{"pages":[{"id":1,"text":"الرَّسَالةُ التّسْعِينيّةُ\rفي الأصُولِ الدّينِيّة\rتأليف\rالإمام الكبير العلامة صفي الدين\rمحمد بن عبد الرحيم بن محمد الأرموي الهندي\rرحمه الله تعالى\rاعتنى بها\rجلال علي عامر و عبد الملك محمد أحمد","part":1,"page":1},{"id":2,"text":"ترجمة المؤلف (مقتطفة من كتاب طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة\rرحمه الله تعالى ) :\rمحمد بن عبد الرحيم بن محمد، الشيخ العلامة صفي الدين أبو عبد الله الهندي الأُرموي، المتكلم على مذهب الأشعري.\rمولده ببلاد الهند في ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان جدُّه لأمِّه فاضلاً، فقرأ عليه.\rثم خَرَجَ من بلده سنة تسع وستين ودخل اليمن، فأكرمه صاحبها الملك المظفر وأعطاه تسعمائة دينار، وحج وقدم الديار المصرية سنة سبعين فأقام بها أربع سنين.\rثم سافر إلى بلاد الروم وأقام بها إحدى عشرة سنة وأخذ عن صاحب التحصيل ودرس بقونية وسيواس.\rثم خرج من الروم سنة خمس وثمانين فقدم دمشق وولي بها مشيخة الشيوخ، ودرس بها بالظاهرية الجوانية والأتابكية والرواحية والدولعية، وانتصب للإفتاء والإقراء في الأصول والمعقول والتصنيف، وانتُفع بتلاميذه وتصانيفه إلا أنَّ خطَّه في غاية الرداءة.\rوأخذ عنه ابن المرحِّل وابن الفخر المصري وخلق.\rولما عُقِد مجلسٌ لابن تيمية عُيِّنَ الشيخ صفي الدين لمناظرته، فلما وقع الكلام قال له الصفي: أنت عصفور تطير من ها هنا وها هنا.\rوقال السبكي: كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وأدراهم بأسراره، متضلعاً بالأصلين.\rوقال الإسنوي: كان فقيهاً أصولياً متكلماً أدبياً متعبداً.\rتوفي بدمشق سنة خمس عشرة وسبعمائة عن إحدى وسبعين سنة، ودفن بمقبرة الصوفية.\rومن تصانيفه في علم الكلام وفي أصول الفقه: النهاية والرسالة السيفية، وكل مصنفاته جامعة لا سيما النهاية.","part":1,"page":1},{"id":3,"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\rوما توفيقي إلا بالله\rالحمد لله الجليل جنابه، المنيع حجابه، الباهر برهانه، الظاهر أنواره وآثاره، الباطن حقيقته وأسراره، السديد مقاله، الشديد محاله، العزيز ثوابه، الجزيل نواله، الذي شرح صدور أهل السنة والجماعة بأنوار اليقين، وهداهم بتوفيقه إلى السبيل المستبين، وآثرهم بالاستدلال بالحجج والبراهين، والتمسك بالحبل المتين، حتى جمعوا مقتضى بيِّن العقول، والشرع المنقول.\rوخصهم بالدعوة إلى أركان الدين، وأحال بينهم وبين شبه الزائغين، وجنبهم عن بدع المبتدعين وضلال الملحدين، ووفقهم للاقتداء بسيد المرسلين، واقتفاء آثار الصحابة والتابعين، فلا جرم سموا بأهل السنة والجماعة، أيدهم الله بالنصر على الضالين المضلين، وأعلى كلمتهم على العالمين، ووفق خلائقه للانتماء إليهم إلى يوم الدين.\rوالصلاة والسلام على رسله الكرام المؤيدين بالمعجزات والملائكة المقربين، خصوصاً على مولانا وسيدنا وشافعنا المشفع فينا، خاتم الأنبياء والمرسلين، محمد رسول رب السموات والأرضين / وعلى آله وأصحابه والتابعين له إلى يوم الدين.\rأما بعد،،،\rفهذه الرسالة مشتملة على تسعين مسألة من مسائل أصول الدين، ألفتها لما رأيت طلبة أهل الشام المحروس مقبلين على تحصيل هذا الفن، بعد ما جرى من الفتنة المشهورة بين أهل السنة والجماعة، وبين بعض الحنابلة (1)\r__________\r(1) والذي بدأ في إثارة هذه الفتنة هو ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الذي تعاظم شأن أتباعه في هذا الزمان حتى وصفوه زوراً وبهتاناً بأنه شيخ للإسلام، وقد أثار هذه الفتن بدعوى التمسك بعقيدة السلف الصالح، وهم براء مما يدعو إليه، وقد اغتر بهذه الفتن بعض العوام، ولكن كان العلماء له بالمرصاد، ولكن في هذه الأيام والسنون لم يقم بالواجب في تبيين معتقد هذا الرجل إلا قليل من المخلصين، ولكن صوتهم لم يصل إلى كثير من الناس لعموم الجهل في هذا الزمان، والله المستعان.\rوإذا أردت الاستزادة في معرفة حقيقة ابن تيمية وعقائده، فانظر: الكاشف الصغير عن معتقد ابن تيمية، لعلامة الوقت الأستاذ سعيد فودة، وكتاب ابن تيمية ليس سلفياً للأستاذ منصور محمد محمد عويس رحمه الله، وتعليقات الإمام الكوثري على السيف الصقيل للإمام السبكي.\r.","part":1,"page":2},{"id":4,"text":"وسميتها بـ ( الرسالة التسعينية في الأصول الدينية ).\rورمتُ فيها الإيجاز والاختصار، لما أن الهمم إليه مائلة، وعن المبسوطات حائدة، وهي إن شاء الله تعالى جامعة لمقصودي الحفظ والبحث.\rوأسأل الله تعالى التوفيق على حسن إيرادها، والمعونة على إتمامها، وهو نعم الوكيل، وإليه المرجع وعليه التعويل.\rوقبل الخوض في المقصود لا بد من تقديم مقدمات:\rالأولى:\rإدراك الذات من غير اعتبار حكمٍ عليه وبه تصوُّرٌ،\rومعه تصديق\rوإنما قلنا: من غير اعتبار، ولم نقل: من غير حكم، ليتناول التصور الذي معه الحكم والذي لا يكون معه الحكم.\rوالعبارة الثانية لا تتناولهما.\rوالتصور الذي لا يكون معه الحكم هو التصور الساذج، وهو معاند للتصور الذي يكون معه / الحكم المسمى بالتصديق، وهما المرادان من قولهم: العلم إما تصور وإما تصديق.\rلأن كلمة ( إما ) للعناد، ولا معاندة بين التصور والتصديق، لأنه شطره أو شرطه إن جُعلت المنفصلة مانعة الجمع والخلو، وإن جعلت مانعة الخلو أو مانعة الجمع فتصديق على العبارة الأخرى.\rأما مانعة الخلو فظاهر، وأما مانعة الجمع فباعتبار صدقهما على موضوع واحد، أي لا يصدق على التصديق الذي هو عبارة عن إدراك الذات مع اعتبار الحكم أنه التصور ولا عكسه.\rثم المراد من العلم في قولنا: العلم إما تصور أو تصديق، العلم اللغوي الذي هو بمعنى الشعري دون الاصطلاحي، فإنه لا يصح تقسيمه إليهما، لاعتبار الحكم فيه مع أمور أخرى.","part":1,"page":3},{"id":5,"text":"ثم التصديقات والتصورات ليست بأسرها بديهية، وهو بديهي، ولا كسبية، وإلا لدار وتسلسل، وهما ممتنعان، بل البعض من كلٍّ بديهي وكسبي، فالتصور البديهي كتصور معنى اسم الوجود والعدم، والألم واللذة، والكسبي كتصور معنى الروح والملك، والتصديق الكسبي كقولنا: الإله واحد، والعالم حادث، والبديهي كقولنا: النفي والإثبات / لا يجتمعان ولا يرتفعان، وغيره من البديهيات كقولنا: الكل أعظم من الجزء، والأشياء المساوية لشيء واحد متساوية، وأن الجسم الواحد في آن واحد لا يكون في مكانيين متفرع عليه.\rثم التصديقات أقسام:\rالأول: الجازم الغير المطابق، وهو الجهل المركب.\rالثاني: الجازم المطابق لا لموجب، وهو اعتقاد المقلد.\rوالثالث: الجازم المطابق لموجب، وهو العلم.\rثم الموجب إما عقلي وإما حسي وإما مركب منهما.\rوالأول إن كفى تصور طرفي القضية في ثبوت الجزم به فهو البديهي، وإلا فهو الكسبي ومجرد.\rالثاني: هو العلم بالمحسوسات.\rوالثالث: إن كان ذلك الحس هو السمع فهو المتواترات، وإلا فهو المجربات والحدسيات.\rوالرابع: غير الجازم المتساوي الطرفين الشك، وغيره الراجح هو الظن، والمرجوح هو الوهم.","part":1,"page":4},{"id":6,"text":"المقدمة الثانية:\rاختلفوا في أول الواجبات، فقيل: هو معرفة الله تعالى، وقيل: هو النظر المفيد للمعرفة، وقيل: هو القصد إلى النظر، والخلاف لفظي، لأنه إن أريد بأول الواجبات ما يجب مقصوداً بالذات فلا شك أنه القصد، وإن أريد به السبب / المفيد لما هو المقصود بالذات فلا شك أنه النظر المفيد للمعرفة.\rثم النظر واجب سمعاً، وقالت المعتزلة وبعض الفقهاء من الفريقين: عقلاً.\rلنا: قوله تعالى: ?وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً?، وقوله تعالى: ?لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل?.\rووجه الاستدلال به ظاهر.\rاستدل على وجوبه من جهة السمع بأن معرفة الله تعالى واجبة إجماعاً، ولا يمكن تحصيلها بالنظر، وما يتوقف عليه الواجب المطلق وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب، وفيه كلام، فالأولى التمسك بالنصوص كقوله تعالى: ?أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض? ?أفلم ينظروا?، وكقوله عليه الصلاة والسلام: ?تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله?.\rواحتجوا بأنه لو لم يجب إلا بالشرع الذي لا يعلم صحته إلا بالنظر في المعجزة، فللمكلف أن يقول: لا أنظر ما لم يجب عليَّ النظر، ولا يجب إلا بنظري.\rوأما لا أنظر حتى لا يجب علي وهو إفحام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو ممتنع.\rوجوابه: منع أنه لا يجب إلا بالنظر، وهذا لأن وجوب الشيء لا يتوقف على العلم بوجوبه، وإلا لزم الدور، بل على التمكن من تحصيل العلم به / وأنه حاصل، ثم إنه عناد لا إفحام، ثم إنه لازم عليكم لأن وجوبه عندكم نظري، فللمكلف أن يقول ذلك، والجواب واحد.\rثم النظر مفيد للعلم خلافاً للسمنية، وقيل: في العدديات والهندسيات، دون غيرهما.\rلنا: أن مَنْ سلَّم أن العالم متغير، وكل متغير حادث، استحال أن لا يعلم أن العالم حادث، ولأن العلم بكونه غيرَ مفيد للعلم يقتضي أنه مفيدٌ له، لأن كونه غير مفيد له ليس بضروري لاختلاف العقلاء، بل الجمهور الأعظم على خلافه، فهو إذن نظري، فيكون إبطالاً للشيء بنفسه.\rواحتجوا: بأن العلم الحاصل عقيبه ليس بضروري لاختلاف العقلاء فيه، ولأنه قد ينكشف على خلافه، ولا نظري وإلا لافتقر إلى نظر آخر ولزم التسلسل.\rوجوابه: أنه ضروري بمعنى أنه [ من ] حصل له العلمان المذكوران على الترتيب المذكور اضطر إلى الجزم باللازم عنهما.\rسلمنا أنه ليس بضروري لكنه نظري، والتسلسل منقطع، لأن لزوم النتيجة عن المقدمتين إذا كان ضرورياً وكانتا ضروريتين ابتداء وبواسطته شأنها ذلك وعنده مقدمة أخرى ضرورية.\rثم العلم الحاصل عقيب النظر بالعادة، أي أجرى الله / عادته بخلقه عقيبه.","part":1,"page":5},{"id":7,"text":"وقالت المعتزلة بالتولد، واختار الإمام مذهب القاضي أبي بكر، وهو أنه بطريق الوجوب، لا على سبيل التولد.\rوالفرق بين ما اختاره وبين الأول أنه لا يجوز الانفكاك على الثاني، وعلى الأول يجوز، لجواز خرق العادة للمعجزة أو للكرامة.\rلنا: إنه ليس بطريق التولد، لأن العلم في نفسه ممكن، فيكون مقدوراً لله تعالى، فيمتنع وقوعه بغيره، وحينئذ يلزم أن لا يكون بخلق الله تعالى.\rثم استدل الإمام على عدم جواز الانفكاك بأن من علم أن العالم متغير، وكل متغير حادث، فمع حضورهما في ذهنه استحال أن لا يعم أن العالم حادث.\rواستدل على فساد التولد بأن العلم الحاصل عقيب التذكر ليس بطريق التولد إجماعاً، فكذا الحاصل عقيب النظر، وهو ضعيف، أما أولاً فلأنه قياس تمثيلي خال عن الجامع، وبتقدير أن يكون معه فلا يفيد إلا الظن، وأما ثانياً فللفرق، و هو أن التذكر ليس بقصد العبد واختياره، لأنه كثيراً ما يحصل من غير قصد منه، وكثيراً ما لا يحصل له وإن قصده، فيمتنع أن يكون من فعله، فإن منعتم هذا الفرق منعنا / (1)\r/ تعالى وصفاته، وباعتبار الأول يصح الجميع كقوله تعالى: ?رب العالمين? دون الثاني، إذ لا يتصور ضمه إلى مثليه أو مثله:\rوتحقيقه: الموجود من حيث هو هو إن لم يقبل العدم، فهو واجب الوجود، وهو الله تعالى، وإن قبله فهو ممكن الوجود، وهو إما متحيز إن قبل الإشارة الحسية بأنه هنا أو هناك، أو غير متحيز، وهو إما حال في المتحيز إن اختص به بحيث يكون الإشارة إلى أحدهما غير الإشارة إلى الآخر كاللون مع المتلون أو غير حال فيه، والأول إن قبل القسمة فهو الجسم، وإلا فهو الجوهر الفرد، فعلى هذا أقل ما يتركب عنه الجسم جزآن.\r__________\r(1) من هنا بدأ السقط في النسخة.","part":1,"page":6},{"id":8,"text":"وقالت المعتزلة: الجسم الطويل العريض العميق، فعلى هذا أقل ما يتركب عنه ثمانية أجزاء، والنزاع لفظي، والحال في المتحيز هو العرض، والذي لا يكون متحيزاً ولا حالاً في المتحيز أنكره معظم المتكلمين، محتجين بأنه لو وجد من الممكنات ما هذا شأنه لشارك الباري تعالى في هذه الصفة، ولزم اتحادها / في الماهية، ولزم أن يكون الواجب ممكناً، أو الممكن واجباً، وهو ضعيف، لأنه اشتراك في السلوب وهو لا يقتضي ما ذكروه، ولو سلم أنه اشتراك في الثبوت لم يلزم ذلك، نعم لو ثبت أنه اشتراك في الثبوت في أخص الصفات لزم ذلك، لكنه ممنوع، وأثبتته الباقون منهم والفلاسفة، وهو الجواهر الروحانية.\rواعلم أن من جملة الأعراض الكون، وهو حصول الجوهر في الحيز، وأنواعه أربعة:\rالحركة، وهو الحصول الأول في الحيز الثاني.\r[ و ] السكون، وهو الحصول الثاني في الحيز الأول.\rوالاجتماع، وهو حصول جوهرين بحيث لا يتخللهما ثالث.\rوالافتراق، وهو حصولهما بحيث يتخللهما ثالث.\rوالكون والكيانية بمعنى عند هؤلاء، و هو مذهب نفاة الأحوال، كما لا فرق عندهم بين العلم والعالمية.\rوذهب القاضي أبو بكر ومن تابعه من مثبتي الأحوال إلى أن الكون معنى في الجسم يوجب كون الجسم حاصلاً في الحيز فسموا ذلك المعنى بالكون علة للكائنية، وطردوا ذلك في جميع الأعراض، فقالوا: السوادية حالة بالسواد، وكذا العالمية حالة معللة بالعلم /.\rوإنما ذكرنا الكون هاهنا من جملة الأعراض لاحتياجنا إلى معرفة الحركة والسكون في هذه المسألة.\rوفسر المحدث بما يكون مسبوقاً بالغير أو بالعدم، والأول أعم من الثاني، نظراً إلى اللفظ، لأن الغير أعم من الغير الوجودي أو العدمي، لكن مرادهم منه أولهما.\rوالسبق والتقدم بمعنى، وهو على أقسام:\rالأول: التقدم بالعلية، كتقدم الجرح على الانجراح، والمضي على الضوء، وليس هو بالزمان، لامتناع تأخر الانكسار بالزمان على الكسر.","part":1,"page":7},{"id":9,"text":"وثانيها: التقدم بالذات، كتقدم الواحد على الاثنين، والفرق بينه وبين ما سبق أن الأول أخص من الثاني، وأنه لا يجوز وجود المتقدم في الأول بدون المتأخر، بخلاف الثاني لجواز وجود الواحد بدون الاثنين، وأنه يجوز أن يكون المتقدم في الثاني جزء من المتأخر، بخلاف الأول، فإنه لا يجوز أن يكون العلة جزء المعلول.\rوثالثها: التقدم بالشرف.\rورابعها: التقدم بالرتبة، إما حسية، كتقدم الإمام على المأموم، أو عقلية، كتقدم الجنس على النوع، إذا جعل المبدأ / الجنس الأعلى.\rوالفرق بينه وبين التقدم بالذات أنه لا يختلف بحسب الاعتبارات، وبالرتبة العقلية يختلف، فإنه إن جعل المبدأ النوع الأخير في صورة الارتقاء كان هو متقدماً بالرتبة على ما بعده، وأيضاً ما كان متقدماً بالذات كان متقدماً بالرتبة من غير عكس.\rوخامسها: التقدم بالزمان، كتقدم الأب على الابن.\rفقال الخصوم: ليس شيء منها مراداً لا في قولنا: ( العالم مسبوق بالغير )، لأن التقدم بالعلية وبالذات وبالرتبة العقلية إن فسرت على وجه يليق ثبوتها لله تعالى، وبالشرف ثابت لله تعالى وفاقاً، والتقدم بالرتبة الحسية منتفية وفاقاً، والتقدم بالزمان يقتضي قدم الزمان، ولا في قولنا: العالم مسبوق بالعدم، لأن التقدم بالعلية والشرف والرتبة الحسية منتفية وفاقاً، وبالذات ثابت وفاقاً، وبالزمان يقتضي قدم الزمان.\rولزم منه قدم الحركة، لأنه من لواحقها، ولزم منه قدم الجسم، لأنها من لواحقه.\rوقال أهل الحق: هاهنا نوع آخر من التقدم، وهو المسمى بالتقدم بالوجود /.\rوهو أن يكون للمتقدم وجود، وليس للمتأخر معه وجود مع عدم الزمان، كتقدم بعض أجزاء الزمان على البعض، فإنه لا يجوز أن يكون ذلك بالزمان، وإلا لزم أن يكون الزمان زمانياً، ولزم التسلسل، فلم لا يجوز أن يكون مثل هذا التقدم ثابتاً لله تعالى على وجود العالم، هو المعتبر في قوله عليه الصلاة والسلام: ?كان الله ولم يكن معه شيء?.","part":1,"page":8},{"id":10,"text":"وما يقال أنه لا بداية لصحة وجود العالم، ولا بداية لصحة تأثير المؤثر فيه، وإلا لزم انقلاب الشيء من الامتناع الذاتي إلى الإمكان، وهو ممتنع إذ لا تبقى ثقة بحكم العقل لجواز الجائزات وامتناع الممتنعات، وحينئذ يصح وجود العالم في الأزل فيبطل قول من يقول: إنه يمتنع وجود العالم في الأزل بغير مقيد للمقصود، إذ لا يلزم من أزلية إمكان العالم إمكان أزلية العالم، لأن الحادث بشرط كونه مسبوقاً بالعدم لا بداية لصحة إمكانه ولا بداية لصحة تأثير المؤثر فيه مع ما ذكرتم أن أزليته ليست بممكنة / فإن المسبوق بالعدم يمتنع أن يكون أزلياً.\rويمكن أن يجاب عنه بأنا لا نسلم أن امتناعه ذاتي، بل هو بسبب الأزلية، ولا يمتنع الانقلاب من الامتناع الغير الذاتي إلى الإمكان، وإذا عرف ذلك فلا بد من بيان مذاهب الناس فيه، فنقول:\rمذهب جميع المليين من المسلمين واليهود والنصارى والمجوس أن العالم بجميع ما فيه من العقول والنفوس والجواهر والأجسام بموادها وصورها والأعراض حادث.\rوهو مذهب جميع الحكماء المتقدمين.\rوذهب أرسطو وأتباعه إلى أن العقول والنفوس والأجسام العلوية بموادها وصورها أزلية، غير أن كل حركة منها مسبوقة بحركة أخرى لا إلى أول.\rوأما العنصريات فهي قديمة بموادها، وكل واحدة من صورها وأعراضها مسبوق بآخر لا إلى أول، وقيل: إنها قديمة بذواتها محدثة بصفاتها، فقيل: تلك الذوات لم تكن جسماً، وقيل به فقيل: أصل الأجسام النار، وتكونت الثلاثة / الباقية بالتكاثف، وقيل: الأرض وتكونت الثلاثة الباقية بالتلطف، وقيل: الهواء وتكونت الكثيفتان بالتكاثف وتكونت النار بالتلطف، وقيل: الماء ثم تحرك، فأوجبت حركته سخونة فتصاعد على وجهه بسببها زبد وارتفع منه بخار دخاني، فتكونت السموات منه ومن الزبد الأرض، وقيل: البخار وتكونت اللطيفتان بالتلطف والكثيفان بالتكاثف.","part":1,"page":9},{"id":11,"text":"وأما الذين قالوا: أصلها ليس بجسم فمنهم من قال: الأجسام مركبة من الهيولى والصورة، وهو مذهب الفلاسفة، وقيل: الوحدات المجردة وهي إذا عرضت لها الإشارة والوضع صارت نقطة وتركب الخط من نقطتين، وتركب السطح من خطين والجسم من سطحين، وقيل: أصل العالم النور والظلمة، و هما قديمان، ومن امتزاجهما حدث العالم، وقيل: بالتوقف في المذاهب المتقدمة، وهو قول جالينوس.\rثم الدليل على حدوث العالم وجوه:\rالأول: لو كانت الأجسام أزلية لكانت متحركة أو ساكنة، لأنها لا بد وأن تكون حاصلة في الحيز، فإن بقيت فيه فهي ساكنة / وإلا فهي متحركة، لا جائز أن تكون متحركة، لأن ماهية الحركة تقتضي المسبوقية بالغير، لكونها مركبة من أجزاء سابقة وأجزاء لاحقة، وهذا المفهوم لا يتقرر إلا بالمسبوقية بالغير والأزلية تنفيها، فالجمع بينها محال.\rفإن قلتَ: الأزلي الحركة الكلية، بمعنى أن كل فرد منها مسبوق بآخر، لا إلى أول لأفرادها الموجودة التي تقتضي المسبوقية بالغير.\rقلتُ: فحينئذ ما هو المحكوم عليه بالأزلي غير موجود في الخارج، لامتناع وجود الحركة الكلية في الخارج، وما هو موجود منها في الخارج فهو ليس بأزلي.\rالثاني: إن لم يكن شيء منها حاضراً في الأول أو حصل ولم يكن مسبوقاً بحركة أخرى، ولكلها أول، وإن كان مسبوقاً بحركة أخرى كان الأزلي مسبوقاً بالغير.\rفإن قلتَ: ليس شيء من الحركات الجزئية أزلياً، إنما الأزلي الحركة الكلية بتعاقب أفرادها الجزئية، فلم يلزم أن يكون لكل الحركات أول.\rقلتُ: فحينئذ ليس شيء من الحركات حاصلاً في الأزل، إذ لو حصل لامتنع زواله، وما هذا شأنه يمتنع أن يكون أزلياً.\rالثالث: / (1)\r__________\r(1) هنا الموضع الآخر من السقط.","part":1,"page":10},{"id":12,"text":"أن المذهب فساد ما لزمه من نفي جميع ما يعتبر في واجب الوجود من الصفات القديمة بالبراهين اليقينية من أنه يجب أن يكون واحداً في ذاته فرداً في حقيقته، لا مثل له ولا شبيه، منزه عن الحركة والسكون، وإليه الرجعة والركون، لا جسم ولا جوهر ولا عرض ولا متغير ولا محل للمتغيرات وغيرها من صفات واجب الوجود.\rثم إنها مع ذلك مسخرة بالحركات الدورية، إما لا لغرض بل بمقتضى الطبيعة، أو لغرض تحصيل المولدات الثلاثة، وكل ذلك مما يمتنع على واجب الوجود قطعاً.\rوبالجملة ففساده يكاد أن يعلم بالضرورة.\rوقبل الخوض في تقرير البراهين الدالة عليه لا بد من بيان ما هو علة الحاجة إلى المؤثر وبيان بطلان الدور والتسلسل، وبيان أن احتياج الممكن المحدث إلى المؤثر الضروري أو نظري.\rأما الأول: فذهب كثير من المتكلمين إلى أن علة الحاجة إلى المؤثر هي الحدوث، وذهب بعضهم إلى أنها هي المجموع المركب من الحدوث والإمكان، وذهب بعضهم إلى أنها هي الإمكان بشرط الحدوث.\rوذهبت / الفلاسفة إلى أنها هي الإمكان، وعلى هذا ينبني افتقار القديم الممكن وافتقار الباقي في حال بقائه إلى المؤثر.\rفمن قال: الحدوث علة الحاجة أو شطرها لم يجوز ذلك.\rومن قال: إنها هي الإمكان جوز ذلك، إذ الممكن يجوز أن يكون قديماً عندهم مع افتقاره إلى العلة، ولهذا قالوا بقدم العالم مع افتقاره إلى المؤثر.\rأما المتكلمون لما لم يروا ذلك لم يجوزوا افتقار القديم إلى المؤثر، وبهذا الاعتبار سموا الفلاسفة بالدهرية، أي يلزمهم القول بذلك من حيث إن علة الحاجة هي الحدوث عندهم، وهي غير حاصلة في القديم، فيمتنع افتقاره إلى المؤثر، فإذا قالوا: بقدم العالم لزمهم القول بنفي الصانع.\rواحتج من قال: الإمكان علة الحاجة بأن الحدوث ليس علة ولا معتبراً في العلية، لأنه كيفية الوجود الحادث، فيكون متأخراً عنه، وهو مؤخر عن تأثير المؤثر فيه، وهو متأخر عن الحاجة إليه، وهو متأخر عن علة الحاجة إليه.","part":1,"page":11},{"id":13,"text":"فلو كان الحدوث علة أو شرطها لزم تقدم الشيء على نفسه بمراتب.\rوأجيب عنه: أن المعنى من كونه علة أنه لو وقع ذلك الشيء لوقع / حادثاً، وهذه الحيثية متقدمة على وجوده فلم يلزم ما ذكرتم من المحذور.\rواحتج من قال: الحدوث هو العلة أو هو معتبر فيها، بأن الإمكان لو كان وحده علة الحاجة لافتقر العدم الممكن إلى المؤثر، فتكون الأعدام الأزلية مفتقرة إلى المؤثر، وهو ممتنع لأن التأثير يستدعي أثراً، والأعدام الأزلية نفي محض، فيمتنع أن يكون أثراً.\rوأجيب بأن علة العدم عدم العلة، وفيه أن العدم علة، وإن كان ذلك بالنسبة إلى العدم وهو ممتنع، لأن العلية ثبوتية، فيمتنع قيامها بالمعدوم، ولأنه لا فرق في العقليات بين أن تكون علة للعدم أو للوجود، أو لا بد من التأثير، وهو في العدم المحض والنفي الصرف محال، وحينئذ يلزم انسداد باب إثبات العلم بالصانع، ولأن ما يدل على أن الشيء حال البقاء غير مفتقر إلى المؤثر يدل على أن الإمكان وحده لا يكون علة الحاجة.\rوأما بطلان الدور، فلأن الأثر إذا أثر في مؤثره أو في مؤثر مؤثره بمرتبة أو بمراتب لزم تقدم الشيء على نفسه بمرتبتين أو بمراتب ضرورة أن العلة متقدمة على المعلول ولزم افتقار الشيء إلى نفسه / ضرورة أن الأثر مفتقر إلى المؤثر، وأن المفتقر إلى المفتقر إلى الشيء مفتقر إليه، ولزم أن يكون الشيء الواحد واجباً وممكناً باعتبار واحد، لأن المؤثر واجب بالنسبة إلى الأثر وهو ممكن بالنسبة إليه، ولو كان الشيء الواحد أثراً ومؤثراً بالنسبة إلى نفسه لزم أن يكون الشيء الواحد واجباً وممكناً باعتبار واحد وهو محال.\rوأما بطلان التسلسل فالدليل عليه مبني على أن العلة يجب أن تكون حاصلة عند وجود المعلول، والدليل عليه أنه لو لم يكن كذلك لكان عند حصول العلة لا معلول، وعند حصوله لا علة، فلم يكن وجود المعلول لوجود علته.\rإذا عرف ذلك فنقول:","part":1,"page":12},{"id":14,"text":"لو تسلسلت الأسباب والمسببات لا إلى نهاية لوجدت تلك الأسباب والمسببات الغير متناهية معاً بناء على ما سبق.\rفنقول: مجموع تلك الأسباب والمسببات ممكن، ضرورة افتقاره إلى آحاده الممكنة، والمفتقر إلى الممكن ممكن، فذلك المجموع ممكن بحسب المجموع وبحسب آحاده، وكل ممكن فله مؤثر، فكذلك المجموع مؤثر وهو مغاير لنفسه ولآحاده / والمغاير لمجموع الممكنات والآحاد لا يكون ممكناً، بل واجباً، فيكون لمجموع الممكنات ولآحادها مؤثر واجب الوجود.\rوأيضاً لما ثبت أنه لا بد وأن يكون لذلك المجموع مؤثراً فالمؤثر في ذلك المجموع ليس هو نفسه، لامتناع كون الشيء مؤثراً في نفسه، ولأجزاء من أجزائه، لأنه إن كان مؤثراً فيه وفي جميع أجزائه لزم أن يكون مؤثراً في نفسه أو في سائر أجزائه غير نفسه، فلذلك الجزء مؤثر ضرورة أنه ممكن، وذلك المؤثر يجب أن لا يكون ممكناً، لأن الخارج عن جميع الممكنات لا يكون ممكناً، بل واجباً، ولا خارجاً عنه وهو ممكن لامتناع أن يكون الخارج عن جميع الممكنات ممكناً، بل يجب أن يكون واجباً، وحينئذ ينقطع التسلسل.\rوبهذا التقدير يعرف سقوط النقض بالسلسلة المأخوذة من جميع الموجودات.\rوأما بيان أن احتياج الممكن والمحدث إلى المرجح، والمحدث ضروري أو نظري، فاعلم أن الجمهور على أنه ضروري، وهو الحق، فإن العقلاء كلهم إذا حدث أمر طلبوا سبباً ويقطعون بوجود سببه، بل الصبيان، فإن الصبي لو لطم / وقيل: إنه حدث لا لفاعل لم يصدق البتة، بل هو مركون في فطرة البهائم، فإن البهيمة إذا سمعت بصوت الخشبة عدت وما ذاك إلا لأنها لم تجوز حدوثه بدونها.\rومن الناس من قال: إنه نظري، وأجود ما قيل فيه أن الممكن المساوي ما لم يترجح وجوده يمتنع أن يوجد، فذلك الرجحان لا بد له من محل، ضرورة أنه ليس جوهراً قائماً بنفسه، ومحله يمتنع أن يكون هو الوجود المسبوق، فهو إذن شيء آخر يلزم من وجوده وجوده، وهو المؤثر.","part":1,"page":13},{"id":15,"text":"وأورد بأن ذلك لا يقتضي ترجيح سابق على الوجود، وهذا لأن مثل هذه العبارة تصدق في المتلازمين والمتضايفين مع امتناع سبق أحدهما على الآخر، والمرجح المقارن لا يمتنع قيامه بذلك الموجود كما قيل في قيام الموجود بالماهية.\rثم الذي يدل عليه أن ترجيح الوجود صفة الوجود فيمتنع قيامه بغيره.\rولو قيل: الماهية مقتضية للاستواء، فلو حصل الرجحان لاجتمع النقيضان، وأضعف لأن حصول الرجحان لا لسبب لا يناقض الاستواء الذي هو مقتضى الماهية /\rوضعف ما ذكر عليه من الدليل يؤذن أن العلم به ضروري.\rإذا عرف ذلك فنقول: الاستدلال على وجود الصانع سبحانه إما بإمكان الذوات، أو بإمكان الصفات، أو بحدوث الذوات أو بحدوث الصفات، فهذه طرق أربعة:\rالأول: الاستدلال بإمكان الذوات، فنقول:\rلا شك في وجود ذوات وماهيات، فإن كان شيء منها لا يقبل العدم من حيث هو هو فقد ثبت القول بواجب الوجود، وإن لم يكن شيء منها كذلك فكلها ممكنة، فلها مؤثر، ثم ذلك المؤثر إن كان واجباً فهو المطلوب، وإلا فله مؤثر، والكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم إما الدور أو التسلسل، وهما ممتنعان، فيلزم الانتهاء إلى واجب الوجود.\rالثاني: الاستدلال بإمكان الصفات\rوتقريره: أن الأجسام متماثلة في الجسمية لصحة تقسيمها إلى الفلكي والعنصري واللطيف والكثيف، ومورد التقسيم مشترك، فيصح على كل واحد منها ما صح على الآخر، فامتياز كل واحد منها بصفاته للخصوصية مع إمكان اتصافه بغيرها، إن كان لا مؤثر فقد وقع / الممكن لا عن مرجح، أو لمؤثر هو جسم أو جسماني أو غيرهما من الممكنات الروحانية، فدور أو تسلسل، لأن الكلام فيه كالكلام في الأول، فتعين أنه يكون لواجب الوجود، وهو المطلوب.\rفإن قلتَ: لعل تعين كل فرد منها شرط قبول تلك الصفات المعينة أو مانع من قبول غيرها.\rقلتُ: التعين ليس ثبوتياً دفعاً للتسلسل، فلا يكون له مدخل في العلية.","part":1,"page":14},{"id":16,"text":"سلمناه، لكنه غير لازم للماهية، وإلا لامتنع وجود أفرادها، فهو إذن جائز الزوال، فما هو التابع له أيضاً كذلك وحينئذ يعود ما ذكرنا من التقدير.\rالثالث: الاستدلال بحدوث الذوات\rوتقريره أن الأجسام والجواهر محدثة بناءً على ما ثبت أن العالم محدث، وإن لم يبن على ذلك فنقول ذلك بناء على ما يشاهد من حدوث بعض للأجسام المخصوص، فإن حدوث جسميته المخصوصة لا يمكن إنكاره، وكلُّ محدَثٍ فله محدِثٌ، والعلم به ضروري، ومن أنكره فقد خرج عن غريزة العقل.\rوأما الذين قالوا: إن العلم به نظري واستدلوا عليه بأنا موجودون لأفعالنا، وإنما افتقرت إلينا / لحدوثها، وأنه شامل لكل المحدثات، فضعفه بيِّن غير خاف.\rثم ذلك المحدث يجب أن لا يكون محدثاً وممكناً، قطعاً للدور والتسلسل.\rالرابع: الاستدلال بحدوث الصفات\rوهو منحصر في دلائل الأنفس والآفاق، أما الأول فهو الاستدلال بتكون الإنسان من النطفة، فإنها إن كانت متشابهة الأجزاء في الحقيقة كما هي في الحس وتأثير الرحم وسائر الكواكب بالنسبة إليها واحد، وجب أن يكون الإنسان على شكل الكرة، لأن الفاعل إذا كان واحداً والقابل متشابه الأجزاء، كان الأثر متشابهاً، والشكل الذي هذا شأنه ليس إلا الكرة، ولهذا اتفقت الفلاسفة على أن الشكل الطبيعي البسيط الكرة.\rوإن لم يكن متشابه الأجزاء كما يقوله الأطباء أن عند استيلاء حرارة الشهوة ينفصل عن كل عضو جزءٌ من المني مخالف في الحقيقة والطبيعة للجزء الآخر يتولد مثل ذلك العضو من الذائب في الجنين، وكل مركب لا بد وأن ينحل إلى البسائط فكان يجب أن يتكون الإنسان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى البعض، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه بتخليق الإله القادر / الحكيم سبحانه وتعالى.\rوعن هذا المعنى عبر الله تعالى عنه في كتابه العزيز بقوله تعالى: ?ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون ويل يومئذ للمكذبين?.","part":1,"page":15},{"id":17,"text":"وأما دلائل الآفاق فبعضها علوية كالاستدلال بخلق السموات والكواكب وأحوالها والعجائب والغرائب التي فيها على ما هي مذكورة في كتب الهيئة، وبعضها سفلية كالاستدلال بالآثار العلوية نحو السحاب والمطر والرعد والبرق.\rوالاستدلال بخلق المعادن والنبات والحيوانات، وقد جمعها الله تعالى في قوله: ?إن في خلق السموات والأرض..? الآية.\rوالاستقصاء في هذه الدلائل غير لائق بالمختصرات.\rالمسألة السادسة\rفي أنه تعالى أزلي وأبدي\rلأنه ثبت أنه واجب الوجود، وهو لا يقبل العدم.\rوما هذا شأنه فهو أزلي وأبدي قطعاً، وهذا إذا استدل على إثبات العلم به بطريقة الإمكان، فإن استدل عليه بطريقة الحدوث لزم منه أن يكون قديماً، وهو يجب أن يكون أزلياً لأنه لا ابتداء / لوجوده، ولا معنى للأزلي إلا ذلك، ويلزم منه أن يكون أبدياً، لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه.\rلا يقال: لو كان أزلياً لكان متقدماً على المحدثات بمقدار غير متناه، وإلا لكان حادثاً، لأن المتقدم على المحدث بمقدار متناه محدث، لكنه محال.\rأما أولاً، فلأنه يتوقف حينئذ وجود المحدثات على انقضاء ما لا نهاية له وهو ممتنع.\rوأما ثانياً فلأن المنقضي من الطوفان إلى الأزل أقل من المنقضي من زماننا إلى الأزل، وما كان أقل من غيره فهو متناه، والزائد عليه بمقدار متناه متناه.\rولأن كونه أزلياً أبدياً يتوقف على تحقيق معنى الأزل والأبد، لكن مفهومهما غير متحقق، لأنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، وكل أمرين هذا شأنهما فإن آخر أحدهما متصل بأول الآخر، لكن اتصال الأبد بالأزل محال، لأن ما من نقطة تفرض وهي آخر الأزل وأول الأبد إلا ويمكن أن تفرض قبلها نقطة أخرى بمائة سنة، وحينئذ يلزم أن يصير الشيء بتقدم مائة سنة أزلياً، وهو محال، لأنا لا نسلم / أن تقدمه على المحدثات بمقدار غير متناه محال، ولا نسلم أن وجودها حينئذ يتوقف على انقضاء ما لانهاية له، بل على انقضاء ما لا بداية له، ولا نسلم امتناعه.","part":1,"page":16},{"id":18,"text":"وعن الثاني: لا نسلم أن كل ما كان أقل من غيره فهو متناه، وهذا لأن مقدورات الله تعالى أقل من معلوماته، وتضعيف الألف مراراً غير متناه، أقل من تضعيف الألفين كذلك، مع أن كل واحد منهما غير متناه.\rوعن الثاني من أصل الدليلين: الأزلية عبارة عن نفي الأولية، ومعلوم أن ما ذكرتم لا ينفيه، فلا يكون قادحاً في مفهومه، ثم هو لازم على الكل، لأن القول بسبقٍ لا أول له لازم على كل مذهب، والجواب واحد.\rالمسألة السابعة\rفي خواص واجب الوجود سبحانه وتعالى\rوهو أمور:\rالأول: الشيء الواحد لا يكون واجب الوجود لذاته ولغيره معاً، لامتناع اجتماع النقيضين.\rالثاني: أنه غير مركب، لامتناع اجتماع النقيضين، لأن كل مركب ممكن، لافتقاره إلى جزئه.\rالثالث: أنه لا يكون جزءاً لغيره، لأن كل ما يتركب من جزأين فصاعداً فلا بد / وأن يكون بينهما استلزام من الجانبين، كما في المتساويين، كالفصلين والعلة مع المعلول، أو عموم وخصوص مطلقاً كالجنس مع الفصل، أو من وجه دون وجه كما في الماهية الاعتبارية، وإن لم يكن بينهما شيء من ذلك كان اجتماعهما لمنفصل، وإن لم يكن بين الجزأين شيء من ذلك لم تلتئم منهما حقيقة واحدة، لكن ليس بين واجب الوجود سبحانه وغيره شيء من هذه المناسبات، فلا يكون جزءاً لغيره.\rالرابع: الواجب لذاته لا يكون وجوده زائداً على ماهيته، وهذا على رأي من يرى أن وجوده عين الماهية، وأما على رأي من يرى أنه زائد على الماهية فلا يكون ذلك من خواصه.\rالخامس: الواجب لذاته لا يكون وجوبه زائداً عليه، إذ لو كان فإما أن يكون مستتبعاً للوجود، وهو باطل، وإلا لكان الفرع أصلاً والأصل فرعاً أو تابعاً، فيلزم أن يكون متمكناً، لأن كل تابع ممكن لذاته ضرورة أن وجوده بطريق التبعية، فيكون الوجوب لذات ممكناً بالذات، هذا خلف، ولا يحتاج إلى قوله، فالواجب أولى أن يكون ممكناً لذاته /، لأن الخلف لزم من الأول، فلا حاجة إلى غيره.","part":1,"page":17},{"id":19,"text":"ثم هذا فيه نظر، لأنا لا نسلم أنه يلزم منه أن يكون الواجب ممكناً فضلاً عن أن يكون ذلك بطريق الأولوية، وهذا لأنه لا معنى للواجب إلا ما قام به الوجوب، سواء كان ذلك الوجوب ممكناً أو لا يكون.\rالسادس: الوجوب بالذات لا يكون مشتركاً فيه بين اثنتين، وهو مبني على أنه ثبوتي.\rوالدليل عليه أنه لو كان متعدداً لتشاركا في الوجوب وتمايزا في التعين، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فإن لم يكن بينهما ملازمة كان اجتماعهما معلول علة منفصلة، فيكون الواجب معلولاً، هذا خلف.\rوإن كان بينهما ملازمة فإن استلزمت الهوية الوجوب كان الوجوب معلولاً، هذا خلف، أو بالعكس، وكل واجب هو، فما ليس هو ليس بواجب.\rالسابع: إطلاق الواجب على الواجب لذاته ولغيره بالاشتراك اللفظي وإلا لزم أن يكون الواجب لذاته مركباً مما به الاشتراك، إن كان غنياً عن الغير لم يكن تمام ماهية الواجب بالغير عارضاً للغير، ضرورة استغناء أحد أجزائه عن الغير حينئذ / وامتناع أن يكون الغنى عن الشيء عارضاً له، وإلا لم يكن تمام ماهية الوجوب بالذات غنياً عن الغير افتقار أحد أجزائه إلى الغير، وافتقار تلك الماهية إلى جميع أجزائه، والمحتاج إلى المحتاج إلى الشيء محتاج إلى ذلك الشيء، فيكون الواجب لذاته محتاجاً إلى الغير، هذا خلف.\rالثامن: الواجب لذاته لا يصح عليه العدم، وإلا اجتمع النقيضان.\rالتاسع: الواجب لذاته واجب لجميع صفاته الذاتية الحقيقية، ثبوتياً كان أو سلبياً.\rواحترز بالذاتية عن الصفات الفعلية، ككونه خالقاً ورازقاً، فإن قدمه وحدوثه مختلف فيه بين أهل السنة، فعلى تقدير حدوثه لا يكون واجباً لذاته.","part":1,"page":18},{"id":20,"text":"وبالحقيقية عن الإضافيات التي تتوقف على وجود الحوادث، ككونه تعالى قبل هذا الحادث المعين ومعه وبعده، ثم الذي يدل على ذلك أنه لو لم يكن كذلك لكان حصول تلك الصفة له يتوقف على حصول أمر آخر له، أو سلبه عنه، وذاته متوقفة على حصول تلك الصفة، بمعنى أنها لا توجد بدون تلك الصفة / ضرورة أنها من الصفات الذاتية، وامتناع حصول الشيء بدون صفاته الذاتية، وحينئذ يتوقف حصول الذات على ذلك الأمر الخارج، لأن المتوقف على المتوقف على الشيء متوقف على ذلك الشيء، والمتوقف على الغير، لا يكون واجب الوجود.\rالعاشر: الواجب لذاته يجوز أن تعرض له صفات تستلزمها ذاته، فيكون الوجوب الذاتي حصة الذات فقط، وسائر النعوت واجبة لوجود الذات، والوحدة حصة الذات من حيث هي هي، وإن كان الذات مع اعتبار الوحدة لا يبقى واحده.\rالمسألة الثامنة\rفي خواص الممكن\rوهي أمور:\rأولها: أنه لا يلزمه من فرض وجوده ولا من فرض عدمه محال.\rوثانيها: أن الممكن لا يكون أحد طرفيه أولى به، بل إما أن يكون متساوي الطرفين أو يتعين أحد طرفيه لوجود مرجحه، لأن تلك الأولوية إن منعت من طريان الطرف الآخر كانت تلك الأولوية معينة لأحد الطرفين، وإن لم يمنع فيمكن وجوده مرة وعدمه أخرى، واختصاص أحد الوقتين بوقوع أحدهما دون الآخر إن لم يتوقف على وجود مرجح آخر فقد / لزم وجود الممكن لا عن مرجح، لأن تلك الأولوية حاصلة في الوقتين، فكونه وجد في أحد الوقتين دون الآخر ترجيح من غير مرجح، وإن توقف لم تكن تلك الأولوية كافية في الرجحان، وقد فرضناه كذلك، هذا خلف.\rوأيضاً الكلام فيه كالكلام في الأول، والتسلسل باطل، فيلزم أن يتعين أحد طرفيه، أو الترجيح من غير مرجح، والأول هو المطلوب، والثاني ممتنع.\rوثالثها: أن الممكن لا يوجد ولا يعدم إلا بسبب منفصل، لأنه لما استوى طرفاه امتنع الترجيح من غير مرجح.","part":1,"page":19},{"id":21,"text":"لا يقال: العدم الأصلي لكونه أزلياً غير مفتقر إلى السبب، لأنا نمنع ذلك، وهذا لأن علة العدم عدم العلة.\rالمسألة التاسعة\rفي أن الباري تعالى موجود\rخلافاً للباطنية خذلهم الله تعالى، فإنهم قالوا: إنه ليس بموجود ولا معدوم.\rلنا: إنه ليس بمعدوم، أما أولاً فبالاتفاق، وأما ثانياً فلما بينا أنه واجب الوجود، وهو لا يكون معدوماً، وأما ثالثاً فلأنه موجد الممكنات، والمعدوم لا يكون موجداً، وأما رابعاً فلأنه لو كان معدوماً فإما أن يكون / ممتنعاً أو ممكناً، والأول باطل، لأنه أخس حالاً من المعدوم الممكن، والثاني كذلك لأنه حينئذ يفتقر إلى مرجح لما سبق، فيلزم التسلسل، وهو ممتنع، وإذا لم يكن معدوماً تعين أن يكون موجوداً ضرورة أنه لا واسطة بين الموجود والمعدوم.\rواحتجوا بأنه لو كان موجوداً لكان مشاركاً لسائر الموجودات في كونه موجوداً، فإن لم يخالفه بعد في شيء من الأمور لزم أن يصح عليه كل ما صح على سائر الموجودات من الحدوث والعدم وامتناع العدم، وإن خالفه في شيء من ذلك لزمه تركب مما به الاشتراك ومما به الامتياز، وكل مركب ممكن، فيكون واجب الوجود ممكناً، هذا خلف !!\rوجوابه: يمنع أن وجوده مشترك فيه، وهذا لأنه عين ماهيته.\rسلمنا أنه زائد على ماهيته لكن لا نسلم أنه يجوز عليه ما يجوز على سائر الموجودات، وهذا لأنه لا نزاع في أنه مخالف لغيره من الموجودات في كونه واجب الوجود، فلعل ذلك شرط لصحة حمل ما يحمل عليه ومانع لصحة حمل ما يحمل على غيره.\rسلمناه / لكن لا نسلم لزوم التركيب على تقرير امتيازه عن غيره في شيء من الأمور، وهذا إنما يلزم ذلك أن لو كان جزء الماهية، أما إذا كان عارضاً للمشترك فلا.\rواعلم أن النزاع في الملة لفظي، وإلا فنفي حقيقة الوجود عن واجب الوجود غير معقول، وكذا إثبات واسطة بين الموجود والمعدوم ممتنع.\rوالقضيتان بديهيتان، لا يتصور فيهما النزاع، بل ليس النزاع إلا في اللفظ.\rالمسألة العاشرة","part":1,"page":20},{"id":22,"text":"في أنه تعالى شيء لا كالأشياء\rخلافاً لجهم بن صفوان.\rلنا: إنه موجود، وكل موجود شيء، لأنه إما مرادف له، أو هو أعم من الموجود، ومتى صدق الخاص صدق العام، ولأن معنى الشيئية حاصل فيه، فوجب أن يكون شيئاً.\rولأن الكتاب العزيز دال على أنه شيء، قال الله تعالى: ?قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم?، وقوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه?، والأصل أن يكون الاستثناء من الجنس.\rواعلم أن النزاع في هذه المسألة أيضاً لفظي، فإن قلنا: إن أسامي الله تعالى قياسية فيسمى الله تعالى / شيئاً، لأن معناه حاصل وهو غير موهم للباطل، وإن قلنا: توقيفية، فأيضاً يسمى به لأنه قد ورد به الكتاب العزيز.\rوأما أنه ليس كالأشياء، فلأنا سنبين أنه ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض وحينئذ يلزم أن لا يكون كالأشياء، ولعله شبهة الخصم، فإن الأشياء منحصرة في هذه الثلاثة، والله تعالى ليس شيئاً منها، فلا يكون شيئاً.\rوجوابه النقض بأنه موجود، فإن الموجود منحصر في هذه الثلاثة، والله تعالى ليس هو شيئاً منها، فوجب أن لا يكون موجوداً، فإن منع حصر الموجود في هذه الثلاثة منع حصر الشيء فيها.\rالمسألة الحادية عشرة\rفي أنه تعالى ليس بجوهر\rخلافاً للفلاسفة والنصارى\rلنا: إنه لو كان جوهراً فإن لم يكن منقسماً لزم أن يكون الله تعالى مثل الجوهر الفرد في الحقارة، وقد أطبق العقلاء على امتناع وصف الله به،وإن كان منقسماً لزم أن يكون مركباً، وكل مركب ممكن، والواجب لا يكون ممكناً.\rالثاني: لو كان جوهراً لكان متحيزاً، ولكان متحركاً / أو ساكناً، ولكان قابلاً للأعراض المتعاقبة عليه، وحينئذ يلزم حدوثه، أو يكون محلاً للحوادث، لأن هذه اللوازم من لوازم الجواهر، وهو عليه تعالى ممتنع.","part":1,"page":21},{"id":23,"text":"وإن أريد بكونه جوهراً أنه موجود قائم بنفسه غير متحيز ولا متحرك ولا ساكن ولا قابل للأعراض المتعاقبة فلا نزاع في المعنى، لأنا لا نمنع أن يكون الباري تعالى جوهراً بهذا المعنى، لكن يبقى النزاع في إطلاق اللفظ عليه، فإنا لا نجوز إطلاقه بناء على أن أسامي الله تعالى توقيفية، ولم يرد به كتاب ولا سنة.\rولو سلم أنها قياسية فإنما نجوِّز إطلاق ما لا يوهم الباطل، وهذا يوهم لزوم ما سبق من اللوازم.\rالمسألة الثانية عشرة\rفي أنه تعالى ليس بجسم خلافاً للمجسمة والكرامية\rلكن بعضهم أخطأ في إطلاق اللفظ دون المعنى،كقول بعض الكرامية: معنى كونه جسماً أنه موجود وذات، فهذا صحيح لكنه أخطأ في الإطلاق وفي تفسيره، وكذا أخطأ في اللفظ وفي تفسيره.\rومن قال: معنى / كونه جسماً أنه قائم بنفسه، وإنما النزاع في المعنى واللفظ مع من أثبت له حقيقة الجسمية، فمنهم من قال: إنه مركب من لحم ودم، وهو مذهب مقاتل بن سليمان، ومنهم من قال: إنه على صورة نور عظيم يتلألأ طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ومنهم من قال: على صورة إنسان، فمنهم من قال: على صورة أمرد جعد قطط، وهذا قول مشبهة المسلمين، وقال مشبهة اليهود: إنه على صورة شيخ أشمط الرأس واللحية.\rثم اختلفوا في أنه هل يصح عليه الحركة والسكون والمجيء والذهاب ؟\rفأباه الكرامية، وأثبته آخرون.\rواتفقوا على أنه من جهة فوق، فمنهم من قال: إنه ملاق للعرش، ومنهم من قال: إنه مباين عنه ببعد متناه، وقيل: ببعد غير متناه، ولهم مثل هذه الكفريات شيء كبير.\rلنا: ما سبق في نفي كونه جوهراً، فإن ما دل على نفي الجوهرية دل على نفي الجسمية، لأن نفي العام نفي الخاص.\rالثاني: لو كان جسماً لكان متناه، ببرهان التطبيق والموازاة واللمى وكل متناه ممكن، لأن اختصاصه بذلك المقدار لا بد وأن يكون / بتخصيص مخصص، فيكون ممكناً، فيكون الواجب ممكناً، هذا خلف.","part":1,"page":22},{"id":24,"text":"الثالث: لو كان جسماً لكان مركباً قطعاً، وكل مركب ممكن، فيكون الواجب ممكناً، هذا خلف.\rالرابع: لو كان جسماً لكان مشاركاً لسائر الأجسام فيها، فإن امتاز عنها بشيء لزم تركبه مما به الاشتراك، ومما به الامتياز، وإن لم يمتاز عنها بشيء آخر لزم أن يصح عليه تعالى كل ما صح على الأجسام، وبالعكس.\rالخامس: لو جاز أن يكون جسماً لما جاز تعليل نفي الإلهية عن الشمس بكونها جسماً، لكنه معلل به، إذ لا طريق لنا إلى نفي الإلهية عنها إلا بثبوت الجسمية ولوازمها لها نحو التحيز وقبول الانقسام.\rالسادس: لو جاز أن يكون واجب الوجود جسماً لزم القول بالتعطيل، لأنه حينئذ لم يبق لنا طريق إلى إثبات العلم بالصانع، لجواز أن يقال حينئذ أن الأفلاك وما فيها من الكواكب واجبة الوجود بذواتها كما هو مذهب الدهرية وما تحتها من الحوادث فمستندة إليها، فيلزم التعطيل، وكفى بهذا المذهب فساداً أن يلزمه القول بالتعطيل.\rالسابع: / لو كان جسماً فلا بد وأن يكون منقسماً، لأن الانقسام من لوازمه، وحينئذ إن قام بكل واحدة من الأجزاء علم وقدرة وإرادة على حدة لزم تعدد الإلهية إذ لا معنى للإله إلا الموصوف بصفة الإلهية، وإن قام بمجموع تلك الأجزاء علم واحد وقدرة واحدة لزم قيام المعنى الواحد بمحلين مختلفين في وقت واحد، ويمتنع.\rلا يقال: هذا منتقض بما أن الواحد منا عالم وقادر ومريد، فيلزم المحذور المذكور أو تعدد العالمين والقادرين في شخص واحد، والجواب واحد، لأنا نقول: محل تلك الصفات قياس بجسم ولا جسماني، بل هو النفس الناطقة، فلا يبرر نقضاً.\rالمسألة الثالثة عشرة\rفي أنه تعالى ليس بعرض","part":1,"page":23},{"id":25,"text":"لا [نعلم ](1) عاقلاً ذهب إليه، لأن العرض لا يقوم بنفسه، بل قيامه بالجوهر والأجسام، فهو محتاج إليهما، فلو كان هو الصانع لاحتاجت الجواهر والأجسام إليه، فيلزم الدور، ولأن الحاجة إلى المحل من لوازمه والاستغناء عنه من لوازم واجب الوجود، فلا يكون واجب الوجود عرضاً.\rولأن العرض لا حياة ولا علم / ولا قدرة ولا إرادة له، فكيف يكون هو عين من شرط فيه هذه الأمور.\rولأن جميع ما تقدم من خواص واجب الوجود ينفي أن يكون الباري سبحانه وتعالى عرضاً.\rوبالجملة العلم بأن صانع العالم ليس بعرض علم جلي جار مجرى البديهيات، فلا حاجة فيه إلى التطويل بذكر أدلته.\rواعلم أنه لولا أهل الزيع لما ساغ لعاقل أن يقول: إنه تعالى ليس بجوهر ولا جسم ولا عرض ونحوه من النقائص، فإنه تعالى موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، و ما هذا شأنه لا يليق من جهة التأدب أن ينعت بسلب النقائص.\rولهذا لو وصف واصف لملك في الشاهد في غاية الجمال والكمال أنه ليس بأعور ولا أبرص ولا أجذم ونحوه من الصفات لاستحق التأديب.\rالمسألة الرابعة عشرة\rفي أنه تعالى ليس في جهة وفي لا حيز\rخلافاً للمجسمة والمشبهة والحنابلة، فإنهم اتفقوا على أنه تعالى في جهة فوق.\rثم اختلفوا بعد ذلك في مواضع، فمنهم من قال: إنه تعالى على العرش مماس للصفحة العليا منه، وجوزوا عليه الحركة والانتقال وتبدل الجهات، وهو قول اليهود خذلهم الله تعالى /.\rوفيه مذاهب أخر ذكرناها في كتابنا المسمى بـ ?زبدة الكلام في عصمة الأنام?.\rثم الذي يدل على امتناع كونه في الجهة والحيز وجوه:\rالأول: لو كان في جهة وحيز، فإما أن يكون:\rمع وجوب أن يكون فيهما، وهو باطل لأنه يلزم إما قدم الجهة والحيز أو حدوثه تعالى وهما ممتنعان.\r__________\r(1) غير واضحة في الأصل.","part":1,"page":24},{"id":26,"text":"أو مع جواز أن يحصل فيهما وهو أيضاً باطل، أما أولاً فلأنه خلاف الإجماع، لأن كل من قال إنه في جهة قال إنه بطريق الوجوب، إذ الخصم إنما يقول به لزعمه أنه لا يتصور وجود موجود ليس في جهة ولا في حيز، وربما يدعي العلم الضروري بذلك، فحينئذ يلزم أن لا يكون ذلك بطريق الجواز.\rوالقول بأنه في جهة وحيز بطريق الجواز قول لم يقل به أحد.\rوأما ثانياً: فلأنه حينئذ يكون غنياً عنهما، والغني عن الشيء لا يحل فيه.\rوأما ثالثاً: فلأنه حينئذ يحصل له صفة حادثة ضرورة أنه ما كان حاصلاً فيهما في الأزل، ثم حصل فيهما عند حصولهما.\rوأما رابعاً: فلأنه حينئذ يلزم تبدل صفة كماله بالنقص، لأن الاستغناء عن الجهة والحيز وعدم الحصول فيهما من صفات الكمال لبعده عن مشابهة الممكنات / والمحدثات، والحصول فيه مشابهة لها فيكون صفة نقص، وهو ممتنع.\rالثاني: أنه لو كان حاصلاً فيهما لكان إما متحركاً أو ساكناً، ضرورة أن كل متحيز لا يخلو عنهما، وهما حادثان، وقد سبق بيانه، وما لا يخلو عن الحادث فهو حادث.\rالثالث: لو كان حالاً فيهما لزم أن يكون له بعد ما، وإلا لزم أن يكون غير منقسم، فيكون جارياً مجرى جوهر الفرد في الحقارة، وقد أطبق العقلاء على تنزيه الله تعالى عن صفات تستلزم الحقارة له.\rوإن كان له بعد فإن كان متناه لزم أن يكون محدثاً لما سبق في مسألة الحدوث أو غير متناه، وهو أيضاً باطل للبراهين الثلاثة.\rالرابع: لو كان فيهما لكان إما جوهراً أو جسماً لامتناع تصور متحيز ليس بجوهر ولا جسم.\rولأنه إن كان منقسماً فهو الجسم، وإلا فهو الجوهر، وقد ثبت امتناع اللازم، فالملزوم مثله.\rالخامس: المتحيزات متساوية في تمام الماهية، فلو كان متحيزاً فاختصاصه بصفات الإلهية إن لم يكن لمخصص لزم الترجيح بدون مرجح، أو لمخصص لزم أن يكون الواجب مفتقراً إلى الغير / فيما له من الصفات، وهو ممتنع.","part":1,"page":25},{"id":27,"text":"السادس: الحيز غير مفتقر إلى المتحيز، لإمكان الخلاء، والمتحيز مفتقر إليه، فكان الحيز أولى بوجوب الوجود من المتحيز.\rالسابع: الجهة والحيز كل واحد منهما ممكن ضرورة أنه ليس من أجزاء العالم، فلو كان الباري سبحانه وتعالى مفتقراً في وجوده إلى حصوله فيه، لزم افتقاره إلى الممكن والمفتقر إلى الممكن ممكن، فكان الواجب ممكناً، هذا خلف.\rالثامن: الأحياز إن تساوت في تمام الماهية كان حصوله في بعضها دون البعض إن لم يكن لمرجح لزم الترجيح من غير مرجح، أو لمرجح لزم افتقار الواجب إلى المرجح، وإن تخالف فيها فالذي حصل فيه إن وجد منه فرد آخر لزم ما سبق من المحذور وإلا فسواء قبل الذات اقتضى أن يحصل فيه، أو الحيز اقتضى أن يحصل المتحيز فيه لزم امتناع خروجه منه، وهو باطل.\rأما أولاً: فلأن الخصم لا يقول به، فإنه يجوز عليه التبدل والخروج.\rوأما ثانياً، فلأنه كالمقعد الزمن الملازم للمكان تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.\rالتاسع: / لو كان الله تعالى في جهة فوق فإن كان مبايناً للعرش ببعد غير متناه لزم أن يكون غير المتناهي محصوراً بين حاصرين، أو ببعد متناه فاختصاصه بذلك البعد المخصوص دون ما هو أزيد منه أو أقل إن لم يكن لمرجح لزم الترجيح من غير مرجح، أو له لزم افتقار الواجب إلى المرجح، هذا خلف.\rوإن لم يكن مبايناً عنه بأن كان مماساً له، فإما أن يكون مثله أو أكبر منه أو أصغر منه، والأكبر منه إما أن يكون من جانب أو من الجوانب إما بمقدار متناه أو بمقدار غير متناه، ولا يخفى فساد هذه الأقسام مما سبق.\rالعاشر: لو كان في الجهة والحيز فإما أن يكون من خلقه تعالى أو من خلق غيره، أو لا من خلقه ولا من خلق غيره.\rوالأول [ باطل ] لأنه يلزم افتقارهما إليه من جهة الخلق وافتقاره إليهما من جهة حصوله فيه، فيلزم الدور.\rولأن الخالق يجب أن يكون متقدماً على المخلوق، فإذا لم يتصور وجوده بدونهما فكيف يتصور خلقه لهما.","part":1,"page":26},{"id":28,"text":"والثاني باطل لما سيأتي أنه لا خالق ولا موجد إلا الله تعالى.\rوالثالث أيضاً باطل، لأنه يلزم أن يكونا واجبي الوجود، وفيه لزوم تعدد واجب الوجود، وفيه / أنهما شاركا الباري تعالى في كونهما واجبي الوجود، وامتازا عنه بأنه مفتقر إليهما وهما غنيان عنه، فكانا بالإلهية أولى منه، تعالى الله عن ذلك وأمثاله من الضلال علواً كبيراً.\rاحتجوا عليه بالعقل والنقل:\rأما الأول: فمنهم من ادعى العلم البديهي بأن كل موجودين لا بد وأن يكون أحدهما سارياً في الآخر كالجوهر والعرض أو مبايناً عنه كالجوهرين.\rوبطلانه بيِّن، إذ لو كان بديهياً لما كان مختلفاً فيه بين العقلاء، سيما والأكثرون على خلافه، بل القضية وهمية خيالية جعلها الخصم بديهية، فإن الوهم والخيال يعجزان عن إدراك موجود ليس في جهة ولا حيز ليس متصلاً بالعالم ولا منفصلاً عنه، فإنهما لا يحكمان في المعقول المحض، بل في المحسوسات وشبهها.\rومنهم من استدل عليه بأن وجود موجود لا داخل العالم ولا خارج العالم غير معقول فيكون موجوداً، إما داخله أو خارجه، وعلى التقديرين فهو جهة.\rوجوابه: أنه غير معقول / بالنسبة إلى ذوات الجهة فإما بالنسبة إلى من ليس هو في ذوات الجهة فلا يلزم.\rوالقضية وهمية وخيالية كما سبق والعقل لا يأباها، والدلائل دلت على امتناع كونه تعالى في الجهة فوجب الاعتراف به، بل لو قيل غير المعقول خلافه كان أجدر، لأن الحكم على من ليس هو من ذوات الجهة والمكان بأنه في الجهة والمكان قلب للشيء عن وضعه وحقيقته، وهو غير معقول.\rالثاني: الباري تعالى إن كان موجوداً قائماً بنفسه كان متحيزاً، إذ لا معنى للقيام بنفسه إلا ذلك، وإلا كان حاصلاً في غيره، فيكون عرضاً إذ لا معنى للعرض إلا ذلك.\rوجوابه: منع أنه لا معنى للقائم بنفسه إلا أنه متحيز، وهذا لأن القائم بنفسه أعم منه، والعام لا يستلزم الخاص.","part":1,"page":27},{"id":29,"text":"الثالث: أن الخلق بطباعهم السليمة وقلوبهم المستقيمة يرفعون أيديهم إلى السماء عند الدعاء والتضرع إلى الله تعالى، وهو يدل على أنه تعالى في جهة السماء.\rوجوابه: أن ذلك لكونه قبلة الدعاء كالكعبة شرفها الله تعالى قبلة في الصلاة / ثم إنه منقوض بوضع الجبهة على الأرض، مع أنه ليس في وجهة الأرض وفاقاً.\rوأما من جهة النقل من الكتاب العزيز، فنحو قوله تعالى: ?الرحمن على العرش استوى? ?يخافون ربهم من فوقهم? ?وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم?، وأمثاله كثيرة جداً.\rوأما من جهة السنة قوله عليه الصلاة والسلام للجارية: ?أين الله ؟? فأشارت إلى السماء، فقال عليه الصلاة والسلام: ?اعتقها فإنها مؤمنة?.\rووجه الاستدلال به من وجهين:\rأحدهما من جهة السؤال، فإنه إذا لم تجز الأينية لما سأل عنها.\rوثانيهما: من جهة تقريرها ووصفها بأنها مؤمنة.\rوجوابه الكلي: أن يقال: إذا تعارضت الأدلة العقلية والنقلية لم يمكن تصديقهما ولا تكذيبهما لامتناع صدق النقيضين وكذبهما، ولا تصديق النقل لأن العقل أصل النقل لأنه ما لم يثبت بالدلائل العقلية القاطعة وجود الصانع وصفاته من العلم والقدرة وكونه فاعلاً بالاختيار، ودلالة المعجزة على صدق الرسل لم تثبت حجية النقل، إذ لا يمكن إثبات هذه المطالب بالنقل للدور الممتنع، فلو كذبنا الدلائل العقلية لتصحيح الدلائل النقلية / لكنا كذبنا الأصل لتصحيح الفرع، وتكذيب الأصل يوجب تكذيب الفرع، فتصحيح النقل بتكذيب العقل يوجب تكذيبهما فيكون ممتنعاً، فلم يبق إلا تصديق العقل وصرف دلالة الظواهر النقلية عن ظواهرها، وتفويض علمها إلى الله تعالى والاشتغال ببيان تأويلاتها، والأول أولى، وهو مذهب أكثر السلف، والثاني مذهب أكثر الأصوليين، ولا نعتقد فيهم أنهم لم يجوزوا الأول، بل هما جائزان عند أكثرهم.\rوأما الأولون فربما لم يجوزوا الثاني لما فيه من الخطر.","part":1,"page":28},{"id":30,"text":"وأما الأجوبة المفصلة عن كل واحد منهما فغير لائق بالمختصرات.\rأما حديث الجارية فقد خطر لي أنه عليه الصلاة والسلام إنما سألها بذلك ليعلم أنها هل هي على دين قومها وهم عباد الأصنام أم لا، وهم يعتقدون أن الأصنام آلهة وهي في الأرض، فلما أشارت إلى جهة السماء علم عليه الصلاة والسلام أنها لم تكن على دين قومها، فحكم بإسلامها، ولهذا نحكم بإسلام كل من اعترف بخروجه عن دينه الذي به كفره وإن لم يعترف بصحة الإسلام، حتى لو لم يعترف به / بعد ذلك جعل مرتداً.\rوأطلنا الكلام فيه لابتلاء الناس به، بسبب الفتنة المذكورة في أول الكتاب(1).\rالمسألة الخامسة عشرة\rفي أنه تعالى ليس زمانياً كما أنه ليس مكانياً\rوالمعنى من كون الشيء زمانياً أن يكون وجوده في الزمان، ولا يتصور وجوده بدونه، وهذا متفق عليه بين العقلاء، أما على رأي من يرى قدمه فلأنه وإن كان قديماً عنده لكنه ممكن الوجود، فيكون متأخراً بالرتبة عن الواجب الذي هو علته، إما بواسطة أو بغير واسطة، فيمتنع أن يكون طرفاً لوجوده.\rواللائق بمذهب المجسمة ومن يقول بأنه في جهة وحيز أن يجعلوه زمانياً، لأنه ليس مأخذهم في ذلك إلا أنه لا يتصور وجود شيء لا في جهة ولا في حيز، وكذا لا يتصور وجود شيء لا في زمان.\rولو قيل: يتصور ذلك، لأن الزمان لا يوجد في زمان، وإلا لزم التسلسل.\rقلتُ: وكذلك الجهة والمكان ليس في جهة ولا في مكان،و إلا لزم التسلسل.\rولو قيل: الجهة والمكان ليسا بموجودين في الخارج.\rقلتُ: وكذلك الزمان ليس بموجود / في الخارج، فإن كل ما يقال من هذا الجنس في الزمان يقال في مثله في الجهة والمكان حذو القذة بالقذة.\rالمسألة السادسة عشرة\rفي امتناع حلول ذات الله تعالى أو صفة من صفاته في شيء\r__________\r(1) وللاستزادة في هذا الموضوع انظر أساس التقديس للإمام فخر الدين الرازي، وتعليقات الإمام الكوثري على السيف الصقيل للإمام الكبير تقي الدين السبكي.","part":1,"page":29},{"id":31,"text":"وقد اتفق عليه أكثر المليين، ونسب الخلاف فيه إلى جمع من الصوفية.\rوأيضاً فيه خلاف النصارى والنصيرية والإسحاقية من غلاة الشيعة.\rلنا: إنه تعالى لو حل في شيء فإما أن يحل مع وجوب الحلول وهو باطل، لأنه يستلزم إما قدم المحل أو حدوثه تعالى، وهما ممتنعان لما فيه من تعدد القدماء وحدوث واجب الوجود، أو مع جواز أن يحل، وحينئذ يكون غنياً عن ذلك المحل، والغني عن الشيء لا يحل فيه، فيمتنع حلول ذاته تعالى أو صفة من صفاته في شيء.\rفإن قلتَ: لم لا يجوز أن يقال: إنه يحل فيه عند وجود المحل، فلا يلزم ما ذكرتم من المحذور ؟\rقلتُ: إن كان ذلك بطريق الوجوب لزم انتقال الشيء من الاستغناء الذاتي إلى الاحتياج الذاتي، وإن كان مع جواز أن يحل فيه لزم ما تقدم.\rالثاني: أنه لو حل في شيء فإن كان / منقسماً لزم انقسامه لوجوب انقسام الحال بانقسام المحل، وهو على واجب الوجود ممتنع، أو في غير منقسم فيكون الحال أيضاً كذلك، فيكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد، و هو باطل لما سبق.\rالثالث: المعقول من كون شيء حالاً في شيء أن يكون حصول الحال في الحيز تبعاً لحصول محله فيه أو أن يصير الحال باعتبار المحل منعوتاً [ و ]كلاهما لا يتصوران في حق الله تعالى لاستحالة حصوله في الحيز، ولاستحالة أن يصير نعتاً لشيء.\rوأما امتناع حلول صفة من صفاته فأظهر لأنها إن انتقلت عن ذات الله تعالى وحلت في غيره، فيلزم جواز الانتقال عن الصفات والأعراض، وهو باطل، ولأن في ذلك زوال القديم، لأن اتصاف ذاته به قديم، وإن لم ينقل بل هي باقية في ذات الله تعالى، فيلزم اتصاف محلين بصفة واحدة في وقت واحد، وهو ممتنع.\rالمسألة السابعة عشرة\rفي امتناع الاتحاد عليه\rونسب الخلاف فيه إلى جمع من الصوفية، وأما أهل الإباحة الذين يدعون محبة الله تعالى فإنهم يدعون الاتحاد به في بعض الأوقات.","part":1,"page":30},{"id":32,"text":"واعلم أنه إن عني بالاتحاد / أنه يصير الشيء شيئاً آخر، بمعنى أنه يزول عنه كل ما كان له من الصفات وحصل له ما كان لذلك الشيء من الصفات، فهذا معقول ممكن، كما يقال: الماء يصير هواء، والهواء يصير ناراً.\rوإن أريد به أن نفس حقيقة هذا تصير نفس حقيقة ذاك فهذا ممتنع، لأنهما إن بقيا عند الاتحاد فلا اتحاد، وإن فنيا وتكون الشيء ثالثاً فلا اتحاد، لامتناع اتحاد المعدومين، وإن فني أحدهما وبقي الآخر فلا اتحاد لامتناع اتحاد الموجود بالمعدوم، وهذا الدليل يدل على امتناع الاتحاد مطلقاً، سواء كان في حق الباري تعالى أو غيره.\rفإن قلتَ: ثبت أن الوجود زائد على الماهية، فيتعدد بتعدد الماهية، فإذا حصل لماهيتين وجود واحد، فيكون ذلك اتحاداً بين تانك الماهيتين، فلم لا يجوز أن يقال بالاتحاد بهذا المعنى ؟\rقلتُ: لا نسلم أن الاتحاد بهذا المعنى جائز، وهذا لأن الوجود معنى من المعاني، ويمتنع قيام المعنى الواحد بماهيتين، فيمتنع قيام وجود واحد بماهيتين.\rسلمنا جوازه في وجود الممكنات، لكن يمتنع ذلك في وجود واجب الوجود / لأنه حصول وجود واحد لماهيتين، لا يمكن إلا بزوال ما لكل واحد منهما من الوجود المختص به، حتى يحصل لهما وجود واحد، وإلا لو حصل قبله لزم أن يكون الشيء موجوداً مرتين، ولزم اجتماع المثلين، لكن زوال وجود واجب الوجود محال، فيمتنع الاتحاد أيضاً بهذا المعنى في حقه تعالى.\rواحتجوا عليه بأن هذا الأمر معقول جائز، يعرفه الخواص والعوام، ولهذا نقل عن أبي يزيد البسطامي أنه قال: سبحاني ما أعظم شأني، وعن الحلاج أنه قال: أنا الحق، وقال الشاعر:\rرق الزجاج ورقت الخمر……فتشابها فتشاكل الأمر\rفكأنه خمر ولا قدح……وكأنها قدح ولا خمر\rوقال الآخر:\rأنا من أهوى ومن أهوى أنا……نحن روحان حللنا بدنا\rوجوابه: أما أبو يزيد البسطامي ونحوه من المحقين المحققين فهم براء من هذا المذهب، ولكلماتهم تأويلات تعرف في مواضعها.","part":1,"page":31},{"id":33,"text":"وأما الشعر فمبني على التخيل والتوهم، فلا نبني عليه المباحث الحقيقية.\rالمسألة الثامنة عشرة\rفي امتناع كونه تعالى / محلاً للحوادث\rوالمراد من الحادث الموجود الذي وجد بعد العدم، ذاتاً كان أو صفة، أما [ ما ] لا يوصف بالوجود كالأعدام المتجددة والأحوال عند من يقول بها، والإضافات عند من لا يقول إنها وجودية، لا يصدق عليها اسم الحادث، وإن صدق عليها اسم المتجدد فلا يلزم من تجدد الإضافات والأحوال في ذات الباري تعالى أن يكون محلاً للحوادث.\rوما قال الإمام في هذا المقام أن أكثر العقلاء قالوا به وإن أنكروه باللسان، وبينه بصور، فليس كذلك، لأن أكثر ما ذكر من تلك الأمور فإنما هي أمور متجددة لا مستحدثة، والمتجدد أعم من الحادث، ولا يلزم من وجود العام وجود الخاص، بل الخلاف فيه مع المجوس والكرامية.\rثم إن الصفة إن كانت عارية عن الإضافة كالوجود والحياة أو حقيقية مستلزمة للإضافة فالتغيير في هاتين لا يجوز عند الجمهور، وإن كانت إضافية محضة ككون الشيء قبل الشيء أو بعده، فالتغيير في هذه واقع لا محالة، ولا إشكال فيه، لأنها عدمية عندنا، وإن لزم الإشكال للإشكال على الفلاسفة / حيث قالوا: بأن الإضافات لها وجود في الأعيان، لكنهم يعتذرون عنه بأنه لا يوجد إلا كذلك، فلا يتصور فيه الكمال قبله، ولأنها تابعة لغيرها، فلا يثبت فيها الكمال، بل في متبوعها.\rلنا: إن صفات الرب تعالى كمال، فحدوثها يقتضي النقص قبل حدوثها، وهو على الله تعالى محال.\rالثاني: لو قام الحادث بذاته تعالى لتغير عما كان عليه أولاً، فإن الشيء إذا اتصف بشيء معين بعد أن لم يكن متصفاً به يقال فيه إنه تغير، وهو على الله تعالى محال.\rولهذا قال الخليل عليه الصلاة والسلام: ?لا أحب الآفلين?.\rالثالث: إن كل صفة تعرض لواجب الوجود سبحانه، فإن حقيقته كافية في حصولها أو لا حصولها، وإلا لزم افتقاره إلى سبب منفصل، وذلك يقتضي إمكانه، فيكون الواجب ممكناً، هذا خلف.","part":1,"page":32},{"id":34,"text":"وحينئذ يلزم من دوام حقيقته دوام تلك الصفة.\rالرابع: لو جاز قيام الصفة الحادثة بذاته تعالى لاتصف وصدق عليه ما اشتق منها كالعلم والقدرة، وحينئذ يلزم تجدد اسم له لم يكن له قبل اتصافه بتلك الصفة الحادثة، لكنه غير جائز إجماعاً، أما عندنا فظاهر / وأما عند الكرامية فلأنهم لا يجوزون إطلاق الاسم المتجدد على الله تعالى، بل قالوا: كل ما صدق عليه في [ ما ] لا يزال، صدق عليه في الأزل، وبالعكس.\rواحتجوا: أنه تعالى عالم بالجزئيات، وهي متغيرة، والعلم لا يتغير بتغير المعلوم، فيلزم قيام علوم حادثة بذات الله تعالى.\rوجوابه: منع أن العلم يتغير بتغير الجزئيات، وسنده إما لأن العلم بالشيء سيوجد وهو عين العلم بوجوده إذا وجد، أو لأن العلم صفة واحدة لا تغير فيه، وإنما التغير في إضافته ولا امتناع فيه.\rالثاني: أنه تعالى مريد لإحداث المحدثات، وهي لا توجد إلا عند الإحداث، فيلزم قيام إرادات حادثة بذاته تعالى.\rوجوابه: منع أنها لا توجد إلا عند الإحداث، لأنه يجوز أن تكون الإرادة الأزلية متعلقة بالإحداث في وقت مخصوص، وعلى شرط مخصوص، فيوجد ذلك المحدث عند وجودهما، ولا يلزم حدوث الإرادة.\rالمسألة التاسعة عشرة\rفي بيان أنه تعالى منزه عن أن تتصف ذاته المقدسة بشيء من الكيفيات المحسوسة كالألوان والطعوم / والروائح والحرارة والبرودة وبشيء من الأحوال النفسانية والحزن والفرح والغضب، وهذا مما اتفق العقلاء [ عليه ](1).\rواستدل عليه أيضاً بأن هذه الكيفيات إن لم تكن صفات كمال امتنع إثباتها له، لأنه لا يثبت له من الصفات إلا صفات كمال، وإن كانت صفة كمال فإن كانت حادثة امتنع إثباتها له أيضاً.\rوإن كانت قديمة فليس الحكم بكون البعض صفة كمال دون البعض أولى من العكس.\rفإما أن تثبت الكل وهو ممتنع لما فيه من الجمع بين النقيضين، أو لا يثبت شيء منها، وهو المطلوب.\r__________\r(1) غير واضحة في الأصل.","part":1,"page":33},{"id":35,"text":"ولأنا إنما نثبت له تعالى من الصفات ما توقف عليه خلق المحدثات، أو ما ورد به السمع، وهذه الكيفيات ليس من القسمين، فلم يجز إثباتها له سبحانه وتعالى.\rالمسألة العشرون\rفي امتناع الألم واللذة على الله تعالى\rأما الأول فمتفق عليه بين العقلاء.\rوأما اللذة الجسمانية فكذلك أيضاً، وهذا إن عني به اتفاق العقلاء الذين ينزهون الله تعالى عن الجسمية فصحيح، وإن عني به اتفاق / الكل القائلين بالجسمية وغيرهم، فربما يمنع ذلك، إذ اللائق بمذهب المبطلة القائلين بالجسمية أنه يجوز عليه ذلك، وكيف لا وقد أثبت بعضهم له الولد تعالى الله عن ذلك.\rوأما اللذة العقلية فالفلاسفة أثبتوها، والمشهور من مذهب المتكلمين إنكارها.\rواستدلوا على امتناع اللذة والألم عليه تعالى أن اللذة إما نفس إدراك الملائم، والألم نفس إدراك المنافي، وأما ما هو لازم لهما، وهو إما بتصور في حق من يتصور فيه التغير، وهو على الله تعالى محال.\rولأن الملائمة والمنافاة مشعرتان بالطبع، والله تعالى منزه عن ذلك.\rولأن الملتذ به إن كان حاصلاً في الأزل لزم القول بتعدد القدماء وإلا لزم حدوث صفة الالتذاذ لله تعالى، وهو باطل.\rولأن كل من التذ بشيء إذا كان فاقداً له وهو غير ذاهل عنه، فإنه يكون متألماً بفقده، وهو على الله تعالى محال، فمستلزمه كذلك.\rوأما اللذات العقلية فقد احتجوا عليها بأن اللذات العقلية إنما تحصل بحصول العلم بالكمال، فكل ما كان الكمال أكمل وأتم، والعلم به أتم كانت / اللذة أكثر، ولا شك أن كمال الله تعالى أكمل الكمالات، وعلمه به أتم العلوم، فكانت لذته أكمل.\rقال المتكلمون: لا شك أن كمالات الله تعالى مخالفة لكمالاتنا في الماهية، فعلمنا بكمالاتنا مخالف لعلمنا بكمالاته، ولا يلزم من ثبوت الحكم في أحد المخالفين ثبوته في الآخر، ولعل النزاع لفظي.\rالمسألة الحادية والعشرون\rفي امتناع وصف الله تعالى بالعجز\rوهذا مما اتفق عليه العقلاء.","part":1,"page":34},{"id":36,"text":"ولأن العجز صفة نقص، وهو على الله تعالى محال.\rولأنا سنبين أن الله تعالى قادر على جميع الممكنات، فلا يتصور في حقه العجز حينئذ.\rثم اعلم أن الله تعالى لا يوصف بالعجز بسبب عدم اقتداره على المحالات، لأن العجز إما أن يكون عبارة عن عدم القدرة عما من شأنه أن يقدر، أو عبارة عن معنى وجودي مناف للقدرة، وعلى التقديرين لا يتصور تحققه حيث لا يتصور تحقق القدرة فيه.\rوالقدرة بالنسبة إلى المحال غير متحقق، فالعجز أيضاً بالنسبة إليه غير متحقق.\rالمسألة الثانية والعشرون\rفي أن ذات الله تعالى مخالفة لسائر الذوات،\rلذاته المخصوصة / لا بصفة زائدة على الذات\rزعم كثير من الأصوليين أن الذوات متساوية في الذاتية لصحة تقسيمها إلى: الواجب والممكن والجوهر والجسم، ومورد التقسيم مشترك.\rولأن المفهوم منه لا يختلف باختلاف كونها واجبة أو ممكنة أو جوهراً أو جسماً، وإنما يمتاز بعضها عن بعض بالصفات، وامتياز الباري تعالى عن غيره من الذوات إنما هو بصفات لأجلها يصلح للإلهية، وهو وجوب الوجود، والقدرة الصالحة لاتحاد الجواهر والأعراض والعلم المحيط بجميع المعلومات.\rوقال أبو هاشم واتباعه: إنما الامتياز بصفة توجب صفات أربع، وهي: الوجودية، والعالمية، والقادرية، والحيائية، وهي أخص وصف الإلهية.\rواختلفوا في أن ذلك الموجب هل يجوز أن يكون معلوماً أم لا ؟\rللأولين وجوه:\rالأول: أن الذوات لو كانت متساوية في الذاتية والامتياز إنما هو بالصفات إن كانت متساوية في الصفتية وجب أن لا يحصل الامتياز في الذوات البتة، للاستواء في الذاتية والصفات القائمة بها.\rوإن لم تكن متساوية مع اشتراكها / في الصفتية، فاشتراك الذات في الذاتية كان الحكم بأن الذات متساوية والصفات متخالفة، ترجيحاً من غير مرجح.\rوفيه نظر، لأن الامتياز ما وقع بمطلق الصفات، بل بصفات مخصوصة، وهي متمايزة بخصوصياتها، والمشتركة إنما هي الصفتية المشتركة بين الصفات.","part":1,"page":35},{"id":37,"text":"الثاني: الذات من حيث إنها ذات مخالفة للصفة، وإلا لم يكن الحكم على أحديهما بالذاتية والأخرى بالصفتية أولى من العكس.\rفها هنا أمور تخالف بعضها بعضاً لأنفسها، لا باعتبار صفة قائمة بها، فمخالفة الله تعالى لما سواه من الذوات لنفس ذاته المخصوصة، وإلا لزم مساواته لسائر الذوات، وكل ما يصح عليه من صفات الإلهية صح على غيره، وكل ما صح على غيره من الإمكان والحدوث صح عليه، لأن المتساويين في تمام الماهية يصح على كل واحد منهما ما يصح على الآخر، فاختصاص كل واحد منهما بما اختص به إن لم يكن لأمر لزم الترجيح من غير مرجح، وإلا كان الكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم التسلسل.\rوأيضاً فإنه يلزم أن يكون ما للواجب من الصفات لمخصص خصصه به، هذا خلف /.\rالثالث: المتساويان إذا قام بكل واحد منهما ما يخالف الآخر لم ينقلب المتساويان بسبب ذلك مختلفين، ولا بالعكس.\rفلو كانت الذوات متساوية في الذاتية لزم تساويهما أبداً، سواء قامت بها الصفات المختلفة أو لم تقم، فلم يصح قولهم: الذوات متساوية في الذاتية، وإنما يخالف بعضها بعضاً بسبب قيام الصفات المختلفة بها.\rوأما الجواب عما تمسكوا به في صحة التقسيم، فهو أن ذلك بناء على اتحاد اللفظ لا اتحاد المعنى، كما يقال: القرء إما طهر وإما حيض.\rسلمنا اتحاد المعنى لكن باعتبار لازمه، وهو كونه قائماً بنفسه.\rوعن الوجه الثاني بمنع أن ذلك الاعتقاد لا يتبدل بحسب المعنى، بل الذي لا يتبدل بحسب اللفظ.\rسلمناه، لكنه منقوض بالصفات، فإنه لا يتبدل اعتقاد الصفة عن تبدل اعتقاد السواد بالبياض وبالعكس.\rوالجواب واحد.\rالمسألة الثالثة والعشرون\rفي أنه تعالى قادر\rولا بد من تحقيق معنى القدرة أولاً، فنقول:\rهي تنقسم إلى حادثة وقديمة /، والكلام هنا في القديمة، وهي عند أصحابنا معنى وجودي يصح ممن قام به الإيجاد والإحداث قصداً واختياراً بدلاً عن الترك.","part":1,"page":36},{"id":38,"text":"أو الترك بدلاً عن فعلهما، فالمؤثر إن أثر مع جواز ألا يؤثر فهو القادر أو لا مع هذا الجواز فهو الموجب بالذات كالنار في تسخينه.\rقال الفلاسفة: لا فرق بين الموجب والقادر، وهذا لأن القادر ما إن لم يتوقف رجحان فعله على تركه على مرجح لزم الترجيح من غير مرجح، وأنه يؤدي إلى انسداد باب العلم بالصانع، ولأنه خلاف ما يجده الإنسان من نفسه، فإنه يجد من نفسه أنه ما لم يحصل له ميل إلى الفعل أو الترك لم يوجد منه واحد منهما، ولهذا متى كان الميل إلى الحركة إلى جهتين على السواء لم توجد الحركة، وإن توقف فعند حصوله بتمامه إن لم يجز الحركة فقد لزم الوجوب، وإن جاز فحصوله تارة وعدمه أخرى، أم لم يتوقف على أمر آخر لزم الترجيح من غير مرجح، وإن توقف فالكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم الوجوب أو التسلسل، والتسلسل باطل، فتعين الوجوب /.\rولأنه يلزم أن ما فرض أولاً من المرجح لم يكن مرجحاً تاماً إذ التخلف عن المرجح التام لا يجوز.\rفإن قلتَ: هذا ينفي الفرق المعلوم بالضرورة بين الموجب والمختار فيكون باطلاً.\rقلتُ: لا نسلم أنه ينفيه، وهذا لأنه يجوز أن يكون ذلك الفرق راجعاً إلى حصول التأثير، فإن شرط تأثير القادر سرعة التغير وهو الداعية، وشرط الموجب لا يتغير وهو قابلية المحل لذلك التأثير.\rوما ذكرناه لا ينفي هذا، بل ينفي أنه لا حالة في حق القادر يتصور فيها صحة الفعل أو الترك معاً، لكن إما يتعين الفعل فيها، وهو عند استجماع كل ما لا بد منه في الفعل، وإما يتعين الترك عند عدم ذلك كما هو في حق الموجب فإنه لا يتصور فيه إلا إمكان صدور ذلك الأثر، وهو عند قابلية المحل لذلك التأثير وارتفاع الموانع أو عدمه عند عدم ذلك، لكن حصول هذا الفرق في حق واجب الوجود محال لامتناع أن يكون شرط تأثيره منفصلاً عنه لأنه مبدأ لكل ما سواه ولامتناع التغير عليه.","part":1,"page":37},{"id":39,"text":"وجوابه: منع أن الترجيح من غير / مرجح ممتنع في حق القادر والمختار، ولا نسلم أنه يؤدي إلى التعطيل، وإنما يؤدي إليه أن لو جاز الترجيح من غير مرجح أصلاً، فأما مع المؤثر الذي هو نسبته إلى الفعل والترك سواء فلا، ودعواه دعوى صورة النزاع.\rسلمنا عدم الفرق بينهما من هذا الوجه لكنه حاصل من حيث صلاحية التعلق على أحد الطرفين بدلاً عن الآخر، أي حيث تعلق بأحد الطرفين عند حصول شرطه كان له صلاحية التعلق بالطرف الآخر عند حصول شرطه بدلاً عن الأول، بخلاف الموجب فإنه ليس له هذه الصلاحية فظهر الفرق بينهما.\rوبالجملة الفرق بين القادر والموجب من أظهر العلوم، وهو حاصل لمن لا يمارس العلوم ولا يزاول الصنائع العقلية، فلا حاجة فيه إلى الإطناب سيما في المختصرات.\rإذا عرفتَ هذا فاعلم أن مذهب جميع المليين وقدماء الفلاسفة أنه تعالى قادر فاعل مختار.\rوذهب أرسطو وأتباعه إلى أنه موجب بالذات وأن صدور الآثار منه كصدور النور من الشمس، وكصدور التسخين من النار، لكنه في حق واجب الوجود مع الشعور به / وفي حق غيره لا يلزم ذلك، بل قد يكون معه وقد لا يكون معه.\rوهذا المذهب كفر صريح، مخالف لما اتفق عليه جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولما هو المعلوم منهم بالضرورة.\rلنا وجوه:\rالأول: لو كان موجباً بالذات ولم يتوقف تأثيره في إيجاد العالم على شرط أو توقف على شرط قديم لزم حدوثه أو قدم العالم، وقد ثبت بطلانهما، وإن توقف على شرط حادث كان الكلام فيه كالكلام في الأول، ولزم التسلسل أو حدوثه تعالى، وهما باطلان.\rفإن قالوا: لا نسلم بطلان هذا التسلسل بناء على أنه تسلسل في الآثار، والتسلسل فيها جائز عندهم.\rقلنا: القول بحوادث لا أول لها قول بقدم العالم(1)، وقد ثبت حدوثه، فبطل القول بالإيجاب الذاتي.\r__________\r(1) للاستزادة انظر رسالة الإمام الإخميمي في الرد على ابن تيمية في مسألة حوادث لا أول لها، بتعليقات الأستاذ سعيد فودة حفظه الله.","part":1,"page":38},{"id":40,"text":"الثاني: لو كان تأثير الباري تعالى في إيحاد العالم بالطبع والإيجاب الذاتي لزم من عدم جواز التغير عليه عدم جواز التغير على العالم، كما أن النار لما كانت باقية على حالة واحدة، فالحرارة الصادرة عنها لا تتغير، لكن اللازم باطل، لكون تغير العالم مشاهد بالحس / فالملزوم مثله.\rالثالث: ثبت في موضعه أن الأجسام متماثلة في الجسمية فاختصاص كل واحد منها بما اختص من الصفات والأحياز إن كان واجباً لذاته قدح ذلك في تماثلها، وإن كان جائزاً فلا بد له من مؤثر لما عرفتَ، وذلك المرجح ليس هو الجسم ولا شيء من لوازمه وإلا لزم التساوي فيه، ضرورةَ اشتراك الكل في ذلك، فهو لأمر غيرهما وذلك الغير إن كان محل الجسمية، فهو باطل، أما أولاً: فلأن الجسم ليس من ذوات المحال لأنه مركب من أجزاء لا تتجزأ.\rوأما ثانياً: فلأن تلك المحال إن كانت متساوية لزم اشتراك كل الأجسام فيما لها من الصفات، وإن كانت مختلفة فالكلام في كل واحد منهما بمحله المخصوص، كالكلام فيما لها من الصفات.\rوإن كان لأمر حال في الجسم فهو أيضاً باطل، لأن الحال مفتقر إلى المحل، فلو كان المحل مفتقراً إليه فيما له من الصفات والخصوصيات لزم الدور، فهو لأمر منفصل عن الجسمية، وذلك الأمر لا يجوز أن يكون موجباً بالذات لأن نسبته إلى الكل على حد / سواء، فتخصيص البعض ترجيح من غير مرجح، فهو لأمر مختار، وهو المطلوب.\rالرابع: الإيجاب الذاتي تسخير وعجز ونقص، لأنا نعلم بالضرورة أن القادر على العطاء والمنع والفعل والترك أكمل حالاً من الذي يصدر منه الأثر على نمط واحد من غير قصد، لأنه لا يقدر على العطاء ولا على المنع، وليس له إرادة ومشيئة، فليس ملكاً مطاعاً يخاف منه ويحذر عنه ويرجى منه ويرغب إليه، كيف والتسخير يستدعى مسخراً، فلو كان واجب الوجود موجباً بالذات لزم أن لا يكون مسخراً ممكن الوجود، هذا خلف.","part":1,"page":39},{"id":41,"text":"بل هذه الصفة لائقة بالمخلوقات، فإن واجب الوجود سبحانه وتعالى خصص وسخر كل واحد من مخلوقاته لما أراد وكما أراد، كما في الأغذية والأدوية والقوى الحيوانية والنباتية.\rواحتجوا بأن الباري سبحانه وتعالى إن كان مؤثراً لذاته أو لصفة قديمة وجب دوام المؤثرية بدوامه، وحينئذ يكون موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار وإن كان لصفة محدثة عاد الكلام في تأثيره فيها وتسلسل، وهو ممتنع.\rوجوابه:/ أن دوام الأثر لدوام الصفة القديمة إنما يجب بالموجب دون المختار على ما عرف سنده.\rالمسألة الرابعة عشرة\rصانع العالم عالم\rلأن العالم صنعه، وهو محكم ومتقن، وكل من كان فعله المصنوع عن قصد واختيار متقن ومحكم فهو عالم.\rأما الأول: فلما سبق في إثبات العلم بالصانع.\rوأما الثاني: فالمشاهدة تدل عليه فإن من نظر في خلقة الإنسان ونظر في العالم العلوي وما خلق الله تعالى فيهما من العجائب والغرائب كما نطق بذلك كتب الهيئة والتشريح اضطر إلى العلم بكون أفعاله تعالى متقنة ومحكمة.\rوأما الثالث: فالعلم به ضروري، فإن من رأي ديباجاً منسوجاً في غاية الحسن ونهاية اللطافة وجوز صدوره عن ميت أو نائم فقد خرج عن غريزة العقل.\rوأيضاً أنه ثبت أنه تعالى فاعل مختار، فالمختار هو الذي يقصد إلى إيجاد النوع المعين، وهو مشروط بتصور تلك الماهيات، ولا شك أن تلك الماهيات بذواتها تستلزم ثبوت أحكام وتستلزم عدم أحكام، والمتصور / للموجب لتلك الموجبات، فيلزم من علمه تعالى بتلك الماهيات علمه بتلك الأحكام المثبتة والمنفية.\rواحترزنا بقولنا: ( إن كل من كان فعله المصنوع عن قصد واختيار )، عن فعل الطبيعة على رأي من يرى ذلك، فإنه لا يلزم أن تكون عالمة بما يصدر عنها.\rالمسألة الخامسة والعشرون\rفي أنه تعالى عالم بكل المعلومات، كلياً كان أوجزئياً،\rمتغيراً أو غير متغير، موجوداً أو معدوماً،\rمتناه أو غير متناه، حاضراً كان أو غائباً","part":1,"page":40},{"id":42,"text":"وقالت الفلاسفة: لا يعلم الجزئيات المتغيرة، وقالت الجهمية: لا يعلم الشيء قبل وجوده.\rوإنما قلنا: ( بالجزئيات المتغيرة ) كي تخرج عنه الجزئيات الغير المتغيرة، كالأفلاك والعقول والنفوس فإنه عالم بها وفاقاً.\rوالمنقول عنهم وإن كان مطلقاً لكن يجب تقييده بما ذكرنا، لأن دليلهم غير آت فيه.\rلنا وجوه:\rالأول: أنه تعالى حي، والحي يصح منه أن يعلم كل واحد من المعلومات والعلم به ضروري، ثم الموجب لكونه تعالى عالماً بالبعض إنما هو ذاته أو نفس تلك الصفة، لامتناع أن يكون الموجب له أمراً خارجياً لامتناع / افتقار واجب الوجود في ذاته وفي صفاته إلى أمر منفصل عنه، وحينئذ يتعين أن يكون المقتضى لكونه عالماً بالبعض إما ذاته أو نفس تلك الصفة، وعلى التقديرين يجب أن يكون عالماً بكل المعلومات لأن نسبة اقتضائهما إلى كل المعلومات على السواء، فلو كان عالماً بالبعض دون البعض لزم الترجيح من غير مرجح.\rالثاني: ثبت أنه تعالى محدِث أبدانِ الحيوانات، ومحدِثها يجب أن يكون عالماً بها، وذلك يدل على كونه تعالى عالماً بالجزئيات.\rالثالث: لا شك في [ أن ] حصول العلم بكل المعلومات من جملة الكمالات، ولا شك أنه تعالى موصوف بكل الكمالات اللائقة به، والعلم منه، لأنا سنجيب عما يتوهم فيه من أنه يوجب التغير، فوجب أن يكون عالماً بكل المعلومات.\rالرابع: أن كل ما هو موجود من الجزئيات الممكنة فهو معلولُ واجبِ الوجود: إما بغير واسطة على ما هو مذهب أهل الحق، أو بواسطة على ما هو مذهبهم الباطل.\rوعندهم العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فوجب من علمه تعالى بذاته علمه تعالى بهذه / الجزئيات.\rواحتج من أنكر كونه تعالى عالماً بالجزئيات بأنه إذا علم كون زيد جالساً في الدار، فإذا خرج عنه فإن بقي العلم الأول كان العلم جهلاً، وإن لم يبق لزم التغير، وهو على الله تعالى محال، وعليه يعولون وبه يصلون !!","part":1,"page":41},{"id":43,"text":"وعند هذا افترق المتكلمون فرقتين، وأجاب عنه كل واحد منهما بجواب.\rفقال الجمهور مِنَّا ومن المعتزلة: إن العلم بأن الشيء سيوجد وهو عين العلم بوجوده إذا وجِدَ، لأن من علم أن زيداً سيدخل البلد غداً فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم أنه دخل البلد، إلا أن الواحد منا إنما يحتاج إلى علم آخر لطريان الغفلة عليه، وهو على الله تعالى محال، فالله تعالى يعلم الشيء قبل وجوده بأنه معدوم وسيوجد في الوقت الفلاني وأنه يعدم بعد وجوده في الوقت الفلاني، فإذا جاء ذلك الوقت علم بذلك العلم أنه وجد، وإذا وجد وقت الانعدام علم بذلك العلم انعدامه فيه.\rوذهبت الفرقة الأخرى منهم أبو الحسن البصري إلى أن العلم بأن الشيء سيوجد ليس عين العلم بوجود ذلك الشيء / إذا وجد، محتجين بأن حقيقة العلم بأنه سيقع مغاير لحقيقة العلم بأنه وقع، ضرورةَ أن حقيقة ( سيقع ) مغاير لحقيقة (أنه وقع )، وبأن العلم بأنه واقع في الحال مشروط بأنه واقع، والعلم بأنه سيقع غير مشروط به، والمشروط بالشيء غير ما هو مشروط به.\rثم هؤلاء اختلفوا في الواجب، فقال البصري وأتباعه: إن ذاته تعالى توجب العلم بوجود الشيء عند وجوده وتوجب العلم بزواله عند زواله، وكانت توجب العلم بعدمه قبل وجوده، وكل واحد من هذه العلوم غير الآخر، والتزم وقوع هذا النوع من التغير في علم الله تعالى.\rوأنكر الباقون منهم ذلك، وقالوا: إن التغير في ذاته تعالى وفي صفاته الحقيقة محال، بل التغير إنما هو حاصل في إضافة العلم، فإن العلم صفة واحدة وله تعلق وإضافة بالشيء قبل وجوده بأنه معدوم، فإذا وجد زال ذلك التعلق وحصل تعلق آخر وهو أنه وجد، فإذا انعدم بعده ذلك التعلق وحصل تعلق آخر وهو أنه انعدم بعد وجوده، فالتغير إنما هو في التعليقات والإضافات / دون أصل الصفة، وقد عرفت أن التغير في الإضافات لا محيص عنه.","part":1,"page":42},{"id":44,"text":"ولنختم المسألة بدليل آخر مما سبق، وهو أن الفطرة الإنسانية كما تشهد بوجود الصانع فكذلك تشهد بإحاطته بالعلم بالجزئيات، فإنا نرى الصديق والزنديق، والموحد والملحد إذا وقعوا في شدة لا قبل لهم بها، فإنهم يلجؤون فيها إلى الله تعالى،ويدعونه ويتضرعون إليه ويسألون منه النجاة منها، وكلما كانت البلية أشد كان الالتجاء إليه أكثر وأخلص، فلو لم يكن العلم بكونه عالماً بالجزئيات مركوزاً في الفطرة الإنسانية لما كان الأمر كذلك.\rالمسألة السادسة والعشرون\rفي أن علمه تعالى قديم\rلأنه لو لم يكن قديماً لكان حادثاً، فيلزم أن يكون نقاصاً في الأزل كاملاً في [ ما ] لا يزال، والنقص على الله تعالى محال، ولأنه لو كان حادثاً فالمؤثر فيه يمتنع أن يكون غيره:\rأما أولاً: فلأن كل ما سواه ممكن الوجود، فيكون موجوداً بإيجاده، وإيجاد الشيء على سبيل القصد مشروط بالعلم به، فيلزم أن يكون عالماً قبل كونه عالماً.\rوأما ثانياً: فلأنه / يلزم منه الدور، لأن كل ما عداه مفتقر إليه في ذاته وصفاته، فلو كان هو مفتقر إلى غيره في صفته لزم الدور.\rوأما ثالثاً: فلأنه يلزم أن يكون الواجب ممكناً، لأنه مفتقر إلى غيره في اتصافه بهذه الصفة، والمفتقر إلى الغير ممكن، ويمتنع أن يكون المؤثر فيه هو نفسه، لأن تأثيره فيه مشروط بالعلم به، والكلام في ذلك العلم كالكلام في الأول، فيلزم التسلسل وهو محال، فيمتنع أن يكون علمه حادثاً، وبمثل هذه الدلالة يعرف امتناع أن يكون شيء من الصفات المعتبرة في الخلق والإيجاد حادثاً.\rالمسألة السابعة والعشرون\rفي أنه تعالى حي\rوالحياة معنى وجودي يصح من المتصف به أن يعلم ويقدر.\rثم النزاع فيه إما في المعنى أو في اللفظ، وكلاهما باطلان.\rأما الأول: فلأنا دللنا على أنه تعالى محدِثٌ للعالم بالقصد والاختيار، وأنه تعالى عالم بكل المعلومات، والعلم الضروري حاصل أن من هذا شأنه فهو حي.","part":1,"page":43},{"id":45,"text":"ولأنه لا معنى للحي إلا الذي يصح منه أن يعلم ويقدر، وهذه الصحة معناها نفي الامتناع، والامتناع عدمي / فنفيه نفي العدم، ونفي العدم ثبوت، فتكون الحياة ثبوتية، فكونه تعالى حياً صفة ثابتة له.\rوأما الثاني: فلأن الكتاب العزيز ورد بذلك، قال الله تعالى: ?هو الحي لا إله إلا هو? وقوله: ?الله لا إله إلا هو الحي القيوم?، [ و ] لا يتصور فيه نزاع.\rالمسألة الثامنة والعشرون\rفي أنه تعالى مريد بإرادة قديمة بذات الله تعالى\rوهي صفة وجودية غير علمه وقدرته\rوالخلاف في الأول مع الفلاسفة لزعمهم أنه موجب بالذات، فلا يتصور فيه الإرادة.\rوفي الثاني: مع الكرامية والمعتزلة، فإنهم قالوا: إنه تعالى مريد بإرادة حادثة لا في محل.\rوفي الثالث مع الكرامية، [ فإنهم ] يقولون بقيامها بذات الباري تعالى.\rوفي الرابع: مع النجارية إذ قالوا: معنى كونه مريداً أنه غير مغلوب، ومنهم من فسر أنه ليس بكاره.\rوفي الخامس: خلاف من قال من المعتزلة كالجاحظ: لا معنى لكونه مريداً إلا أنه عالم باشتمال الفعل على المصلحة التي تدعو إلى الفعل، ولا معنى لكونه كارهاً إلا أنه عالم باشتمال الفعل على المفسدة التي تصرف عن الفعل.\rلنا: / أن الحوادث تحدث في أوقات مخصوصة وعلى أشكال مخصوصة، مع جواز أن يحدث قبلها أو بعدها، ومع جواز أن يحدث على غير تلك الأشكال المخصوصة، فتفتقر إلى ما يوجب ذلك التخصيص، وليس هو إلا الإرادة، إذ ليست الصفة المخصصة هي القدرة، إذ معناها الاختراع والإيجاد، ولا العلم إذ معناه الكشف والتمييز، ومفهومها بالنسبة إلى الأوقات على حد سواء غير مقتض للتخصيص، والإرادة معناها الإفراد والتخصيص، فتكون هي المخصصة لذلك.\rومع تغاير المفهومات لا يمكن المصير إلى الاتحاد، ومعلوم أنه ليس هو السمع والبصر والكلام والحياة وغيرها من الصفات، فهو إذن الإرادة.","part":1,"page":44},{"id":46,"text":"فإن قلتَ: القدرة إذا لم تكن صالحة للتخصيص في وقت معين لكونها صالحة للإيحاد في كل الأوقات فالإرادة أيضاً غير صالحة للتخصيص في وقت معين لكونها صالحة للتخصيص في كل الأوقات، فإن افترقت القدرة إلى مخصص فلتفتقر الإرادة أيضاً إلى مخصص زائد.\rقلتُ: مفهوم القدرة الإيجاد والتأثير، وهو مغاير لمفهوم الإرادة الذي / هو التخصيص، فوجب التغاير بينهما، بخلاف مفهوم التخصيص فإنه مفهوم واحد، فلم يلزم من افتقاره مفهوم القدرة إلى مفهوم الإرادة افتقار مفهوم الإرادة إلى مفهوم إرادة أخرى، وهذا كما قيل: كل شيء موجود بوجود زائد على نفسه، والوجود موجود بوجود هو نفسه، وإلا لزم التسلسل، وكذا كل شيء يعلم بالعلم، ويعلم العلم بالشيء بعلم هو نفسه، وإلا لزم التسلسل، وحصول علوم لا نهاية لها دفعة واحدة.\rفإن قلتَ: لا يجوز أن يقال: إن ما وجد بمقدار معين، فإنما وجد بذلك المقدار ولأن مادته لا تقبل أكثر من ذلك المقدار، وما وجد في وقت معين، فإنما وجد فيه لأن الله تعالى علم وجوده فيه، لاشتمال وجوده فيه على المصلحة.\rقلتُ: أما الأول: فباطل، لما ثبت أن الجسم ليس مركب من المادة والصورة، بل هو مركب من الجواهر الفردة.\rسلمناه: لكن بنقل الكلام إلى المادة، فنقول: كون المادة وجدت بحيث يقبل ذلك المقدار المعين دون ما هو أزيد منه فيجب الانتهاء إلى إرادة الفاعل.\rوكذا الثاني، لأن كون الفعل في ذلك الوقت منشئاً للمصلحة ليس أمراً واجباً لذاته / لما عرف أن كل ما سوى الله تعالى وصفاته ممكن الوجود، فلا بد له من مرجح ومخصص، ولا يتسلسل بل تنتهي إلى مخصص هو إرادة الفاعل، وهو المطلوب، لأن القول بكون الفعل إنما وجد فيه لكون الفعل منشأه للمصلحة مبني على رعاية المصالح وتعليل أفعاله تعالى بها، وهو باطل لما يأتي.","part":1,"page":45},{"id":47,"text":"فإن قلتَ: لا نسلم جواز تقدم الحوادث على أوقتها أو تأخرها عنها، وهذا لأن الحوادث الأرضية مستندة إلى الاتصالات الفلكية، وهي مستندة إلى كون كل واحد منها متحركاً بوجه خاص، وهي مستندة إلى ماهيتها المتخالفة.\rقلتُ: القول بكون الحوادث الأرضية مستندة إلى الاتصالات الفلكية باطل لما يأتي.\rسلمناه، لكن لو فرضنا أن فلك الثوابت أو فلك الأفلاك دار من أول حدوث الزمان إلى هذا اليوم مقداراً معيناً لم يمتنع عقلاً حدوثه بحيث يكون حدوثه من أول زمان حدوثه إلى هذا اليوم أكثر من ذلك المقدار المعين بدورتين أو أقل منه بدورتين، وهو المعنى من جواز تقديم المتأخر وتأخير المتقدم في وقوعه على ذلك الوجه الخاص إلى مخصص هو / الإرادة.\rاحتجوا بوجوه:\rالأول: أن من يفعل بالإرادة فلا بد وأن يكون ذلك الفعل في اعتقاده أولى من تركه وإلا لزم الترجيح من غير مرجح، وحينئذ يلزم أن يكون ناقصاً في ذاته مستكملاً بغيره، وإن كانت تلك الأولوية للإحسان إلى الغير، وهو ممتنع على واجب الوجود.\rوجوابه: منع أنه إنما يفعل إذا كان ذلك الفعل أولى به، وسنده أن الهارب إذا عنَّ له طريقان متساويان، والعطشان إذا قدم له قدحان متساويان فإنه يختار أحدهما ولا أولية.\rسلمناه، لكن لا نسلم أن يكون ناقصاً في ذاته مستكملاً بغيره، بل كماله في ذاته وصفاته تقتضي أن يكون فاعلاً للإحسان، لأن من جملة صفاته الجود والحكمة، وهما يقتضيان الإحسان إلى الغير، ففعل الإحسان من مقتضى الكمال، لا أنه مستجلب له.\rسلمنا أنه مستجلب له، لكن للكمالات الذاتية والصفات الذاتية أو الصفات الفعلية، والأولان ممنوعان، والثالث مسلم، ولا امتناع فيه، فإن كونه خالقاً للمكنات ورازقاً لها ومحسناً إليها من جملة صفات الكمال، لكنه ناشئة من جهة الفعل ولا / امتناع في توقف هذا النوع من الكمال على أمر خارج عن ذاته وصفات ذاته.","part":1,"page":46},{"id":48,"text":"الثاني:المؤثر إن كان تاماً في جميع جهات المؤثرية وجب الفعل وإلا امتنع ولا حاجة إلى إثبات هذه الصفة على التقديرين.\rوجوابه: أنه قام بهذه الصفة لا بدونها.\rالثالث: إرادته إن كانت حادثة لزم أن يكون محلاً للحوادث، وإن كانت قديمة لزم قدم الإرادة، فإن مذهبكم أن الإرادة تستلزم وجود المراد.\rوجوابه: أن ذلك في الإرادة المطلقة، فأما في الإرادة المقيدة بوقت أو شرط أو زوال مانع فلا.\rالمسألة التاسعة والعشرون\rفي أنه تعالى سميع [ بسمع ]، بصير ببصر\rخلافاً للمعتزلة، فمنهم من قال: سميع بلا سمع، وبصير بلا بصر، ومنهم من قال - كالجبائي -: إن معنى كونه سميعاً بصيراً أنه حي لا آفة به، وكل حي لا آفة به فهو مدرك لجميع المدركات عندهم.\rومنهم من قال: إن معنى كونه سميعاً بصيراً أنه عالم بالمسموعات والمبصرات، وهو اختيار البلخي.\rلنا: المنقول والمعقول.\rأما الأول / فالكتاب الكريم مملؤ منه، ومن أراد صرفهما عن حقيقتهما في حق الله تعالى لكن الأصل عدمه، ومن ادعاه فعليه البيان، وبتقدير أن يبينه فنحن نجيب عنه.\rفهذا الطريق مفيد بمجموع تلك الآيات القطع بثبوتها لله تعالى.\rوأما المعقول فمن وجهين:\rأحدهما: أن العلم القطعي حاصل بأن السميع والبصير أكمل حالاً ممن لا يكون كذلك، ويجب تنزيه الله تعالى عن النقص ووصفه بالكمال، فوجب وصفه تعالى بهما.\rالثاني: ثبت أنه تعالى حي، وكل حي يصح اتصافه بالسمع والبصر بدليل الدوران وجوداً وعدماً، ومن صح اتصافه بصفةٍ إن لم يتصف بها اتصف بضدها، وإلا لزم خلو المحل عن الضدين مع وجود المحل القابل لهما وهو ممتنع، وضدهما نقص، وهو على الله تعالى محال، فوجب اتصافه بهما.\rاحتجوا: بأنه لا معنى للرؤية إلا تأثير الحدقة بسبب ارتسام صورة المرئي فيها، ولا معنى للسماع إلا تأثير الصماخ بسبب وصول تموج الهواء إليه، وهما محالان في حق الله تعالى، فيمتنع ثبوتهما / في حق الله تعالى.","part":1,"page":47},{"id":49,"text":"وجوابه: منع أنه لا معنى للرؤية والسماع إلا ما ذكروه.\rثم الذي يدل عليه بطلان الأول: أنا نرى نصف كرة السماء دفعة واحدة مع غاية بعدها، وانطباع العظيم في الصغير محال.\rولأنا نرى الطول والعرض، وارتسام هذه الأمور في نقطة الباصرة محال، فهي أمر زائد على العلم والتأثر.\rوأما الذي يدل على بطلان الثاني: أنا إذا أدركنا الصوت أدركنا جهته، وذلك يدل على أنا ندرك الصوت قبل وصوله إلى صماخنا، ولأنا نسمع الكلام من وراء جدار ثخين، ولو كنا لا نسمع الصوت إلا عند وصوله إلى الصماخ وجب أن لا نسمع الحروف من وراء جدار لعدم اتصالها إلى الصماخ كما صدر من المتكلم، فإن ما في الجدار من المسام لا يؤدي تلك الحروف على حالها بضيق المنفذ.\rالمسألة الثلاثون\rفي أنه تعالى متكلم بكلام قديم قائم بنفسه ليس بحرف ولا صوت\rوخالف الفلاسفة في الأول، والمعتزلة والشيعة والكرامية في الثاني، والمعتزلة لا الكرامية في الثالث، والمعتزلة ومن ذكر معهم والحنابلة في الرابع.\rلنا: / في الأول: إجماع الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه على ذلك، فإنهم بأجمعهم أجمعوا على أنه تعالى آمر وناه ومخبر، وصحة النبوة لا تتوقف على كونه تعالى متكلماً، فيجوز إثباته بقولهم.\rولأنا نعلم قطعاً أن الآمر والناهي أكمل حالاً من الذي لا يكون كذلك، فوجب أن يكون الله تعالى آمراً وناهياً لوجوب اتصافه بجميع الكمالات اللائقة به.\rوالكلام الذي هو المعنى القائم بالنفس من جملة الصفات اللائقة به.\rولأنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع له الأمر والنهي.\rولنا في الثاني: إن كلامه تعالى يجب أن يكون قائماً به تعالى، لأنه صفته، ويستحيل قيام صفة الشيء بغيره، وحينئذ يلزم أن يكون قديماً، وإلا لزم أن يكون محلاً للحوادث.\rولأنه لو لم يكن قديماً لزم أن يكون قبل اتصافه به ناقصاً، ثم عند اتصافه به صار كاملاً، لأنه ثبت أن الكلام من صفات الكمال، لكن ذلك على الله تعالى محال.","part":1,"page":48},{"id":50,"text":"ولنا في الثالث: أنه لو لم يكن قائماً بنفسه، فإما أن يكون قائماً بغيره أو لا يكون قائماً به ولا بغيره، وهما باطلان، لأن صفة الشيء يجب أن تكون قائمة به، وإلا لزم اتصاف / كل شيء بكل شيء، إذ لم يبق حينئذ لنا ضابط فيما به يصير الشيء صفة للشيء، إذ الخلق لا يصلح لذلك، وإلا لعاد إلى الباري تعالى منه صفات حقيقية بحسب خلقه للمخلوقات.\rونحصر الثاني: إما جسم أو عرض، مع أنا نقول: كونه جسماً باطلاً جلي البطلان.\rوعلى التقديرين يمتنع قيامه لا في محل، لأنه من المعلوم أنه ليس من الجواهر المجردة الروحانية التي يجوز قيامها لا في محل على رأي.\rولنا في الرابع: ما يأتي، وقبل الخوض فيه لا بد من بيان معنى الكلام.\rوالكلام عند المعظم مِنَّا اسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس الذي هو مدلول اللفظ الذي لا يختلف باختلاف الأمم والنواحي، وبين الألفاظ الدالة على تلك المعاني التي تختلف باختلاف الأمم والنواحي.\rوذهبت المعتزلة والشيعة والخوارج والحشوية والكرامية والحنابلة إلى أنه حقيقة في الأصوات والحروف الدالة على المعاني القائمة بالنفس، وذهب بعض أصحابنا إلى أنه حقيقة في المعاني مجاز في اللفظ.\rثم الحشوية اختلفوا / فمنهم من قال: إن كلام الله القديم من جنس كلام البشر، ومنهم من قال: إنه ليس من جنسه، بل الصوت صوتان والحرف حرفان: قديم وحادث، والقديم ليس من جنس الحادث، وهذا يقتضي أن الحروف المكتوبة في المصاحف المتلوة بالألسن من الكتاب العزيز، وما هو مسموع ليس بقديم، لأنه من جنس كلام البشر.\rثم الدليل على إبطال كون الحروف والأصوات قديمة وجوه:","part":1,"page":49},{"id":51,"text":"الأول: أن القديم هو الذي لا أول لوجوده، فلو كانت الأصوات والحروف قديمة، فإما أن يكون ذلك باعتبار وجوده الخارجي وهو باطل، لأنه لا وجود للحروف مجموعاً في الخارج فضلاً عن أن لا يكون لوجوده في الخارج أول، ولا بحسب وجوده في النفس وإلا لزم أن يكون الأشياء كلها قديمة، ضرورة أن لها وجوداً في علم الباري تعالى، ولأن الوجود النفسي يجب أن يكون مطابقاً للخارجي، وإلا لم يعتبر، ولما لم تصور القدم للحروف والأصوات بحسب الوجود الخارجي لكونها لا وجود لها في الخارج مجموعاً وجب أن يكون في النفس كذلك، وإلا لم يكن معتبراً، ولا بحسب / وجوده في الكتابة،لأن جميع ما يكتب فيه الحروف حتى اللوح المحفوظ حادث، فلوجوده الذي في الكتابة ابتداء، ولا بحسب وجوده في اللفظ وهو ظاهر.\rوإذا ثبت أن وجود الشيء لا يخلو عن هذه الأربعة وثبت حدوثه فيها امتنع أن يكون قديماً باعتبار وجود ما.\rالثاني: أن الحروف إما جسم وإما عرض، وقد ثبت حدوثهما، فتكون الحروف حادثة.\rالثالث: أن وجودها مشروط بوجود الهواء، وهو حادث، فيكون المشروط حادثاً، وهو على الذي يقول: القديم من جنس كلام البشر ألزم.\rالرابع: لو كانت الحروف والأصوات كلام الله القديم وهو المنزل على الرسول عليه الصلاة والسلام لزم انتقال الصفة القديمة عن الموصوف، وكما أن أصل الصفة قديم فكذا اتصاف الذات بها أيضاً قديم، وفي انتقالها عن الذات المتصفة بها زوال الاتصاف القديم وزوال القديم محال.\rالخامس: لو كانت الحروف والأصوات قديمة، فإما أن تكون قديمة مع دلالتها على معانيها، أو لا مع دلالتها عليها، والقسمان باطلان، فبطل أن تكون قديمة، أما الأول: / فلأن الأمة مجمعة على [ أن ] دلالة الألفاظ على معانيها وضعية، إما توقيفاً أو اصطلاحاً، إذ لا اعتبار بمذهب عباد، لأنه معلوم الفساد بالأدلة القاطعة الدالة عليه، ولأن الخصم مساعد على بطلانه.","part":1,"page":50},{"id":52,"text":"ولأن قائله يقول بحدوث الأصوات والحروف إما نظراً أو ضرورة، فالقول بقدمها مع أن دلالة الألفاظ ذاتية قول لم يقل به أحد.\rوإذا كانت دلالة الألفاظ وضعية استحال أن تكون دلالتها قديمة.\rأما إذا كانت اصطلاحية فظاهر، وأما إن كانت توقيفية فكذلك، فإنه مفعول للفاعل المختار، وكل ما هو مفعول للفاعل المختار فهو حادث.\rوأما الثاني: فهو أيضاً باطل، لأنه يلزم منه أن لا يكون الكلام قديماً، لأن الحروف والأصوات من غير دلالة لا تسمى كلاماً ولا يكون كلاماً، وإلا لزم أن تكون المهملات كلاماً، وهو باطل قطعاً.\rالسادس: إن الحروف والأصوات المعهودة لا تتولد إلا باصطكاك أجرام صلبة من قرع أو قلع، والحروف عبارة عن مقطع تلك الأصوات، وكل ذلك لا يتم إلا بالحركة / وهي حادثة، وما يتوقف على الحادث فهو حادث، فإن أراد الخصم بالحرف والصوت غير هذه المعهودة كما قال بعضهم: الحرف حرفان والصوت صوتان أحدهما قديم والآخر حادث، فهو إحالة إلى الجهالة لا يتصوره، فضلاً عن أن يكون مصدقاً به.\rاحتجوا: لو كان كلامه قديماً لزم وجود الأمر والنهي، ولا مأمور ولا منهي، وهو عبث وسفه، فإن من قعد في الدار وحده يأمر وينهى عُدَّ ذلك منه عبث وسفه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ويوجد منه الخبر وهو باطل، لأنه لا يخبر غيره إذ ليس هناك غيره، ولا نفسه، لأنه عبث.\rوجوابه: أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، وهو باطل عندنا.\rسلمنا، لكن العبث الأمر والنهي اللفظي، فأما بالمعنى الكلام النفسي فلا نسلم عبثه، وهذا لأنه يجوز أن يقوم بذات الأب طلب العلم من الابن الذي سيوجد له، وكذا طلب تركه للمعاصي من غير أن يعد ذلك عبثاً وسفهاً.\rوأيضاً لما عقل ثبوت القدرة في الأزل مع امتناع الفعل فيه، فلم لا يجوز أن يعقل صفة الأمر له مع امتناع الطلب إذ ذاك.","part":1,"page":51},{"id":53,"text":"احتجت / الحنابلة بأنه ثبت بدليل العقل والشرع أن كلام الله تعالى قديم، لأنه صفته، وامتناع أن يكون محلاً للحوادث، وليس الكلام إلا الحروف والأصوات، فوجب أن يكون قديماً.\rوجوابه: منع الكبرى، وهذا لأن المعنى القائم بالنفس يسمى كلاماً، قال الله تعالى: ?ويقولون في أنفسهم?، وقوله تعالى: ?والله يشهد أن المنافقين لكاذبون? كذبهم مع صدقهم في القول اللساني، والتكذيب لا يتطرق إلا إلى الخبر.\rوقوله تعالى: ?يخفون في أنفسهم?، وأمثاله كثيرة في القرآن العظيم.\rوعن عمر رضي الله عنه: زوَّرتُ في نفسي كلاماً فسبقني إليه أبو بكر رضي الله عنه.\rويقال في العرف: فلان في نفسه كلام.\rوقال الشاعر:\rإن الكلام لفي الفؤاد وإنما …جعل اللسان على الفؤاد دليلاً…\rسلمنا أن ذلك المعنى لا يسمى كلاماً حقيقة، لكن لا نزاع في جواز تسميته كلاماً مجازاً، تسميةً للمدلول باسم الدال.\rوقد دلَّتْ الدلائل القاطعة على أن الحروف والأصوات لا يجوز أن تكون قديمة، فوجب حمل ما يدل على قدم الله تعالى على المعنى المدلول عليه / باللفظ، لأن اللفظ يصرف عن حقيقته لأدنى قرينة، فلأن يصرف عنها عند قيام الدلالة القاطعة عليه بالطريق الأولى.\rوأيضاً إذا ثبت أن ذلك المعنى قديم وأن الحروف والأصوات لا يجوز أن تكون قديمة، فقد حصل الغرض، ثم ذلك البحث في ذلك المعنى هل يسمى كلاماً أم لا ؟ بحثٌ لغوي لا تعلق له بالأصولي.\rالمسألة الحادية والثلاثون\rفي أن كلامه تعالى واحد\rوهو مع ذلك في الأزل أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء\rخلافاً لعبد الله بن سعيد وجمع من المتقدمين من أصحابنا، فإنهم قالوا: إنما يصير أمراً ونهياً وغيرهما من الأقسام في [ ما ] لا يزال، فالاتفاق حاصل على اتصافه بذلك في الأزل.","part":1,"page":52},{"id":54,"text":"استدل الشيخ ومن وافقه بأن حقيقة الأمر والنهي والاستخبار والنداء ترجع إلى الخبر، لأن الأمر إخبار بكون الفعل موجباً للثواب، وتركه موجباً للعقاب، والنهي عكسه، والاستخبار إخبار عن طلبه الخبر، والنداء إخبار بأنه يدعو المنادي، فالكل خبر.\rوإذا جاز أن يعلم بعلمٍ واحد جميع المعلومات، فلم لا يجوز أن يخبر بخبر واحد عن جميع المخبرات /.\rوضرب لذلك مثل ينبئ عن كشف هذا، هو أن أحداً لو قال لأحد غلمانه: إذا قلتُ لك: اضرب فلاناً فاضربه، وقال للثاني: إذا قلت لك: اضرب فلاناً فلا تكلمه، وقال للثالث: إذا قلت لك: اضرب فلاناً فاستخبره عن أمره، وقال للرابع: إذا قلت لك: اضرب فلاناً فأخبره عن أمره، وقال للخامس: إذا قلت لك: اضرب فلاناً فناده، فإذا قال ذلك فإنهم يفهمون منه أمرهم بما قال لهم، فها كلام واحد هو أمر ونهي وخبر واستخبار ونداء بالنسبة إلى أولئك الأشخاص، فلم لا يجوز أن يكون الأمر في كلام الله تعالى كذلك.\rوأورد عليه: بأن ردَّ أقسام الكلام إلى الخبر متعذر، فإن الخبر يقبل التصديق والتكذيب، والأمر والنهي وبقية الأقسام لا تقبل ذلك، ولا يحال ذلك إلى الصيغة، لأنا نعلم أنه لو وضعت صيغة الأمر للخبر والخبر للأمر لقبلت صيغة الأمر التصديق والتكذيب ولم تقبلها صيغة الخبر.\rواستدل على فساد قول عبد الله بن سعيد أن الكلام إذا كان منحصراً في أقسام واعترف / الخصم بأن تلك الأقسام حادثة، فيكون ذلك اعترافاً بحدوث الكلام.\rلا يقال: إنه يريد بالكلام القديم القدر المشترك بينهما، لأنه إذا لم يكن وجود ذلك القدر المشترك إلا في ضمن تلك الأقسام، وتلك الأقسام حادثة لزم حدوث القدر المشترك، لأن ما لا ينفك عن الحادث فهو حادث.\rوأجيب عنه: بأنه لا يمكن وجود القدر المشترك في الخارج بدون أنواعه وأقسامه.","part":1,"page":53},{"id":55,"text":"وأما في النفس فلا نسلم امتناع ذلك، وهذا لأن الكلي المنفك عن أنواعه وأشخاصه معقول لكونه محكماً عليه بإحكام لا يصح ذلك الحكم عليه عند ما يوجد في ضمن أنواعه وأشخاصه، فدل على أن الكلي المجرد له وجود في الأذهان والنفس.\rوالكلام الذي ندعي قدمه إنما هو الكلام النفسي، فلا يكون بين كون الكلام الكلي النفسي قديماً وبين كون أقسامه حادثة في الخارج تناقض.\rالمسألة الثانية والثلاثون\rفي أنه تعالى باق\rلا خلاف في ذلك، لأنه واجب الوجود، ويمتنع الفناء على واجب الوجود /، ولأنا تبينا أنه تعالى أبدي كما أنه أزلي، فيجب أن يكون باقياً.\rوإنما الخلاف إنما هو في أنه: هل هو باق ببقاء زائد على الذات أم لا ؟\rفذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري وجمهور أصحابه ومعتزلة بغداد إلى أنه باق ببقاء زائد على الذات.\rوقال القاضي أبو بكر وإمام الحرمين ومعتزلة البصرة أنه باق بنفس الذات.\rثم اختلف قول الشيخ في بقاء الله تعالى وصفاته، فقال تارة: الذات والصفات باق ببقاء واحد، وذلك البقاء باق ببقاء آخر وهذا يقتضي التسلسل، اللهم إلا أن يقول: ذلك البقاء باق ببقاء هو نفسه، وحينئذ يلزم التحكم.\rوتارة يقول: الذات باق ببقاء قائم به.\rوأما الصفات حتى البقاء فباقية بأنفسها، وهو فرار من لزوم التسلسل وقيام المعنى بالمعنى.\rواختلفوا في أن الباقي هل يصدق على المخلوق بطريق الحقيقة أم لا ؟\rوهو نزاع لفظي، فإنه إن فسر الباقي بدائم الوجود فليس المخلوق بباق، ويصلح أن يكون محملاً لقول النظام في أن الأجسام غير باقية /، وإن فسر بما يستمر وجوده وإن لم يدم وجوده فلا شك في أنه باق.","part":1,"page":54},{"id":56,"text":"وأما خلافهم في أن الحادث وقت حدوثه هل يوصف بكونه باقياً فهو بناء عن أن المراد من الباقي المستمر الوجود أو ما يصح أن يستمر وجوده، فمن قال بالأول لم يصفه وإلا وصفه، ولعل قائله احترز به عن الأعراض، فإن قولنا: الأعراض غير باقية إنما هو بهذا المعنى، والمراد من البقاء معنى يوجب استمرار الوجود، والاستمرار أثره لا عينه.\rواحتج من قال: البقاء زائد على الذات: أن حقيقة ذات الله تعالى غير معلومة لنا على ما يأتي، وبقاؤه المعلوم غير ما هو معلوم.\rالثاني: الباقي يمكن تقسيمه إلى الجسم والجوهر والعرض على رأي من يرى بقاءه، والذات مخصوصة لا تقبل هذا التقسيم فهو غير الذات وفيه نظر.\rالثالث: الذات ذات ليس مفهوماً، والذات باقية مفهوم تام، فكونه باقياً غير الذات.\rالرابع: حصول الجوهر في الزمان الثاني ممكن، فلا بد له من سبب، وذلك السبب إما البقاء أو غيره وهذا / الثاني باطل، لأن ذلك السبب إما وجودي أو عدمي، وكل واحد منهما إما موجب أو مختار، فهذه أربعة أقسام:\rأحدها: قول من قال: إنما بقي لأن المختار ما أعدمه، وهو قول من يقول: الإعدام بالقدرة، وهو أحد قولي القاضي أبي بكر وجمع من المعتزلة كالخياط والخوارزمي، وهو باطل، لأن القدرة صفة مؤثرة، فلها أثر، فامتنع استناد العدم الذي هو نفي محض إليها.\rوثانيها: قول من يقول: إنما بقي لأنه لم يوجد ضده الذي يقتضي عدمه وهو قول الجبائيين، والقاضي منهم، فإنهم زعموا أن الشيء إنما نفي لطريان ضده وهو المسمى بالبقاء يخلقه الله تعالى لا في محل، فإذا لم يوجد ذلك نفي الشيء، وهو أيضاً باطل لأن المضادة حاصلة بينهما من الجانبين، فليس اندفاع الباقي بالطارئ أولى من العكس، بل العكس أولى، لأن الباقي أولى لاستغنائه عن المؤثر واحتياج الحادث إليه.\rوثالثها: قول من يقول: إنما بقي لأن المختار يبقيه، وهو أيضاً باطل، لأنه إيجاد للموجود وتحصيل / للحاصل.","part":1,"page":55},{"id":57,"text":"ورابعها: قول من قال: إنما يبقى لأن الله تعالى يخلق في الجواهر في الزمان الثاني معنى يقتضي بقاؤه، وذلك المعنى ليس هو غير البقاء وفاقاً، فهو إذن البقاء.\rواحتج الآخرون بأن الذات لو كان باقياً بالبقاء [ فالبقاء ] إن كان باقياً بالذات لزم الدور، أو ببقاء آخر لزم قيام المعنى بالمعنى، ولزم التسلسل، أو ببقاء هو نفسه لزم أن يكون الذات صفة والصفة ذاتاً لاستقلاله بالبقاء وافتقار الذات إليه، ولأنه حينئذ يلزم التحكم.\rوجوابه: منع لزوم أن يكون الذات صفة والصفة ذاتاً، ومنع لزوم التحكم، وهذا لأن الذات إنما هو ذات لقيامها بنفسها، والصفة إنما هي صفة لقيامها بغيرها، وهذا المعنى موجود في الذات والصفة التي هي البقاء.\rوإن كان بقاء الذات بالصفة فلم يلزم ما ذكرتم، ومفهوم الذات كمفهوم البقاء، وإذا تغاير المفهومان لزم التغاير بينهما بخلاف البقاء فإنه مفهوم واحد فلم يفتقر إلى التغاير كما قيل مثله في الإرادة والعلم والوجود.\rالمسألة الثالثة والثلاثون /\rفي أنه تعالى عالم بالعلم، قادر بالقدرة، ومريد بالإرادة\rوكذا القول في بقية الصفات، خلافاً للفلاسفة والمعتزلة، فإنهم قالوا: عالم لذاته قادر لذاته.\rوليس النزاع في أن مفهوم كونه عالماً قادراً غير مفهوم الذات، فإن هذا متفق عليه ولا ينبغي النزاع فيه كما ذكره الإمام أن الخصم إن وافقنا في ذلك فقد حصل الاتفاق، بل النزاع أن العلم والقدرة والإرادة ونحوها من الصفات معان موجودة قائمة بذات الله تعالى، وكونه عالماً مريداً مشتق من تلك المعاني الموجودة القائمة بذات الله تعالى، والقوم ينكرون ذلك فمنهم من قال: إن كون الذات عالمة قادرة مأخوذة من العالمية والقادرية الثابتة لله تعالى دون العلم والقدرة، وهو قول مثبتي الأحوال منهم.","part":1,"page":56},{"id":58,"text":"ومنهم من زعم أن كونها عالمة وقادرة إنما هو نفس الذات، لكن باعتبارين مختلفين، فباعتبار ما لها من الكشف والاطلاع تكون عالمة، وباعتبار ما لها من التأثير في الإيجاد والإحداث تكون قادرة /، وهو مذهب نفاة الأحوال.\rلنا وجوه:\rأحدها: أجمعنا على أنه تعالى عالم، فوجب أن يكون له العلم، فإنه لا معنى للعالم إلا من له العلم، وبقياس الغائب على الشاهد.\rالثاني: حد العلم في الشاهد من له العلم، فكذا في الغائب، إذ الحد لا يختلف شاهداً وغائباً.\rالثالث: وقيل: إن كونه تعالى عالماً عين ذاته المخصوصة، فإما أن يقال: عين ذاته المخصوصة معلومة لنا أو لا تكون معلومة، فإن لم تكن معلومة لنا وجب أن لا نعلم كونه تعالى عالماً، ضرورة أن كونه عالماً عين ذاته المخصوصة معلومة.\rواحتجوا بأنه لو كان له صفة فإن كانت واجبة الوجود لزم تعدد واجب الوجود ولزم افتقاره إلى غيره، ضرورةَ أن الموصوف غير الصفة وافتقار الصفة إلى الموصوف، وإن كانت ممكنة الوجود فهذا باطل: أما أولاً فلأن كل ما هو ممكن الوجود عند القائلين بالصفات محدث، والدليل الدال على أن كل ممكن الوجود محدث فيلزم أن يكون الباري محلاً للحوادث، وهو ممتنع اتفاقاً.\rوأما ثانياً / فلأن كل ممكن الوجود فإنه مفتقر إلى المؤثر، فمؤثره إن كان هو الذات الموصوفة بها لزم الدور، لأن تأثير الذات فيها متوقف على حصول تلك الصفة له، ضرورةَ أن تأثير المختار في الشيء لا يتم إلا بالعلم والقدرة، فلو كان حصول العلم والقدرة له تأثيره لزم الدور، ولأنه يلزم كونَ الشيء فاعلاً وقابلاً معاً وهو محال، أو غيره فيلزم افتقار واجب الوجود في صفاته إلى غيره وهو محال، لأن ذلك الغير لا بد وأن يكون معلول واجب الوجود، ولما سيأتي أن واجب الوجود واحد لا شريك له، وحينئذ يلزم الدور.\rوجوابه: منع لزوم تعدد واجب الوجود، و هذا لأن التعدد فرع الغيرية وصفات الله تعالى عندنا ليست غير الذات.","part":1,"page":57},{"id":59,"text":"سلمناه: لكن بمنع امتناع تعدد واجب الوجود مطلقاً، بل في واجبين مستقلين، أما أحدهما ذات الآخر أو كلاهما صفة فلا.\rفإن قلتَ: الدليل الذي يقتضي امتناع تعدد واجب الوجود لسبب لزوم التركيب من جهة الاشتراك والامتيازات في الذات / والصفة فليمتنع التعدد فيهما.\rقلتُ: ذلك الدليل ضعيف، عُرِفَ ضعفه في موضعه، بل الامتناع بدليل التمانع وغيره مما لا يتأتى فيهما، ثم لا نسلم عدم جواز افتقار الواجب الغير المستقل إلى القابل.\rالمسألة الرابعة والثلاثون\rفي أن حقيقة الله تعالى غير معلومة للبشر الآن\rوهو مذهب القاضي مِنَّا وإمام الحرمين والغزالي وجمع من المشايخ المحققين والفلاسفة وأكثر المعتزلة، خلافاً للبعض مِنَّا ومن المعتزلة.\rلنا وجوه: أحدها: أن المعلوم منه ليس إلا أنه ذات مخصوصة موصوفة، إما بالصفات الحقيقية المحضة كالوجود والحياة، أو حقيقة مستلزمة للإضافة كالعلم والقدرة، أو بإضافية محضة ككونه قبل كل شيء أو بعد كل شيء، أو سلبياً ككونه ليس بجسم ولا جوهر، والعلم الضروري حاصل بأن الموصوف بهذه الصفات على سبيل الخصوصية غير معلوم لنا، وكوننا نعلم منه أنه ذات مستلزم اتصافه بهذه الصفات يقتضي علمنا بالذات من جهة أنها مستلزمة لا من جهة الخصوصية /.\rوثانيها: أن كل ما نعلم منه من أنه موجود واجب الوجود عالم وقادر ونحوه من الصفات، ولا يمتنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه، ونفس تصور ذاته وحقيقته المخصوصة نمنع منه، فذاته المخصوصة غير معلومة لنا.\rوثالثها: أنه لا طريق لنا إلى العلم بوجود واجب الوجود إلا افتقار الممكنات إلى ما ليس بممكن لبطلان الدور والتسلسل، ومعلوم أنه لا يفيد إلا العلم بوجود ذات موصوفة بوجوب الوجود والصفات التي يفتقر الخلق إليها.","part":1,"page":58},{"id":60,"text":"ورابعها: الأدلة السمعية كقوله تعالى: ?ولا يحيطون به علماً?، وكقوله عليه الصلاة والسلام: ?تفكروا [ في ] آلاء الله، ولا تفكروا في ذات الله?، وما ذاك إلا أنه لا سبيل إلى معرفته.\rاحتجوا: بأن ذاته وحقيقته لو لم تكن معلومة لنا امتنع الحكم عليها بحكم ما، لكن الثاني باطل، لأنا نحكم عليها بالوحدة والوجوب وغيرهما فالمقدم مثله.\rوجوابه: أنه يقتضي أن تكون معلومة لنا باعتبار ما لا باعتبار الحقيقة والخصوصية .\rالمسألة الخامسة والثلاثون\rفي أنه تعالى مرئي/\rقال الإمام: المراد منه أنه يحصل لنا حالة الانكشاف نسبتها إلى ذاته المخصوصة تعالى الله كنسبة الإبصار إلى المرئيات، وهذا يرفع الخلاف، فإن الخصم يقول به، ويؤول ما ورد في الرؤية على حصول العلم الجلي الجاري مجرى الرؤية بالله تعالى.\rبل المراد منه أنه يحصل لنا علم بالله تعالى برؤية العين وإبصارها، وهو أمرٌ زائدٌ على العلم الجلي، بل على الضروري وقد اعترف هو به في كتبه.\rثم اعلم أن كونه تعالى مرئياً مع امتناع كونه جسماً وجوهراً أو في جهةٍ ومكانٍ إنما هو مذهبنا خلافاً لسائر الفرق.\rأما الفلاسفة والمعتزلة فخلافهما فيه ظاهر.\rوأما الحشوية فلأنهم إنما يقولون برؤيته لاعتقادهم أنه جسم أو في جهة ومكان، فأما [ ما ] ليس كذلك فإنهم يقطعون بامتناع وجوده فضلاً عن صحة رؤيته.\rلنا وجوه:","part":1,"page":59},{"id":61,"text":"الأول: أن الجواهر والأعراض مرئية، لأنا نرى الطويل والعريض وهو جوهر، ونرى السواد والبياض بواسطة رؤية الأسود والأبيض، وإنكار رؤيتهما مع رؤية الأسود والأبيض مكابرة، فتكون / الرؤية حكماً مشتركاً بينهما، فيجب أن يكون له علة مشتركة، وإلا لزم تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين، وهو ممتنع، والمشترك بينهما إما الحدوث أو الوجود أو توابعهما، والحدوث وتوابعه لا يصلح للعلية، لأن الحدوث عبارة عن وجود سابق وعدم لاحق، فيكون العدم جزؤه، والعدم لا يصلح أن يكون جزء العلة فلم يصلح الحدوث للعلية، فتعين أن يكون العلة هو الوجود، والباري تعالى موجود فوجب أن يرى.\rالثاني: أن الإبصار عبارة عن كمال يحصل به مزيد كشف وإيضاح بالنسبة إلى ما هو المعلوم على ما تقدم تحقيق معنى الرؤية.\rثم إنه ليس بخروج الشعاع ولا بالانطباع، وأنه لا يفتقر إلى المقابلة ولا الاتصال بالأجسام، وبالنسبة المخصوصة على ما ثبت ذلك في مواضعها، وأنه معنى يخلقه الله تعالى في الحاسة وأجرى عادته بخلقه عند الإبصار، فلو خلق ذلك في عضو آخر لم يمتنع ذلك عقلاً، وهو لا يحيل خلق ذلك في الحاسة بالنسبة إلى إدراكه تعالى، فوجب الاعتراف بجوازه.\rالثالث: أن موسى عليه السلام سأل الرؤية من الله تعالى/ ولو كانت رؤيته تعالى ممتنعة لما سأل، لأن سؤال الممتنع لا يليق بالعقلاء، فكيف بالأنبياء.\rولا يمكن حمل ذلك على عدم معرفته بامتناع هذه الصفة أو إمكانه، بناءً على أن صحة النبوة لا تتوقف على معرفة هذه الصفة، لكن لا يمكن أن يكون آحاد المعتزلة أعلم بصفات الرب تعالى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rالرابع: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل، واستقرار الجبل ممكن، والمعلق على الممكن ممكن.\rادعى أبو الحسين البصري العلم الضروري بامتناع رؤية ما لا يكون مقابلاً ولا في حكم المقابلة.\rوجوابه: إن ادعى ذلك في الشاهد فمسلم، وإن ادعى مطلقاً فهو دعوى الضرورة في محل النزاع.","part":1,"page":60},{"id":62,"text":"واحتج الباقون بوجوه:\rالأول: إن كل ما يُبصَر لا بد وأن ينطبع مثاله وصورته في العين، والله تعالى منزه عن ذلك فيمتنع أن يرى.\rوجوابه: منع أن الرؤية هو نفس الانطباع أو تستلزمه، لأن انطباع الكبير في الصغير محال، ونحن نرى نصف كرة العالم.\rسلمناه: لكن فيما له صورة ومثال، فأما [ ما ] ليس له ذلك / فلا يتصور فيه الانطباع.\rالثاني: قوله تعالى: ?لا تدركه الأبصار?، المضاف إلى الإبصار إنما هو الرؤية، وهو نفي عام، فيتناول كل واحد من الأبصار.\rولأنه ذكر في معرض التمدح وكل ما كان عدمه مدحاً كان وجوده نقصاً، فلا يجوز اتصافه بأنه يدركه البصر لتنزهه عن النقائص وفاقاً.\rوجوابه: أن الإدراك رؤية مكيفة، وهو رؤية محيطة بجوانب المرئي، لأن الإدراك هو الوصول والإحاطة، ولا يلزم من نفي الرؤية المكيفة نفي أصل الرؤية.\rوأيضاً ( لا تدركه الأبصار ) سالبة جزئية، لأنه بمعنى ليس تدركه كل الأبصار، ولأنه نقيض لقولنا: تدركه الأبصار وهو موجبة كلية، فيكون نقيضه سالبة جزئية، ونحن نقول بمقتضاه، إذ لا تدركه أبصار الكفار.\rوأيضاً آية الرؤية خاصة بالأزمان والأشخاص، وهذه الآية الكريمة عامة، والخاص مقدَّم على العام.\rالثالث: قوله تعالى: ?لن تراني?، وكلمة لن للنفي على سبيل التأبيد، قال تعالى: ?لن تتبعونا?، وإذا لم يره موسى عليه السلام أبداً لم يره غيره أبداً إجماعاً.\rوجوابه: منع أنه يفيد النفي مؤبداً / وهذا لأنه استعمل في غيره، والأصل في الاستعمال الحقيقة، قال الله تعالى: ?ولن يتمنوه أبداً? فمع اقترانه بالتأبيد لا يفيد، لأنهم يتمنونه في الآخرة فيكيف يفيده بدونه، وحينئذ نحمله على نفيها في الدنيا.\rسلمناه: لكن يجب حمله على المجاز، جمعاً بين الدليلين.\rوعند هذا نقول: الأدلة السمعية كما دلت على صحة رؤيته تعالى، دلت على أن المؤمنين يرونه في الآخرة، وهي من وجوه:","part":1,"page":61},{"id":63,"text":"أحدها: قوله تعالى: ?وجوه يومئذ ناظرة إلى ربها ناظرة?، والنظر المقرون بكلمة ( إلى ) للرؤية، بدليل قوله تعالى: ?رب أرني أنظر إليك?، وليس المراد منه تقلب الحدقة نحو المرئي التماساً لرؤيته وإلا لزم أن يكون موسى عليه السلام أثبت الجهة لله تعالى، وإذا امتنع هذا المعنى تعين أن يكون للرؤية لئلا يلزم قول آخر مخالف للإجماع.\rوكذا قوله تعالى: ?أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت?، وتقليب الحدقة نحوها لا يفيد معرفة كيفية الخلقة.\rوكذا قول الشاعر:\rنظرتُ إلى مَنْ حَسَّنَ الله وجهَه…فيا نظرةً كادت على وامِقٍ تقضي\rوالذي يقضي على الوامق إنما هو رؤية المعشوق لا تقليب الحدقة /.\rوثانيها: قوله تعالى: ?للذين أحسنوا الحسنى وزيادة?، وأطبق أهل التفسير أن المراد من الزيادة الرؤية، وقد رُوي ذلك مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.\rوثالثها: قوله تعالى: ?فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً? واللقاء هو الرؤية لغة وعرفاً.\rورابعها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بطرق كثيرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: ?إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر?.\rالمسألة السادسة والثلاثون\rفي أنه تعالى واحدٌ لا شريكَ له ولا نِدَّ له ولا ضِدَّ له\rوالدليل عليه وجوه:\rالأول: لو فرض إلهان فإن لم يكن كل واحد منهما قادراً على كل الممكنات لم يصلحا للإلهية، لأن الإله هو القادر على كل الممكنات، وإن كان أحدهما قادراً دون الآخر فالإله هو القادر دون الآخر.\rوإن كان كل واحد منهما قادراً على ذلك، فلو أراد أحدهما تحريك جوهر وأراد الآخر تسكينه، فإن وجدا لزم اجتماع الضدين وهو ممتنع، وإن لم يحصل مراد كل واحد منهما، فهذا باطل: أما أولاً: فلأنه ارتفاع الضدين / لا واسطة بينهما وهو محال.\rوأما ثانياً: فلأنهما حينئذ عاجزان عن تحصيل مرادهما، والعاجز لا يصلح للإلهية.","part":1,"page":62},{"id":64,"text":"وأما ثالثاً: فلأن المانع من وجود مراد كل واحد منهما إنما هو وجود مراد الآخر، بدليل أنه لو سلم عن معارضة مراد الآخر لوجد(1)، فلو لم يوجدا معاً لزم أن يوجدا معاً، لأن العلة مع المعلول.\rوإن وجد مراد أحدهما دون الآخر، فالذي وجد مراده هو الإله، والذي لم يوجد مراده عاجز لم يصلح للإلهية، ولأن القدرتين متساويتان للغرض، فلو حصل مقدور إحدى القدرتين دون الآخر لزم الترجيح من غير مرجح.\rفإن قلتَ: الدليل مبني على إمكان المخالفة وهو ممنوع، وهذا لأن جهة المصلحة واحدة، و هما عالمان بكل المعلومات، حكيمان لا يخفى عليهما شيء من وجوه الحكمة والمصلحة، فلا يختاران إلا ما فيه المصلحة، وهو واحد، فلا يتصور بينهما المخالفة.\rقلتُ: أجيب عنه بوجوه:\rالأول: أنه مبني على القول بوجوب رعاية المصلحة وسيأتي إبطاله.\rالثاني: أن كل واحد منهما على الانفراد يَصحُّ منه إيجاد الحركة بدلاً عن السكون، وبالعكس /، فعند الاجتماع إن بقيت الصحتان فقد حصل الغرض وهو إمكان المخالفة، وإلا لزم خروج كل واحد منهما عن كونه قادراً على كل المقدورات، فلم يصلحا للإلهية، وإن بقيت صحة أحدهما دون الآخر فهذا باطل، لأنه ترجيح من غير مرجح، وبتقدير جوازه فالمقصود حاصل، لأن الذي بقيت صحة إيجاده لكل واحد منهما بدلاً عن الآخر هو الإله والآخر عاجز لا يصلح للإلهية.\rالثالث: أن الفعل إن لم يتوقف على الداعي لم يلزم من كون جهة المصلحة واحدة امتناع المخالف، وإن توقف لزم الجبر على ما يأتي ولزم عدم وجود رعاية المصالح على الإله فلم تمتنع المخالفة.\r__________\r(1) في الأصل: بدليل أنه لو سلم عن معارضة ومراد الآخر لو وجد فلو …إلخ.","part":1,"page":63},{"id":65,"text":"الثاني: لو كان للعالم إلهان لكانا واجبي الوجود، فلم يكن إلهاً، لأن ممكن الوجود من جملة العالم، فيمتنع أن يكون إله العالم(1)، وحينئذ يكونان متشاركين في الوجوب الذاتي ومتمايزين بالتعين، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فيلزم أن يكون كل واحد منهما مركباً مما به الامتياز ومما به الاشتراك، وكل مركب / ممكن، فيلزم أن يكون الواجب ممكناً، هذا خلف.\rوهذا عليه تعويل الفلاسفة، وهو ضعيف، بينا ضعفه في كتابنا المسمى بـ ( زبدة الكلام في عصمة الأنام ) .\rالثالث: أنه لا دليل على وجود الإله إلا وجود الممكنات لافتقارها في وجودها إلى مرجح ومحدث يوجدها لما سبق، وهو لا يدل على أكثر من واحد، وقد ثبت ذلك، فالقول بوجود إله آخر قول في أعظم مسألة من مسائل أصول الدين بغير دليل، وهو ممتنع.\rفإن قلتَ: هب أنه ممتنع، لكن لا يلزم منه القطع بنفيه لجواز أن يكون متوقفاً فيه، والمطلوب إنما هو القطع بالنفي، فإن تمسكتم في ذلك بأنه لا دليل على إثباته، وما لا دليل عليه يجب نفيه، فهذا لا يفيد اليقين.\rقلتُ: ذلك فيما لا ينحصر دليله، فأما إذا انحصر دليله في شيء وهو غير حاصل فيه وجب القطع بنفيه، وما نحن فيه كذلك لانحصار الدلالة في المخلوقات، وهي لا تدل [ إلا ] على خالق واحد.\r__________\r(1) في الفقرة خلل لم أتبين صوابه.","part":1,"page":64},{"id":66,"text":"الرابع: لو فرض إلهان لكان كل واحد قادراً على جميع الممكنات / لما سبق، وحينئذ يلزم وجود مقدروين قادرين، وهو ممتنع، لأنه إذا قصد كل واحد منهما إيجاده امتنع وقوعه بكل واحد منهما،لأن الأثر مع المؤثر التام واجب الوقوع، ووجوب وقوعه بأحدهما يمنع من إسناد وقوعه إلى الآخر، فلو وقع بكل واحد منهما لزم أن لا يقع بكل واحد منهما، ويمتنع أن لا يقع بكل واحد منهما، لأن المانع من وقوعه بأحدهما وقوعه بالآخر فلو لم يقع بكل واحد منهما لزم أن يقع بكل واحد منهما ولا جائز أن يقع بأحدهما دون الآخر، لأنه ترجيح من غير مرجح، وهو ممتنع، وبتقدير جوازه فالمقصود حاصل، لأن الذي يقع به هو الإله القادر دون الآخر، لأنه العاجز.\rوإن قيل: يقع بهما بمعنى أنهما يتشاركان في إيجاد موافقة مع أن كل واحد منهما قادر مستقل على الممكنات، فهو أيضاً باطل لما سبق في الإرادة.\rوأيضاً نفرض الكلام في إيجاد الجوهر الفرد الذي لا يمكن الاشتراك في إيجاده إذ لا يقبل التجزئ.\rاحتجوا: أنا نجد في العالم خيراً وشراً / والواحد لا يكون خيراً وشراً.\rوجوابه: أنا لا نسلم أن فاعل الشر شرير، وهذا لأنه من صيغ المبالغة، وهو غير لازم لفعل أصل الشر.\rسلمناه: لكن إذا كان فعل الشر مقصوداً بالذات أما إذا كان مقصوداً بالعرض فلا.\rسلمناه: لكن لا نسلم امتناع اجتماع الوصفين في الواحد، وكونه لا تجوز التسمية به، فإنما هو لأن أسامي الله تعالى توقيفية، وبتقدير أن تكون قياسية فإنما يجوز إطلاق ما لا يوهم الباطل.\rسلمناه: لكن متعارض بما أن فاعل الخير إن لم يقدر على دفع الشر فهو عاجز لم يصلح للإلهية، وإن قدر ولم يدفعه فهو شرير.\rالمسألة السابعة والثلاثون\rمذهب الشيخ وأكثر أصحابه والنجارية والجهمية أن الأفعال الاختيارية للحيوان واقعة بخلق الله تعالى، وأنه لا أثر للقدرة الحادثة في إيجاد ذات الفعل، ولا في إيجاد وصفه، وأثره فيه إنما هو بالكسب، وهو أحد قولي القاضي.","part":1,"page":65},{"id":67,"text":"وأما النجارية والجهمية فإنهم أنكروا أثرها في الكسب أيضاً، وهؤلاء هم الجبرية، والمراد بالتكسب هو ما يجده الإنسان / من نفسه من التفرقة الضرورية بين الأفعال الاختيارية، والرعشة الضرورية، وإن كان في التعبير عنه عُسْر(1).\rوذهب القاضي في القول الآخر إلى أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله تعالى، ووصف كونه طاعة أو معصية واقع بقدرة العبد، ويسمى هذا بالكسب.\rوذهب الأستاذ إلى أنها واقعة بمجموع القدرتين.\rوذهب جمهور [ ](2) وأبو الحسين البصري إلى أن القدرة والداعية توجدان الفعل، واختاره الإمام، وقريب منه قول إمام الحرمين، فإنه قال: القدرة مع الإرادة توجدان الفعل، أو هو هو، والتغاير في اللفظ دون المعنى، فإنه وإن كان بين الإرادة والداعية فرق لكن المراد منها هنا ما يكون مقترناً بالداعية، فإن الإرادة المنفكة عن الداعية قد لا يوجد الفعل معها، فعلى هذا العبدُ فاعلٌ بالحقيقة، ومع ذلك تكون الأفعال كلها واقعة بقضاء الله تعالى.\rوذهب محمود الخوارزمي إلى أن الفعل يصير إذ ذاك أولى بالوقوع، ولا ينتهي إلى حد الوجوب.\rوذهبت بقية المعتزلة والشيعة إلى أن / العبد مستقل بإيجاد الفعل، وأن القدرة الحادثة لها تأثير في إيجاد الفعل واختراعه، لكنهم قالوا: العلم به نظري.\rلنا وجوه:\rالأول: لو كان العبد خالقاً لأفعال نفسه لزم أن يكون عالماً بتفاصيلها،لأن فعل المختار مشروط بالقصد والاختيار، وهو مشروط بالشعور به، فإذا كان قادراً على الفعل والترك، وقادر على إيقاعه أزيد منه أو أنقص كان إيقاعه بذلك الوجه دون غيره مشروط بالشعور به، ولهذا قال الله تعالى: ?ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير?.\r__________\r(1) انظر في تفاصيل مسألة الكسب كتاب الانتصار للأستاذ سعيد فودة حفظه الله تعالى.\r(2) كلمة مطموسة.","part":1,"page":66},{"id":68,"text":"ولأنا لو وجدنا صدور الفعل من المختار بغير قصد واختيار منه لتعذر الاستدلال بالإيقان والإحكام على علم الفاعل، وحينئذ ينسد باب إثبات كون الصانع عالماً لكنه غير عالم لأن الساهي والنائم لا علم لهما بأفعالهما أصلاً، لا وجوداً ولا كماً ولا كيفاً، وأن البطؤ عند المتكلمين لتخلل السكتات مع أن فاعل الحركة البطيئة لا يشعر بكميات السكتات المتخللة.\rالثاني: أن العبد إذا لم يتمكن من الفعل والترك لم يكن فاعلاً مختاراً / وإن تمكن منهما فرجحان أحدهما على الآخر إن لم يتوقف على مرجح لزم الترجيح من غير مرجح وهو ممتنع، وإن توقف فذلك المرجح ليس من العبد، وإلا فالكلام فيه كالكلام في أصل الفعل ولزم التسلسل، وهو ممتنع، بل من الله تعالى.\rوعند وجوده وجب الفعل لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح، وخلاف ما فرض من المرجح التام، وحينئذ يلزم أن لا يكون فاعلاً مختاراً، وهو المطلوب، لأنه يلزم منه أن لا يكون خالقاً لأفعال نفسه قطعاً، إذ الخلق مع كونه غير مختار غير معقول وخلاف الإجماع.\rالثالث: أن كل ما سوى الله تعالى ممكن الوجود لما سبق، وكل ممكن فالله تعالى قادر عليه، لأن المصحح للمقدرية إنما هو الإمكان لأنه معنى عام في جميع المقدورات دارت المقدرية معه وجوداً وعدماً، وأفعال العباد من جملتها فيكون الله تعالى قادراً عليها، فلو قدر عليها العبد أيضاً لزم وجود مقدورين قادرين، وهو باطل لما سبق.\rالرابع: الفعل الاختياري لا يقع إلا عن قصدٍ واختيار، والعاقل لا يختار الجهل والكفر، فإن / كل واحد من العقلاء يريد أن يكون معتقداً للحق ومعتقداً للشيء على ما هو عليه في نفسه، فلما لم يرد العبد الكفر والجهل وحصل له، والذي أراده وقصده لم يحصل له، دلَّ ذلك على أنه ليس من فعله الاختياري.\rفإن قلتَ: هو قصده واختاره لاعتقاده أنه الحق والعلم.","part":1,"page":67},{"id":69,"text":"قلتُ: فاعتقاده لذلك الكفر أنه الحق، ولذلك الجهل أنه العلم جهل آخر، والكلام فيه كالكلام في الآخر، ولا يتسلسل بل ينتهي إلى جهلٍ يخلقه الله تعالى فيه وتترتب سائر الجهالات عليه.\rالخامس: قوله تعالى: ?الله خالق كل شيء? وقوله تعالى: ?وخلق كل شيء فقدره تقديراً?، وقوله تعالى: ?والله خلقكم وما تعملون?.\rاحتجوا: لو لم يكن العبد مستقلاً بأفعال نفسه لبطَلَ الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب.\rوجوابه: أنه يلزم(1) عليكم أيضاً من وجوه عدة، من جهة ما علم أنه لا يقع مع أنه كلف به، ومن جهة أنه أمر أبا لهب بالإيمان، ومن الإيمان تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنه لا يؤمن، فقد كلفه بأن يؤمن وبأن لا يؤمن، وفيه نظر من جهة / أن التكليف بالشيء إن كان حال استواء الداعي لزم الترجيح حال الاستواء وإلا لزم التكليف بالواجب أو الممتنع، فكل ما هو جوابكم في هذه الصورة فهو جوابنا في خلق الأعمال.\rالمسألة الثامنة والثلاثون\rفي إثبات القدرة الحادثة\rوالخلاف فيه مع الجهمية وغيرهم من الجبرية الخُلَّص القائلين بأنه لا تأثير للعبد في فعله بوجه ما، بل ما يصدر منه من الأفعال جار مجرى تحرك الأغصان والأوراق بالريح.\rوالدليل عليه: أنا ندرك التفرقة بين الإنسان السليم الأعضاء وبين الزَّمِن المقعد، وأنه يصح الفعل من الأول دون الثاني.\rونجد أيضاً تفرقة ضرورية بين الرعشة الضرورية والحركة الاختيارية، وليست تلك التفرقة عائدة إلى صفتي الحركتين، إذ لا اختلاف بين الحركتين إلا في صفة الاضطرار والاختيار، وهما من صفات المتحرك لا الحركة، ولهذا يقال: حركة المضطر والمحتاج.\r__________\r(1) في الأصل: لا يلزم.","part":1,"page":68},{"id":70,"text":"ثم نقول: كونه مختاراً ليس عدمياً، وإلا لما صح سلبه عن الأعدام، ولأنه نقيض قولنا: ليس بمختار وهو عدمي، فهو وجودي / وليس هو ذاته أو بعض ذاته لوجودهما حالة عدم الاختيار فهو صفة زائدة عليهما، ومن المعلوم أنه ليس عبارة عن الحياة والعلم والقدرة ونحوها من الصفات لوجودها حالة عدم الاختيار، فهو إذن صفة أخرى بعبر عنه بالقدرة الحادثة.\rوأورد عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون ذلك عائداً إلى انتفاء الآفات واعتدال المزاج، فإن ادعيتم هذا القدر فمسلَّم، وإن ادعيتم معنى آخر فممتنع.\rوأجيب: بأن الانتفاء عدمي، فلم يجز جعله عبارة عنه.\rالمسألة التاسعة والثلاثون\rفي أن الاستطاعة مع الفعل لا قبله عندنا\rووافقنا النجار وأبو عيسى الوراق وابن الراوندي ومحمد بن عيسى.\rوعند المعتزلة عكسه.\rلنا: أنه لا معنى للاستطاعة إلا مجموع ما يتم الفعل به، ولا شك في أن ذلك لا يمكن أن يتقدم على الفعل وإلا لزم تخلف الأثر عن المؤثر التام.\rواحتجوا بأن المستطيع على الفعل مستطيع على الترك، وإلا لم يكن مستطيعاً، وحالة الفعل لا يمكن الترك، فهو إذن قبله.\rوجوابه: أنه مبني على أن القدرة صالحة للضدين، وهو ممنوع عندنا على ما يأتي /.\rوالحق في ذلك أنه أريد(1) بها بيان سلامة البينة عن الآفات واعتدال المزاج.\rوإن أريد بها معنى قائم بالذات به يصح الفعل والترك وقيل ببقاء الأعراض فالاستطاعة قبله، وإلا فمعه.\rالمسألة الأربعون\rقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: القدرة الحادثة غير صالحة للضدين، خلافاً للمعتزلة.\rوهو مبني على أن الاستطاعة مع الفعل أم قبله.\rفمن قال بالأول قال: القدرة لا تصلح للضدين، لأن مجموع ما يتم به الفعل يستحيل أن يكون هو مجموع ما يتم به الترك.\rومن قال بالثاني قال: بأنه صالح للضدين ضرورة أنه لا اختصاص له بأحدهما، بل هما بالنسبة إليه سواء.\r__________\r(1) في الأصل: إن أريد.","part":1,"page":69},{"id":71,"text":"تنبيه: التقابل بين القدرة الحادثة والعجز تقابل التضاد عندنا، وقالت الفلاسفة: تقابل العدم والملكة، أي هو عدم القدرة عما من شأنه أنه يقدر.\rلنا: أنه ليس جعل العجز عبارة عن عدم القدرة أولى من العكس، فإما أن يقال: إنهما عدميان وهو باطل وفاقاً، فتعين أن يكونا وجوديين.\rاحتجوا: بأنا متى تصورنا عدم القدرة / عما من شأنه أن يقدر تصورنا العجز، وإن لم نعقل فيه أمراً آخر، وذلك يدل على أنه لا معنى للعجز إلا هذا العدم.\rالمسألة الحادية والأربعون\rاتفقوا على أن القادر كما يقدر على الفعل يقدر على الترك، لكنهم اختلفوا في معناه، فمنهم من قال: هو أن لا يفعل شيئاً ويبقى الأمر على العدم الأصلي.\rوهذا فيه نظر لأن القدرة صفة مؤثرة، و ( أن لا يفعل ) عدمٌ محضٌ، فامتنع أن يكون أثره، ولأن الشيء حال بقائه غير مفتقر إلى المؤثر، فهو غير مقدور، فالعدم الباقي أولى.\rومنهم من قال: هو عبارة عن فعل الضد، وهو باطل لأن الباري سبحانه وتعالى في الأزل كان تاركاً لخلق العالم، فيلزم أن يكون فاعلاً لضد العالم، فيكون ضد العالم قديماً، فيمتنع زواله، فيمتنع وجود العالم.\rولأن الجمع بين الأزل والفعل محال، ولأن من استلقى على قفاه ولم يفعل شيئاً أصلاً يعلم بالضرورة أنه لم يفعل شيئاً، فكيف يمكن أن يقال: فعل الضد !!\rوالأول أقرب.\rالمسألة الثانية والأربعون\rفي أنه تعالى مريد لجميع الكائنات\rخلافاً للمعتزلة وكل من قال بالقدر.\rفالإرادة عندنا توافق العلم / فما علم وقوعه فقد أراده، وما علم عدمه فقد كرهه.\rوعندهم توافق الأمر، فما أمر به فقد أراده، وما نهي عنه فقد كرهه.\rلنا وجوه:","part":1,"page":70},{"id":72,"text":"الأول: أن الله تعالى أمر الكافر الذي مات على الكفر بالإيمان، لأن الله تعالى أمر جميع الكفار بالإيمان إجماعاً، وقد مات بعضهم على الكفر، فثبت أنه أمر الكافر الذي مات على الكفر بالإيمان، فلو كان الأمر موافقاً للإرادة لوجب أن يكون إيمانه مراداً لله تعالى، لكنه باطل، لأنه تعالى علم منه أنه يموت على الكفر، فلو صدر منه الإيمان لزم أن يكون علمه تعالى به جهلاً وهو ممتنع، فصدور الإيمان منه محال، والعالم بإحالة الشيء لا يكون مريداً له وفاقاً.\rالثاني: أن كل ما يدخل في الوجود فهو بقدرة الله تعالى على ما يأتي، والفاعل لشيء مريد له وفاقاً.\rالثالث: أنه إذا كان ما يريده لا يقع وما لم يرده يقع مع أن وقوع ما لا يريد وقوعه أكثر من وقوع ما يريد وقوعه قدح ذلك في كمال عزته وقدرته، ولو فوض زعامة قرية إلى واحد ورأى أن ما يجري فيها من الأمور على خلاف إرادته أكثر لاستنكف عن تلك الزعامة.\rالرابع: إجماع السلف والخلف على صحة قوله: / ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وهو صريح الدلالة على المطلوب.\rواحتجوا: أنه تعالى حكيم منزه عن النقائص، وإرادة الفسق والكفر والفساد غير لائق به لكونه مضاد الحكمة ولكونه سفهاً ونقصاً.\rوجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح، وسيأتي إبطاله.\rالثاني: أن كل من أمر بشيء فإنه مريد له، ولهذا [ لو ] قال معه: أريد أن لا تمتثله عد مناقضاً.\rوجوابه: منع أنه مناقض، وسنده ظاهر، سلمناه: لكنه فيما إذا قال ذلك للمأمور، فأما إذا قال ذلك لغير مأمور فلا نسلم ذلك.\rالمسألة الثالثة والأربعون\rفي أن جميع الممكنات واقعة بقدرة الله تعالى\rخلافاً للفلاسفة والصابئة والمنجمين والطبائعيين والثنوية وبعض النصارى والمعتزلة والشيعة.","part":1,"page":71},{"id":73,"text":"لنا: أن الإمكان هو المصحح للمقدورية، ولدورانها معه وجوداً وعدماً، دوراناً خارجياً وذهنياً، فيكون علة له، لأن الدوران الخارجي وإن لم يفد القطع بالعلية على الرأي الأظهر، لكن الذهني يفيده، والمقتضي لكونه قادراً على البعض إنما هو ذاته، ونسبته إلى الكل على السواء، فيكون مقتضياً / للقدرة على الكل، فإذا كان الله تعالى قادراً على كل الممكنات وجب أن لا يكون شيء منها مقدوراً لغيره، وإلا لزم حصول مقدور بين قادرين، وهو ممتنع لما سبق.\rالثاني: لو وقع شيء من الممكنات بغير الله تعالى لوقع كلها به، لأنه إذا كان علة للوجود في بعضها كان علة له في كلها، لاتحاد مسمى الوجود في كلها، فثبت الملازمة، لكن اللازم باطل بإطباق العقلاء، وبالدليل فالملزوم مثله.\rالثالث: إن ما هو مقدور غيره تعالى إن كان مقدوراً لله تعالى لزم وجود مقدورين قادرين، وهو ممتنع، وإلا لزم عجزه تعالى، وهو باطل لما سبق.\rاحتجوا بقوله تعالى: ?فتبارك الله أحسن الخالقين?.\rوجوابه: أن الخلق في الآية الكريمة بمعنى التقدير، وهو حقيقته اللغوية، ويجب الحمل عليه، وإن كان خلاف المعنى العرفي، جمعاً بين الدليلين، ولأنه يجوز ذلك بناء على زعم الكفرة، كقوله تعالى: ?أين شركائي?.\rالثاني: قوله تعالى: ?الذي أحسن كل شيء خلقه?، دل على أنه لا يخلق القبيح وهو من فعل العبيد.\rوجوابه: أن أحسن بمعنى علم، كما يقال: فلان يحسن الصنعة الفلانية، بمعنى أنه يعلمها / فيكون المعنى أنه علم كل شيء خلقه، وهو كقوله تعالى: ?ألا يعلم من خلق?.\rالمسألة الرابعة والأربعون\rفي أنه لا يثبت الحسن والقبح في أفعاله وأحكامه تعالى بالعقل","part":1,"page":72},{"id":74,"text":"فلا يمكن أن يقال بالنسبة إلى شيء من الأفعال: هذا قبيح فلا يكون من فعله تعالى، وبالنسبة إلى شيء من أحكامه: هذا قبيح فيكون حراماً ومنهياً عنه، لأنه إنما ثبت له صفة القبح والحرمة بالنهي الوارد من جهة الشرع لا أن ورود النهي من جهته بالقبح الثابت له من جهة العقل، فيكون القبح مستفاداً من النهي، والنهي مستفاد من القبح.\rخالفنا في ذلك المعتزلة والكرامية والشيعة والخوارج والبراهمة والثنوية والتناسخية.\rواعلم أن ما يدل على سبيل التخصيص على عدم تطرق القبح في أحكامه فيذكر في أصول الفقه، وأما الذي يذكر في هذا المقام ما يدل على عدم تطرقه بالنسبة إلى أفعاله خصوصاً أو عموماً، وإن كان يلزم من عدم ثبوته في أحدهما عدم ثبوته في الآخر إجماعاً، فإنه لم يقل أحد من العقلاء بالفصل بينهما.\rلنا وجوه:\rالأول: أنه ثبت أنه تعالى / خالق أفعال العباد، ومعه يتعذر القول بالتحسين والتقبيح، وهو ظاهر.\rالثاني: أنه تعالى متصرف في ملكه، والتصرف في الملك لا يكون قبيحاً.\rالثالث: لو كان القبح للفعل بالعقل فهو إما نفس الفعل وهو باطل، لأنا بعد تعقل الفعل قد نشك في حسنه وقبحه، ولو كان نفسه لما كان كذلك، ولأن قبح الفعل قد يختلف بأمور خارجية كالقتل قصاصاً حسن وابتداء قبيح، ولو كان نفس الذات لما كان كذلك، أو زائداً عليه وهو أيضاً باطل، لأنه صفة ثابتة للقبيح، لامتناع أن تكون صفة الشيء غير ثابتة له، وهو ثبوتية لكونه نقيض اللاقبح المحمول على العدم، وحينئذ يلزم قيام المعنى بالمعنى، لأن بعض المعاني وصف به.\rالرابع: لو ثبت القبح لفعل بالنسبة إلى الله تعالى، فإما أن يكون لا مع القدرة عليه، أو القدرة عليه، والقسمان باطلان، فبطل القول به.\rأما الأول فلأنه يلزم منه العجز، لأن الأفعال القبيحة ممكنة لوجودها في الخارج، وعدم الاقتدار على الممكن عجز.","part":1,"page":73},{"id":75,"text":"وأما الثاني فإما أن يقال بامتناع الداعي إلى فعله في حقه أو لا بامتناعه، والأول باطل، لأنه إنما يقطع به في حق من / أفعاله معللة بالحكم والمصالح، وذلك غير ثابت في أفعاله لما سيأتي.\rوالثاني يقتضي جواز وقوع فعل القبيح منه للقدرة عليه، وإمكان وجود الداعي إليه، لكنه باطل بالإجماع، فثبت أن تطرق القبيح إلى أفعاله تعالى يؤدي إلى هذه الأقسام الباطلة، فيكون باطلاً.\rاحتجوا بأن العلم الضروري حاصل بحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضار، وليس هو مستفاد من الشرائع لحصوله لمنكريها كالبراهمة.\rوجوابه: منع حسنه وقبحه بالمعنى المتنازع فيه، وهو كونه متعلق الثواب والعقاب آجلاً، والمدح والذم عاجلاً، بل بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، وبمعنى صفة الكلام والنقص.\rالثاني: لو لم يكن التحسين والتقبيح عقلياً لحسن من الله تعالى شيء، ضرورة أنه لا قائل بالفصل، ولو حسن منه شيء لحسن منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، ولزم التباس النبي بالمتنبي، ولحسن منه الكذب فلم يعتمد على إخباره.\rوجواب الملازمة الأولى أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه، بل قد يجزم بانتفائه، وبأنه إن جاز خلق المعجزة لا لغرض، أو لغرض غير التصديق، فالسؤال وارد عليكم، والجواب واحد / وإلا وجب تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض والمصالح، وسيأتي إبطاله.\rالمسألة الخامسة والأربعون\rفي أن أفعال الله تعالى يمتنع أن تكون معللة بالأغراض والمصالح\rخلافاً للمعتزلة والشيعة.\rلنا وجوه:\rأحدها: أنه لو كان فعله لغرض فإن كان لا يوجد إلا مع الفعل أو متراخياً عنه، فيلزم أن يكون المحدث قديماً، لأن كل فعل المختار حادث لما سبق، وإن كان حادثاً فالكلام فيه كالكلام في الأول، فيلزم إما التسلسل أو فعل الشيء لا لغرض، والأول باطل فتعين الثاني، وهو المطلوب.\rالثاني: إن حصول ذلك الغرض إن لم يكن أولى به من حصوله لم يكن عرضاً وإلا لزم أن يكون ناقصاً في نفسه مستكملاً لغيره، وهو على الله تعالى محال.","part":1,"page":74},{"id":76,"text":"ورُدَّ بمنع لزوم الاستكمال، وهذا لأنه يجوز أن يكون أولى به لكونه إحساناً إلى الغير، ولا يلزم من كون ذلك الإحسان أولى به أن يكون ناقصاً في ذاته أو في شيء من صفاته، لأن هذه الأولوية إنما هي من جهة الفعل، فلم يكن له تعلق بالذات ولا بصفات الذات، بل حصول هذه الأولوية نتيجة كمال الذات وصفاته، نعم يحصل كمال فعلي لم يكن حاصلاً من قبل / لأن كونه محسناً وموجداً وخالقاً من جملة صفات الكمال، وإلا لما جاز إطلاقه عليه، لكن لا يمكن حصول هذا النوع من الكمال إلا بهذا الطريق، فلا امتناع فيه.\rالثالث: فعله لو كان لغرض لم يجز أن يكون عائداً إلى الله تعالى لتنزهه عن ذلك، ولا إلى العبد وهو إضراره وإساءته إجماعاً، فتعين أن يكون نفعه أو صلاحه، لكنه باطل، بمناظرة تفرض في الدار الآخرة بين مطيع وكافر وصبي مات مسلماً، فإن أصلهم يوجب أن يكون المطيع في الدرجات، والكافر في الدركات والصبي من أهل الجنات والسلامة، فلو سأل: لم حرم الدرجات ؟ فيقال له: لأنك لم تكن من أهل الطاعات والجد والاجتهاد، فيقول: يا إله العالمين، هلا عمرتني حتى كنت بالغت في الطاعات وأتيت بالتكليفات ؟ فيقول الله تعالى: إنما لم أعمرك لأني علمت أنك إذا بلغت كفرت، فكان صلاحك في موتك في صغرك، فيقول الكافر البالغ: هلا امتني في صغري فإني كنت راضياً أن أكون من أهل النجاة وإن لم يصل إلي الثواب، فلم راعيت مصلحته ولم تراع مصلحتي ؟ فلم يبق للقائل بوجوب تعليل الأفعال برعاية الأصلح جواب.\rالرابع: إنظار إبليس وتمكينه وإجراؤه / من أن يجري مجرى الدم بالوسواس، وتكليف الإنسان بما تركه يوجب الخلود في الجحيم، مع العلم بأنه يتركه، وإماتته الأنبياء عليهم السلام ليس مصلحة لهم.\rاحتجوا: بأن الفعل الخالي من الغرض عبث، وهو منفي عن الله تعالى ، لقوله تعالى: ?أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون?.\rوبالإجماع فإنه لا يجوز أن يطلق عليه أنه عابث.","part":1,"page":75},{"id":77,"text":"وجوابه: منع أنه عبث، وهذا لأن العبث عندنا هو الفعل الذي يقصد بفعله شيء وهو لا يؤدي إليه، وإنما لا يجوز إطلاقه عليه لأن أسامي الله تعالى توقيفية.\rالمسألة السادسة والأربعون\rأنه يجوز من الله تعالى أن يكلف عبيده بما لا يطيقون\rخلافاً للمعتزلة.\rوالدليل عليه المعقول والمنقول.\rأما الأول: فمن وجوه: أحدها أن الله تعالى كلف الكافر الذي علم أنه يموت على الكفر بالإيمان لما سبق، وصدور الإيمان منه محال، لاقتضائه انقلاب العلم جهلاً، فتكليفه بالإيمان تكليف بالمحال.\rوثانيها: أن أفعال العباد إما أن تكون مخلوقة لله تعالى، وإما أن تكون مخلوقة لهم، فعلى الأول لزوم تكليف ما لا يطاق ظاهر، وكذا على الثاني / لأن صدور تلك الأفعال منهم متوقفة على دواعي مخلوقة لله تعالى، وعندنا يجب الفعل لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح، ولئلا يلزم التسلسل وحينئذ يكون الفعل إما واجب وإما ممتنع، وعلى التقديرين يكون التكليف به تكليفاً بالمحال.\rوثالثها: أن الله تعالى أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم عن أقوام أنهم لا يصدقونه، ثم أنه تعالى أمرهم أن يصدقوه في جميع أقواله، ومن جملة أقواله أنهم لا يصدقوه، فكيف يصدقونه في أن لا يصدقوه ؟ وما هذا إلا تكليف بالجمع بين النقيضين.\rورابعها: أنه أمرنا بما علم أنه لا يقع منا، وهو تكليف بالمحال.\rوخامسها: لو لم يكن ممكناً لاستحال طلب دفعه، لأنه تحصيل الحاصل، وقد سألوه في قوله تعالى: ?ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به?.\rاحتجوا: بأنه لو جاز تكليف ما لا يطاق لجاز التكليف بالجمع بين الضدين وبالطيران إلى السماء، وبقلع الجبال وتكليف الأعمى بنقط المصحف، وكل ذلك سفه وعبث قبيح، وهو على الله تعالى محال.\rأو نقول: إنه قبيح عرفاً، فيكون قبيحاً شرعاً، لقوله عليه الصلاة والسلام: ( ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن /، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح ).","part":1,"page":76},{"id":78,"text":"وجواب الأول: أنه مبني على التحسين والتقبيح، وقد سبق إبطاله.\rوجواب الثاني: أنه خبر واحد فلا يتمسك به فيما في مثل ما نحن فيه.\rسلمناه، لكن معناه إن شاء الله تعالى: ما رأوه قبيحاً فهو عند الله قبيح بالنسبة إلى ما رأوه لا بالنسبة إلى غير ما رأوه، فيكون الاستدلال به متوقفاً على أنهم رأوا ذلك قبيحاً عند الله تعالى، فإثبات كونه قبيحاً عند الله تعالى به دور.\rالمسألة السابعة والأربعون\rفي أن القول بوجوب شيء على الله تعالى محال\rخلافاً للمعتزلة، فإنهم قالوا: يجب على الله تعالى الخلق والتكليف واللطف والرزق وإيصال الثواب إلى المطيع وإيصال العقاب إلى الفاسق، وأوجب البغداديون منهم خاصة الأصلح في الدنيا.\rلنا: أنه لا يعقل الوجوب إلا لموجب، وهو إما غيره وهو باطل، أما أولاً فبالإجماع، وأما ثانياً فلأن كل ما هو غيره فهو خلقه فيستحيل أن يكون له الإيجاب عليه، وإما هو وهو أيضاً باطل، لأن الإيجاب نسبة بين الموجب وبين الموجب عليه، وإنساب الشيء إلى نفسه محال، ولأن المعقول من كون الشيء واجباً أن / يكون في تركه ضرر أو ذم آجلاً أو عاجلاً، ولحوق ذلك في حق الله تعالى من غيره أو من نفسه محال، ولأن القول بالوجوب على الله تعالى منافي ألوهيته، ولأن الألوهية تقتضي الحكم والفضل بمحض الاختيار والقهر والاستيلاء، والوجوب يقتضي الاضطرار إلى فعله، ولأنه يقتضي أن لا يكون لله تعالى منة فيما يفعله في عبيده من الإحسان والإنعام من النعم الدينية ولا فيما رزقهم، لأن ذلك واجب عليه ولا منة للشخص فيما يفعله من الواجب، فإنه إنما يفعله لدفع الذم عن نفسه.\rواحتجوا: بأنه تعالى عالم بقبح القبيح وعالم بغناه عنه، ومن كان كذلك يمتنع منه فعله، ولا نعني بقولنا: ( يجب عليه ترك القبيح ) سوى هذا.","part":1,"page":77},{"id":79,"text":"وجوابه: لا نسلم أنه عالم بقبح القبيح بالنسبة إلى نفسه، وإن علم بالنسبة إلينا، لأنه لا يثبت القبح بالنسبة إليه البتة، فكيف يمكن أن يقال: إنه عالم بقبح القبيح ؟\rسلمناه، لكن لا نسلم أن كل من كان كذلك يمتنع منه الفعل، والدوران لو سلم لا يفيد العلية، وقياس الغائب على الشاهد ممنوع.\rوإذا ثبت أنه لا يجب عليه شيء فلا يجب عليه رعاية الأصلح، ولا رعاية / الصلاح ولا غيره.\rوذهب أكثر المعتزلة إلى أنه يجب على الله تعالى رعاية الأصلح في الدين، وذهب بشر بن المعتمر إلى أنه يجب رعاية الصلاح دون الأصلح.\rثم الذي يدل على سبيل الخصوصية أنه لا يجب شيء منهما، فإنه لو كان كذلك لما كان لله تعالى منة على العبد في الهداية، ولا فيما أعطاه من التوفيق في فعل الطاعات، لأن ذلك حينئذ حق واجب عليه، ومن أدى ما هو واجب عليه لا منة له على غيره في فعله، خلاف قوله تعالى: ?بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان? وأمثاله مما يتضمن المنة، والأمر بالشكر بسبب ما أنعم الله تعالى على العبيد من النعم الدينية كثيرة.\rولأن القول بوجوب رعاية الأصلح يقتضي تناهي القول بمقدروات الله تعالى، لأنه يقتضي أن كل ما فعل الله بالشخص من النعم الدينية فهو منتهى القدرة، إذ لو كان بقي في مقدوره ما هو أصلح منه لفعله لا محالة.\rولأن الأمة مجمعة على مسألة العصمة والمعونة بتوفيق الله تعالى، وتحصيل الحاصل محال.\rوالذي يهدم هذا الأصل بالكلية هو ما ذكرناه من المناظرة.\rالمسألة الثامنة والأربعون /\rفي أنه يجوز على الله تعالى إيلام البريء\rمن غير جرم سابق وثواب لاحق عقلاً،\rوإن امتنع ذلك عليه شرعاً في حق المؤمنين المتقين لما وعدهم من جنات النعيم\rخلافاً للمعتزلة.\rلنا: أنه متصرف في ملكه، ولا يتصور أن يعدو تصرفه ملكه، فوجب أن يحسن منه، ضرورةَ أن التصرف في ملك نفسه حسن.","part":1,"page":78},{"id":80,"text":"ثم الذي يدل على جوازه وقوعُه، فإن ذبح البهائم إيلام لها، وما صَبَّ عليها من جهة الآدميين من أنواع العذاب لم يتقدمه جريمة منها.\rوزَعْمُ من اعتقد أنه يجب على الله تعالى أن يحشرها ويجازيها على قدر ما قاست من الآلام، فباطلٌ عقلاً وشرعاً لما سبق من أنه لا يجب عليه شيء أصلاً لا عقلاً ولا شرعاً.\rوإن أراد به أنه يجب ذلك بطريق الوعد، فإن الواجب يطلق على ما تركه يؤدي إلى المحال، كما يقال: إنما هو معلوم الوقوع يجب وجوده فكذا تركه، وما وعد به يؤدي إلى كذب الخبر، فيكون فعله واجباً، فهذا مسلم إن ثبت الوعد به.\rالمسألة التاسعة والأربعون\rفي الأعراض وأحكام الثواب والعقاب\rفعل الطاعة ليس علة لاستحقاق / الثواب عليه، وإذا أصابه ألم أو مشقة لم يجب على الله تعالى إيصال العوض إليه عندنا، خلافاً لمعتزلة البصرة.\rلنا وجوه:\rالأول: ما بينا أن القول بالوجوب على الله تعالى باطل، فالقول بوجوب إيصال الثواب إلى المطيعين باطل.\rالثاني: إن نعم الله تعالى على العبد عموماً وخصوصاً لا يمكن إحصاؤها، لقوله تعالى: ?وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها?، وإنها توجب عليه الشكر والاشتغال بطاعته، أما عندنا فبالسمع، وأما عند الخصم فبالعقل، والجزاء لا يوجب خبراً آخر.\rالثالث: أنه لو وجب عليه إيصال الثواب، فإن لم يصح منه الترك لزم أن لا يكون فاعلاً مختاراً وإن صح ولم يثبته كان مستحقاً للذم، وإن فعله كان دافعاً للذم بذلك الفعل، فيكون مستكملاً به، وهو على الله تعالى محال، ولا ينقض بالمعلوم، لأن العلم بالوقوع التابع للقصد إلى إيقاعه، فلم يكن منافياً للمتبوع، بخلاف ما نحن فيه، فإن فعل العبد واقع بقدرته، فلو وجب على الله تعالى الإثابة بذلك الفعل لكان العبد قد ألجأ الله تعالى إليها، بحيث لا يتمكن من تركها / وهو ممتنع.\rاحتجوا بقوله تعالى: ?جزاء بما كانوا يعملون?، ونحوه من النصوص.","part":1,"page":79},{"id":81,"text":"وجوابه: أن العمل معرِّف بحصول الثواب بحكم الوعد لا موجب، فلا دلالة له على المطلوب.\rسلمنا أنه موجب لكن بإبجاب الله تعالى لا بذاته.\rالمسألة الخمسون\rأكثر الأمة على أن الكافر يخلد أبداً في النار\rوالعاصي غير الكافر لا يعاقب عند المرجئة، وهو مذهب مقاتل بن سليمان، وعند المعتزلة والخوارج يقطع بعقابه.\rوعندنا أنه لا يقطع بالعقاب ولا بالعفو، هذا في حق المعينين، وإن كنا نقطع بوقوع عفو الله تعالى في الجملة وأن الله تعالى يعفو عن بعضهم، لما ورد في السمعيات الدالة عليه.\rاحتجوا – المرجئة – بقوله تعالى: ?إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى?، وهو لا يصدق إلا على الكافر، وبقوله تعالى: ?كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير?، وهو يدل على أن كل من دخل النار يقولون: قد جاءنا نذير فكذبنا، وقوله تعالى: ?إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين?.\rومن الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: ?من قال لا إله إلا الله دخل الجنة?.\rوبأن الإيمان أقوى / من الكفر، فكما لم ينفع الكفر طاعة لم تضر مع الإيمان معصية.\rواحتج المعتزلة بقوله تعالى: ?ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله ناراً خالداً فيها?، ومن ترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فقد تعدى الحدود.\rوبقوله تعالى: ?ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها? ?ومن يعمل سوءاً يجز به? ?ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره? ?ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً فسوف نصليه ناراً?، وأمثاله من النصوص كثيرة.\rوجوابه الكلي دون التفصيلي عن كل واحد منها فإنه يطول:","part":1,"page":80},{"id":82,"text":"هو أن إجراء نصوص الفريقين على ظواهرها يوجب التناقض بينهما، وهو غير جائز، فوجب المصير إلى الجمع بينهما، فإنه أولى من تعطيل أحدهما بالكلية، فنجعل آيات الوعيد مخصوصة بالكفار حيث أمكن، أو مقيدة بشرط عدم التوبة إجماعاً، وإنما كان كذلك للجمع بين الدليلين، فكذا ما نحن فيه فإن آيات الوعد وما يدل على جواز العفو كقوله تعالى: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به? الآية / وقوله تعالى: ?قل لعبادي الذي أسرفوا على أنفسهم …? الآية، ?فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء? ونحوها مما يوجب تقييدها بعدم العفو، فكان الحمل عليه أولى.\rالمسألة الحادية والخمسون\rذهب بعض الناس إلى أن الوعيد الوارد في الكتب الإلهية إنما جاء للتخويف، ولا يحصل مدلوله ومقتضاه\rلنا: إنه مخالف لمدلولات نصوص الكتاب والسنة، فإنها تدل دلالة قاطعة غير قابلة للتأويل على أن الكفار يعاقبون ويخلدون في النار، فيكون حملها على التخويف دون التعذيب تكذيب لا تأويل، وهو تجويز للكذب على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم للمصلحة، فهو كتأويل الفلاسفة للنصوص الدالة على حشر الأجساد وهو تجويز للكذب لأجل المصلحة، وهو كفر صريح.\rولأن الإيمان لما كان أفضل الطاعات وأشرف القربات موجباً للثواب الأبدي لم يمتنع أن يكون الكفر الذي هو أقبح المعاصي وأظهرها وأخبثها موجباً للعذاب الأبدي.\rواحتجوا بأن التكاليف بأسرها إنما هي لمنفعة المكلفين، لأنه يمتنع أن يكون لفائدة تعود إلى الله تعالى / لتنزهه تعالى عن جلب المنافع ودفع المضار وتعذيب الشخص بالعذاب المؤبد، لكونه ما استوفى مصلحة نفسه وقصر في حق نفسه غير لائق بالحكمة، ولأن كونه تعالى رحيماً رؤوفاً غني عن العالمين ينفي ذلك.","part":1,"page":81},{"id":83,"text":"ولأن العقاب المؤبد ضرر خال عن النفع، إذ لا نفع فيه لله تعالى، لتنزهه عن الفوائد والمنافع، ولا للمعذب وهو معلوم بالضرورة، ولا لغيره من المخلوقات، لأنه لا يحسن تعذيب أحد لأجل نفع غيره، ولأن الله تعالى قادر على إيصال ذلك النفع بدون توسيط عذابه.\rوجوابه: أنه استدلال في مقابلة المعلوم بالضرورة، فكان باطلاً.\rالمسألة الثانية والخمسون\rفي أن كلام الله تعالى صدق\rيمتنع أن يكون شيء من وعده ووعيده وسائر إخباراته كذباً\rخلافاً لبعض الناس في وعيده.\rلنا: أنه لو لم يكن صدقاً لكان كذباً، والكذب نقص، وهو على الله تعالى محال.\rوأيضاً الكلام النفسي لا يتصور فيه الكذب، إلا على من يجوز عليه الجهل، والله تعالى يمتنع عليه الجهل، فيمتنع عليه الكذب، والمكتوب بين دفتي المصحف عبارة عن ذلك المعنى القائم بالنفس، فيمتنع / فيه الكذب أيضاً لوجوب مطابقته له.\rوأيضاً إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن صدقه، فيمتنع الكذب عليه في شيء من إخباراته، وإلا لم يكن صادقاً على الإطلاق، والدور مندفع لأن تصديق الله تعالى إياه إنما هو بإظهار المعجزة على يديه، هو فعل لا يقبل التصديق والتكذيب، لأنه جارٍ مجرى قوله: أنت رسولي، وهو كقوله: أنت وكيلي، لا يقبل التصديق والتكذيب لأنه إنشاء.\rواحتج من جوز في الوعيد، بأن الخلف في الوعد لؤم، وفي الوعيد كرم، فلم يكن نقصاً.\rوجوابه: أنه لا ينفي ماهية الكذب، وإنما ينفي لومه، والكذب يمتنع عليه عندنا لنفس كونه كذباً، لكونه صفة نقص لا شيء آخر.\rالمسألة الثالثة والخمسون\rفي أن الفاسق من أهل القبلة لا يخلد في النار\rخلافاً للمعتزلة والخوارج، فإنهم قالوا بتخليد أصحاب الكبائر في النار.\rلنا وجوه: أحدهما: قوله تعالى: ?إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء?، وليس المراد منه المغفرة بالتوبة، أما أولاً فلأن المغفرة بالتوبة واجب وفاقاً.","part":1,"page":82},{"id":84,"text":"أما عند الخصم فبالعقل، وأما عندنا فبالوعد / والواجب لا يعلق بالمشيئة.\rوأما ثانياً فلأنه حينئذ لا فائدة في التقييد بما دون الشرك، لأن الشرك أيضاً يغفر بالتوبة، فتعين أن يكون بغير التوبة، وما دون الشرك يتناول الصغائر والكبائر، وتخصيصه بالصغائر خلاف الأصل، ولأن الصغائر واجب المغفرة عند الخصم فلم يجز تعليقها بالمشيئة.\rوثانيها: قوله تعالى: ?يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً?، والتخصيص والتقييد خلاف الأصل.\rوثالثها: قوله تعالى: ?وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم? يمكن حمله على ما بعد التوبة، لأن كلمة ( على ) للحال.\rوأما الاستدلال بقوله عليه الصلاة والسلام: ?يخرج من النار من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان? فضعيف، لأن الكبيرة تخرج صاحبها عن الإيمان عند الخصم، فلا نسلم أنه يبقى في قلبه ذرة من إيمان.\rفلو قالوا في دفعه: بأن القتل العمد العدوان لا ينفي التصديق بالله ورسوله، فيكون قد بقي في قلبه ذرة من الإيمان، بل كله، فهو وارد عليه فيما إذا شد الزنار مع التصديق بالله وبالرسول.\rواحتجوا بقوله تعالى: ?ومن يقتل / مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها?.\rوجوابه: أن الخلود هو المكث الطويل.\rسلمنا أنه حقيقة في الدوام لكن يجب حمله على المكث الطويل جمعاً بين الدليلين.\rسلمنا دلالته على المطلوب، لكنه معارض بقوله تعالى: ?فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره?، فإن جزاء الخير لا يمكن أن يصل قبل جزاء الشر، لأنه يقتضي خروجه عن الجنة إلى النار، وهو باطل، فتعين عكسه، وهو بخروجه عن النار.\rالمسألة الرابعة والخمسون\rصاحب الكبيرة مؤمن عندنا\rوبه قال عامة أهل الحديث، مع أنهم يقولون: إن العمل بالأركان من جملة الإيمان، وهو مشكل.","part":1,"page":83},{"id":85,"text":"وقالت الخوارج: كافر، وقالت المعتزلة: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر، وعن الحسن البصري أنه منافق، ونقل عن رجوعه عن ذلك.\rلنا: قوله تعالى: ?وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا?، سماهم مؤمنين حالة الاقتتال، وهو أعم من أن يكون لشبهة أو لغير شبهة.\rوقوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى? سماه مؤمناً مع وجود القتل بغير الحق.\rوقوله / تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً?.\rووجه الاستدلال به أنه لو لم يكن أصحاب الكبائر من المؤمنين لوجب أن يكونوا غير داخلين تحت هذا الخطاب، وهو باطل، أما أولاً فبإجماع السلف إذ فهموا منه وجوب التوبة على جميع العصاة والفساق، وأما ثانياً فلأنه حينئذ يلزم تعطيل النص على مذهب الخصم، لأن أصحاب الكبائر غير داخلين تحته، وأصحاب الصغائر ذنوبهم مكفرة، فلا يحتاجون إلى التوبة، فلا يكونوا مأمورين بها، لئلا يلزم العبث.\rوقوله تعالى: ?أولئك كتب في قلوبهم الإيمان?، دل على أنه ليس صفة الخوارج.\rوأيضاً إجماع السلف والخلف على الصلاة على من مات من أهل القبلة والدعاء والاستغفار لهم، ولو كانوا غير مؤمنين لما جاز ذلك.\rوقوله عليه الصلاة والسلام: ?شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي? يدل على أنه مؤمن، للإجماع على أن شفاعته لا تتناول غير المؤمنين.\rواحتجوا بأنه يخلد في النار لما سبق من الآيات، والمؤمن لا يخلد فيها لقوله تعالى: ?وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها / الأنهار?.\rوجوابه: منع أنه يخلد في النار، وقد سبق جواب تلك الآيات.\rالمسألة الخامسة والخمسون\rفي إثبات شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم\rفي حق أصحاب الكبائر والصغائر","part":1,"page":84},{"id":86,"text":"اعلم أن هذه المسألة فرع ما تقدم، لأن أصحاب الكبائر لما لم يكونوا مؤمنين ويخلدون في النار عند المعتزلة والخوارج، وأصحاب الصغائر ذنوبهم مكفرة عندهم لم يثبتوا لشفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام أثراً في تمحيق الذنوب بل أثرها عندهم في زيادة النعم لأهل الثواب، ولما كان ذلك باطلاً عندنا أثبتنا لها أثراً فيهما جميعاً.\rلنا وجوه:\rأحدها: قوله تعالى: ?واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات?، ومن المعلوم أن استغفار الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بمردود، وهو ليس لأصحاب الصغائر عندالخصم لكون الصغائر مكفرة، فطلب تحصيل الحاصل، فتعين أن يكون لأصحاب الكبائر وإلا لزم تعطيل النص.\rولا يجوز حمل الآية على طلب زيادة الثواب، لأن اللفظ يأباه لغة وعرفاً.\rوثانيها: قوله تعالى: ?ونسوق المجرمين / إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً? ليس المراد منه شفاعتهم لغيرهم، لأن من المعلوم أن المجرم الذي يساق إلى جهنم لا يملك شفاعته لغيره، فبيانه بيان الموضحات، بل المراد منه شفاعة غيرهم لهم، وحينئذ يلزم أن من اتخذ عند الله عهداً يملك ذلك، ضرورة أن الاستثناء من النفي إثبات، والمراد من العهد التصديق مع الاعتراف بمضمون كلمة التوحيد، مقتضى هذا دخول الموجودين من أهل الكتاب تحته، لكنهم خصوا عنه لمنفصل فوجب أن يبقى حجة في الباقي.\rأو نقول: المراد من العهد الإيمان، وقد ثبت أن صاحب الكبيرة مؤمن فوجب اندراجه تحت الآية، والأول مستقل بإثبات المطلوب، والثاني لا يتم إلا إذا ثبت أنه مؤمن، وقد بيناه.\rوثالثها: قوله تعالى: ?فما تنفعهم شفاعة الشافعين?، خص الكفار بذلك، فلو كان غيرهم كذلك، لما كان في التخصيص فائدة.\rورابعها: الأحاديث الدالة على ثبوت الشفاعة مطلقاً ومقيداً بأصحاب الكبائر، كقوله عليه الصلاة والسلام: ?شفاعتي لأهل الكبائر/ من أمتي?.","part":1,"page":85},{"id":87,"text":"وخامسها: أنا بينا أنه يجوز العفو عن أصحاب الكبائر من غير واسطة، فلأن يجوز بالشفاعة بطريق الأولى.\rاحتجوا بقوله تعالى: ?واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً?، وتأثير الشفاعة في إسقاط العقاب إجزاء.\rوقوله: ?ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون?، والشفاعة نصرة.\rمقتضى هذه الآيات أن لا يقبل مطلقاً لكنها خصت في قبولها في زيادة الثواب فيبقى فيما عداه حجة.\rوجوابه: أنها محمولة على الشفاعة بغير الإذن، أو في حق الكفار، جمعاً بين الدليلين.\rالمسألة السادسة والخمسون\rثواب أهل الجنة وعقاب أهل النار دائم\rخلافاً لأبي الهذيل، فإنه قال: ينتهي إلى سكون دائم يوجب اللذة لأهل اللذة، والألم لأهل النار، وخلافاً لجهم فإنه قال بانقطاعه.\rلنا: الدوام ممكن وإلا لزم انتقال الشيء من الإمكان إلى الامتناع الذاتيين، وهو ممتنع، وقد أخبر الصادق عنه، فوجب الاعتراف به.\rاحتجوا بأنه يقتضي وجود العلم بما لا نهاية له للباري تعالى، أو لتجهيله وهما ممتنعان.\rأما امتناع / التجهيل فظاهر، وأما امتناع الآخر فلأن كل معلوم العدد متناهي العدد.\rوجوابه: بمنع الثاني، وهذا لأن الله تعالى يعلم الأشياء كما هي في نفسها فلما لم يكن لأنفاس أهل الجنة وحركاتهم نهاية يمنع أن يعلمها متناهية.\rالمسألة السابعة والخمسون\rفي إثبات الجوهر الفرد\rاعلم أن معرفة المعاد مفتقرة إلى معرفة النفس والخلاء، ومعرفة النفس مفتقرة إلى معرفة الجوهر الفرد، فلهذا قدمنا هذه المسائل وما يتعلق بها على المعاد، فنقول:\rلا شك أن الأجسام البسيطة قابلة للانقسامات، وإنما قيدنا بالبسيطة إذ لا نزاع في أن المركبة أجزاؤها موجودة بالفعل، والانقسامات الممكنة إن كانت حاصلة بالفعل وهي متناهية، فهو مذهب عامة المتكلمين القائلين بأن الأجسام مركبة من الجواهر الفردة، أو غير متناهية وهو مذهب النظام.","part":1,"page":86},{"id":88,"text":"وإن لم تكن حاصلة بالفعل ولكنها قابلة لها، وهي غير متناهية، وهو مذهب الفلاسفة القائلين بأن الأجسام مركبة من الهيولى والصورة، أو متناهية وهو قول اختاره الشهرستاني /.\rلنا وجوه:\rأحدها: أن الحركة وجودية، أما أولاً فباتفاق العقلاء، وأما ثانياً فلأنها محسوسة، والمعدوم لا يحس، وحينئذ يجب أن يكون شيء منها موجوداً في الحال، وإلا لم يكن موجوداً أصلاً، لأنه حينئذ لم يكن موجوداً في الماضي ولا في المستقبل، لأن الماضي هو الذي كان حاضراً ثم انقضى، والمستقبل هو الذي يتوقع حضوره في الاستقبال، فإذا لم يكن شيء منها في هذه الأزمنة الثلاثة موجوداً لم يكن موجوداً أصلاً، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم، فإذن شيء منها موجود في الحال.\rفنقول: ذلك الجزء الحاصل قابل للقسمة الزمانية، وإلا لم يكن ما فرضناه حاضر حاضراً، هذا خلف.\rفإذا انقضى ذلك الجزء وحضر جزء آخر وجب أن يكون كذلك لما سبق.\rفإذن الحركة مركبة من أجزاء كل واحد منها لا يقبل القسمة، فيكون الزمان والجسم أيضاً كذلك، أما أولاً فلأنه لا قائل بالفصل إذ الخلاف في الحركة والزمان والجسم واحد، وأما ثانياً فلأن المقطوع من المسافة بالجزء الذي لا يتجزأ من الحركة جزء لا يتجزأ، وإلا لكانت الحركة إلى نصف نصف الحركة إلى كله فيلزم انقسام / الحركة، هذا خلف.\rوأما ثالثاً فلأن المنطبق على المنقسم منقسم.\rوثانيها: لو كان الجسم أجزاء لا نهاية لها لامتنع الوصول من أوله إلى آخره، لأنه لا يمكن قطعه إلا بعد قطع ما فيه من المقاطع والمفاصل، وهي غير متناهية، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.\rوثالثها: النقطة شيء لا جزء لها وفاقاً، ولأنها نهاية الخط، فلما كانت منقسمة لما كانت طرفاً، بل بعضها، ولأن موضع الملاقاة من الكرة الحقيقية المماسة للسطح المستوي الحقيقي غير منقسم، وإلا لكان المنطبق منها على المستوى مستوياً، فيلزم أن تكون الكرة غير حقيقية، هذا خلف.","part":1,"page":87},{"id":89,"text":"فثبت أن النقطة لا جزء لها، وهي ليست عدمية، لأنها جزء الجسم الموجود، وجزء الموجود موجود، فتكون النقطة وجودية، فهي إن كانت متحيزة أو حالة في متحيز غير منقسم فقد حصل الغرض، وإلا لزم انقسامها، لأن الحال في المنقسم منقسم، هذا خلف.\rورابعها: أن القول بكون الجسم قابلاً للانقسامات الغير متناهية يقتضي التسوية بين أجزاء الخردلة وبين أجزاء الجبل، بل أجزاء السموات والأرض، إذ كل واحد منها قابل للانقسامات / الغير المتناهية، وهو غير معقول.\rاحتجوا: بأنا إذا وضعنا جوهراً بين جوهرين، فالمتوسط إن منع من تلاقيها لزم انقسامه، وإلا لزم التداخل، هو محال.\rومنهم من ادعى العلم الضروري بأن كل متحيز لا بد وأن يتميز يمينه عن يساره، وفوقه عن تحته، وهو يوجب انقسامه.\rوأجيب عنه بأنه لم لا يجوز أن يقال: الذات واحدة، والوجهان عرضان قائمان به، وهذا مثل قول نفاة الجوهر الفرد، حيث قالوا: الجسم إنما يلاقي جسماً آخر بسطحه، وسطحه عرض قائم، فكذا ما نحن فيه.\rالمسألة الثامنة والخمسون\rفي أن الخلاء جائز\rذهب أهل الحق وكثير من الحكماء المتقدمين إلى جوازه، خلافاً لأرسطو وأتباعه في داخل العالم.\rوأما خارج العالم فلا خلاء ولا ملاء عندهم، والمعنى منه هو أن يحصل جسمان لا ينقسمان ولا بينهما ما يلصقهما.\rلنا: إن الجسم إذا انتقل من مكان إلى آخر فإن كان ذلك المكان المنتقل إليه خالياً فقد حصل الغرض، وإلا فإن بقي ذلك الجسم في مكانه مع المنتقل لزم حصول جسمين في مكان واحد، وهو ممتنع، وإلا فإن انتقل إلى مكان المنتقل لزم، أو إلى / غيره فالكلام فيه كالكلام في الأول، ويلزم تدافع الأجسام كلها عند حركة جسم منها.\rوردوه بالتزام التخلخل والتكاثف، وبأنه لا يجوز أن يكون الدور دور معية، وأن الفاعل المختار معدم ذلك الجسم، وهذا بطريق الإلزام، وإلا فالخصم لا يقول به.","part":1,"page":88},{"id":90,"text":"دليل آخر: إذا وضع سطح أملس على سطح مثله بحيث تلاقي كلية أحدهما كلية الآخر، ثم يرفع الأعلى عنه بحيث ترتفع جوانبه عن الأسفل دفعة واحدة، فالوسط خال عن الجسم في حال الارتفاع، ضرورة أنه لا يمكن وصول الجسم إليه إلا بعد أن يمر على أطراف السطح، فحال ما يكون في الطرف لا يكون في الوسط، وإلا لزم حصول الجسم في آن واحد في مكانين، وهو ممتنع، فالخلاء حاصل في الوسط إذ ذاك، وفَرْض سطحٍ شأنه ما ذكرناه ممكن، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال.\rاحتجوا: بأن الخلاء ليس عدماً محضاً، لأنه قابل للتقدير، فإن الخلاء الذي بين طرفي الطاسة أقل من الخلاء بين طرفي البلد، ويقال: الخلاء الفلاني ذراع، والخلاء الآخر ذراعان، ولا شيء من العدم يقابل له، إذ لا يقال: عدم نصف عدم / وعدم ذراع، وعدم ذراعان، فيكون موجوداً، والموجود الذي هو قابل للتقدير جسم أو صفته، فالخلاء ملاء.\rوجوابه: منع أنه قابل له، بل القابل له ما يكن حصوله فيه.\rسلمناه، لكن تقديراً لا تحقيقاً، كما يقال: لو كان نصف قطر العالم ضعف ما هو الآن لكان المحيط واقعاً خارج العالم، ولا يلزم منه ثبوت الخلاء خارج العالم.\rالمسألة التاسعة والخمسون\rفي النفس\rذهب جمع عظيم من متكلمي الفريقين إلى أن النفس ليس أمراً آخر وراء هذا الهيكل المحسوس، وهو المشار إليه في قول كل أحد: أنا، وهو حقيقة الإنسان، فما دام المعنى المسمى بالحياة قائمة به كان حياً يصح منه أن يعلم ويقدر، وإذا زال ذلك المعنى بحلول الموت صار ميتاً.\rوالموت عندهم عرض وجودي يضاد الحياة، والتقابل بينهما تقابل التضاد.\rواستدل على ضعف هذا المذهب بأن الإنسان المشار إليه بقوله: أنا، باق من أول عمره إلى آخره، والهيكل المحسوس ليس كذلك، لأنه دائم في التحلل والتبدل لأمور خارجية وداخلية، وبأن الإنسان يعلم ذاته حال غفلته عن الأعضاء الظاهرة والباطنة، والمعلوم غير ما هو المعلوم، وفيه نظر.","part":1,"page":89},{"id":91,"text":"وذهب الباقون من المتكلمين وغيرهم / إلى أن النفس أمر آخر وراء هذا الهيكل المحسوس.\rوعلى هذا فيه مذاهب:\rأحدها: وهو مذهب جمع من الأطباء: أنها الحرارة الغريزية، ولعلها المراد من قول بعض الحكماء: أنها الأجزاء النارية السارية في الندرة.\rوثانيها: أنها هي النفس، ويعبر عنها بالقواء.\rوثالثها: أنها الماء.\rورابعها: أنها الأخلاط الأربعة.\rوخامسها: أنها الدم.\rوسادسها: أنها المزاج، وهو مذهب الباقين من الأطباء.\rوسابعها: أنها أجسام لطيفة حية لذواتها، سارية في الأعضاء والأخلاط، لا يتطرق إليها ببدل وانحلال، وبقاؤها فيها هو الحياة، وانفصالها عنها هو الموت.\rوثامنها: أنها أجسام لطيفة محلها البطن الأيسر من القلب، نافذة في الشرايين إلى جملة البدن.\rوتاسعها: أنها الأرواح المثبوتة في الدماغ، يصلح لقبول قوى الحس والحركة، نافذة في الأعضاء إلى جملة البدن.\rوعاشرها: أنها الأجزاء الأصلية من البدن الباقية من أول العمر إلى آخره، فتكون الأجزاء الأصلية لبدن شخص فاضلة لبدن شخص آخر، وبالعكس، وهو اختيار بعض المتكلمين المحققين.\rوحادي عشرها: أنها جوهر جسماني نوارني شريف حاصل في البدن، سارٍ فيه سريان دهن السمسم فيه، باقية بعد الموت، ولعلها مختار إمام الحرمين / والإمام في بعض كتبه.\rوثاني عشرها: أنها صفة الحياة.\rوثالث عشرها: أنها الشكل والتخطيط.\rورابع عشرها: أنها تناسب الأركان والأخلاط.\rوخامس عشرها: أنها ليست جسماً ولا جسمانية، كما سبق من المذاهب، فإن جميعها ناشئ من هذين الاحتمالين غير خارج عنها، بل هي جوهر مجرد غير حال في البدن، غير متحيز ولا حال في المتحيز، متصرف في البدن تصرف التدبير، وانقطاع تصرفه عنه هو الموت، وهو مذهب جمهور الفلاسفة ومعمر من المعتزلة وأكثر الإخباريين من الإمامية، واختاره الإمام والغزالي والراغب والحليمي وجمع من مشايخ الصوفية.\rواستدلوا عليه بوجوه:","part":1,"page":90},{"id":92,"text":"أحدها: أن من المعلومات لنا غير منقسم، كالباري سبحانه وتعالى، والوحدة، والعلم به غير منقسم لوجوب مطابقة العلم للمعلوم، فمحله يمتنع أن يكون جسماً أو حالاً في الجسم، لأن الحال في المنقسم منقسم، وفيه نظر.\rوثانيها: أن الكليات معقولة لنا ولهذا نحمل الكليات على الجزئيات، وهو بدون التعقل ممتنع، والتعقل يستدعي حصول صورة المعقول في العاقل، بدليل أنا نتعقل شيئاً وهو / معدوم في الخارج، ونميز بينه وبين غيره، وفي العدم المحض والنفي الصرف محال، فلا بد وجود ذلك المتعقل، وليس هو باعتبار الوجود الخارجي، فهو باعتبار الوجود الذهني.\rفنقول: ذلك المعقول الكلي لا بد وأن يكون مجرداً عن جميع اللواحق الشخصية، وإلا لم يكن كلياً، ضرورة أن الكليات مشتركة بين الجزئيات الداخلة تحتها، ولا شيء من الملحوقات باللواحق الجزئية مشترك بين كل الجزئيات، فمحل هذا التعقل يمتنع أن يكون جسماً أو جسمانياً، لأن كل جسم وجسماني لا بد له من مقدار معين وشكل معين ووضع معين، والحال فيما له شكل معين ومقدار معين ووضع مقترن بذلك الشكل والمقدار والوضع المقترن بذلك يستحيل أن يكون كلياً، فالكلي المعقول يمتنع أن يكون محله جسماً أو جسمانياً.\rوثالثها: أن القوة العاقلة لو كانت جسماً أو جسمانية، لضعفت بضعف البدن، لأنها حينئذ غير خارجة عن البدن، بل هي جزء منها أو حالة فيها، وضعف الكل والمحل يوجب ضعف الجزء الحال، لكن اللازم باطل / بدليل أن القوة العاقلة تقوى بعد الأربعين، والبدن يأخذ في الانحطاط بعده، وبدليل أن الفكر يوجب ضعف الدماغ، وهو موجب كمال النفس.\rواعلم أن أقرب المذاهب في النفس إما هذا، وإما ما اختاره إمام الحرمين، فإن جميع ما ورد في الكتاب والسنة في أحوال النفس وبقائها بعد الموت لا يستقيم إلا على هذين المذهبين.\rالمسألة الستون\rفي أن النفس باقية بعد فناء البدن\rخلافاً لمن يقول: النفس عبارة عن هذا الهيكل المحسوس أو شيء مما يتعلق به.","part":1,"page":91},{"id":93,"text":"لنا: أنه دل عليه النقل والعقل:\rأما النقل فمثل قوله تعالى: ?ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله? الآية، ومعلوم أنه لا يمكن ثبوت هذه الأوصاف المذكورة للبدن بعد الموت، لأنه خلاف المحسوس، فتعين أن يكون للنفس.\rوأيضاً قوله تعالى: ?النار يعرضون عليها غدواً وعشياً?، والأحاديث في هذا الباب كثيرة، نحو قوله عليه الصلاة والسلام: ?أرواح الشهداء في حواصل طير خضر..? الحديث.\rوقوله عليه الصلاة والسلام: ?أرواح الشهداء في قناديل / معلقة تحت العرش?.\rوقوله عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه: ?حتى إذا حمل الميت على نعشه رفرف روحه فوق نعشه، فيقول: يا أهلي يا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي?.\rوقوله صلى الله عليه وسلم: ?لستم بأسمع منهم?، ومناداته لقتلى أهل بدر، وغير ذلك من الأحاديث الصحاح.\rوأما العقل فمن وجوه:\rأحدها: أن المواظبة على الفكر يفيد كمال النفس ونقصان البدن، فلو ماتت النفس بموت البدن لامتنع أن يكون الموجب لنقصان البدن ولبطلانه سبباً لكمال النفس.\rوثانيها: أن الرياضات الشديدة تفيد كمال النفس وتقوي على الاطلاع على المغيبات وتلوح له الأنوار، وهي تضعف البدن ضعفاً بيناً، فلو كانت تموت بموت البدن لامتنع ذلك.\rوثالثها: أنه لا معنى للموت إلا بمفارقة النفس للبدن، وانقطاع تصرفها عنه، وهذا المعنى لا يعقل في النفس، وإلا لزم أن يكون للنفس نفس آخر ولزم التسلسل.\rالمسألة الحادية والستون\rفي إبطال التناسخ\rوهو عبارة عن رد الأرواح إلى الأبدان في هذا العالم، والكفر لازم لأهل هذا / المذهب من وجهين:\rأحدهما: من جهة قدم الأرواح.\rوثانيهما: من جهة نفي القيامة والجنة والنار.\rلنا: أن القول بقديم آخر غير ذات الله تعالى وصفاته باطل على ما سبق أن كل ما سوى الله تعالى حادث، وأن القول بنفي الجنة والنار باطل على ما يأتي، فكان مستلزمه باطلاً، فالتناسخ باطل.","part":1,"page":92},{"id":94,"text":"وأيضاً لو كنا موجودين قبل هذا البدن لوجب أن نعرف أحوالنا الماضية كلها أو شيئاً منها، لأن القائلين به إن لم يجوزوا بقائها بعد مفارقة البدن معطلة مدة طويلة، لزم الأول، وإلا لزم الثاني، لأن الإنسان إذا مارس أموراً مدة مديدة ثم انقطع عنها مدة طويلة لا بد وأن يتذكر بعض تلك الأمور.\rالمسألة الثانية والستون\rاختلفوا في أن النفس البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا ؟\rذهب الأكثرون إلى أنها متحدة بالماهية، والأقلون إلى أنها مختلفة بالماهية، واختاره الإمام، وهو الأقرب، لأنا نجد بينها تفاوتاً كثيراً، فمنها: نورانية علوية شريفة عفيفة غير ملتفتة إلى اللذات الفانية، غير مائلة إلى ما فيه نوع من الفساد، تظهر له الحقائق على ما هي عليها في نفسها من / غير سعي في اكتسابها، وتوجيه الذهن إلى تحصيلها كالنفوس القدسية النبوية.\rومنها ظلمانية كثيفة كدرة لا تكاد تفهم شيئاً ولو فُهِّمت مراراً، فاسقة فاجرة لا تميل إلا إلى الفسق والفجور، وليس لها اطلاع على شيء من العلوم ولا تميل إليها، وليس لها شيء من الأخلاق الفاضلة كالنفوس الكافرة الفاجرة، وهذا مع القول باتحاد الماهية، بعيد.\rثم اعلم أن النفوس بحسب قوتها النظرية أربعة أقسام:\rأشرفها وأفضلها النفوس البشرية القدسية النبوية، وتليها النفوس التابعة لها في العلوم النظرية وهي نفوس العلماء المحقين المحققين والأولياء العارفين التي تحلت وتربيت بالاقتداء بها في قوتها النظرية والعلمية.\rوثانيها: النفوس التي حصلت لها اعتقادات حقة في العلوم الإلهية وغيرها من غير برهان، بل بالتقليد والاقناعيات من غير معرفتها بطريق النظر والدلالة، وهي نفوس المقلدين من أهل الحق المتبعين للأنبياء وخلفائهم وهم العلماء المحقين.\rوثالثها: النفوس الخلية عن الاعتقادات الحقة والباطلة، وهي نفوس الصبيان الذين لم يتميزوا ولم يعقلوا شيئاً من الحق والباطل /.","part":1,"page":93},{"id":95,"text":"ورابعها: النفوس التي اعتقدت الاعتقادات الباطلة تارة بالشبهات، وتارة بالتقليد.\rوأما انقسامها بحسب قوتها فثلاثة:\rفأولها: وهو أشرفها، النفوس المتعبدة بالعبادات الحقة المستفادة من الشرائع الحقة الموصوفة بالأخلاق الفاضلة عن نظر أو تقليد.\rوثانيها: الموصوفة بضد ما سبق كنفوس الكفرة والفجرة.\rوثالثها: الخالية عنهما كنفوس الصبيان وأكثر العوام.\rالمسألة الثالثة الستون\rفي أنه يجوز من الله تعالى بعثة الرسل\rخلافاً للبراهمة والسمنية القائلين بالتناسخ، والصابئة.\rوإنما قدمنا مسائل النبوات على المعاد، لأنها أصل السمعيات والمعاد منها.\rلنا وجوه:\rأحدها: أنه تعالى ملك مطاع، والملك المطاع له الأمر والنهي، ولا سبيل لكل واحد إلى الاطلاع عليه إلا من جهة الأنبياء، فيجوز منه بعثة الرسل لتعرف أوامره ونواهيه.\rوثانيها: أنه يجوز عقلاً أن يكلف عبيده بفعل بعض الأشياء وبترك بعضها إن لم نقل بوجوبه، ويجوز أن يرغبهم في ذلك بالثواب والعقاب، ولا مجال للعقل في معرفة ذلك إجمالاً أوتفصيلاً، أو تفصيلاً، فجاز أن / يبعث الرسل لتعريف ذلك.\rوثالثها: أن الله تعالى خلق الخلائق وركب فيهم العقل، وهو إنما يستقل بمعرفة وجوب ما يجب وامتناع ما يمتنع وجواز ما يجوز.\rوأما وقوع ما يجوز أو عدم وقوعه فمما لا سبيل للعقل إليه، فجاز أن يبعث الرسل لتعريف ما يقع منه وما لا يقع.\rورابعها: أنه تعالى فعل بالأمم السالفة ما تعريفه لللاحقة لطف في الترغيب والترهيب، فجاز أن يبعث الرسل لتعريف ذلك، فإن التواتر لو حصل فإنه ينقطع لتقادم الدهور، والآحاد غير كافية في عظائم الأمور، بل ربما يوجب كذبها.\rوخامسها: أنه تعالى خلق الطعوم النافعة والضارة، وليس في الحس والعقل ما يعرف ذلك، والتجربة خطرة، والعمر قصير غير واف بالتجارب بتقدير سلامتها عن الخطر، فجاز أن يبعث الرسل لتعريف ذلك.","part":1,"page":94},{"id":96,"text":"وسادسها: أن المعارف الإلهية في غاية الصعوبة والخفاء، فمنها ما لا سبيل للعقل إلى معرفته كما في الصفات السمعية التي للعقل فيها مجال، فهو في غاية الصعوبة والغموض، فجاز أن يبعث الله تعالى الرسل لتعريف ما ليس في العقل معرفته، ولتقوية / ما للعقل فيه مجال، وتسهيل تحصيله.\rوسابعها: أنا إن لم نقل بالتحسين والتقبيح فمسيس الحاجة إلى بعثة الأنبياء ظاهر، وإنا كنا نقول به، فالحاجة أيضاً ماسة إليها، وذلك لأن عند القائلين بالتحسين والتقبيح تنقسم الأفعال والأحكام إلى ثلاثة أقسام: قسم يعرف العقل حسنه وقبحه ببديهة.\rوقسم يعرف العقل حسنه وقبحه بالنظر والاستدلال.\rوقسم لا يعرف حسنه وقبحه بالفعل أصلاً لا بالبديهة ولا بالنظر، بل بالشرع، فإذا ورد الشرع بفعل شيء علم العقل حسنه بواسطة ورود الشرع، وإذا منع من فعل شيء علم بواسطة منعه قبحه، فجاز أن يبعث الله تعالى الرسل لتعريف هذا القسم.\rوثامنها: أن في البعثة إقامة حجة الخالق على الخلق، وقطع حجتهم عنه كما قال الله تعالى: ?رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل?، وكما أخبر الله تعالى عنهم: ?لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى?، فجاز أن يقع الإرسال بهذه الفائدة.\rوتاسعها: أنه لولا الشرائع المأخوذة منهم لما انتظم / أمور الناس وانسدت أبواب معاملاتهم ولظهر الفساد والهرج والمرج بينهم، إذ لا مجال للعقل في القوانين التي ترجع إليها عند النزاع والاختلاف، ولم يتفق إطباق الخلق على مقتضى ما يقتضي عقل بعضهم في ذلك، وإطباق الكل على مقتضى واحد متعذر، وذلك قل ما يجد النظام بين الناس عند الفترة وعند أقوام ليس لهم شريعة مأخوذة من أنبيائهم، فجاز أن يبعث الله تعالى الرسل لانتظام أمورهم في معايشهم ومعاملاتهم.","part":1,"page":95},{"id":97,"text":"وعاشرها: أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أطباء النفوس والأمراض التي تضر بالدين، كما أن الأطباء أطباء الأبدان النفسانية، والتي تضر بالدين أكثر من الأمراض الجسمانية، وإزالتها أهم، ولا يستغني الإنسان عن الأطباء، فلأن لا يستغني عن الأنبياء بالطريق الأولى، إذ لا نسبة للمرض إلى المرض في الكثرة والصعوبة والمضرة، ومع وجود الافتقار البين والحاجة الماسة إلى البعثة كيف يليق بعاقل أن يقول: لا فائدة في البعثة، لأنه إن جاء موافقاً لما في العقل ففيه غنية عنه، وإن جاء مخالفاً له لم يقبل على أنه غير جامع للأقسام الثلاثة لأنه ترك القسم الثالث، وهو / أن يجيء لبيان ما ليس في العقل دليله لا نفياً ولا إثباتاً، كبيان وقوع الممكن أو عدم وقوعه، فإن العقل لا مجال له في ذلك.\rالمسألة الرابعة والستون\rمحمد رسول الله\r[ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ]\rخلافاً لمعظم اليهود والنصارى والمجوس، وإنما قيد ببعض اليهود، لأن العيسوية منهم معترفون برسالته عليه الصلاة والسلام لكن إلى العرب خاصة.\rلنا وجوه:\rأحدها: أنه عليه الصلاة والسلام ادعى النبوة وظهرت المعجزة على يديه على وفق دعواه، وكل من كان كذلك فهو نبي.\rفأما أنه ادعى النبوة فذلك معلوم بالتواتر، وأما أنه ظهرت المعجزة على يديه كذلك فلوجوه:\rأحدها: أنه ظهر القرآن الكريم عليه، وهو معجزة.\rوإنما قلنا: ظهر القرآن عليه فهو أيضاً بالتواتر إذ العلم الضروري بذلك حاصل للموافق والمخالف.\rوإنما قلنا: إن القرآن معجزة فلوجوه: أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام تحدى به العرب الذين هم أهل اللسان والفصاحة والبلاغة، فلم يقدروا على الاتيان به.","part":1,"page":96},{"id":98,"text":"وأما أنه تحدى به فلتواتر الآيات التي تدل على ذلك، كقوله تعالى: ?وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة / من مثله?، وكقوله تعالى: ?قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً?، وكقوله تعالى: ?أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات?، وكقوله تعالى: ?فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين?، فهذه الآيات كلها تدل على أنه وقع التحدي.\rوأما أنهم لم يقدروا على الاتيان بمثله فلأنهم لو قدروا عليه لأتوا به، لأن دواعيهم كانت متوفرة على الاتيان بمثله لشدة حرصهم على إبطال دعواه ودحوض حجته لما أنه صلى الله عليه وسلم كلفهم بترك أديانهم ورياستهم والدخول تحت طاعته، وأوجب القتال عليهم والصلاة والصيام والزكاة، وكذا كلفهم بسائر التكاليف التي هي شاقة عليهم وعرضهم للقتل إن لم يلتزموا هذه الأمور، ومعلوم لكل واحد بالضرورة أن داعية الإنسان متوفرة على ما يدفع هذه الأمور، لأنهم ينشئون الأشعار والقصائد الفصيحة من غير حاجة إليها، فلو كان الاتيان بمثل القرآن مقدوراً لهم مع شدة حاجتهم إلى الاتيان بمثله لأتوا به، لكن لم يأتوا به وإلا لنقل وتواتر لأنه من الأمور العظام التي / تتوفر الدواعي على نقلها عند وجودها، وما هذا شأنه يجب أن يتواتر نقله، وإلا لجاز أن يكون بين مكة والمدينة مدينة أكبر منهما وأكبر من كل مدينة في البلاد المعمورة، ولم ينقل إلينا، وأن يكون بين الشام ومكة في البرية نهر عظيم مثل الفرات ودجلة ولم ينقل إلينا، ومعلوم أن ذلك فاسد.","part":1,"page":97},{"id":99,"text":"ولأنه نقل إلينا ترهات مسيلمة الكذاب وهذيانه، ونقل ما جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم من الحروب والمشاجرات ودفعهم له بالعناد، فلو وجد منهم معارضة القرآن بمثله لكان نقل ذلك أولى، بل كان نقل ذلك واشتهاره أولى من نقل القرآن واشتهاره لأن ناقليه أكثر وأقدر على الإشاعة والإذاعة، ولأن اشتهار المعارضة يتضمن التقرير على المألوف المعتاد ومبطلاً لدعوى المدعي الداخل، ومسقطاً لأبهته ورونقه، فكان أجدر بالنقل من نقل القرآن.\rوثانيها: أن القرآن العظيم مشتمل على الأخبار الصادقة عن الغيب كما في قوله تعالى: ?لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين?، وفي قوله تعالى: ?وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم / في الأرض? الآية، وفي قوله تعالى: ?ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون?، وأمثاله كثيرة، وهو معجزة، إذ لا قدرة للبشر على ذلك إلا بإطلاع الله تعالى.\rوالمنجم والرمان والكهان قد يخبرون عن الغيب ويصدق ذلك مصادفة لكن من ألف كذب صدق واحد، وذلك يدل على أن تلك الإخبارات لم تقع عن علم ويقين، بل عن ظن وتخمين، بخلاف الأخبار المذكورة في القرآن العظيم، فإن كلها صدق.\rثم إن تلك الإخبارات بناء على ممارسته الصنائع المخصوصة، وأما النبي صلى الله عليه وسلم لم يعهد منه ممارسة صنعة ما، فكان ذلك من جهة الله تعالى، فكان معجزة.\rوثالثها: أن القرآن الكريم لا يخلو إما أن يكون قد بلغ إلى حد الإعجاز أو ما بلغ، فإن كان الأول فقد حصل الغرض، وإن كان الثاني كانت معارضته ممكنة، فإذا لم تحصل المعارضة مع القدرة عليها والداعية التامة إلى الاتيان بها كان ترك المعارضة حينئذ من خوارق العادة، فيكون معجزة.","part":1,"page":98},{"id":100,"text":"وثانيها: أنه ثبت بالتواتر أنه كان يدعي النبوة، ونقل عنه عليه الصلاة والسلام معجزات كثيرة كانشقاق القمر وتسبيح / الحصى في يديه وحنين الجذع إليه ونبوع الماء من بين أصابعه، وإشباع الخلق الكثير بالطعام القليل وغير ذلك.\rفنقول: إن كان شيء منها متواتراً فقد حصل الغرض، وإلا فالغرض أيضاً حاصل، وتقديره من وجهين:\rأحدهما: أن تلك الإخبارت مشتركة في معنى واحد، وهو أنه ظهر على يديه أمر خارق للعادة، فيكون هذا المعنى متواتراً معنوياً كسخاوة حاتم وشجاعة علي، فيكون ظهور المعجزة على يده معلوماً إذ لا معنى للمعجزة إلا أمر خارق للعادة بالتحدي مع عدم المعارضة.\rفقولنا: ( أمر ) يتناول الاتيان بغير المعتاد، إذ المعجزة منقسمة إليهما.\rوقولنا: ( خارق للعادة ) ليميز به المدعي من غيره.\rوقولنا: ( مقرون بالتحدي ) ليخرج عنه الكرامات، ولئلا يتخذ الكافر معجزة من مضى برهاناً لنفسه.\rوقولنا: ( مع عدم المعارضة ) لتخرج عنه السحريات والطلمسات والنارنجيات والشعبذة.\rوثانيهما: أنا نعلم قطعاً أن تلك الأخبار ليست كاذبة، بل لا بد وأن يكون بعضها صادقاً، لأن الأخبار إذا كثرت يمتنع في العادة أن يكون كلها كذباً، وأي واحد / منها صدق ثبت ظهور خرق العادة على يده، فتكون معجزة.\rوإنما قلنا أن من ادعى النبوة وظهر على يده أمر خارق للعادة فهو نبي حقاً، لأن الملك العظيم إذا بعث إلى بعض النواحي رسولاً فكذبوه، فرجع مع جماعة منهم إلى الملك ليحقق دعواه، فإذا حضر بين يديه وقال: أيها الملك هؤلاء كذبوني فإن كنت صادقاً في ادعائي للرسالة عنك فخالف عادتك وقم عن سريرك، فإذا فعل الملك ذلك اضطر الحاضرون إلى العلم بصدقه.","part":1,"page":99},{"id":101,"text":"ورابعها(1): الاستدلال على نبوته بأحواله وأقواله وسيره، وتقريره: أنه عليه الصلاة والسلام نشأ بمكة، وأهلها يومئذ الجاهلية الجهلاء لا يعرفون المبدأ ولا المعاد، ولا المكارم الإنسانية، شأنهم الكفر والجهل والفسق والقتل والنهب والغارة، وليس فيهم الأخلاق الفاضلة والصفات المرضية، بل هم موصوفون بالرذائل الردية والقبائح الفضيحة، فنشأ عليه الصلاة والسلام بينهم متصفاً بالصدق والأمانة والصفات الحميدة والأخلاق المرضية بحيث لم يعهد منه كذب ولا خيانة قط، والأعداء إنما نسبوه إلى الكذب والافتراء بعد الإنباء، عداوة وحسداً، كما نسبوه إلى الجنون / والسحر دون ما قبله، بل كانوا معترفين بصدقه وأمانته إذ ذاك، ولهذا قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى.\rثم بعد أن تكامل عمره أربعين قد أفرغ الله عليه دفعة واحدة من العلوم العلمية، وما ليس في وسع البشر اكتسابه في مدة متطاولة مع وجود أسبابه وشرائطه من وجود المعلم، والمداومة على البحث والتدارس ومطالعة الكتب، فكيف ولم يوجد شيء منه في حقه عليه الصلاة والسلام والعلم به ضروري.\rثم إن عند مبعثه كانت الدنيا طافحة بعبادة الأصنام والنيران، والقول بالتشبيه والتجسيم والتثليث والحلول والاتحاد والقتل والنهب والغارة، فقام صلى الله عليه وسلم بدعوة الخلق إلى الحق، وهذه مع قلة الأنصار وكثرة الأعداء، حتى أقام الحق على ساقها وتبدلت تلك الأحوال بأضدادها وامتلأ العالم نوراً وعلماً وشريعة مطهرة، وجذب الناس عما كانوا عليه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان ومن ضيق الجهل إلى فضاء العلم، وكان عليه الصلاة والسلام كاملاً في نفسه مكملاً لغيره، ولا معنى للنبوة إلا ذلك /.\rوهذا لأن مراتب الناس ثلاثة:\rناقص، كأكثر العوام.\rوكامل غير مكمل كالأولياء والعلماء، وهم في الدرجة الوسطى.\r__________\r(1) كذا في الأصل، ولم يذكر الثالث.","part":1,"page":100},{"id":102,"text":"وكامل في نفسه مكمل لغيره، وهم الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين، وهم في الدرجة الثالثة العالية.\rوكل من كان كماله في نفسه وإكماله لغيره أكثر كان حظه من النبوة أكمل وأكثر.\rولما رأينا أنه عليه الصلاة والسلام كان حظه في هاتين المرتبتين أكثر دل ذلك على أن حظه من النبوة أكثر وأعظم.\rوهذه الطريقة اختيار المحققين، وهي أولى من الأولى، لأنه جار مجرى برهان اللم، لأنه استدلال بتحقيق معنى النبوة على كون الشخص نبياً، والأولى الاستدلال بآثار النبوة على تحقق معنى النبوة، لأن المعجزة أثر النبوة، فالاستدلال بها على تحقق النبوة جار مجرى الاستدلال بالأثر على المؤثر، هو برهان الإن، وقد ثبت أن برهان اللم أفضل من برهان الإن، فكانت الطريقة الثانية أولى.\rثم المنكرون منهم من أنكر إمكان المعجزة، ومنهم من أنكر دلالته على النبوة، ومنهم من سلم ذلك وأنكر ثبوته بدلالة عقلية سمعية.\rأما الأولون فقالوا: خرق العادة محال، فكان القول بالمعجزة / محالاً، بيان الأول أنا لو جوزنا ذلك لجوزنا انقلاب البحر دماً عبيطاً، والجبل ذهباً أو إبريزاً، وكذا تغير سائر العاديات، وأنه خلاف المعلوم القطعي.\rوجوابه: أن خرق العادة جائز عند الكل، أما عند المليين فللفاعل المختار، وأما عند الفلاسفة فللشكل الغريب.\rوأيضاً فإنه ما قام البرهان على امتناع الخرق والالتئام على الأفلاك الثمانية، وإن سلم أنه قام البرهان على امتناع ذلك على محدد الجهات وهو الفلك التاسع، فجاز الخرق والالتئام على الثمانية.\rوأيضاً فإنهم جوزوا حدوث الإنسان على سبيل التولد على ما هو مذكور في كتبهم، مع أنا إذا رأينا إنساناً نقطع بأنه إنما وجد على سبيل التوالد لا على سبيل التولد، وكذا في غيره من العلوم العادية، فثبت أن خرق العادة جائز عند الكل، والجواب واحد.\rفإن قلتَ: مع تجويز التولد كيف نقطع بالتوالد ؟","part":1,"page":101},{"id":103,"text":"قلتُ: التجويزات العقلية لا تقدح في العلوم العادية، ولعل السبب في ذلك أن الله تعالى يخلق علماً ضرورياً في المكلف بأن المعلومات المستمرة على العادة المطردة لم تتغير / عما هي عليه، ليكون ذلك العلم حجة له على عباده في معرفة الرشد ومعرفة الفرق بين المسيء والمحسن، والمستحق وغير المستحق، ولطفاً في معايشهم ومكاسبهم.\rوأما الذين أنكروا دلالته على النبوة، قالوا: إنها إنما تدل عليها أن لوثبت أنها من فعل الله تعالى، وهو ممنوع، [ بل ] فعلها من فعل النفس الناطقة، فإنها مختلفة بالماهية، فربما قدر بعضها على ما لم يقدر عليه غيرها من النفوس أو وإن نقل بالنفس الناطقة فلعل فاعلها هو بدن الشخص الآتي لها لمزاج خاص لم يوجد في غيره، أو لعلها من خواص الأدوية أو أعانه بعض الجن أو الشياطين على الاتيان بها، أو لعلها من تأثير بعض الأفلاك والكواكب التي هي أحياناً ناطقة عند الصابئة، أو بسبب الاتصالات الكوكبية، والذي ادعى النبوة لكونه أعلم المنجمين ادعاها في ذلك الوقت الذي علم حصولها فيه لظهور الأثر العجيب فيه ليظن أنه معجزة له أو هي من تأثير سهم السعادة أو من سهم الغيب فإن لهما تأثيراً في تقوية الإنسان على تحصيل المرادات والإخبار عن الغيوب عند المنجمين.\rسلمنا أنها من فعل الله تعالى، لكن لا نسلم أن الله تعالى خلقها للتصديق، وهذا لأن أفعال الله تعالى / غير معللة بالأغراض، لكن لا نسلم أنه لا غرض سوى التصديق فلعله لأغراض أخر كغرض الإضلال، وهذا لأن الكفر وسائر المعاصي عند أهل السنة بخلق الله تعالى فإذا لم يمتنع منه خلق سببه.\rسلمنا أنه ليس الإضلال هو الغرض فلعله ابتداء عادة أو تكرير عادة متطاولة لا تفي الأعمار والتواريخ بذكره، وأو لعل خلقها لتصديق شيء آخر في جانب آخر من الأرض، أو إيهاماً لتصديقه لغرض جزالة الثواب لصعوبة الاحتراز عنه كما في إنزال المتشابهات.","part":1,"page":102},{"id":104,"text":"سلمناه، لكن لا نسلم أن خلقها مقروناً بالتحدي يدل على التصديق، وما ذكرتم من الدليل عليه فهو مبني بأن الملك إنما فعل ذلك للتصديق، وهو ممنوع، فلعله فعل ذلك، لأن عقرباً وقع عليه، أو أخذه مغص، أو أشار إليه إنسان آخر وغيره من الاحتمالات، وهو وإن [ كان ] بعيداً لكنه محتمل في الجملة، وهو لا يقدح في اليقين.\rسلمنا أنه فعله للتصديق فلم قلتَ إنه في الغائب كذلك، وقياسه عليه قياس الغائب على الشاهد، وهو غير صحيح، وبتقدير صحته فإنه لا يفيد اليقين، لأن ما به المفارقة محتمل أن يكون شرطاً في الأصل أو مانعاً في الفرع.\rسلمناه / لكن الفرق بينهما وهو أنا نعرف أحوال الملك واختلافه، فلعمنا أن فعله لذلك، ولم نعلم ذلك من الله تعالى، فلا يقاس أحدهما على الآخر لقيام الفارق.\rسلمناه، لكن لم قلتَ: إنه صادق، فإن قلتَ: إن كل من صدقه الله تعالى فهو صادق، قلتُ: فصدق الله تعالى ثابت بإخبار الرسول صلى الله عليه وسلم عن صدقه، فلو استفيد صدقه بتصديقه إياه لزم الدور، وهو ممتنع.\rوجواب الأول: أن المعجزة من خلق الله تعالى، لما ثبت أنه لا مؤثر في شيء من الممكنات إلا الله تعالى، فبطل ما ذكرتم من الاحتمالات.\rوجواب الثاني: أنا ندعي أن خلق المعجزة عند التحدي يعرفنا قيام التصديق بذات الله تعالى، كما أن قوله: صدقت، يعرفنا ذلك.\rوجواب الثالث: أنه احتمال قادح في العلم القطعي الضروري، فيكون مقدوحاً.\rبيانه: أن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال: يا إلهي إن كنتُ صادقاً فاجعل هذا الجبل واقفاً على رؤوس قومه، ثم إنهم لما آمنوا تباعد الجبل عنهم، ولما كذبوه أو همُّوا بتكذيبه قرب منهم حتى كاد أن يسقط عليهم، ثم إنهم لما هموا بتصديقه بعد عنهم، فمن ذلك / علم بالضرورة أنه لتصديقه عليه الصلاة والسلام في دعوى الرسالة، وبهذا يعرف اندفاع ما ذكروه من الاحتمالات، فإنه إذا علم بالضرورة أنه للتصديق بطل أن يكون لغيره من الاحتمالات.","part":1,"page":103},{"id":105,"text":"وجواب الرابع: أن المثال المذكور للشبيه على أن العلم الضروري حاصل بدلالة المعجزة على التصديق، لا لأن يقاس عليه، فإن ذلك لو أفاد فإنما يفيد الظن الضعيف، ويناء القوي على الضعيف باطل.\rوأما الاحتمالات المذكورة القادحة في أن قيام الملك إذ ذاك للتصديق فهي أيضاً مندفعة لأنها قادحة في العلم الضروري.\rوأما الذين أنكروا نبوته بدلالة عقلية وسمعية فقد احتجوا عليه بوجوه:\rأحدها: أنه لو ثبتت نبوته عليه الصلاة والسلام لزم منه وقوع النسخ قطعاً، ضرورة أنه لا يمكن القول بنبوته مع إنكار النسخ، لكن النسخ باطل، لأنه يستلزم الأمر بالقبيح والنهي عن الحسن، أو البداء، وكل ذلك على الله تعالى محال.\rوجوابه: أنه مبني على التحسين والتقبيح العقلي، وهو باطل لما سبق.\rسلمناه، لكن جاز أن يكون الشيء حسناً في وقت فيؤمر به، وقبيحاً / في وقت آخر فينهى عنه، فلا يلزم ما ذكرتم من المحذور.\rوثانيها: أن موسى عليه السلام إن بين شرعه وبين دوامه وجب أن يمتنع نسخه، وإن بين لا دوامه وأنه سينسخ وجب أن ينقل بالتواتر، كأصل شرعه، وحينئذ يمتنع إنكار اليهود النسخ وإن تبين واحداً منهما وجب أن لا يجب العمل به إلا مرة واحدة، لأنه جار مجرى الأمر المطلق، وقد ثبت أنه لا يفيد التكرار والدوام، وهو باطل إجماعاً، وبتقدير صحته يمتنع نسخه أيضاً، ضرورة أنه بعد فعله لم يبق التكليف به، فعلى كل تقدير يمتنع نسخه.\rوجوابه: أنه بين انقطاعه، وأنه سينسخ لكن لم ينقل بالتواتر، لأنه لم يبق عدد التواتر منهم في زمن بخت نصر.\rوثالثها: أنه روي بالتواتر عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: تمسكوا بالسبت مادامت السموات والأرض.","part":1,"page":104},{"id":106,"text":"وجوابه: منع أنه قول موسى عليه السلام، بل لقن ابن الراوندي ليهود أصبهان، ثم الذي يدل على أنه قول مخترع بعد زمن الرسول عليه السلام أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه قاله في عصره عليه السلام واحتج به عليه أصلاً، مع شدة حرصهم على الرد عليه والطعن في أحواله وأقواله، ولو كان ذلك قوله لما امتنعوا / من ذلك.\rسلمناه، لكنه غير متواتر لما سبق، فلا يجوز التمسك به في مثل هذا الأصل.\rسلمناه، لكنه محمول على طول المدة، جمعاً بين الدليلين.\rخاتمة\rفي بيان وجوه إعجاز القرآن\rاعلم أن الاتيان بمثل كل واحدة من سور القرآن الكريم إما أن يكون معتاداً أو لا يكون، فإن كان الأول كان عدم إتيان العرب به مع قدرتهم على الاتيان بمثله وشدة حرصهم على إبطال دعواه وكثرة رغبتهم في القدح فيما فيه انتظام أمره من أظهر المعجزات، وإن كان الثاني فلا شك في كونه معجزة، فثبت أن القرآن معجزة، سواء كان الاتيان به معتاداً أو لم يكن.\rثم القول بأن القرآن معجزة بالطريق الأول هو مذهب النظام من المعتزلة ومن تابعه كالشريف المرتضى من الشيعة.\rوأما إن قيل إنه معجزة بالطريق الثاني ففيه مذاهب:\rأحدها قول من يقول: إنه معجزة لأسلوبه، فإن أسلوبه ليس أسلوب الخطب ولا أسلوب الشعر ولا غيره من كلامهم.\rوثانيها: قول من يقول: الإعجاز إنما هو في فصاحته، وفسرها بالسلامة عن التعقيد والبراءة عن التثقيل على اللسان، وهو اختيار الجاحظ.\rوثالثها: قول / من يقول: إنما كان معجزة لأمور عائدة إلى ألفاظه من حيث كونها دالة على المعنى من غير تناقض.\rورابعها: قول من يقول: إنما كان معجزة لما فيه من بيان المعارف الإلهية والحقائق والمشكلات.\rوخامسها: قول من يقول: إنما كان كذلك لما فيه من الإخبار عن الغيوب.\rوسادسها: قول من يقول: إنما كان معجزة لاشتماله على أصناف البديع من الاستعارة والتشبيه والمجانسة اللفظية والمناسبة المعنوية وغيرها من أصناف البديع.","part":1,"page":105},{"id":107,"text":"وسابعها: قول من يقول: إنما كان كذلك لاشتماله على ما يتركب من بعض هذه الأمور أو كلها.\rفهذه الوجوه كلها محتملة وإن كان بعض هذه الوجوه أرجح من البعض.\rالمسألة الخامسة والستون\rفي أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم\rأفضل من سائر النبيين عليهم الصلاة والسلام\rلنا وجوه:\rأحدها: قوله تعالى: ?أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده?، أمره أن يقتدي بالأنبياء الذين تقدم ذكرهم وثناؤهم ومدحهم بالأوصاف الجيدة، فيكون عليه الصلاة والسلام ممتثلاً لأمره تعالى، وإلا لزم أن يكون عاصياً وهو اسم ذم منفي عنه عليه الصلاة والسلام إجماعاً /، وحينئذ يلزم أن يكون آتياً بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة، فقد اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، فيكون أفضل منهم.\rوثانيها: أنه تعالى مدحه في القرآن العظيم بما لم يمدح به أحداً من الأنبياء، قال الله تعالى: ?وإنك لعلى خلق عظيم?، وأكرمه بما لم يكرم به أحداً من الأنبياء لقوله تعالى: ?ألم نشرح لك صدرك..? إلى قوله: ?ورفعنا لك ذكرك? ورفع ذكره هو أن لا يذكر الله تعالى إلا ويذكر معه الرسول، وقد فضل على الأنبياء بأحكام كحلِّ المغنم، وجعلت الأرض له مسجداً والتراب طهوراً.\rوثالثها: وهو الوجه المعقول إذ دعوته في التوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه لم تبلغ دعوته وشريعته هذا المبلغ، والعلم به جلي بعد تتبع كتب التواريخ والقصص.\rوقد نشأ من أمته أمم من [ أتباع ] الأنبياء وأرباب الديانات والحقائق ما لا يوجد في غير أمته، وذلك يدل على أن انتفاع أهل العالم بدعوته وشريعته أكمل وأكثر من انتفاع سائر الأمم بدعوة أنبيائهم، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام أفضل من سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\rالمسألة السادسة والستون\rفي أن الأنبياء معصومون\rولا بد فيه / [من ] بيان مذاهب الناس","part":1,"page":106},{"id":108,"text":"فنقول: لا عصمة قبل الإنباء حتى عن الكفر عقلاً، وقالت الشيعة: ما قبله كما بعده، فهم معصومون عن اعتقاد ما يوجب الكفر والخيانة في تبليغ الشرائع وفاقاً، غير الفضيلية من الخوارج، فإنهم يجوزون عليهم الذنب، وكل ذنب عندهم كفر.\rوإن الروافض يجوزون منهم إظهار الكفر خوفاً وتقيَّة، ولا يجوز منهم تعمد الخطأ في الفتوى، وفي السهو خلاف.\rوأما الذنوب الفعلية فالحشوية يجوزون عليهم الكبائر والصغائر، وإن كان عمداً، وقالوا: بالوقوع أيضاً، والروافض منعوهما مطلقاً.\rومنهم منْ فرَّق فلم يجوز عليهم الكبائر ولا الصغائر المنفرة، كالتطفيف بحبة عمداً أوتأويلاً ونسياناً، وجوز غيرهما عمداً وسهواً، وعليه الأكثر مِنَّا ومن المعتزلة، وقيل: عمداً لا سهواً ولا تأويلاً.\rوالمختار أنه لا يجوز عليهم الذنب عمداً ولا الكبائر سهواً ونسياناً.\rثم الدليل على عصمتهم وجوه:\rأحدها: قوله تعالى في وصفهم: ?وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار?، وقوله تعالى: ?إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين?، وقوله تعالى: ?الله يصطفي / من الملائكة رسلاً ومن الناس?، فإذا كان يصطفي منهم رسلاً مع أنهم معصومون فلأن يصطفي من البشر رسلاً مع أنهم غير معصومين بالطريق الأولى.\rوقوله تعالى: ?ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين?.\rوقوله تعالى في حق موسى عليه السلام: ?إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين?، والاصطفاء إنما هو بالعصمة وإلا لم يكن له معنى معتبر مميز لهم.\rوقوله تعالى في حقهم: ?إنهم كانوا يسارعون في الخيرات?، والألف واللام للعموم، فيتناول جميع الخيرات، وهو فعل كل ما ينبغي.\rوأما الضمير في قوله تعالى: ?فمنهم ظالمٌ لنفسه? يعود إلى العباد، لأنه أقرب المذكور، لا إلى المصطفين إليه، ولو عاد إليه فهو محمول على ترك الأولى جمعاً بين الدليلين، وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.","part":1,"page":107},{"id":109,"text":"وثانيها: قوله تعالى: ?لأغوينهم أجمعين إلى عبادك منهم المخلصين?، والاستثناء من الإثبات نفي، فوجب أن لا يصدر منهم ذنب عمداً، وإلا لحصل إغواؤهم، والأنبياء هم المخلصون، أو هم منهم، فإن إخراجهم منهم باطل إجماعاً.\rوثالثها: النبوة أعظم النعم، وهو ظاهر، فالمعصية معها أقبح، قال الله تعالى: ?يا نساء / النبي لستن كأحد من النساء?، وقوله تعالى: ?من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين?، ولأن المحصن يرجم وغيره يجلد، والعبد يحد نصف حد الحر، فلو صدر منهم ذنب لزم أن يكونوا أسوأ حالاً من عصاة الأمة، ولزم أن لا تقبل شهادتهم لقوله تعالى: ?إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا?، ولوجب زجرهم لعموم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع حرمة إيذاء الرسول، لقوله تعالى: ?إن الذين يؤذون الله ورسوله?، ولوجب الاقتداء بهم فيه، لقوله تعالى: ?إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله?، ولدخلوا تحت قوله تعالى: ?ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم?، واللوازم باطلة إجماعاً، فالملزوم مثله.\rورابعها: قوله تعالى: ?لا ينال عهدي الظالمين?، والعهد الذي لا ينالهم إن كان هو النبوة فظاهر، وإن كان هو الإمامة فأولى أن لا ينالهم عهد النبوة، لأنه أعظم من عهد الإمامة.\rواحتجوا: بقوله تعالى: ?وعصى آدم ربه فغوى?، وقوله تعالى: ?ربنا ظلمنا أنفسنا?، وقوله تعالى: ?عفا الله عنك لم أذنت لهم?، وقوله: ?فوكزه موسى فقضى عليه?، وقوله: ?ولقد همت به وهم بها? / وأمثاله كثيرة مذكورة في كتابنا المسمى بـ ( زبدة الكلام في عصمة الأنام ).\rوجوابه: أنه ما يمكن أن يحمل منه على ما قبل النبوة حمل عليه، وما لا يمكن حمله على ذلك حمل على ترك الأولى، أو سهواً أو نسياناً، أو أنه ليس إذ ذاك ذنب.\rخاتمة\rفي بيان أن الملائكة معصومون\rوالدليل عليه وجوه:","part":1,"page":108},{"id":110,"text":"أحدها: قوله تعالى في وصفهم: ?ويفعلون ما يؤمرون?، وقوله تعالى: ?وهم بأمره يعملون? وهما يتناولان فعل المأمورات وترك المنهيات، لأن النهي أمر بالترك، ولأنه سيق في معرض التمدح، وهو إنما يحصل بمجموعهما.\rوثانيها: قوله تعالى: ?يسبحون الليل والنهار لا يفترون?، وهو يفيد المبالغة التامة في الاشتغال بالعبادة، وهو تعبد.\rوثالثها: الملائكة رسل الله تعالى، لقوله تعالى: ?جاعل الملائكة رسلاً?، والرسل معصومون، لأنه تعالى قال في تعظيمهم: ?الله أعلم حيث يجعل رسالاته?، وهو يفيد المبالغة التامة في التعظيم، فيكون أتقى الناس لقوله تعالى: ?إن أكرمكم عند الله أتقاكم?.\rاحتج المخالف بقصة هاروت وماروت، وبقصة إبليس مع آدم، وباعتراضهم على الله تعالى في خلق آدم عليه السلام بقوله تعالى/: ?أتجعل فيها من يفسد فيها?، وتعييبهم له وتحكيمهم عليه بالفساد والقتل.\rوجوابه على سبيل الإجمال: أن جميع ما ذكرتم تحتمل احتمالاً بعيداً أو قريباً، وعلى التقديرين لا يعارض ما دل على عصمتهم من الصرائح والظواهر.\rالمسألة السابعة والستون\rفي أن الأنبياء أفضل أم الملائكة ؟\rذهب أكثر أصحابنا والشيعة إلى أن الأنبياء أفضل منهم، وقال القاضي أبو بكر والحليمي وغيره من أصحابنا كالإمام والمعتزلة والفلاسفة، أن الملائكة السماوية أفضل، ومنهم من نقل ذلك مطلقاً.\rوعلى الأول منهم من بالغ وقال: إن عامة المؤمنين أفضل من الملائكة.\rومنهم من فصّل وقال: خواص المؤمنين أفضل من خواص الملائكة دون عوام المؤمنين.\rلنا وجوه:\rأحدها: أن آدم عليه السلام كان مسجوداً للملائكة، وهو ظاهر لآي من القرآن، والمسجود أفضل من الساجد لإطباق الناس عليه.","part":1,"page":109},{"id":111,"text":"وما يقال: إن السجود كان لله تعالى وآدم قبلة السجود، فمدفوع لقوله تعالى حكاية عن إبليس: ?أرأيتك هذا الذي كرمت علي?، مع أنه لم يوجد هناك سوى السجود، وبقوله تعالى حكاية عنه: ?أأسجد لمن خلقت طيناً?، وحمل السجود على التواضع، على / خلاف الأصل، ولو سلم فالمقصود حاصل، لأن من أمر بالتواضع له أفضل ممن أمر بذلك.\rوثانيها: قوله تعالى: ?إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين?، والعالم كل موجود سوى الله تعالى، تُرِك العمل به فيمن لم يكن نبياً منهم، فيبقى العمل به في الأنبياء.\rوأورد أن العالمين جمع، والعالم بالمعنى الذي ذكرتم لا يتصور جمعه، لأنه عبارة عن ضم مثل الشيء أو مثليه إليه، وهو غير متصور فيه بالمعنى الذي ذكرتموه، فوجب حمله على المعنى اللغوي، وحينئذ لا يتم دلالته على المطلوب.\rوثالثها: أن عبادة البشر أشق، لأنها مع الموانع النفسية والجسمانية من الوسوسة والشكوك والشبهات، ومن الشهوة والغضب والشح وغيرهما.\rولا شك أن فعل الشيء مع المانع له أشق من فعله بدونه، والأشق أفضل لقوله تعالى: ?ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه?، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ?أفضل(1) الأعمال أحمزها?، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ?أجرك على قدر نصبك?، ولأنه لو لم يكن أفضل لكان حراماً فعله، لأنه إتعاب للنفس من غير فائدة، ولأن استقراء عبادات الشرع وتكاليفه تدل عليه.\rورابعها: الآدمي / فيه العقل والشهوة، فإذا رجح شهوته على عقله كان أخس من البهيمة، فوجب أنه إذا رجح عقله على شهوته كان أفضل من الملائكة.\rواحتجوا بقوله تعالى: ?لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون?، وهو يفيد تفضيلهم عليه وهو ظاهر.\rوقوله تعالى: ?ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون?.\rوقوله تعالى: ?وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً?، فلو كانوا أفضل من الملائكة لم يكن للتقييد بالبعض فائدة.\r__________\r(1) في الأصل: أعمل.","part":1,"page":110},{"id":112,"text":"وبقوله تعالى: ?يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون? الآية، ووجه الاستدلال به أنه تعالى لما أراد أن يقرر عظمته عند الخلق استدل عليه بكونه إلهاً للسموات والأرض وما بينهما، ثم لما أرا الزيادة في تقرير هذا المعنى قال بعده: ?يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً?، ولولا أن الملائكة أفضل المخلوقات درجة وإلا لم يصح هذا الترتيب.\rولأن عبادة الملائكة أدوم لقوله تعالى: ?يسبحون الليل والنهار لا يفترون?، وأكثر لطول أعمارهم، وأخلص إذ لا يدخل في عبادتهم الرياء والسمعة والإشراك، فكانت عبادتهم أفضل.\rالمسألة الثامنة والستون /\rفي أن الأنبياء أفضل من الأولياء\rلنا وجوه:\rأحدها: قوله عليه أفضل الصلاة والسلام في حق أبي بكر رضي الله عنه: ?ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين أفضل من أبي بكر?، وهذا يدل على أن أبا بكر أفضل من كل من ليس بنبي، وأنه دون من هو نبي، وهو يدل على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرجح حالاً من غيرهم.\rوثانيها: أن الولي لا بدَّ وأن يكون تابعاً لنبي، إذ لا بد وأن يتقرب إلى الله تعالى بالعبادات المشروعة، ولا يستفاد ذلك إلا من جهة الأنبياء، والمتبوع أفضل من التابع.\rوثالثها: أن الولي كامل في نفسه فقط، والنبي كامل في نفسه مكمل لغيره، فكان أفضل.\rورابعها: أن نهاية درجات الولي أن يتلقى الأمر بالإلهام، وأول درجات النبي ذلك، والوحي بالمنام، وآخرها الوحي الصريح لمشاهدة الملك، وذلك لا شبهة فيه ولا التباس، فكان النبي أفضل.\rالمسألة التاسعة والستون\rفي أن محمداً صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى جميع الخلق\rوأنه خاتم النبيين\rأما الأول: ففيه خلاف العيسوية من اليهود، حيث زعموا أنه رسول إلى العرب خاصة.","part":1,"page":111},{"id":113,"text":"لنا: ثبت أنه رسول لما ثبت وسبق من الدليل، وبالإجماع /، وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي النبوة، وأنه رسول الله تعالى إلى كل الخلائق، فوجب أن يكون صادقاً فيه، لما ثبت من صدقهم وعدم الكذب عليهم سيما في دعوى الرسالة.\rوأما الثاني: فلقوله تعالى: ?وخاتم النبيين?، ولقوله عليه الصلاة والسلام: ?لا نبي بعدي?، ولأن ذلك كالمعلوم بالضرورة من دينه بعد الاستقراء والتتبع.\rالمسألة السبعون\rفي أن القول بالمعراج حق\rأما من مكة إلى بيت المقدس، فلقوله تعالى: ?سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله?.\rوأما منه إلى السموات فالأحاديث الصحاح الواردة في ذلك، ولا استبعاد في صعود شخص من البشر إلى فوق السموات، كما لا استبعاد في نزول جسم هوائي إلى الأرض، وهو الملك، ولو كان مستبعداً لكن لما كان ممكناً(1) وقد أخبر الصادق به وجب الاعتراف به، وأيضاً ليس الاستبعاد في ذلك كالاستبعاد في انقلاب العصا حية، فإذا كان ذلك واقعاً والاستبعاد زائل، فكذا ما نحن فيه.\rفرع: في الطريق إلى معرفة شرعه أنه عليه الصلاة بقي في الدنيا إلى أن بلغ صحابته مبلغاً يفيد إخبارهم العلم اليقين قطعاً للعادة / المطردة غير المضطربة، ولأنهم أكثر عدداً من عدد يقطع بأن أخبارهم متواترة، فتكون أخبارهم متواترة، ثم إنهم بأسرهم نقلوا إلى جميع المكلفين أصول شريعته، فصارت الأصول المعلومة على سبيل القطع، وأما فروعها فمظنونة برواية الآحاد وبالاجتهاد.\rخاتمة\rكرامة الأولياء جائزة عندنا، والبصري من المعتزلة، خلافاً للأستاذ والمعتزلة.\rلنا: التمسك بقصة مريم وآصف، وبالأحاديث والآثار المروية في هذا الباب، وبالحكايات المروية عن الصالحين من أمتنا وغير أمتنا ونعلم قطعاً أن كلها ليس كذباً، وأي واحد منها صدق حصل الغرض.\r__________\r(1) كذا بالأصل.","part":1,"page":112},{"id":114,"text":"وأيضاً لا امتناع في أن يطلع الله تعالى عبده أن له عند الله منزلة وقربة بإظهار أمر خارق للعادة على يده، والاشتباه بالمعجزة زائل بالتحدي، ولأن صاحب الكرامة يدعي متابعة النبي، والنبي لا يدعي متابعة غيره.\rالمسألة الحادية والسبعون\rفي أن إعادة المعدوم جائزة عندنا، وعند أكثر المعتزلة\rلكنهم إنما قالوا بذلك بناء على أن المعدوم عندهم شيء، فلو لم يقولوا به لأحالوه، وهذا كما قالوا: إنه قبل الوجود / شيء قابل للوجود، فكذا إذا انعدم بعد الوجود.\rوأما عندنا فإن المعدوم نفي محض وعدم صرف، ومع ذلك نقول: إن إعادته ممكنة، ولم يقل بهذا إلا أصحابنا.\rواختلف القائلون بإعادة المعدوم في جواز إعادة الأعراض، وقالت الفلاسفة وبعض المعتزلة كأبي الحسين البصري والخوارزمي والكرامية: هي ممتنعة.\rلنا: أن جواز وجوده من لوازم حقيقته، وإلا لزم التسلسل، وهو ممتنع، فوجب الانتهاء إلى جواز هو لازم حقيقة، فيكون جائز الوجود، والله تعالى قادر على الممكنات، فكان قادراً عليه، وكون الماهية بعد العدم نفي محض لا يمنع من الحكم عليه بجواز الوجود، وكما أنه لا يمنع من الحكم عليه بامتناع إعادته، وما يقال: إن جواز الوجود أعم من جوازه بعد العدم، والعام لا يستلزم الخاص فمدفوع بما أنه لا اختلاف في الماهية في نفس الأمر، وإنما الخصوص نشأ من أمر نسبي خارجي عن الماهية، لكونه بعد العدم.\rواحتجوا بأنه لو جاز إعادة المعدوم لجاز إعادة الوقت الذي حصل فيه ابتداء، فإذا أعادهما وأحدثه فيه كان مبتدأ من حيث إنه معاد / وهو محال.\rوجوابه: منع لزوم ذلك، وهذا لأن المعاد هو المسبوق بوجود آخر، والمبتدأ ليس كذلك.\rالمسألة الثانية والسبعون\rفي أن الله تعالى هل يعدم الأجسام ثم يعيدها ؟ أو يفرق تآلفها ثم يجمعها ؟\rفذهب الأكثرون إلى القول الأول، وذهب الأقلون إلى الثاني.","part":1,"page":113},{"id":115,"text":"اعلم أن كل من أنكر إعادة المعدوم واعترف بحشر الأجساد قال بالاحتمال الثاني، أما الذين قالوا بإمكان إعادة المعدوم جاز أن يقول: الإعادة بالطريق الأول، وجاز أن يكون بالطريق الثاني، لكن لا نعرف أن أحداً منهم ذهب إليه، إذ كل واحد منهما جائز.\rاستدل الأولون بوجوه:\rأحدها: قوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه?، والهلاك هو الفناء، لقوله تعالى: ?إن امرؤ هلك?، أي فني، والأجزاء بعد تفرقها باقية، وهو خلاف مدلول الآية.\rوثانيها: قوله تعالى: ?وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده?، واللفظ يتناول كل المخلوقات، والضمير عائد إلى الخلق، فالإعادة حاصلة لكلها، ولا تعقل الإعادة إلا بعد الفناء.\rوثالثها: قوله تعالى: ?كما بدأنا أول خلق نعيده? حكم بأن / الإعادة مثل الابتداء، ولما كان الابتداء بخلق الذوات والتأليف وجب أن تكون الإعادة كذلك.\rوأما الذين قالوا بالاحتمال الثاني قالوا: إن إعادة المعدوم ممتنعة بناء على اعتقادهم، فلو أعدم الله الذوات والأجزاء فالذي يوجد بعد ذلك مغاير لذلك الشيء المعدوم، فلا يكون الثواب والعقاب واصلين إلى المطيع والعاصي، بخلاف ما إذا كانت الإعادة بجميع الأجزاء، فإنهما حينئذ واصلان إليهما بعينهما، وهؤلاء قد لزمهم القول بإعادة المعدوم من حيث لا يشعرون.\rفإن الإنسان المعين ليس عبارة عن تلك الأجزاء المتفرقة فقط، بل عبارة عنها وعن غيرها، نحو هيئة تأليفها وتركيبها، والمزاج المخصوص والحياة، ولا شك في انعدامها، فإن أعيد بها فقد لزم إعادة المعدوم وإلا لزم إيصال الثواب والعقاب إلى غير الذي أطاع وعصى.\rالمسألة الثالثة والسبعون\rفي المعاد\rوهو إما روحاني فقط، وهو [ مذهب ] جمهور الفلاسفة من الأولين والآخرين، وإما جسماني فقط، وهو على رأي من قال من المليين: إن الإنسان إنما هو عبارة عن / هذا الهيكل المحسوس فقط، وهو مذهب عامة المتكلمين.","part":1,"page":114},{"id":116,"text":"وإما روحاني وجسماني معاً وهو مذهب المحققين من المليين، وهو على رأي من قال منهم أن الإنسان عبارة عن مجموع البدن والروح، أو قال: هو عبارة عن الروح والجسد آلة له.\rوإما أن لا يكون لواحد منهما، وهو مذهب الدهرية والفلاسفة الطبائعيين، وتوقف جالينوس في الكل بناء على توقفه في النفس، فإنه قال: لم يظهر لي أن النفس هو المزاج أو غيره من جوهر باق بعد موت البدن، فعلى الأول لا يمكن المعاد لزعمه أن إعادة المعدوم ممتنعة، وعلى الثاني يمكن.\rوالمدعي أن المعاد الجسماني حق سواء كان مع المعاد الروحاني أو بدونه، وهو مذهب جميع المسلمين قاطبة، وأكثر المليين، وإن كان الحق هو القول بالمعادين.\rثم القائلون بالمعاد الجسماني منهم من قال: يحتمل أن يكون ذلك بطريق إعادة المعدوم، ويحتمل أن يكون بطريق جمع الأجزاء وتأليفها، وهو على رأي من يقول: إن إعادة المعدوم جائزة، وهؤلاء قالوا: إن إعادة المعدوم وإن كانت جائزة لكن ما قام دليل على أن الله تعالى يعدم الأجسام / بالكلية، فلذلك قلنا باحتمال الأمرين.\rوهؤلاء زعموا أن إعادة المعدوم ممتنعة، وقد علم بالضرورة من دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام القول بالمعاد الجسماني، فتعين أن يكون بالطريق الثاني.\rلنا: أن عود البدن بعد الموت إلى ما كان عليه قبله ممكن بالطريق الأول إن كان ممكناً فظاهر، وإلا فهو ممكن بالطريق الثاني.\rأما أولاً فلأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال.\rوأما ثانياً فلأن الإمكان إنما يثبت نظراً إلى القابل والفاعل، وهما حاصلان، أما بالنظر إلى الفاعل فلأن الله تعالى عالم بكل تلك الأجزاء وقادر على جمعها وتأليفها وخلق الحياة فيها.\rوأما بالنسبة إلى القابل فلأن قبول الجسم للأعراض القائمة به أمر ثبت له لذاته، وما بالذات لا يزول عنه، بل حاصل له أبداً، فذلك القبول حاصل أبداً، وحينئذ يحصل المطلوب.","part":1,"page":115},{"id":117,"text":"وأما ثالثاً فلأن الشارع أخبر به خبراً يعلم قطعاً أنه لا يمكن صرفه عن مدلوله إلى غيره إلا بتكذيبه، فلو لم تكن الإعادة بطريق جمع الأجزاء وتأليفها ممكناً مع أن إعادة المعدوم غير ممكنة لزم تكذيب الشارع وهو ممتنع، فتعين أن / تكون الإعادة بطريق جمع الأجزاء وتأليفها.\rوأيضاً لولا الحشر والنشر والثواب والعقاب لكانت الحياة الدنياوية عبثاً ولا فائدة فيها، وأن حال الإنسان فيها كحال الأنعام بل أنجس وأخس، لأن الأنعام ينتفع بها ركوباً وأكلاً، والآدمي لا نفع فيه حينئذ، بل هو محض مضرة على سائر الحيوانات، وكان اكتساب العلوم والمكارم والعبادات كلها ضائعاً، فإن صاحبها قد لا ينال في الدنيا خيراً أو جزاء، فلو لم يكن له جزاء في الآخرة كان ذلك تعباً من غير فائدة.\rوعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: ?أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون? وقوله: ?وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً?.\rلا يقال: هذا النوع من الاستدلال دور، فإنه إنما يجب حمل كلام الشارع على معنى دل عليه لفظه بظاهره، إذا كان ذلك المعنى ممكناً في نفسه، فلو استدل على إمكانه بذلك لزم الدور - لأنا نقول: لا نسلم أن ما نحن فيه من هذا القبيل، بل هو استدلال بلزوم المحال على تقدير عدم إمكانه، وهو لزوم الكذب / في كلام الشارع بناء على أنه لا يقبل التأويل، فإذا لم تكن الإعادة ممكنة بأحد الطرفين لزم الكذب.\rوأما ما ذكرتم فهو فيما يقبل التأويل كما في المتشابهات.\rوأما الذي لا يقبل التأويل ويعلم فساده بالضرورة من دين النبي عليه الصلاة والسلام فلا.\rواحتجوا بوجوه:\rأحدها أن الإنسان إذا اغتذى من إنسان آخر صار جزءاً من المغتذي، فرده إليهما محال، وإلى أحدهما ضياع الآخر.\rوجوابه: أنا إن قلنا: إن حقيقة الإنسان المشار إليه بقوله: ( أنا ) غير هذا البدن، وهو لا يموت بموت البدن، فالإشكال زائل.","part":1,"page":116},{"id":118,"text":"وإن قلنا بقول عامة المتكلمين فإنه يعاد إلى بدن هو أصلي فيه.\rوثانيها: أنه إن أعيد بدن الشخص على ما هو عليه عند الموت لزم أن يحشر الأعمى أعمى، والأقطع أقطع، وإن أعيد بجميع أجزائه التي كانت أجزاء له في حياته فهذا باطل، لأنه يقتضي أن يكون الجزء الواحد معاداً في شخصين فيما إذا أكل إنسان من إنسان، ولأنه يقتضي وصول الثواب إلى الأجزاء التي كانت حاصلة في حالة الكفر / والعقاب إلى الأجزاء التي في الإسلام، وهو دور ممتنع على الله تعالى.\rوجوابه: أنه إن قيل ببقاء النفس فالإشكال زائل كما سبق، وإلا فإلى جميع الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره ولا عبرة بما يحصل ويزول.\rوثالثها: أن لا يتم القول بحشر الأجساد إلا بإعادة المعدوم، وإن قيل: أنه بجيمع الأجزاء لما سبق، وإعادة المعدوم محال لأنا لو فرضنا أنه تعالى أعاد جوهراً أو أحدث جوهراً آخر مثله كانت نسبة كل واحد من الجوهرين إلى ذلك المعدوم سواء، لكونها مثلين من كل وجه، فلم يكن كون أحدهما إعادة للمعدوم والآخر ابتداء أولى من العكس، فإما أن يكونا غير ذلك المعدوم وهو محال، أو لا يكون واحد منهما عينه، وهو المطلوب.\rوجوابه: أنا بيّنا أن إعادة المعدوم جائزة فيكون حشر الأجساد جائزاً.\rوأما جواب ما ذكروه على امتناعها فهو أنا نمنع أنه حينئذ يلزم أن يكونا عين ذلك المعدوم، وهذا لأن تماثلهما لا يقتضي اتحادهما في الشخصية بل في الماهية.\rفرع\rفي أنه تعالى يخرب هذا العالم المحسوس /\rأما الجواز العقلي فثابت من جهة أنه ممكن الوجود، وكل ممكن الوجود فإنه قابل للوجود والعدم، وتلك القابلية من لوازم ذاته فيلزم أن يكون ثابتاً له ما دام كونه ذاتاً.\rولأن العالم إما أجسام وإما جواهر وأعراض، وكل واحد منها قابل للعدم، فالعالم قابل للعدم.","part":1,"page":117},{"id":119,"text":"وأما وقوعه فلا يمكن الاستدلال عليه إلا بالسمعية، وهي كثيرة جداً في القرآن، بحيث لا يقبل التأويل، كقوله تعالى: ?إذا السماء انشقت?، وقوله: ?إذا السماء انفطرت?، ?وفتحت السماء فكانت أبواباً?، وقوله: ?يوم تكون السماء كالمهل? وقوله: ?إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت?، وأمثاله كثيرة.\rوإذا ثبت جوازه عقلاً ودلت على وقوعه وجب الاعتراف به.\rالمسألة الرابعة والسبعون\rفي إثبات المعاد الروحاني والجسماني\rوقد قال به جمع كثير من المحققين المسلمين كالغزالي، وأبي الحسن الحليمي وأبي القاسم الراغب وأبي زيد الدبوسي ومعمر من المعتزلة وأبي الهيضم من الكرامية، وكثير من مشايخ الصوفية.\rومن غير المسلمين كجمهور النصارى وبعض التناسخية.\rوبالجملة، كل من قال/: النفس أمر وراء هذا الهيكل المخصوص، وقال بالمعاد الجسماني قال بهما.\rفإن القول بحشر الأجساد مع القول بأن النفس أمر وراء هذا البدن ولا يعاد إليه ولا يثاب ولا يعاقب قول لم يقل به أحد.\rواستدلوا عليه بأن العقل دل على سعادة الأرواح في معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته، وسعادة الأجسام في الذات الجسمانية والجمع بينهما في الدنيا غير ممكن، إذ الاستقراء دل على أن المستغرق في أنوار عالم الغيب لا يمكنه الالتفات إلى اللذات الجسمانية، وبالعكس.\rوهذا الجمع إنما تعذر في هذا العالم لضعف الأرواح البشرية فيها لعدم تكامل قوتها، فإذا فارقت البدن بعد الكمال ثم استمدت بعد الموت من عالم الأرواح قويت، فإذا أعيدت إلى البدن مرة أخرى لم يبعد أن يقوى على الجمع بينهما، وهو غاية سعادة الإنسان، وليس في العقل ما يدل على امتناعه، فوجب القول به.\rالمسألة الخامسة والسبعون\rفي بيان أن عذاب القبر حق\rوأنكره معظم المعتزلة.","part":1,"page":118},{"id":120,"text":"لنا قوله تعالى: ?النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا / آل فرعون أشد العذاب?، وقوله تعالى في قوم نوح أيضاً: ?مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً? والفاء للتعقيب، وليس كذلك إلا بعذاب القبر.\rوقوله تعالى: ?ربنا امتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين? ولا تتحق الإماتتان إلا بممات في القبر بعد حياته.\rفإن قلتَ: فعلى هذا الإحياء يكون ثلاث مرات لا مرتين.\rقلتُ: تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، ولأنهم إنما يذكرون ما مضى من الحياتين والحياة الثالثة هي التي تم فيها وهي ظاهرة لكل أحد، فلا حاجة لهم في ذكرها.\rويحتمل أن يقال: إنهم ذكروا الحياتين اللتين عرفوا الله تعالى فيهما بالضرورة دون الحياة الدنيا، بدليل قوله: ?فاعترفنا بذنوبنا? وما كانوا معترفين بذنوبهم في الحياة الدنيا.\rوأيضاً الأحاديث الصحاح الواردة في هذا الباب كثيرة كل واحد منها صريح في الباب.\rوأيضاً قد تواتر واشتهر من الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم الاستعاذة من عذاب القبر، وهو ممكن إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال.\rوأيضاً الخصم معترف بإمكانه، وإنما ينكر لكونه على خلاف الحس، فوجب / التصديق به.\rواحتج المنكرون بوجوه:\rأحدها: قوله تعالى: ?لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى? وإلا بمعنى لكن، إذ الحمل على الاستثناء المتصل متعذر، فيحمل على الاستثناء المنقطع، وهو صريح في أنهم لا يذوقون إلا موتة واحدة.\rوجوابه: أنه ورد بطريق المقابلة، فإن الله تعالى وصف نعيم أهل الجنة بأنه لا ينقطع بالموت كما انقطاع نعيم الدنيا به.\rوالذي يدل على صحة هذا التأويل هو أن الله تعالى أحيا خلقاً كثيراً في زمن بني إسرائيل وعيسى عليه السلام.\rوثانيها: قوله تعالى: ?وما أنت بمسمع من في القبور?.\rوجوابه: أنه شبه الكفرة بالموتى، إما على زعمهم أنهم لا يسمعون أو محال موتهم فيها ويعترف أنهم حين يكونوا موتى فيها لا يسمعون.","part":1,"page":119},{"id":121,"text":"وثالثها: أن الإنسان إذا احترق وصار رماداً وتفرقت أجزاؤه شرقاً وغرباً، ويميناً وشمالاً فتعذيبها من غير إعادة الحياة غير معقول، وهو فعل خال عن الفائدة، وإعادتها فيها فيها خلاف المحسوس، وخلاف ما يدل على أن البينة شرط الحياة.\rوأيضاً لو جوزنا كون تلك الأجزاء حية متألمة وملتذة لما أمكننا في شيء من الأجسام بأنه ليس بحي، ولزم تجويز أن يكون في / مسام الجدار أجزاء حية عالمة قادرة، وهو سفسطة.\rوقد يورد هذا السؤال على وجه آخر، وهو أنا نرى المصلوب يبقى على حالة مدة مديدة إلى أن يتفتت، وكذا نرى الميت على السرير ولا حس ولا حركة ولا سؤال ولا جواب، ولو جاز أن نحكم بحياته إذ ذاك لجاز أن نحكم بحياة السرير وبحياة سائر الجمادات، إذ لا نجد فرقاً بين الميت الموضوع على السرير وبين سائر الجمادات.\rوأيضاً فأنتم تقولون: أن الميت يجلس في قبره وهو غير معقول، فإنه قد يكون في الصندوق واللحد الضيق والجلوس فيه غير معقول، لأنه لو وضع على صدره كفاً من الذرى فإنه يوجد ذلك على حاله لو نظر إليه بعد أيام، وكذا من افترسه السباع وأكله الطيور وتفرقت أجزاؤه في أجزائها كيف تعقل مسائلته.\rوجوابه: أن جميع ما ذكرتم إنما ينفي أن يكون التعذيب حاصلاً لما شاهده من ظاهره، ونحن لا نقول به، بل نقول: يجوز أن يكون المدرك للعذاب جزء من الباطن، وهذا فإن الإنسان إذا اعتراه هم أو حزن غاية ما يكون من الهم والحزن، فإنه يتألم به غاية التألم مع أنا نعلم أنه / ليس المدرك لذلك الهم والحزن هو اليد والرجل وغيرهما من الأعضاء الظاهرة، بل المدرك جزء من الباطن من قلب أو غيره فيجوز أن يعيد الله الحياة إلى بعض تلك الأجزاء المتفرقة أو إلى كلها، إذ ثبت أن البنية ليست شرطاً للحياة فيحصل لها الألم، وليس من شروط الألم لما يراه في النوم من المنامات المفزعة والمؤلمة له، والناظر إليه لا يرى له أثراً في ظاهره.","part":1,"page":120},{"id":122,"text":"أو يقال: إنه وإن ظهر أثره لكن ليس لأبصارنا صلاحية إدراكه، لأنه من عالم الباقي، والإبصار من عالم الفاني.\rوهذا كما أن جبريل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وكان يشاهده والحاضرون لا يشاهدونه، وأيضاً يمكن أن يقال: إن الذي تفرقت أجزاؤه بالحرق وبأكل السباع فالعقاب والثواب يحصلان لأرواحهم، كما ثبت أن أرواح الشهداء يجعلها في أجواف طير خضر، وما ورد من هذا مما يدل على حصولهما للأبدان، فذلك خارج مخرج الغالب، إذ الغالب في الموتى السلامة عن تفريق الأجزاء في حالة الموت أو عقيبه.\rالمسألة السادسة والسبعون\rفي سؤال منكر ونكير والصراط /\rوهو جسر ممدود على النار، والميزان، والحوض، وتطاير الكتب، وإنطاق الجوارح، ونحوها، كلها حق وصدق، لأنها أمور ممكنة، وقد أخبر الصادق عنها، فوجب الاعتراف به.\rوالسؤال إما عن الميت نفسه أو عن بعض أجزائه، فإن في الحياة الدنيا المعهود السؤال والجواب ليس عن جميع البدن، بل عن جزء منه كالقلب أو غيره، أو عن أرواحهم حيث تعذر ذلك عن الميت أو عن أجزائه.\rوما يذكر من عدم رؤيتهم وغيره من المستبعدات فجوابه: كما سبق في عذاب القبر.\rوالمراد من وزن الأعمال وزن صحائفها، أو أن يظهر الله تعالى الرجحان في كفة الميزان على وفق مقادير أفعالهم في الخير والشر.\rالمسألة السابعة والسبعون\rفي أن الجنة والنار مخلوقتان\rوهو مذهبنا ومذهب أكثر المعتزلة كالجبائي وأبي الحسين البصري، خلافاً لأبي هاشم والقاضي عبد الجبار.","part":1,"page":121},{"id":123,"text":"لنا: قصة آدم عليه السلام وهي صريحة في الباب، وحملُه على بعض بساتين الدنيا خلاف العرف البشري، وخلاف إجماع السلف إذ أجمعوا على أن الجنة التي أهبط منها آدم هي الجنة التي يعود إليها يوم الجزاء / وقوله تعالى في الجنة: ?أعدت للمتقين?، وقوله تعالى: ?وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين?، وقوله تعالى: ?ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى?، ولا يقال مثل هذا لغير موجود يوجد بعد.\rاحتجوا بأنها لو كانت موجودة لكانت فانية، لقوله تعالى: ?كل شيء هالك إلا وجهه? لكنها دائمة لقوله تعالى: ?أكلها دائم?، ودوام مأكولها بدوامها.\rوجوابه: أن المراد منه أنه دائم في يوم الجزاء، والفناء قبله ثم يعاد.\rسلمناه، لكن قوله تعالى: ?كل شيء هالك? عام دخله التخصيص بالنسبة إلى ما خلق للدوام كالجنة والنار.\rسلمناه، لكن المعنى إن شاء الله تعالى أن كل شيء هالك نظراً إلى ذاته، فإن كل ما عدا واجب الوجود ممكن لذاته، وهو هالك نظراً إلى ذاته، أو نظراً إليه يستحق أن لا يستحق الوجود، وما شأنه ذلك فهو هالك.\rالمسألة الثامنة والسبعون\rفي أن نصب الإمام هل هو واجب أم لا ؟\rذهب أصحابنا وأكثر المعتزلة إلى أن نصبه واجب علينا، لكن دليله سمعي.\rوذهب الجاحظ وأبو الحسين البصري إلى أن العقل دل عليه أيضاً.\rوقالت الخوارج: لا / يجب نصبه.\rوذهب بعض الشيعة وبعض المعتزلة إلى أنه يجب على الله تعالى نصب الإمامة لكونها لطفاً في معرفة الله تعالى وسائر المطالب الإلهية، على ما هو مذهب بعضهم، أو لكونه لطفاً في أداء الواجبات وترك القبائح، وفي حفظ الشريعة وفي بيانها على ما هو مذهب الاثنا عشرية منهم.\rوأما الذين قالوا: لا يجب، فمنهم من قال به مطلقاً، ومنهم من قال: لا يجب في وقت السلامة ويجب في وقت الهرج والمرج والفتن، ومنهم من عكس.","part":1,"page":122},{"id":124,"text":"لنا وجوه: أحدها أنه عليه الصلاة والسلام ما كان يجهز جيشاً أو سرية إلا ويؤمر عليهم، ولا كان يخرج من المدينة إلا ويستخلف على أهلها، فدوامه عليه من غير ترك دليل الوجوب.\rوثانيها: أن إقامة الحدود واجبة إجماعاً، ولقوله تعالى: ?فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة?، ولقوله تعالى: ?فاجلدوهم ثمانين جلدة?.\rوأجمعت الأمة على أنه لا يتولى ذلك إلا الإمام، وما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب.\rوثالثها: أن نصب الإمام يتضمن دفع ضرر مظنون، وهو واجب، فكان نصب الإمام واجباً.\rبيان الأول: أنا نعلم بالضرورة أنه إذا / حصل في البلد سلطان قاهر ضابط فإن حال البلد أقرب إلى الصلاح مما إذا لم يكن كذلك.\rبيان الثاني: بالإجماع.\rبيان الثالث: ظاهر.\rاحتجوا بأن القوم قد يستنكفون عن متابعته، فيكون نصبه منشأة للمفسدة.\rوجوابه: أنه نادر، والغالب ما ذكرنا، فكان اتباعه واجباً، لأن اتباع الراجح واجب.\rالمسألة التاسعة والسبعون\rفي أن نصبه غير واجب على الله تعالى، والخلاف فيه مع الشيعة.\rلنا ما سبق من أنه لا يجب على الله تعالى شيء، ولأنه قد يتضمن نصبه مفسدة، فلا يجب على الله تعالى، لأن شرط الوجوب عليه أن يعلم خلو الفعل عن المفسدة، بخلاف العبد، فإنه يكفي في حقه ظن خلوه عنها.\rاحتجوا: بأن نصب الإمام لطف لما سبق، واللطف كالتمكين في تحصيل الفعل، والتمكين واجب، إذ تركه قبيح، لأنه جار مجرى رد الباب على وجه الضيف، وهو قبيح، فإذا قبح تركه وجب فعله.\rوتمام الكلام فيه سؤالاً وجواباً مذكور في كتابنا في أصول الفقه.\rالمسألة الثمانون\rالعصمة ليست شرطاً في الإمامة، خلافاً لبعض الشيعة","part":1,"page":123},{"id":125,"text":"لنا أنه لا دليل عليه فوجب أن لا يجوز القول به، لأن القول في الدين / بغير دليل باطل إجماعاً، ولأنه ثبت الدليل صحة إمامة الصديق وهو ما كان معصوماً، ولأن العصمة إنما شرطت في الأنبياء عليهم السلام، لئلا تختل فائدة البعثة، إذ فائدتها الإبلاغ من الله تعالى، وشرعية الأحكام فإذا لم تثبت عصمته لم يوثق بأحكامه وإبلاغه، وهذا المعنى مفقود في حق الإمام، فلا يجب اشتراطها.\rاحتجوا بقوله تعالى: ?لا ينال عهدي الظالمين?، والمراد عهد الإمامة لقرينة قوله: ?إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي?.\rوجوابه: أنه ليس المراد منه الإمامة بخصوصيتها، بل المراد النبوة، إذ كل نبي إمام من غير عكس، ولأنها المراد من قوله تعالى: ?إني جاعلك للناس? لا خصوصية الإمامة.\rالمسألة الحادية والثمانون\rأجمعت الأمة على أن التنصيص طريق إلى إثبات الإمامة، واختلفوا في البيعة، فقال المعظم من الفرق أنها طريق إليها، خلافاً للاثنا عشرية والزيدية.\rلنا أن الدليل دل على إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وما كانت إمامته إلا بالبيعة، إذ لو كان للنص لكان توقيف الأمر على البيعة خطأ عبثاً / خالياً عن الفائدة، لأن النص سبب مستقل بإثباتها فلا فائدة في التوقيف على البيعة.\rولأن الإجماع حاصل على عدم التنصيص على إمامته، أما على رأي الخصم فظاهر، فإنه يدعي النص على إمامة علي رضي الله عنه، فكيف يمكنه القول به.\rوأما على رأي المعظم فلأنهم موافقون للخصم بأنه لم يوجد نص على إمامته، وإنما أثبت بالبيعة والاختيار.\rاحتجوا: بأن الإمام يجب أن يكون معصوماً، ولا يعرف ذلك إلا بالنص.\rوجوابه: منع الأول، قد مر بيانه.\rالمسألة الثانية والثمانون\rفي أنه لم يوجد نص من الرسول صلى الله عليه وسلم على إمامة أحد من الصحابة\rوقال الاثنا عشرية: نص على إمامة علي عليه السلام نصاً جلياً.\rوهو باطل عندنا لوجوه:","part":1,"page":124},{"id":126,"text":"أحدها: أنه لو نص على إمامته رضي الله عنه لاشتهر، لأنه من الوقائع العظيمة، والوقائع العظيمة يجب اشتهارها، وإلا لأدى ذلك إلى القدح في العلوم اليقينية، ولو اشتهر لعرفه الموافق والمخالف، ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يوجد بالنص.\rوثانيها: أن الأنصار لما طلبوا الإمامة دفعهم أبو بكر رضي الله عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: ?الأئمة من قريش? وهم سلموا / ذلك، وامتنعوا من الطلب مع أن دلالته ليست جلية ولا تقبل التأويل، فلو كان النص على إمامة علي رضي الله عنه حاصلاً لأظهروه، ولامتنع الصديق من طلبه، أو وإن لم يمتنع عنه من تلقاء نفسه كانوا يمنعونه لشدة طاعتهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكثرة رغبتهم لامتثال أوامره، والتقية زائلة، لأن عصبة علي رضي الله عنه أكثر وأقوى وأشجع.\rوثالثها: أن النبي صلى الله عليه وسلم إن كان أوصل الخبر إلى أهل التواتر وجب أن يحصل به العلم للكل، وإنْ مَا أوصله إليهم بل إلى الآحاد، فهو باطل.\rأما أولاً: فلأنه لا يكتفى به في مثل هذا الأصل.\rوأما ثانياً: فلأن الإمامية لا يجوزون العمل بخبر الواحد في الفرعيات، فكيف يجوزون في مثل هذا.\rوأما ثالثاً: فلأن هذا جار مجرى أصول الشريعة من وجه أن الإمام خليفة الرسول في الدين ومصالح الدنيا، ولا يكتفى في أصول الشريعة بأخبار الآحاد.\rواحتجوا: بأن الشيعة مع كثرتهم في شرق البلاد وغربها ينقلون هذا الخبر.\rوجوابه: أنه لم يعرف ذلك من كتاب معتبر في الحديث، بل المشهور / أن واضعه ابن الراوندي، ثم إن الروافض لشدة شغفهم أشاعوه.\rالمسألة الثالثة والثمانون\rفي أن الإمام الحق بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر\rثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم\rوالدليل وجوه:","part":1,"page":125},{"id":127,"text":"أحدها: قوله تعالى: ?قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد? وليس هذا الداعي هو الرسول عليه الصلاة والسلام وإلا لزم التناقض، لأن قوله تعالى: ?قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل? هو قول الرسول، فحينئذ يلزم أن يكون دعاهم ومنعهم وهو تناقض، وليس المراد منه علياً رضي الله عنه لأنه لم يتفق له قتال مع الكفار بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فينافيه قوله تعالى: ?تقاتلونهم أو يسلمون?، وليس المراد منه من هو بعد علي رضي الله عنه إجماعاً لأنه مقطوع بخطئه، فلم يجز حمل الآية عليهم لقوله تعالى: ?فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً? فلا يؤمر بطاعته، فتعين أن يكون أحد الثلاثة الباقين، فتدل الآية على حقيقة خلافته لقوله تعالى: ?فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً?، ولا يقال مثل هذا للمخطئ وأي واحد ثبت خلافته ثبت / خلافة الصديق ضرورة أنه لا قائل بالفصل.\rوثانيها: قوله تعالى: ?وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات? الآية.\rووجه الاستدلال بها أنه تعالى وعد جماعة من الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستخلاف في الأرض، فالمراد منه إن كان كل من وصلت الخلافة إليه فظاهر، وإن كان بعضهم لم يجز أن يكون ذلك البعض هو علي والحسن والحسين.\rأما أولاً فلقوله تعالى: ?آمنوا? مشعر بتجدد الإيمان وطريانه، وهو في حقهما محال، لأنهما ولدا مؤمنين.\rوأما ثانياً فلأنهما لم يحصل لهما التمكين في الدين الذي ارتضى لهما أصلاً ولا استبدلا الخوف بالأمن، بل ما برحوا في الخوف [ على ما هو مشهور ](1) رأي الشيعة، وحينئذ يجب حمله على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فإن هؤلاء حصل فيهما التمكين في الأرض والأمن من بعد الخوف، فيلزم أن يكون أبو بكر إماماً حقاً بعد الرسول عليه الصلاة والسلام.\r__________\r(1) غير واضحة بالأصل.","part":1,"page":126},{"id":128,"text":"وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: ?اقتدوا باللذين من بعدي أبو بكر وعمر?، وهو صريح في أنهما يتوليان الأمر من بعده، وأمر الاقتداء بهما، فلو كانا مبطلين في ذلك لما أمر بالاقتداء / بهما إذ ذاك.\rورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: ?ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر?، ومثل هذا المدح العظيم لا يرد في حق المبطل الغاصب.\rوخامسها: قوله صلى الله عليه وسلم: ?الخلافة بعدي ثلاثين سنة ثم تصير ملكاً? وهو صريح في أنهما من الخلفاء المحقين لا من الملوك الظالمين.\rوسادسها: من المعلوم قطعاً أن علياً رضي الله عنه ما حارب أبا بكر في طلب الخلافة، ولو لم تكن إمامة أبي بكر حقاً وإلا لحاربه كما حارب معاوية.\rوسابعها: أنه لو كانت الخلافة ثابتة لعلي رضي الله عنه ولم يحارب من طلبه من ظلمه في ذلك مع أنه أقوى منه، وأكثر الناس تبعاً لكان عاصياً بتركه، والعاصي لا يستحق الإمامة.\rاحتج المخالف بقوله عليه الصلاة والسلام: ?ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه?، وبقوله عليه الصلاة والسلام: ?أنت مني بمنزلة هارون من موسى?، وبحديث الطير ونحوه.\rوجوابه: أنه محمول على تعظيمه وتكريمه وعلو رتبته في الدين، لا على خلافته، جمعاً بين الدليلين، وإذا ثبت أن خلافته حقة لزم أن خلافة عمر / وعثمان حقة أيضاً.\rالمسألة الرابعة والثمانون\rفي أن أفضل الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر\rثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم، ففضلهم على ترتيب خلافتهم","part":1,"page":127},{"id":129,"text":"وإنما قلنا ذلك لأن معنى قولنا: فلان أفضل من فلان أن محله عند الله تعالى أرفع في الدار الآخرة، وهذا غيب لا يطل عليه أحد سوى الله تعالى، أو أطلعه عليه لكن لم يوجد نص من الله ورسوله ذلك في حق كل واحد منهم، بل لو وجد فإنما هو في حق البعض كما وجد في حق أبي بكر، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ?ما طلعت الشمس ولا غربت..? الحديث.\rلكن الصحابة لما أجمعوا على تقديم بعضهم على بعض دل ذلك على إطلاعهم من أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وسماع كلامه على أفضليته، فقدموا أبا بكر رضي الله عنه على غيره، فهو أفضل من غيره.\rثم أنه نص على عمر، ثم أجمعوا بعده على عثمان، ثم على علي رضي الله عنهم، فدل ذلك على أفضليتهم بحسب خلافتهم.\rوأيضاً الحكم بالأفضلية حكم خفي في غاية العسر، فلا بأس في الرجوع في ذلك إلى التقديم بالخلافة.\rوزعمت الشيعة وكثير من المعتزلة أن / أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم علي رضي الله عنه.\rواستدلوا عليه بأنه أكثر جهاداً من أبي بكر في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم، والعلم به ضروري بعد استقراء السير، وحينئذ يلزم أن يكون أفضل لقوله تعالى: ?وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً?.\rوجوابه: منع أنه أكثر جهاداً منه، بمعنى أنه أكثر خروجاً له، حتى تدل الآية على أفضليته بالنسبة إلى من ليس كذلك، بل هو أكثر جهاداً منه بمعنى أنه أكثر مباشرة وأكثر قتالاً، والآية الكريمة لا تدل على أفضليته بالنسبة إلى من ليس كذلك.\rسلمناه، لكن الجهاد الذي حصل للصديق بعد الرسول عليه الصلاة والسلام كقتاله مانعي الزكاة وغيره لم يحصل لعلي مثله، ولا شك أن في ذلك تمهيداً للدين وتقريراً له، ولولاه وإلا لارتد أكثر العرب.","part":1,"page":128},{"id":130,"text":"سلمناه، لكن الجهاد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم جهاد لدعوة الدين، وجهاد بالسيف، ومعلوم أن الصديق رضي الله عنه أكثر من علي في النوع الأول، كما أن علياً كرم الله وجهه أكثر منه في النوع الثاني، ولهذا أسلم بسبب دعوته عثمان وطلحة والزبير / وسعد وسعيد وأبو عبيدة بن الجراح، ولا شك أن هذا الجهاد وقع في ابتداء الأمر عند ضعف الإسلام، وجهاد علي كرم الله وجهه وقع في قوة الإسلام، فكان الأول أولى.\rالمسألة الخامسة والثمانون\rفي أن الإمام الحق بعد عثمان رضي الله عنه، علي كرم الله وجهه ورضي عنه\rلاتفاق أهل الحق والعقد على إمامته وطعن من طعن فيه بأنه ما أقام على قتلة عثمان القصاص فليس بقادح في ذلك، لأن شرائط وجوب القصاص كثيرة مختلفة باختلاف الاجتهادات، فلعل اجتهاده رضي الله عنه لم يؤد إلى كونهم موصوفين بشرائط وجوب القصاص.\rوأيضاً فإن في القوم كثرة ولم يتمكن رضي الله عنه من إقامة القصاص عليهم أو وإن تمكن لكن خاف من إثارة فتنة مفسدتها أكثر من مفسدة تأخير القصاص، فلذلك أخره.\rوكذا طعن من طعن فيه من الخوارج بأنه رضي بالتحكيم وهو يدل على أنه شاك في إمامته ليس بقادح في إمامته، لأنه رضي الله عنه إنما رضي به لأنه رأى من قومه الفشل والضعف، وأنه لو لم يرض بالتحكيم لخرجوا عن طاعته والانقياد لأوامره.\rواعلم أنه يجب أن / يعتقد في الصحابة بأسرهم العدالة والتزكية عن القوادح التي لا تليق بهم، واستحقاقهم الثناء عليهم بالخير والأمانة دون العصمة، فلا التفات إلى من بسط لسانه بالطعن فيهم، كما لا يلتفت إلى من بالغ في اعتقاد عصمتهم، فكلا طرفي الأمور ذميم، وخير الأمور أوسطها.\rوالدليل عليه أن كتاب الله وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم واردة في الثناء عليهم، وهي كثيرة جداً غير خافية.","part":1,"page":129},{"id":131,"text":"وما روي من القوادح فهو من طريق الآحاد أكثرها كذب، والذي هو صحيح فهو قابل للتأويل، فلا يجوز ترك ظواهر النصوص الدالة على حسن حالهم وخيرتهم بتلك الأكاذيب والمحتملات.\rوكذا يجب تعظيم طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم، ويجب إمساك اللسان عن الطعن فيهم لما سبق، ولأنه ورد في حقهم من الثناء والتعظيم ما لا يرد في حق عامة الصحابة، فكان اعتقاد عدالتهم وأمانتهم وحسن حالهم أولى.\rوما يحكى عما جرى بينهم وبين علي رضي الله عنهم فهو أكاذيب أو محتملاً لا يعارض الظواهر الواردة في حقهم.\rالمسألة السادسة والثمانون\rفي شرائط الإمامة\rيشترط / في الإمام أن يكون مسلماً ذكراً حراً بالغاً عاقلاً عدلاً مجتهداً في أصول الدين وفروعه، وأن يكون ذا رأي وصيانة يدير الحرب والسلم، يشتد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين، وأن يكون شجاعاً مجتمع القلب قلما يضعف عن اللقاء العدو ولا يجبن عن القيام بالحرب، والانتساب إلى قريش معتبر عندنا وعند أكثر الأئمة.\rوقال الخوارج وجمع من المعتزلة: لا يعتبر.\rلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: ?الأئمة من قريش? كيف وقد انعقد الإجماع عليه إذ تمسك به الصديق على دفع إمامة الأنصار ولم ينكر عليه فكان إجماعاً.\rاحتج المخالف بقوله عليه الصلاة والسلام: ?أطيعوا السلطان ولو تأمر عليكم عبد حبشي أجدع?، فإن ظاهره يقتضي نفي الانتساب إليه.\rوجوابه: أنا لا نشترط في السلطان ذلك، وليس كل سلطان إماماً، بل كل إمام سلطان، ولا يلزم من اشتراط وصف في الخاص اشتراطه في العام، على أن المراد منه أنه لو تولى ذلك غصباً وإكراهاً تجب طاعته، ولا نزاع أنه يجب طاعته إذ ذاك.\rثم الموصوف بهذه الصفات إن تعين تعينت / الإمامة فيه، وإلا فالإمام من بايعه الأكثر من أهل الحل والعقد.","part":1,"page":130},{"id":132,"text":"والمخالف للأكثر باغ يجب عليه عوده إلى الانقياد للآخر، وإذا تصدى للإمامة من ليس فيه العدالة والعلم وكان في دفعه إثارة فتنة لا تطاق حكم بانعقاد إمامته للضرورة، لكن يجب رفضه مهما تمكنوا من رفضه، وهذا كما تنفذ أحكام أهل البغي للضرورة.\rالمسألة السابعة والثمانون\rمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وأصحابه ومعظم الحنفية: الإيمان عبارة عن التصديق بالجنان، والإقرار باللسان سبب لظهوره وشرط لإجراء أحكامه.\rوقال جمع من الحنفية وغيرهم: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان.\rوقال الشافعي وعامة أهل الحديث: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان.\rلكن اتفقوا على أن صاحب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وهو في غاية الإشكال.\rوقالت المعتزلة: هو عبارة عن الثلاثة المذكورة، لكن صاحب الكبيرة يخرج عن الإيمان، وإن لم يدخل في الكفر.\rوقالت الخوارج: هو عبارة عن الثلاثة المذكورة لكن صاحب الكبيرة يدخل في الكفر لمنفصل /.\rوقالت الكرامية: هو الإقرار باللسان.\rوقالت الجهمية: هو المعرفة، ويلزمهم أن يحكموا بصحة إيمان المعاند، لحصول المعرفة، ولا يلزم القائلين بالتصديق ذلك لأن العناد ينافي التصديق فلا يوجد معه.\rلنا: وجوه:\rأحدها: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال الله تعالى: ?وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين?، أي بمصدق والأصل عدم النقل.\rوثانيها: الأدلة الدالة على أن القلب محل الإيمان كقوله تعالى: ?أولئك كتب في قلوبهم الإيمان?، وقوله تعالى: ?وقلبه مطمئن بالإيمان?، وقوله تعالى: ?ولما يدخل الإيمان في قلوبكم?، وقوله عليه الصلاة والسلام: ?هلا شققت عن قلبه?، وقوله عليه الصلاة والسلام: ?يخرج من النار من في قلبه ذرة من الإيمان?، ومعلوم أن القلب ليس محل الإقرار ولا محل العمل بالأركان، بل هو محل التصديق.","part":1,"page":131},{"id":133,"text":"وثالثها: الآيات الدالة على مجامعة الإيمان مع الكبائر، لقوله تعالى: ?الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم?، وقوله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى?، سمى قاتل النفس عمداً وعدواناً بالمؤمن، وكقوله تعالى: ?وإن طائفتان من المؤمنين / اقتتلوا?، الآية.\rورابعها: الآيات الدالة على أن الأعمال الصالحة معطوفة على الإيمان كقوله تعالى: ?الذين آمنوا وعملوا الصالحات?، ولقوله: ?إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات? ونحوه، مما يدل على أن الإيمان شرط لصحة الأعمال كقوله تعالى: ?ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن?.\rواحتجوا بأن الأعمال الصالحة تسمى بالدين، كقوله تعالى: ?وذلك دين القيمة? يعني ما تقدم من الأعمال، والدين هو الإسلام لقوله تعالى: ?إن الدين عند الله الإسلام?، والإسلام هو الإيمان إذ لو كان غيره لما كان مقبولاً من متبعيه لقوله تعالى: ?ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه?، وهو مقبول إجماعاً، ولقوله تعالى: ?فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين?، وحينئذ يلزم أن تكون الأعمال الصالحة داخلة تحت اسم الإيمان.\rوجوابه: لما تعارضت الدلائل وجب التوقف أو الترجيح وهو معنا، أما للأول فهو أن الإيمان بمعنى التصديق أصل والعمل بالأركان ثمرته، وقد يطلق اسم الأصل على الثمرة مجازاً فكذلك جاز إطلاق اسم الإيمان على العمل بالأركان / لكونه ثمرته.\rوأما الترجيح فلأن ما قلنا لا يقتضي النقل، وما ذكروه يقتضيه فكان ما ذكرنا أولى.\rالمسألة الثامنة والثمانون\rفي أن الإيمان هل يزيد وينقص أم لا ؟\rالمشهور من مذهب الشافعي، وأصحاب الحديث أنه يقبل الزيادة والنقصان.\rوالمشهور من مذهب الحنفية أنه لا يقبل ذلك، وهو مذهب الشيخ.\rواعلم أن هذه المسألة مبنية على ما تقدم فمن قال: الإيمان عبارة عن التصديق والإقرار والعمل، قال: إنه يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي.","part":1,"page":132},{"id":134,"text":"ومن قال: إنه عبارة عن التصديق بالجنان فإن اعتبر فيه أن يكون ذلك بالبرهان قال: إنه لا يقبل الزيادة والنقصان، لأن التصديق الجازم المستفاد من البرهان لا يتصور فيه ذلك، وإن لم يعتبر فيه ذلك بل اعتبر فيه التصديق الجازم المطابق كيف ما كان فإنه أيضاً يقبل ذلك، لأن المقلدين نراهم في التقليد متفاوتين، فمنهم من لا يقبل التشكيك ولا ينفعه إقامة البرهان على خلافه، ومنهم من ليس كذلك، بل هو سريع الرجوع بأدنى دلالة، وبينهما مراتب كثيرة، فلا جرم قلنا هذا النوع / من التصديق يقبل الزيادة والنقصان.\rوعلى هذا ينبني صحة إيمان المقلد، فمن اعتبر في الإيمان أن يكون التصديق مبنياً على البرهان لم يصحح إيمانه.\rومن لم يعتبر ذلك بل اكتفى بالتصديق المطابق الجازم صحح إيمانه.\rوصحة إيمان المقلد مذهب عامة الفقهاء وأئمة الحديث، وعدم صحته مذهب الشيخ وأصحابه والمعتزلة وعامة المتكلمين.\rوالأول أولى، لأنه أوفق لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم عليه عامة العرب بمجرد التلفظ بكلمتي الشهادة على الإيمان وأحكامه.\rالمسألة التاسعة والثمانون\rمذهب جمع عظيم من الصحابة والتابعين صحة قول المؤمن: أنا مؤمن إن شاء الله، وهو مذهب الشافعي، وأنكره أبو حنيفة وأصحابه.\rوالخلاف لفظي، لأن الذي جوزه لم يجوزه بمعنى الشك في تصديقه الجازم في الحال، بل إما للتبرك كما في قوله تعالى: ?لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين?، أو وإن كان للشك لكن الإيمان عنده عبارة عن مجموع الأمور الثلاثة المذكورة، والشك في تطرق الشك في الأفعال لكونها متجردة، والشك فيها يوجب الشك في الإيمان لكونها جزء / ماهية الإيمان، أو وإن لم يكن الإيمان عنده عبارة عن الثلاثة المذكورة، بل هو عبارة عن التصديق فقط، لكن استمرار هذا التصديق إلى أول العمر الذي هو الإيمان النافع مما يتطرق إليه الشك، فجاز أن يشك في استمرار على الوجه المذكور لا في وجوده في الحال الذي هو الشك المحذور.","part":1,"page":133},{"id":135,"text":"وأما الذي لم نجوزه فإنما لم نجوزه لهذا المعنى، فلا نزاع في المعنى.\rالمسألة التسعون\rفي حد الكفر وبيان من يجب أن يكفر من الفرق ومن لا يكفر\rأما حده، فقد قال القاضي أبو بكر: إنه الجحد بالله تعالى، وفسره تارة بالجهل وتارة بأنه يتضمن الجهل، وهو باطل لأنه إن أراد به الجهل بوجوده لم ينعكس وإن أراد به الجهل بذاته أو بصفة من صفاته لم يطرد لأن أصحابنا اختلفوا في كثير من صفات الله تعالى، ولا شك أن الحق في ذلك واحد، والمخالف له يكون جاهلاً بتلك الصفة، فيلزمنا تكفير أصحابنا، ولا ينعكس لأن العارف بالله تعالى وصفاته إذا أنكر نبوة النبي صلى الله عليه وسلم أو أنكر شيئاً من القرآن أو من أركان الدين فهو كافر.\rوأصح ما قيل في حده ما قاله الشيخ / الغزالي رحمه الله، وهو: تكذيب الرسول في شيء مما جاء به.\rوالمراد من التكذيب إما نفسه أو ما علم من الدين بالضرورة دلالته على التكذيب، فيدخل تحته شد الزنار وإلقاء المصحف في القاذورات والاستخفاف بالأنبياء ونحوه من الأفعال، فإنا نعلم بالضرورة من دينه دلالة هذه الأشياء على التكذيب، فلا جرم استدللنا بصدوره على التكذيب.\rفإن قلتَ: عدم التصديق كاف في التكفير، وهو أعم من التكذيب، فلا ينعكس الحد، فيكون باطلاً.\rقلتُ: لا نسلم أنه أعم، لأنه لما ادعى وجوب تصديقه على غيره فعدم تصديقه في ذلك يكون تكذيباً له فيه، فلا يكون أعم.\rوأما بيان من يكفر ومن لا يكفر:\rفذهب جمع عظيم من العلماء كالشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما والشيخ أبي الحسن الأشعري وأصحابه أنا لا نكفر أحداً من أهل القبلة، إلا إذا دل دليل قاطع لا يقبل التأويل على تكفيره.","part":1,"page":134},{"id":136,"text":"فعلى هذا نكفر الفلاسفة القائلين بقدم العالم، ونفي حشر الأجساد، ونفي العلم بالجزئيات إنما هو لأجل أن العلم الضروري حاصل / من دين الأنبياء بثبوت العلم بالجزئيات وحدوث العالم والقول بحشر الأجساد، فمن أنكره لا ينكره بناء على التأويل، لأن ما يفيده لا يقبله، بل إنما ينكره بناء على جواز الكذب عليهم، ولهذا يصرحون بجواز الكذب على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام للمصلحة.\rوأما غيرهم من الفرق كالمعتزلة والروافض والخوارج والمشبهة ففي تكفيرهم خلاف، والأصح عدمه، لأن إنكارهم الحق بالتأويل لا بطريق تجويز الكذب عليهم [ عليهم ] الصلاة والسلام، وهم قائلون بتكفير المكذب لهم.\rوأما المجسمة ففيهم خلاف ظاهر.\rوقال الأستاذ: إنما أكفر من يكفرنا دون غيرهم، وتمسكه في ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: ?من قال لأخيه: يا كافر فقد باء به أحدهما?.\rوهو خبر واحد قابل للتأويل، فليس بقوي الدلالة.\rفرع:\rمن لم يكذب الرسول صريحاً، لكن ينكر أصلاً من أصول الدين المعلومة بالضرورة دينه عليه الصلاة والسلام كوجوب الصلوات / الخمس أو واحدة منها، أو ينكر وجوب الحج أو غيره من الأركان فهو كافر أيضاً، لأنه مكذب في المعنى، وإن لم يصرح به، لا من ينكر المعلومات الضرورية التي ليست من أركان الدين، كمن أنكر غزوة من غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة التي ليست في القرآن، أو أنكر وجود أحد من الصحابة المعلوم بالضرورة صحبته، لأنه وإن كان من المعلومات الضرورية إلا أنه ليس أصلاً من أصول الدين الذي يجب التصديق به.\rفهذا آخر ما أردنا أن نورد في هذه الرسالة، فلنختم الكتاب حامدين ومصلين:\rالحمد لله رب العالمين، وصلواته على أنبيائه والمرسلين، خصوصاً على مولانا وسيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.","part":1,"page":135},{"id":137,"text":"كتبها لنفسه العبد الفقير إلى الله تعالى، عمر إبراهيم بن عمر بن المهذب بن الواسطي الشافعي، في مدة آخرها العشرين من شهر المحرم سنة ثلاثة عشرة وسبعمائة /.","part":1,"page":136}],"titles":[{"id":1,"title":"الرسالة التسعينية في الأصول الدينية","lvl":1,"sub":0},{"id":2,"title":"ترجمة المؤلف","lvl":1,"sub":0}]}