{"id":2293,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2294,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2295,"title":"المنافقون","lvl":1,"sub":0},{"id":2295,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2296,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2297,"title":"التغابن","lvl":1,"sub":0},{"id":2297,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2299,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2300,"title":"الطلاق","lvl":1,"sub":0},{"id":2300,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2302,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2303,"title":"التحريم","lvl":1,"sub":0},{"id":2303,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2305,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2306,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2307,"title":"الملك","lvl":1,"sub":0},{"id":2307,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2308,"title":"6","lvl":2,"sub":0},{"id":2309,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2311,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2312,"title":"القلم","lvl":1,"sub":0},{"id":2312,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2313,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2315,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2316,"title":"40","lvl":2,"sub":0},{"id":2317,"title":"51","lvl":2,"sub":0},{"id":2318,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2318,"title":"الحاقة","lvl":1,"sub":0},{"id":2319,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2320,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2321,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2322,"title":"المعارج","lvl":1,"sub":0},{"id":2322,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2324,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2325,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2326,"title":"33","lvl":2,"sub":0},{"id":2327,"title":"نوح","lvl":1,"sub":0},{"id":2327,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2328,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2329,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2330,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2331,"title":"الجن","lvl":1,"sub":0},{"id":2331,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2332,"title":"2","lvl":2,"sub":0},{"id":2333,"title":"3","lvl":2,"sub":0},{"id":2334,"title":"4","lvl":2,"sub":0},{"id":2335,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2336,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2337,"title":"المزمل","lvl":1,"sub":0},{"id":2337,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2338,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2339,"title":"16","lvl":2,"sub":0},{"id":2340,"title":"المدثر","lvl":1,"sub":0},{"id":2340,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2342,"title":"11","lvl":2,"sub":0},{"id":2343,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2345,"title":"32","lvl":2,"sub":0},{"id":2346,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2347,"title":"القيامة","lvl":1,"sub":0},{"id":2347,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2348,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2350,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2351,"title":"الإنسان","lvl":1,"sub":0},{"id":2351,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2353,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2355,"title":"19","lvl":2,"sub":0},{"id":2356,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2357,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2358,"title":"المرسلات","lvl":1,"sub":0},{"id":2358,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2359,"title":"17","lvl":2,"sub":0},{"id":2360,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2361,"title":"36","lvl":2,"sub":0},{"id":2362,"title":"النبأ","lvl":1,"sub":0},{"id":2362,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2363,"title":"14","lvl":2,"sub":0},{"id":2364,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2365,"title":"38","lvl":2,"sub":0},{"id":2366,"title":"النازعات","lvl":1,"sub":0},{"id":2366,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2367,"title":"12","lvl":2,"sub":0},{"id":2368,"title":"27","lvl":2,"sub":0},{"id":2369,"title":"41","lvl":2,"sub":0},{"id":2370,"title":"عبس","lvl":1,"sub":0},{"id":2370,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2371,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2372,"title":"26","lvl":2,"sub":0},{"id":2373,"title":"التكوير","lvl":1,"sub":0},{"id":2373,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2374,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2375,"title":"23","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2376,"title":"الإنفطار","lvl":1,"sub":0},{"id":2377,"title":"7","lvl":2,"sub":0},{"id":2378,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2379,"title":"المطففين","lvl":1,"sub":0},{"id":2379,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2380,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2381,"title":"21","lvl":2,"sub":0},{"id":2382,"title":"28","lvl":2,"sub":0},{"id":2383,"title":"الإنشقاق","lvl":1,"sub":0},{"id":2383,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2384,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2385,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2386,"title":"البروج","lvl":1,"sub":0},{"id":2386,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2387,"title":"5","lvl":2,"sub":0},{"id":2388,"title":"15","lvl":2,"sub":0},{"id":2389,"title":"الطارق","lvl":1,"sub":0},{"id":2389,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2390,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2391,"title":"الأعلى","lvl":1,"sub":0},{"id":2391,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2392,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2393,"title":"الغاشية","lvl":1,"sub":0},{"id":2393,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2394,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2395,"title":"22","lvl":2,"sub":0},{"id":2396,"title":"الفجر","lvl":1,"sub":0},{"id":2396,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2397,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2398,"title":"20","lvl":2,"sub":0},{"id":2399,"title":"البلد","lvl":1,"sub":0},{"id":2399,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2400,"title":"10","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2401,"title":"الشمس","lvl":1,"sub":0},{"id":2402,"title":"9","lvl":2,"sub":0},{"id":2403,"title":"الليل","lvl":1,"sub":0},{"id":2403,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2404,"title":"13","lvl":2,"sub":0},{"id":2405,"title":"الضحى","lvl":1,"sub":0},{"id":2405,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2406,"title":"الشرح","lvl":1,"sub":0},{"id":2406,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2407,"title":"التين","lvl":1,"sub":0},{"id":2407,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2408,"title":"العلق","lvl":1,"sub":0},{"id":2408,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2410,"title":"القدر","lvl":1,"sub":0},{"id":2410,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2411,"title":"البينة","lvl":1,"sub":0},{"id":2411,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2412,"title":"الزلزلة","lvl":1,"sub":0},{"id":2412,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2413,"title":"العاديات","lvl":1,"sub":0},{"id":2413,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2414,"title":"القارعة","lvl":1,"sub":0},{"id":2414,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2415,"title":"التكاثر","lvl":1,"sub":0},{"id":2415,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2416,"title":"العصر","lvl":1,"sub":0},{"id":2416,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2417,"title":"الهمزة","lvl":1,"sub":0},{"id":2417,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2418,"title":"الفيل","lvl":1,"sub":0},{"id":2418,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2419,"title":"قريش","lvl":1,"sub":0},{"id":2419,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2420,"title":"الماعون","lvl":1,"sub":0},{"id":2420,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2421,"title":"الكوثر","lvl":1,"sub":0},{"id":2421,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2422,"title":"الكافرون","lvl":1,"sub":0},{"id":2422,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2423,"title":"النصر","lvl":1,"sub":0},{"id":2423,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2424,"title":"المسد","lvl":1,"sub":0},{"id":2424,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2425,"title":"الإخلاص","lvl":1,"sub":0},{"id":2425,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2426,"title":"الفلق","lvl":1,"sub":0},{"id":2426,"title":"1","lvl":2,"sub":0},{"id":2427,"title":"الناس","lvl":1,"sub":0},{"id":2427,"title":"1","lvl":2,"sub":0}]}