{"pages":[{"id":1,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rاسم الكتاب / المكاسب والورع والشبهة وبيان مباحها ومحظورها واختلاف الناس في طلبها والرد على الغالطين فيه\rالمؤلف / أبو عبد الله الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي\rدار النشر / دار الفكر اللبناني - بيروت - 1992\rالطبعة: الأولى\rتحقيق: نور سعيد\rعدد الأجزاء / 1","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"مقدمة المؤلف\rبسم الله الرحمن الرحيم\rعونك اللهم\rقال أبو عبد الله الحارث بن أسد بن عبد الله المحاسبي رحمه الله\rالحمد لله القاهر بقدرته الظاهر بعزته الغالب بجبروته الذي بدأ خلق ما خلق من غير سبق بل هو الأول قبل الأبد والآخر إلى غير أمد المنشئ لما شاء بمشيئته لما سبق ذلك من علمه واستتر في خفي غيبه فكان أمره جل ثناؤه (  إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( بمحكم من الصنعة وإتقان من الحكمة بتفصيل عقائد أحكمها بتدبيره وأجراها بعلمه وأبقاها بقدرته على ما أراد من ذلك في اختلاف الأزمنة وتقلب الدهور ليبدو المغيب المعلوم عند أوانه ويزول الكائن الموقوت لأجله\rفسبحان من (  بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ( \rوله الحمد جل ثناؤه وتقدست أسماؤه على ما يستحق من ذلك على خلقه وكما هو أهل لذلك في كبريائه وعظمته وجلاله\rجل المخبر عن نظر خلقه لما كان عن العقول غائبا وعن الأوهام في غيبه محتجبا ليدل الخلق بذلك على نفسه وإلى إثبات توحيده\rوينبههم بذلك على معرفته ليعرفوه بالقدرة ويفردوه بالأمر كله وليعلموا أنما هو إله واحد لا إله إلا هو سبحانه فقال جل ثناؤه في محكم ناطق من التنزيل (  ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب ( \rوقال جل ثناؤه (  قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ( \rوقال جل ثناؤه (  وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ( ","part":1,"page":2},{"id":3,"text":"فأخبر جل ثناؤه عن بدء خلق السماوات والأرض وما فيهن من بدائع الصنعة وعجائب التركيب واختلاف الألسنة والألوان المتشابهة والصور المتباينة وافتراق عظيم ما أنشأ جل ثناؤه من جليل خلقه ودقيقه وكبيره وصغيره من خلق السماوات في عظيم خلقتها وارتفاع بنائها وكثيف أطباقها وثخن سمكها وسعة بسطها من غير عمد تراها العيون ولا تدركها الظنون\rوما فيها من ساكنيها من الملائكة الذين لا يفترون تسبيحا وتقديسا وتهليلا وتعظيما وسجودا وركوعا على ما استعبدوا به من فنون العبادة ودائم سرمد الخدمة\rوكذلك الأرضون بما فيها من وحشيها وإنسيها ورواسي جبالها وعميق بحارها وبرها وطيرها وهوامها باختلاف اللغات المعبرة لكل صنف عن مراد معقول عند جنسه مجهول عند ضده من معجم الألسنة ومعربها بمقادير مفوضة وأرزاق مقدرة وأقوات مقسطة وآجال مؤجلة\rأحاط بذلك كله جل ثناؤه علما وأحصاه عددا فلن يتأخر شيء منها عن وقته ولم ينقص شيئا منها من رزقه ثم دعاهم جل ثناؤه إلى النظر في عجائب ما خلق فقال جل وعز (  أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم (\rوقال جل وعز (  إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (\rحسن دلالة منه سبحانه لهم على النظر في آياته والفكر في عجائب صنعه وفي ذلك سبيل لهم إلى معرفته وإلى العلم بأنه الخالق الرازق لا إله إلا هو الواحد سبحانه وأن من دونه له خلق وأن الخلق كلهم مألهون مستعبدون\rلا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا\rولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا\rثم دعاهم بعد ذلك إلى النظر في أنفسهم فقال جل وعز (  فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر (\rوقال سبحانه (  الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (\r","part":1,"page":3},{"id":4,"text":"وقال سبحانه ( يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر )\rفبين جل جلاله بدء خلق الإنسان بمحكم من البيان ليعلموا بذلك كيف أنشأهم وعلى أية هيئة هيأهم ليعترفوا بالعجز ويقروا بالضعف ويفردوه جل ثناؤه بالأمر حتى تكون لهم معرفة أنفسهم دليلا على خالقهم وسببا إلى معرفة صانعهم\rوأعلمهم جل ثناؤه أنه بدأ خلق الإنسان من طين ومن سلالة من ماء مهين خلقا ضعيفا في أصله ثم قليلا في عينه حقيرا في رؤيته\rثم نقله جل جلاله وثناؤه بعد هذه المهانة إلى أن صيره علقة\rيعاف عن رؤيتها ويتنزه عن لمسها\rثم صيره مضغة منقولة عن بدء خلقها ثم نقلها عن هيئة المضغة فصيرها بحكم تدبيره وخفي تقديره عظما ثم كساه تعالى لحما\rثم صوره بأحسن صورة فشق سمعه وبصره وجعله بإنفاذه لما خلق منه متصلا موصولا ذا لسان وشفتين ويدين ورجلين\rثم نفخ فيه من روحه ثم جعل الأرحام له مسكنا والبطن له منزلا حيث لا تدركه العيون فتصف كيفيته فيها في ظلم الأرحام ومكنون الأحشاء وما اضطمت عليه جوانح البطن\rوساق إليه في خفي مكانه الرزق وأدى إليه على غامض موضعه الغذاء وحفظه من الآفات ودفع عنه المكروهات حيث لا يملك ذلك الآباء والأمهات ليبلغ سابق العلم فيه ويجري قديم الحكم عليه\rثم نقله جل وعز من هذا الحال إلى دار الزوال بعد أن كتب له عمله وضرب له أجله وقسم له رزقه","part":1,"page":4},{"id":5,"text":"فسبحان من تقدم علمه بما الخلق عاملون وإلى ما هم إليه صائرون سبحانه من حكيم عليم لا شريك له في ملكه ولا مقاوم له في عزه ولا مانع له في أمره الفرد المتفرد بالأمر كله جل ثناؤه الملك الخبير العالم القدير الذي بفضله دل الخلق على نفسه وبكرمه دعاهم إلى عبادته وبرأفته خوفهم من عقوبته الغني عن عبادة العالمين وعن طاعة المطيعين الذي عطف برأفته على الخلق ودعاهم إلى عبادته ليثيبهم على ذلك بعطيته ويكرمهم بالموافقة لجنته\rسبحانه وبحمده فقد علم جل ثناؤه أن جوامع عقول الخلق من\rأصل سماواته وأرضه ومنافع نهايات صفات ألسنتهم وغايات عقائد محكم معرفتهم لو جعلت في عبد واحد من عبيده ثم مثل عطاء ذلك العبد في سائر خلقه ثم أضعفوا وأضعف لهم العطية وقسم ذلك بينهم بالسوية ثم أديم ذلك لهم عطاء وعددا كأسرع ما أدركته الصفة في دائم أبد الأبد على بقاء الخلد الذي ليس له أمد ثم أوقفوا ليبلغوا بذلك ما يجب له لعجزوا عن القيام بذلك ولرجعوا إليه بالصغر مقرين وبالعجز معترفين\rفسبحان من هذه صفته على قدر إدراك ما بلغت العقول وأومت إليه المعرفة فكيف بما غاب عن الخلق من العلم بصفاته سبحانه\rوإنما بلغت لهم عظمته وأدركت أيدي الظفر منهم بهيبته على قدر الخلق وما تحتمل من ذلك عقولهم وتقوم له أرواحهم وتنهض به أبدانهم\rولو كشف سبحانه عن بعض ما ستره عنهم لساخت بذلك أرضه ولتمزقت سماواته ولتلف سائر خلقه فسبحان الحكيم الخبير الذي لطف بخلقه بما ستر عنهم من أمره ورحمهم بما غيب عنهم من قدرته ليتم أمره في خلقه وتنفذ مشيئته عليهم ويمضي قديم علمه فيهم\rفكان مما دبرهم به الحكيم سبحانه أن جعلهم أجسادا لا تقوم إلا بالأغذية ولا يدوم بقاؤها إلا بالأطعمة فضرب الآجال وقسم الأرزاق وختم أمر الدنيا بالفناء\rفقال جل ثناؤه (  نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات (\rوقال تعالى (  الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم (\r","part":1,"page":5},{"id":6,"text":"وقال تعالى (  وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين (\rوقال سبحانه (  وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم (\rوقال عز وجل (  وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (\rفأخبر جل ثناؤه بقسمة الرزق بين خلقه وتولية ذلك في مواضع من كتابه جل وعز كثيرة ثم دعا الخلق سبحانه إلى التوكل عليه بعد أن أعلمكم بكفالته لهم وتقسيمه بينهم فقال سبحانه (  وعلى الله فليتوكل المؤمنون (\rوقال (  وعلى الله فليتوكل المتوكلون (\rفأوجب جل وعز التوكل وفرضه على الخلق لئلا يتشاغلوا عن العبادة بما يحتاجون إليه من ذلك فكفاهم بذلك المؤنة وأثبت به عليهم الحجة وفرض عليهم فرائض أحكمها وبين لهم ما\rاستعبدهم فيها من عددها وأوقاتها وأحكامها من الصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وحدود ما أحل وحرم\rففرض ذلك وبينه بمحكم من كتابه وبيان من سنة رسوله {صلى الله عليه وسلم} كثيرا\rباب بيان فرض التوكل الذي يجمع فيه خواص الخلق وعوامهم مع الحركات في احتباس الرزق وتركه\rفالذي يجب على الناس في جملتهم من التوكل المفترض عليهم التصديق لله عز وجل فيما أخبر من قسم وضمان الكفاية وكفالتها من سياقه الأرزاق إليهم واتصال الأقوات التي قسمها في الأوقات التي وقتها بتصديق تقوم الثقة به في قلوبهم وتنتفي به الشكوك عنهم والشبهات ويصفو به اليقين وتثبت به حقائق العلم أنه الخالق الرازق المحيي المميت المعطي المانع المتفرد بالأمر كله\rفإذا صح هذا العلم في القلوب وكان ثابتا في عقود الإيمان تنطق به الألسنة إقرارا منها بذلك لسيدها وترجع إلى ذلك بالعلم عند تذكرها وقع الاسم عليها بالتوكل\rفإن فارقت القلوب اعتقاد هذه الصفات وفارقتها الألسنة بالإقرار ووقع بها في شيء من ذلك شك وارتياب فارقت الاسم المحمود وقع بها ما يحل عنها عقدتها وحل بها ما أوجب لها الاسم المذموم\r","part":1,"page":6},{"id":7,"text":"وذلك أن الذي أوجب لها الاسم المحمود إقرار الألسنة والعلم القائم الذي يزيل الشكوك والشبهة وإنما كان معها من ذلك الإقرار والعلم ما إذا زال اليسير منه عن القلوب خرجت إلى ضد الشيء الذي كانت به مقرة وله معتقدة\rوالضد من ذلك أن تكون مكذبة بما صدقت أو شاكة فيما أيقنت أو مبطلة لما حققت فإذا وقع بها شيء من هذه الأضداد التي تخرج بها من الأسماء المحمودة خرجت إلى مذموم الأسماء وفارقت الإيمان بالله عز وجل والتوكل عليه\rوالذي سلبها التوكل على الله ما وصفناه والاعتقاد له بالقلوب\rفمن صفات عوام الناس في فرض التوكل وبدئه وما استحقوا به الاسم من ذلك أن تكون معهم العجلة في القلب والاضطراب عند المنع والارتياب فيه بشيء من مصابه عندهم والوقوف مع الأسباب والنظر إليها والمحبة للكثرة والادخار بالرغبة والشره والاغتمام على الفوت والسرور بالظفر\rوذلك كله والعقود كما وصفنا في الإيمان قائمة والإقرار به ثابت والدليل على ذلك أنهم إذا خرجوا بالذكر في وقت الطلب من الله أذعنوا بالقلوب والألسنة أنهم لا يصلون إلى شيء من ذلك بالحيلة وأن الحركة غير زائدة لهم في أنفسهم ولا موصلة لهم إلى الزيادة وإنما كانت هذه الحركات الموجودة منهم بحركات الطبع الذي عليه البينة\rوذلك ان الله سبحانه وصف الخلق في جملتهم فقال (  زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث (\rوقال سبحانه (  كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة (\rوقال تعالى (  وكان الإنسان عجولا (\rفأخبر سبحانه وجل ثناؤه بما في طبع الإنسان والخلائق من ذلك وأن هذه الصفات قائمة في البشرية فالمؤمنون في جملتهم موصوفون بالتوكل على الله تعالى بما اعتقدوا مما وصفنا وإن كانت هذه الحركات من الطبع معهم\r","part":1,"page":7},{"id":8,"text":"والدليل على ما قلنا أن المؤمنين في جملتهم يسلم لهم عقد الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه كما وصفنا من اعتقادات القلوب وإقرار الألسنة بأن الله تعالى قال (  وفي السماء رزقكم وما توعدون فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون (\rفأقسم جل ثناؤه بنفسه أنه قسم الأرزاق بين الخلق وأمضى الضمان بالكفاية لهم فكان على الخلق تصديقه فيما أخبر وأقسم\rفمن صدق في ذلك كان بتصديقه وإيمانه مؤمنا متوكلا\rومن كذب أو شك كان بذلك معاندا كافرا بما قص علينا جل ثناؤه في كتابه\rوإن لم تزل حركات الطباع وما في الخليقة من محبة الكثرة وتعجيل الوقت والتسبب إليه بالأسباب فلم يزل الله سبحانه عنهم اسم التوكل إذ كانت العقود على ما وصفنا ثابتة في القلوب وكانت الموافقة لهم في حركات الطباع متبعة لأن ما في الطباع من الحركة لا يخرجهم مما أوجبنا من التصديق لهم لأن الله تعالى لم يستعبدهم بإزالتها وإنما استعبدهم بإقامة الطاعة وأخذ الشيء من حيث أباح أخذه\rفإذا أقاموا ذلك وكانوا للموافقة لله عز وجل في الحركات\rمتعبين فلا تضرهم صفات الخلقة وما في تركيب الطباع إلا أن يجاوزوا في ذلك حدود الله عز وجل فيأخذوا الشيء من حيث حظره الله عليهم فيكونوا عصاة لله عز وجل بذلك العلم ولا يخرجوا من الاسم المحمود إلا بحل العقود التي وصفنا أو جحدها بالألسنة\rفإذا كان الاعتراف لله تعالى ثابتا والألسنة به مقرة فلما جاوزوا الحدود نقص اسم التوكل فيكون توكلهم لذلك ناقصا وفرائضه غير تامة لأن الله جل ثناؤه أباح للخلق الحركة في الطلب ولم يكلفهم إزالة ما في الطبع\rوالدليل على ذلك أن الله جل وعز قال (  يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا (\rوقال عز وجل (  رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله (\rفأباح لهم الحركة ومنعهم التعدي لحدوده جل ثناؤه\rوقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( أطيب ما أكل المؤمن من كسبه ( \r","part":1,"page":8},{"id":9,"text":"فكان دليلا على ما وصفنا من إباحة الحركة في طلب الرزق وأن المتحرك في طلبه لا يخرج من فرض التوكل في كتاب الله وسنة رسوله {صلى الله عليه وسلم} وما كان عليه أكابر أصحابه رضي الله عنهم\rوقد زعم قوم أن التوكل لا يثبت لأهله إلا بترك الحركة في طلب الرزق والقعود عن الاضطراب فمنعوا أن يكون في ذلك إباحة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام\rفجهلوا ما أخبرنا من\rإسماعيل بن إبراهيم عن الأعمش عن إبراهيم عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( أفضل ما أكل الرجل من كسبه ( \rوهذا خبر عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا يدفعه أهل العلم والنقل ولا أعلمهم يختلفون فيه\rوقد روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال ( ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم (  قيل ولا أنت يا رسول الله قال ( كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط ( \rوخرج النبي {صلى الله عليه وسلم} في بدء أمره يريد الشام للتجارة\rوقال الله جل ثناؤه في قصة موسى عليه السلام (  وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (\rوقال في قصة شعيب وموسى عليهما السلام (  إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك (\rوقال في قصة داود عليه السلام (  وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا (\rفهذا في قصص الأنبياء عليهم السلام موجود وهم صفوة الله من\rخلقه مما قد كفينا به مما كان عليه نبينا محمد {صلى الله عليه وسلم} وأصحابه رضي الله عنهم\rوأنا واصف لك بعض ما كانوا عليه من ذلك إن شاء الله تعالى\rباب الحركة في الكسب لطلب الرزق واختلاف ذلك من محموده ومذمومه\rفأما المذموم من الحركة بعد اعتقاد ما وصفنا من العقود التي توجب لأهلها إذا ثبتت العقود بها اسم التوكل ويدخلون بها في جملة فرضه فهو التعدي لما أمر الله والتجاوز لحدوده في الحركات والأخذ والإعطاء\r","part":1,"page":9},{"id":10,"text":"وذلك أن الله سبحانه لما فرض التوكل على خلقه وأباح لهم الحركة في ذلك ولما غيب عنهم التفرس من محبة تعجيله حد للخلق حدودا في الحركة وفرض عليهم فروضا أحكمها وبينها في كتابه وعلى لسان نبيه عليه السلام فقال تعالى (  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم (\rوقال جل ثناؤه (  يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم (\rوقال سبحانه (  ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون (\rوقال {صلى الله عليه وسلم} ( إن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم ( \rفبين الله تعالى الفرض في ذلك على الخلق في كتابه وفي سنة نبيه عليه السلام وفيما اجتمع عليه أهل العلم وهو أن يوافقوه في الحركة فإن خالفوا ذلك ثبتت عليهم بخلافة الحجة\rفمن كانت حركاته في طلب الرزق على ما وصفنا من إقامة الحق الوقوف على تجاوز الحدود وتصحيح الورع في المتجر وفي الصناعات وفي كل المضطرب فيه كان لله جل وعز بذلك مطيعا محمودا عند أهل العلم\rومن خالف شيئا مما وصفنا فتعدى في الحركة وتخلف عما يجب عليه من الصدق كان بذلك مذموما قد نقص بذلك توكله ولم يؤد فرضه ولم يقع عليه الاسم الذي يقع بإقامة الحق على غيره\rوذلك أن المذموم بتعدي الحد خالف ما أمر به من إقامة الحق ومعه الاعتراف بخطأ فعله والتوبيخ لنفسه عند الرجوع إلى الفكرة في أمره مقر بأن ذلك الفعل معصية لربه والعقود قائمة بما وصفنا بما أثبت له الاسم ولن يزول عنه ما أوجب له عقد القلوب والاعتراف بالألسنة إلا بالإنكار لذلك والخروج منه بالجحد له والشك فيه وقد بينا هذا في أول الكتاب\rفهذه صفات المذموم في حركته\rوأما المحمود من الحركة فأولها ما وصفنا من إقامة الطاعة لله\r","part":1,"page":10},{"id":11,"text":"سبحانه في الحركة وتحري الموافقة لله سبحانه بما فيها والوقوف عند تجاوز الحدود حتى يكون موصوفا في ذلك بإحكام الورع وشدة الحذر وإقامة التقوى فإذا قام بذلك على شرائطه كانت هذه أول الحركات المحمودة التي أباحها الله عز وجل له\rومن الحركات المحمودة مما هي أرفع في الدرجة وأعلى في الرتبة ما وصف الله سبحانه به أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} ووصفهم من المقامات فيه وجلة التابعين من بعدهم وخواص المؤمنين في سائر الأزمنة والدهور الذين بانوا بفضل الخصوص في التوكل وفي سائر المنازل على عوام الخلق فكان فضلهم بذلك على غيرهم معروفا ومقامهم عند الله رفيعا وهو حقيقة التوكل ومحكمه والتعالي في ذروة ما أقيم فيه الأنبياء والصديقون وخواص المؤمنين\rوبعد إحكامهم لفرض التوكل في أصله بانوا بفضل المعرفة على غيرهم والزيادة في العمل بها لله جل ثناؤه من طهارة القلوب وإدامة الذكر وكثرة التقرب إلى الله سبحانه بالنوافل وبذل الطاقة والجهد نصيحة لأنفسهم وطلبا للحظوة عند سيدهم\rفكانت هذه الأخلاق الغالبة عليهم مانعة من الحركة التي أبيحت لهم وقد حظرت عنهم لقلة ما فيها من الذكر للسيد الكريم وإيثارا منهم لما يقرب إليه من ذلك لما بان لهم من فضل العمل لله جل وعز بطاعته وإيثارا منهم لما ندب إليه من ترك الشهوات والتجافي عن دار الآفات\rفكانوا بذلك عن حركات الطبع متجافين متشاغلين وبكل داع يدعوهم إلى غيره مستثقلين وعن كل فترة تميل بهم إلى الراحة نافرين\rوإلى كل حاد يحدوهم إلى الزيادة ساكنين وعلى العمل المقرب لهم إلى الله عاكفين\rقد جمعت لهم الطاعة مرادتهم فيها على قدر الإقبال عليها وأوضحت لهم سبل الرشاد فيها فلم يريدوا بما أدركت أيدي الظفر منهم بدلا ولم يبغوا عن شيء من ذلك حولا\r","part":1,"page":11},{"id":12,"text":"وأصبحوا في ذلك توفيقا من سيدهم ومعونة قائمة بالكفاية لهم وخفي لطف غير مقطع عنهم فدام لهم الحال وزكت الأعمال ووجدوا الظفر بالآمال ولم يجدوا عند ذلك هوى غالبا ولا عدوا مطالبا ولا أملا في النفوس كاذبا\rأمات العلم بالله لهم أهواءهم وغلب لهم أعداءهم وجمع لهم شملهم وأحكمهم لهم أمرهم وكان التوفيق لهم صباحا وخفي اللطف من الله دائما والتأييد لهم من سيدهم مرشدا\rفكانت هذه صفاتهم وهي في التعالي في ذلك على قدر أقدارهم وما أداهم فضل العلم بالله تعالى إلى سبيل العمل له بالاشتغال بدوام الأعمال على قدر الرفعة في الحال\rوكانت هذه الحركات هي الغالبة عليهم دون غيرها من الحركة وكان الغالب على قلوبهم محبتهم للموافقة وتحريهم للموصل إلى الله سبحانه من الأعمال دون ذكر ما كفاهم وضمن لهم من الأرزاق وغيرها\rفلم يكونوا للأوقات مضيعين ولا باستجلاب ما كفوا متشاغلين ولا لما أحب الخلق من الاستثكار محبين\rإلا أن يكون لسيدهم في ذلك أمر جعل لهم الفضل فيه وندبهم إلى القيام به مثل قول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( كفى بالمرء شرا أن يضيع من\rيعول (  وقوله عليه السلام ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ( \rفالرجل راع لما استرعى يجب عليه القيام بأمرهم من أمر الدين والدنيا وكذلك من أوجب الله تعالى عليه عيلته وفرض عليه القيام بأمره من الآباء والأمهات والأزواج وصغار الأولاد الذين لم يختلف المسلمون في أن أمورهم واجبة وأن تركهم معصية إذا كانوا في حال الحاجة\rوكذلك قول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( كفى بالمرء شرا أن يضيع من يعول ( \rولا يكون قول النبي {صلى الله عليه وسلم} كفى بالمرء شرا (  وهو لا يجب عليه عيلتهم ولا حينما تكون عيلتهم تطوعا منه يتطوع به لأن الشر بلاء واقع وعقوبة نازلة والله جل ثناؤه لا يعاقب على ترك ما لا يجب وإنما أخبرنا أن وعيده وعقوبته واقعة على من عصاه وخالف أمره\r","part":1,"page":12},{"id":13,"text":"فسعيهم في الأمور تحر منهم للموافقة ورغبة منهم في الطاعة وليس سعيهم في ذلك كسعي من أراد الكثرة لما بانوا به من الاشتغال بما هو أولى بهم وآثر في نفوسهم فإن وجب شيء من ذلك وسعوا فيه كان سعيهم والقلوب إلى الله جل وعز في ذلك ناظرة وإليه فيه ساكنة بدوام ذكر مباشر لقلوبهم ودوام معرفة مغشية لهم واستجابة لله متصلة بهم\rقد نفرت القلوب لذلك من أسباب الخليقة وانقطعت من مطامع الريبة وأعتقت من ربقة الأسباب ورق أهل الدنيا وتفردت في كل\rحال بوليها والقائم عليها بما كسبت والعالم بها في مكنون ضميرها\rلا يفترون في سعيهم عن مواصلته ولا يقصرون عن شيء أمر به من حيث بلغته العقول المذكاة بفطن الفهم عنه وأوصل إليه غليان العلم والمعرفة به\rوكان سعيهم في الكسب على وصفنا من أفضل القرب إلى سيدهم وأخص الأعمال في حال منازلهم\rفكانت إقامة الشغل به عليهم آثر عندهم من التشاغل بغيره لما بان من فضل موافقته فيما دعا إليه وأمر به\rفهذه صفة سعيهم ولم يكن السعي في ذلك قادحا في صفاء الذكر القائم لهم ولا منقصا ما خصوا به من حال قرب القلوب ومراتبها وحال المنازل المرجوة لهم من السيد الكريم فهذه صفات حركات الصديقين والأولياء في المكسب\rوالدليل على ذلك فعل أبي بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذي النورين وعلي بن أبي طالب وأكثر أصحاب النبي {صلى الله عليه وسلم} من المختارين لصحبته المنتخبين لمعونته سرج الأرض ومصابيحها وزهرة الدنيا وزينتها المقدمين بالفضل على خواص الأمم السالفة والسابقين غدا بالطاعة في الآخرة خلف الأنبياء عليهم السلام وأئمة الحق وحملة العلم ومعادن الحكمة ومناهل التقوى والقوام بنوائب الدين وشرائعه الذين بين الله عز وجل فضلهم بباطن الحكمة على لسان نبيه {صلى الله عليه وسلم} فقال عز وجل (  محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود (\r( \r","part":1,"page":13},{"id":14,"text":"وقال تعالى (  يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (\rوقال تعالى (  يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (\rوقال عز وجل (  لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة (\rفمدح أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} في مواضع كثيرة من كتابه وهم أفضل أهل الأرض بعد الأنبياء عليهم السلام وأعمالهم أفضل الأعمال وأشرفها ومقاماتهم أرفع المقامات وأعلاها ولذلك قال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه ( \rوقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( خير أمتي أولها ( \rوقال {صلى الله عليه وسلم} ( خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( \rوقال {صلى الله عليه وسلم} ( إن الله اختار أصحابي على جميع الأمم ( \rوقال {صلى الله عليه وسلم} ( خير الناس القرن الذين بعثت فيهم ( \rوهذا يكثر في السنة عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم}\rوأول ما نبدأ بذكره ونحتج بفعله الصديق رضوان الله عليه صدق رسول الله {صلى الله عليه وسلم} حين كذب وأنفق عليه ماله حين منع وأنيسه في الغار حين أوذي وجليسه في العريش يوم بدر حين حورب وأول من اتبعه وصدقه ومن فعائله تكثر على لسان محمد {صلى الله عليه وسلم} ومن أجمع له المسلمون بالفضل بعد نبيهم {صلى الله عليه وسلم} ورضوا به خليفة بعد رسولهم لما رأوا من تقديمه {صلى الله عليه وسلم} له في صلاتهم وفي عظيم أمر دينهم\rفاحتذى في الأمر سبيل المصطفى وسلك فيه منهاج المرتضى وقام بأمر الله قيام الأنبياء فجمع من الإسلام شمله حين تفرق وقام بأوده حين وهى ومنع حريمه حين اخترم ورتق بالحق خلله حين انفتق جتى عاد بعد الافتراق مثقفا وبعد الوهن قويا وبعد الخلل متسقا\rوأجمع له المسلمون بالصواب في فعله وبالعدل في جميع حكمه أشد الخلق بعد نبيه في دينه وأقومه بأمره رضوان الله عليه ورحمته ولم يزل على سبيله المتين وقصده الواضح حتى توفاه الله عز وجل حميدا\r","part":1,"page":14},{"id":15,"text":"وكان من فعله لما استخلف وأجمع المسلمون على أمره أن رأى الكسب على عياله أفضل الأعمال وأوصل القربة وأعلى الطاعة فمضى إلى السوق متكسبا عليهم فأدركه أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وهو في السوق فقالوا له يا خليفة رسول الله أمر المسلمين\rفقال لهم ( لا يقر ذنبي على عيالي افرضوا لي فرضا (  وكان المخاطب له في ذلك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما ففرضوا له فرضا رضي به ورجع إلى أمورهم بعد أن أحكم أمر عياله رضي الله عنه\rوكذلك كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الفضل وفي شدة الإسلام والقيام بأوده فكان يأخذ قوته وقوت عياله وكذلك روي عنه رضي الله عنه أنه قال ( أتدرون ما استحل من هذا المال ثوبين للشتاء والقيظ وظهرا أحج عليه وقوت رجل من قريش ليس بأوضعهم ولا بأرفعهم ( \rثم رجع إلى الإشفاق على المسلمين فقال ( والله ما أدري أيحل لي أم لا ( \rوكذلك كان عثمان بن عفان رضي الله عنه بعدهما في الفضل والقيام بالأمر والمجتمع عليه في العدل\rوكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعدهم في الفضل والدين والعلم والحلم كان يستسقي دلوا بتمرة بعدهم وكان له ناضحان ينقل عليها الإذخر يستعين به على تزويج فاطمة رضي الله عنها\rوآخى النبي {صلى الله عليه وسلم} بين قيس بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف فقال قيس لعبد الرحمن هذا شطر مالي ولي امرأتان أنزل لك عن واحدة وكان مال قيس المال الصامت الذي يرغب في مثله\rفقال عبد الرحمن لا حاجة لي بذلك دلني على السوق فمضى إلى السوق متكسبا على نفسه فعاد وقد أصاب شيئا من سمن وإقط وذلك لما عند عبد الرحمن من فضل الكسب وفضل الحركة لطلب الثواب\rوكذلك يروى للنبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال ( أطيب ما أكل الرجل من كسبه ( \rفآثر عبد الرحمن الكسب على مال طيب هو مال رجل من أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} لا شك في أمره ولا في النفس منه شبهة عرض عليه من غير مسألة ولا إشراف من نفس\rفهذه حجتنا في الحركة من الكتاب والسنة وفعل أكابر أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم}\r","part":1,"page":15},{"id":16,"text":"وكذلك كان التابعون من بعدهم ممن يجب علينا تقليدهم والأخذ عنهم وهم الذين ألزم عز وجل الخلق طاعتهم والاقتداء بهم فقال جل وعز (  أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (\rوهم أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} ومن بعدهم من صالحي العلماء والأخيار في هذا والاحتجاج بها يكثر\rوفيما أوردنا وذكرنا من ذلك كفاية إن شاء الله\rونسأل الله جل وعز خير التوفيق لإصابة الحق\rباب ترك الحركة في الكسب وما في ذلك من محموده ومذمومه\rوقد ترك الحركة في الكسب أقوام على أمور مختلفة وأنا واصف بعضها إن شاء الله تعالى\rفمن ذلك ما زعم شقيق واتبعه على ذلك أقوام زعم شقيق فيما يروى عنه أنه كان يقول إن الحركة في الكسب معصية\rوذلك أنه قال لما ضمن الله تعالى الرزق والكفاية كانت الحركة شكا فيما ضمن فحمل الأمر في ذلك على رأيه وقال فيه بزلله فخالف الكتاب والسنة وما عليه أكابر أصحاب رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وجلة التابعين من بعدهم\rوجلس أقوام تعرضوا للكسب قبل جلوسهم فلم يمكنهم إقامة الحق في كسبهم وضاقت عليهم المطالب في ذلك فجلسوا فطعنوا في المتكسبين وجعلوا ضعفهم عن القيام بالحق فيما جعل الفضل فيه لأهله إذا قاموا بأحكامه\rوأخذوا من كسب المخلطين والمقدمين على الشبهة وجعلوا الأخذ من أهل هذه الصفة أفضل عندهم من التحري في المكسب وأخذ الأمر حتى يبلغهم الإجهاد\rفكان مقامهم في ذلك مقام من تنزه عن شيء من كسبه وأخذ من كسب غيره ما هو أشر منه وأخبث في الطعمة فغلطوا فيما أقاموه دينا\rأما الحجة على شقيق وأصحابه فمن كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام والنبيين من قبله وخيار أصحابه من بعده رضي الله عنهم\rفأما الحجة من كتاب الله فإن الله تعالى قال (  يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم (\rوقال سبحانه (  يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم (\r","part":1,"page":16},{"id":17,"text":"وقال جل ثناؤه (  رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ( فمدح إقامتهم لذكر الله في وقت التجارة\rوقال عز وجل (  يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع (\rفأمرهم بترك البيع في وقت محدود يوم الجمعة\rوقال تعالى (  يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه (\rفعلمهم كيف يصنعون في متاجرهم وبصرهم في مكاسبهم\rوأما الحجة من سنن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فقول النبي {صلى الله عليه وسلم}\r( أفضل ما أكل الرجل من كسبه ( \rوقد ذكرنا ما كان عليه أكابر أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} وفي هذا آيات كثيرة من كتاب الله وأخبار عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} متواترة وفي أقل مما ذكر يتبين خطأ هذه المقالة\rوأما المقالة الثانية فإن الحجة عليهم في ذلك أخذهم الذي تركوه من أيدي غيرهم فإن كان أخذهم لذلك من أيدي الأقوياء الذين كسبوا الشيء عندهم على حكم كتاب الله عز وجل وسنة نبيه {صلى الله عليه وسلم} فقد سقط عنهم العذر في القعود وعليهم طلب الشيء من حيث طلبه هؤلاء\rوإن كان الأمر عندهم لضعف عن القيام بأحكامه غيرهم فقد أخذوا ما تركوا من أيدي أقوام يمكن عليهم التعدي في الطلب والتجاوز للحد من الكسب\rفأي الحالتين كانت حالهم فهو خطأ والله أعلم\rوجلس قوم آخرون وزعموا أن الجلوس عن الطلب أفضل عندهم من الحركة\rواحتجوا في ذلك بأن قالوا لما ضمن الله للخلق أرزاقهم وتولى في ذلك كفايتهم وأخبر بقسم الشيء في الأوقات التي قدر إيصالها إليهم فيها كان انتظار الوقت وترك الحركة أفضل وكانت الحركة إباحة لضعفاء الخلق\rوالحجة عليهم في ذلك بينة بما بينا من فعل النبي {صلى الله عليه وسلم} وما كان أكابر الصحابة عليه وذلك أن الله جل ثناؤه جعل رسوله في أعلى الدرجات وأرفع المنازل وأتم المعارف وأكمل العلم وخصه من جزيل خصوصيته ورفيع هباته وسني عطاياه ما بين به فضله على\rأكبر الأولياء وكذلك حركاته وسائر أعماله جعلها الله على قدر الموضع الذي جعله فيه\r","part":1,"page":17},{"id":18,"text":"وكانت أصحابه رضوان الله عليهم على فضلهم وما ذكر من تقدمتهم كانت أعمالهم على قدر مواضعهم\rوفيما وصفنا من ذلك واحتججنا به ما يتبين منه خطأ أصحاب هذه المقالة\rوكان ما احتجت به هذه الطائفة التي زعمت أن القعود عن الحركة أفضل عندهم وإنما الحركة في ذلك رخصة لضعفاء الخلق عن القعود حتى يكون الوقت عليهم وأراد بما في أنفسهم فقدموا أنفسهم بخطأ التأويل وبزلل الهوى والرأي على أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} وعلى سيرة المرسلين وأقاموا الأكابر مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم مقام الضعف والوهن تقديما منهم لأنفسهم وإيمانا منهم بخطأ منهم بصحة رأيهم بلا خبر عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ولا آية من كتاب الله عز وجل\rوهذا قول قد تبين خطؤه من وجوه شتى\rفأما أولها فما بين الله عز وجل من ذلك في كتابه فأمر المؤمنين أن يكون مأكلهم من طيبات ما يكسبون\rوأما المعنى الثاني فما ثبت عن رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أن ( أطيب ما أكل الرجل من كسبه ( \rوأما الوجه الثالث فما كان عليه محمد {صلى الله عليه وسلم} وأكابر أصحابه رضي الله عنهم\rوأما الوجه الرابع فما دل عليه العلم وثبتت عليه المعرفة وذلك أن الله جل ثناؤه لما دعا إلى الثقة به والتوكل عليه بين العلم عما أراده من ذلك والذي بين العلم عنه من ذلك من معنى الثقة أن تكون القلوب لله عز وجل مصدقة وتكون بوعده موقنة وتكون إليه في كل حال ساكنة قد أغناها بضمانه عن النظر إلى شيء دونه\rفإذا ملك خاصة القلوب ذلك وأقرت به الألسنة وحذره العلم بالله تعالى والمعرفة به جل وعز من أن يميل إلى شيء دونه فأمنت القلوب في التوكل في حقيقة من حقائقه وفي مقام شريف من مقاماته\r","part":1,"page":18},{"id":19,"text":"فإن أوجدها الله جل ثناؤه فضلا منه في سعي جارحه أو دلها الرسول {صلى الله عليه وسلم} عليها وأنها إلى الله تعالى مقربة وفي حال السعي بسعيها زائدة بما تعبدت به أو ندبت إليه أسرعت إلى ذلك لما ملكها من موافقة سيدها وجل عندها من قدر ما أشار إليه مما يقرب منه فكان السعي عن تمكن الرغبة في الطاعة الجامعة للقلوب من غير سآمة منها لما شمل فاقتها من خالص الموهبة وجزيل سناء الخصوصية وكان السعي في ذلك لصفاء ما في القلوب من تمكن السكينة وحقائق الثقة\rوكانت القلوب بسعي الجوارح في ذلك زائدة بسعيها متمكنة في مرتبتها ولا ينقص السعي عليها حالها ولا يجرها ذلك إلا إلى ما يقدح في ذكرها فكان هذا السعي على ما وصفنا زائدة لها في مواصلتها في القرب إلى علو الدرجات في قربها وكان السعي على ما بين الله ورسوله من فضل السعي على ما وصفنا مما افترض على الخلق وندبوا إليه على معاني\rأحدها أن يكون السعي بالجوارح بعدما وصفنا من قيام الثقة في القلوب وتمكن السكينة منغصا عليها حال القلب موجدا لها النزول عن مرتبتها فيكون تركها للسعي لما تجد من النقص\rفهذه حال دون حال الأقوياء الذين سعوا في ذلك وهم يجدون\rفي ذلك الزيادات والتعالي في الحالات وهذا ضعف بين في الحال\rوإما أن يكون ما وصفنا من حال القلوب ثابتا وهم فيه متمكنون والسعي زائد لهم في أحوالهم فيكون الترك لهم بذلك لأن حال الفضل فيهم لم تثبت عندهم وحال القربة في ذلك لم تبلغهم\rفهذا تقصير في العلم\rأو تكون الحال قد ثبتت عندهم والعلم بالفضل في السعي قد بلغهم وهم يؤثرون القعود\rفهذا حال تكلف وخلاف لما بين الله تعالى من الفضل ودل عليه الكتاب والسنة وكان عليه أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} وما بينه العلم ودلت عليه المعرفة\rفقد تبين فضل السعي والحركة على ما وصفنا وهي أعلى الدرجات في كل حال عندنا والله أعلم\r","part":1,"page":19},{"id":20,"text":"فإذا أردت أن تأتي سوقك أو شيئا لمعاشك أو صنعة أو وكالة أو غير ذلك لطلب الحلال والاتباع لسنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} وللثواب في نفسك وعيالك والاكتساب عليهم والاستغناء عن الناس والتعطف على الأخ والجار وأداء الزكاة وكل حق واجب فأمل في ذلك أن تلقى الله عز وجل ووجهك كالقمر ليلة البدر\rكما روى أبو هريرة عن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال ( من طلب حلالا استعفافا عن المسألة وكدا على عياله وتعطفا على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر ( \rوتنوي الورع في سوقك وأن تدع كل ربح أو أجر أو إصابة تعرض لك فيه ولو كانت الدنيا كلها إن عرض لك فيها ما كره الله تعالى\rوتنوي الإخلاص في ورعك في تجارتك ومن تشتري منه أو تعامله في صنعة أو وكالة\rوتنوي عون المسلم في تجارتك إذا استعان بجاهل أو بنصرك أو غير ذلك\rوأن تذكر الله تعالى في سوقك محتسبا كما جاء في الحديث ( إن الله عز وجل تعجب من الذي يذكره في السوق ( \rباب صفة الورع\rقلت رحمك الله ما الورع\rقال المجانبة لكل ما كره الله عز وجل من مقال أو فعل بقلب أو جارحة والحذر من تضييع ما فرض الله عز وجل عليه في قلب أو جارحة\rقلت وبماذا ينال قال بالمحاسبة قلت وما المحاسبة قال التثبت في جميع الأحوال قبل الفعل والترك من العقد بالضمير أو الفعل بالجارحة حتى يتبين له ما يترك وما يفعل فإن تبين له ما كره الله عز وجل جانبه بعقد ضمير قلبه وكف جوارحه عما كره الله عز وجل ومنع نفسه من الإمساك عن ترك الفرض وسارع إلى أدائه\rقلت وما يترك وما يجانب قال أربعة أشياء شيئان واجب تركهما وشيئان ترك أحدهما استبراء خوف أن\rيكون مما كره الله عز وجل والآخر يترك احتياطا وتحرزا\rفأما الشيئان الواجب تركهما\rفأحدهما ما نهى الله عز وجل من العقد بالقلب على الضلال والبدع والغلو في القول عليه بغير الحق ولا يعتقد إلا الصواب\rوالآخر ما نهى الله عز وجل عنه من الأخذ والترك من الحرام بالضمير والجوارح\r","part":1,"page":20},{"id":21,"text":"وأما أحد الشيئين الآخرين فترك الشبهات خوف مواقعة الحرام وهو لا يعلم استبراء لذمته لتمام الورع كما قال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( من ترك الشبهات استبرأ لذمته ودينه وعرضه من واقع الشبهات فكأنما واقع الحرام ( \rوقال زكريا عن الشعبي عن النعمان عن النبي {صلى الله عليه وسلم} زاد عليه غيره فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( فقد واقع الحرام كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه ( \rوأما الشيء الرابع فترك بعض الحلال الذي يخاف أن يكون سببا وذريعة إلى الحرام كما روي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال ( لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس ( \rوذلك كتركه فضول الكلام لئلا يخرجه ذلك إلى الكذب والغيبة وغيرهما مما حرم الله تعالى القول به ويترك بعض المكاسب مما تقل\rفيه السلامة للمكتسبين ويدع طلب الإكثار من المال خوفا ألا يقوم بحق الله جل وعز فيه إذا عزت فيه أسباب الحلال وقل العاملون بالورع والتقوى وترك مجالسة من قد جرب أنه لا يسلم معه وفراره من الشبهة خوفا ألا يسلم ويقل من معرفة الناس خوفا ألا يسلم ويغض عن بعض المطعم إذا أحس من نفسه أن ذلك يبطرها\rفهذه الخلة عون على الورع لا واجب عليها تركها ومجانبتها\rوكما قال عون بن عبد الله قال بعض الحكماء دع أن تحلف صادقا وهو لك حلال مخافة أن تعود لسانك اليمين فتحلف كاذبا ودع النصرة ممن ظلمك مخافة أن تعتذر\rوقال الله عز وجل (  ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن ( فقد سمى العفو حسنة والنصرة للنفس سيئة فما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا الكثير من الحلال مخافة الحرام\rوأهدى رجل لابن عمر أثوابا مروية فردها وقال ما رددناها عليك إلا مخافة الكبر\rوكان ابن عمر رضي الله عنه يسرع المشي ويقول هو أبعد لي من الزهو\rوعمر رضي الله عنه طلق امرأته وكانت أحب الناس إليه حين ولي الخلافة مخافة أن يطيعها في غير العدل فلما قواه الله عز وجل أرسل يخطبها فوجدها الرسول قد ماتت وغير ذلك تركنا ذكره لكثرته\r","part":1,"page":21},{"id":22,"text":"واعلم أن أصل أمورك كلها وتمامها والذي يرتفع به العمل ويزكو هو أصلان\rأحدهما سلامة الصدر لجميع المسلمين\rوالثاني إصلاح الكسرة والمعرفة من أين قرصتك\rوالآثار في تصحيح هذين الأصلين تروى من طرق شتى كثيرة ولكن أردنا الاختصار فتجار هذا الزمان كأنهم لا يؤمنون بيوم الحساب من الدخول في كل ما لا يجوز والتسارع إلى كل مأثم وإلى كل ما لا يجوز من المكاسب وترك ما تعهدوا به وركوب ما نهوا عنه لا يتورعون عن مكاسب أموال الظالمين ولا يجانبون أهل الرياء ولا أهل قطع الطريق والسلب\rولو قيل لهم هل لكم في الدنيا حراما وتعذبون عليها في الآخرة وتنغص عليكم عيشتكم في الدنيا بالهموم والأحزان والآلام بعد أن تكونوا مكثرين منها لرضوا بعد أن تكون الدنيا عليهم موسعة إلا من شاء الله منهم فإنا لله وإنا إليه راجعون\rفإذا رأوا رجلا ترك ما أقبلوا عليه من هذه الفنون توجوه وأكرموه وهذا فعل العقلاء منهم وأما الحمقاء فإنهم يزدرونه ويؤنبونه\rوإذا مدحه أهل العقل منهم ورفعوا قدره أحب الثناء فهلك وهو لا يعلم\rفكن حذرا متيقظا في جميع أمورك واستعن بالله في طلب السلامة واسأل الله العافية من فتنته وبليته\rوقال ثلاث خلال تلزمها قلبك\rالخلة الأولى اليقين بأن المقدور يأتيك وإن لم يقدر لا يأتي فمن أيقن بذلك أورث الله جل وعز قلبه خصلتين\rإحداهما أن يأمن قلبه من أن يفوته ما قدر له\rوالثانية أن ييأس من أن ينال ما لم يقدر له\rفمن لزم قلبه الأمن ألا يفوته رزقه وإلا يأس من أن ينال ما لم يقدر له قل همه وغمه وخضوعه للخلق والمدارة لهم لأن ينال بهم منفعة فهذا الغنى بالله عز وجل\rوالخلة الثانية ذكر اطلاع الله عز وجل على ضميره وجوارحه فإن ذلك يورث له الحياء\rفإذا عرض له شيء مما يكره الله عز وجل ذكر النظر وخاف المقت إن ركن إلى ذلك\r","part":1,"page":22},{"id":23,"text":"وإن عرض له ما فيه النقص وإن لم يكن محرما استحيى من الله تعالى أن يراه مقصرا عما يحب مولاه مع ما قد استودعه من العلم وعرفه من عظيم قدره وكبرياء جلاله جل وعز\rوجملة ذلك أن تغدو إلى سوقك وأن تكون في جميع أحوالك في سوق كنت أو في غيرها فتلزم قلبك اليقين والحذر وتذكر الاطلاع بالنظر\rفباليقين تستريح وبالحذر تتيقظ وبذكر النظر تستحيي من الناظر الأعلى تبارك وتعالى\rباب مذاهب السلف في الورع\rسألت أبا جعفر عن الورع فقال فيه ثلاثة أقاويل\rأحدهما ترك ما حاك في الصدور من جميع الحكايات والقول\rوالثاني الوقوف عند كل شبهة إذا لم يتبين فيها الحلال من الحرام\rوالقول الثالث ما رواه عطية السعدي عن النبي {صلى الله عليه وسلم} ( تكون حقيقة من المتقين حتى تدع ما لا بأس به مخافة ما به البأس ( \rوهذه الثلاثة الأقاويل قد قصد إليها وإلى معانيه أصناف من العلماء وأهل الحديث والقراء والمتصوفة\rفأما ترك ما حاك في الصدور فهو مذهب أبي عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق بن منذر الثوري وإبراهيم بن أدهم ووهيب بن\rالورد ومحمد بن يوسف الأصبهاني ويوسف بن أسباط وعبد الله بن الوليد المدني وشعيب بن حرب\rوالقول الثاني يذهب إليه جماعة من أصحاب الحديث وناس صلحاء ممن سكن الثغر منهم مخلد بن الحسين وعلي بن بكار وقد رواه عن الأوزاعي ويقال أنه فتيا ابن المبارك بالمصيصة ومذهب طوائف من أهل البصرة وقد ذكر ذلك عن عبد الله بن داود وهو مذهب محمد بن مقاتل بعبادان وكثير من المتفقهة في سائر الأمصار\rوالقول الثالث قد ذكر عن طاوس ومحمد بن سيرين وأيوب وابن عون ويونس بن عبيد وواصل مولى ابن عيينة\rوهو مذهب عمرو بن مرة وقد ذهبت إليه أناس بأطراف الثغور فلم يأخذوا منها شيئا لا من حلالها ولا من حرامها ولا من شبهاتها إلا خرقا تستر العورة وفلقا تسد الجوعة\rثم تفرقت بهم الطرق للآخرة في اختيار المآكل والملابس\r","part":1,"page":23},{"id":24,"text":"فذهبت طائفة إلى الرخصة ورأت طريق الفقر والتقلل فيما لم يكن حراما إما نصا في التنزيل وإما ثابتا في سنة رسول الله {صلى الله عليه وسلم} أو إجماع المسلمين وصاروا إلى الرخصة فيه\rواختارت طائفة من القراء والمتصوفة التقلل من كد اليد وعرق الجبين والسعي في طلب الأسباب ليأخذوا الكسرة واجتهدوا في طلب ذلك مع أهل الثغور خوفا أن يكونوا من أعوان الظالمين\rواحتجوا في ذلك بآيات من التنزيل منها قوله عز وجل (  ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (\rوأخبار المصطفى {صلى الله عليه وسلم} ( فمن أعانهم وصدقهم فلست منه ولم يرد على الحوض ( \rوذهبت طائفة من أهل الفقه إلى أنه لا بأس بمعاونتهم إذا لم يكن ظلما بعينه وذلك أنهم تأولوا الحديث على معنى من أعانهم على ظلمهم فمن لم يعنهم على الظلم وأعانهم على سوى ذلك فهو مطلق حلال عندهم\rوذهبت طائفة إلى ترك المعونة لهم والمباينة لهم واحتجوا بأخبار كثيرة في المباينة\rمن ذلك حديث النبي {صلى الله عليه وسلم} ( لعنت الخمر وبائعها ومبتاعها\rوحاملها والمحمولة إليه وعاصرها ومعتصرها وآكل ثمنها ( \rواحتجوا بأن سعد أحرق كرمه وقال بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمرة\rونهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن الثلاثة الذين خلفوا عن كلامهم وعن مبايعتهم وأمرهم أن يعتزلوا نساءهم ولم يكن التخلف منهم على نفاق وإنما كان ذنبا حتى أنزل الله جل وعز توبتهم\rوقالت فرقة المعونة لهم حرام في كل مكان لهم فيه منفعة وهو مذهب طائفة من المتصوفة معهم جهل كبير وغلظة\rوقالت طائفة بيع السلاح والكراع منهم معصية وما سوى ذلك فترك المعونة لهم وترك متابعتهم أفضل\rوهم طوائف النساك والقراء ممن ينتحل مذهب أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري والفضيل بن عياض والمعافى بن عمران ووكيع بن الجراح وأبي إسحاق الفزاري وعيسى بن يوسف ويوسف بن أسباط وابن المبارك وإبراهيم بن أدهم وعباد بن عتبة الخواص ومخلد بن الحسين\r","part":1,"page":24},{"id":25,"text":"وعلي بن بكار وسليمان الخواص وقاسم بن يزيد الجرمي وزيد بن أبي الزرقاء وابن أبي ذئب وأحمد بن محمد بن حنبل وبشر بن الحارث الحافي وعبد الوهاب الوراق ومن سلك مسلكهم وسبيلهم من أصحاب الحديث مما يحسن في قراءته\rوساعدهم على ذلك طوائف من المتصرفة بمكة واليمن وسواحل الشام وعبادان وذلك أنهم يقولون لا بد من أمارة برة أو فاجرة والدار لا تصلح إلا بإمام يصلى خلفه وترفع إليه الأحكام وتصلح الطرق وتعبد الجسور وتعمر المساجد العظام وتبنى المنائر للحراس بالثغور وتعقد الأولوية على الصوائف وغيرهم ويقيم الحج ويعطي الفيء ويقسم الغنيمة ويجبي الخراج ويفرض الأعطية ويدون الدواوين ويعول الفقراء ويعطي الغارمين\rفإذا أحسن واتقى كان صلاحا للرعية وإذا أساء وفجر كان فساده جورا في الرعية والصبر على الإقامة معه وترك مفارقة الجماعة في الخروج من إقامته والمعاملة في الشراء والبيع والتجارة والصنائع في دولته جائز ويكون بينك وبينه ستر حتى إذا رأيت حليتهم على أحد إجتنبته بعينه\rوقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه إن ضربت أو ظلمت فاصبر\rوقال حذيفة ليس من السنة أن تشهر السلاح في وجه السلطان\rوقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( سترون بعدي فتنا وأثرة (  قيل فما تأمرنا به يا رسول الله قال ( أعطوا الحق الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم ( \rوهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام رواه الأعمش ومنصور عن يزيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود\rباب مذاهب السلف في المطاعم والملابس\rوقد تكلم طوائف من الفرق بمذاهب في المجانية وصفاء المطعم والملبس يختلفون ويتقاربون\rفمنهم من اختار العزلة عن الأئمة والسلطان وأعوانهم بأعيانهم\rوفرقة قد جانبت كل من اتصل بهم وهذه الطائفة عند جماعة من العلماء ركبت الغلو في الدين\r","part":1,"page":25},{"id":26,"text":"وطائفة اعتزلت الفرق واحتجت بما حدثنا به عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا شعبة قال سمعت أبا التياح يخبر عن أبي زرعة عن أبي هريرة قال رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( هلاك أمتي على أيدي أغلمة من قريش (  قال قائل يا رسول الله مما تأمرنا لو قد وردت علينا قال ( لو أن الناس اعتزلوهم ( \rوروى جماعة عن الوليد بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن بسر بن عبد الله عن أبي إدريس الخولاني عن حذيفة قالت قلت يا رسول الله إن أدركني رفاق ليس له إمام ولا جماعة قال ( فاعتزل تلك الفرق حتى تموت على ذلك ( \rوقال النبي {صلى الله عليه وسلم} للأنصار ( أنكم سترون بعدي فتنا وأثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض ( \rوقال عليه السلام لأبي ذر حيث قال له كيف أنت إذا رأيت حجارة الزيت قد غرقت في الدم ( اصبر حتى تلحق بمن أنت معه ( \rوالأخبار في هذا كثيرة\rوأما الأكياس فإنهم أخذوا القوت قصدا ورفضوا ما سوى ذلك وقد كان الأوزاعي يقول اشتبهت الأمور فليس نأخذ غير القوت\rوقال الحسن إن المكاسب قد فسدت خذوا منها القوت\rوقال أبو وائل ومسروق إن أهل بيت الكوفة يوجد على مائدتهم رغيف من حلال لأهل بيت غرباء\rويقال إن الله عز وجل ليحجب الدعاء بالطعمة أو بالكسرة يأكلها المرء من غير حلها\rوفي إجماعهم من طاب مطعمه صفت أعماله واستجيبت دعوته ثم قصدت طوائف من القراء والمتصوفة والنساك إلى مذاهب في الكسب فطائفة اختارت المباح من الجبال والأودية والرمال من ورق الأثل ولقط البذر والحشائش التي لها ثمن إذا ادخرت فجمعوا منها لصيفهم في شتائهم\rوطائفة اختارت ما ألقته الرياح وما ظهر من الحشيش والكلأ على وجه الأرض من كلأ الصحراء إذا اشتد بهم الجوع\rوطائفة اختارت المنبوذ المطروح الملقي واحتجوا لذلك بما رواه هشام عن قتادة أن النبي {صلى الله عليه وسلم} كان يهوي إلى التمرة الملقاة فلولا أنه يخشى أن تكون من تمر الصدقة لأخذها وأن أبا أمامة أخذ كسرة من مسجد حمص فأكلها\r","part":1,"page":26},{"id":27,"text":"وكان أويس القرني يأخذ الشيء من المزابل وغيرها\rوطائفة اختارت المسألة لأخذ القوت منها كما سأل الخضر موسى عليهما السلام عند الحاجة واحتجوا بقول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( رب أشعث أغبر ذي طمرين يدفع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره (  وذلك حين اشتدت عليهم مذاهب إحياء الحلال وخافوا من الوقوع في الحرام\rوطائفة بالثغر ونواحي الشام اختارت ان تجمع من اللقاط خلف الحصادين من القمح والشعير وترى أن ذلك دليل قاصر بتتبع الحصادين فالذين لا يشكون في أنه حلال ليس ينبغي قولهم في عصرنا هذا\rوطائفة منهم تجنبت اللقاط وراء الحصادين في أرض اشتريت بمال الظالمين أو من خط قطائع اختطها السلطان لأوليائه ومن القبالات من الأرضين التي أخرج أهلها منها\rوطائفة فتشت الورع فاختارت كد اليد أو ضرب السيف في سبيل الله على اللقاط والحصاد وقالوا ليس للقاط أصل متقدم في\rعهد الأئمة الماضيين وهم على ذلك يجمعون على أن ضرب السيف تحت كل راية مع كل أمير بر أو فاجر ماض في كل عصر وفي كل زمان لا يتخلف عن ذلك إلا مخطئ أو جاهل وطائفة اختارت الرباط إلا أن يكون لأهل الإسلام حاجة من إظهار العدو وطلبهم ودخولهم إلى دار الإسلام فأوجبوا ضرب السيف في هذا الحال حتى إذا استغنت الأمة عن ذلك رجعوا إلى ما اعتقدوه من الرباط واحتجوا بأن ذلك في آخر الزمان أفضل ورووا في ذلك أحاديث واستعملوا لها مقاييس وهذه الطائفة غلطها كثير\rوأكثر العلماء والأغلب في جميع الأمصار يرون الغزو والحج والشراء والبيع والمعاملات والوكالات والصنائع ماضية أبدا مذ كان أول الإسلام إلى آخر عصابة يقاتلون الدجال لا يضر المتقي الحافظ لدينه جور جائر ولا ظلم ظالم إذا مكان فقيها متخلصا في تجارته وصنعته يكابد أن يسلم من أكل الشبهة وغير ذلك يجاهده بالنفقة\rوالمكاسب لا تفسد بجور الأئمة إنما تفسد بترك استعمال الفقه والعلم\r","part":1,"page":27},{"id":28,"text":"وقد تقدم في صدر هذه الأمة من الفتن والاختلاف والتفرق والناس يشترون ويبيعون وقد قتل أمير المؤمنين عثمان ظلما وعدوانا والناس يتجرون في تجاراتهم بالمدينة وغيرها وفتنة الجمل وصفين وابن الزبير والعراق والجماجم بالبصرة والكوفة وفي جميع العراق وخارجها ونواحي الأطراف والناس يشترون ويبيعون\rوبعد فتنة محمد الأمين والمأمون التي قامت بالشام ثماني عشرة سنة وبالعراق أربع سنين وفي سائر البلاد أيضا والفقهاء والعلماء في كل بلد والمحدثون يومئذ متوافرون والناس يبيعون ويشترون لا ينكر ذلك\rأحد ممن علمناه إلا رجلين هما عند الأمة مخبطين عبد الله بن يزيد وعبدك الصوفيين فإنهما أفسدا وحرما الكسب وأبت الأمة إلا خلاف ما قالا\rثم اختلف الناس في الميراث يكون الرجل يرث المال وأبوه ظالم أو جائر في ولايته أو خالط ماله غصب أو مزج حلالا بحرام\rفقالت طائفة من المتفقهة الميراث له حلال والوزر على من اكتسب المال وقد طاب هذا المال لوراثه\rوقالت طائفة يحتاط في هذا المال فإن كان يعلم أن أباه كان له مال قبل أن يخالط ماله الظلم أخرج منه ما يعلم أنه قد زاد في مال أبيه\rوقالت طائفة من القراء والمتصوفة انتحلت رأي سفيان الثوري وجعلن دينا الخروج من كله احتياطا لدينه\rوقد روى غير واحد أن أباه قد ظلم فعرف أولئك المظلومين فأدى إليهم مظالمهم وساعدهم على ذلك أهل الفقه وهو قول الأوزاعي ومالك بن أنس وبه أفتى أبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن إدريس\rباب مذاهب السلف في الشبهات ومعناها\rواختلفت الناس في معنى الشبهة\rفقالت طائفة إنما هو الحلال أو الحرام الذي هو ضد الحلال ولا منزلة ثالثة إلا ما حذر النبي {صلى الله عليه وسلم} منه فقال ( لا تقربوا أو تدنوا من الحرام ( \rفسمي ذلك شبهة كالذي يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه قالوا فخارج الحمى حلال وداخله حرام\rوقالت طائفة الشبهة ساقطة وذلك أن علمها غير مفترض لقول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( لا يعلمها كثير من الناس ( \r","part":1,"page":28},{"id":29,"text":"وإنما اتقوا العمل بالشبهة مخافة التزكية بأن يكونوا من أولئك القليل الذين يعلمونها\rوقالت طائفة العمل بذلك واجب ليطيب للمرء منكحه ومطعمه ومشربه وملبسه وشراؤه وبيعه وهو متعبد يأكل الحلال وإمضائه\rقالوا والشبهة هي ما لم يعرف أحلال بعينه أم حرام والوقوف في هذا الموضع فرض\rوقالت طائفة ليس علمها بفرض ويأكل منها لأنه فيها حلالا\rوإنما كان أكله من الحلال\rوقالت طائفة التحرز من ذلك أفضل فإذا وجد السبيل إلى غيره لم يحل له أكل الشبهة وهو يجد الحلال المطلق المباح\rوقالت طائفة الشبهة ليست تعلم في الأموال لأن المال لا يعلم إلا حلالا أو حراما وإذا اختلط دينار بعشرة دنانير أو مائة دينار في ألف وكذلك الورق فليس عليه إلا أن يخرج دينارا أو درهما إذ لا يمكنه أن يخرج ذلك الدينار بعينه ودرهم مكان درهم ودينار مكان دينار جائز باتفاق الفقهاء\rوقد ذهبت طائفة إلى أنه لو خلط دينارا من غصب أو ظلم ومازجه دينار آخر حلال فاكتسب بهما فربح عليهما فله نصف ذلك الربح ويرد على من اغتصبه أو ظلمه ذلك الدينار وما ربح عليه\rفإن كان ذلك الدينار مغمورا في مائة دينار فله بقسط ذلك يؤديه إلى من ظلمه أو إلى وارث من ظلمه أو يتصدق به على المساكين إن لم يجده\rوقالت طائفة وأكثر الفقهاء ليس عليه إلا ما ضمن وهذا الدينار في ضمانه\rوقالت طائفة الشبهة ما كان أكثرها حلالا وإنما اعترض عليها فدخل فيها ما يظهر أنه حرام فهو يأكل من الشبهة أبدا العلة ما غلب من الحلال\rوقالت طائفة الشبهة التي أمر النبي {صلى الله عليه وسلم} عدي بن حاتم حين قال له أرسل كلبي على الصيد فأجده وقد اختلط معه كلاب فأمره عليه\r","part":1,"page":29},{"id":30,"text":"السلام ألا يأكل فلعله قتله غير كلبه وكذلك إذا رمى صيدا ورمى غيره فلا يدري أي الرميتين قتلته بالذكاة أو غير الذكاة وكذلك الصيد يتردى من جبل أو يهوي في بئر فلا يدرى بأيهما كان قتله وكذلك الرجل يطلق إحدى امرأتيه فلا يدرى أيتهما طلق أو يعتق أحد عبديه فلا يدرى أيهما أعتق فالوقوف ها هنا والورع واجب\rوقالت فرقة الشبهة في الأموال والنكاح غير ذلك لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} خاطبهم بالشبهة وهم يعلمون ذلك\rوقد روي هذا الخبر عن الشعبي عن النعمان بن بشير رواه زكريا بن أبي زائدة وإسماعيل بن أبي خالد ومغيرة وأبو السفر ومجاهد ومطرف في جماعة سواهم عن الشعبي وروي عن ابن عمر وجابر رضي الله عنهما نحو ما قاله النعمان بن بشير\rوروي عن عبد الله بن مسعود حين أكثر الناس عليه يسألونه فقال الحلال بين والحرام بين وبينهما شبهات\rوقال ابن عمر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\rوقال ابن مسعود الإثم ما حاك حول القلوب\rمع ما قد روي عن المصطفى {صلى الله عليه وسلم} أنه قال في التمرة الملقاة ( لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها ( \rونهى عدي بن حاتم عن أكل الصيد إذا اختلطت الكلاب المعلمة وغيرها\rوقال {صلى الله عليه وسلم} في قصة عتبة وعبد بن زمعة فقال عبد بن زمعة هو أخي ولد على فراش أبي فقال ( هو لك يا عبد الولد\rللفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة (  للشبه الذي رأى عليه السلام لأنه رأى شبها بينا بعينيه\rونهى {صلى الله عليه وسلم} عن كسب الأمة حتى يعلم من أين كسبت\rوأمر محيصة حين سأله عن كسب غلامه الحجام أن يطعمه الرقيق ويعلف منه الناضح\rواختلف الناس فيه فقالت طائفة كسب الحجام خبيث لأنه قد روي في الحديث أنه سحت\rونهى النبي {صلى الله عليه وسلم} محيصة أن يأكل من كسب الحجام\rوقالت طائفة كسب الحجام حلال واحتجوا بابن عباس وأنس بن مالك أن النبي {صلى الله عليه وسلم} أعطى الحجام ولو كان حراما لم يعطه\r","part":1,"page":30},{"id":31,"text":"وقد ذهبت طائفة إلى تأويل حديث محيصة بأن المكاسب بعضها أطيب من بعض وأعلى وفيها أدنى من بعض والمستنصح إذا فزع إلى الناصح أجابه بالنصيحة فأمر النبي {صلى الله عليه وسلم} محيصة بالتنزه عنه حين وجده فقال ( أما أنت فلا تأكل ولكن أطعمه الرقيق (  ولم يكن يبيح لهم إطعام الرقيق من حرام\rباب معنى التعاون على الإثم والعدوان\rوقد تنازعت طوائف من العلماء في تأويل قوله تعالى (  ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (\rفقال بعضهم سقي الماء للعاصي وإرشاده إلى الطريق من المعونة\rوقد روي عن سفيان الثوري إذا سألك الطريق إلى المسجد فلا تدله لعله يغتال رجلا فيما بينه وبين المسلمين أو يظلمه\rوقالت طائفة المعونة على حرام بعينه\rوقالت طائفة بيع السكين من السلطان والخشبة ليصلب عليها رجل مسلم والسوط من الجلاد والصليب من النصارى هذا كله حرام\rوذهبت طائفة إلى أن ذلك مباح والإثم على الفاعل وهذه الطائفة مخالفة في التأويل لأن النبي {صلى الله عليه وسلم} لعن في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وآكل ثمنها وحاضر مجلسها\rوقد أحرق سعد كرمه وقال بئس الشيخ أنا إن أنا بعت الخمر\rوكره إبراهيم أن يعين النساء على فتل الخيوط للسبحة لأنه كان لا يرى للنساء إلا إشارة عقد الأصابع بالأنامل\rوأبو قتادة في الصيد لم يناوله أصحابه السوط كراهية المعونة له وهم حرم لأن الله عز وجل نهى عن قتل الصيد وهم حرم\rوفي المعونة أخبار كثيرة والتاركون لها داخلون في الفضيلة وقد قال الضحاك أدركناهم ما يتعلم بعضهم من بعض إلا الورع\rوقال الحسن الورع أفضل العبادة\rوقال لا دين إلا الورع ويروى عن الله عز وجل قوله < فأما الورعون فأستحيي أن أعذبهم >\rفأول بداية الورع محاسبة النفس عند خواطر القلوب والنفي لدواعي الجهالات والوقوف عند الشبهات والاستبراء بالتقوى والاحتياط عند اختلاف العلماء\r","part":1,"page":31},{"id":32,"text":"وقد غلطت طائفة تأولت قول ابن مسعود في الأكل من اتجار المرابي فقال فلك المهنا وعليه الإثم\rوهذا حديث رواه الشيباني عن التميمي عن الحارث بن سويد وجماعة من أصحاب الحديث منهم عبد الرحمن بن مهدي وهو يضعف هذا الحديث وأحمد بن حنبل\rوقد تأولت طائفة قول ابن مسعود على أنه لم تجر شهادة السائل أو يكون عبد الله علم من الرجل الذي سأله فقال ابن مسعود كل من حلال ماله\rلأنه لو تاب لأمسك ما كان له من الحلال ورفض ما سواه قال الله عز\rوجل في الربا (  وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم (\rوقد ذهبت طائفة من أهل العلم وغيرهم إلى أن ما لم يكن حراما في التنزيل أو نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} فهو في الإطلاق والإباحة حتى تكون آية تمتع أو سنة مأثورة يجب استعمالها أو اتفاق بين أهل الصلاة وذلك أنهم قالوا بإطلاق الآية (  قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير (\rوكان ابن عباس رضي الله عنه ومن سلك مسلكه يذهبون إلى الظاهر\rوقد روى ابن عباس أنه قال الحلال ما أحله الله عز وجل والحرام ما حرم الله تعالى وسكت عن أشياء عفوا\rوقال ذلك سلمان والحسن\rوقد روي عن سلمان الفارسي أنه سأل النبي {صلى الله عليه وسلم} عن الجبن والسمن\rفقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله وسكت عن أشياء عفوا ( \rوسأل البراء بن عازب النبي {صلى الله عليه وسلم} عن الأضاحي فقال إني أكله أن يكون في السن نقص أو في القرن فقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك ( \rومعنى هذا أنه أراد أن يحتاط لنفسه بترك أشياء اختلف في معنى\rتأويلها ولا يكون ذلك الشيء حراما لأن القائل حلال وحرام عاص الله تعالى إلا أن يكون بآية من كتاب الله أو سنة أو اتفاق أو دليل على ذلك\r","part":1,"page":32},{"id":33,"text":"فأكل الحرام معصية واعتقاد القول بأن هذا حلال وهذا حرام وليس ببيان أو شاهد من الإجماع فهو افتراء على الله عز وجل وكذب في الدين لأن الله تعالى لام الواصفين لذلك فقال جل ذكره (  فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون (\rفحرك قلوب السامعين للتلاوة والخوف من الله عز وجل أن يتقدموا على أن يقولوا حراما وحلالا إلا بعلم\rوقد سئل عتبة بن فرقد عن شيء فكان لا يقول حلال ولا حرام لكن يقول يستحبون ويكرهون\rوقد روى إبراهيم بن أدهم كانوا يكرهون أشياء ولا يقولون حراما\rوسئل جابر بن زيد ما تقول في لحوم الحمر الأهلية هل نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عنها فقال قد كان يقول ذلك عندنا الحكم الغفاري وأبي ذلك البحر يعني ابن عباس ثم قرأ الآية (  قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير (\rوكان الشعبي ومجاهد يسلكان مذهب ابن عباس\rوقد أتى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} بجبنة مما صنع في فارس فقال ( اقطع بالسكين واذكر اسم الله وكل ( \rوكذلك روي عن ابن عباس وابن عمر وسلمان والحسن وإبراهيم في الجبن فقالوا كل\rوقال الحسن ولا تشك\rباب الورع في جوائز السلطان\rثم اختلف الناس في جوائز السلطان\rفكرهت ذلك طائفة ولم تر طائفة بذلك بأسا وفرقة قالت حلال وفرقة قالت شبهة وفرقة قالت حرام وهذه الفرق مخالفة للسنة وأكثر العلماء نافون لهم لجهلهم فأما الذين قالوا بالكراهية فالذي يخالط الفيء والغنيمة من الظلم والعدوان في الجبايات والقبالات الرحاب وأخذ الرشا والجور والظلم وإصراف المال في غير حقوقه وأخذه من غير وجهه\rوأما الذين قالوا لا بأس به فإنهم تأولوا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن ما يدخل في بيت مالهم من الحلال أكثر من الحرام\rوأخذ ابن عمر رضي الله عنه من الحجاج وعبد الملك بن مروان وسلمة بن الأكوع وأنس بن مالك وكذلك جماعة من التابعين رضي\r","part":1,"page":33},{"id":34,"text":"الله عنهم أخذوا من السلطان منهم الحسن والشعبي وإبراهيم وعطاء ومن بعدهم جماعة أيضا\rوقالت طائفة الأخذ منهم شبهة لاختلاف العلماء في ذلك رضي الله عنهم لأن من سوى هؤلاء الأئمة قد خالط مالهم الظلم والعدوان والاعتداء في الأموال إلى عصرنا هذا أو سفك الدماء أو الضرب على الجور بالسوط ويستحل فيه الفيء والغنيمة\rوقد ترك الأخذ من أموالهم سعيد بن المسيب وطاوس ومحمد بن سيرين وأيوب وابن عون ويونس بن عبيد وكان مسروق لا يقبل من أحد شيئا ولا يأخذ على الفتيا أجرا وسفيان الثوري وأصحابه لا يرون ذلك\rوقد اختلف عن سفيان في كثير من هذه المعاني وأحمد بن حنبل يرى لمن ولي شيئا من أموالهم أن يفرقه كما صنع في الماضيين غير واحد\rوقد روى عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما أنها كانت تأخذ عطاءها اثنى عشر ألفا وترقع رداءها ولا يبيت عندها منه شيء والمختار عن عائشة أنه حلال طيب وأنما فرقته خوفا على نفسها\rوقد آثر ترك الأخذ من الأئمة العدول الذين أجمعت الأمة على عدالتهم وفضلهم وطيب مجباهم طائفة منهم حكيم بن حزام وأبو ذر لقول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( خير لأحدكم ألا يأخذ من أحد شيئا (  فكيف بمن بعدهم وقد خالط المجبي ما خلطه من الفساد\rومن قصد ترك أموالهم من الجوائز والعطيات والهدايا والصلات والسؤال لهم فقد أتى فضلا وقربة تؤديه بلوغ تلك المرتبة إلى أعظم منازل الخواص من المسلمين والدخول في مرتبة أهل الصفوة من العمال\r","part":1,"page":34},{"id":35,"text":"لأنا قد رأينا كثيرا من العلماء ليس معهم السعة في العلم ومعهم ضيق في التفقه في الدين وقلة رواية في الحديث إلا أن المرتبة في الترك جعلت لهم ذكرا عند الخاصة والعامة على فضلهم وأورثتهم هذه المنزلة شدة المباينة وعظيم الحذر من مواقعة الشبهات لما ركب في القلوب الخشية وخوف السؤال عند العرض على الجبار تبارك وتعالى وحملهم الحذر على خوف معالجة الموت لأن أول ما يأكل التراب من ابن آدم لحمه فلا يكون ذلك في نباته إلا من طيب فإن الله عز وجل لا يقبل إلا طيبا\rوقد روى عن النبي {صلى الله عليه وسلم} أنه قال ( تراه أشعث أغبر مطعمه من حرام ومشربه من حرام وملبسه من حرام فأنى يستجاب له ( \rوقال لسعد ( أطب مطعمك تستجب دعوتك ( \rوقيل لسعد بم تستجاب دعوتك قال بأني لا أدخل بطني إلا شيئا أعرفه\rوقال ابن عباس رضي الله عنه لو صلى وفي ثوبه سلك حرام فيها درهم حرام لم يقبل منه\rورأى مثله كذلك عن ابن عمر ومن اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيها درهم حرام لم تقبل له فيها صلاة\rوالله أعلم ما أراد ابن عمر وابن عباس إلا أن الحديث عن ابن\rعمر من وجه ضعيف وله تأويل يقول ما دام الحرام في ثوبه يتخوف حتى يخرج من الحرام\rإلا أن الإجماع منع من ذلك فأجمعت الأمة كلها على أن الصلاة لا تعاد\rوقد غلطت طائفة من القراء والنساك فقالوا الصلاة باطلة بما لبس من الحرام فيها وبذلك قال أصناف من الخوارج وكذلك إذا كان المهر حراما فالنكاح والوطء فاسد\rوهذا خروج من قول الأمة كلها ومن قال بهذا القول سمي بذلك عاصيا من أجل أن العقد في النكاح إنما تم بالكلام بقوله تزوجت ويقول هذا زوجت على صداق مسمى أو على التفويض فيكون لها صداق المثل ويكون عليه الوزر بالصداق الحرام من الذهب والفضة ولا يكون الفرج حراما\rوقد قال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلام الله ( \rوإنما عليه التوبة وأن يبذل درهما مكان درهم ودينارا مكان دينار\r","part":1,"page":35},{"id":36,"text":"وأما من اشترى جارية فتسرى بها من مال حرام من غصب فأكثر العلماء قالوا الوطء فاسد لأنه صار ملكا والملك ليس بحرام وكيف يملكها والمال ليس له وهذه المسألة يطول شرحها\rوفي هذا كفاية لمن أراد أن يستدل\rوأما الذين حرموا العطايا من السلاطين فقد غلطوا لعله أنه ليس بحرام كله فكيف يجوز أن يقال حرام وفيه درهم حلال\rويلزم الذين حرموا أيضا على قياس قولهم أنه لو كان سكين من أموالهم فذكوا بها\rلا تكون ذكاة عندهم لسبب الحرام حتى يكون سكينا من حلال ويكون ضامنا لما جنى وكذلك لو اشترى مصحفا من مال حرام وحفظ فيه القرآن لوجب أن ينساه ولا يجزئه أن يقرأ في صلاته بما حفظ من جوائز السلطان ولا أن يعطي المؤذنين والمعلمين كذلك\rوهذه الفرقة من المتصوفة جاهلة بالفقه والأخبار وإن كان معها الزيادة\rوقد توفي نفر من أهل العلم المطاعم التي لم يأمنوا أن تختلط أو قد اختلط حرام بحلال فيها خوف عسر الحساب وتنزهوا ليدركوا بذلك الصواب وقالوا التحري أصل معمول به وقاسوا على الشاة الذكية والميتة لا يدري أيتهما الذكية بالوقوف وترك أكلها حتى يتبين وكذلك كل ما اختلط فلم يعلم الحلال منه من الحرام وكذلك الأختين الرضيعتين لو طلق إحدى امرأتيه ولا يدري أيتهما طلق\rوقد سئل النبي {صلى الله عليه وسلم} عن الضب فقال ( لا آكله ولا أحرمه (  وقال ( أمة مسخت (  والله أعلم\rولهذا نظائر وشواهد ودلائل\rوأما ما احتجوا به على أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكان سفيان الثوري وأحمد بن حنبل يقولان العمل على حديث أبي بكر واجب استعماله\rوالتأويل لحديث أبي بكر أو الغلام إذ قال لأبي بكر رضي الله عنه أني رقيت في الجاهلية فأعطوني اليوم أجرتي فالرقي حرام والأجرة عليها فاسدة والأكل من الفاسد حرام لفساده بالرقي الذي اكتسبه منها فكذلك في أكل الحرام إذا بان عنده فقدر ألا يقره في جوفه فعل\r","part":1,"page":36},{"id":37,"text":"وجميع أعمال البر من الصلاة والصوم والغزو والحج مع كثير من الطاعات لا تقوم مقام تصفية الخبز لأن زكاة الأعمال كلها بطيب المطعم ومن طيب المطعم تجني ثمرة دواعي الصدق والقليل من\rالعمل مع الاجتهاد في السلامة من التخليط خير من كثير من العمل مع التخاليط وإنما محمود العواقب في السلامة\rفإذا صحت الكسرة حتى تسلم من آفات التبعات فلا تكون عليك فيها لله تعالى تبعة ولا لأحد من المخلوقين عليك فيه منه من تعب في بدن وعناء في الرجل وكد في اليد على الدين\rوقد كان يقال في الكتب من كانت هذه صفته في حياته فقد طاب حيا وميتا وإنما يثمر الصدق حتى يعتقده القلب فينفي القلب باعتقاده دواعي السعة في الرخصة\rوعلى قدر التأديب للنفوس ساعدتهم فرفضوا الشهوات وجانبوا اللذات حيث لم يصلوا من سعة المكسب لما يشبعون به وأخمصوا البطون جوعا حتى يجدوا لها ما يصلحها من الحلال\rفإن لم يجدوه وصعب ذلك أخذوا من الشبهات بلغة لساعتهم لا ليومهم ومنعوا النفوس من أن تشبع من خبز الشعير إن قدروا على النفوس وإلا استعانوا بعظيم الخوف عند المساءلة والحساب\rباب الورع والجوع\rوهذا جوع ذهبت إليه طوائف من العلماء إذا وجدوا الحلال شبعوا وآثروا\rوإن كان جوعهم عدم لا تكلف فيه لفضيلة وهذا مذهب سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم وشعيب بن حرب والمعافى بن عمران وحذيفة المرعشي وبشر بن الحارث الحافي وقد ذكرت هذه المرتبة عن جماعة كثيرة لا يحصى عددهم\rثم الجوع بعد ذلك على معان قصد لها المتعبدون فمن المعاني التأديب للنفس بالنقلة من حالة إلى حالة وقطع الإلف من دواعي الشبهات وهو مذهب البصريين فمن أخذ بذلك فعنهم أخذه\rوجوع آخر وهو إذا هاج من النفوس دواع تتحرك لها الطبائع من الشهوات منعوها بالعقوبات ما لها من الغذاء ومن حقوقها اللازمة من الغذاء والعشاء ومن مغرب إلى مغرب حتى أخرجوها من وقت إلى وقت ومنعوها عقوبة لها إن دعت إلى ما ليس لها من ذلك\r","part":1,"page":37},{"id":38,"text":"وذكروا أن غزوان الرقاشي نظر إلى ما لا يحل له ففقأ عينه وفتح الموصلي قال لو نظرت عيني إلى شهوة لقلعتها وغير واحد من البصريين فعل ذلك\rفواصل وأدخل يوما في يوم عقوبة للنفس إذا دعت إلى الشهوات\rوقد قال بعض الحكماء إذا دعتك نفسك إلى ما ليس لها فامنعها ما لها\rوجوع آخر صاحبة مفوض إلى عز وجل في حالة المنع والعطاء فإن أعطى حمد وشكر وإن منع صبر واحتسب وكذا روي عن جماعة\rوقد كان أهل الصفة على الحق من ذلك وهكذا كان جوع أصحاب محمد {صلى الله عليه وسلم} إذا أعطوا أكلوا وشكروا وإذا منعوا حمدوا وصبروا فلم يجعلوا الجوع لهم سببا ولا طريقا ولا الشبع لهم منزلة وذلك أنه في الشبع غلظا وصلابة عند الوعد والوعيد وفي الجوع رقة واهتياجا للبر\rوقد زعمت طائفة أنه لا مرتبة أعظم من الجوع لأنه سيد أعمال البر وكذلك الجوارح لا تأخذ الصيد حتى تجوع وتهيج على الصيد وكذلك الجوع عندهم وهم طوائف من البصريين فمن أخذ بذلك وأدب نفسه به فعنهم أخذ ولم نتبين في هذه المنزلة مرتبة يبين فيها الفضل من أجل أن النبي {صلى الله عليه وسلم} قال ( الطاعم الشاكر بمنزلة الجائع الصابر ( \rوبعد فإن منزلة الجوع وإن ولدت الخشوع فإن الشبع يطردها فأين الخشوع في ذلك الوقت وإنما تحمد المنزلة ما كان لها زيادة\rولكن يجعل الصوم طريقا واصلا إلى الري والشبع يوم الحاجة والفقر إلى الله عز وجل وليس شيء أعظم مرتبة من الفقر إلى الله عز وجل لأن الفقراء قد علموا علم يقين غير شاكين أن الله عز وجل قادر على أن يأمر أرديتهم التي على رقابهم أن تبلغ منهم من المكروه ما إن تعجز النار عن صفة ذلك لعجزت\rفأفضل الجوع جوع المنع وجوع التكلف يفتضح بالشبع وإن كان في الصوم جوع فإنما معناه الترهب لله عز وجل والسياحة لذلك وكذلك يروى عن الله عز وجل قال ( الصوم لي وأنا أجزي به يدع ابن آدم طعامه وشرابه من أجلي ( \r","part":1,"page":38},{"id":39,"text":"وهذا هو الترغيب فمن دعا الناس إلى الجوع فقد عصى الله وهو يعلم أن الجوع قاتل وقد فعل ذلك بخلق كثير من زوال العقل حتى تركوا الفرائض ومنهم من يعمد إلى سكين فيذبح نفسه ومنهم من يتغير طبعه ويسوء خلقه\rقال وهب بن منبه إذا صام العبد زاغ البصر وإذا أفطر على الحلوى رجع\rومن دعا إلى الشبع فقد عصى الله ولم يحسن أن يطيعه لأن الشبع ثقل على البدن وصلابة عن وعيد الله في القلب وغلظ في الفهم وفتور في الأعضاء\rفبان فضل الجوع للاجئين إلى الله الذين استرهبتهم الخدمة بعظيم قدر المعرفة والله تعالى مانع ومعط إلا أنهم يختارون ذلك ورعا وخوفا وتقية من عسر الحساب فنظروا إلى عناء ما وصل إليهم من الغذاء من مؤمن موفق أو هدية صالحة ممن يعتقد مكافأته لأنه مستبعد بأكل الحلال\rوهذا ما وصفنا في الجوع وكله محتاج إلى ورع ليصفوا بذلك طيب المأكل والمشرب من موضع مطلق مباح بالإجماع لا خلاف فيه\rباب السؤال والتحري\rوأما منزلة السؤال فقد اختلف الناس في ذلك فأكثر العلماء وفيهم الأوزاعي وقد روى عن سفيان الثوري وقد ذكر ابن المبارك ذلك وابن إدريس إذا مررت بأرض فلا تسل عنها\rوقد قال بعض هؤلاء اشتر وبع فيها\rوقال ابن المبارك وابن إدريس إن أردت المقام فاسأل\rوأبى ذلك طوائف من أهل الحديث والفقه وقالوا لا تسل إلا أن يغلب على أرض فيها الغصوب والصوافي فإذا ستر فلا تسل وأيضا إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حين سأل إنما سأل ملكا هو له عبد\rوقد نهى رسول الله {صلى الله عليه وسلم} عن كسب الأمة حتى يعلم من أين كسبت وهذا الواجب على سيد الأمة فالعبد لا بد أن يعلم ذلك\rوقالت طائفة ليس عليه أن يسأل وإن سأل كان أفضل\rوقال الأوزاعي ليس هذا زمان سؤال\rوقال غير الأوزاعي قد فاض البحر فليس هو إلا الفقر والتقلل لأن الأشياء تقاربت إلا أنه ينبغي لأهل العناية بالدين ومن كان منفردا\r","part":1,"page":39},{"id":40,"text":"لا عيال له ولا يحتاج إليه أحد في كسبه أن يطلب الوسيلة والسبق إلى رضوانه بالتقرب في إصلاح الكسرة وإن كان في ذلك حملان على نفسه ومكروه وثقل على بدنه\rفإن ذلك أعون على مباشرة الطاعة\rوقال يونس بن عبيد لم أر أعز ممن له أخ في الله تعالى يسكن إليه ودرهم من حلال\rوقال الأوزاعي ليأتين على الناس زمان يعز فيه درهم من حلال وأخ في الله مؤنس\rوقد كان ابن أدهم لا يحصد إلا في الأرض التي اكتربت من الأنباط ولا ينقر في زيتون إلا عمري وكرم في يده نبطي\rوقد امتنع وهيب بن الورد من طعام مصر أياما لما قيل له هو من الصوافي فكان إذا أكله يأكله بدموع عينيه ويقول ما آخذه إلا اضطرارا\rوكان يوسف بن أسباط يقول قد زاحمنا هؤلاء الخصيان فلنجعلن الغذاء على أنصاف البطون\rوأما ذهبوا إليه في أرض الفيء والخراج فالقياس في كل ما فتح عنوة ألا يشتري ولا يباع وقد خاصم عمر بن الخطاب الزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وبلال رضي الله عنهم في أرض السواد فقال عمر رضي الله عنه أنت على سورة الحشر (  والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان (\rوقد روي عنه أنه قاسم مشركا وقد كان أعطاه بحيلة ربع السواد ثم استرده لأنه أقطع قطائع واصطفى صفايا مثل عين التمر ومغيض\rكسرى وأرض بني صلوبا\rوكذلك فتح خالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان من أرض دمشق وخثعم وقيس ثم أقرهم على الكنائس وأوجب على الديارات ضيافة من يمر بهم ثلاثة أيام\rوأما مصر قلا يشكون أنها فتحت عنوة وفيها صوافي دولة بني أمية ودولة بني العباس بن عبد المطلب فقد امتنع ناس كثيرون من أكل طعامها\rوأما الطائف فإن النبي {صلى الله عليه وسلم} قد أقام عليها حتى افتتحها\rواختلف الناس في مكة فكان الشافعي رحمه الله يقول فتحت صلحا وأبى ذلك الناس فقالوا عنوة\r","part":1,"page":40},{"id":41,"text":"ودخل النبي {صلى الله عليه وسلم} مكة وقيل له أين تنزل فقال ( ما ترك لنا عقيل من رباع (  يعني أن عقيلا ورث أبا طالب فهذا يدل على قول الشافعي\rوقد اتفقت الفرق فكان قولها واحدا أن ما عمله السلطان مثل المساجد الجامعة والحصر فيها فالصلاة عليها عندهم جائزة وكذلك حفر الأنهار والبرك والمصانع والآبار التي لا يمنع منها العام والخاص والمشي على الجسور والعبور على القناطر وفي الظلال وفي الأسواق وفي الطرق التي يصلحها الأمراء\rوهذا كله ما وجدنا عالما ولا ناسكا ولا متعبدا ولا متصوفا يجتنب شيئا مما قلنا إلا طائفة غالطة قالت إذا لم يعدل الإمام في الرعية ويقسم الفيء بالسوية ويعطي العطاء ويسوي بين الناس في\rالأرزاق ويكفي العامة ويفدي الأسير ويجاهد العدو ويقيم لهم الحج ولا يستأثر دونهم بالفيء كان عاصيا وكل من رضي بإمامته كان عاصيا\rفهذه فرقة خوارج مرقوا من الدين وخرجوا من حد الإسلام بل قد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا بد من إمارة برة أو فاجرة\rوقال النبي {صلى الله عليه وسلم} ( سيكون عليكم أمراء يعرفون وينكرون فمن أنكر فقد برئ ولكن من رضي وتابع ( \rوقال {صلى الله عليه وسلم} ( يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة فصلوا لوقتها ثم صلوا معهم تكون نافلة ( \rوقد قيل للنبي {صلى الله عليه وسلم} وقد ذكر أهل الجور من الأمراء ألا ننابذهم فقال ( دعوهم ما صلوا للقبلة ( \rوأجمع أهل العلم على الكف عن الأمراء المسلمين والسمع والطاعة في العسر واليسر وألا ينازع الأمر أهله إلا في معصية الله تعالى ورسوله فلا طاعة لهم في ذلك\rوقال أبو بكر رضي الله عنه لا تسبوا السلطان\rوقال ابن عمر لو لم تسبوهم لسلط الله عليهم نارا من السماء ولكن قولوا اللهم آذهم كما آذونا\rوقال عمران بن حصين لحكيم بن عمرو الغفاري إنه يذكر يوما أنه قال لنا رسول الله {صلى الله عليه وسلم} ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (  قال\r","part":1,"page":41},{"id":42,"text":"وقالوا في الصلاة في الغصب إن كان مسجدا في طريق المسلمين وكان له سعة في الطريق فلا بأس به وإن كان في أرض مغصوبة من الدور فكان سفيان يبطل الصلاة فيها\rوقال الأوزاعي إن صلى ولم يعلم فصلاته جائزة ولا يعيد\rوقال وكيع بن الجراح يعيد ما دام في الوقت فإذا خرج الوقت فلا إعادة عليه\rوقد كرة جماعة الصلاة في الغضب إلا أنهم لا يوجبون على المصلى بإعادة منهم الشافعي واحتجوا بقول النبي {صلى الله عليه وسلم} ( جعلت الأرض مسجدا وطهورا إلا الحمام والمقبرة (  وقال {صلى الله عليه وسلم} ( لا تصلوا الى القبور ( \rثم طوائف قد كرهوا المشي في أرض الصوافي حتى قال بعضهم إن كان والداه أو أحدهما بعثه في حاجة وكان طريقه فيها لم يطع والديه\rوقال بعضهم إن كان طريقا كان يسلك من قبل الغضب أو مسجدا كان يصلي فيه أو في فندق أو خان أو دار من دور التجار فلا بأس بسلوك الطريق والصلاة في ذلك المسجد\rوإذا كان روشنا أو ساباطا على طريق ظلما فكان له في غيره منفذ لم يأخذ فيه وأتى ذلك في كثير في العلماء والفقهاء وقالوا لا بأس بالمشي في أسفل الساباط والروش ونحو ذلك\rوكان محمد بن سيرين يقول ظلال أصحاب السابري من الغش\rوكان محمد والحسن يكرهون بيع الحرج في الفتنة\rقال أبو عبد الله المحاسبي رحمه الله فقد وصفنا طريق القاصدين إلى الله عز وجل بصفاء المطعم والمشرب والملبس والحمد لله رب العالمين وصلى الله على خاتم النبيين محمد وعلى آله وسلم تسليما","part":1,"page":42}],"titles":[{"id":2,"title":"مقدمة المؤلف","lvl":1,"sub":0},{"id":6,"title":"باب بيان فرض التوكل الذي يجمع فيه خواص الخلق وعوامهم مع الحركات في احتباس الرزق وتركه","lvl":1,"sub":0},{"id":9,"title":"باب الحركة في الكسب لطلب الرزق واختلاف ذلك من محموده ومذمومه","lvl":1,"sub":0},{"id":16,"title":"باب ترك الحركة في الكسب وما في ذلك من محموده ومذمومه","lvl":1,"sub":0},{"id":20,"title":"باب صفة الورع","lvl":1,"sub":0},{"id":23,"title":"باب مذاهب السلف في الورع","lvl":1,"sub":0},{"id":25,"title":"باب مذاهب السلف في المطاعم والملابس","lvl":1,"sub":0},{"id":28,"title":"باب مذاهب السلف في الشبهات ومعناها","lvl":1,"sub":0},{"id":31,"title":"باب معنى التعاون على الإثم والعدوان","lvl":1,"sub":0},{"id":33,"title":"باب الورع في جوائز السلطان","lvl":1,"sub":0},{"id":37,"title":"باب الورع والجوع","lvl":1,"sub":0},{"id":39,"title":"باب السؤال والتحري","lvl":1,"sub":0}]}